طهران استعادت ‘حماس’… وربما ‘الإخوان’

بقلم حازم الأمين/
ما صرح به مسؤول حركة “حماس” في غزة يحيى السنوار لقناة الميادين القريبة من نظامي دمشق وطهران عن أن علاقة “حماس” بإيران لم تنقطع يوما حتى في أحلك المحن وأن هذه العلاقة اليوم هي في أحسن أحوالها وأن طهران لم تتوقف يوما عن دعم الحركة الإسلامية الفلسطينية بالمال والسلاح، هذا التصريح، لم يجر التوقف عند ما يعنيه على رغم بعض البلبلة التي أثارها في أوساط جماعات الإخوان المسلمين، لكنها بلبلة انطوت على قبول أو على تفهم لما كشفه السنوار.
العلاقة بين “حماس” وطهران في أحسن حالاتها هذه الأيام. هذا مؤشر كبير، لا بل مؤشر هائل، ذاك أنه مدخل لاستئناف طهران علاقة انقطعت مع بيئة سنية واسعة لا تقتصر على غزة ولا على الضفة الغربية. فحماس تمسك بقرار جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وتشكل غالبيتهم. وحماس تقيم في قطر أيضا، وتصريح مسؤولها في غزة لا ينفصل عن هذا الحساب. ولحماس أيضا علاقات وطيدة مع أنقرة ومع الحزب الحاكم فيها، ولأنقرة نفوذ كبير في أوساط جماعة الإخوان المسلمين السوريين، وهذه كلها قنوات صار فتحها ممكنا، أو على الأقل لم تعد تعيش حالا من الانسداد.
انكفأت “حماس” مرغمة عن طهران في أعقاب الانتفاضة السورية في العام 2011
إنه مؤشر كبير، على رغم أنه من المبكر أن تقطف طهران ثماره. فالقيادة الجديدة لحماس (اسماعيل هنية ويحيى السنوار) حاسمة في رغبتها في الكشف عن أن العلاقة مع طهران استؤنفت، لا بل أنها لم تنقطع يوما. حماس المحاصرة في غزة والمصنفة إرهابية في الخليج والمعاقبة بقوانين أميركية، قررت أن لا وجهة لها إلا طهران. وهذه لحظة سياسية قبل أن تكون انتقامية، ذاك أن الحركة عندما كشفت ما كشفته لجهة علاقاتها بإيران تحسست ما يجري حولها. فطهران وأنقرة تنسقان في سورية، والقطيعة بين دول الخليج رسمت خطوط انقسام تتيح للحركة معاودة علاقتها مع راعيها القديم بعد الصدام المذهبي الكبير في سورية. والأرجح أن طهران لم تعد تحتمل “التقية” التي مارستها حماس في علاقتها معها طوال المرحلة السابقة. مرحلة الصدام الكبير بين السنة والشيعة في الإقليم.
اقرأ للكاتب أيضا: وجه الشبه بيننا وبين تخلفنا
الاختراق الذي أحدثته طهران كبير فعلا، وهو وإن كان أول الغيث، إلا أنه مقدمة لفك عزلة مذهبية كانت تؤرق دولة ولاية الفقيه. فإيران المسؤولة الأولى، في وعي الجماعات السنية العربية، عن تدمير معظم الحاضرات السنية بدءا من الموصل ومرورا بتكريت وحمص وحلب ووصولا إلى غوطة دمشق، تمكنت من اختراق هذا الوعي بعلاقة معلنة مع أحد مكوناته الرئيسة. إنهم جماعة الإخوان المسلمين. نصف مصر وربع سورية وثلث الأردن. وهم أيضا تركيا وقطر، وربما تضاف إليهم إندونيسيا بعد الانتخابات الأخيرة، وباكستان ليست بعيدة عن هذا المزاج، وإن كانت حساباتها أعقد.


انكفأت “حماس” مرغمة عن طهران في أعقاب الانتفاضة السورية في العام 2011. وهذا الانكفاء هز أركان منظومة “الممانعة” ورسم خطا مذهبيا لها. لم يكترث أحد لارتدادات هذا الانكفاء على طهران، ولم يسع أحد لتعويض “حماس” خساراتها جراء فقدانها عمقها الإيراني. ثمة كسل لم يساعد على تلقف حماس من أحضان طهران. والحركة بدورها كانت تقاوم “حبها الأصلي” لطهران، وكانت تعرف أن ثمن العلاقة معها سيكون خسارتها جوهر ما تدعيه لجهة تمثيلها “الأمة”، والأخيرة في الوعي الإخواني هم الجماعة السنية التي تحاربها طهران في سورية وفي العراق.
الاختراق الذي أحدثته طهران كبير وهو، وإن كان أول الغيث، إلا أنه مقدمة لفك عزلة مذهبية
هذا الاختناق وجد فرصة كي يخرج من حال الانسداد. طهران وحدها من بين دول المنطقة من يملك أنفاسا طويلة ومن يستثمر في سياسات بعيدة الأمد. فالسنوار قال إن دعم طهران الجناح العسكري لـ”حماس” لم يتوقف حتى في ذروة القطيعة السياسية بين الحركة وإيران.
“حماس” لم تكن يوما بعيدة عن طهران. وهي حين ابتعدت لم تخف مرارتها، فالعام 2012 شهد سجالا بين “حماس” و”حزب الله” حول سورية تخلله قدر كبير من “الألم والأسى” ورغبات متبادلة وجامحة باستئناف علاقة بدت في ذلك الوقت مستحيلة.
اقرأ للكاتب أيضا: سورية غير السورية
اليوم لم تعد العلاقة مستحيلة. وطهران التي تعيش عزلة في البيئة السنية في الإقليم نجحت بإحداث اختراق، الأرجح أن يكون مقدمة لترميم مواقعها المتصدعة في هذه البيئة. في لبنان نجحت بإيصال نحو 11 نائبا سنيا حليفا لها إلى البرلمان. وفي سورية ثمة قنوات مع جماعة الإخوان المسلمين عبر أنقرة، وفي الأردن ها هو سفيرها يتجول في عمان مطمئنا حكومتها بأن أمن الأردن من أمن طهران.
خطوات بعضها مؤثر وبعضها رمزي، إلا أنها خطوات تؤشر إلى جهد لا يوازيه أي جهد لخصومها في الإقليم. وهي إذ تستعين بهذا الرصيد لامتصاص تبعات التصميم الأميركي والإسرائيلي على حصارها، ترسل إشارات انكفائية تكشف فيها عن مستويات غير مسبوقة من البراغماتية. وبهذا المعنى تدرك طهران أن الحرب لن تكون لصالحها، وأن لتفاديها خسائر يجب التخفيف منها. واستعادة حماس يعني استعادة ورقة مفاوضة على ساحة حرب جديدة، وحجز مكان على جبهة معلقة، كما هي حال معظم جبهات طهران.
شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.