الطلاق بين “ظلم” الشريعة و”عدالة” القرآن

بقلم د. توفيق حميد
قد يتعجب البعض من العنوان الذي اخترته لهذه المقالة، ولكن الحقيقة الجلية هي أن القرآن “شيء” وما يسمى بالشريعة الإسلامية “شيء آخر”.
فالشريعة الإسلامية لها خمسة مصادر رئيسية لا يمثل القرآن ـ وهو الوحي الإلهي ـ إلا واحدا منها فقط، وباقي المصادر هي مجموعة من المجهودات البشرية القابلة للخطأ.
ومصادر الشريعة الخمس هي:
القرآن، كتب الأحاديث مثل البخاري ومسلم وغيرهما، أعمال الصحابة وأفعالهم كما جاءت في كتب التراث، آراء الفقهاء مثل الشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي، وأخيرا تفسيرات القرآن المعتمدة عند الشيوخ ورجال الدين.
لا عجب أن نرى هذا التناقض الصارخ بين ما يقوله القرآن وما تدرسه شريعة الشيوخ والسلفيين
ولا ننسى هنا أن نحيط القارئ علما بأن البخاري ومسلم بدءا عملية جمع الحديث بعد أكثر من مئتي عام على وفاة الرسول عليه السلام، وأن الصحابة قتلوا بعضهم البعض بوحشية بالغة، مثلما حدث في “موقعة الجمل” وهي المعركة التي تقاتل فيها الصحابة ووقع ضحيتها عشرات الآلاف منهم، وكانت بين قوات أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ابن عم رسول الله عليه السلام، وبين الجيش الذي يقوده الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بالإضافة إلى “أم المؤمنين” عائشة بنت أبي بكر.
اقرأ للكاتب أيضا: ماذا لو كان اسم محمد صلاح “جرجس حنا”؟
أما عن المصدرين الأخيرين المذكورين للشريعة وهما آراء الفقهاء وتفسيرات القرآن فحدث ولا حرج. فالتناقض بين أراء الفقهاء لا حصر له والاختلاف في تفسيرات القرآن شيء لا يمكن إنكاره.


ولذا فمن المنطق أن ننظر إلى ما قاله القرآن في قضية الطلاق بدون اللجوء إلى المصادر البشرية المذكورة لما يطلق عليه “الشريعة الإسلامية” حيث أن معظم مصادرها لا ترقى إلى درجة القرآن الكريم.
المتأمل في وضع المرأة في عالمنا الإسلامي تبعا لما يسمى بـ”الشريعة الإسلامية” يجد اختلافا كبيرا بين “ما وجدنا عليه آباءنا” من فكر سلفي تقليدي في قضية طلاق المرأة، وما أمر به القرآن الكريم في نفس القضية.
ففي تناقض واضح مع صريح القرآن، أباح شيوخ الدين طلاق الزوجة ببضع كلمات بدون وجود شهود كما أمر القرآن “وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ”، وفي انعدام كامل للرجولة أقر نفس الشيوخ والفقهاء طرد المرأة من بيت الزوجية، أو بمعنى أصح بيتها بالرغم من قول الله تعالى “لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ”، وفي تحد واضح لإرادة الخالق سبحانه ابتدع رجال الدين و”الشريعة الغراء!” مبدأ “بيت الطاعة” وإجبار الزوجة على الحياة الزوجية بالقوة فيه، وضربوا عرض الحائط بالآية الكريمة “فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ”.
والحقيقة التي يجب إيضاحها هنا هي أن الطلاق ليس فقط أبغض الحلال عند الله بل هو أمر قد يتناقض مع الإيمان نفسه.
فالله تعال ذكر في صفات عباده المؤمنين أنهم “الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ”، وذكر بوضوح أن علاقة الزواج هي ميثاق غليظ، وليس فقط ميثاقا عاديا “وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا”، ومن ثم فإن إنهاء عقد الزواج أو بمعنى آخر “الطلاق” هو أمر قد يتناقض مع أسس الإيمان.
وحتى لو كان الطلاق ضرورة حتمية لظروف استثنائية، فإليكم ما أمر به القرآن وما أقره من مبادئ في موضوع الطلاق.
تبعا لآيات القرآن فإن “الطلاق” ليس كلمة تقال، بل هو عملية كاملة تبدأ بوجود نية يقينية للانفصال لا تردد فيها: “وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ”.
ويلي ذلك أن الزوج الذي حلف أن يطلق زوجته عليه أن ينتظر (يتربص) أربعة أشهر قمرية كفترة انفصال فعلى عن الزوجة لمراجعة النفس: “لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.
و”يُؤْلُونَ” تعني أن يحلف الزوج أن يبتعد عن زوجته، أو أن ينفصل عنها مؤقتا كفترة مراجعة قبل الطلاق و”فَإِن فَاءُوا” تعني تراجعوا عن الطلاق.
ثم يأتي بعد ذلك الطلاق الفعلي وإعلانه في وجود شاهدين “وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ”.
ومن الحقوق المنسية للمرأة في مجتمعاتنا في حالة وقوع الطلاق كما وردت في القرآن الكريم:
أولا: أن يعامل الزوج زوجته التي انفصل عنها بالذوق والحسنى كما قالت الآية “وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ”.
ثانيا: ألا يتمسك الزوج بها كزوجة لمجرد مضايقتها أو الضغط عليها، “وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا”.
ثالثا: ألا يمنعها الزوج من الزواج ممن شاءت بعد إتمام الطلاق، “فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ”.
في تناقض واضح مع صريح القرآن، أباح شيوخ الدين طلاق الزوجة ببضع كلمات بدون وجود شهود كما أمر القرآن
رابعا: ألا يأخذ شيئا مما آتاها من مال أو هدايا “وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا..”.
خامسا: ألا يخرجها من بيتها إلا في حالة واحدة وهي الخيانة الزوجية “لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ”.
وتلك الآية الكريمة تبين بوضوح كيف أن القرآن اعتبر أن بيت الزوجية هو حق للمرأة، في حين أقرت “الشريعة الغراء!” حرمانها من هذا الحق وهو الحق الذي أقره الله لها، بل وقبلت طردها من بيتها.
اقرأ للكاتب أيضا: من سيدخل الجنة: الشيخ الشعراوي أم ستيفن هوكينغ؟
ولا عجب أن نرى هذا التناقض الصارخ بين ما يقوله القرآن وما تدرسه شريعة الشيوخ والسلفيين، حينما نتذكر أن معظم هؤلاء كتموا عن المرأة المسلمة حقها المكفول لها في القرآن في ترك الزوج إن أرادت “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” أو ما أسموه في الفقه بحق “الخلع” وهو الحق الذي كتموه عن النساء لقرون عديدة، وتركوا الكثيرات من النساء يغتصبن طوال العمر من رجال (أو أشباه رجال!)، وهن لا يردن العيش معهم وذلك تحت مسمى حق الزوج “وحده” في إنهاء عقد الزواج!
ولا يسعني هنا إلا أن أقول لهؤلاء الشيوخ الذين كتموا هذا الحق عن الزوجات إلا قول الله تعالى “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ”.
وفي تلك اللحظات أسأل كل من قرأ هذه المقالة سؤالا واحدا:
هل علينا أن نتبع “القرآن” في هذا الأمر أم نتبع ما أسموه بقوانين “الشريعة”؟
شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.