وحيد حامد يكتب: سم العقارب..

المصري اليوم

هى حكاية خيالية بالطبع، يعرفها الصغار والكبار وتُحكى دائماً كبرهان ودلالة على الغدر الذى سكن فى داخل بعض المخلوقات حتى صار جزءاً منها، وعن الخيانة عندما تصير السلوك والمنهج الدائم، وعن خسة الطباع وسفالة القصد.

تقول الحكاية باختصار:

إن العقرب أرادت أن تعبر النهر إلى الشاطئ الآخر، ولأنها لا تعرف السباحة فقد لجأت إلى ضفدعة، وطلبت منها أن تحملها على ظهرها، وتسبح بها حتى تصل إلى الشاطئ الذى تريد الوصول إليه..؟ إلا أن الضفدعة لم توافق، وأعلنت عن سبب رفضها حيث إنها تخشى على حياتها، فهى تعرف طباع العقارب وقد تغرس ذنبها وتزرع سمها فى جسدها وهى راقدة عليه أثناء السباحة.!! إلا أن العقرب كان لديها منطق الشيطان ودهاء القاتل المحترف، حيث قالت للضفدعة.. كيف يحدث هذا؟ فلو فعلت ذلك الفعل وغدرت بك فسوف تموتين بالسم وأموت معك بالغرق.. سلامتك هى الضمان لسلامتى وليس من المعقول أن أقتلك وأقتل نفسى معك..!! وعليه وافقت الضفدعة وصعدت العقرب على ظهرها وبدأت رحلة العبور إلى الشاطئ الآخر.. وفى منتصف المسافة لدغت العقرب الضفدعة لدغة الموت.. صرخت المسكينة من الألم والسم يسرى فى جسدها.. ليه كده يا عقربة..؟ قالت العقرب فى خسة وسفالة.. هذا طبعى ما أقدرش أغيره.

وهكذا جماعة «الإخوان المسلمين» التى تحكم مصر الآن.

لو أن إسرائيل حاربت مصر وانتصرت عليها فى خمس حروب متتالية لما حققت هذه النتائج الباهرة فى ظل حكومة الإخوان

لو أن إسرائيل حاربت مصر، وانتصرت عليها فى خمس حروب متتالية، لما كانت تحقق لنفسها هذه النتائج الباهرة فى ظل حكومة الإخوان.. تنعم بالسلام والطمأنينة والأمان،، وتتوسع فى الضفة، وتنشئ المستوطنات الجديدة… وتقوى اقتصادها.. وتطور صناعتها، وتحسن من زراعتها، وتزحف زحف الأفاعى داخل القارة الأفريقية التى أهملنا شأنها فأهملتنا، وتركناها حيث تلقفها إسرائيل دون معاناة.. كانت أفريقيا معنا فأصبحت بعيدة عنا.. والأحمق الغبى هو الذى لا يدرك أن مصالح مصر الحيوية فى أفريقيا وليست فى أمريكا الجنوبية، ومرة أخرى لو خسرت مصر خمس حروب متتالية، فسوف يكون حالها أفضل بكثير مما هى عليه الآن.. الآن تعيش حالة الدولة المحتلة المهزومة التى تم تدميرها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً وأخلاقياً.. أما الانهيار الأمنى، فهو الذى يحتل المركز الأول، وأشهد، ويشهد معى كل الناس أن مصر المحروسة لم تشهد فى تاريخها القريب والبعيد هذا الهوان والانكسار وعدم القدرة على الفعل، وكلها أمور تسيطر على جهاز الشرطة فى ظل حكم الإخوان وكأنهم يريدونها دولة فوضوية غير قادرة على فرض الأمن بالقانون.. وأنا أعجب أشد العجب طالما أنهم يحكمونها فعلا وكوادرهم المدربة والفعالة تغلغلت فى جسد الدولة لماذا يعملون على خرابها المستعجل ولصالح من يعملون، ولاسيما أننا مقبلون على تنفيذ مشروعات جهنمية يتم الترويج لها على أنها تحمل الخير لمصر؟! بينما الحق والحقيقة عكس ذلك تماماً. أن مشروع إقليم قناة السويس المطروح حالياً فى المزادات الإخوانية لبيع مصر.. هو أول خطوة خبيثة لتقسيم مصر ورهن قناة السويس وعزل شبه جزيرة سيناء بكاملها عن جسد الوطن، حيث يسهل ابتلاعها عندما يبدأ تنفيذ مشروع غزة الكبيرة.. وكارثة الصكوك المزمع طرحها هى ببساطة تعنى بيع أصول الدولة..!! وكأنها خطة محكمة لذبح مصر على الطريقة الإخوانية.. والجماعة تمضى فى تنفيذ كل ما تريد بكل صلافة واندفاع دون أى معارضة.. الرئيس إخوانى يسمع ويطيع.. مجلس الشورى إخوانى يسمع ويطيع – رئيس الوزراء ومعه الوزراء كلهم إخوان وعليهم السمع والطاعة، حتى وزارة الداخلية عادت إلى طباعها الأصيلة وأصبحت فى خدمة النظام كالعادة.. ويبدو أن شعار الشرطة الحقيقى هو «اللى يتجوز أمى يبقى عمى» وليس «الشرطة فى خدمة الشعب».. ومن هزليات وزارة الداخلية الأخيرة البيان الذى أصدرته والذى يقول إن ملفات سجن وادى النطرون ليس فيها أى إثبات على أن «مرسى» كان أحد نزلائه.. وصدق من قال «الكدب ملوش رجلين» فالرجل اعترف بصوته وصورته بوجوده داخل السجن، وأنه هرب مع الهاربين، فمن غير المعقول أنه كان محبوساً فى إحدى «غرز» الصحراوى القريبة من السجن.. إنه الكذب الفاضح والضلال المبين.. ولكن «هيه جت على دى؟».. ما علينا..!

المهم جداً أنه آن الأوان لكشف المستور والتفتيش فى باطن الأرض عن الحقائق المدفونة، التى يريدون لها أن تتحلل وتتآكل، لابد أن يعرف أهل مصر كيف ابتلينا بهذه البلوة، وأصبحت «أمنا الغولة» هى التى تحكم، وتستبد، وتطغى، وباعتبارى مؤلفاً وكاتب سيناريو، فمن حقى أن أسرد الأحداث والوقائع كما أراها، وكما يفرضها المنطق، ولاسيما أن اللعبة كانت بين الطيب والشرس والقبيح، ودعونا نعش الأحداث كما وقعت.. خاصة أن الذين يعرفون الحقيقة أغلقوا أفواههم تماماً ربما لأن على رأسهم بطحة أو نظراً لإحساسهم بالذنب الكبير الذى يجب أن يحاسبوا عليه.. ولأن الأوطان هى الباقية والأشخاص زائلون فعلينا أن نكشف ونعرى الذين خانوا والذين تآمروا والذين أهملوا.. والذين تم ابتزازهم وأيضاً الذين تم إرهابهم إلى جانب الهلافيت من عشاق السلطة الانتهازيين الكبار والصغار، وحتى عواجيز الفرح الذين يمضغون الذكريات.. وتبدأ وقائع السيناريو.

أول من ساند الإخوان بقوة وصنع لهم أرضية طيبة فى الشارع المصرى هو «حسنى مبارك» بنظامه المهلهل المأفون المتغطرس وحزبه الوطنى الفاسد.. التدهور والتدنى جعلا مساحات السخط والغضب تزداد، وتتسع فى نفوس الناس جميعاً.. كانت الجماعة تستثمر هذا الخط لصالحها، وكانت تزداد، وتتوسع دون أى مجهود وكان هناك اتفاق غير معلن بينها وبين النظام، بحيث يكون لها بعض ما تريد، وليس كل ما تريد، وظن مبارك أنه أمن شرهم وضمن سكوتهم عنه وعن نظامه.. وهذه حسابات خاطئة تماماً.. صحيح أن رموز الجماعة كانت أياديهم فى أيدى رموز النظام والحزب.. وحتى آخر لحظة كانت الجماعة مع مبارك ونظامه.. ولكن فى لحظة انتصار الثورة تواجدت الجماعة بكل خبثها وسمها القاتل وأخرجت ثعابينها وحيّاتها وكل الهوام التابعة لها، ولقد قررت السطو على الثورة مبكراً وبطريقة منهجية وخطة مدبرة بإحكام، ولا أجد نفسى مخطئًا إذا قلت إن مبارك تخلى عن العرش وهو يتبع وينفذ سياسة الأرض المحروقة، حيث سلم السلطة للمجلس العسكرى، وكأنه لا يريد لمصر خيراً.. صحيح أن البلد بكاملها كانت كقدر الماء المغلى، والفوضى سائدة فى بشاعة وحشية بعد فتح السجون فى توقيت واحد.. وحرق أقسام الشرطة أيضاً فى وقت واحد وتدمير الجهاز الأمنى بالكامل وذلك كله لم يكن بفعل الثوار وإن شارك فيه البعض منهم دون أن يدرى أن الجماعة تفسح الطريق لنفسها، وقد علمنا أن الذين هاجموا السجون، وحطموا أسوارها، وأخرجوا مساجينها هم عناصر مدربة غير مصرية، ولديها الخرائط والمعلومات والقوة سواء فى قتل الأبرياء من الحراس أو تدمير المنشآت و«بالمناسبة ضمن الذين هربوا هو الدكتور مرسى العياط نزيل سجن وادى النطرون ليس بصفته زعيما إخوانياً ولكن على ذمة قضية تخابر لصالح دولة أجنبية هى أمريكا، ولعل ذلك يفيدنا عندما نكشف عن علاقة أمريكا بالجماعة» ويجب أن نعترف صراحة بأن الجماعة أمسكت بزمام الأمور، وأصبحت توظف جماهير الثورة لخدمة «أهدافها»، ورغم سقوط مبارك النهائى الذى لا رجعة فيه.. فإننا شاهدنا على الحوائط شعار «الثورة مستمرة» وهو شعار حمال أوجه، مثلاً هناك من يرحب به، على اعتبار أن إعادة بناء مصر من جديد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً وأخلاقياً يحتاج استمرار الثورة والعمل بروحها لسنوات وسنوات.. إلا أن الجماعة كانت توظف الشعار لخدمة أهدافها وهى التخلص من خصومها وإزاحة كل من ترى أنه سيعترض طريقها.. فكانت الثورة مستمرة لإزاحة الفريق أحمد شفيق من رئاسة الوزراء، على اعتبار أنه تلميذ الشيطان «مبارك» وفلول.. و.. و..

يذهب شفيق ويأتى عصام شرف فى احتفالية ميدانية خادعة روج لها الإخوان والجماعات التابعة لها والتى تمارس نشاطها تحت مسميات أخرى، بالإضافة إلى النخبة المضللة، وثوار المصلحة الذاتية الذين بذلوا أقصى ما لديهم من جهد حتى يحصلوا على زعامة شعبية وسياسية، وفى سبيل تحقيق هذه الزعامة لوثوا عقول الناس بالخداع والثرثرة والمنطق الغلوط وأقولها بكل الموضوعية أن عدد الحمقى والمغفلين كان أكثر بكثير من عدد العقلاء.. وهكذا دخلت جماعة الإخوان إلى سدة الحكم برجلها اليمين.. وهتف «البلتاجى» فى الميدان وهو يرفع يد عصام شرف.. لقد اختار الميدان رئيس الوزراء.. هتاف.. وتكبير..

■ المجلس العسكرى الموقر.. وأنا شخصياً أعتقد أنه خان الأمانة أو أنه لم يقدر على حفظها.. والحقيقة الثابتة هى أن العلاقة بين الشعب والجيش كانت على أحسن ما يكون، وكان فى إمكان المجلس العسكرى أن ينطلق بمصر إلى بر الأمان.. لو أنه وضع مصر أمام عينيه، ولكنه للأسف لم يفعل ذلك.. لقد جعل من نفسه الحكم فى مباراة مصارعة حرة وجماعية، حيث غابت مصر عن أعين الجميع وتفرغ المصارعون لقتالهم الشرس.

زعماء التيار المدنى بكل أطيافه مزقتهم النرجسية والانتهازية والأطماع الشخصية.. والانتفاخ الذاتى، حيث تصور البعض منهم أن فى داخله زعيماً ورئيساً وقائداً وكلما التف حوله عشرة أشخاص رآهم جموعاً غفيرة.. وجميعهم كانوا نجوم السيرك الإعلامى يقدمون ألعابهم على الشاشات المختلفة، وتركوا الإخوان يتسللون إلى المجلس العسكرى، بوصفهم المستشار والناصح الأمين.. وهذه سقطة المجلس العسكرى الذى زعم أنه يقف على مسافة واحدة من الجميع، بينما قادة الجماعة هم ساعده الأيمن.. وعندما تم كشف الأمر كان التبرير أن المجلس يسمع من الجميع وقد يكون هذا صحيحاً.. وهو يسمع من الجميع فعلاً ولكنه ينفذ ما يسمعه من الإخوان.. كانت الصدمة المبكرة هى تشكيل لجنة تعديل الدستور أو الإعلان الدستورى الأول، برئاسة المستشار «البشرى»، حيث انتشرت رائحة الجماعة فى الهواء بكثافة تزكم الأنوف.. وكان الإعلان الدستورى الذى افرزته هذه اللجنة محبطاً ومختلفاً عليه ويمهد للدولة الدينية.. ولا أحد يدرى حتى الآن لماذا ولأى سبب احتضن العسكر الإخوان فى لطف ومودة وتعاون مشترك؟.. حتى إنه انتشرت تساؤلات عديدة ومريرة.. هل العسكر إخوان؟.. المؤكد أن داخل المجلس العسكرى من كان يساند الإخوان بقوة، ولأن العلاقة كانت طيبة وحميمة بين الشعب والجيش، وكان الشعار السائد «الشعب والجيش إيد واحدة» فإن دوام هذا الأمر من شأنه أن يعطل مشروع الجماعة فى ابتلاع الثورة وأيضاً هضمها، فكان لابد من إنهاء هذه العلاقة مهما كان الثمن.. وبدلاً من شعار الشعب والجيش إيد واحدة الذى تلاشى واختفى وحل محله «لا لحكم العسكر» وكلنا يذكر الأحداث المؤسفة والتى سببت ضحايا وشهداء، حيث ذهب الاتهام مباشرة إلى الجيش الذى هو برىء من أى دم أريق وأن القتلة، هم نفس القتلة، والمؤسف أن المجلس العسكرى كان يعرف ذلك ولكنه كتم الأمر لأسباب لا نعلمها وترك الشارع يشطط غضباً وسخطاً على حكم العسكر الذى يتفق عليه الجميع.

كانت ميليشيات الجماعة تملأ الحوائط والجدران بشعار «لا لحكم العسكر».. بينما قادة الجماعة هم والعسكر يد واحدة.. وهكذا صار المجلس العسكرى هو الضفدع الساذج الذى حمل العقرب فوق ظهره.. ولو أن هذا المجلس العسكرى انحاز للوطن ما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن..

أمريكا.. هى وريثة الاحتلال والنفوذ الإنجليزى فى الشرق الأوسط.. والإنجليز هم الذين عملوا على إنشاء جماعة الإخوان المسلمين، بالاتفاق مع الملك عبدالعزيز، ملك السعودية، وهم أول من أسسوا رذيلة الصراعات الدينية داخل الشعوب بحيث تتمزق وحدة الشعب الواحد وينقسم إلى طوائف متصارعة وبهذا يتمكنون من السيطرة على هذه الشعوب المنهكة فى صراعات طائفية وعقائدية.. وحتى لا نذهب بعيداً علينا أن نلقى نظرة سريعة على ما جرى فى لبنان والعراق ويجرى فى سوريا الآن.. الوريث الأمريكى له مصالحه القوية التى تحمى اقتصاده وأمنه وفرض سيطرته الكاملة على دول المنطقة حتى تكون فى جعبته.. احتلال بلا جنود.. ولا شك أن النظام السابق كان داخل الجعبة الأمريكية تماماً وأيضاً يساهم ويساعد، وإن كان يظهر فى بعض الأحيان رفضاً أو استياء باهتاً ومتهافتاً.. شأنه شأن دول المنطقة بالكامل!!.. فلماذا التخلى عن نظام هو داخل الجعبة الأمريكية وإحلال نظام بديل وأيضاً داخل الجعبة الأمريكية.. والمسألة ببساطة شديدة مثل تغيير «بوجيهات» السيارة أو تغيير البطارية، ولأن الجماعة هى التى ذهبت إليها راكعة وهى تقدم فروض الولاء والطاعة.. أقسمت قسم الولاء والطاعة لأمريكا.. أى أن إسرائيل تكون فى الحفظ والصون ولا أحد يقترب منها حتى لو حولت المسجد الأقصى إلى ملهى ليلى.. ومن الهزليات التى تتوالى الدعوة إلى عمل مظاهرة على الحدود الإسرائيلية تهتف ضد إسرائيل. تحرير القدس انتهى إلى مجرد مظاهرة.. واختفت بل ضاعت الحناجر التى تصرخ «شهداء بالملايين على القدس رايحين».. أين ذهبوا؟.. أين الداعية الإسلامى «فنى اللاسلكى»، الذى كان يتصدر المشهد الإخوانى.. أين «مسيلمة الكذاب» المصرى الذى يملأ الدنيا صخباً وضجيجاً وثرثرة.. أين القيادات الإخوانية التى تاجرت بالقضية الفلسطينية سنوات وسنوات.. ولماذا تحولت القردة والخنازير إلى غزلان!؟.. لكل هذا فإن أمريكا هى الراعى الرسمى الداعم للجماعة وتعمل جاهدة على تثبيت وجودهاوتقدم لها كل العون والمساندة وليحترق الشعب المصرى، لأن الغباء الأمريكى قديم وأصيل والذى يدفعها إلى عداء الشعوب طالما أن الأنظمة فى جعبتها…!!

■ الخلايا النائمة.. من المعروف والثابت أن الأسس التى قام عليها تنظيم الجماعة منذ النشأة يندرج تحت ما يطلق عليه التنظيمات الإجرامية والإرهابية والذى يحقق للجماعة أهدافها وأغراضها غير المعلنة، وهذه الأهداف هى الأصل فى نشأة الجماعة، وعندما أراد «حسن البنا» التعريف بجماعته، قال عنها «الإخوان دعوة سلفية، طريقة صوفية، هيئة سياسية، جماعة رياضية، رابطة ثقافية، شركة اقتصادية، فكرة اجتماعية»، والذى يعى ويدرك هذا التعريف يعرف أن الرجل كان يتحدث عن دولة بكاملها، وعليه لجأت الجماعة إلى زرع الخلايا من شبابها وكوادرها العاملة فى جسد الوطن بكامله دون أن يكشفوا عن هويتهم الحقيقية، وتم اختراق الأحزاب والجامعات والمصالح الحكومية والشركات والوزارات، ويكفى أن قاتل أحمد ماهر باشا، والمحسوب على الحزب الوطنى أيامها، هو أصلاً من جماعة الإخوان، هؤلاء الذين يعملون فى الخفاء على طريقة أحقر الجواسيس والخونة.. وما حدث عندما قررت الجماعة السطو على الثورة أنها اعتمدت اعتماداً كبيراً على هذا الطابور الخامس المتغلغل فى جسد البلاد، تغلغل الدود فى تفاحة تالفة.. عملوا على تخريب عقول الناس.. وجاهدوا فى سبيل تشويه كل خطوة نحو ديمقراطية فعلية، وعملوا على تخريب الثورة وتشويه رموزها من شباب وشيوخ، وانتشرت الكتائب التى تعلن حبها وعشقها للإخوان مع التأكيد أنهم ليسوا بإخوان، وكان للطابور الخامس الدور الأخطر فى تزوير الإرادة الشعبية والعمل على هدم الوحدة الوطنية. ولذلك لا أندهش كثيراً عندما تطل علينا شخصيات خرجت علينا من قلب الشقوق، لا نعرف عنها شيئاً، لتتولى زمام الأمور فى الدولة الإخوانية.. من كان يتخيل أن يكون للجماعة رجال داخل المحكمة العليا وداخل اللجان الانتخابية وجميع أجهزة الدولة المهمة والحيوية يتجسسون عليها ويبثون سمهم فى مفاصلها.. والآن نراهم وزراء ومحافظين ومسؤولين كباراً يعملون على أخونة مصر فى العلن بدلاً من الخفاء.

■ النخبة المأخونة.. حسن النية غير مقبول فى حالة الخطأ الجسيم.. وجرائم الغباء السياسى لا تغتفر وليس لها توبة ولا يجوز فيها الندم.. والأنانية هى أم الشرور، والغرور هو الأب الروحى للفشل.. وشهوة الشهرة هى مصيبة النفس البشرية، ربما تأخذ صاحبها إلى الضياع أو الجنون.. فما بالكم بشهوة «المنصب السياسى».. كل هذه الخبائث اجتمعت فى نخبة مأخونة عشقت الجدل والنقاش والثرثرة وطرح النظريات السياسية الساقطة والواهية اختلفوا مع بعضهم البعض.. الحصان أمام العربة.. أم العربة خلف الحصان؟ أصدقاء فى الظاهر وخصوم أشداء فى داخل نفوسهم.. كانوا يتعاركون على قطعة الجبن عراك القطط حتى قفز عليها القرد وخطفها.. والمؤسف المحزن حقاً وصدقاً أن هذه النخبة المأخونة مازالت على حالها، لم تحس بألم الهزيمة، ولم يدركوا أنهم سبب انكسار الأمة.. وأيضا لم يدركوا أنهم أصبحوا وجوهاً غير مرغوب فيها بعد أن فضحوا أنفسهم بأنفسهم، وكشفوا عن ضحالتهم السياسية والفكرية وعجزهم عن إدراك الصواب، وفى لعبة السياسة دائماً الخاسر يخرج.. بل يحترق تماماً.. وهذه النخبة المأخونة يجب أن ترحل تماماً برفقة أعوانها وتترك الساحة لدماء جديدة وعناصر وطنية خالصة تملك القدرة على العطاء المخلص للوطن.

■ والآن الجماعة تحكم.. وهنا يقفز فى رؤوس كل من لديهم عقل ومنطق.. طالما أن الدولة صارت لكم فلماذا تخربوها؟ لماذا تقذفون بها من أعلى قمة الجبل؟ أتفقد شوارع المدينة وأرى على أكثر من مبنى عبارة «تصريح هدم»، ويبدو أن هذه العبارة هى منهج الجماعة فى حكم مصر.. عند نشأة الجماعة قال حسن البنا «أيها الإخوان.. أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزباً سياسياً، ولا هيئة موضوعية الأهداف محددة المقاصد، ولكنكم روح جديدة تسرى فى جسد الأمة» كلام إنشائى قد يحدث رنيناً لا يفيد.. ولكن أين الخطة وأين البرنامج.. وعندما سألوه عن البرنامج قال «ولم البرنامج..؟ إنه يفرقنا.. القرآن دستورنا والرسول زعيمنا»، وهى مناورة بارعة، حيث أقحم القرآن والرسول فى شأن دنيوى وسياسى بحت.. والآن إذا سألنا المرشد الحالى ما هو البرنامج؟ فما هى الإجابة؟ واقع الحال أن مصر تسير نحو الأسوأ، لدينا دستور كارثى، أسوأ ما فيه أنه يمهد لزرع الطائفية فى جسد الوطن.. لدينا اقتصاد منهار يدار بفكر البقالين وتجار الملابس وأصحاب الجمعيات الخيرية، مصانع أغلقت.. وأصحاب حرف ضربتهم البطالة ومزارع خربت ومحال أفلست حتى إن الفقر صار يسير فى كل مكان منتشياً ومتبجحاً.. ومصر كلها تتسول.. فقر تلازمه الفوضى العصبية وضيق الأنفس، فى شارع السير فيه متوقف من شدة الزحام والتكدس، رأيت أحد الكناسين الذين أصبحوا كلهم متسولين وهو يمارس مهنته بحكم وجوده الشرعى فى الشارع، كان فجاً ورخيصاً ومقززاً ولحوحاً ولا ذرة كرامة لديه.. الأمر الذى دعانى أن أقول له.. عيب كده.. مش للدرجة دى.. وإذا به يتحول إلى شخص شرس ساخط وصرخ فى وجهى: «الرئيس مرسى ذات نفسه بيشحت.. ماتروح تقول له عيب».

ولا أنا أو غيرى يستطيع منع مرسى من التسول الذى يفرضه على نفسه وعلينا، ولكننا جميعاً نستطيع منعه هو وجماعته والقتلة الذين يتحصن بهم من بيع أى قطعة أو جزء من أرض مصر بأى طريقة أو وسيلة وخاصة أرض سيناء، وأنا أستنهض الشعب المصرى من الجنوب إلى الشمال أن يتذكر أبناء مصر من رجال وشباب الذين استشهدوا فى سيناء منذ حرب عام ١٩٤٨ وحتى شهداء شهر رمضان الماضى.. إن رفات شهداء مصر تحللت فى رمال سيناء، وأصبحت هى الأرض والوطن.

إننا أمام نظام حكم فاشى مستبد صعد إلى السلطة فوق عتبات جهنمية الأصل، فيها التزوير والخداع والبطلان والتآمر المفضوح وفرض الأمر الواقع بالإرهاب سواء من الجماعة أو حلفائها من القتلة والإرهابيين مشعلى الحرائق فى الماضى القريب والحاضر التعيس.. إن جماعة الإخوان تعيش الكذبة التى صنعتها وتحاول أن تفرضها علينا حقيقة ثابتة، الله عز وجل يقول فى محكم كتابه «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار»، وقوله عز وجل «ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون» وفى حديث متفق عليه لرسولنا الكريم يقول «إنه سيكون بعدى أمراء من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه»، وعلينا نحن أهل مصر أن نخرج جميعاً لتحرير الوطن من هذا الاحتلال الشيطانى البغيض الذى يسير بنا نحو الخراب والدمار.. وعلينا أن نتذكر حديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام «سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه.. فقتله..» والله المستعان.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

دور الجيش العراقي في معارك فلسطين 1948 1/3

شبكة البصرة

أ. د. عبدالعزيز أمين عرار

باحث ومشرف تاريخ ومحاضر جامعي 

إهداء

إلى شبكة البصرة الحرة الثائرة

وإلى المؤمنين بنضال أمتهم العربية على مدى التاريخ والأجيال

وإلى العراقيين الطامحين للخلاص من حكومة المأجورين والخونة وإلى كواكب الشهداء من الأمتين العربية والإسلامية الذين سقطوا دفاعا عن ثرى الأمة الطهور.

وإلى شهداء معارك الكفاح والنضال من أجل فلسطين حرة عربية وإلى روح الشهيد صدام حسين الذي ظل لسانه يلهج ب(عاشت فلسطين حرة عربية).

والى المؤمنين بأن فلسطين لا تحرر ولا تسترد بغير الحديد والنار وبالكفاح الشعبي المسلح.

وإلى أبطال معركة تحرير جنين من شهداء الجيش العراقي والمناضلين الفلسطينيين الذين سقطوا دفاعا عن تحرير جنين.

وإلى الشهداء الأكرم منا جميعا نهدي هذا البحث. 

المقدمة

يلقي هذا البحث التاريخي الوصفي إضاءة على دور الجيش العراقي في فلسطين في حرب 1948، ومستوى المعارك والمقاومة الذي بذلها هذا الجيش، والتضحيات التي قدمها جنود وضباط الجيش العراقي، وشعب العراق ونضاله المشترك مع أبناء فلسطين ويبين أهمية هذا الدور خاصة في حماية بعض المدن والقرى الفلسطينية والحفاظ عليها من التشريد والهجرة.

ويأتي سبب اختيار البحث من الفرضية القائلة بأن الجيش العراقي وباقي الجيوش العربية جاءت لتحافظ على قرار التقسيم بين العرب واليهود، وأنها لم تتلق أوامر هجومية وكانت محكومة بمقولة ” ماكوا أوامر ” بمعنى أنه لا توجد أوامر للقتال والهجوم. وأنها قصرت في حماية البلاد من العدو الصهيوني، واقتصرت على الدور الدفاعي.

يأتي أهمية البحث إذا علمنا أن الجيش العراقي من أوائل الجيوش العربية التي تأسست في الوطن العربي، كما أن دوره كان حاضرا في مختلف معارك العرب مع الكيان الصهيوني سواء حرب 1948 و1967 و1973.

ويتناول البحث إجابة عن أحد الأسئلة الهامة وهي :هل كان الضابط والجندي العراقي مستعدا للقتال والتضحيات والتقدم الهجومي لتحرير الأرض وطرد العدو؟

أم تراه ملتزما بتعليمات النظام الملكي الهاشمي والمرتبط بالإنجليز أمثال :رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد والوصي على العرش عبدالاله.

اعتبر البعض أن مهمة الجيش العراقي وباقي الجيوش العربية كانت مهمة دفاعـية وليست هجومية وهي جاءت بغرض الحفاظ على المنطقة العربية التي تم تحديدها في خطة قرار التقسيم الصادر في 29/11/1947.

وبناء عليه جاءت مهمتنا في هذا البحث الذي رجعنا فيه لمجموعة من المصادر والمراجع مما تيسر في المكتبات العامة والخاصة، وبعض المقابلات مع بعض الباحثين وكبار السن، وتختلف هذه المصادر والمراجع في قيمتها التاريخية، فهناك مؤلفات أعدها ضباط وقادة شاركوا في الحرب أمثال: عبدالله التل، وصادق الشرع، وكلوب باش، ومنها مؤلفات أعدها مؤرخون ومناضلون فلسطينيون شاركوا أو راقبوا الحدث أمثال: المؤرخ الفلسطيني المقدسي عارف العارف في كتابه النكبة والفردوس المفقود، والمؤرخ النابلسي إحسان النمر في كتابه القضية الفلسطينية في دورها البلدي، وكتاب المناضل الفلسطيني ابن قرية الطيرة الصعبية عبدالرحيم عراقي في كتابه (لا تخف)، والمناضل بهجت أبو غربية في مذكراته.

وهناك مراجع أقل أهمية لأن المؤلف مجهول، مثل كتاب كيف ضاعت فلسطين بقلم عسكري عراقي، وكتاب معركة فلسطين دور العقل والخلق في عملية التحرير، بينما لم يتيسر لنا الحصول على مصادر عراقية حيث روى لي الأستاذ ركاد سالم أن القائد عمر علي قائد معركة جنين أصدر كتابا بعنوان:”الفرية ” وفيها يبرز دور ومعارك الجيش العراقي وعدم تقصيره،، وكتاب كارثة فلسطين لقائد الجيش الأردني في معركة القدس عبدالله التل، وهو أحد المعارضين للملك عبدالله والذي لجأ لدولة مصر وأيضا كتاب كارثة فلسطين الذي أصدرته جمعية إنقاذ فلسطين، وفيه وردت أسماء ضباط وجنود العراق الذين استشهدوا في معارك جيش الإنقاذ الذين جاؤوا متطوعين، وقبل أن تأتي أفواج الجيش العراقي بعد 15أيار 1948، واستعنت بمراجع ثانوية ومنها : مواقع الانترنت وحصلت على عدة مقالات نشرت في شبكة البصرة ودنيا الوطن وغيره.

جاءت الدراسة في ثلاثة فصول وهي: الفصل الأول وفيه: لمحة جغرافية وتاريخية حول العراق وفلسطين والفصل الثاني: حول قدوم فوج الجيش العراقي ومرابطته في منطقة المثلث الفلسطيني (نابلس جنين طولكرم) ومعاركه ومناوشاته، أما الفصل الثالث والأخير فيبين المخاطر التي سببها انسحاب الجيش العراقي، ومأساة تسليم هذه المنطقة للجيش الأردني، والذي بدوره سلمها لليهود خاصة المنطقة السهلية الممتدة من كفر قاسم حتى عارة وعرعرة.

يستحق هذا البحث إعداد رسالة ماجستير أو دكتوراة والبحث بعمق وتفاصيل أكثر حول دور الجيوش العربية، ويعترض البحث نقص في عدم قدرتنا على السفر خارج البلاد لأخذ المعلومات من مصادرها الأصلية أو الاطلاع على مصادر ومراجع غير التي وقعت بين أيدينا والاطلاع على الروايتين العربية والإسرائيلية من مصادرها في اللغة العبرية، ورغم ذلك يصح القول أن البحث يقدم صورة جلية عن بعض المعارك والأحداث والمواقف والبطولات العراقية والفلسطينية في خندق النضال المشترك آملا

أن أكون قد وفقت في بحثي هذا وإن كنت أخطأت فيكفيني شرف الاجتهاد وإن أصبت فيكفيني الأجر والثواب.

الفصل الأول

لمحة جغرافية وتاريخية حول العراق وفلسطين

لمحة جغرافية حول العراق:

الموقع :

يقع العراق في جنوب غرب آسيا بين دائرتي العرض 37، 29 شمالا وبين خطي الطول 48، 39 شرق، وهو بذلك يحتل الركن الشمالي الشرقي من الوطن العربي، وشكل العراق غير منتظم، ويبلغ أقصى امتداد له من الشرق إلى الغرب حوالي 950 كم يعادل امتداده بين الشمال والجنوب البالغ 925كم، ويطل العراق عبر ساحله الجنوبي على الخليج العربي لمسافة تقرب من 60كم، ويحده الكويت والمملكة العربية السعودية من الناحية الجنوبية والأردن من جهة الغرب، وتجاوره سوريا من الجهة الشمالية، وتركيا شمال، وإيران من الشرق ويبلغ طول حدوده البرية قرابة 3500كم. (1) (جودة، حسنين جودة:العالم العربي دراسة في الجغرافيا الإقليمية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996، ص319ـ320).

تبلغ مساحة العراق 434، 924كم2 والعراق ضمن أقطار الجزء الآسيوي في الوطن العربي، وهو بوابة الوطن العربي الشرقية ويعد موقعه مهما وسياسيا وجيبولوتيكيا منذ أقدم العصور، ولهذا كان بوابة عبور للغزاة المغول والتتار الذين احتلوا بغداد عام 1258م/656ودمروا الحضارة الزاهرة فيه، كما أنه كان مثار نزاع بين الإمبراطورية العثمانية ودولة إيران الصفوية في عهد السلطان سليم الأول وإسماعيل الصفوي وابنه طهماسب، وكان مطمع الاستعمار البريطاني حينما قرر فرض الانتداب عليه وجعله تابعا له بموجب اتفاقية سان ريمو مع فرنسا عام 1920(2)(جودة، حسنين جودة:العالم العربي دراسة في الجغرافيا الإقليمية،، ص320).

مظاهر السطح: يقسم سطح العراق إلى أربعة أقسام متميزة وهي:

1ـ إقليم السهل الرسوبي الفيضي. 2ـ البادية أو الإقليم الصحراوي الهضبي في غرب الفرات 3ـ أرض الجزيرة 4ـاقليم المرتفعات الشمالية الشرقية أو إقليم كردستان.

تمتد المنطقة الأولى بين جنوب بغداد والخليج العربي ويتشكل فيه منطقة حوض نهر دجلة وحوض الفرات وتبلغ مساحة السهل 93ألف كم2، ويتخذ شكل مستطيل طوله 650كم وعرضه 250كم، ويبلغ ارتفاعه بين 100متر و32 متر عن سطح البحر، ويتخلله نهري دجلة والفرات اللذين يجريان جريا بطيئ، وقد أدت عمليات الإرساب إلى تكوين منطقة أهوار في الجنوب، وهي مزيج من البرك والمستنقعات ويعد حوض الحمار أوسعه، وينبع نهر دجلة من سفوح جبال طوروس في شمال غرب ديار بكر وتغذيه مجموعة روافد مهمة أهمها :الزاب الكبير والزاب الصغير ونهر ديالى أما الفرات فينبع من هضبة أرمينيا ويمر من الأراضي السورية ثم يلتقي مع نهر دجلة عند القرنة ويعرف المجرى المائي الذي يحمل مياههما إلى الخليج العربي باسم شط العرب، وقد تأثرت أنهار العراق بالفيضانات العنيفة والمخربة خاصة في فصل الشتاء والربيع. (1)(جودة حسنين جودة، العالم العربي دراسة في الجغرافيا الإقليمية، ص 322ـ ص323).

ويقع ضمن العراق الإقليم الصحراوي في جهة غرب الفرات ويشكل 270ألف كم2 أي 3/5 المساحة الكلية ثم أرض الجزيرة وتقع بين نهري دجلة والفرات وإلى الشمال من خط عرض بلدة الرمادي وتمتد شمالا إلى سلاسل جبال الأناضول، وتتكون في معظمها من سهول وهضاب يتراوح ارتفاعها بين 170 مترا و350 مترا ويتخللها أحواض مغلقة ذات تصريف داخلي، مثل: وادي الثرثار، وهو حوض عميق ويبلغ طوله 300 كم ومتوسط اتساعه 45كم، ويستخدم الآن كخزان عظيم في العراق لمياه نهر دجلة، أما الإقليم الجبلي والذي يقع في شمال العراق إلى غربه على شكل قوس ممثلا في جبال سنجار ويشكل 1/5 من مساحة العراق أو ما يقارب 90، 370كم2 مربعا ويضم جبال ذات ارتفاعات متعددة تصل إلى 3600 متر وفيها يقيم الأكراد. (2) (جودة حسنين، المصدر السابق ص328ـ332).

المناخ:

يعتبر سهل ما بين النهرين من أكثر بلاد العالم حرارة حيث تتزايد كلما اتجهنا جنوبا بفعل انخفاض الأرض ودرجات العرض كما تكون مقادير التهطال هزيلة فهي لا تزيد عن 400 مليمتر في الموصل بينما أمطار بغداد تبلغ 125ملم وتزداد الأمطار حسب الارتفاع حيث تصل متر قرب الحدود الإيرانية والتركية ولا يزيد المطر عن 100 ملم في ثلاثة أرباع مساحة العراق في السنة وتمتاز بغداد بدرجة حارة وقصوى تصل ما بين 48ـ50 درجة مئوية مما كان يدفع سكانها للجوء للسراديب والكهوف وقت الظهيرة في الزمن السابق، أما البصرة فتمتاز بجو خانق بسبب الرطوبة والحرارة العالية ومعدل درجة الحرارة يبلغ 35 درجة. (3) (حميدة، عبدالرحمن، جغرافية الوطن العربي. 328ـ 330).

سكان العراق:

سكن العراق منذ القدم أقوام عديدة ومنها ساميون كالبابليين والكلدانيين وأجناس أخرى كالسومريين والأكراد ثم العرب وأخيرا انطبع العراق بالطابع العربي بفعل الفتح والحضارة العربية الإسلامية، ويشكل العرب 75%من سكان العراق وهم على الأغلب سكان السهول والصحراء، بينما يشكل الأكراد 16% وتتوزع النسبة الباقية وهي 9% على أقليات شعوبية ودينية متعددة، ومنهم: السريان والكلدان سكان العراق القدماء ويحتفظون باللغة الآرامية القديمة، والصابئة ويقيمون في الموصل وبغداد والبصرة، والنساطرة الأرمن وينتشرون في جميع ألوية العراق وعددهم 10,000 ويحتفظون بالعبادة البابلية للأجرام السماوية واليزيديون ويقطنون في قضائي الشيخان وسنجار في شمال العراق، ويحتفون بخصائص العبادة الفارسية المانوية القديمة، والأتراك الذين شغلوا مناطق، مثل: كركوك وخانقين، ولغتهم لغة السلطة الحاكمة حتى زوال حكم الأتراك. ومن الأتراك الشبك ويتكلمون خليط من اللغة التركية والفارسية، والعربية، ويسكنون في أكثر من عشرين قرية قرب الموصل والبهائية والفرس واليهود الذين تناقص عددهم من ربع مليون نسمة عام 1939 إلى عشرة آلاف نسمة عام 1948 إلى ألفي نسمة حسب تعداد 1977. بلغ عدد سكان العراق 14. 5مليون نسمة في عام 1983 ويقطنون في مساحة مقدارها 434، 924 كيلومترا مربعا بكثافة سكانية مقدارها 33,3 نسمة في الكيلومتر المربع، ويتميز العراق بزيادة طبيعية حيث تقل فيه الأوبئة والمجاعات منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ويستثنى من ذلك فترة الحرب العراقية الإيرانية (1). (جودة، حسنين، العالم العربي دراسة في الجغرافيا الإقليمية، ص 339ـ342).

الاقتصاد العراقي:

شكل النفط قطاعا حيويا في الاقتصاد منذ اكتشاف النفط واستخراجه في العراق منذ أعوام العشرينيات من القرن الماضي والذي شكل 90% من عائدات الدخل القومي، ويهتم العراقيون بالزراعة، ويعد الأرز والقمح والنمور من أهم قطاعات الإنتاج الزراعي، وقد عان هذا القطاع من التأخر في العهد الملكي حتى ثورة 14 تموز 1958، وذلك بسبب البني المتأخرة، وطرائق الزراعة التقليدية، والشرائط المناخية غير

الملائمة واستفحال مشكلة الملوحة كما أن المزارعة والملكيات الكبيرة هي النمط السائد(2)، (حميدة عبدالرحمن، جغرافية الوطن العربي.، مرجع سابق332)

لمحة جغرافية حول فلسطين:

تعتبر فلسطين قلب الوطن العربي وواسطة عقده وقبلة انتظاره ومهد الديانات التوحيدية الكبرى وهي بلاد خيرة وجميلة ومن أهم بقاع الأرض قاطبة من النواحي الإستراتيجية والسياحية والدينية

وتقع بين خطي عرض 29، 30 و23، 15 شرقي غرينتش وتتوسط مفرقارق الطرق بين قارات العالم القديم ويحدها من الشرق الأردن وسوريا ومن الغرب البحر المتوسط ومن الشمال لبنان ومن الجنوب شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة. (3) (الكيالي، عبدالوهاب، تاريخ فلسطين الحديث، المؤسسة العربية لدراسات والنشر، ط9، بيروت، (د. ت)، ص11). 

تبلغ مساحة فلسطين 27009 كم2(10429 ميلا مربع) وهي مستطيلة الشكل يبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب نحو 430 كم، وأما عرضها فيتراوح في الشمال بين 51كلم و70 وفي الوسط يتراوح العرض بين 51 كلم لإلى 71كلم. (1) (الكيالي، عبدالوهاب، تاريخ فلسطين الحديث، ص11).

اختلفت حدود فلسطين مع مصر بعد احتلال مصر بين عامي 1882 حيث كانت من العريش حتى العقبة، ولكن تم زحزحة الحدود للشرق في عام 1905؛ بسبب مد سكة الحديد العثمانية وأمام ضغط وتهديد بريطانيا وتلويحها باستخدام القوة حيث رأت فيه ما يضر بمصالحه. (2) (يعقوب كامل يوسف، معالم بلادن، ص9).

الوحدات الطبيعية:

تقسم البلاد إلى ثلاث قطاعات طولية، وهي:1)السهل الساحلي في الغرب 2)الجبال في الوسط 3)الغور في الشرق. والغور هو جزء من الشق الآسيوي ـ الأفريقي ويمتد من مرج الحولة حتى خليج العقبة في الجنوب

(qunnell)

 (1958)والذي تكون نتيجة انكسار أفقي بتأثير تحرك القارات حسب رأي الجيولوجي الانكليزي ويضم وادي عربة والبحر الميت وبقعة الأردن الجنوبية والشمالية ومرج الحولة ومرج طبرية. (3) (يعقوب كامل يوسف، معالم بلادن، المرجع السابق، ص38). 

الجبال والمروج الداخلية:

وهي عبارة سلسلة جبال تتجه من الشمال للجنوب بشكل طولي وتتخللها مروج سهلية داخلية، مثل: مرج بئر السبع، مرج حوارة، ومرج صانور، ومرج ابن عامر، ومن هذه الجبال جبال الخليل ورام الله ونابلس والجليل وفيها مرتفعات مهمة، مثل :جبال ايلات، وجبل عبدات وجبل النبي يونس والزيتونة، وتل العاصور، وعيبال وجرزيم، والجرمق، وجبال أم الفحم، وجبال الجلبوع والكرمل.

تكونت الجبال نتيجة العمليات في الشق الافريقي ـ الآسيوي، حيث حدث الهبوط التكتوني في الغرب

عند البحر المتوسط. فبرزت الجبال على شكل عمود فقري يقع في مركز البلاد، وتشمل منطقة النقب وتبلغ مساحته 12ألف كم2 وتضم النقب الجنوبي ومرج عويده، وسهل فاران وجبل رامون، وهضبة عبدات، ومرج بئر السبع ومرج عراد، وجبال الخليل، والقدس، ونابلس، ومعظم صخورها جيرية وجبال الجليل ومنها الأعلى والأسفل (4) (يعقوب كامل يوسف، معالم بلادن، ص 46 ـ61 بتصرف).

السهل الساحلي:

وهي منطقة ترسيب هائلة وما زالت تستقبل ترسيبات جرفيه قارية من جهة الجبال والمناطق الداخلية ومصدره الترسيب البحري الذي حمله النيل للبحر المتوسط قبل بناء السد العالي ويتكون من تربة رملية وحمراء وكركارية متفتتة ويضم سهل النقب الساحلي وسهل يهودا وسهل سارونة الساحلي ويبدأ عند يافا وحدوده الشمالي وادي التماسيح عند جسر الزرقاء وسهل الكرمل الساحلي الذي يضيق عرضه ليصبح 150ـ 200 ملم فقط ويليه سهل عكا الساحلي (1). (يعقوب كامل يوسف، معالم بلادن، ص61ـ ص63).

السكان في فلسطين:

بلغ عدد سكان فلسطين عام 1915 فقد كان هناك 689، 275شخصا في فلسطين بينهم 83، 000 يهودي و17، 000 من المسيحيين غير العرب (2). (أريه، ل. أفنيري، دعوى نزع الملكية الاستيطان اليهودي والعرب 1878ـ 1948، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، ص27).

يعد سكان فلسطين من العرب القدماء وفلسطين بلد عربي سكنت فيه القبائل العربية قبل وبعد الإسلام وأول شعب عربي أقام فيها هو الشعب الكنعاني ومنذ أواخر القرن الماضي بدأ الاستيطان الصهيوني المدعوم من قبل موظفي الدولة التركية ثم تلاه الاحتلال البريطاني الذي قدم الدعم والمساندة للصهاينة والذين زاد عددهم في فلسطين على حساب سكانها العرب وانتهى ذلك بشن حرب 1948 و1967 وغيرها في محاولات دءوبة لتثبيت وجودهم في أرض فلسطين العربية.

خريطة رقم 1 : تبين الطرق وسكك الحديد في فلسطين عام 1948

Xxxiii

 الخالدي، وليد، وآخرون كتاب كي لا ننسى 

نظرة موجزة حول علاقة العراق بالقضية الفلسطينية 1930_1948

أنهت هدنة مدروس 30/ت1/1918 الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية وأصبح العراق بعده كله تحت السيطرة العسكرية البريطانية وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الإدارة البريطانية في العراق من حيث التخطيط والتنفيذ الإداري، حيث أصبح السر أرنولد ولسون على رأس الجهاز الإداري بصفته الحاكم المدني العام، ومعه مجموعة من المساعدين الانجليز يتقلدون رأس الوزارات المختلفة(1) (العفيف، أحمد خليف، التطور الإداري للدولة العراقية، ص40ـ ص42). 

ولكن سرعان ما ظهر التأزم والتوتر بين العراقيين والفلسطينيين وحصلت ثورة 1920 التي عمت جميع أنحاء البلاد، وكان سببها الرئيس سياسة بريطانيا ضد زعماء القبائل بشكل خاص والعراق بشكل عام (2) (العفيف، أحمد خليف، التطور الإداري للدولة العراقية، ص47).

تلا ذلك قيام مؤسسة البلاط الملكي بين عامي 1921و 1932 وقد بدأت باختيار الأمير فيصل الأول من قبل السر برسي كوكس والذي رأت فيه بريطانيا أفضل الذين ترشحوا لحكم العراق واختارته من بين مجموعة من المرشحين، والذي اختير بالتعيين ووجدت فيه بريطانيا ما يلبي مصالحها ويلق قبولا من مختلف مذاهب العراق الإسلامية في العراق (3). (العفيف، أحمد خليف، التطور الإداري للدولة العراقية، ص63وص64).

لم يكن العراق في هذه الفترة متحررا من القيود البريطانية إلى عام 1925 _1930، حيث تحسنت مقدرة وكفاءة الحكام الإداريين العراقيين على القيام بواجباتهم من غير رقابة المفتشين الإداريين البريطانيين. (4) (العفيف، أحمد خليف، التطور الإداري للدولة العراقية، ص 347).

وبفعل التطور الإداري ونضال الشعب العراقي وقدرته على استيعاب المتغيرات الحديثة اعترف المجتمع الدولي بالعراق دولة مستقلة وقبوله عضوا في هيئة الأمم المتحدة عام 1932. (5) (العفيف، أحمد خليف التطور الإداري للدولة العراقية،، ص419).

لم تمنع ظروف التجزئة، رجالات الحركة القومية العربية من اللقاء لبحث أمورهم في المؤتمرات اللاحقة، ومعاودة نشاطهم بتشكيل حركات ذات طابع قومي عربي.

تداعى عدد من القوميين العرب للاجتماع والتباحث على هامش المؤتمر الإسلامي المنعقد في مدينة القدس عام 1931؛ لبحث القضية الفلسطينية وقضية الوحدة العربية، والذين حضروا المؤتمر الإسلامي، وممن سبق لهم العمل في الحرب العالمية الأولى ولكنهم افترقوا عقدا من الزمن، وكانوا أعضاء في جمعية العهد، أو جمعية “الفتاة “،، وقد وجدوا الفرصة سانحة لإعادة نشاط الحركة العربية بعد انشغالها بالقضايا المحلية، وعقد الاجتماع في أواسط كانون الأول/يناير1931 في بيت عوني عبدالهادي، وشهده قرابة خمسين شخص، وبعد مداولات اتفقوا على وضع ميثاق قومي عربي يحدد أهداف الحركة العربية ويجدد نشاطه، والدعوة لعقد مؤتمر عربي عام، وقد بحث الأمر مع الملك فيصل الذي شجع فكرة عقد المؤتمر في بغداد، ووافق فيصل على دعمه، ولكن حالت جملة معوقات دون انعقاده، ومنها النزاع بين الهاشميين والسعوديين، ومعارضه المندوب السامي، ثم عاجل موت فيصل في نهايته(1) (عرار، عبدالعزيز، حزب البعث العربي الاشتراكي ودوره في الحركة الوطنية الفلسطينية، المركز القومي للدراسات والنشر، 2008،، ص، 19).

كانت آمال القوميين العرب معلقة على الملك فيصل، وقد جرت معه لقاءات من قبل قادة حزب الاستقلال في فلسطين، وأعضاء من عصبة العمل القومي في سوري، والكتلة الوطنية السورية، وطرح فيصل فكرة توحيد الأردن والعراق، وعندما توفي رأى فيه القوميون العرب خسارةً لفلسطين، وللبلاد العربية، والحركة القومية العربية(2). (عرار، عبدالعزيز، حزب البعث، ص، 20)

قام على تأسيس حزب الاستقلال في فلسطين الذي كل من: عوني عبدالهادي، محمد عزة دروزة، صبحي الخضر، أكرم زعيتر، رشيد الحاج ابراهيم عجاج نويهض فهمي العبوشي، الدكتور سليم سلامة، وتضمن بيانه الربط بين استقلال البلاد العربية والوحدة العربية التامة غير القابلة للتجزئة والتوكيد على عروبة فلسطين، واعتبارها جزءاً طبيعياً من سوري، والعمل على تحقيق الأهداف بالاتفاق مع الهيئات المطالبة بالاستقلال في البلاد العربية(3)(عرار، عبدالعزيز، حزب البعث، ص،. 20)

ويتشابه مع رؤية حزب الاستقلال (الحزب القومي العربي)، في العراق وسوريا والذي أكد أهمية الخروج على النضال القطري، وبناء حزب قومي، وكان من بين أعضائه العراقيين يونس السبعاوي، ومن أعضاء الحزب أعضاء نادي المثنى بالعراق والنادي العربي في سوريا (4). (عرار، عبدالعزيز حزب البعث، ص 21)

ويذكر جلال السيد أحد مؤسسي البعث أنه كان عضوا في هذا الحزب الذي وصفه بأنه ” حزب سياسي ضخم، ولكنه سري، ضم عددا كبيرا من رجالات العرب، وبرنامج الحزب كان شبيهاً ببرنامج حزب البعث، ويمكن القول أن له دورا في الحركات الخطيرة كحركة رشيد عالي الكيلاني.. كان يونس السبعاوي وزير الاقتصاد في حكومة رشيد عالي، وهو في الوقت نفسه حاكم بغداد العسكري… وكذلك درويش المقدادي (فلسطيني من طولكرم) وسعيد الحاج ثابت وكان الحزب على صلة بالأستاذ ساطع الحصري” (1). (عرار، عبدالعزيز، حزب البعث، ص، 21)

شهدت ثورة 1936 ـ 1939 في فلسطين تحريكا للقضية الفلسطينية وللشعور الشعبي وللموقف الرسمي العربي، وقامت المظاهرات في العديد من المدن العربية، وتسرب إلى فلسطين المتطوعون العرب وخاصة من العراق وسوريا يقودهم فوزي القاوقجي* على رأس قوة ضمت خمسمائة متطوع (2). (عرار، عبدالعزيز، حزب البعث، ص 22).

وقد أصدرالقاوقجي بيانا قال فيه: “إنه ليغبطني، وقد شرفني إخواني المجاهدون بقيادة الثورة العربية في سورية الجنوبية أن أدعو القادرين من أشبال العرب إلى السلاح أجل إلى السلاح يا أشبال العرب تحقيقا للأماني القومية وإنقاذ فلسطين العزيزة من براثن العبودية والغزوة الصهيونية والمطامع البريطانية … “(3). (عرار، عبدالعزيز، حزب البعث، ص 22)

توفي الملك فيصل الأول في ظروف غامضة وتولي ابنه الأمير غازي ليصبح ملكا في الأول من أيلول 1933، و يذكر المؤرخ العراقي أحمد الحمداني أن الملك فيصل وصل إلى العاصمة السويسرية طلباً للاستشفاء، وكان الإعياء والقلق والانفعال باديين عليه، ورغم ذلك بدأ الملك يستقبل مراسلي الصحف، والعديد من الأصدقاء، ويدلي بتصريحاته محاولاً الرد على الدعايات المضللة الموجهة ضده، وضد العراق وحكومته على أثر الأحداث التي رافقت قمع ثورة الآشوريين على يد بكر صدقي. وتميزت تصريحاته بشدة اللهجة أثناء حديثه مع الصحفيين، حيث تلقى سيلاً من التهديدات من الحكومة البريطانية بسبب قمع الحكومة العراقية، ونائب الملك [الأمير غازي] للثورة الآشورية، وقد طالبته الحكومة البريطانية بالعودة فوراً إلى بغداد، وأخذ زمام الأمر بيده، و إلا فسوف يتعرض لنتائج وخيمة!!. (4) الحمداني، حامد، من ذاكرة التاريخ، حلقة أولى، موقع دنيا الوطن وموقع

www. Hamid-Alhamdany. blogspot. com

لكن صحته تدهورت عند منتصف الليل، وقد حضر إلى غرفته كل من : [نوري السعيد] و[رستم حيدر] و[تحسين قدري]، حيث وجدوه وهو في حالة خطيرة يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقد ثارت الشكوك حول دور بريطانيا ونوري السعيد، حيث ذكر التقرير الطبي إن سبب الوفاة ناجم عن انسداد الشرايين… كان هناك شك كبير في أن السبب الحقيقي للوفاة هو التسمم، وقيل أن الإنكليز، ونوري السعيد، هم الذين كانوا وراء العملية.

تم نقل جثمان الملك إلى بغداد في 14 أيلول 1933، حيث تم تشيعه في موكب رسمي مهيب، ودفن في المقبرة الملكية في الأعظمية. وبوفاة الملك فيصل، اختفت فوراً مذكراته الخطيرة، ولم يعد أحد يعرف عنها شيئ، وكل الشكوك كانت تشير إلى أن وراء عملية الاختفاء تلك كان نوري السعيد. (1) الحمداني، حامد، من ذاكرة التاريخ، حلقة أولى، موقع دنيا الوطن وموقع www. Hamid-Alhamdany. blogspot. com

وعلى أثر وفاة الملك فيصل، حاول نوري السعيد إقناع رئيس الوزراء [رشيد عالي الكيلاني] و[رستم حيدر] وزير الاقتصاد والمواصلات، والمقرب جداً من العائلة المالكة استبعاد الأمير غازي عن تولي الملك بصفته ولياً للعهد، ودعوة [الأمير زيد] لتولي الملك، بدعوى أن الأمير غازي متخلف عقلي، ولا يصلح لتولي الملك.

لكن رشيد علي الكيلاني رفض رفضاً قاطعاً محاولات نوري السعيد، وأجرى على عجل مراسيم تحليف الأمير غازي اليمين القانونية أمام مجلسي النواب والأعيان، و جرى تتويجه رسمياً مساء يوم 18 أيلول 1933 ملكاً على العراق، وبذلك اسقط في يد نوري السعيد. وبمناسبة تسلم الملك غازي سلطاته الدستورية، وحسبما ينص الدستور، قدم السيد رشيد عالي الكيلاني استقالة حكومته إلى الملك الذي قبل بدوره الاستقالة وكلفه من جديد بتأليف الوزارة الجديدة. (2) عن موقع دنيا الوطن وموقع www. Hamid-Alhamdany. blogspot. com

وقد وجد[نوري السعيد] الفرصة السانحة لتوسيع نفوذه في إدارة شؤون البلاد، وسعى بكل جهوده للهيمنة على المسرح السياسي. فقد حاول السعيد بدعم من صهره وحليفه[جعفر العسكري] بعد فشله في منع الملك غازي من تسلم سلطاته الدستورية إلى احتوائه، والتأثير عليه لدرجة وصلت إلى حد التدخل في أموره الشخصية.

حاول رشيد عالي الكيلاني حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة تضمن له الأكثرية في المجلس، وتقدم بطلب إلى الملك غازي بهذه الرغبة، وتدخل نوري السعيد لدى السفارة البريطانية لمنع حل البرلمان، وسارع السفير البريطاني إلى توجيه تحذير إلى الملك غازي من مغبة الأقدام على حل البرلمان خوفاً من أن يأتي الكيلاني ببرلمان يضم أكثرية من أنصاره، كما حذر الملك[عبد الله] ابن أخيه الملك غازي من الأقدام على هذه الخطوة، والتي تسبب المخاطر الحزبية، ويلاحظ في هذه الفترة محاولات نوري السعيد للاستئثار واللعب السياسي ومعه الوصي على العرش الأمير عبدالاله وتناقضه مع رشيد عالي الكيلاني وياسين الهاشمي وغيرهم وميل الملك لهذه الجماعة (1)

www. Hamid Alhamdany. blogspot. com –

 (من ذاكرة التاريخ/أسرار بقلم:حامد الحمداني وموقع دنيا الوطن نشر على حلقتين بتاريخ النشر : 2011-08-19)

مقتل الملك غازي :

عندما تولى الملك غازي الحكم وضع نصب عينه مسألة إعادة الكويت إلى العراق، باعتبارها كانت تابعة لولاية البصرة في العهد العثماني، لكن المحتلين البريطانيين اقتطعوها من العراق، ونصبوا الشيخ مبارك حاكما عليها تحت حمايتهم، عام 1895.

تمتاز الكويت بأهميتها الاستراتيجية، حيث تتحكم برأس الخليج، وتبلغ مساحتها 7000 كلم2، وكان يسكنها آنذاك حوالي 100 ألف نسمة، وكان الملك غازي يعتقد أن اقتطاعها من العراق سبب حرمانه من شواطئه البحرية على الخليج، إلا من بقعة صغيرة جداً قرب مصب شط العرب. وهكذا أصبح هاجسه في كيف يعيد الكويت إلى العراق، في ظل تعارض رغبته تلك مع إرادة الإنكليز المهيمنين على مقدرات العراق.

حاول الملك غازي التقرب من ألماني، غريمة بريطاني، وسعى إلى توطيد العلاقات معه، لعل ذلك يساعده على استعادة الكويت، وقد قامت الحكومة الألمانية بإهداء الملك غازي محطة إذاعة تم نصبها في قصر الزهور الملكي، واستعان الملك بعدد من العناصر القومية العربية الشابة، وراح يوجه إذاعته نحو الكويت، وكان بثها كله موجها حول أحقية ضم الكويت إلى العراق، ومهاجمة الإنكليز الذين اقتطعوها من العراق، مما أثار غضبهم وحنقهم على الملك غازي، وجعلهم يفكرون بالتخلص منه. (2((الحمداني، حامد، من ذاكرة التاريخ/أسرار، موقع دنيا الوطن نشر على حلقتين بتاريخ النشر : 2011-08-19) وموقع الكاتب

www. Hamid-Alhamdany. blogspot. com) 

لقد حاول الملك غازي إعادة الكويت بالقوة، أثناء غياب رئيس الوزراء ـ نوري السعيد ـ الذي كان قد سافر إلى لندن لحضور مؤتمر حول القضية الفلسطينية في 7 شباط 1939، فقد استدعى الملك رئيس أركان الجيش الفريق [حسين فوزي] عند منتصف الليل، وكلفه باحتلال الكويت فور. كما اتصل بمتصرف البصرة داعيا إياه إلى تقديم كل التسهيلات اللازمة للجيش العراقي للعبور إلى الكويت واحتلاله.

كما استدعى الملك صباح اليوم التالي نائب رئيس الوزراء [ناجي شوكت] بحضور وزير الدفاع، ووكيل رئيس أركان الجيش، ورئيس الديوان الملكي، وأبلغهم قراره باحتلال الكويت.

لكن ناجي شوكت نصحه بالتريث، ولاسيما وأن رئيس الوزراء ما زال في لندن، وأبلغه أن العملية سوف تثير للعراق مشاكل جمة مع بريطاني، والمملكة العربية السعودية وإيران، واستطاع ناجي شوكت أن يؤثر على قرار الملك غازي، وتم إرجاء تنفيذ عملية احتلال الكويت.

فلما عاد نوري السعيد إلى بغداد وعلم بالأمر، سارع بالاتصال بالسفير البريطاني، وتداول معه عن خطط الملك غازي، وقرر الاثنان التخلص من الملك بأسرع وقت ممكن، وهذا ما حصل بعد مدة وجيزة، حيث جرى تدبير خطة لقتل الملك والتخلص منه، والمجيء بعبد الإله وصياً على العرش نظراً لصغر سن ولده الوحيد [فيصل الثاني] الذي كان عمره لا يتجاوز الخمس سنوات آنذاك.

وفي صباح يوم الخامس من نيسان 1939 فوجئ الشعب العراقي ببيان رسمي صادر عن الحكومة نقلته إذاعة بغداد جاء فيه:

{بمزيد من الحزن والألم، ينعي مجلس الوزراء إلى الأمة العراقية، انتقال المغفور له سيد شباب البلاد، جلالة الملك غازي الأول إلى جوار ربه، على اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة [نهر الخر]، بالقرب من [قصر الحارثية]، في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس، ] لم يكد خبر مقتل الملك غازي يصل إلى أسماع الشعب، حتى هبت الجماهير الغاضبة في مظاهرات صاخبة اتجهت نحو السفارة البريطانية، وهتفت منددة بالإمبريالية البريطانية، وعميلها نوري السعيد وامتدت المظاهرات الشعبية الهادرة إلى سائر المدن العراقية… وظهرت المنشورات التي وزعتها الجماهير، والتي تقول أن الملك لم يصطدم بالسيارة كما تدعي حكومة نوري السعيد، وإنما قتل بعملية اغتيال دبرتها الإمبريالية البريطانية وعملائه، وعلى رأسهم نوري السعيد بالذات، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد ضد نوري السعيد ولو قبضت عليه في تلك اللحظات لفتكت فيه ومزقته إرب، ولذلك فقد هرب نوري السعيد بعد إتمام مراسيم دفن الملك غازي في المقبرة الملكية في الأعظمية، حيث استقل زورقاً بخارياً من المقبرة إلى داره في جانب الكرخ. حاول الإنكليز إبعاد التهمة عنهم، وادعوا أن الدعاية الألمانية هي التي تروج لمثل هذه الدعاية ضد بريطاني، كما ادعوا أن موظفي السفارة الألمانية، والأساتذة الجامعيين هم الذين يحرضون جماهير الشعب ضد بريطاني، وضد حكومة نوري السعيد.

كان رد فعل الجماهير الشعبية في الموصل شديداً جد، حيث خرجت مظاهرة ضخمة، وتوجهت نحو القنصلية البريطانية وهاجمته، وقتلت القنصل البريطاني في الموصل، المستر [مونك ميسن]، وراحت الجماهير تهتف بسقوط الاستعمار البريطاني، وحكومة نوري السعيد العميلة، وكانت بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري لمزقته إرب.

وتم مهاجمة الحي اليهودي في بغداد، ووقعت عمليات النهب وحرق مساكن. وقد استغل نوري السعيد الأحكام العرفية التي كانت قد أعلنت في البلاد قبل شهر من مقتل الملك، وقام بنشر أعداد كثيفة من قوات الشرطة لقمع المظاهرات، وجرى اعتقال الكثير من المتظاهرين.

ولتغطية جريمة الاغتيال سارعت حكومة نوري السعيد إلى إصدار بيان رسمي يتضمن تقرير طبي صادر عن هيئة من الأطباء عن سبب وفاة الملك غازي، ووقعت عليه مجموعة من الأطباء ومما جاء فيه يلي:

{ننعي بمزيد من الأسف وفاة صاحب الجلالة الملك غازي الأول في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين من ليلة 3/4 نيسان 1939، متأثراً من كسر شديد للغاية في عظام الجمجمة، وتمزق واسع في المخ، وقد حصلت هذه الجروح نتيجة اصطدام سيارة صاحب الجلالة، عندما كان يسوقها بنفسه، بعمود كهرباء بالقرب من قصر الزهور، في الساعة الحادية عشرة والنصف ليل، وفقد الملك شعوره مباشرة بعد الاصطدام، ولم يسترجع وعيه حتى وفاته

(1) www. Hamid-Alhamdany. blogspot. com)

من ذاكرة التاريخ/أسرار بقلم: حامد الحمداني وموقع دنيا الوطن بتاريخ النشر : 2011-08-19).

حمل التفاعل بين المثقفين الفلسطينيين والعراقيين بعد حصوله على الاستقلال بالغ الأثر في الهبة الشعبية العراقية التي ضغطت على الحكومة الملكية لإرسال المتطوعين العراقيين إلى فلسطين عام 1936 وتجلت وحدة النضال بين القطرين الشقيقين، وكان العراق الأمل المرتجى كما بين، وظهر ذلك يوم أن أبدى شعب العراق ونظامه الملكي في عهد الملك غازي تعاطفه مع الشعب الفلسطيني حيث التحق خيرة الشباب العراقي بالمتطوعين العرب الذين كان يقودهم البطل القومي فوزي القاوقجي و الذي كان ضابطا في الجيش العراقي واستقال لغرض التطوع وقيادة المناضلين العرب في فلسطين، وقد وصل ومن معه إلى قرية بلعا ـ طولكرم.

شكل الشعب العراقي لجان عراقية داعمة للقضية الفلسطينية على المستوين الإعلامي- التعبوي والمادي، كما وكانت بغداد في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي محط رحال للزعماء الفلسطينيين والمثقفين الفلسطينيين؛ حينما التجأ عشرات القادة من الثوار الفلسطينيين ومعهم خيرة المثقفين الثوريين والشعراء الوطنيين إلى العراق أمثال: الحاج أمين الحسيني وأكرم زعيتر ودرويش المقدادي وإبراهيم طوقان، والضباط عبد القادر الحسيني وحسن سلامة وذو الكفل عبد اللطيف والشاعر عبد الرحيم محمود وعبدالفتاح المزرعاوي، والشاعر برهان العبوشي وغيرهم)(1) (، زعيتر، أكرم، الحركة الوطنية الفلسطينية،، ط2، منشورات اليسار، 1988، ص352 وص606 وص607 وص608)

الصورة رقم (1)

القائد عارف عبدالرازق من بلدة الطيبة والذي رحل للعراق وحارب في الرطبة في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد البريطانيين عام 1940 (محفوظات. عبدالعزيز أمين)

الصورة رقم (2)

مجموعة شباب فلسطينيين تطوعوا لتنظيف مقبرة شهداء الجيش العراقي في قرية قباطية عام 1993 تصوير الأستاذ. عبدالعزيز أمين).

ويذكر المؤرخ أكرم زعيتر من نابلس الدور المميز لـ(نادي المثنى) العراقي بتوجهاته القومية وأثره في مساعدة الثورة الفلسطينية والتعاطف معها ومع الفلسطينيين الذين فروا للعراق هاربين من العسف البريطاني لهم، وقد وصف العراق بأنه بيضة العروبة وحاضنته. ومرجل العروبة الذي يغلي، وكان من بين الذين توافدوا محمد أمين الحسيني والدكتور داود الحسيني، والمجاهد عبدالقادر الحسيني والشيخ حسن سلامة، وعزالدين الشو، وعارف عبدالرازق، والشاعر برهان العبوشي وغيرهم(1) (انظر:زعيتر أكرم الحركة الوطنية الفلسطينية 1930ـ 1939، ص 606ـ612 بتصرف).

ويتناول عسكري عراقي مجهول في مقالات نشرها في جريدة الحوادث اللبنانية وأخرجها في كتابه والذي جاء بعنوان : (كيف ضاعت فلسطين) إلى أن دور العراق كان حاضرا في ثورة فلسطين 1936ـ 1939 حيث أخذت إذاعة بغداد تذيع التعليمات الفنية العسكرية في كيفية معالجة المجاهدين الفلسطينيين للسور المكهرب، وأسلاكه الشائكة الذي وضعته حكومة بريطانيا كحاجز بين فلسطين وسوريا ولبنان ونجح الفلسطينيون وتغلبوا على هذا العائق، وفي عام 1948 كان معلمو العراق يقتطعون جزءا من رواتبهم لصالح القضية وأن ثورة وحركات مايس 1940 بقيادة رشيد عالي الكيلاني لم يكن سببها غير نصرة قضية فلسطين… وقد خسر العراق 150 مليون دينار بعد قطع خطوط التابلاين النفطية المتجهة إلى حيف.

ويجدر بالذكر أنلثوار الفلسطينيون الذين كانوا لاجئين في العراق حملوا السلاح وقاتلوا بقيادة عبدالقادر الحسيني إلى جانب الجيش العراقي وأبدوا بسالة فائقة في القتال فأوقفوا تقدم الجيش البريطاني بضعة أيام. وعندما انهارت المقاومة العراقية انسحبوا إلى إيران، لكن السلطات الايرانية أعادتهم إلى الحدود العراقية، فرجعو إلى بغداد وتجمعوا في بيت عبدالقادر الحسيني، وحاولت السلطات العراقية اعتقالهم لكنها تراجعت بعد تصميمهم على مقاومة الاعتقالز(بهجت أبوغربية، في خضم النضال، ص136).

الصورة رقم (3)

القائد الثائر والشهيد حسن سلامة

استشهد قرب رأس العين عام (محفوظات. عبدالعزيز أمين)

ورغم هذا الدور الشعبي الذي اضطلع به الشعب العراقي ومساندته للقضية الفلسطينية إلا أن رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد والوصي على الملك فيصل الأمير عبدالاله قاما بدور مناف تماما ولعبا دورا وصف بالخياني والتآمري، والذي كان يُسوق للمشاريع البريطانية ومشاريعها في المنطقة، ومنها مشروع تقسيم فلسطين 1937وهو ما عرف بالكتاب الأزرق، ومعاهدة بورتسموث1946، وحلف بغداد 1955، وبسبب ذلك كله قتل نوري السعيد من قبل الثوار في ثورة 14 تموز 1958 أثناء محاولته الفرار، وهو يلبس ثوب إمرأة.

الصورة رقم (4)

القائد فوزي القاوقجي الثالث من اليمين ومعه قادة الفرق الفلسطينية والعراقية والسورية واللبنانية أيلول عام 1936 (محفوظات. عبدالعزيز أمين)

تواصل اللقاء العربي المشترك بين العراقيين والفلسطينيين في عام 1948 سواء عبر المتطوعين الذين أرسلهم الجيش العراقي لينظموا لجيش الإنقاذ أو من خلال فوج الجيش العراقي الذي حضر قادته وجنوده للدفاع عن فلسطين أمام الغزو الصهيوني في منتصف أيار، والذين يعود لهم الفضل في حماية المثلث العربي من الرحيل والهجرة كما حصل في باقي فلسطين، وقد امتدت جبهة القتال من مدينة جنين شمالا حتى قرية مجدل الصادق جنوب كفرقاسم وهم الذين خاضوا معارك الشرف مع العدو الصهيوني في هذه المناطق.

يذكر عبدالهادي عرار من جلجولية في مقابلة جرت معه في 25/11/2011 أنه شاهد عام 1986بعض ناقلات الجند والشحن والدبابات العراقية التي بقيت في أرض المعركة، وكتب عليها الجيش العراقي، كما شاهد الأنصاب التي تشير لمجموعة من الجنود الصهاينة الذين سقطوا في أرض المعركة.

ولا زالت الألسن في بلدة كفرثلث ومحافظة قلقيلية تلهج بالذكر الطيب لما قام به الجيش العراقي ودوره في المعارك التي خاضها دفاعا عن طيرة المثلث وقلقيلية حيث أوعز للمناضلين الفلسطينيين بالهجوم على مستعمرة رمات هاكوفيش وقدم الاسناد من خلال المدفعية المرابطة في صوفين، ولا زالت بعض الدبابات المدمرة عند أبواب المستعمرة الصهيونية كشاهد وذكرى، وقد دعاها بعض الكتاب الصهاينة ب”الأيام العصيبة” (1) (مقابلة جرت مع الأستاذ خالد شنطي بتاريخ 20/11/2011).

وكانت أعظم المعارك معركة البطولة والشرف في مدينة جنين وفيها التحم المناضلون الفلسطينيون بقيادة فوزي جرار مع جهود القيادة العراقية المتمثلة بالمقدم عمر علي وخير شاهد على هذه البطولة المفعمة بروح قومية عربية تحررية مقبرة الشهداء في جنين ومقبرة شهداء الجيش العراقي قرب نابلس والتي يتم زيارتها وتنظيفها سنويا وهي مثار اهتمام وعناية جهات متعددة في فلسطين ويجري وضع أكاليل الورد على قبر الجندي المجهول. وجنود العراق البواسل الذي فهموا معنى العروبة ووحدة نضالنا القومي.

هذا وغيره سنتعرض له في الفصل اللاحق.

* فوزي القاوقجي (1890 ـ 1879) قائد ومناضل قومي عربي ولد في مدينة طرابلس ـ لبنا ن، تخرج في تعليمه حتى وصل المدرسة الحربية في الآستانة، آثر العمل مع الأتراك ضد الحلفاء، وبعد الحرب العالمية الأولى التحق بحكومة فيصل بناءً على طلبه. أثرت فيه معركة ميسلون فقاد الثورة السورية وكاد أن يستولي على مدينة حماة لولا طائرات الفرنسيين، وفي ثورة فلسطين اتخذ من مثلث الرعب الفلسطيني ساحة لحركاته الثورية. (انظر: الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، مج 3، 1984، ص480 ـ 481.

يتبع……….

‎هيثم هاشم – مفكر حر؟‎

Posted in فكر حر | Leave a comment

المخرجه النيوزيلند​يه : جين كامبيون‎

د. ميسون البياتي

عام 1993 فاز فلم المخرجه النيوزيلنديه جين كامبيون ( البيانو ) بجائزه من مهرجان كان الدولي للأفلام السينمائيه .

وفي العام 1994 حصل نفس الفلم على جائزة الأكاديميه من لوس أنجليس / كاليفورنيا عن : أحسن كتابه , وأحسن تمثيل.

يعتمد الفلم على قصة حقيقيه لمهاجرة أوربيه جاءت الى نيوزيلندا عند أول أكتشافها في القرن التاسع عشر

ولدت جين كامبيون 30 نيسان 1954 في العاصمه السياسيه لنيوزيلندا ويلنغتون , والتي تعد عاصمة السينما النيوزيلنديه أيضاً ويطلق عليها لهذا الغرض تسمية : ويلي وود

كانت جين طفلة صغيره حين أسس والداها شركة المسرح الوطني النيوزيلندي ولهذا إعتادت منذ طفولتها هي وأخوتها على مشاهدة الأفلام بشكل يومي

فيما بعد إنتقلت العائله الى اوربا , حيث أصبحت جين مولعة بالفنون والعماره . حين عادت الى ويلنغتون إنتسبت الى جامعة فكتوريا لدراسة الأنثربولوجي , وبعدها أتمت دراستها العليا في استراليا / جامعة سيدني

بعد التخرج إتجهت الى عالم السينما كمخرجة حيث انتسبت الى دراسة السينما والتلفزيون في جامعة استراليا . ظن أساتذتها انها لن تكون مخرجة ناجحه لكنها سرعان ما أثبتت العكس حيث نال فلمها القصير ( تقشير ) وطوله 9 دقائق جائزة من مهرجان كان عام 1986

شاركت جين كامبيون بعد ذلك 4 مرات في مهرجان كان حيث قدمت فلمها ( أحاسيس لحظات ) وطوله 11 دقيقه

ثم شاركت بفلم : قصه خاصه لفتاة

https://www.youtube.com/watch?v=Eix1IUwBfjA

وفلم الصديقان وفلم الحبيبه

https://www.youtube.com/watch?v=V94WIjgQKWM

عام 1990 أخرجت مسلسل تلفزيوني عنوانه : ملاك على مائدتي , يتحدث عن حياة واحده من أعظم كاتبات نيوزيلندا وهي جانيت فريم . وكانت جين كامبيون قد وصلت الى مرحلة من الإحتراف العالي للعمل أهلتها لأن تصور المسلسل بأكمله في 12 اسبوع فقط وقد حصل المسلسل على عدة جوائز في نيوزيلندا وخارجها

https://www.youtube.com/watch?v=xfMh-fRSH5E

عام 1996 أخرجت فلم : صوره لسيده , يتحدث عن سيده أمريكيه في بريطانيا خلال عقد السبعينات من القرن التاسع عشر . حصل الفلم على جائزتين أكاديميتين وجائزة الغولدن غلوب وقد مثلته النجمه نيكول كيدمان

https://www.youtube.com/watch?v=kRyRSiU_DWU

عام 1999 أخرجت جين كامبيون فلم : الدخان المقدس , ويتحدث عن استراليه مراهقه وتدور احداثه في الهند

عام 2003 أخرجت فلم : على الجرح , وتدور أحداثه في نيويورك

https://www.youtube.com/watch?v=R8josOPbNb8

الى حد اليوم لم تزل إبنة ويلنغتون تكتب وتخرج أفلامها , وهي واحده من ألمع الشخصيات السينمائيه المؤثره في عالم السينما النيوزيلنديه , والعمل معها يستهوي الكثير من النجوم العالميين من أمثال : كيت وينسليت التي مثلت معها في فلم الدخان المقدس , والسير جون غيلغود الذي مثل معها في فلم صوره لسيده , ونيكول كيدمان التي مثلت معها في نفس الفلم , وميغ رايان التي مثلت معها في فلم على الجرح

ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

نهايـــةُ السّلم – نازك الملائكة

نهايـــةُ السّلم – نازك الملائكة

********************

مرّت أيام منطفئات

لم نلتق لم يجمعنا حتى طيف سراب 

وأنا وحدي, أقتات بوقع خطى الظلمات 

خلف زجاج النافذة الفظّة, خلف الباب

وأنا وحدي.. 

مرّت أيام 

باردة تزحف ساحبة ضجري المرتاب 

وأنا أصغي وأعد دقائقها القلقات 

هل مرّ بنا زمن ؟ أم خضنا اللازمنا ؟ 

مرّت أيام 

أيام تثقلها أشواقي. أين أنا ؟ 

ما زلت أحدّق في السلّم 

والسلّم يبدأ لكن أين نهايته ؟ 

يبدأ في قلبي حيث التيه وظلمته 

يبدّأ..أين الباب المبهم ؟ 

باب السلّم ؟

*** 

مرّت أيام 

لم نلتق , أنت هناك وراء مدى الأحلام 

في أفق حفّبه المجهول 

وأنا أمشي, وأرى , وأنام 

أستنفد أيامي وأجرّ غدي المعسول 

فيفرّإلى الماضي المفقود 

أيامي تأكلها الآهات متى ستعود ؟

*** 

مرّت أيام لم تتذكر أن هناك 

في زاوية من قلبك حبا مهجورا 

عضّت في قدميه الأشواك 

حبا يتضرّع مذعورا 

هبه النورا

*** 

عد.. بعض لقاء 

يمنحنا أجنحة نجتاز الليل بها 

فهناك فضاء 

خلف الغابات الملتفّات, هناك بحور 

لا حدّ لها ترغي وتمور 

أمواج من زبد الأحلام تقلبّها 

أيد من نور

***

عد, أم سيموت, 

صوتي في سمعك خلف المنعرج الممقوت 

وأظلّ أنا شاردة في قلب النسيان 

لا شيء سوى الصمت الممدود 

فوق الأحزان 

لا شيء سوى رجع نعسان 

يهمس في سمعي ليس يعود

لا ليس يعود !!

 
Posted in الأدب والفن | Leave a comment

نكتة تخرب ضحك اسمها البطاقة التموينية

غريب امر هذه الحكومة فهي تصرف المليارات على صغائر الامور”مؤتمر الفقمة ،مادلين مطر،السونار المزيف وغيرها الكثير الكثير جد” وتسترخص بالشعب كيلو تمن او سكر.

ان الذي بيده الامر والنهي وصلاحية الصرف بالمليارات يتباكى على اولاد الملحة لأن الامطار والفيضانات اللعينة جرفت بيوتهم واسكنتهم فسيح الصحراء.

امس بدأ وزير التجارة خير الله حسن بابكر يتعلم اللطم خصوصا بعد ان قال:إن “حلقة شراء مفردات البطاقة التموينية الشائكة والمعقدة سببت الكثير من التلكؤ في إتمام عملية الشراء بسهولة عدا تأخر وصول التخصيصات المالية للوزارة والتي تشكّل ابرز هذه المعوقات على الرغم من مرور عدة اشهر والتخصيصات لم تصل حتى الآن”.

ويلطم بابكر صائحا “تنفيذ العقود الحكومية لعام 2008 هي الأخرى تعتبر معوقاً لوصول مفردات البطاقة التموينية بسرعة وخاصة مع عدم وجود الاستثناءات لوزارة التجارة سوى الاستثناء الوحيد الذي يسجل عليه ديوان الرقابة المالية الكثير من الملاحظات والتحفظ حول الآلية المتبعة في الشراء وطريقة الإعلان وتفاصيل التجهيز وغيرها”.

ويعتقد بابكر إن “قرار مجلس الوزراء الأخير باستثناء الوزارة من شروط التعاقد الحكومية في مجال تجهيز مفردات البطاقة التموينية وتشكيل لجان مركزية ووزارية تضم وزارتي التجارة والتخطيط والوزارات المعنية والسادة المستشارين سيكون له مردودات ايجابية في تسهيل مهمة الشراء من مناشئ عالمية ذات الجودة العالية”.

وكانت الأمانة العامة لمجلس الوزراء اعلنت في 28 تشرين الثاني 2012، تشكيل لجنة لوضع ضوابط وآليات نظام البطاقة التموينية.

واذا كان النائب عبطان “كتلة المواطن” قد قال امس متأسفا “ان نصف الشعب تحت خط الفقر” يكون من الضروري لأولاد الملحة ان يصيحوا :نامي جياع الشعب نامي …حرستك الهة الطعام.

ويبدو ان الهة الطعام في العراق اسمها اللجنة الوطنية للأمن الغذائي التي حذرت منذ سنوات ومازالت من تقليص مواد البطاقة التموينية.

وبدلا من ان “تناضل” وزارة التجارة في زيادة مفردات البطاقة التموينية سعت الى تقليص مفرداتها واقتصارها على خمس مواد أساسية هي مادة الطحين”لصناعة الكيك”، الرز”للتغزل به”، السكر”لوضعه في قارورات خاصة لوقت الحاجة”، الزيت لأشعال الفوانيس، وحليب الأطفال”ممن لااطفال عندهم”.

اما باقي المفردات فيستطيع العراقي شراؤها من الاسواق واللي ماعنده فلوس “يطبه طوب”.

الوزارة الموقرة الغت البقوليات لأنها تسبب سوء الهضم والشاي لأنه يجمع القوم وفي ذلك خطر على حياتهم وحليب الكبار فالعيب كل العيب ان يشرب الكبار الحليب.

حلو…

فاصل مبروك:مبروك على الشعب العراقي العظيم بعد ان اصبحت دولته الاولى في الشرق الاوسط للاتجار بالبشر ومبروك له امانة العاصمة التي زادت عدد الخيول العربية الاصيلة الى 32 حصانا يتغذون بشكل منتظم كما قال ليث الكعبي مدير عام دائرة المتنزهات والتشجير بعيدا عن مفردات البطاقة التموينية التي تم رفضها رفضا قاطعا من قبل الخيول العربية الاصيلة.

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

إخوان سورية: حكاية فشل طويل

محمد ديبو : لوموند ديبلوماتيك العربي 

إنّ المدقّق في مسيرة الإخوان المسلمين السوريين منذ نشأتهم حتّى الآن سيجد أنّهم كانوا بطريقةٍ أو بأخرى مشروع سلطة قائمة على إمكانية التحقّق بأيّ وقت، وهذا ما استثمره نظام البعث جيداً، وغذّاه الإخوان بسياساتهم الراديكالية التي ساعدت السلطة في سوريا على استثمار أخطائهم وتضخيمها كي يكبت الداخل ويهيمن عليه.

كان لجوؤهم في ثمانيات القرن الماضي إلى العنف للوصول إلى الحكم هو أحد الأسباب الكبرى التي مكّنت الأسد الأب من بناء الدولة الأمنيّة، كي تدخل سوريا زمن صمتٍ طويل لن ينتهي إلاّ مع اندلاع “انتفاضة الكرامة” (آذار/مارس 2011)، مروراً بمحطات نخبويّة: ربيع دمشق [1] وإعلان دمشق [2]، أو مناطقيّة: “انتفاضة الكرد” (2004) [3].

لم يعد “الإخوان” منذ هزيمتهم (1982) [4] إلى بوابة السياسة السورية إلاّ حين ألقى الناشط “علي العبد الله” كلمة للمراقب العام للإخوان “علي البيانوني” في منتدى الأتاسي، الذي سُمِح له بالعمل دوناً من المنتديات الأخرى ليتمّ إغلاقه وسجن “العبد الله” على إثرها (مايو 2005)، وينهي ما تبقّى من ربيع دمشق، ليشكّل الإخوان مجدّداً الذريعة التي استخدمتها السلطات، وهي التي لم تكن تحتاج ذريعة أصلاً، إلاّ أن ربطها الأمرين معا يأتي في سياق ” شيطنة الحركة” لما لذلك من قدرة سحرية/تجيشيّة على إخافة الناس من الإسلاميين وحكمهم، وليكون الشعب بين خياري السيء والأسوأ بعد إخصاء التيارات العلمانيّة المدنيّة من خلال قطع صلتها بالشارع، وتماهياً مع الحرب الصريحة ضد الإرهاب “الإسلامويّ” الذي أعلنته إدارة بوش بعد أحداث أيلول/سبتمبر (2001).

إن كانت أغلبيّة المعارضة السورية لم تفهم نتائج هذا الدرس سياسياً، من حيث قدرة السلطة على استخدام “الإخوان” فزّاعة للداخل والخارج، وعلى كونهم ورقة ضديّة (وفق لغة حازم صاغية) تؤتي بعكس المرتجى منها، فإنّ الإخوان فهموا اللعبة جيداً وقتها، وبدؤوا مراجعة لتاريخهم السياسي في سوريا، بقيت سطحية حتّى اللحظة، إلاّ أنّها كانت مقدّمة يمكن البناء عليها لو استغلّها الإخوان جيداً. حيث أطلقوا في عام 2004 وثيقة “المشروع السياسي لسوريا المستقبل” [5] التي أعلنت الطلاق مع الاستقواء بالخارج ومع العمل العنفيّ كوسيلة للوصول إلى السلطة، لتمدّ يدها لكلّ فصائل المعارضة السورية، عبر تبنّي “الديموقراطية” ( رغم هشاشة فكرتهم عنها) والعمل السلميّ المتدرّج للوصول إلى تداول للسلطة وحياة ديمقراطية. هذا الأمر مهّد لهم الطريق ليكونوا أحد أركان “إعلان دمشق للتغيير الوطني” (2005)، الذي عاد وانشطر تحت وطأة تناقضاته الإسلامية/الليبرالية واليساريّة/القومية على خلفية الاستعانة بالخارج للضغط على النظام؛ وهو بالضبط ما يتكرّر الآن بأشكالٍ أخرى، مما دفع المعارض حازم نهار للقول: “إنّ كل ما حدث على مستوى المعارضة منذ انطلاقة الثورة وحتّى اللحظة يشبه فيلماً سينمائياً شاهدته للمرّة العشرين، وأصابني الشعور بالقرف منه” [6].

الإخوان ليسوا إلاّ طلاّب سلطة، ولا مشروع وطنيّ لهم سواها

بعد أن تمكّن النظام من كسر الحصار الذي فُرِضَ عليه بعد اغتيال رفيق الحريري، تكشّف أن هذا الخارج الذي عوّلت عليه بعض أطياف “إعلان دمشق” لا يعوّل عليه. الأمر الذي دفع “الإخوان” إلى هجر هذا “الإعلان” والدخول في تحالفٍ فظّ مع رأس الفساد السوريّ والأمنيّ عبد الحليم خدام، فيما أُطلِقَ عليه اسم “جبهة الخلاص الوطني” (2006)، ليتكشف معها أنّ الإخوان ليسوا إلاّ طلاّب سلطة، ولا مشروع وطنيّ لهم سواها. إذ كيف تمكّنوا من إجراء تحالفٍ مع جزّارهم السابق وهم الذين يصرّون اليوم على عدم الحوار مع من تلطّخت أيديهم بالدماء والفساد! فهل إن نجح النظام في البقاء، سيعودون بعد سنوات للتحالف معه أو مع من ينشق عنه!؟

لم يكتفِ الإخوان بذلك، بل سرعان ما هجروا “الجبهة” بعد خلافات مع خدام (نيسان/إبريل 2009) حين تكشّفت لهم محدوديّتها. واتجهوا نحو طلب الحوار مع النظام السوريّ الذي دخلوا معه في محادثات سريّة برعاية تركيّة حتّى قبيل الانتفاضة في الخامس عشر من آذار/مارس وربّما بعدها. هذا عدا عن الحوارات التي جرت على “جولتين في 1984 و1987، ثمّ بأشكال غير مباشرة في 1996-1997″ [7]. وكان بيانهم في عام 2009 الذي أوقف نشاطاتهم المعارضة للنظام (علماً أنّه لم يكن لهم نشاط في سوريا منذ ثمانينات القرن الماضي، فأيّة نشاطات أوقفوا؟!) على خلفية الحرب الإسرائيلية على غزة، شهيراً بهذا الشأن. ولم ينضمّوا للثورة السوريّة إلا بعد شهر ونصف من اندلاعها، إذ أطلقوا بيانهم “الرسميّ الأول “دعماً للثورة” في أواخر شهر نيسان/إبريل [8].

تحدّث مراقبهم العام محمد رياض الشقفة بعد أسبوعين عن “دورٍ فاعل” [9] لهم في الانتفاضة السورية، الأمر الذي كان سلبياً على الانتفاضة لأنّ تنطّعهم لمحاولة قيادة الانتفاضة أحسنت السلطات استخدامه في الداخل، باللعب على وتر الخوف المزمن المتشكّل تاريخياً لدى العلمانيين والأقليات وطبقة الرأسماليين السوريين والطبقة الوسطى في دمشق وحلب. هذا ما دفعهم لفرملة حماسهم للانتفاضة الذي توقّف كلياً بعد إعلان الإخوان عن وجود كتائب مسلحة لهم بشكلٍ رسميّ على لسان ملهم الدروبي (آب/أغسطس 2012) حين اعترف بـ “تشكيل الإخوان ومنذ نحو 3 أشهر لكتائب مسلحة في الداخل السوري، مهمّتها الدفاع عن النفس وتأمين الحماية للمظلومين .. هذا حقّ مشروع وواجب شرعيّ يشرّف الجميع .. وهذه الكتائب منتشرة في معظم المناطق والمحافظات السورية وخاصة الملتهبة منها” [10]. وهو ما حاول الإخوان نفيه فيما بعد، و”الغمغمة” حوله بتبريرات لا تشبه إلا تبريرات السلطة ذاتها، مثل قول الشقفة: “نحن لم نشكل كتائب مسلحة في الداخل، والالتباس الذي حصل لدى الأخ ملهم هو بسبب تلك الكتائب التي تشكّلت في الداخل وأرادت أن تعطي ولاءها للإخوان .. وذلك يرجع إلى أنّ كثيراً من منتسبيها يتبنّون الفكر الإسلامي المعتدل الذي يتفق مع فكر الجماعة”. علماّ أنّ الجميع بات يدرك أنّ هذه الكتائب تعطي ولاءها لمن يزوّدها بالمال والسلاح!!. ثمّ تابع: “وعندما أصبح تحوّل الثورة إلى العسكرة أمراً واقعاً وبدأ الثوّار بتنظيم صفوفهم وتشكيل الكتائب على الأرض، تواصل معنا بعض قادة الكتائب من أصحاب الفكر الوسطيّ المعتدل وأعلنوا ولاءهم لجماعتنا وثقتهم بها… وقد نصحنا هذه الكتائب والألوية ذات الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل القريب من فكرنا بأن تشكّل تجمعاً خاصاً بها، فأنشؤوا تشكيلاً جديداً تم الإعلان عنه في إسطنبول تحت اسم “هيئة دروع الثورة”، وهي مستقلّة وليست جناحاً مسلحاً لجماعة الإخوان” [11]. وهنا يعني أنّها مستقلة حتى عن “الجيش الحر”، وسبق أن احتج رئيسُ المجلس العسكريّ العميد الركن مصطفى الشيخ على عمل الإخوان من البداية (قبل أن يعود ويتراجع عن الأمر)، حين قال: “إنْ كانوا فعلاً ملتزمين بالدولة المدنيّة والعمل تحت مظلّة الجيش الحرّ، فكيف يفسّرون عمل “هيئة حماية المدنيين” وهي ذراعهم العسكريّة في الداخل، يجمعون لها التبرّعات، ويزوّدونها بالإمدادات، على حساب الجيش الحرّ…؟” [12]

ضمن سياق مشابه قال الباحث يزيد صايغ أنّ “جماعة الإخوان تتصرّف من طرفٍ واحد .. ويمثّل تشكيلُ ألويةٍ مستقلّةٍ تابعةٍ لجماعة الإخوان عقبةً إضافيّةً في طريق بناء الجيش السوريّ الحرّ كجناح عسكريّ موحّدٍ للمعارضة” [13]. ممّا يعني أنّ الإخوان لم يغادروا موقعهم الساعي إلى السلطة بأيّ شكل، وهو ما تعكسه الزئبقية والبراغماتية الواضحة في سياساتهم، إن لم نقل الكذب الصريح!

إعادة هيكلة “الإئتلاف” محاولة ستكون على الأغلب فاشلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!

خلال هذه المرحلة أيضا، يبدو أن بعض أطياف المعارضة السورية لم تتعلّم سياسياً من الإخوان. فاتجهت للتحالف معهم ومكّنتهم من الهيمنة على تكتّلات المعارضة ( المجلس الوطني، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوريّة) ومنافذها الإعلامية و”بيت مالها”، مستغلّين الأمر ليبحروا في الداخل ويتمكّنوا من كسب الولاءات وخلق قواعدهم الشعبية، مستخدمين أساليب الإقصاء والتهميش والفرض (عملية تنصيب رئيس وزراء الائتلاف غسّان هيتو). وهو ما سبّب صراعات كثيرة داخل صفّ المعارضة وبينهم وبين فصائل “الجيش الحرّ” على الأرض، وهو ما شهدنا تفاصيله في البيانات المتراشقة بين الطرفين [14]. وقد سعى الإخوان لأن يكون لهم كلمة حتّى في “هيئة أركان الجيش الحر”، لينعكس الأمر بشكلٍ سلبيّ على أداء المعارضة عسكرياً وسياسياً. تلك المعارضة التي أثبتت قصوراً عميقاً في فهم طبيعة النظام الذي تقارعه وقدرته على استخدام فزّاعة الإخوان والإرهابيين؛ وهو ما قدّمه “الائتلاف” (ومن ضمنهم الإخوان) على طبقٍ من ذهب للنظام بدفاعهم عن “جبهة النصرة” [15] التي يقدّم النظام نفسه ضحية لها؛ لينعكس الأمر في الداخل بتحييد كتل اجتماعية كثيرة لا تريد النظام، ولكنها حتماً لا تريد البديل الآخر، وهذا ما يريده النظام، أي تقليص الحاضنة الاجتماعية للمعارضة وقد نجح. ولعلّ المحاولات الجارية حالياً لإعادة هيكلة “الإئتلاف” تأتي كمحاولة ستكون على الأغلب فاشلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!

إلاّ أن أهم ما سقط به الإخوان هو تخلّيهم عمّا ورد في مواثيقهم التي أصدروها منذ عام 2004، أي تخلّيهم عن العمل المسلح كوسيلة لإسقاط النظام، بالرغم من أنّ لهم مبررات جاهزة بأنّ الأمر جاء كرد فعل من الشارع على عنف النظام، وأنّهم لم يفعلوا إلاّ أن ساندوا هذا الشارع! لكنّ أسئلة كثيرة يمكن طرحها وفي مقدّمتها: لم سعيهم لتشكيل كتائب خاصّة بهم إذن، ورهن تقديم المال والسلاح بتقديم الولاء!؟ الأمر الذي يجعلنا نشكّك في مدى التزامهم بما أصدروه ومدى عمق المراجعة التي أجروها عام 2004. حيث تثبت الأفعال اليوم أنّها كانت مراجعة خطابيّة، لم تفعل إلاّ أنها بدّلت شعارات ماتت بشعارات رائجة اليوم تتقدّمها “الديمقراطية” التي تختزل إلى مجرّد صندوق اقتراع، يدرك الإخوان جيداً أنّهم لن يفوزا من خلاله إلاّ عبر فرضهم لأدوات اللعبة الديمقراطية وهيمنتهم على مفاتيحها. وتاريخهم في برلمانات سوريا قبل حزب البعث يثبت ذلك. فهم يتشاركون والبعث في أمرٍ أساسيّ: أنّ أية عملية ديمقراطية حقيقية في سوريا ستعطيهم حجمهم الطبيعي الذي لن يتعدّى العشرة بالمئة بحدّ أدنى والعشرين بالمئة بحدٍّ أعلى. وهنا يكمن الفارق الجوهريّ في وضع الإخوان المسلمين بين سوريا ومصر وتونس، حيث القاعدة الشعبية هنا شبه معدومة بفعل الإقصاء الطويل لهم. ولهذا فإن الحرب القائمة تخدمهم على المدى البعيد، كما تخدم النظام، لأنّها وسيلتهما الوحيدة للسلطة.

كما يتجلّى التشابه بين الطرفين (أي البعث والإخوان) بكيفيّة قراءتهم للصراع في سوريا، ففي خطاب الإخوان يبدو واضحاً تداخل الطائفي بالوطني ومدى تجيير الانتفاضة للخارج. وقد اتضح هذا في كلام الشقفة الذي قال لصحيفة جمهورية التركية “سنكسر العمودَ الفقريّ للهلال الشيعيّ” [16]، وقال في حوار تلفزيوني: “مإلنا علاقة بلواء الاسكندرون…من قال إنّه سوريّ؟” [17]، رغم أن المعارضة بقيت عقوداً تعيّر السلطات بتخليها عنه. لنكون أمام نموذج سلطة بديلة لا تختلف عن البعث بشيء، ولهذا يبدو الصراع بين الطرفين على كيفية الإمساك بمفاتيح السلطة، في حين أنّ هدف الانتفاضة السورية يتمثّل ببناء الدولة الوطنية التي يدمّرها الطرفان، والتي تكون فيها السلطة مجرّد ناتج طبيعي من منتجات العملية الديمقراطية العميقة.

يبدو أحياناّ أنّه من حسن حظ السوريين أنّ زمن الانتفاضة السورية قد طال كثيراً رغم كلّ القتل والدمار. فقد أدّى طول المسار هذا لانكشاف الإخوان ومن يتبعهم، معطوفاً على تجاربهم في مصر وتونس حيث تخلّوا بعد وصولهم الحكم بسرعة البرق عما قالوه أثناء الانتفاضات، ليحصد إخوان سوريا الثمن مضاعفاً. ولهذا لم يعد أمامهم في سوريا سوى الوصول إلى السلطة بقوّة السلاح أو على العكس الاعتراف بحجمهم الواقعي. فأيّ طريقٍ سيسلكون؟

* كاتب ومناضل سوري

[1] فترة حوار سياسيّ ومدنيّ منفتح في سوريا بدأت في 17/7/2000 عند وصول بشّار الأسد إلى الحكم وانتهت في 17/2/2001 مع تجميد نشاطات المنتديات الفكريّة والاجتماعيّة واعتقال الناشطين.

[2] وثيقة وقعت عليها عام 2005 أحزاب سياسيّة وشخصيّات بارزة من المجتمع المدني والإسلاميين والليبراليين، دعت إلى توحيد صفّ المعارضة لانتقال تدريجي نحو نظام ديموقراطي.

[3] انتفاضة شعبيّة في القامشلي ومدن أخرى، بعد سقوط قتلى على يد قوى الأمن بعد أحداث شغب جرت نتيجة لعبة كرة قدم.

[4] نهاية التمرّد المسلّح للإخوان وطليعتهم المقاتلة مع مجزرة حماة.

[5] http://www.ikhwansyria.com/

[6] “أولاد الحرام لم يتركوا شيئا لأولاد الحلال”، حوار مع المعارض حازم نهار أجراه محمد ديبو، موقع مراسلون، تاريخ: 18/12/2012. http://www.correspondents.org/ar/no…

[7] محمد سيّد رصاص: مأزق جماعة الإخوان المسلمين في سوريا”، الحياة، ٢٩/4/٢٠١٣، http://alhayat.com/Details/507933

[8] يوسف شيخو: “موسم الهجوم على إخوان سوريا”، الأخبار اللبنانية، العدد ١٩٧٦، ١٠/4/٢٠١٣، http://www.al-akhbar.com/node/180951

[9] محمد سيد رصاص، مرجع مذكور.

[10] “الإخوان المسلمون لـ «الشرق الأوسط»: أنشأنا كتائب مسلحة للدفاع عن النفس وعن المظلومين”، بولا أسطيح، الشرق الأوسط، 5/8/2012 العدد 12304، http://www.aawsat.com/details.asp?s…

[11] “الشقفة: ليس هناك تنظيم مسلح لإخوان سوريا”، حوار مع المراقب العام للإخوان في سوريا محمد رياض الشقفة أجراه أحمد دعدوش، الجزيرة نت، الأربعاء 10/4/2013، الرابط: http://www.aljazeera.net/news/pages…

[12] الأسعد: سلاحنا يكفي بالكاد لحرب عصابات… وأداء المجلس الوطنيّ انعكس علينا، الحياة، 30/3/2012.

[13] يزيد صايغ، “الاختبارات المقبلة للمعارضة السوريّة”، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تاريخ 19/4/2012، http://carnegieendowment.org/

[14] للاطلاع على المزيد يمكن قراءة بيان القيادة المشتركة للجيش الحر الموقع باسم المتحدث الإعلامي فهد المصري على هذا الرابط: http://www.all4syria.info/Archive/76815 ورد الإخوان على هذا الرابط: http://www.ikhwansyria.com/Portals/…

[15] منظّمة سلفيّة جهاديّة تشّكلت أواخر سنة 2011، نمت بسرعة كي تصبح أهمّ قوّة عسكريّة في وجه النظام السوري. وضعتها الولايات المتحدة على قائمة الإرهاب في الوقت الذي اعترفت به بالائتلاف السوري المعارض.

[16] صحيفة النهار الكويتيّة، 20/9/2012.

[17] حوار مع زينة اليازجي، قناة دبي الفضائيّة،

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

ملحوظة

ترَكَ اللّصُّ لنـا ملحوظَـةً 

فَـوقَ الحَصيرْ

جاءَ فيها : 

لَعَـنَ اللّهُ الأمـير 

لمْ يَـدَعْ شيئاً لنا نسْرِقَـهُ

.. إلاَّ الشّخـيرْ !

 
Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

سياف الزهور- الخد الأيسر

يتركون لنا بقايات الشمس لندفأ

بقايا الموائد لنأكل

بقايا الليل لننام

بقايا الفجر لنستيقظ

بقايا الموسيقى لنسمع

بقايا الأرصفة لنمشي

بقايا الأصابع لنكتب

ثم يتركون لنا الوطن من المحيط إلى الخليج، لنقاتل ونموت من أجله.

***

بكوفيّتي البيضاء كإعرابي

ومعلّقاتي السبع كجاهلي

وسفني الجوابة كفينيقي

… بأظافري الطويلة والمهملة كأعشاب الخرائب

ونظراتي التائهة كطيور الغروب

أريد ثمن الهوان القديم من الألف إلى الياء

ثمن كل إطراقة في المطار

وهلع وامتقاع وجه على الحدود

وصرخة أواهة في غرف التحقيق

وكل صورة كاريكاتورية لأي إعرابي على جمله في صحف الغرب

ثمن كل عصفور خرج من سماء الوطن ولم يعد

وكل سنونو عاد إليها ، وانقطعت أخباره

وثمن الدموع التي تعفنت في موانئها ومجاريها، لأن أحداً لا يسمح لها بالعبور أبداً خارج القصيدة، أو اللوحة، أو مغلفات الرسائل، أو الاختلاط بأي نوع من أنواع الدموع في العالم، كانها دموع موبوءة، أو تحت الوصاية،…

أو آلام من الدرجة الثانية.

ولذلك لن نذرفها بعد الآن على الأغاني العاطفية، والأفلام والمسلسلات العربية والمكسيكية، بل سنذرفها في المغاسل، في زجاجات وأكياس خاصة، ونلقي بها خلسة في الحاويات والآبار البعيدة، للحفاظ على قيمتها ورفع مستواها، كما تفعل أمريكا عندما تلقي بملايين الأطنان من القمح في أعماق البحار والمحيطات كل عام، للحفاظ على مستوى الأسعار، ومستوى الجوع في العالم…

***

كما أريد حصتي من الشمس والقمر والنجوم، والشروق والغروب..

من الحقول والسهول، والجبال والوديان، والحرّ والقرّ والمناخ المعتدل…

والأنهار والسواقي والينابيع…

والسفن والأمواج والرياح، وذرى الأمواج وقاع المحيطات…

من الكهوف والمغاور، والأوابد الأثرية، والموقع الاستراتيجي، وملتقى الأقوام والحضارات…

من الأبجدية والدولاب، والحدائق المعلقة إلى الأبد كدموع التماثيل.

والجسور والمنعطفات، والساحات، والعَرَصَات، والجدران والسطوح والميازيب…

من البرق والرعد والصواعق وأغاني الرعاة والصيادين والملاحين …

من الغسق والضحى

من الربيع والخريف

من السيول والحرائق والفياضانات

من الماضي ، والحاضر، والمستقبل…

أريد حصتي ، حتى من التصحّر وتلوّث البيئة !!

***

ولن أقبل أبداً ببضع قطرات من الدم على محرمتي كل صباح مثل شوبان…

أو زمهرير وجورب في كل يد، وضحكة بلهاء تحت الجسور مثل موزارت…

أو ساق مبتورة وضماد يغطيه القمل وسلاسل العبيد مثل رامبو…

أو بضع نوبات من الصرع أو الجنون مثل نيتشه أو دوستويفسكي…

أو عاهرة، وأذن مقطوعة، وباقة من أزهار عباد الشمس، وفراش عتيق لا يكاد يلحظه أحد في “مصح عقلي” مثل فان كوخ…

***

أما: راتب شهري… راتب تقاعدي… تعويض عائلي؟

مكافأة أسبوعية… سنوية؟

فهذا لا يعنيني أبداً …

فأنا لست رجل شهور وأسابيع وسنوات… بل رجل قرون ودهور وأجيال..

منذ سبعة آلاف سنة، بنيت الأهرامات، ونقلت حجارتها على ظهري من أسوان إلى الجيزة، تحت لسع السياط وحريق الهاجرة،. والآن أتألم، وأشكو ضآلة الأجر وسوء المعاملة!!

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

الوطن ليس أرض وذكريات.. بل إنّه الإنسان!! 3

في حلب الأمر يختلف ولو قليلا، فلتلك المدينة عراقتها في استقبال الضيوف، ومعروف عن الحلبيين آدابهم في التعامل مع الغرباء.

أحبّ حلب؛ وحبي لتلك المدينة قد يدفعني للإنحياز لها! أحبّ حلب لأنها علّمتني وشهدت قصة عشقي!

تخرجت من كليّة الطب في جامعتها، عشقت وتزوجت أحد أبنائها ومازال ذلك العشق يلامس شغاف قلبي!

كان مشفى حلب الجامعي، المشفى الذي تدّربت فيه خلال سنوات دراستي الأخيرة، كان قبلتنا الأولى.

استقبلنا رئيس الأطباء الدكتور علي في مكتبه، ورغم برودة الإستقبال ومحاولة، بريئة أو متعمّدة، منه للإستخفاف بالأمر لايسعني إلاّ أن أعترف بأنه أفضل من غيره، فعلى الأقلّ كلّف إحدى الممرضات بمساعدتنا للقيام بمهمّتنا!

تقدمت منه بهديّة حملتها معي من الجامعة التي أوفدتنا وهي عبارة عن مرجع في الصحّة النفسيّة حديث التأليف والطبع، وهو مقرّر دراسي في الجامعة نفسها. وضعت الكتاب على طاولة مكتبه وقلت إنّه هديّة مني إلى مكتبة المشفى. لم يردّ بكلمة واحدة ولم تلمس يده الكتاب! منذ تلك اللّحظة وأنا أفكر بتصرّفه!

روودلف جولياني الذي كان عمدة مدينة نيويورك أثناء أحداث أيلول الإرهابية ألّف كتابا بعنوان” القيادة” جاء فيه:

“لاتستطيع كقائد أن تتجنّب الكوارث الكبيرة إلاّ اذا ركّزت اهتمامك على الأمور الصغيرة”!

لاأحد ينكر أنّ الوطن يعيش كارثة حقيقة في كلّ جوانب الحياة، ولكن لاأحد ينتبه إلى خطورة الأمور التي تبدو صغيرة، بل صغيرة للغاية!

غياب الحسّ العام، أو الذوق العام، ـ إذا صح التعبير ـ عند المواطن العادي كارثة قادت إلى كلّ الكوارث!

انهيار الآداب العامة المسؤولة عن تنظيم العلاقات الإحتماعية أدى بدوره إلى انهيار المجتمع كنسيج اجتماعي يمسك في لحمته ناس ذلك المجتمع.

كيف سنسعى لحلّ المشاكل الكبيرة والكثيرة، التي لمستها وسأكتب عنها لاحقا، في ذلك المشفى إذا كان رئيس الأطباء فيه عاجزا أدبيّا على أن يتفوّه بكلمة شكر عندما تقدّم إحدى زميلاته هديّة له، بغض النظر عن قيمة تلك الهديّة؟!

********

اخترنا العيادات الخارجيّة لتكون موضع دراستنا.

لقد ظننت وأنا أمرّ في الدهاليز الضيّقة الممتدة أمامها أنني في يوم الحشر!

عدد المتواجدين يفوق بالمئات عدد المرضى، فلقد رافق كلّ مريض عشرة على الأقلّ من عائلته أو قريته أو قبيلته. ولا تجد تفسيرا لتلك الظاهرة إلاّ ضعف ثقة المريض وذوويه بالمشفى وكادره الطبيّ.

تتكوّن لديهم، وكنتيجة حتميّة لسوء سمعة المشافي الحكوميّة، قناعة بأن مرافقة المريض تخفف من حدّة ألمه النفسي الناجم عن اضطراره للجوء إلى ذلك المشفى المخزي! وممّا ساهم في ازدياد الوضع سوءا قيام عدد لابأس به من أهالي المرضى بالتدخين غير مكتريثين، أو متناسين أنهم في مشفى!

وتعود القضيّة، قضيّة غياب الحسّ العام، لتفسّر لي هذه الظاهرة المرفوضة أخلاقيّا!!

كانت العيادة العينيّة من نصيبنا. وقفنا على الباب مع الممرضة المرشدة دقائق خلتها ساعات، كان لطم المرضى وذوويهم ودفشهم يأتينا من كل حدب وصوب!

تدخّلت القدرة الإلهيّة مرّة أخرى لنجد أنفسنا داخل الغرفة. ومهما حاولت سأجد نفسي عاجزة عن وصف مايدور بداخلها!

اختلط الحابل بالنابل، لاتعرف الطبيب من المريض من الممرّضة!

الغرفة لاتتجاوز بمساحتها مساحة غرقة عاديّة في أيّ بيت، نصبت فيها أربع طاولات بأربع منظارات لفحص العين، وخلف كلّ منظار يجلس طبيب وقبالته مريض. الداخل اليها مفقود والخارج منها مولود! والباب باستمرار يغلق ويفتح دون أي محاولة لتنظيم عمليّة الدخول والخروج، كأن يتّم ادخال أربعة مرضى في آن واحد وإخراجهم في آن واحد كي يتوفر الهدوء اللازم أثناء عمليّة الفحص الطبيّ!

هل نحتاج إلى عالم صواريخ كي ينظّم لنا العيادة العينيّة في مشفى حلب الجامعي؟!!

طبعا لا!!

كلّ مانحتاج اليه زرع الحسّ العام في ضمير المواطن طبيبا كان أم مريضا أم ممرضة!!

إذا الأزمة ليست أزمة تكنولوجيا، إنّها أزمة ذوق وحسّ وأخلاق!!

*********

موضوع النظافة قضيّة أخلاقيّة أخرى أثارت انتباهي في كلّ المشافي التي زرتها، ناهيك عن المرافق العامة الأخرى!

كنت أناقش هذا الموضوع في غرفة الممرضات في أحد المشافي الجامعيّة التي زرناها، فأطلعتنا إحداهن على قصّة حدثت في الصيف الماضي في غرفة عمليّات المشفى.

نقلت إلى الغرفة سائحة فرنسيّة كانت قد تعرّضت لحادث سيارة وأصيبت بعدّة كسور. أثناء تحضيرها للعمل الجراحي قامت الممرضة المسؤولة باستخدام “بيف باف” البخاخ المضاد للذباب، ورشّه فوق طاولة العمليّات في محاولة للحدّ من الذباب الطائر. تنبّهت المريضة الفرنسيّة للوضع فقفزت من على الطاولة ورفضت أيّ إجراء جراحي واتصلت بسفارتها لتنقلها بالسرعة القصوى إلى بلدها.

عامل التنظيفات في سوريّا وزير!

استلم المنصب عن طريق الإلتماس والواسطة، الأمر الذي يولّد لديه إحساسا بأنه مخلوق مهّم للغاية! ذلك الإحساس الذي يخفف بالمقابل إحساسا مناقضا آخر يشعره بضآلة العمل الذي يقوم به!

الأعراف العربيّة لاتحترم المهن، وايجاد معنى كلمة “مهنة” في قاموس اللغة العربيّة يطلعك على حقيقة الأمر! ناهيك عن مهنة “عامل تنظيفات” التي تزيد الطين بلّة!

*********

أذكر ماحدث مؤخرا، دعتنى المدرسة التي تلتحق بها ابنتي لحفل عشاء ستوزع فيه الجوائز على فريق كرّة السلة الفائز بالمباراة النهائيّة لهذا الموسم، باعتبار ابنتي لاعبة فيه.

مدرّب فريق المدرسة كان عريف الحفل. في البداية رحب بالطلاب والآهالي ثم أعلن وجود ضيفيّ شرف يجلسان معا على طاولة واحدة، ورحب بهما ترحيبا خاصا، هما مدير المدرسة وعامل التنظيفات، مثنيا بشكل خاص على الآخر ومصرا على أنّه لعب الدور الأكبر في فوز الفريق، لأنّه كان يبقى بعد انتهاء الدوام كي يتأكد من نظافة الملعب قبل بدء التدريب.

ذكّرني هذا الترحيب بالطريقة التي نتعامل فيها مع هذا النوع من المهن، والثمن الذي ندفعه بسبب تلك الطريقة!

لانحتاج إلى عالم صواريخ كي نحلّ قضيّة النظافة في بلادنا، بل نحتاج إلى إعادة النظر في قواميسنا!

نحتاج إلى رفع مستوى الحسّ العام لدى انسان الوطن، كي يعتني بنظافة ذلك الوطن ويحترم عامل تنظيفاته!

*********

أذكر قصّة قرأتها مرّة بالإنكليزيّة. قصّة ذات مغزى عميق تقول:

اختلفت أعضاء الجسم الواحد فيما بينها، كلّ عضو يدّعي أنّه الأهمّ.

صاحت العين: أنا التي تبصر كل شيء ولولاي لأصبحت حياتكم ظلاما!

اعترضت اليدّ: أنا أقوم بكلّ عمل تحتاجون اليه، ولولاي لعجزتم عن انجاز أيّ شيء.

فردّ الفمّ: أنا الذي أمضغ الطعام وأزوّد به الجسم، ولو لم أتفضّل عليكم بعملي هذا لكان الموت نصيبكم!

ثار الدماغ غضبا: يبدو أنكم جميعا قد نسيتم أو تناسيتم أنني الآمر الناهي، ولولاي لم استطاع أحد منكم أن يقوم بوظيفته!

كانت الشرج تصغي إلى جدلهم وانتظرت بصبر حتى جاء دورها: ولكنني أنا الذي أقوم بأهم الأدوار، ولولاي لقتلتكم فضلاتكم وسمومكم!

غرق الجميع في نوبة ضحك مستهزئين، صائحين: اخرسي أيّتها الحمقاء! لقد أعمتنا رائحتك!

حزنت الشرج وقررت أن تلقّنهم درسا لن ينسوه.

شدّت حزامها وتوقّفت عن عمليّات الصرف التي كانت في العادة تقوم بها.

وما هي إلاّ ساعات معدودات حتى خارت قوى الجسم وأشرف على الهلاك، فصاحت أعضائه مستجيرة: نتوسّل اليك أيتها العزيزة أن تتوقّفي عن الإضراب وتعودي إلى عملك المشرّف، فلولاك لن يكتب لأحد فينا الحياة!

بهذه القصص يزرعون الحسّ العام في نفوس أولادهم، وبقواميسنا وكتبنا المليئة بالخزعبلات نقتل هذا الحس في نفوس الأجيال!

متى ننتبه أن جسدنا قد أشرف على الهلاك فنصيح جميعنا: لكلّ واحد فينا اعتبار!

متى يدرك رئيس الأطباء في كلّ مشفى من مشافينا أنّه ليس أهمّ من عامل التنظيفات!

*********

في حلب استضافتنا عائلة مسلمة متديّنة. وكانت ضيافة في منتهى الأدب والكرم.

والغريب في الأمر أن جميع أفراد تلك العائلة يعرفون طبيعة كتاباتي ويطلعون يوميا على موقعي الإلكتروني.

في البداية ترددت في قبول ضيافتهم، لاخوفا وإنّما تجنبا لأيّ احراج لي ولهم، ولكن ربّ العائلة، والذي تربطه بزوجي علاقات اخويّة وصداقة حميمة، أصرّ وزوجته على استضافتنا بعناد ورحابة صدر كان من الصعب عليّ أن أقاومهما.

لديه ولدان في عمر المراهقة طلبا مني أن أجيبها على بعض الأسئلة التي تتعلق بكتاباتي في حضور والديهما.

لم يمانع الوالدان رغم أنني أكّدت لهما عدم قدرتي على جواب ناقص مبتور ولا أستطيع أن أواري رسالتي التي أحملها خلف عبارات غير واضحة أو صريحة في محاولة لتجنيبهم الإحراج.

فاجأني أحد اليافعين بسؤال ينمّ عن براءة طفوليّة نقيّة:

خالة! عندما تنظرين إلى الكعبة في موسم الحج وترين حوالي مليوني بني آدم يدورون حولها بخشوع وايمان ألا يساورك شكّ بأن ماتكتبيه عن المسلمين ليس صحيحا؟ هل يعقل أن يكون بليون مسلم على خطأ وأنت على صح؟!!

– يابنيّ أريدك أن تعرف أن المواجهة ليست بيني وبين بليون مسلم. المواجهة بيني وبين التعاليم الإسلاميّة.

لاتستمد أيّة فكرة مصداقيتها من عدد الناس المؤمنين بها، بل من الأثر الإيجابي الذي تتركه في حياة هؤلاء الناس.

عندما يؤمن بليون شخص بفكرة خاطئة لايعني هذا أنّها فكرة صحيحة. وحده الأثر الذي تركته في حياتهم يثبت مصداقيّتها أو بطلانها.

المسيحيون أكثر عددا من المسلميين. البوذيون والهندوس أكثر عددا من المسلمين. لماذا إذا لاتعيدون النظر في عقيدتكم طالما نقيّم مصداقيّة العقيدة من عدد الناس المؤمنين بها؟!!

لو اقتنع العلماء بمصداقيّة بعض الأفكار من خلال عدد الناس الذين يؤمنون بها ورفضوا أن يشكّوا بها أو أن يسعوا إلى دحضها لظلّ العالم غارق حتّى اليوم في بحر الجهل والظلمات.

ارسطو فيلسوف يوناني مازال العالم مدين له بالكثيرمن الحكمة والفلسفة. كان يعتقد أن الإنسان يولد من نطفة الرجل، وهذه النطفة، منذ البدء، تكون على شكل انسان متناهي في الصغر. عندما يزرع الرجل نطفته في رحم المرأة يبدأ هذا الإنسان “القزم” بالنمو حتى يصبح جنينا كاملا.

ظلّ الناس على مرّ الأزمان والعصور يؤمنون بتلك الفكرة حتى جاء القرن التاسع عشر باكتشافاته العلميّة المذهلة، والمجهر الإلكتروني إحداها، فدحض تلك الفكرة وأقام محلّّها علما مستقلا كاملا يدرس التكاثر والوراثة والصبغيات ودور الذكر والأنثى على حدّ سواء في تلك الظاهرة الطبيعيّة.

حتى عصر غاليلو كان البشر أجمعين يؤمنون بأن الأرض ثابتة وهي مركز الكون. لماذا لم ُيثبت عدد هؤلاء البشر مصداقيّة تلك الفكرة. هل بإمكانك أن تتصور لو اقتنع غاليلو بتلك الفكرة من خلاله عدد الناس المؤمنين بها أين كانت البشريّة الأن؟!!

شخص واحد غيّر خارطة الكون عندما أثبت خطأ ملايين الأشخاص!

علماء الفضاء اليوم، وبناء على أعمال غاليلو وغيره من العلماء، يحرّكون بأياديهم من على سطح الأرض مركبة الفضاء وهي جاثمة على سطح المريخ!

علماء ناسا الأمريكيّون يطلقون صواريخ لتفتيت المذنّبات وهي في الفضاء بينما “علماء” المسلميين ينزوون في مساجدهم مقتنعين: ” وجعلناها رجوما للشياطين”!

فقرهم الفلسفي والعلمي المدقع يحوّل كلّ حوار معهم إلى جدل عقيم لاطائل منه.

عندما يجادلك بليون شخص بالمعجزات العلميّة التي تحدّث عنها القرآن لايستطيعون أن يثبتوا صحّة ادعاءاتهم.

بليون انسان يؤمنون بأنّ الله قد فرش الأرض كالبساط لايستطيعون أن يدحضوا الحقيقة العلميّة التي تثبت بأنّ الأرض كرويّة.

تقول لهم الأرض كرويّة والقرآن يقول: بسطناها؟

فيردون: القضيّة هنا لغويّة بحتة! كلمة بسطناها تعني جعلناها كرويّة!

تقول لهم: بطة!

يقولون: بل عنزة ولو طارت!

************

ما يسعدني هو أن الجيل الشاب بدأ يقرأني. في البداية ليس مهما بالنسبة لي أن يقتنع بما أكتب.

أول دليل على تأثرهم بكتاباتي طرحهم لأسئلتهم.

عندما يطرح الإنسان سؤالا يؤكّد أنه بدأ يستوعب ما يقرأ.

الأسئلة التي تصلني من الجيل الشاب تفائلني رغم أنها قد تعطي انطباعا برفضه لما يقرأ، لكنّه انطباع خاطئ فالشكّ بداية المعرفة والسؤال أول خطوة في طريق الإستيعاب والفهم.

شابة مسلمة في السادسة عشر من عمرها كتبت لي بعد قرائتها لموقعي مستفسرة: لماذا خلقني الله انثى في مجتمع يحتقر الأنثى؟!!

رغم أهميّة جوابي مازلت مقتنعة بأن السؤال أهم منه.

طرحها لهذا السؤال يؤكّد لي أنها بدأت تستوعب المشكلة التي تعيشها كأنثى في مجتمعها.

ومتى أدركت الأنثى بأنها تعيش مشكلة ستسعى حكما لإيجاد حل لمشكلتها.

الإعتراف بالمشكلة، وعلى حد قول عالم النفس الأمريكي فيل ميك غرو، هو نصف الحل!

بل هو النصف الأول والأكثر أهميّة، وجوابي، إن أجدته، سيكون النصف الآخر!

***********

في اليوم الثالث والأخير لتواجدنا في حلب قمنا بزيارة بعض الأماكن الأثريّة كالمتحف الوطني وقلعة حلب وبعض القرى المحيطة بالمدينة والتي تتميّز ببيوتها المقببّة والمصنوعة من الطين.

أثناء تجوالنا في شوارع المدينة صادف مرورنا من جانب جامع الرحمن في حيّ السبيل. منظر قبّته من الخارج يشدّك للدخول إليه.

بدأ بناء هذا الجامع ـ على ماأذكر ـ في أواسط السبعينات ولا أعتقد أنّهم انتهوا من بنائه حتى الآن، هذا ماتدلّ عليه بعض ورشات العمل التي رأيناها حوله.

سألنا الحارس إذا كان بإمكاننا الدخول فوافق شرط أن نغطي رؤوسنا. في الجامع لايوجد أغطية للرأس فاضطررنا أن نخلع معاطفنا ونتبرقع بها.

على باب الجامع علّقت لوحة كبيرة ُكتب عليها: ” احذروا سارقي الأحذية”. فحملنا أحذيتنا ودخلنا بها.

داخل البهو وقفنا مذهولين من التصميم الرائع للقبة التي تحيط به!

لايمتلكني أدنى شكّ بأن كلّ سنتيمتر مربع فيه قد كلّف وقتا ومالا يكفيان لبناء عيادة في أحد أحياء حلب الفقيرة، إذا أخذنا بعين الإعتبار السرقات التي “شفطها” القائمون على بنائه وعلى مدى قرابة ثلاثين عاما.

في البداية، وكنت يومها طالبة في كليّة الطب، أكّدت الإشاعات إن التبرعات التي انهالت من السعوديّة لبناء الجوامع ستتكفّل بالنفقات اللازمة لبناء هذا الجامع.

ومن تلك الجوامع انطلقت حملات “التثقيف والتنوير” على الطريقة الوهابيّة!

بدأ الضخ السعودي يحقن الأموال داخل جيوب الأغنياء والسموم داخل عقول الفقراء.

أتخموا بعض الجيوب وسمّموا معظم العقول!

الفقر يبيض جرائما ويفقّس مجرمين، وتكبر الطامة عندما يغسل الدين عقول الفقراء ويقنعهم بأنّ فقرهم هو الضمان الوحيد لدخولهم الجنّة، “ودخلت على أهل الجنّة فوجدت أكثرهم فقراء” ـ حديث نبوي ـ

عقول مسمّمة وأقدام حافية، ولذلك يأتون إلى الجامع ولايتورّعون عن سرقة الأحذية!

عندما يتزاوج الفقر والدين ينجبان تربة خصبة للإرهاب، الأول يسلب الأخلاق والثاني يسلب العقل والإرادة.

وعندما يكون الموجّه الأساسي طغمة مهووسة بالمال والجاه يكتمل الثالوث “المقدس” اللازم لتمرير المخطط!

أغنياء الإسلام مدججين بالأموال السعوديّة استطاعوا أن يقودوا فقراءه من خلال عقيدة إرهابيّة لتنفيذ كلّ مخططاتهم.

أضرب مثلا المنظمات الفلسطينيّة الدينيّة: زعماؤها أغرقوا البنوك الأوربيّة والأمريكيّة بأموالهم واعتمدوا لإنجاز مهمّتهم على شريحة عريضة من أفقر فقراء الأرض وعلى آيات وأحاديث تبارك تلك المهمّة!

إذا الإرهاب يقوم على دعائم ثلاث:

أقليّة فاحشة في غناها، أغلبية غارقة في فقرها، وتعاليم دينيّة موغلة في إرهابها!

استمرار تلك العلاقة الثلاثيّة المنحى يضمن استمرار تلك التركيبة، والحل الوحيد يكمن في قطع تلك الحلقات.

جرّدوا هؤلاء البدوان من أموالهم الهائلة وغير المشروعة، اغسلوا فقر الطبقة العريضة وأمنّوا للناس مستوى مقبولا من حياة كريمة!

احموا الأجيال الجديدة والفتيّة من تعاليم ارهابيّة وأقيموا نظاماً تعليمياً تربوياً يغرس المبادئ الإنسانيّة والأخلاقية والعلميّة في عقولها ونفوسها تقضوا على الإرهاب قضاء مبرما!

كتب مرّة صحفي أمريكي يقول:

عندما رأيت بأمّ عيني مجموعة من الأطفال الفلسطينيّين ينتظرون شاحنات القمامة الإسرائيليّة لتفريغ حمولتها في منطقة نائيّة ثم يركضون باتجاهها للبحث بين محتوياتها عن قوت يومهم، عندما رأيت هذا المشهد أدركت كيف تستطيع أن ُتقنع طفلا فلسطينيّا بأن يفجّر نفسه بعد أن كان هذا الأمر أكبر من قدرتي على ادراكه!

لقد أدركت ما أدركه هذا الصحفي، ولكن ادراكي لم يكتمل إلاّ عندما وافتنا محطات الأخبار بنبأ تجميد بريطانيا لأموال السيّد الريستيني زعيم حماس وذلك قبيل مقتله بمدّة قصيرة.

تحتاج إلى طفل ينبش طعامه من أكوام القمامة كي تصنع ارهابيا، هذا صحيح!

ولكننا نحتاج أيضا إلى زعيم متخوم بالعملة كي يصنع ذلك الإرهابي!

ونحتاج إيضا إلى فكر ارهابيّ كأداة يستخدمها هذا الصانع كي يتمكّن من انجاز عمله.

**********

في حلب وبعد زيارتي لجامع الرحمن تساءلت: كيف نتغاضى عن هدر ملايين الدولارات كي ننشئَ جامعا، لا يطعم جائعا ولا يغني عقلا ولا يعالج مريضا ولا ينصف مظلوما؛ بينما على بعد ثلاثة أميال حيث يقوم مشفى حلب الجامعي، نواجه كارثة انسانيّة وصحيّة قد يكفي للتخفيف منها ثمن سجادة واحدة في هذا الجامع، ناهيك عن كلفة حيطانه وسقفه وأرضيّته وعن الأموال التي صُبّت في جيوب القائمين عليه؟!!

هل يطلب الله سجادا وحيطانا مزركشة بالفسيفساء وسقوفا تتدلى منهما أغلى أنواع الثريّات كي يقبل صلواتنا! كم هو أنانيّ هذا الله؟!!

نحتاج إلى محاكمته قبل أن نحاكم القائمين على هذا البناء!

للحديث صلة.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

الوطن ليس أرض وذكريات… بل إنّه الإنسان!! 2

على هامش المهمّة العلميّة كانت لاسلي تهيم في واد وأنا أهيم في واد آخر، استهوتها المواقع التاريخيّة وما أكثرها وأجملها في سوريّا!

كانت تنط لدى وصول سيارتنا إلى الموقع من مكان إلى مكان، تصوّب عدسة كاميرتها على نقاط لاتخطر ببال أحد!

كأن تلتقط صورة لزهرة من شقائق النعمان التي بزغت من بين صخور جدار عال في قلعة المرقب، أو تتسلل ببطء لتلتقط صورة لجربوع صغير يمد رأسه من سقف إحدى الغرف في قلعة حلب! ومرافقنا يهزّ رأسه مستغربا: هؤلاء الأمريكان ناس مجانين!

طبعا، ياصاحبي، مجانين! لو لم يكونوا مجانين لما وصلوا إلى سطح المريخ!

ولو لم تكونوا أنتم علماء، أمّة كلها من العلماء، لما توصّلتم إلى الحقيقة العلميّة “الدامغة” التي تقول: أكثر أهل النار نساء!!

رئيس الأطباء في مشفى حلب الجامعي الدكتور علي، لم يكن أقلّ استغراباً من مرافقنا عندما شرحت له طبيعة مهمّتنا قال: غريبون هؤلاء الأمريكيون! ألم يعد لديهم هم آخر سوى البحث في تأثير العادات والتقاليد على العلاقة بين الطبيب والمريض؟!

لم يكن الطبيب الوحيد الذي أصابني استقباله لنا بخيبة أمل، فالطاقم الطّبي في سوريّا، وخصوصا من ارتضى منه أن يدوس على شرفه المهني مقابل مناصب اداريّة غير مشرّفة، هذا الطاقم، وباستثناء قلة قليلة ، لايبعث على التفاؤل!

هذا أهذب مايمكن أن أقوله بحقّ هؤلاء الأطباء!

استطلاع رأي سريع ومقتضب للمرضى المحشورين كالسردين في الداهاليز الضيّقة والطويلة أمام العيادات الخارجيّة في المشافي الجامعيّة يعطيك فكرة واضحة عن المستوى الأخلاقي المتردّي الذي انحدر إليه هؤلاء الأطباء!

أتساءل: ما السبب وراء ذلك الإنحدار؟!

ومع محاولة البحث عن السبب أجد نفسي في واد آخر بعيد جدا عن الوادي التي راحت لاسلي تنطّ فيه!

لن يحيى مريض في أمّة يموت ضمير أطبائها!

******

أمّا في اللاذقيّة فضمير أغلب الناس هناك موضع تساؤل !

مدينة من أغرب مدن العالم وأكثرها إثارة للسؤال!

التركيبة الطائفيّة لتلك المدينة وظروفها السياسيّة والتاريخيّة والإقتصاديّة لعبت دورا كبيرا في تشويها!

كونها مسقط رأس العائلة الحاكمة في سوريا جعل منها حماما لايملك صنبورا للماء ولا طشطا ولا طاسة، والكلّ فيه عراة يتزاحمون ويتصارعون على قطرة ماء!

هجم الريف، والذي يتشكّل معظمه من أبناء الطائفة العلويّة، إلى وسط المدينة وأطرافها فأحالوا تلك المدينة الصغيرة والجميلة إلى قرية كبيرة وقبيحة!

الظلم والإضهاد اللذان عاشتهما الطائفة العلويّة عبر التاريخ، ورغم محاولات كثيرة لطمس الحقائق، لايحتاج إلى برهان.

أول خازوق أخترعته البشريّة جرّبته في مؤخراتهم، كان ذلك على يدّ السلطان عبد الحميد (رضي الله عنه)!

حاصرهم القتل والتشريد الذي مورس عليهم من قبل أهل السنّة في وديان السلسلة الجبليّة الممتدة على الساحل السوري فعشعشوا في أحراشها هربا من الفتك والبطش.

اتهموا بالكفر وحوكموا بالقتل، سرقت مواشيهم ومحاصيلهم وانتهكت أعراضهم على مرأى ومسمع من كلّ الزعامات والحكومات التي توالت على مدى التاريخ.

توارثوا الجبن والإحساس بالظلم في جيناتهم، والمظلوم، كما يؤكّد علم النفس والسلوك، يميل لأن يكون ظالما في أول فرصة سانحة يمنحها له القدر.

عندما قفز حافظ الأسد في غفلة عن الأكثريّة السنيّة الساحقة على ظهر الحكم، وهو واحد منهم، ظن العلويون أنّه المهدي المنتظر جاء ليخلصهم من كابوس السنة الذي خيّم عليهم دهورا.

عالجوا الخطأ بخطأ أشنع منه! ظنّ كلّ واحد من ضعاف النفوس في تلك الطائفة أنّه صار رئيسا أو على الأقل مسؤولا، والرئيس في مفاهيمنا لايميّز نفسه بمسؤولياته بل بامتيازاته. خرّبت تلك الإمتيازات التي منحت لقلّة قليلة منهم جيلا بكامله من أبناء تلك الطائفة!

كانت السيارات العسكريّة التابعة لسرايا الدفاع، المملوكة يومها من قبل رفعت الأسد تدور على أحياء العلويين وقراهم وتذيع بالميكرفونات محرّضة الشباب اليافع من حملة الشهادة الإعدادية للإلتحاق بالسرايا مقابل راتب مقدارة ثلاثة آلاف ليرة سوريّة يوم كان راتب مدرّس في الجامعة أو طبيب، كأعلى راتب في المجتمع، لايتجاوز ألف وخمسمائة ليرة!

تعسكرت القوى الفتيّة في تلك الطائفة، وعندما تعسكر جيلا بكامله تكون قد ساهمت في تجحيشه!

سرحت تلك الفئة “المجحّشة” ومرحت دون حسيب أو رقيب ودون رادع أو وازع!

في كلّ بلد عربيّ أو اسلامي وعبر أيّ زمن هناك قلّة قليلة تحيط بالحاكم وتسرح وتمرح دون حسيب أو رقيب، لكنّ الأمر في سوريّا وفي زمن الأسد يختلف كثيرا. فالعلويون “صوفتهم حمراء” وفوق رمشهم قشة تجعلهم كالشعرة في العجين ليس أسهل من تبيانها!

لايخفى على أحد جرائم صدّام حسين بحقّ العراق والشيعة الطائفة التي تمثّل الأغلبيّة الساحقة هناك، ولكن لاأحد، حتى في الشيعة أنفسهم، يتّهم السنّة بأنّهم مسؤولون عن جرائم صدّام، أمّا في سوريّا، وكما قلـت، كلّ علوي سلطوي حتى ولو تعلّق بحبال الله!

التقيت مرّة وصدفة بأخت وزير الخارجيّة السوري فاروق الشرع هنا في كاليفورنيا. التقينا في المسبح العام للمدينة التي أعيش بها. أنا أنتظر ابنتي وهي تنتظر حفيدتها للإنتهاء من درس السباحة. تعارفنا، وما هي إلاّ دقائق حتى تطرّقنا إلى الوضع في سوريّا لأفاجئ بها تقول: العلويّون خرّبوا البلاد!

سألتها: وما مسؤوليّة أخيك كوزير لأهمّ وزارة في سوريّا؟!

فردّت: لاحول ولا قوّة له! إنّنا محكومون من قبل الطائفة العلويّة!

كان الخازوق الذي دقّه استيلاء الأسد في سوريّا في مؤخرة العلويين أغلظ بكثير من خازوق السلطان عبد الحميد وسيكون أطول عمرا بكثير!

ستدفع الطائفة العلويّة مسؤولية تلك الفئة الضالة منذ الآن وحتّى تقوم الساعة!

منذ بداية عصر النهضة وحتى تاريخ استيلاء الأسد على السلطة وفي السنوات القليلة الأولى من حكمه كانت الطائفة العلويّة تنتج، ورغم كلّ ظروفها الحالكة السواد، تنتج أعلى نسبة في البلد من حملة الشهادات العليا. كانوا، وكعادة معظم الأقليات في أيّ بلد تتواجد فيه، ميالون للعلم كوسيلة وحيدة لإثبات الوجود وتحقيق الذات ودفع الضيم والهرب من براثن الفقر!

هذا من جهة ومن جهة أخرى طبيعة الديانة العلويّة والطريقة التي يمارس العلوي بها دينه تؤّهله لأن يبقى منفتح الذهن على المجتمع المحيط به مهما اختلف مع هذا المجتمع.

الدين في مفهومه يقتصر على العلاقة بين الإنسان وربّه ولا يتدخّل في حياته اليوميّة لذلك ترى العلوي حرا في تعامله مع الحياة، يتفاعل معها بلا قيود وبالتالي يكون مؤهلا للإبداع والعطاء الفكري أكثر، نسبيا، من الطوائف الأخرى في الإسلام.

المهمّ في أواسط الثمانينات عندما اختل توازن القوى بين حافظ وأخيه تمّ حلّ سرايا الدفاع فأطلق سراح تلك العقول الشابة “المتعسكرة” لتجد الشارع مأوى لها!

تحوّلت إلى فئة من اللصوص والمهرّبين وقطاع الطرق والقراصة وازدادت الفوضى بين صفوفها وعمّ الفساد وانتشر ظلمها ليشمل جميع طبقات المجتمع وفئاته. والسلطة متمثلة بعائلة الأسد تأخذ موقع المتفرج اللامبالي طالما هي في مأمن!

لم تكن تلك الفئة الضالة المضللة (بفتح اللام) من الطائفة العلوية الفئة الوحيدة التي أساءت إلى الوطن، فالمسؤولون السنيون المتعاونون مع نظام الحكم العلوي، وما أكثرهم، لم يكونوا أقل فسادا وفوضى، وفضائح عائلة خدّام ومشارقة والشهابي وطلاس لا تخفى على أحد، ولكن السمعة “الممرمغة بالوحل” كانت من نصيب الطائفة العلويّة برمّتها!

وكان للعلويين في مدينة اللاذقيّة من تلك السمعة حصّة الأسد!

انعكست تلك السمعة غير المشرفة سلبا على حياة تلك المدينة بكافة طوائفها! ففي أيّ زمن وفي أيّ بلد، عندما تُظلَم فئة من الناس، سواء كانت أقليّة أم أكثريّة، سيكون البلد بكامله الخاسر الأوّل!

أهملت المرافق العامة وقلّت فرص العمل وقرف الناس وجودهم وحياتهم. ساءت علاقاتهم الإجتماعيّة وبرز نمط من السلوك العام ليميّز معظم سكان تلك المدينة عن غيرهم من سكان المدن السوريّة الأخرى.

قال ابن خلدون: الظلم يسلب الناس أخلاقهم.

ولذلك في مدينة يستشري فيها الظلم تضيع الطاسة بين الظالم والمظلوم ويفقد الكلّ أخلاقهم!

******

أثناء حرب التطهير الطائفي في البوسنا، التقيت برجل بوسني مسلم. دار بيننا حوار عن الوضع في بلاده فقال: “حملات التطهير لم تفاجئني، ولا أعتقد أنها فاجئت أحدا في بلادي، فالحقد على المسلمين كان فظيعا منذ أيام الإحتلال العثماني لبلادنا. وكنتيجة لما فعله العثمانيون من مظالم، وخصوصا ضدّ المسيحييّن، ظلّ هذا الحقد دفينا! ثم تابع:

“الحكم الشيوعي لبلادنا قمع الجميع ولم يسمح للناس بالتعبير عن مشاعرهم الدفينة. خلال تلك الفترة لم يتلاشَ هذا الحقد بل ظلّ كالجمر تحت الرماد. ومع سقوط الشيوعيّة وهبوب أول نسمة للحرية ـ طبعا بمفهومها الفوضوي ـ انفجر هذا الحقد الدفين ليدمّر البلد بكاملها”

الأحقاد الطائفيّة لاتموت. فمهما طال الزمن، وفي حال قمعها وعدم السماح للناس بتفريغها بطرق منطقيّة ومشروعة، سيأتي يوما وتنفجر لتأخذ في طريقها الصالح والطالح!

معروف في الطبّ النفسي بأنّ الناس الذين هم أكثر عرضة لممارسة العنف هم الناس الذين يكبتون في داخلهم مشاعر غضب تجاه وضع معين أو شخص معين أو ماشابه ذلك، والذين لم ُيسمح لهم بالتعبير عن تلك المشاعر بطريق سليمة مقبولة اجتماعيا.

إنّ قمع أيّة عاطفة بشريّة، والغضب إحداها، سيؤدي بالنتيجة إلى سوء استعمال تلك العاطفة.

عندما يعاني مريض ما من مشاعر غضب مكبوتة قد تدفعه لإرتكاب أعمال عنف، يلجأ عادة الطبيب أو المرشد النفسي إلى ارسال ذلك المريض إلى دورات علاجيّة يطلق عليها Anger Management

أي “السيطرة على الغضب”. أهم خطوة في تلك الدورة هي السماح للمريض بالتعبير عن مشاعره باللغة التي يريدها، في محاولة لتفريغ الشحن المحقونة في داخله والتي إن لم تفرّغ ستنفجر يوما.

مجرد الحديث عن تلك المشاعر يلعب دورا كبيرا في التخفيف من حدّتها، وخصوصا عندما يجد المريض اذنا صاغية من قبل الطبيب أو المرشد المعالج. كلّ ماهو مطلوب من الطبيب أثناء الإصغاء للمريض وهو يعبّر عن مشاعر غضبه أن يجيب بقوله: أستطيع أن أتفهّم موقفك وأعرف مصدر غضبك!

النمط التربوي السائد في بلادنا يقمع العواطف البشريّة غير المقبولة اجتماعيا بدلا من أن ُيهذّبها. هناك فرق كبير بين أن تقمع وبين أن ُتهذّب.

عندما تقمع عاطفة، كالغضب مثلا، تكون قد حبست الشحن النفسيّة المتولّدة عنها وزدت في الضغوط الناجمة عن تلك الشحن، حتى تصل إلى نقطة تنفجر عندها تلك الضغوط مخلفة دمارا يتناول صاحبها ومحيطه.

وعندما تهذّب العاطفة تسمح لصاحبها بالتعبير عنها بطرق مقبولة اخلاقيا واجتماعيا. التعبير لغويّا عن المشاعر يعتبر أقل الطرق خطرا وأكثرها منفعة.

باختصار عندما تقمع المشاعر لاتقضي عليها، وإنّما تؤجل انفجارها حتى تاريخ آخر تصبح عنده السيطرة عليها ضربا من المستحيل. وعندما تفرغها بطرق مقبولة تهذّبها، ولا يبقى داخل النفس أيّة مشاعر يخشى من انفجارها لاحقا.

عندما يستاء شخص من معاملة شخص آخر ويظن أنّ سوء المعاملة صدر عنه من منطلق طائفي محض، أين الخلل في أن يعبّر هذا الشخص المساء إليه عن مشاعره جهرا.

“أنا سنيّ وهو علوي (أو العكس) وقد اساء إليّ من منطلق طائفي محض”!

لو اتاحت له الأعراف السائدة أن يفعل ذلك لفرّغ مشاعر الغضب لديه حتى ولولم يحظى بإذن صاغية، ولساهم إلى حدّ كبير في ردع الآخر عن تكرار الإساءة.

ولكن عندما تعتبر تلك الأعراف الأمر غير مقبول، سيكبت الشخص المساء له مشاعر الغضب وسيعمم غضبه لاحقا ليشمل كلّ من ينتمي إلى طائفة الشخص المسيء.

كبت مشاعر الغضب وقمعها إرث إسلامي!

ففي المراحل الأولى من عمر الإنسان يتمّ تهذيب العواطف والتعبير عنها بطرق مقبولة وسليمة. يتحمّل الوالدان مسؤوليّة عن بتلك المهمة باعتبارهما أول من يحتكّ بالطفل وأول من يثير عواطفه، والغضب أحد تلك العواطف.

عندما لايتعلم الطفل كيف يفرّغ غضبه الذي يثيره أحد الوالدين يلجأ ليس فقط إلى كبت ذلك الغضب بل، ومع الأيام، يتعلّم أن يقبل كلّ تصرف يثير غضبه ويصبح كبت مشاعر الغضب عنده طريقة حياة!

“ولا تقل لهما أف”!

إذا كان التأفف، وكأبسط طريقة للتعبير عن الغضب وأقلها ضررا، مرفوضا ومحرّما كيف سيتعلم الإنسان أن يتحرر من شحن غضبه!

بعض الآباء يثيرون الغضب بطريقة تستحقّ الضرب بالحذاء، ناهيك عن التأفف!

أقولها هنا مجازا ولا أقصدها، إذ لايمكن أن أحرّض على ضرب الوالدين، لكنني في الوقت نفسه لايمكن أن أحرم ابنا أو ابنة من حقهما في التعبير عن غضبهما من تصرفات بعض الآباء التي تثير غضب أيوب!

يخرج الإنسان من بيت والديه في المجتمعات الإسلامية مقموعا وجاهزا ليقبل القمع من معلمه وجاره ومدير عمله ورجل السلطة في بلاده.

تتراكم شحنات الغضب لدى الإنسان وتبلغ مع الأيام حدا لا يعود قابلا للإحتمال. في تلك الحالة المرضيّة يلجأ الإنسان أحيانا إلى البحث عن كبش فداء ـ لاعلاقة له بالأمر ولكنه ضعيف ولايقوى على المواجهة ـ كي يصب عليه جام غضبه تدعى تلك الحالة في الطبّ النفسي Displacement. أي بتصرف “الصبّ في المكان الغلط “

أضرب مثلا لتوضيح الفكرة:

عاد موظف بسيط من عمله في حالة غضب شديد أثاره رئيسه في العمل إلى بيته وطرق الباب ففتح له ابنه البالغ من العمر سبع سنوات ثم عاد يركض باتجاه لعبه دون أن يحيّ والده ويعانقه. اقترب الوالد من الطفل وصفعه صفعة قويّة على وجهه أفقدته توازنه.

في حقيقة الأمر لم يصفع الوالد طفله غضبا منه، لكنّه صفعه كي يفرّغ جام غضبه الذي أثاره مدير الدائرة والذي بلغ حدا لم يعد قابلا للإحتمال.

وراء العمليّات الإرهابيّة التي قام بها الإخوان المسلمين في سوريّا في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، وكغيرها من العمليّات الإرهابيّة التي يقوم بها المتشددون الإسلاميّون في أي مكان آخر، تكمن أسباب عقائديّة وتربويّة واجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة كثيرة لامجال لذكرها الأن. ولكن لا أشك لحظة بأن مشاعر الغضب الكامنة والمكبوتة منذ مراحل الطفولة المبكّرة تلعب هنا دورا لايستهان به.

عندما قام أحد هؤلاء الإرهابين وهو شاب في مقتبل العمر بزرع حقيبة مليئة بالمتفجرات في باص عام مسافر من دمشق إلى اللاذقية، كان ذلك الشاب على علم بأنه لايوجد بينه وبين أيّ راكب داخل هذا الباص ثأر شخصي يكمن وراء مشاعر غضبه المكبوتة.

هو مستاء من طغمة ظالمة تسيطر على مقاليد الحكم في بلاده، وباعتبار أنّ زعيم تلك الطغمة ينتمي إلى الطائفة العلويّة رأى في هذا الباص الذي ينتمي معظم ركّابه إلى نفس الطائفة كبشا يسهل اصطياده وفي الوقت نفسه” يفشّ خلقه”!

طبعا لايستطيع أن يصل إلى المجرم الحقيقي كي يصبّ جام غضبه عليه فاختار الطريق الأسهل، رغم قذارته، لتفريغ شحنه.

تلك الشحن التي تراكمت منذ مراحل طفولته المبكّرة والتي أثارها، أول من أثارها والداه، ولم يتعلم في تلك المراحل كيف يعبّر عن مشاعره ويفرغها بطريقة سليمة.

القمع إذاً لايزيل الأحقاد بل يطمرها جمرا تحت الرماد، وعندما تحين الفرصة الملائمة ومع هبوب أول ريح سيتناثر الرماد وسيتطاير الشرر ليحرق أبرياء الوطن قبل مجرميه!

******

رغم سوء الأوضاع الإدارية عموما في كلّ الدوائر والمنشآت السوريّة، ترى الفساد في اللاذقيّة على أشدّه.

كان مشفى الأسد الجامعي، وباستثناء قلعة صلاح الدين، المكان الوحيد الذي زرته. استغرق بحثنا العلمي فيه نصف ساعة قضينا عشرين دقيقة منها نتناطح مع عشرات الزوّار على الباب الخارجي. فجأة وبقدرة قادر صرت وزميلتي لاسلي داخل حرم المشفى.

قادنا آذن بسيط إلى مكتب مدير المشفى الدكتور نضال اسكيف، طلب منّا الجلوس في غرقة الإنتظار ريثما يطلعه على وجودنا وموافقة الوزير على تسهيل مهمّتنا. وعاد بعد قليل بالموافقة ممهمورة بتوقيعه وعبارة “تحال إلى شعبة الداخلية”.

تحال إلى شعبة الداخلية؟!!! كادت الصدمة تقتلني… وهل نحن مرضى؟!

يبدو أنّ السيد اسكيف كان غارقا في حساباته المصرفيّة أو إحدى مكالماته كعادة المسؤولين في مكاتبهم فلم يطلع على الأمر وظن أن الموافقة ليست سوى استمارة دخول لأحد المرضى. وإلاّ لاقتضت أبسط أخلاق المهنة وأصول الزمالة وآداب الضيافة أن يستقبلنا في مكتبه كي يستفسر عن طبيعة البحث وأيّ نوع من المساعدة نتوخاها من حضرته!

المصعد الكهربائي إلى الطابق التاسع حيث توجد شعبة الداخليّة كان معطلا فرحنا نركض على السلم ووصلنا منهكين لنفاجئ بأن الدكتور مطيع جوني رئيس الشعبة غير موجود!

قادونا إلى غرفة الأطباء علّنا نجد طبيبا يستطيع أن يساعدنا. طرقنا باب الغرفة وفتحناه لنجد أنفسنا أمام بهو ضيّق لايصلح اسطبلا للحيونات، دخان السجاير يغطي جو الغرفة ورائحة خانقة تنبعث منها! تبيّنا بصعوبة وجوه أربعة أطباء “يطقوّن حنك” ويمزمزون على قدح شاي!

لم يتحرك فيهم ساكن، ولم يكترسوا لدخولنا. تقدمت مصافحة كلّ منهم ومقدمة نفسي وزميلتي، ثم شرحت أسباب تواجدنا ومطاليبنا.

انبرى أحدهم بالقول: الدكتور مطيع ليس موجودا وليس بامكاننا أن نساعدكم في شيء!

ـ وهل هناك أيّة طريقة للإتصال بالدكتور مطيع؟ سألته يائسة!

مدّ يده إلى تلفونه وأدار رقم الدكتور مطيع جوني ثم طلب مني التحدّث اليه.

ـ تحياتي دكتور مطيع، أنا فلانة ومعي زميلتي فلانة ومهمتنا كذا وكذا ومعنا موافقة من الوزير للقيام بها ونريد مساعدتك.

في اللاذقيّة كلّ مسؤول وزير!

ويرد: لن أتواجد اليوم في المشفى ولن أسمح بالقيام بأيّ عمل في حال عدم وجودي!

حاولت أن أشرح ظروفنا وضيق وقتنا وقدرتنا على القيام بالمهمّة بمساعدة أي طبيب لا على التعيين.

يبدو أنه استاء من طرحي هذا معتبرا نفسه الوحيد الذي يحلّ ويربط في المشفى وأثناء غيابه لا دور لأيّ طبيب آخر!

الدكتور مطيع جوني على حقّ، فأمّة كلّها علماء من أمثال القرضاوي لاتحتاج لا إلى وفود علميّة ولا إلى أبحاث!!

لقد أخطأت حساباتي وفشلت في اقتراحي لزيارة سوريّا!

كان بإمكاني أن أعود في اليوم الثاني رغم ضيق وقتنا لكنني آثرت أن لا أفعل ذلك فالمكتوب يُقرأ من عنوانه!

تلك هي النتائج التي توصلنا اليها من بحثنا العلمي في مدينة اللاذقية!

غادرنا باب المشفى بنفس المشقّة التي دخلناه بها!

للحديث صلة.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment