د. جميل الدويهي في رائعته: “من اجل عينيك الحياة ابيعها”

نص آسر يخفق بصدورنا مع دقات قلوبنا
نبيل عودة
“من أجل عينيكِ الحياة أبيعها”، فورا أدخلني الشاعر المهجري د. جميل الدويهي الى نوسطالجيا ايام الشباب، طبعا لن نبيع الحياة، لكنه تعبير عن الشوق لحسناء سحرته، ربما شابا، وظل سحرها ينمو بين اضلاعه حتى تفجرت مثل هذه القصيدة الإنسانية في مضامينها، بصورها الشعرية الآسرة والمثيرة لكل واحد منا عايش أجمل سنوات الشباب، حرا مثل نحلة تحط على الأزهار .. ما أكثر الأزهار ويا حيرة لم تنته، ونفس لم ترتو من ظمأ الحب، بل ظلت خفقاته خالدة في أرواحنا .. رغم اننا عبرنا جيل الشباب، الى جيل ملعون يجعلنا ملك الرصانة، وروحنا منها براء.
الحنين حين يتدفق شعرا او نثرا يكشف اوراقنا العتيقة، ويغرقنا بنوسطالجيا (حنين) الى متعها التي لا تفارق مشاعرنا، رغم الجيل الذي فرض علينا رصانة واتزانا .. لكن الحنين يتفجر بين فينة وأخرى، بشكل قصة، او قصيدة .. والله لولا الذاكرة لما استحقت الحياة ان نبقى بها لحظة واحدة.
قرأت هذه القصيدة مرات كثيرة، وكلما قراتها اثارت في نفسي العديد من الذكريات والصور التي لا تغيب عن الذاكرة:
جذلانةً ً تمْشي كعزف ربابةٍ
وبنظرةٍ من عينها تغتالُ؟
تذكرني بجرير الذي اشتكى:
إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ، قتلننا ثمَّ لمْ يحيينَ قتلانا


قرأت القصيدة واعدت القراءة وانا في حيرة كبرى، أي نماذج أسجل من هذا العشق الدافق؟
منذُ الولادة ِ ما لديّ هُويّةٌ،
فأنا مصيرٌ غامِضٌ، وسؤالُ
لكنّني في الحُبّ عندي ثروةٌ،
ولديّ من شِعْر الهوى أحْمالُ…
ماذا ارتكبنا من أخطاء بحقك يا جميل حتى تعيدنا لأيام بدأنا ندفنها ونحاول ان نعيش زمننا بما وصلناه من جيل ما بعد الكهولة؟
هل تريد مني تصريح يفضح مشاعري؟ كتبت قصة اثارت ضدي موجة نقد وتهما بالمراهقة، اسم القصة “كنت معها”. وهي لقاء مع حب شبابي الأول، الذي ما زال يخفق في صدري بمجرد تذكر ملوحة دموع معشوقتي.
ماذا أحبُّ؟ أحبُّ أن تتدلّلي،
ويشاغبَ الخصْرُ الذي يخْتالُ…
وأحبُّ في الشفتين ِ أن تتَمرّدا…
إنّ التمرّدَ في الشفاه جَمالُ.
وأريدُ أن تتنازلي… وتُقبّلي
حتّى يَصيرَ بأضْلُعي زلزالُ
مجرد اعادتنا لنوسطالجيا الشباب وصبايا الورد هو زلزال، كثيرا ما عاتبت ربي لماذا لم يطل أيام شبابي لمائة سنة كاملة حتى ارتوي .. ثم ليميتني شابا ابن مائة، وسأكون شاكرا فضله حتى وانا اصرخ من نار جهنم. وأحيانا أغضب من انه خلقني قبل 70 عاما، ولم يكن الجمال متفجرا كما هو في هذه الأيام.. سألوا رئيس لبناني سابق هو كميل شمعون عن رأيه بموديل فستان الميني، الذي يكشف مناطق مغرية من فوق الركبة، فرد “قصروا لما قصرنا”.
الصور الشعرية بهذه القصيدة من الكثافة والرقة وجمال الصياغة ما يجعلها أقرب الى لوحة بريشة رسام .. اهم أمر سحرني هي البساطة في التعبير، لكنها بساطة تحتاج الى قلم مجرب، وتجربة إبداعية وذاكرة تحمل من الورد ما تعجز عنه قاطرة …
لا أعزائي أنا لا اكتب نقدا، بل انطباعات قارئ، تركت في نفسه هذه الكلمات باقة ورد وحنين دافق وحب للإنسان والطبيعة والابداع الأدبي الراقي.
من أجل عينيكِ الحياة أبيعُها،
فأنا بدونِك صُدفة ٌ، وزَوالُ…
ويرد على من يدعون الأخلاق وهي منهم براء:
قالوا عن الحبّ الجميلِ: خـَطيئةٌ،
فحياةُ كلِّ العاشقينَ ضَلالُ…
لكنه يعطي الجواب الشافي:
وإذا يغيبُ الحبُّ يوماً واحداً،
تبكي السماءُ، ويَعرُجُ المَوّالُُ.
أيها الشاعر المبدع جميل الدويهي، لماذا تعذبنا ونحن في جيل بتنا نرى ونحلم ان يعود الشباب يوميا؟
لا باس .. سنعيش ما تبقى لنا من عمر ونحن نحلم ان ينتصر الحب والجمال وتفنى الجريمة والدمار .. ربما ليس لنا انما لأولادنا وأحفادنا وهو أكبر حب يغرد في قلوب أبناء جيلي.
[email protected]

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.