This is why we fear that the Islamists would be in power
This is why we fear that the Islamists would be in power
كامل النجار
الاحتكار دائماً وأبداً يؤدي إلى تحكم المحتكر (بكسر الكاف) بالمحتكرين (بفتح الكاف) واستنذافهم مادياً أو معنوياً أو الاثنين معاً، فعندما يحتكر مقاول أو تاجر استيراد الأسمنت، مثلاً، يصبح هو المتحكم في أسعار الأسمنت وبالتالي في أسعار المباني وقدرة الناس على شراء أو بناء منازلهم. وكلما زاد تحكمه كلما زادت ثروته وقوته ومقدرته على شراء ذمم المسؤولين بالحكومات. ولذلك تحارب الحكومات في البلاد المتقدمة كل أنواع الاحتكار، ولكن حكوماتنا العربية والإسلامية تغض الطرف عن الاحتكار لما يعود عليها من أصحاب الاحتكار. فمثلاً في إيران، أصبح الحرس الثوري يحتكر غالبية المشاريع التجارية والصناعية الكبرى. ويقال إن أي مشروع يُطرح في المزاد، وتفوق قيمته المليون دولار، يفوز به الحرس الثوري تلقائياً. فأصبح الحرس الثوري حكومة داخل الحكومة، وأصبح نفوذه أكبر من نفوذ رئيس الدولة.
والإسلام منذ ظهوره، مكّن المسلمين من احتكار عمليات السطو على البلاد الأخرى واسترقاق مواطنيها، واحتكر كذلك المواطنة. فالمسلم لا موطن له إذ أن موطنه هو أمة الإسلام، حيثما كانت. فالقوميات لا مكان لها في الإسلام. وليتهم اكتفوا بذلك، فهم لا يؤمنون بالمقولة العالمية live and let live أي عش واترك غيرك يعيش. فالغير إذا لم يعتنق الإسلام، فلا قيمة لحياته. فمن حق المسلم أن يغزوه ويقتله أو يفرض عليه الجزية إمعاناً في ذله واحتقاره.
وعليه فقد احتكر المسلمون الاتصال بين السماء والأرض، وقسّموا المعتقدات إلى سماوية وفلسفية. فأصبحت الديانات المسالمة من بوذية وهندوسية وشانتو وكنفوشية، أدياناً فلسفية، أي من صنع الإنسان، والإسلام واليهودية والمسيحية، أدياناً سماوية. وعندما ازداد احتكار المسلمين للمعتقدات وزادت بالتالي قوتهم المادية والمعنوية، اعنوا أن اليهودية والمسيحية أصبحتا لاغيتين لأن أتباعهما قد حرفوا الكتب السماوية التي أتى بها موسى ويسوع، وعليه خلا الجو للإسلام بأن يصبح الدين السماوي الوحيد.
والقرآن شجعهم على هذا الاحتكار عندما قال (إن الدين عند الله الإسلام) (آل عمران 19). وكذلك (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران 85). ولا يسع أي إنسان لديه ذرة من العقل إلا أن يشكك في حكمة هذا الإله الذي أرسل 124 ألف نبي ورسول (حسب الزعم الإسلامي) ثم قرر أخيراً أن ديناً واحداً فقط هو الصحيح ولن يقبل أي دين آخر كان قد أرسل به رسلاً وأنبياء من قبل وطالب الناس باتباعهم. وقال القرآن عن يسوع (إني جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) (آل عمران55). وهذه الآيات تظهر التضارب والتناقض الكبير في هذه السورة من القرآن. ولكن مع ذلك احتكر المسلمون الاعتقاد بالله وجعلوه ملكهم الخاص دون أن يكلفوا أنفسهم الانتظار إلى يوم القيامة حتى يحكم الله بينهم وبين من اتبع يسوع (عيسى بن مريم).
ثم احتكر المسلمون مفهوم التوحيد وزعموا أنهم الوحيدون الذين يعبدون إلهاً واحداً مع أن فكرة التوحيد بدأت عند قدماء المصريين عندما عبدوا آمون طوال فترة حكم الفرعون أخناتون، ثم رجعوا إلى التعددية بعد موته. ومن بعدهم عبد بنو إسرائيل إلهاً واحداً، وكان غيوراً جداً وحذرهم من عبادة آلهة آخرين معه (22 فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ أَنَّنِي مِنَ السَّمَاءِ تَكَلَّمْتُ مَعَكُمْ. 23 لاَ تَصْنَعُوا مَعِي آلِهَةَ فِضَّةٍ وَلاَ تَصْنَعُوا لَكُمْ آلِهَةَ ذَهَبٍ. 24 مَذْبَحاً مِنْ تُرَابٍ تَصْنَعُ لِي وَتَذْبَحُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتِكَ وَذَبَائِحَ سَلاَمَتِكَ غَنَمَكَ وَبَقَرَكَ. فِي كُلِّ الأَمَاكِنِ الَّتِي فِيهَا أَصْنَعُ لاِسْمِي ذِكْراً آتِي إِلَيْكَ وَأُبَارِكُكَ.) (سفر الخروج، الإصحاح 20). والمسيحيون يعبدون إلهاً واحداً ذا ثلاثة أقانيم، وهذا لا يتعارض مع الوحدانية في شيء. ولكنها سطوة المتسلط المحتكر الذي يفرض على الناس ما يريد، دون أي دليل. وقد قال شيوخ الإسلام في فتاواهم (لا يوجد على وجه الأرض دين حق سوي الإسلام، من أصول الإسلام أنه يجب الاعتقاد بكفر كل من لم يدخل في الإسلام من اليهود والنصاري. كما لا يجوز لمسلم الأستجابة لدعوة بناء مسجد وكنيسة ومعبد في مجمع واحد لأن في ذلك أعتراف بدين غير الإسلام) (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بالمملكة العربية السعودية، رئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز- وعضوية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ- الشيخ و الدكتور صالح بن فوزان الفوزان فتوي رقم 19402 عام 1993).
ورغم تاريخ الإسلام الدامي الذي اشتهر بآحادية الحكم الذي أصبح وراثة من الأب إلى الابن، وبقتل المعارض بحجة الزندقة، كما فعل خالد القسري عندما ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى وقال إنه يضحي به لله بدل كبش الفداء، جاء المسلمون الجدد واحتكروا مفهوم الديمقراطية وزعموا أنها من روح الإسلام. وقال كبيرهم الذي علمهم السحر، الشيخ المصري القطري يوسف القرضاوي (قال بعضهم إن الديمقراطية بدعة مستوردة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. قلت لهم لا، جوهر الديمقراطية ليس مستورداً، جوهر الديمقراطية هي الشورى هي النصيحة في الدين، هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي حرية النقد والتعبير). فجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية هي من روح الديمقراطية، حسب قول القرضاوي. وما زال المسلمون يزعمون أن الديمقراطية نظام حكم نشأ مع الإسلام، رغم أن مفهوم الشورى الذي ورد في آية واحدة فقط في القرآن (وأمرهم شورى بينهم) لم يُطبق أبداً طوال تاريخ الإسلام الطويل، والكل يعلم أن الشورى غير الديمقراطية. وهاهي المملكة العربية السعودية قد أنشأت مجلساً للشورى يعين نصف أعضائه الملك عبد الله، فهل هناك ديمقراطية في مملكة آل سعود. وهل تجتمع الملكية مع الديمقراطية، والقرآن نفسه يقول لنا (إنّ الملوكَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة كذلك هم يفعلون). ولكن قوة الاحتكار تجعل المسلمين يفترضون ما يريدون دون أي دليل، ولا يسألهم احد. فقد أصبحوا مثل إلههم (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) (الأنبياء 23).
ولا يكفي المسلمين احتكار الدنيا ونساءها ومعتقداتها، فاحتكروا الجنة وقالوا على لسان محمد إن الجنة لا يدخلها إلا مسلم: (قال رسول الله (ص) أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة قلنا نعم قال أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة قلنا نعم قال والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما انتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر، وذهب جماعة إلى أن الثلثين جميعا من هذه الأمة وهو قول أبي العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك قالوا (ثلة من الأولين) من سابقي هذه الأمة (وثلة من الآخرين) من هذه الأمة في آخر الزمان) (تفسير البغوي، ج4، سورة الواقعة، الآيات 37-40).
ثم احتكروا الله نفسه وقرروا أنه يحب محمداً أكثر من حبه لجميع الأنبياء والرسل، فجعلوه خاتم الأنبياء وحبيب الله الذي يصلي عليه مع ملائكته كل يوم. ودليلهم الوحيد على هذه المحبة و على أن محمداً خاتم الأنبياء، حديث زعموا أن محمداً قد قال لهم فيه إنه خاتم الأنبياء وأنه حبيب الله. وفي غمرة حماسهم لتأليه رسولهم نسوا أو تناسوا أن القرآن يقول لنا (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسنٌ واتبع ملةَ إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيمَ خليلا) (النساء 125). فليس هناك أحب من الخليل. ثم قال عن موسى (ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلّم الله موسى تكليما) (النساء 164). فإذا لم يكن موسى حبيب الله لما كلمه مباشرةً. وقال عن يسوع (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) (آل عمران 55). فهل هناك تكريم أكثر من هذا؟ وذكر القرآن موسى أكثر من مائة وثلاثين مرة، وذكر إبراهيم عشرين مرة وعيسى عشرين مرة كذلك، ولم يذكر محمد غير أربعة مرات فقط. ومع ذلك أصبح محمد حبيب الله وأفضل خلق الله. وهذه ميزة الاحتكار التي يتمتع بها المحتكر. يقال إن فورد صاحب مصنع السيارات الأمريكية كانت كل سياراته مطلية باللون الأسود فقط، ولما طالب بعض الأمريكيين بأن يتيح لهم فورد فرصة اختيار ألوان سياراتهم، رد عليهم بقوله “طبعاً، يمكنهم اختيار أي لون تريدون ما دام أسوداً”.
ولم يكفِ المسلمين احتكاراتهم لكل الأشياء، فقرروا احتكار اسم الله، وعندما نشرت صحيفة هيرالد ويكلي المسيحية، والتي تصدر بلغة المالاي كلمة “الله”، هاج وماج المسلمون، (وقال جميل خير جوهري ان مجلس الافتاء الوطني رأى في ايار/مايو 2007 ان كلمة “الله” يمكن ان تستخدم من قبل المسلمين وحدهم في ماليزيا، حسبما نقلت وكالة الانباء “برناما” ليل السبت الاحد. واضاف انه “من المهم بالنسبة للمسلمين حماية استخدام الكلمة واذا كان هناك اي محاولة لاهانة الكلمة او لسوء استخدامها علينا ان نتخذ اجراءات قانونية بموجب الدستور الفدرالي) (إيلاف 3/1/2010). وفعلاً أصدرت الحكومة قانوناً يحظر على غير المسلم استعمال كلمة “الله”. ةبالطبع، رفعت الصحيفة الأمر إلى القضاء، وقررت المحكمة يوم الخميس ان الصحيفة الكاثوليكية تتمتع “بالحق الدستوري” في استخدام كلمة “الله”، مؤكدة ان منع استخدام الكلمة من قبل الحكومة “غير شرعي وباطل ولاغ”. واعترض مسلمون على الحكم وقالوا انهم سينظمون تظاهرات ضده. وفعلاً تظاهر المسلمون ضد القرار واحرقوا ثلاث كنائس، ثم أحرقوا كنيسة رابعة يوم 10/1/2010. ورغم هذه الهمجية الإسلامية، قال روبرت تان، كاهن إحدى الكنائس في كوالالمبور (بغض النظر عمن قام بهذا العمل، إذا تعرفوا على الشخص فإنني أريد أن أذهب إليه وأعانقه وأقول له يا أخي أنا أحبك. لن يكون لي أي مشاعر سيئة نحوه) (الشرق الأوسط 11/1/2010.
ولأن الغالبية العظمى من المسلمين، حتى العرب، ناهيك عن الذين لا يتحدثون العربية، لا يقرؤون القرآن، وإن قرأوه لا يفهمونه، غاب عن الذين أفتوا وعن المتظاهرين أن كلمة “الله” كان يستعملها عرب ما قبل الإسلام، وأخذها محمد عنهم. والقرآن نفسه يقول في أكثر من عشر آيات (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنئ يؤفكون) (الزخرف 87). وكذلك (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) (لقمان 25). بالإضافة إلى الشعر الجاهلي الذي مجد فيه الشعراء الله. ولكن جهل المسلمين مصيبة نعجز أن نجد لها حلاً. أما الذين يفتون، فهم أجهل من العامة في أغلب الأمور، عدا الأحاديث وقصص الأنبياء. وهناك مثل إنكليزي يقول: Little knowledge is dangerous
والسبب الرئيسي وراء محاولة المسلمين احتكار الحقيقة المطلقة، والفضيلة وسائر الأشياء، هو شعورهم بعقدة النقص. فهم يرون العالم قد تحرك مسرعاً إلى الأمام وتركهم في القرن السابع مع الصحابة ومن جاء بعدهم من بخاري ومسلم ونيسابوري. ولتأكيد أنهم يعيشون في الماضي السحيق، زعموا أن العلوم كلها قد خرجت من عند المسلمين، وراحوا ينقبون في كتب التاريخ الإسلامي عن علماء حقيقيين يفتخرون بهم، فلم يجدوا غير الفارسيين وأهل بخارا وأهل السند والأتراك ليفتخروا بهم. وتناسوا أن من يفتخرون بهم الآن هم نفس العلماء الذين كفرهم معاصروهم من أمثال أبي حامد الغزالي الذي كفّر الفارابي وابن سينا وكل الفلاسفة.
وفي حقيقة الأمر فإن المسلمين لم يقدموا للعلم إلا شذرات، وكان أحسن ما قاموا به هو ترجمة التراث اليوناني والروماني إلى العربية. وأغلب الترجمات قام بها مسيحيو العراق والشام. والعدد البسيط من المسلمين الذين اشتغلوا بالعلوم الطبيعية لم يكونوا عرباً، ولم يكتشفوا في العلوم لأنهم مسلمون، وإنما لميولهم الشخصية وللفرصة التي أتاحتها لهم ترجمة التراث اليوناني. فلو لم يجبرهم المسلمون على اعتناق الإسلام، لقاموا بنفس تلك الاختراعات.
وقد فطن الغربيون إلى حاجة المسلمين للتشبث بعلماء الماضي، فقاموا بإرسال علماء غربيين، دفع لهم الزنداني وبعض شيوخ الخليخ مبالغاً طائلة من المال ليحاضروا في جامعات الشرق الأوسط عن عظمة الإسلام. وفي آخر التقليعات في هذا المجال، افتتح ليبرتي ساينس سنتر في أمريكا معرضاً عن إعادة اكتشاف علوم المسلمين. بدأت الشرق الأوسط الحديث عن هذا المعرض بالسؤال التالي: ( من صمم أول جهاز طيران؟ اذا كانت إجابتكم أن من صممه هما الأخوان رايت في القرن التاسع عشر، أو حتى ليونارد دافنشي في القرن الخامس عشر، فلعلكم ستفاجأون بأنكم لم تقتربوا من الإجابة الصحيحة، فالمستندات تبين أن عباس بن فرناس هو أقدم شخص معروف، شيد وقاد جهازاً للطيران في القرن التاسع، وفي الأندلس في إسبانيا الإسلامية) (الشرق الأوسط 21/7/2007).
وعباس بن فرناس لم يقم باختراع آلة الطيران، وإنما صمم جناحين ربطهما إلى ذراعيه وطلع على جبل وألقى بنفسه منه ليطير، غير أنه وقع ودق عنقه. ومحاولته ربما تكون قد فتحت الباب لعلم الباراشوت ولكن حتماً ليس للطيران. وإذا عرفنا أن ابن فرناس كان أمازيقياً، أجبرته جيوش المسلمين على اعتناق الإسلام بعد أن قتلوا وسبوا عشرات الآلاف من بلده، نعرف أن محاولته لم تكن بدافع الإسلام وإنما بدافع عقله الذي كان يبحث عن حقيقة العالم.
ومركز ليبرتي ساينس قد طورته مؤسسة «إم. تي. إي. استوديوز» التي تتخذ من مدينة كيب تاون ومن دبي مقرات لها. وإذا عُرف السبب بطل العجب.
ورغم كل هذا الاحتكار وتبخيس الديانات الأخرى، يحاول المسلمون ذر الرماد في عيون الغربين ويدعونهم إلى حوار الديانات الذي لا يخدم غرضاً غير إتاحة الفرصة لأخذ صور الملوك والشيوخ في مدن العالم الغربي. وبما ألإسلام يبيح لهم الكذب والخداع، خاصة في الحرب، وهم يزعمون أنهم في حرب مع الغرب، فسوف يستمرون في ذر الرماد في العيون الغربية.
صلاح الدين محسن
1 –
أية خطة لاصلاح جاد في مصر هيهات ان تكلل بنجاح حقيقي بعيد المدي . الا في حالة صدور قانون يوقف عملية الانفجار السكاني .. و يقضي القانون بالآتي :
أ – حظر الانجاب . الا فوق سن 28 سنة للاناث , و 30 سنة للذكور .
ب – حظر انجاب أكثر من مولود واحد للأبوين .
ت – تحديد عقوبة السجن لمن يخالف القانون , او يحرض علي مخالفته بشكل مباشر او غير مباشر , وتحت أي غطاء , ولاسيما الغطاء الديني . لكون ضبط الانجاب هو من ضرورات اعقال الأمور التي يوصي بها الدين – الاعقال – . اذ جعل الدين . الاعقال قبل التوكل ” اعقلها وتوكل ” .
( اسمحوا لنا بأن نتكلم هنا بلغة الدين , في هذا الصدد . فقد كان الدين وخطباء المساجد , طوال عقود , هم أكبر معوق لتنظيم النسل , الذي أهدرت عليه أموالا كثيرة بلا فائدة . بحجة أن الدين ضد تنظيم النسل ! وفي الحقيقة ان الغباء الديني وليس الدين وحده هو المسؤول في كثير من الحالات عن اعاقة الشعوب عن النهوض والتقدم ) .
ث – جعل عقوبة المحرض علي مخالفة هذا القانون ضعف عقوبة المخالف له .
ج – يسري العمل بهذا القانون لمدة عشرين عاما من تاريخ صدوره . , بعد ها ينظر في مد العمل به . من عدمه .
—
2 –
طالما أن القدر الأحمق , قد قضي بألا تخرج البلاد من تحت أرجل الخرتيت ” أبو دبابة ” . الا بالوقوع بين يدي الدرويش البلطجي .. فلا مفر من مواجهة حماقة القدر . بترويض الدرويش البلطجي لأجل الخلاص .
3 –
يجب علي المؤسسة العسكرية أن تفهم أنها ستزداد احتراما في عين مصر والمصريين . وأن مصر سوف تزداد احتراما في أعين العالم . عندما يتم تعيين أول مدني سياسي . لا عسكري : وزيرا للدفاع .. أيا كان التيار الذي ينتمي اليه . حتي ولو كان اخوانجيا بلحية وزبيبة , يحمل بيمينه مسبحة كهرمان , وبجيبه زجاجة مسك ومسواك ومصحف..!
4 –
سواء كان الرئيس الاخواني – د. مرسي – قد انقلب علي العسكر بعدما أوصلوه وجماعته للسلطة .. وأطاح بقائد المجلس العسكري وبنائبه . أو ان خروجهما قد تم بالاتفاق وبالتراضي . تنفيذا لوعد العسكري من قبل بتسليم السلطة – مع ضمان بخروج آمن – .. في كلتا الحالتين .. ما حدث هو ما كان يجب أن يفعله أي رئيس غير عسكري – منتخب – بغض النظر عن التيار الذي يمثله – حتي ولو كان علي يد رئيس ينتمي لجماعة دينية . خطرها في السلطة لا يقل عن خطر حكم العسكر ..
المهم أن ينتهي حكم العسكر .. ثم ينظر الشعب في أمر الحكم الديني , وفي الكيفية التي يجب ويمكن بها انهاء ذاك الحكم . والتكاليف اللازمة – ان حكم الامر , ولعل .. لعل الاسلاميين يقبلون تداول السلطة بلا دماء ولا خراب وبلا جوع وشقاء . وكفي ما حدث علي يد العسكر – .. لنقل مصر الي حكم مدني , ككل دول العالم المتحضرة ( ليتهم , ولعلهم , وعساهم .. ثم ليتهم .. يقبلون ذلك طواعية وبسلوك متحضر يختلف عن سلوك البدو )
5 –
هذه هي المرة الأولي منذ ستين عاما . التي تتم فيها اقالة قائد جيش مصر , وتعيين غيره – هو وقادة الأسلحة – . بقرار من رئيس غيرعسكري .. حقا انها خطوة هامة .. في مرحلة هامة . ايا كان اتجاه وانتماء منفذها ..
ويجب علي الجيش المصري . ان يتعود ويألف ذلك . باستمرار . أن تكون السلطة , وتعيين وتغيير وزير الدفاع , وقادة الأسلحة . بيد رئيس غير عسكري للدولة . ويجب ان يفهموا انه هكذا يكون الجيش المحترم المتحضر . بدولة محترمة متحضرة اسمها مصر ..
6 –
كل من يبكي علي المشير ونائبه . خوفا وارتيابا من حكم رئيس ينتمي لجماعة ليست أفضل من الحكم العسكري – بل العكس – .. علي هؤلاء المتباكين , ألا ينسوا أن العسكري نفسه – المشير ونائبه ومجلسهما العسكري – هو الذي أتي بجماعة دينية للسلطة . بزعم انها حكومة مدنية … … وبالتالي لا يستحق البكاء عليه . ايا كانت الطريقة التي خرج – أو حتي تم اخراجه – بها .
7 –
لا يعتبر حكم العسكر . قد انتهي بمجرد خروج المشير ونائبه .. كلا ..
فلكي يكتمل انهاء حكم العسكر .. يجب صدور قانون يقضي بأن تكون مناصب المحافظين ورؤساء مجالس المدن . بالانتخاب العام . وقرار يحدد وقت اجراء تلك الانتخابات .. لتحرير تلك المناصب من حكم العسكر , الذين يشغلونها بنسبة تقترب من مائة بالمائة ! وهذا أسوأ شكل من أشكال عسكرة الحياة في مصر ..
8 –
باكتمال انهاء حكم العسكر . تكون مصر قد شفيت من الطاعون المدجج بدبابات وبمدرعات .. وبقي أن تشفي من السرطان المدجج بكتاب كريم , وبسنة مشرفة ..!
— والي خواطر سياسية أخري ..
—- لمراسلة الكاتب :
salahmohssein@hotmail.com
*************
فؤاده العراقيه
المرأة اليوم هي نتاج قمع المجتمع لها والعنوان الذي يكشف ثقافته ويفضح أمراضه وتشوهاته وهي الدليل على مدى تخلفه من النواحي النفسية والعقلية والجسدية .
لا يزال هناك من يطالب بأن تكون مجتمعاتنا العربية ذكورية , فيطالب المرأة بالحجاب والمكوث في البيت احيانا لمنع اختلاطها بالمجتمع بقصد منع التحرش بها وأن حصل هذا فستقوم القيامة معتبرين هذا الفعل عار عليهم ومساسا بشرفهم , وهذا بدوره يجعل الأنثى تخجل وتخاف أكثر وتتحمل أيضا ذنب الرجل وهي صامتة ومستكينة له , والبعض منهن تتصور بأن مكوثها في البيت فرضا عليها وحرصا وحبا من الرجل , هذه المفاهيم التي تتلقاها الأنثى في مجتمعاتنا ترسخ في داخلها بأنها الجنس الأدنى من الرجل فلا يحق لها الكثير من الحقوق التي تحق للرجل وبأن مكانها هو المنزل ورعايته فقط , فلا يحق لها أن تكتسب قدراتها وان توظفها بالشكل السليم أي لا يحق لها التمتع بفكرها وبحياتها .
البعض منهم وهم الأغلبية بدأ يتفنن بمحاولاته لحصرها من خلال ما يتشدق به من شعارات لا تمت لتصرفاته بأي صلة ومن كلمات رنانة عن الشرف والفضيلة وتحريمه للكثبر من الأعمال التي تحد من تصرفاتها ومن ضمنها مثلا دخولها الأنترنيت والأشتراك بالمنتديات الثقافية أوالتحدث الى اشخاص مجهولين عنها معتبرين هذا الفعل حرية مقترنة بالفوضى ومجلبة للفساد ووصموها ايضا بجسدها الذي هو مقدس لهم , وفي نفس الوقت تكون هذه الأغلبية في حالة معاناة وحرمان وحتى انها تلجأ الى اسلوب الترهيب الديني لأجل أن تكون المرأة بلا فاعلية في مجتمعاتنا العربية ولا يهم لو كذبت او عملت الفاحشة طالما هي بالخفية وطالما تحفظ شكل زوجها امام الناس ويبقى متظاهرا بالهيمنة والتسلط الأجوف , حيث كلما ازدادت مجتمعاتنا تخلفا كلما ازدادوا من رغباتهم واحتياجهم للغرائز محاولين ان يملئوا بها نقصهم .
هذه التناقضات من اهتمام في القضايا الجنسية من فتاوي الى قنوات مرئية الى اغاني وأفلام تمجد الحب وهي أصلا بعيدة عن الحب الأنساني بل لها علاقة بالجنس فقط , ومن اهتمام مبالغ به من قبل الرجل بجسد المرأة حيث جعل جسدها هو محور اهتمامه دون ان يهتم بفكرها , تجعلنا ننتهك ابسط حقوق المرأة من خلال هذه النظرة , وهي كفيلة بعوق توظيف الفكر النسوي مما يعوق تنميتنا الأنسانية .
فما يجري اليوم من فتاوي يشيب لها الرأس من البعض كنصيحة الدكتور محمد العريفي مثلا عبر برنامج بُث على قناة دبي الفضائية حين نصح احد المستمعات بأن لا يجوز للبنت أن تخلو مع ابيها بدون وجود الأم او احد افراد عائلتها !!! هذه الفتاوي نراها في تزايد اليوم وهي تكشف عن ما توصلت له مجتمعاتنا , وكذلك تحريم الأنثى من الجلوس على نفس الكرسي الذي سبقها اليه الرجل خوفا من ان أثارة غريزتها !!!!!
البعض يريد للمرأة أن تلغي حياتها وأن تصب اهتمامها لأرضاء زوجها فقط من حيث اغرائه بالشكل الذي يجعله لا يذهب لغيرها باعتباره يخرج الى الشارع ويتعرض للعديد من الاغرائات فعليها ان تكون واعية لذلك فقط , فالزوج يمثل لها الحياة بأكملها وعليها ان تقدم التنازلات تلو الأخرى أرضاءا له حتى يحق له نكاحها بعد مماتها !!!! من هذه الناحية يريدون لها الوعي تماما وأن تكون ذكية وأن تعرف اين تكمن مواطن ضعف زوجها وولي نعمتها لأجل ان تستغلها وتسلب لبه , فالرجل يجذبه موضوع الجنس ويعشق التنوع فكل ليلة عليها ان تكون بغير شكل وحلية فتحاول ان تنوع بملابسها وبشكلها وتسريحات شعرها لأجل ان تستحوذ على ذهنه , وحتى اصبحت بعض النساء تنتقد تلك النساء التي تهمل شكلها وتحرضها على ان تعتني بنفسها ليس لأجلها وانما لأجله فقط فهي لا شيء امامه , فيحاولون بذلك الحجْر على الآنثى فى تصرفاتها وسلوكها وأن يلغون دور بعض النساء الريادى الذى أحتلته نتيجة كفاح سنوات طويلة , والنتيجة ستكون مجتمعات يسيطر عليها موضوع الجنس ويهدد ثقافته واخلاقه ايضا ,بالتالي تستهويه هذه الكلمة واينما تكون سيكون كما هو اليوم , فكثيرا ما نسمع عن حوادث يشيب لها الرأس من اغتصابات الى زنا المحارم لكنها تحاط بجدار من السرية والصمت المطبق عليها .
نحن مجتمعات تعاني من ارتفاع في نسبة الخواء الفكري لا تهتم الا بالشكليات والكبت والحجب وقمع الأنسان وعبوديته , فالنظرة الغالبة في مجتمعنا على الأنفتاح هي سقوط الجسد حيث قلب المعنى لدينا فبدلا من الانفتاح المعرفي جعلوه انفتاح جسدي وانحلال اخلاقي .
فإذا نادينا بحجب وتقوقع المرأة وعزلها عن مجتمعها بحجة أن جسدها عورة فمن الأولى أن نجعل الرجل مرادفا للمرأة فيما نطلبه حتى يكون هناك عدلا أجتماعيا وبالتالي خرابا اجتماعيا , ولزاما علينا بمساواة الرجل بالمرأة من حيث المبدأ فالعدل يبدأ بنظرتنا من هنا .
لماذا تطالب المجتمعات العربية بحجاب المرأة ؟ فأنا شخصيا أطالب بحجاب الرجل أيضا لتكتمل بذلك الحلقة المفرغة التي تدور بها مجتمعاتنا , بالطبع سوف يقابل كلامى هذا بسخرية واستهزاء , لكني أقول هذا الكلام على اعتبار أننا مجتمعات تقدس الجسد وأرى بأن جسد الرجل عورة من منظور الكثير من النساء , فالمرأة ايضا لها روح وشعور وغريزة والقسم منهن تغلب عليها غريزتها كما هو حال البعض من الرجال , بمعنى أوضح أن هناك سيدات يفتنن بجسد الرجل أو بجمال وجهه أن كان يهمها الشكل أو بشعره أو بشاربه أو بعضلاته وكل امرأة واهتمامها , فلماذا إذن نفرض الحجاب على الأنثى فقط ؟ وبمقابل هذا أيضا توجد نساء لا يمتلكن للجمال الذي يجعل الرجل يفتتن بها , فلماذا حجابها أذن وهو أصلا لأجل ابعاد فتنة الرجل عنها ؟؟
هذه التناقضات هي التي تدفعنا الى استحالة نهضتنا العربية ما لم نزيل مؤثرات ومخلفات أفكارنا وعاداتنا لأجل ان تتمتع المرأة بحقوقها الأنسانية لتسهم بتنمية هذه المجتمعات للوصول الى مجتمع سوي ومتكامل من خلال القضاء على جميع انواع التمييز ضد المرأة ولكل مجتمع وظرفه ,.
يأتي تحرر المجتمع بأزالة المعوقات أمام نهوض المرأة وفي ظل مجتمع متحرر طبقيا يسوده مبدأ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين الزوجات والأزواج وللجميع ولكل حسب جهده , تحرر المجتمع بأكمله اولا وما علينا سوى صعود السلم تدريجيا , بمعنى الأهتمام والبحث عن جذور المشكلة التي استشرت في مجتمعاتنا فهي مشكلة مجتمع كامل وليس مشكلة المرأة بمعزل عنه , فلا نستطيع اليوم ان نطالب بالحرية الكاملة للمرأة من دون توعية المجتمع كاملا بقضيتها أولا من خلال القضاء على أرث تخلفه الذي تبلور منذ القدم ثم وعي المرأة بحقوقها من خلال تعميق المستوى الثقافي لها وبقضاياها .
أبداعنا بوعينا وقوتنا بأملنا بهم نهزم التخلف وننصر الأنسانية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وفاء سلطان
الطلقة التي تراها لا تصيبك، والفكرة كالطلقة!
عندما نرفع مستوى وعينا لندرك أبعاد أية فكرة ترقص في ساحة وعينا وآثارها على سلوكنا سنكون قادرين على أن نقرر بعقلانية هل نسمح لها بدخول حيّز اللاوعي أو نمنعها!
للتكرار سطوته، ومتى سمحت لفكرة ما أن ترقص طويلا في ساحة الوعي تزداد فرصة تسللها إلى اللاوعي مهما تعارضت تلك الفكرة مع البرمجة الأولية للاوعي.
كما تنتعش الأسواق بكثرة العروض وتنافسها كذلك تنتعش العقول بكثرة الأفكار وتفاعلها.
عندما تنفرد بضاعة ما في سوق ما تفقده جودته وتحدد نشاطه وتصيبه بالكساد ولاحقا بالإنهيار، وكذلك عندما تنفرد فكرة ما في حيّز العقل تحدد نشاطه وتصيبه بالكساد ولاحقا بالجمود.
في حلبة التنافس الحر والمقونن تسود الفكرة الجيدة كما تسود البضاعة الجيدة، ويكون البقاء دوما للأفضل.
احتكر الإسلام عقول معتنقيه ولم يسمح لهم بتبني أيّ فكر آخر، فساهم في تقزيم تلك العقول وأصابها بالكساد وأدى به إلى الجمود.
تكررت لغة الإسلام، المليئة بخرافات وأخلاقيات اللحظة التي أنجبته، على مسامع أتباعه لمدة أربعة عشر قرنا من الزمن ولم تسمح للغة المنطق والعلم من أن تنافسها.
أقصى بارفيز Aqsa Parvez شابة كنديّة من أصل باكستاني، لم تتجاوز بعد ربيعها السادس عشر، قتلها والدها المسلم منذ حوالي ثلاثة أسابيع بلا رحمة لأنها رفضت أن ترتدي الحجاب.
لا شئ على سطح الأرض يبرر أن يتجرد الإنسان من عاطفته تُجاه فلذة كبده فيقدم على قتلها، إنّها البرمجة العقلية التي تهبط به إلى مستوى حيوان يدوس في بطن وليده ولا يعي ما فعل!
هذا ما فعله الإسلام!
عندما تناول الإعلام الغربي الحادثة جن جنون المسلمين في أمريكا وراحوا يزعمون بأنه لا علاقة لتلك الجريمة بالتعاليم الإسلاميّة، وإنّما الأمر قضيّة عادات وتقاليد فالإسلام لا يأمر الآباء بقتل بناتهن عندما يرفضن لبس الحجاب.
والسؤال الذي يطرح نفسه في وجه ذلك الإدّعاء الكاذب:
لماذا تقتصر جريمة القتل “دفاعا عن الشرف” على البلاد الإسلامية دون غيرها، علما بأن لتلك البلاد عادات وتقاليد تختلف بإختلافها؟
ما الذي يجعل معدل تلك الجريمة في الباكستان هو نفسه في الضفة الغربية، ولكلّ من المنطقتين تاريخ وعادات وتقاليد تختلف عن الأخرى؟
أليست التعاليم الإسلامية هي العامل المشترك بين جميع البلاد التي تعتمد القتل “دفاعا عن الشرف”؟
أليست اللغة التي تبناها الإسلام هي المحرّض الأول والأخير لإرتكاب تلك الجريمة؟
لغة الإسلام التي تتناول العلاقة بين الذكر والإنثى هي لغة مشحونة بالحقد والكراهية، وتبرمج الذكر على الرغبة في الإنتقام من اُنثاه بسبب أو بلا سبب.
لا أحد يستطيع أن يتصور قوة الكلمة وتأثيرها على برمجة العقول والتحكم بالسلوك!
عندما قال المسيح لأتباعه:”من كان منكم بلا خطيئة فليرميها بحجر”، برمجت عبارته تلك عقولهم وتحكّمت بسلوكهم منذ اللحظة الأولى وحتى تاريخ اليوم، فلم يُرتكب ذلك النوع من الجرائم في بلدان مسيحيّة!
يبعد لبنان عن الضفة الغربية ضربة حجر ويربطه بها نفس العادات والتقاليد والتاريخ، ولكن كم عائلة مسيحيّة في لبنان قتلت بناتها دفاعا عن الشرف؟!!
يتهمونني بأنني أبشّر بالمسيحية؟ وجوابي على اتهاماتهم: بل اُبشر بكل كلمة جميلة، أيا كان قائلها، طالما تساهم في الإرتقاء بالإنسان إلى مستوى انسانيّته!
………..
قال محمّد نبيّ الإسلام: “يا معشر النساء إنكن أكثر أهل النار لأنكن إذا اعطيتن لم تشكرن وإذا ابتليتن لم تصبرن وإذا أمسك عنكن شكوتن”.
ألف وأربعة مائة عام وذلك الحديث يرقص في ساحة الوعي عند الرجل المسلم، فهل من عاقل يشكّ بأن الرجل المسلم مبرمج على أن يقتل بناته لأتفه سبب يتخيله؟!!
النساء أكثر أهل النار؟ ما أعدل الإسلام، وما أبعد رجاله عن الإنتقام!!
لا يمكن، وفي أي حال من الأحوال، أن تعمم صفة على كافة الجنس البشري أنثى، كان ذلك الجنس، أم ذكرا!
الصفات البشرية هي إمّا وراثية وإمّا مكتسبة. إذا كانت المرأة بطبعها الموروث في جيناتها عاقة وكثيرة الشكوى ولا تعترف بالجميل، إذن لا حول لها ولا قوة! المفروض أن لا يحاسبها “الله” على تلك الصفة، فهل يحاسب الله إنسانا على لون عينيه أو جلده أو طول قامته؟!!
أما إذا كانت صفة مكتسبة فهذا يعني بأن البيئة هي التي برمجت النساء لإكتساب تلك الصفات.
إن المرأة في تكوينها البيولوجي والنفسي مجهّزة لأن تصبر وتسامح ولا تشكو، وإلا كيف ستحافظ على غريزة التناسل وتتحمل آلام الحمل والولادة؟
تصوروا مخلوقا مبرمجا بيولوجيا على أن لا يتحمل ولا يصبر، هل سيتمكن من أن يمرّ بمصاعب الحمل والولادة، ناهيك عن الإعتناء بالطفل وتربيته؟
هذا من جهة، أما من جهة أخرى وإذا اعتبرنا تلك الصفات مكتسبة فالمجتمع الذي أفرز تلك القناعة بأن المرأة كثيرة الشكوى قليلة الشكر، ثم زرعها في اللاوعي عند المرأة عليه أن يُعيد النظر في تلك القناعة ويحاول تنظيف اللاوعي عند نسائه، كي يُفلح في إنتاج امرأة أكثر فعالية وإيجابية.
………….
ماذا أنتجت تلك القناعة منذ أن زرعها محمد في اللاوعي عند أتباعه وحتى تاريخ اليوم؟!
أنتجت امرأة معتوهة ورجلا أشدّ عتها، وبالتالي مجتمعا عقيما مريضا عاجزا على أن يجاري المجتمعات البشرية الأخرى في انسانيتها وتطورها.
عندما تُبرمج المجتمع على قناعة تُسيء إلى نصفه، سيدفع النصفان ثمن تلك القناعة.
هذه القناعة هي التي أنجبت المرأة المسلمة، والمرأة المسلمة بدورها هي التي أنجبت الرجل المسلم، وكلاهما بالتالي مخلوقان عاجزان….!
وما تبقى لدى الرجل المسلم من عقل قضى عليه حديث محمّدي آخر:
“لا تطعم المرأة أحدا دون اذن الزوج إلا إذا كان طعاما قارب على الفساد. فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره وإن أطعمت بغير رضاه كان له الأجر وعليها الوزر”
عندما تتولّد لدى المرأة قناعة بأنها غير مؤهلة عقليا لأن تتبرع بصحن طعام دون أن يضرّ الأمر باسرتها، هل سيبقى لدى تلك المرأة أثر لعقل يتحكم في تربيتها لأطفالها؟
المرأة المبرمجة وفق تلك القناعة لا تستطيع أن تمنح أولادها أبسط ما يحتاجون إليه. فالمرأة غير المؤهلة عقليّا لأن تتبرع بلقمة لجائع، هل هي مؤهلة عقليّا لتربي أولادها؟!
عندما تتولد لدى الرجل قناعة بأن زوجته غير مؤهلة عقليا لتطعم جائعا، وبأنه مؤهل “إلهيا” ليسرق أجرها لو فعلت ذلك دون اذنه، لن يبقى لدى ذلك الرجل مثقال ذرة من تواضع كي يُعيد النظر في أفعاله وتصرفاته؟
لذلك كانت ولم تزل الحياة في المجتمعات الإسلامية نتيجة حتمية لقناعة سلبت المرأة عقلها وسلبت الرجل تواضعه. فدفعت الحياة في تلك المجتمعات ثمن عته المرأة وغرور الرجل بالإضافة إلى عتهه هو الآخر.
…………
لم ألتق في حياتي برجل مسلم أو امرأة مسلمة، مهما اتسعت مداركه أو مداركها، إلا ولمست لديه ولديها آثار تلك القناعات الدفينة التي تسللت من محمد إلى اللاوعي عندهما.
في بداية نشري لمقالاتي على صفحات المواقع الإلكترونية تلقيّت رسالة تقدير من رجل مسلم، يُعتبر حتى تاريخ اليوم واحد من أكبر شيوخ “الليبرالية” في العالم العربي. طبعا رددت على رسالته برسالة شكر، ثم بدأنا منذ يومها نتبادل الرسائل والآراء، وإذ بي اُفاجئ ذات يوم برسالة منه تقول:
عزيزتي وفاء:
“يقولون بأنك رجل مسيحي يتخفى تحت اسم امرأة مسلمة، ولا أخيفك سرا بأنني أنا الآخر بدأت أشكّ بذلك”
نزلت رسالته على رأسي كالصاعقة، لا لأنه شكّ بمصداقيّة هويتي، بل لأنه اعتبرني رجلا. لو قال لي: أنت امرأة مسيحيّة متخفية تحت اسم امرأة مسلمة، لغفرت له لأنه على الأقلّ احترم كينونتي كامرأة. ولكن أن يظن بأنني رجل كانت القشة التي قصمت ظهر ذلك “الليبرالي”، فكتبت له أقول:
عزيزي فلان:
“هناك مثل روسيّ يقول: الإنسان كالنهر، تراه أحيانا عميقا كالبحر وأحيانا أخرى ضحلا كالساقية. كنت أعتقد بأنك بحر، ولكنك تبدو في رسالتك الأخيرة وكأنك تمرّ بطور الساقية”
فجن جنونه وأرسل لي بعدها رسالة حادة اللهجة يطالبني فيها أن أعتذر منه، فأسقطتها وأسقطته في سلة مهملاتي!
مرّة، وخلال مؤتمر الأقباط الذي عُقد في العاصمة الأمريكية واشنطن، التقيت به وجهها لوجه. مددت يدي مصافحة وبشجاعة، لم يعهدها عند امرأة، قدّمت نفسي: أنا وفاء سلطان…أتشرف بمعرفتك أستاذ فلان…
مدّ يده وهو يرتجف، وصافحني دون أن ينبس ببنت شفة، ثم هرب متواريا بين الحضور.
لقد وقف غروره، الذي اكتسبه من القناعة التي تخوله أن يسرق أجر زوجته إن هي تصدٌقت على جائع دون اذنه، وقف حائلا أمامه فلم يسمح له أن يعترف بخطأه ويعتذر لي عن إهانته؟
هل سمعتم رجلا مسلما يوما يعتذر عن إهانة وجهها لغيره؟ طبعا لا!
فالرجل، المؤهل “إلهيا” أن يسرق أجر زوجته إن تبرعت برغيف خبز لجائع، هو رجل متغطرس إلى حد يفوق قدرته على الإعتذار!
لا أمل يُرجى في إعادته تأهيل ذلك الرجل، مالم يرتقي بمستوى وعيه كي ينبش تلك القناعات المريضة من اللاوعي عنده ويلقيها في سلّة مهملاته، ثم يتبنى قناعات أكثر منطقيّة وإنسانية.
تصوروا لو نبدأ اليوم بتنبي قناعات مغايرة، قناعات تقول بأن المرأة مخلوق مؤهل عقليّا ونفسيّا لأن يربي أجيال المستقبل وهي المسؤولة عن سلامة تلك الأجيال، ما الذي سنجنيه بعد جيلين من الآن؟!!
****
كل شعب هو نتاج عقائده. برمجته العقلية تقوده إلى مستقبله.
Eileen Collins كانت أول امرأة أمريكية تقود مركبة فضائية، وترأس في الوقت نفسه فريقها.
أعتقد، ولست متأكدة، أنها هي المرأة التي كانت تتحكم بهبوط المركبة الفضائية الأمريكية Discovery عام 2005 في ولاية كاليفورنيا ومن مخبرها في وكالة ناسا. كانت أخبارها يومها تملأ كل الصحف الأمريكية.
قرأت مقالة لكاتب أمريكي لم أعد أذكر اسمه في صحيفة لوس انجلوس تايمز، يحكي فيها عن الدور الرائد لتلك المرأة.
يقول في مقالته: “كنت وطفلي البالغ من العمر خمس سنوات نتابع أخبار المركبة الفضائية أثناء هبوطها، ونراقب كيف تتحكم تلك المرأة بها. بدا طفلي أكثر غبطة مني وهو يراقب ما تعرضه شاشات التلفزيون.
سألته، وهو في غمرة غبطته: هل تحلم أن تصبح يوما قائدا للمركبة الفضائية؟
وبدهشة لا مثيل لها، سألني: ولكنني لست امرأة، هل تعتقد بأننّي أستطيع أن أفعل ذلك؟”
…………….
بمجرد رؤية ذلك الطفل لتلك المرأة، تشكلت لديه قناعة بأن المرأة هي وحدها القادرة على أن تقود مركبة فضائية!
هنيئا له! لم يسمع نبيّه يوما يقول: إذا مرّ كلب أو امرأة قبالة رجل يصلي ستفسد صلاته!
عندما يكبر ذلك الطفل هل تتوقعون بأنه سيشكّ يوما في هوية امرأة لمجرد كونها قادرة على الكتابة؟ وهل تتوقعون بأنه سيكون عاجزا عن الإعتذار عندما يُسيء لتلك المرأة؟
لنتصوّر معا طفلين: أحدهما ولد في مجتمع المرأة فيه رائدة فضاء، والآخر ولد في مجتمع المرأة فيه عشر عورات. هل سيخرج هذان الطفلان إلى الحياة رجلان يحملان نفس القيم والمبادئ، وبالتالي هل سيصلان إلى نفس المستقبل؟
أعرفتم الآن الفرق بين إنسانهم وإنساننا؟
أعرفتم الآن لماذا هم روّاد فضاء، ولماذا نحن روّاد الهاوية؟ أعرفتم ماذا فعلت عقيدة محمد بأتباعه؟!!
المرأة في تلك العقيدة لا تصلح أن تتحكم إلاّ بطبق طعام فاسد تغشّ به فقيرا يبحث عن لقمة!
والرجل في تلك العقيدة مهووس بحقه “الإلهي” الذي يخوّله أن يسرق أجر امرأة أطعمت جائعا بدون إذنه!
المرأة كالكلب تفسد صلاة الرجل، والرجل أطهر من أن تمرّ بجانبه امرأة وهو يصلي!
هذه الهوة الساحقة التي تفصل بين الرجل والمرأة كقطبين للحياة، لن تسمح لهذين القطبين بالإلتقاء من أجل تحسين نوعية تلك الحياة.
لذلك يتباهى المسلمون اليوم، وخصوصا هنا في الغرب، بعددهم ولا يكترسون لنوعيتهم. يذكّرني ذلك التباهي بقول انشتاين:
ليس كل شيء قابل للعد يجب أن نعدّه، وليس كل شيء نعدّه ذي قيمة!
……
يقول الغزالي نقلا عن نبيّه: إنّ المرأة عشر عورات فإذا تزوجت ستر الزوج واحدة، وإذا ماتت ستر القبر التسع عورات!
هل استطاعت امرأة مسلمة منذ محمّد وحتى اليوم، أن تتجاوز حدود قناعتها بأنها عورة؟ فهي تنتظر من يطرق الباب أملا في إخفاء عورة من عوراتها، ثم تنتظر حتفها كي يخفي القبر ما تبقى من تلك العورات.
هل بإمكانكم أن تتصورا وضع مجمتع لا هدف لنسائه في الحياة سوى الزواج وإنتظار الحتف؟!
على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن لم يسمح المسلم لنفسه بأن يرتقي إلى مستوى السؤال: لماذا خلق الله المرأة عورة، وأين الحكمة من ذلك؟
يقول مثل صيني: عندما تسأل سؤالا تبدو غبيا لبضع ثوان، وعندما لا تسأل تظلّ غبيا مدى الحياة.
فهل قدر المسلم أن يرفض السؤال ويظل يدفع ثمن غبائه مدى الحياة؟!
متى سيرتفع بمستوى وعيه إلى الحدّ الذي ينبش عنده تلك القناعات، ثم يرميها في سلة مهملاته ويستبدلها بقناعات تعيد إليه إنسانيته؟!!
لا يستطيع أن يفعل ذلك ما لم ينبش “إلهه ونبيّه” ويلقيهما خارج حيّز اللاوعي عنده ثمّ يستبدلهما بمصدر آخر لقناعاته، مصدر أكثر مصداقيةأخلاقية!
**********
في كتابه The power of intention يقول المفكّر الأمريكي ويين داير:
“في الأيام التي أعقبت حوادث الحادي عشر من أيلول كنت مارا في أحد شوارع نيويورك، وإذ بي أسمع رجلا مسنا يقول لحفيده:
“في داخل كل منّا، يا بنيّ، كائنان أحدهما مملوء بالغضب والحقد والألم ويتمنى أن ينتقم، والآخر مملوء بالحب واللطف والشفقة ويتمنى أن يسامح.
سأل الطفل جده: ومن فيهما سينتصر؟ فقال الجدّ: الكائن الذي تطعمه وتسقيه”.
وهنا يحقّ لنا أن نتساءل:
أيّ كائن منهما ذلك الذي يُطعمه الإسلام ويُسقيه في داخل الرجل المسلم؟
لو لم يغذي الإسلام ذلك الوحش في داخله، لما استطاع والد الشابة أقصى بارفيز أن يقدم على قتل فلذة كبده!
عندما نغذي الخير في أعماقنا يطغى جماله على كلّ مظاهر الحياة لدينا، وعندما نغذي الشر تتطغى قباحته على كل مظاهر الحياة أيضا.
……….
القناعة، أيّة قناعة، تموت مالم نطعمها ونسقيها. القناعة التي تسللت إلى عقل المسلم بأن المرأة عورة، لا تستطيع أن تبقى هناك وتتحكم بسلوكه مالم يرحّب بها ويدغدغها!
صار يفرض على الأنثى في حظيرته متى ومن تتزوج، ويقفل عليها الباب حتى تموت!
بأيّ حق يقول الأب للزوج: زوّجتك ابنتي؟ فعندما لا تكون المرأة مؤهلة عقليا لتزوّج نفسها، هي ليست مؤهلة عقليّا كي تتزوج؟
يحق للأب أن يبارك زواج ابنته، لا أن يربطها بحبل من رقبتها ويعتقها لمن ومتى شاء، كي ترتبط بحبل ذلك الزوج حتى مماتها.
إحدى الآيات القرآنية تقول:
“وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا”.
لن أناقش هذا الحكم من حيث وحشيّته وجوره، بل يحق لي أن أتساءل: أين العدل في سجن اللاواتي يأتين الفاحشة، بينما يُترك الرجال الذين آتوا الفاحشة معهن حريّن طليقين؟
هل تستطيع المرأة أن تأتي الفاحشة بدون رجل؟
هذا هو حكمها، فلماذا لا يُمسك الرجل معها حتى يجعل الله لكليهما سبيلا؟
هذا من جهة، أما من جهة أخرى فالقاعدة العامة تقول: إذا أخذ الله ما وهب أسقط ما أوجب!
فالمجنون لا يعاقب على عدم القيام بواجباته، وقياسا على ذلك يجب أن يعاقب الإنسان حسب ملكاته العقلية، فإذا كانت إمكانيات المرأة العقلية أقل من الرجل ألا يُفترض أن يكون عقابها أخف؟
طالما أنقص إله الإسلام ملكات المرأة العقلية، لماذا لم يُسقط عنها جزءا من العقاب، بدلا من أن يفرض عقابا أشد؟ ولماذا لم يفرض على الرجل عقابا أشد طالما خصّه بعقل أرجح؟
لماذا راعى ذلك الإله محدوديّة إمكانياتها العقليّة عندما اعتبر شهادة الرجل مقابل شهادة امرأتين، ولم يُراع ذلك عندما قال: “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا”؟!
تلك الأحكام الجائرة هي التي غزّت قناعة الرجل والمرأة على حد سواء بأن المرأة مخلوق دونيّ، وكتبت لتلك القناعة أن تعيش أربعة عشر قرنا، وأن تتحكم خلسة بسلوك معتنيقها.
الإنسان سجين جهازه العقائدي، ولن يستطيع أن يخرج منه مالم يُدرك حدود جدرانه.
فمتى يُدرك الرجل المسلم جدران سجنه كي يتجاوزها وينطلق بنفسه إلى فضاء إنسانيّته الأرحب؟!!
وفاء سلطان
اللغة هي الأداة التي تُستخدم من أجل برمجة الإنسان والهيمنة العقلية عليه، ويعتبر “التكرار” من أقوى الأساليب التي تُضمن نجاح تلك البرمجة. فالفكرة مهما بدت غريبة وغير مقبولة عندما يتم تكرارها على مسمع الغير تتسلل خلسة إلى اللاوعي عندهم. يميل الإنسان دائما إلى تبني المألوف والخوف من الجديد، وهذا بدوره يعطي الفكرة المألوفة والمكررة عبر الزمن فرصة أكبر لتظل سيدة الموقف.
علم التسويق والدعايات الذي يعتبر واحدا من أهم علوم اليوم، يعتمد على قوة “التكرار” كي يتمكن من أن يتسلل بسلعته إلى اللاوعي عند المستهلك، ويدفعه إلى شراء السلعة لاحقا ومهما كان موقفه منها في البداية.
عندما تنفرد فكرة ما دون غيرها فتظل ترقص في ساحة الوعي، تتسرب مع الوقت إلى اللاوعي خلسة، وكلما ازادد رقصها وطال زمنه كلما كانت فرصتها للتسلل عبر الحاجز الفاصل بين الوعي واللاوعي أكبر.
ومن هنا تكتسب العقائد الدينية قوتها، فالأفكار الدينية هي الأكثر تواجدا في ساحة الوعي وزمنها هو الأطول، ولذلك هي الأقوى والأرسخ أمام متطلبات التغيير.
عندما يسمح الواقع لأفكار أخرى بالتنافس مع الأفكار الدينية لا يمكن وتحت أي ظرف إلا أن تخسر تلك الأخيرة قوتها مع الزمن.
الإنسان يتحاور، وهناك طريقتين للحوار: حوار الإنسان مع الآخرين وحواره مع نفسه والذي يستغرق جل وقته. فالإنسان لا يستطيع لحظة واحدة أن يتوقف عن الحوار مع نفسه، وهذا الصوت الداخلي الذي يحدث به نفسه هو إنعاكس لما يدور في حيّز اللاوعي عنده.
ومعظم حواره مع نفسه يتمّ بلا وعيه، وبطريقة آلية تعكس ما يدور داخل اللاوعي عنده.
تهدف عملية الهيمنة العقلية إلى استعمار الصوت الداخلي للإنسان، ومتى فعلت ذلك تمكنت من فرض ذاتها.
يقول المثل العربي: التكرار يعلم الحمار، والحقيقة أن التكرار يهيمن على الإنسان بطريقة أسهل من هيمنته على الحمار.
فالتكرار عند الإنسان يسيطر لاحقا على صوته الداخلي وتصبح الفكرة المكررة ـ بدون إذنه ـ ذلك الصوت، ومتى تحكمت الفكرة بالحوار بين الإنسان ونفسه تكون قد نجحت في هيمنتها وفي برمجته وفقا لتلك الهيمنة.
خير من شرح تلك النقطة هو الكاتب الأمريكي Edward Hunter الذي ألفّ عام 1951كتابا بعنوان: Brain-washing in China أي الغسيل الدماغي في الصين.
شرح فيه كيف تمت عملية غسل دماغ نصف بليون صيني يومها، وخلال فترة قصيرة جدا، لتبني الفكر الشيوعي السوفياتي.
شمل برنامج الغسل ثلاثة محاور:
1ـ تعريف الناس بالشيوعية السوفياتية بطريقة محببة.
2ـ محاربة الفكر الديني وخصوصا المسيحيّة.
3ـ محاربة كل ما هو أمريكيّ.
اعتمد برنامج الغسل Indoctrination program اسلوب “التكرار”. كانت هناك حلقات حزبية تُدار على جميع المستويات الشعبية، وكان يتم تدريب الناس على كتابة مذكراتهم اليومية وإلقائها خلال الإجتماعات، ثم يُكتب تقرير عن تلك المذكرات ويرفع إلى الجهات المختصة التي تقوم بإعادة صياغة تلك المذكرات بالشكل الذي تُريدها أن تكون وتأمر بإعادة قرائتها من جديد على الأعضاء في الحلقة نفسها. وهكذا دوالييك حتى يتم قولبة حياة البشر وفق الطريقة المرسومة. وهكذا تدخل الفكرة المرجوة خلسة وبهدوء إلى اللاوعي عند الناس وتبدأ من هناك بالتحكم بسلوكهم.
في الوقت التي كانت تتم بها تلك البرمجة كان تتم ملاحقة أية فكرة أخرى لا تنسجم مع برنامج الغسل.
حتى تاريخ اليوم، لو حاول الصيني غوغلة كلمة “ديمقراطية” أو “حقوق الإنسان” لن يتمكن من الوصول إلى أية معلومات.
لقد نجحوا من خلال احتكار فكرة ما وتكرارها بالسيطرة على ساحة الوعي وتسخيرها كحلبة رقص للفكرة التي تخدم برنامجهم.
…………..
الأمّة الإسلامية أمّة مفلسة على جميع الأصعدة إفلاسا أخلاقيا وفكريا وعقليّا ونفسيّا وتربويّا وحضاريّا، والأهم من كل هذا وذاك إفلاسا لغويّا!
الإسلام كجهاز عقائدي ساهم إلى حدّ كبير في إفلاسها. وباعتبار الإسلام دين عربي ولم تتم ترجمته بحذافيره إلى أية لغة أخرى، لذلك أتوقع بأن عملية إعادة تأهيل المسلمين غير العرب أسهل بكثير من إعادة تأهيل العرب المسلمين.
التخريب العقلي الذي تسببت به اللغة التي تبناها الإسلام أشد حدّة عند العرب، باعتبار لغة الإسلام لغتهم وهم أقدر على فهمها واستيعابها.
لا أظن أن أكثر من 5% من القمامة اللغوية التي ذخرت بها الكتب الإسلامية العربية قد تمّ ترجمته إلى أية لغة أخرى. ولذلك أنهك التخريب الذي تسببت به تلك اللغة العقل العربي أكثر مما أنهك أيّ عقل إسلاميّ غير عربي.
أقول العقل العربي وأعني ما أقوله، إذ لم يسلم العرب غير المسلمين من ذلك التخريب وكان قدرهم أن يكونوا، ربما إلى حدّ أقل من العرب المسلمين، نتاج ثقافة إسلامية شاؤوا أم أبوا.
فالرجل المسيحي العربي، كما هو المسلم العربي، أكثر إلماما وفهما للغة الإسلام من المسلم غير العربي، والآثار السلبية للثقافة الإسلامية متجذرة في شخصيته وتلمسها بسهولة عندما تتعمق في دراسة تصرفاته ولغته.
الإنسان هو ناتج بيئته ولذلك من الطبيعي جدا أن يكون المسيحي العربي مسلما في تصرفاته ربّما أكثر من المسلم غير العربي.
لا شكّ بأن اللغة التي تبنتها المسيحيّة قد ساهمت في تخفيف حدّة ذلك التخريب، لكنها لم تستطع أن تمنع حدوثه. فالمسيحي العربي هو مسيحيّ في بيئته لكنه مسلم في مجتمعه، ولا بدّ للمجتمع من أن يترك بصماته!
هذا من جهة، أمّا من جهة أخرى فالعامل الثاني الذي لعب دورا في ازدياد حدّة التخريب عند الإنسان العربي المسلم فهو القضية الفلسطينية!
لقد نخرت تلك القضية كل خلية في دماغ العربي مسلما كان أم مسيحيا حتى عطّلت فعالياته.
تأتي عبارة “القضية الفلسطينية” في المرتبة الثانية بعد الطقوس اللغوية الإسلامية من حيث تواتر تكرارها.
فلقد تصدرت قائمة المصطلحات اللغوية المستخدمة يوميا على مدى أكثر من نصف قرن واحتكرت، دون غيرها، ساحة الوعي عن الإنسان العربي. خسر الإنسان العربي أرضه، ولم تكن تلك أكبر خسائره. فلقد خسر أيضا
القسم الأكبر من حيّز التفكير عنده، ليقتصر على تلك القضية، تلك الخسارة
التي نحتاج إلى قرون لو حاولنا تعويضها.
لقد حلّ بالإنسان العربي من جرّاء تلك القضية ما حل بالراعي الذي ترك القطيع كله وراح يبحث عن الحمل الضائع، فلم يجد الحمل ولمّا عاد إلى القطيع لم يجد له أثرا، لقد خسر القطيع كله من أجل حمل واحد.
لقد عجّت الكتب العربية على إختلاف أنواعها بتلك القضية، كما واستحوذت على وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئيّة، فلم تترك أمام الإنسان العربي خيارا آخر ليفكر فيه. استنزفت وقته وماله وجهده وكلّ طاقته، وفي حقيقة الأمر وجد فيها مبررا لكسله وتقاعسه وفشله.
وهنا أودّ أن أشير إلى نقطة قد تكون خارج الموضوع لكنها تأتي في سياقه وهو الأثر السلبي الذي تركته على الإنسان الفلسطيني دون غيره. لقد لعب ذلك الإنسان ولم يزل دور الضحية ووجد في ذلك الدور مهربا له من مسؤولياته، فهو في حالة سخط دائم على غيره من العرب رغم كلّ التضحيات التي ساهمت فيها الدول العربية الأخرى والتي مازالت تساهم.
زرت عمّان عام 2003 زيارة عمل، وبقيت هناك حوالي عشرة أيام وكانت معظم تنقلاتي بتكاسي اجرة. لفت نظري أن جميع سائقي التاكسي في عمان، على الأقل الذين صادفتهم، من الفلسطينين. كان يدور بيني وبينهم الحديث نفسه، فمنذ أن أتلفظ بالكلام يردّ عليّ السائق بسؤاله: هل الأخت شامية؟
ـ نعم
ـ أهلا وسهلا بك، هل أعجبتك عمان؟
ـ عمّان مدينة جميلة ولقد تفاجئت بتطورها العمراني وجمال تخطيطها.
ـ الفضل يعود لرؤوس الأموال الفلسطينيّة، ولولا الفلسطينين لكانت عمان مضرب بدو فكل الأردنين بدو ولا يعرفون معنى التحضر.
في أغلب الحالات كنت أعقب على قوله بقولي:
ولكن يُشكرون على الأقل فتحوا لكم بابهم ورحبوا بكم لافرق بينكم وبينهم، وعندئذ كنت اُفاجئ بصمت رهيب.
دُعيت مرّة لحفل سيعود ريعه إلى إحدى الجمعيّات الفلسطينيّة. كنت أمرّ بين الطاولات وأنا أبحث عن طاولتي، فتناهى إلى سمعي أحدهم يقول للجالسين معه على نفس الطاولة:
ـ السبب يعود إلى الكلاب السوريين! فتوقفت وقلت له: أرجوك في المرّات القادمة لا تدعو أي كلب سوري إلى حفلاتكم!
فردّ على الفور: لا تفهميني غلط أنا أقصد الحكام العلويين الكلاب!
تركته وانصرفت دون تعليق.
لي صديق فلسطيني من مواليد الكويت وهو رجل أعمال كبير في إحدى دول الخليج. ناقشت معه اجتياح صدام حسين للكويت والأعمال الإجرامية التي ارتكبها جيشه بحق الكويتين، فاعترف بها لأنها جرت أمام عينيه ولكنه بررها ودافع عن ذلك الإجتياح بطريقة أثارت اشمئزازي إلى حدّ الغثيان. خلته للمرّة الأولى يدافع عن حقّ العراقين في الكويت كولاية عراقية كما يدّعي البعض، لكن الأغرب من ذلك كلّه عندما ذكرنا الشعب العراقي ومعاناته أثناء حكم صدّام انبرى بقوله: هذا شعب يستحق السحق!
في حقيقة الأمر كان يدافع عن الأموال التي اشترى بها صدام حسين مواقف قادة الفلسطينين والمنتفعين من أغنيائهم.
يُشعرك الفلسطيني عندما تتعامل معه بأنك مدين له وبأنك سبب قضيّته.
لم يواجه الفلسطيني عموما قضيّته بمسؤولية ولم يقدّر تضحيات من شاطره تلك المسؤولية. استغل أغنيائه وحكامه تلك القضيّة من أجل تحقيق مآرب ومنافع شخصية. الفرص التي نالها الفلسطينيون عموما لم ينلها أحد من شعوب المنطقة، وخصوصا السوريين والمصريين والعراقيين باعتبارهم أكثر من دفع ثمن القضية الفلسطينية بين العرب. فتحت لم أبواب الهجرة إلى أوروبا وأمريكا أكثر من غيرهم وتدفقت عليهم مساعدات لم يحلم بها معظم فقراء العالم.
……….
يميل الإنسان بصورة عامة إلى أن يلعب دور الضحية. هذا الدور يحرره من مسؤولياته ويخفف عنه حدّة الإحساس بالذنب تُجاه تقصيره.
يلوم من خلاله الآخر ويعتبره مسؤولا عن كلّ إخفاقاته، ويرفض أن يتحمّل أيّة مسؤولية. يعتبر الكثيرون من علماء النفس ذلك الدور فعالا وقويا للغاية، فالذي يلعبه يُثير لدى الآخرين، ليس فقط شفقتهم، وإنّما إحساسهم بالذنب تُجاهه. ومتى استطاع الإنسان أن يُثير لدى الآخر إحساسه بالذنب تُجاهه استطاع بشكل عام أن يسيطر عليه، وتزداد السيطرة مع الزمن إلى درجة تجعل من الآخر الضحية الحقيقية.
فالإنسان يكون ضحيّة حقيقية عندما تكون عواطفه تحت سيطرة الآخرين.
خير من يستطيع أن يلعب ذلك الدور ويُجيد إثارة الشفقة لدى الآخر وإحساسه بالذنب هن الأمهات المسلمات في أعمارهن المتقدمة، إذ يلعبن ذلك الدور مع أولادهن وخصوصا الذكور منهم.
المرأة المسلمة تعاني في بيت أبيها وزوجها الأمرّين، وعندما تتقدم في السن وتخف حدّة سيطرة الزوج العجوز عليها تستغل ماضيها الشقي لتُثير شفقة أولادها. وكلما تمكنت من إثارة شفقتهم وإحساسهم بالذنب كلّما استطاعت أن تسيطر على حياتهم.
الرجل المسلم يخضع خضوعا تاما لأمّه مدّعيا إنها أم والله قد أوصى بالأم، دون أن يعترف بحقّ زوجته رغم كونها هي الأخرى أم، وهكذا دوالييك يتكرر السيناريو.
……………..
عندما يقع الإنسان ضحية لواقع ما، لا يستطيع أن يسترد حقّه وكيانه إلاّ عندما يتحرر من إحساسه بأنه ضحية ويرفض أن يظل ضحيّة.
لم يكن قادة الفلسطينين يوما أفضل من أسوأ قائد عربي آخر، ولكن الشعب الفلسطيني من أقل الشعوب العربية انتقادا لقادته وحكومته ودوما يلقي كرته بإتجاه مرمى الآخرين.
ولا أجد تفسيرا لتلك الظاهرة إلا أنه استعذب دور الضحية الذي يلعبه والذي حرره إلى حدّ ما من مسؤولياته، وهو إذ اعترف بتقصير قادته وحكومته سيخفف من حدّة قدرته على إثارة شفقة الآخرين وإحساسهم بالذنب تجاهه.
يرى خبراء النفس إنّ أفضل علاج لتلك الظاهرة هو أن تعالج الناس الذين وقعوا ضحية من يلعب دور الضحية، وذلك بتدريبهم على تجاهل شكواه وانتقاداته ومحاولاته لإثارة إحساسهم بالذنب، ثمّ إجباره على تحمل مسؤولياته الشخصية.
فالابن لا يستطيع أن ينقذ زواجه وبيته من أمه الطاغية، والتي تريد أن تفرض ماضيها على كنتها، إلا بتجاهل مطالب الأم وشكواها كي تضطر أن تلتزم بحدودها، وهذا حكما لا يعني الإساءة اليها.
………….
لقد دفعت الشعوب العربية قاطبة ثمن القضية الفلسطينية باهظا، ولا أقصد هنا أرضا أو بشرا أو مالا أو عتادا أو مجهودا وإنّما أقصد استعمارها للعقل العربي. فلقد زاحمت تلك القضية ثرثرة الكتب الإسلامية واحكترت العقل العربي، إذ أصبح مقياس ثقافة المفكر العربي هو قدرته على الخوض في تفاصيلها حتى اليوم. عندما تحتكر فكرة ما العقل تقضي على إبداعه وعلى كل فرصة لإنتعاشه وإزدهاره، وهذا ما تسببت به القضية الفلسطينية للعقل العربي مخلفة قحطا فكريّا لا يمكن إخصابه إلا بعد زمن طويل من تجاوز تلك القضية وإلزام الفلسطينين أنفسهم دون غيرهم بحلّ مشاكلهم، وهذا حكما لا يعني الإساءة اليهم.
رعد الحافظ
تحتَ سماءِ لندن , فوقَ أرضية الستاد الأولمبي في ستراتفورد .
دقّت بالأمس , أجراس Big Ben في تمام الساعة الثامنة مساءً بتوقيت كرينج مُعلنةً إنتهاء الدورة الأولمبيّة الثلاثين .
80 ألف من الجمهور كانوا هناك يراقبون .و 3500 عارض ساهم في حفل الختام .
وكما توقّع مخرج الحفل المُبدع كيم جافين ( أنّهُ سيكون أفضل حفل ختام في التأريخ ) , فلقد كان كذلك !
إسبوعان مدّة الأولمبياد ,إجتمع فيها العالم على الحبّ والرياضة والإنجاز , إسبوعان ستبقى عالقة في الأذهان طويلاً .
بالنسبة لي / أحببتُ هذا الأولمبياد , كما لو أنّهُ صانع للأمل .
***************
مرتجفةً قلوبهم ودامعةً عيونهم ودّع الرياضيّون لندن الجميلة . وكلٌ يرقص فلكلورهِ الخاص على أمل اللقيا في ريو دي جانيرو 2016 .
فرق غنائية عديدة شاركت , كفرقة مادنس , وسبايس غيرلز , وجورج مايكل وفرقة The Who التي عزفت لحن الختام بعد إنطفاء الشعلة الأولمبية .
كذلك حضرت المغنية شارلوت كوبر بكيتارها الأنيق .
والمغنية السمراء التي إفتتحت الحفل / إيميلي ساند ( ذكرتني بسيلين ديون ) مع أنّي لا أفهم شيئاً في الغناء الغربي .
تشرشل بسيكارهِ المُميّز كان حاضراً وخطب من فوق برج الساعة الشهيرة . وباتمان ( الوطواط ) حضر أيضاً .
حتى الحرس الملكي والأمير هاري و جسر لندن الشهير وسيارة الرولز رويس ,وموسيقى القرب الإسكتلندية , كلّهم كانوا حاضرين هناك .
الأضواء كانت تتوهج حيناً ومعها تصدح الأصوات , كأنّها الإنجاز بعينهِ . ثمّ تخفت بعدها , كأنّها الراحة والسكون .
ما أروع مخرج الحفل كيم جافين , وكلّ مساعديه والمتطوعين .
في الأولمبياد , النصر كان موجوداً ومتنوعاً , لكن لا أحد ينسبه لنفسهِ .
كلّ الفائزين شكروا أوطانهم التي ساعدتهم والجمهور الذي شجعهم والحظّ الذي حالفهم .
صُمّمَ هذا الحفل ليكون إحتفالاً بالشعب البريطاني وموسيقاه وثقافتهِ
فبدؤوا في الجزء الأوّل بوصف الحياة العادية للشعب البريطاني
مُرحبين بضيوفهم بأفضل ما يكون . ثمّ سارت المواكب الرياضية على أرض الملعب الذي مثّل بأضوائهِ علم بريطانيا .
آخر الميداليات الموزعة كانت للماراثون , وفاز بذهبيتها الأوغندي كيبروتيك , فأهدى بلده أولى الميداليات
كأنّهُ يُخبرنا أنّ الكفاح يجب أن يستمر حتى اللحظة الاخيرة , قبل إسدال الستار .
حتى الدموع في الاولمبياد تختلف عن الدموع في حياتنا العاديّة !
دموع الفرح بالنصر وإرتقاء علم البلد للسارية , وعزف النشيد الوطني للفائزين , تقابلها دموع الحسرات على ضياع الميداليات للخاسرين , وما هم بخاسرين .
**************
ملاحظات
1 / إنجازات عربية متواضعة لكن مُفرحة
ثمان دول عربية حصدت 12 ميداليّة , منها ذهبيتان وثلاث فضيّات و7 ميداليات برونزية .
قرش قرطاج / السباح التونسي ( اُسامة الملولي ) كان فخر العرب فعلاً
وحقّقَ سبقاً لزملائهِ في السباحة , حيث جمعَ بين برونزية 1500 سباحة حرّة في المسابح , إضافةً الى ذهبية 10 كم سباحة حُرّة في نهر التايمس
ووضع بلدهِ الصغير تونس في مقدّمة الدول العربية وفي الترتيب 45 عالمياً وأهدى فوزهِ للثورة التونسيّة وشبابها الحُرّ .
إنجاز الملولي لا يعادلهُ عندي ,سوى إنجاز الجامايكي في سباق ال 100 متر .
صحيح أنّ ميداليات العرب كلّها , لا تعادل هولندا الصغيرة ( 20 ميدالية وبالمرتبة 13 عالمياً ) أو جامايكا الصغيرة ( 12 ميداليّة وبالمرتبة 18 عالمياً ) , أو كوبا الجزيرة الصغيرة المُحاصرة منذُ 60 عام , والتي حصلت على 14 ميدالية وبالمركز ال 15 عالمياً
لكنّهُ مع ذلك يُعّد أفضل إنجاز عربي مقارنةً بالدورات السابقة .
فلا تقولوا الربيع العربي قادنا نحو الاسوء !
أنا أقول : الحريّة تُثبت دائماً انّها أغلى شيء في الوجود .
وبعون العقل ببدء الثورات القادمة على المشايخ ستخطو بلداننا خطوات كنغرية غير متوقعة , وسنلتقي في ريو .
2 / جدول الميداليات
http://www.bbc.co.uk/arabic/sports/2012/07/120717_olympics_2012_medals_table.shtml
هذا رابط جدول الميداليات لأولمبياد لندن ,و ربّما يُحاكي قوّة الدول .
الولايات المتحدة حلّت أولى / ب 104 ميداليّة , بينها 46 ذهبية و29 فضية ومثلها برونزية .
بعدها الصين بفارق 16 ميدالية وبعدهم بريطانيا العظمى ثمّ روسيا .
3 / إيران بالمناسبة حقّقت 12 ميدالية منها أربعة ذهبية وبالمرتبة 17 عالمياً . هذهِ مفاجئة تعود في ظنّي لرافعي الأثقال أكثر ممّا تعود لنظام الولي الفقيه البائس !
4 / وجامايكا بحجم الحمصة الحمراء على الخريطة قرب كوبا , وسكانها أقلّ من 3 ملايين , لكنّهم ( عملاء ) من دول الكومنويلث ومرتبطين بالتاج البريطاني , تنجز أضعاف العرب مُجتمعين .
لا أحد سوف ينسى بطلهم ( يوسين بولت ) ورقمهِ الأولمبي الجديد 9.63 ثانية .
ومثلها فعلت هولندا التي حلّت بالمرتبة ال 13 ب 20 ميدالية .
5 / أوّل ذهبيّة للسويد كانت في سباق الزوارق الشراعية ستار بوت
وآخرها فضيّة كرة اليد للرجال فجمعت 8 ميداليات فقط .
6 / حدثان متناقضان جلبا إنتباهي خلال إسبوعي الأولمبياد
مركبة كريوستي تحّط على المريخ لتبحث عن مستقبل أفضل للأرض .
بينما في مصر يحاصر أتباع الإخوان عيادة جراح القلب العالمي / مجدي يعقوب , لأنّهُ إستعمل صمامات الخنازير في عملياته الجراحيّة .
ربّما لايعلمون أنّ أكثر أدويتنا البشرية تأتي من هذا الحيوان البائس .
وفي بلدي العراق ,توفي قريب لي بعمر 41 عام إسمهُ رافع , عندما كان يهّم بتشغيل موّلدة الكهرباء .
بركات صديّم مازالت تُطاردنا حتى بعد موته بخمسة أعوام .
7 / حزن وفرح ومشاعر إنسانية مختلفة أظهرتها لوحات فنيّة بديعة
في حفل الختام . والعروض الرياضيّة هي مرآة الأمّة / حسب المعلق الرياضي عثمان الكريني .
8 / بحروفٍ من ذهب سطرّت لندن أولمبيادها الثالث , وهو نفسه الثلاثين عالمياً .
9 / لحظة نزول الشعلة الأولمبية تحوّلت الى جسد النسر الإنكليزي , هل إنتبهتم لذلك ؟
10 / مرح وتهكم الانكليز وصل الى سراويل الراهبات الداخلية وظهر العلم البريطاني فيه .
11/ عندما تواضعت لندن لجميع زائريها إرتقت في عيونهم وعقولهم
وساعة الختام تمّ رفع العلم اليوناني / كونها مهد الألعاب الأولمبية قديماً وحديثاً . واُنزل كذلك العلم الأولمبي الأبيض وسَلّمهُ عمدة لندن الى عمدة ريو .
12 / ريو دي جانيرو ذات ال 13 مليون نسمة وذات أجمل وأطول شاطيء بحري في العالم / ستنظّم الأولمبياد القادم .
والبرازيل اليوم في المرتبة السادسة عالمياً في الإقتصاد وتسبق حتى بريطانيا نفسها .
13 / اللورد سيباستيان كو ,رئيس اللجنة المنظمة , بعد أن تحدّث عن إنماء شرق لندن , شكرَ الجميع وبالأخص المتطوعين ال 70 ألف الذين ابلوا بلاءً حسناً وكانوا السرّ الأوّل لنجاح الأولمبياد ( كأنّهُ يُشير لفائض القيمة في روح وحضارة البشر ) .
ختم كو حديثه قائلاً : عندما واتت الفرصة لندن وعدنا العالم , فأوفينا بوعدنا وقمنا بواجبنا على خير وجه
14 / صحيفة الديلي ميل البريطانية تنشر التقرير التالي
http://www.burnews.com/news-action-show-id-41435.htm
تقرير مصور عما أطلقت عليه “معسكرات التعذيب الصينية لأطفال الأولمبياد” من أجل هزيمة اللاعبين الأمريكيين وحصد الميداليات الذهبية.
وقدمت الصحيفة صورة شديدة القسوة لطفلة تبدو في الرابعة أو الخامسة من عمرها، وقد ارتسم الألم الشديد على وجهها، فيما يقف مدرب الجمباز على قدميها الصغيرتين في محاولة لتشكيل جسدها كي يصبح شديد الليونة ويتناسب مع رياضة الجمباز، التي تحقق فيها الصين ميداليات ذهبية/ تابعوا الخبر بأنفسكم
15 / روسيا أو بعض إداريها تحدثوا عن مجاملة الحكام للبلد المُنظّم بريطانيا .
16 / التأكيد على خلّو المنشطات , دفع اللجنة الأولمبيّة للإحتفاظ بعيّنات المتوجين , كي يتّم التأكد منها مراراً في حالة الشكّ .
للأسف سمعنا عن طرد رياضيين مغاربة لهذا السبب .
17 / في لندن أيضاً بدأ رياضيّون من مختلف البلدان حملة للقضاء على الجوع في العالم .
18 / لم يظهر ايّ رياضي إسرائيلي في ايّ لقطة أولمبية , لذلك في ظنّي بعض الإحتمالات
أمّا أنّهم شاركوا لكن الإعلام تجاهلهم بسبب نتائجهم مثلاً .
أو بالصدفة انا شخصياً لم الحظهم . أو أنّ إسرائيل منشغلة بالصراع في المنطقة أكثرمن إنشغالها بالأولمبياد
ما يستدعي من ساستها ومنظماتها المدنيّة , الإتجاه الحقيقي للسلام , بدل التمسك بأراضي الآخرين .
19 / عمدة لندن ( بوريس جونسن ), سلّم الراية الأولمبيّة الى رئيس اللجنة الاولمبية الدولية ( جاك روغ ) , وهذا سلّمها بدورهِ لعمدة مدينة ريو دي جانيرو ( إدواردو بايس ) .
وعزف بعد ذلك النشيد الوطني البرازيلي , واُضيء الستاد باللونين الاصفر والاخضر.
ثم تلاه عرض موسيقي برازيلي راقص , وظهرت الجوهرة السوداء (( بيليه )) فشاركهم الرقص والمرح
وستدخل غالباً في ريو , مسابقة التزلّج الهوائي على الماء التي تعتمد على أمواج البحر العاليّة , لتحّل بدل التزلّج الشراعي .
**************
الخلاصة
لو كنتُ شيخ دين ( معاذ العقل ) , أو بدل محمد مرسي مثلاً , لأستغليت الحديث النبوي / علّموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل !
هل تعلمون كم ميداليّة أولمبيّة تنتج هذهِ الألعاب في حقولها المتنوّعة ؟
ما لايقل عن 100 ميدالية أولمبيّة / يعني عُشر مجموع الميداليات . ناهيك عن ألعاب كالريشة تجلب ميداليات ولا تحتاج سوى بضعة دولارات كمصاريف .
فلماذا لا تقوم السعودية ودول الخليج المنتفخة بالبترودولار , بإنفاق بعض المليارات لإصلاح حال الصومال مثلاً , و شبابهم جاهزين تقريباً , فقدّ تحوّل معظمهم إمّا الى رامي وقنّاص ممتاز , أو قرصان بحري يقوم بسلب السفن , أكيد يجيد السباحة .
أمّا الفروسية فالخيل العربي أشهر من الإنسان العربي نفسه !
اُمنية أخيرة :
متكئاً على الأمل أقول , نلتقي بعد أربعة أعوام في ريو , وبلداننا في نهضة شاملة وقد تخلّصت من الطغاة والبغاة .
نهضة بالعلم والعمل .. لا بالكلام !
تحياتي لكم
رعد الحافظ
13 / 08 / 2012
رياض الحبيّب
لقد قمت في الحلقة الرابعة من هذا البحث بتفصيل الحجج الدامغة التي عرضها كتاب “الشخصية المحمدية أو حلّ اللغز المقدّس” لمؤلِّفه أديب العراق الكبير معروف الرصافي، في موضوع مراعاة مؤلِّف القرآن الفواصلَ ما بين الآيات القرآنية. فقد أكّد الرصافي أزيد من مرّة على أنّ محمّداً كان يراعي الفواصل كلّ المراعاة ويعتني بها كلّ الإعتناء، لأنها هي الطابع الذي امتاز بها أسلوبه. ولا يُنكَر أنّ عنايته بالفواصل قد جاءت بكثير من المحاسن، لكنها مع ذلك لم تخلُ أحياناً ممّا يُعاب. وضرَبَ الرّصافي أمثلة متنوّعة على وسائل مراعاة الفواصل، منها التي تقدّم عرضها في الحلقات الأربع السابقة وهي:
1 التقديم والتأخير
2 الحذف
3 زيادة ما هو غير لازم
4 صرف ما لا ينصرف
5 التذكير والتأنيث
6 ترك المطابقة بين الجملتين في الإسميّة والفعليّة
7 إيثار أغرب اللفظتين
8 الإستغناء بالإفراد وبالتثنية
9 إجراء غير العاقل مجرى العاقل
10 الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه
11 الفصل بين الصفة والموصوف
12 إيقاع حرف مكان غيره
13 إثبات هاء السّكت
14 ترك مصدر الفعل إلى مصدر فعل آخر من جنسه
15 الجمع بين المجرورات
16 تغيير بنية الكلمة
ومن السهل على القرّاء الكرام العودة إليها، عبر الحلقات المعروضة إلى جهة اليسار من هذه الصفحة أو إلى كتاب الرصافي لمزيد من التفصيل. ويستطيع الفقهاء الجدد بالمناسبة ملاحظة أمثلة أخرى عبر السّوَر القرآنية ممّا يلفت الإنتباه، وما لم يخطر في البال إلّا عبر التأمّل في سياقات نصوصها، هذا بعد رفع هالة القدسيّة عنها.
لم يتوقف الرصافي عند هذا الحدّ من عرضه الفواصل، إنما أضاف نتيجة مهمّة في بحثه، كاد يمهّد بها لموضوع البلاغة في القرآن والذي سأتطرّق إليه بإسهاب وإطناب في الحلقات القادمة. ففي الصفحة المرقمة 566 قال: من هذه التي وقعت في سبيل الفاصلة، يظهر لك جليّاً كيف كان محمد يعتني بالفواصل التي لم تكن آياتُ القرآن آياتٍ إلّا بها، ومن مزيد اهتمامه بها نراه في بعض الأحيان يرمي بالفاصلة لمجرد الفصل من دون أن يلتفت إلى ما تقدّمَها من الكلام، فتأتي الفاصلة قلقة في مكانها غير مستقرة ولا مطمئنة. وقد قلنا [والكلام للرصافي] إن الفاصلة في آية من آي القرآن كالقافية في بيت من أبيات الشعْر، فقد يمهّد الشاعر للقافية تمهيداً تأتي به متمكنة غير نافرة متعلقاً معناها بمعنى الكلام تعلقاً تامّاً بحيث لو طُرحت لاختل المعنى واضطرب الفهم، وكذلك الفواصل في القرآن فإنّ منها ما بُنيَ عليها الكلام فجاءت متمكنة، ومنها ما ليس كذلك بل جيء بها لمجرد الفصل فجاءت قلقة غير متمكنة. ولنورد لك بعض الأمثلة والشواهد على هذا من فواصل القرآن:
جاء في سورة ص:45
(واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) ثم قال- أي في سورة ص:46
(إنّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار)
فقوله (إنّا أخلصناهم) أي جعلناهم خالصين بصفة خالصة لا شوب فيها، وتلك الصفة الخالصة هي ذكرى الدار.
قال الزمخشري في كتابه (الكشّاف) تفسيراً للآيتين المذكورتين: {ومعنى ذكرى الدار ذكراهم الآخِرة أو تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها} انتهى.
وأنت ترى أن الدار هنا بمعنى الدار الآخرة لا يساعد عليه اللفظ ولا يدلّ عليه السياق!
ثم قال الزمخشري: {وقيل ذكرى الدار هو الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم} انتهى.
وهذا أيضاً كالأوّل وإن كان يناسب المقام أكثر منه، ولكنْ هي الفاصلة! وكان الأحسن أن يقول [محمّد] إنّا أخلصناهم بخالصة الذكر الجميل- تاركاً الفاصلة الأولى مكتفياً بالفاصلة التي بعدها بقوله- أي في سورة ص:47 (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) فتكون الآيتان حينئذ آية واحدة.
[تعليقي:
1 ما معنى ص؟ لا جواب! فأيّ إله هذا الذي يستخفّ بعقليّة الإنسان؟ ومعلوم أنّ إله الكتاب قد أتى بما يفوق تصوّر العقل مرحليّاً ونسبيّاً ولكنّه قطعاً لم يأتِ بنقيض وغموض.
2 قال القرطبي: {لقد استدلّ بالآية (واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) من قال بأنّ الذبيح إسحاق لا إسماعيل وهو الصحيح على ما ذكرناه في كتاب- الإعلام بمولد النبي عليه السلام} انتهى. ومن الشائعات أنّ الذبيح هو اسماعيل، علماً أنّ إسماعيل لم يكن من أنبياء اليهود كما ظنّ مؤلّف القرآن!
3 من يقرأ سورة ص وسائر السور التي ورد فيها ذكر الأنبياء يجد أنّ النبوّات بحسب القرآن مقتصرة على الرجال- بخلاف كتاب أهل الكتاب!
4 إن صحّ تفسير الرصافي بقوله (جعلناهم خالصين) فهذا يعني تأليههم! ولا ريب في أنّ الله هو الوحيد الخالص من أيّ شوب وأيّ غلط وأيّ عيب. وهنا أثير الإنتباه إلى أنّ الأنبياء لم يكونوا معصومين لأنّهم جميعاً أخطأوا بالفكر وبالقول وبالفعل! ولو افترضنا جدلاً أنّ هناك عصمة لإنسان- فوق المألوف ولو كان نبيّاً- فهي لا تعني إطلاق العنان له للتفكير أو القول أو الفعل بطريقة ملتبسة وإلّا لفقد تلك العصمة كفقدان الأنثى بكارتها. فالقول تالياً بعصمة الأنبياء- في تقديري- لمن الهراء وإنْ هو ناتج إلّا من أزمة في الوعي والإدراك!
5 لقد آثر الرّصافي- كما تقدّم- لو قام مؤلّف القرآن باختصار الآيات الثلاث إلى آيتين تماشياً مع بلاغة النصّ بما أنّه مقدّس كما يلي:
واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار* إنّا أخلصناهم بخالصة الذكْر الجميل وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار*
6 حتى هذا النصّ المقترح من الرصافي في رأيي ليس بنافع؛ لأنّ بعض المفسّرين (منهم الطبري والقرطبي) ذكروا قراءتين ل(خالصة) فإحداهما (عند قرّاء عامّة المدينة) قرئت مكسورة الآخر أي بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار، والأخرى (عند قرّاء عامّة العراق) قرئت بتنوين الكسْر، وهاتان القراءتان تتعارضان مع اثنتين: أولاهما البلاغة التي تستوجب إحكام اللغة وأخراهما الآية القائلة (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) فأيّ من ذلك الملفوظ مكتوب في اللوح المحفوظ؟]
أضاف الرصافي:
وجاء في سورة محمد:31 قوله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أي نسمع ما يُحكى ويُخبَر به وما يقوله الناس عنكم. ولا يخفى أنه بعد أن يبلوهم فيعلم المجاهدين منهم والصابرين لم تبق حاجة إلى سماع أخبارهم وما يقوله الناس عنهم، ولكنّ الفاصلة هي التي أتت بالجملة الأخيرة، وهي كما تراها قلقة غير متمكنة في المعنى المراد، على أن الآية كلها ليست ممّا يليق أن يقوله عَلّام الغيوب!
وأردف الرصافي:
وجاء في سورة التوبة:19 قوله (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) فالجملة الأخيرة إنما جاء بها للفصل فقط، والكلام قد تمّ قبلها، والظاهر أنه لما قال (عند الله) كان ذلك محل الوقف، ولكنه لا يشابه الفواصل السابقة ولا اللاحقة فلا يكون فاصلة، فاحتيج إلى فصل الكلام، فجيء بهذه الجملة الزائدة عن المعنى المراد.
واستطرد الرصافي:
وقد قيل (بضدّها تميّز الأشياء) فقد تمرّ بك وأنت تقرأ القرآن فواصل متمكنة محْكمة ثم تعقبها فاصلة قلقة ليست هي بظاهرة القلق، لكنّ وقوعها بعد فواصل متمكنة جعل قلقها ظاهراً لك بيّناً. ففي سورة الأحزاب: 28-29 (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) فانظر إلى هاتين الفاصلتين اللتين قد بُنيَ الكلام عليهما من أوله كيف جاءتا متمكنتين ثابتتين ثبوت أقدام الأبطال في صدمة الحرب والنزال، ثم انظر الى الفاصلة التي جاءت بعدهما في قوله- أي الأحزاب: 30 (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا) فإنك تراها قلقة نافرة لاتناسب ما تقدمها من الكلام، إنما جيء بها لتكون فاصلة ليس إلّا! ولا ريب في أنّ مضاعفة العذاب ليست من الأمور التي تصعب على أحد من الناس فضلاً عن الله الذي هو قادر وقهّار وشديد العقاب، فلا يُناسب أنْ يُقال: (وكان ذلك على الله يسيراً) وإنما يناسب أنْ يُقال ذلك عند ذكر أمر يعجز عنه كلّ قادر سوى الله!
وختم الرصافي:
وترى مفسّري القرآن يتمحّلون [أي يحتالون ويتكلفون- المنجد في اللغة] ولو كان الكلام في غير القرآن لما تمحّلوا له هذه التمحّلات ولا تخيّلوا لأجْله هذه التخيلات، بل عابوه على قائله وانتقدوه.
_________________________________
وللحديث بقيّة