الصراع الخفي وحرب الصور المشفرة بين الزعماء العرب قبيل “صفقة القرن!”

محمد بن سلمان رفقة السيسي وبن زايد وآل خليفة

بقلم نضال منصور/
أثارت الصورة التي نشرت للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط ملك البحرين محمد بن عيسى آل خليفة وولي العهد السعودي محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد أسئلة عن مغزاها ودلالاتها، خاصة وأنها نشرت قبيل القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول، التي جاءت على خلفية أحداث غزة.
فهم بعض المراقبين الأمر على أنه يتعدى التحالف القائم بينهم ضد دولة قطر، إلى تحالف سياسي يملك رؤية متماثلة في التحديات التي تواجه العالم العربي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
حرب الصور “المشفرة” لم تتوقف. فقد التقطت صورة تجمع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، قبيل سفره إلى اسطنبول للمشاركة في القمة الإسلامية، مع أشقائه الأربعة، وجاء اصطحابه لهم إلى قمة اسطنبول بمثابة رسالة سياسية واضحة لمن يحاولون تقويض وتحجيم الدور “الهاشمي” فيما يتعلق بقضية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
كان لافتا مصافحة الملك الأردني للرئيس الإيراني بعد سنوات من القطيعة مع طهران
رغم التحرك الدبلوماسي الأردني الواسع، ونشاط وزير خارجيته أيمن الصفدي وكلامه الواضح في التعبير عن المواقف الأردنية، إلا أن دائرة صنع القرار تدرك أن الأردن ربما يواجه حصارا سياسيا واقتصاديا غير مسبوق، ويتعرض لمحاولات عزله وتحجيما لدوره من قبل دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات. بل يذهب بعض المراقبين للمبالغة بالقول إن الأردن يواجه أزمة وجود وبقاء تهدده، وتشابه ما حدث إبان هزيمة حزيران/يونيو 1967، والحصار الذي تعرض له عام 1990، بعد احتلال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لدولة الكويت.
الرؤية المتفائلة للأردن تذكر بأن النظام الأردني كان يخلق من التحديات والأزمات فرصا وقصصا للنجاح، بل كان ينهض أكثر قوة وتماسكا.
عدا الأزمة الاقتصادية المتصاعدة التي تواجه الأردن، فإن الإدارة الأميركية في عهد ترامب، خاصة وهي تتهيأ لطرح ما سمي “صفقة القرن” يبدو وكأنها تهمّش عمان، وما عادت تضعها في المقدمة والصدارة وتستدير نحو دول الخليج للتفاهم معها حتى في قضايا مفصلية وجوهرية تمس الأردن، وتؤثر به، مثل قضية القدس وعملية السلام.
لا يعرف الأردن كيف يستطيع كسر هذا “الطوق”، فالمناورة السياسية لا تكفي لتغيير الوقائع على الأرض. وهو في الغالب لا يريد أن يتسرع باستدارة سياسية وبناء تحالفات جديدة تخرج عن المألوف في تحرك الدولة الأردنية منذ عام 1990، وهو أيضا لا يريد التصادم والمواجهة مع دول اعتبرت حليفا تاريخيا له!


شارك الأردن بقوة بقمة إسطنبول. جلس الملك عبد الله إلى جانب الرئيس التركي أردوغان الذي يسعى لقيادة المعسكر السني ومنازعة السعودية سلطتها، وانتزع الأردن موقفا واضحا بدعم شرعيته ووصايته على المقدسات. والملفت مصافحة الملك الأردني للرئيس الإيراني بعد سنوات من القطيعة مع طهران، وتبع ذلك زيارة الأمير علي شقيق الملك عبد الله إلى الدوحة لحضور المباراة النهائية لكأس الأمير في قطر، في خطوة خارج السياق واعتبرت غزلا سياسيا بين العاصمتين بعد أن انحازت عمان مضطرة إلى الموقف السعودي الإماراتي في الأزمة الخليجية.
وأكثر من ذلك ذهب رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة في كلمته باحتفال استقلال الأردن بحضور الملك عبد الله إلى توجيه انتقادات تعدت التلميح للقول “وتخلي الشقيق وتغير الحليف وحصار الحق أمام زحف الباطل، وجعل العدالة فائضا لا مكان له في هذا الزمان”.
كلمة الطراونة التي نشرتها وكالة الأنباء الرسمية “بترا”، سحبت وأعيد نشرها بدون هذه الفقرة التي تتحدث عن تخلي الأشقاء وتغير الحلفاء!
ربما تغضب هذه التحركات الأردنية الرياض وأبوظبي وحتى واشنطن، لكنها في نهاية المطاف لا تشكل تغييرا، فالأردن لم يعدا عرابا للطبخة السياسية الإقليمية، وربما يشعر بالأساس أن “الطبخة” قد تفرض معطيات لا تعجبه ولا يتقبلها وتمس بشرعيته.
فقد تجاهل كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي وزوج ابنته، الإشارة للدور الأردني في القدس خلال حديثه في احتفالية نقل سفارة الأميركية. وحتى موعد إعلان الرئيس الأميركي عن تفاصيل “صفقة القرن” المتعلقة بعملية السلام سيقف الأردن على أطراف أصابعه، فهو حتى الآن ليس داخل اللعبة؛ وباعتقادي من الصعب أن يظل متفرجا وخارجها.
كل ما كتب عن “صفقة القرن” حتى الآن يأتي في خانة التسريبات والتكهنات، لكن يمكن القول إنها في شكلها النهائي قد تكون منحازة لإسرائيل على حساب المطالب الفلسطينية. ويعد الجانب الفلسطيني الطرف الأضعف في المعادلة السياسية، ولكنه في الوقت ذاته الأكثر قوة، وسلاحه الوحيد رفض التوقيع، وبدون موافقته لن تكون هناك صفقة في نهاية المطاف.
يتزامن اقتراب موعد إعلان “صفقة القرن”، حسب معلومات ستعلن بعد عيد الفطر، مع مرض الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبعد أشهر على عقد المجلس الوطني الفلسطيني في رام الله.
وتتزامن كذلك مع شائعات ترتيب البيت الفلسطيني بعد رحيل أو تنحي الرئيس أبو مازن. وما يجري تداوله، هو تولي ناصر القدوة رئاسة السلطة ومحمود العالول رئاسة منظمة التحرير وجبريل الرجوب رئاسة حركة فتح.
السؤال الذي يناقش في الغرف المغلقة في عمان: ما هو الموقف الأردني من “صفقة القرن” وهل سينخرط بها، وهل يملك قوة التأثير لتغيرها أو منعها، وإن تضررت مصالحه فماذا سيفعل؟
حسب ما نشرته جريدة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية فإن أبرز ما في صفقة القرن بصورتها النهائية ضم 10 في المئة من أراضي الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية، وهذا يشمل القدس الشرقية والخليل، على أن تقام العاصمة الفلسطينية في منطقة محاذية للقدس.
وتؤكد الصحيفة بأن الصفقة تنص على دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لا تملك سيطرة على الحدود والمعابر والأجواء ولا يذكر فيها حق عودة اللاجئين.
على ضوء هذه المعلومات غير المؤكدة، فإن عودة اللاجئين في الصفقة المفترضة غير واردة، وهذا يعني أن على الأردن أن يتعايش ويتقبل حقيقة الأمر الواقع بأن عودة الفلسطينيين ما عادت مطروحة على الطاولة، وأن مطالبات التعويض المالي للحكومة والأفراد هي ما يمكن بحثه.
الأمر الآخر، ما هو الدور الأردني المتوقع في “الضفة الغربية”؟ وهل سيتقاسم الأردن ومصر المسؤوليات الأمنية في قطاع غزة والضفة وتمارس السلطة الفلسطينية حكما مدنيا على أراضيها؟ وهذا السيناريو عزز الكلام عن عودة خيار الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية. وقد نقل عن رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد السلام المجالي حديثه في مدينة نابلس عن إحياء فكرة “المملكة المتحدة” التي طرحها الملك حسين قبل عقود.
دائرة صنع القرار تدرك أن الأردن ربما يواجه حصارا سياسيا واقتصاديا غير مسبوق
الأكثر أهمية للأردن هو موضوع القدس والاحتفاظ بدوره بالوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهو ما نصت عليه اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية. ووفق السيناريو الذي يروج أميركيا وإسرائيليا فإن القبول بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين ليس مطروحا وعليه فيتو إسرائيلي، والمطروح هو عاصمة فلسطينية في “أبو ديس” خارج حدود القدس القديمة. والأكثر تعقيدا هو تراجع فكرة “الوصاية الدولية” على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية والتي تقدر بحدود كيلومتر مربع، والتي كان الملك حسين يتحدث عن أن الولاية فيها لله.
إذا كانت هذا الصفقة تحظى برضى أطراف أساسية عربية مثل مصر والسعودية، فما هو تأثير الموافقة أو الرفض الأردني؟
وأسئلة أخرى مرتبطة مثل: هل هناك حزمة مساعدات اقتصادية ومالية سترتبط بهذه “الخطة ـ الصفقة”، وهل هناك هوامش للمناورة والرفض أم سيتم فرضها وتمريرها بغض النظر عن مواقف الدول؟
سؤال خارج النص: ماهي فرصة أن تمر “صفقة القرن” في ظل هذا الصراع الإقليمي؛ حرب في سورية، وإيران مهددة، واليمن مشتعل، أم أن صفقة القرن خطوة ترتبط بتدشين تسوية إقليمية كبرى؟ وهل سيسبق طرح الصفقة مصالحة خليجية توقف الخلاف مع قطر يكون عرابها ترامب ليتفرغ لإدارة الملفات الأخرى؟
تذكرت وأنا أحاول تركيب هذه السيناريوهات الفيلم المصري قبل سقوط الرئيس حسني مبارك وعنوانه “هي فوضى”، وبالفعل ما يحدث في منطقتنا فوضى كاملة الأوصاف.
شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.