الحركة الشعوبية من ماضيها إلى حاضرها

gazairaqد. عمران الكبيسي

اتبع الشعوبيون وسائل خبيثة عديدة تفننوا بإخراجها حاولوا تطعيم حركتهم بأجناس من أمم وبقيا شعوب أخرى غير العربية كالهنود والبربر والأحباش والأقباط لتوسيع محيط حركتهم، وجعلها حركة أممية، ولم ينجحوا بذلك إلى الحد الذي وضعوه في تصورهم، وظل الفرس المجوس هم المكون الأبرز الغالب في الحركة، ولتحريض غيرهم من أبناء الأمم الأخرى التي لها حضارات قديمة سبقت ظهور الإسلام على العرب، وإقناعهم أنهم أحق من العرب بقيادة العالم، وارتأوا الاستعانة بتمجيد تاريخ الأمم القديمة التي سبقت العرب بقرون عديدة، سيحرج العرب الذين لا يمتد تاريخهم إلا إلى قرن ونصف قبل الإسلام، فمجدوا حضارة الفراعنة وحضارات الفينيقيين والهنود والصنيين، ليثبتوا أن هذه الأمم أكثر عراقة من العرب وأن ثراءهم العقائدي والثقافي والسياسي بظل الإسلام ليس جديدا، كل ذلك ليفتوا بعضد من تمسك بالفكر العربي الإسلامي الذي لا يفرق بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم، ويدعو إلى التعاون بين جميع المسلمين بغض النظر عن أجناسهم وشعوبهم. ولم يوفَّقوا ولم يستمع لهم إلا قلة نادرة لم يبق منه اليوم غير يهود الفرس الصفويون، فهم وحدهم ظلوا يهرولون في مضمار الحقد والكراهية، يفترون على الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وآل بيته بوضع الأساطير والقصص والروايات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

ولم يكتف الشعوبيون بالانتقاص من العرب وتمجيد ديانتهم المجوسية، بل صاروا يبالغون في الهجوم على الإسلام ونبيه الكريم، فذهبوا إلى القول: إن أنبياء العرب ثلاثة هود وصالح ومحمد، بينما أنبياؤهم كثر وغاب عنهم أن كثرة الأنبياء تعني كثرة كفرهم وضلالهم، فاحتاجوا العديد من الأنبياء والرسل لإصلاح شأنهم، وطعنوا بنسب إسماعيل جد الرسول الكريم الأعلى، وإنه ابن هاجر الجارية، أما إسحق جدهم، فابن سارة الحرة، وهكذا لم يتركوا وسيلة تعيب المسلمين إلا وطرقوها، متجاهلين أن الإسلام لا ينظر إلى أجناس الناس وأصولهم أو ثرائهم أو ألوانهم، وإنما ينظر وإلى عمق الإيمان وما يقدمه الناس من العمل الصالح.

وارتبطت الحركة الشعوبية مع التقدم الزمني بحركة الزندقة. فكلاهما يُظهران الإيمان ويخفيان الإلحاد أو ويحرفون الأحاديث ويختلقونها اختلاقا ولاسيما أن الزندقة هي الأخرى حركة فارسية معناها متتبع الزند أي الشروح القديمة للأفستا، وهو كتاب زرادشت مؤسس الديانة الزرادشتية، وأصل كلمة زنديق فارسية “زنده كَرْد” ويروي المؤرخون أن هذه العلاقة ابتدأت بترجمة عبدالله بن المقفع كتاب “كليلة ودمنة” ونقله إلى العربية ويذهب فيه أن للفرس كتبا تحمل الحكمة والفكر والأدب ما يضاهي حكم القرآن الكريم وآياته، ويستدلون على اعتناقه الزندقة بمتابعته ترجمة كتب أخرى في الزندقة من الفارسية إلى العربية حتى قيل: ما وجد كتاب للزندقة إلا وأصله ابن المقفع وبها يعللون حرصه على نشر الآداب الفارسية القديمة ويرجعون ذلك إلى الهدف الأساسي، وهو إحياء العلوم الفارسية القديمة وآدابها، ولم يقتصر الأمر على ابن المقفع، ولكنه شمل العديد من الشعراء والأدباء من أمثال أبان اللاحقي، وبشار بن برد، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وابن منذر، وصالح بن عبدالقدوس، حماد الراوية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان، ويحيى ابن مطيع، ومطيع بن إياس. ومن شعر بشار في ذم العرب والتهجم عليهم:

إبليس أفضل من أبيكم ادم *** فتبصروا يا معشر الفجار

النار عنصره وآدم طينة *** والطين لا يسمو على النار

هكذا علا صوت الشعوبية في عهد الدولة العباسية وتفاخر الفرس على العرب وسبوهم وعيروهم بالفقر والجدب وشظف العيش وذكروهم بأنهم كانوا عملاء كسرى أو حراسا على قوافل، واختلقوا أحاديثا وقصصا تصب في مصلحة تطلعاتهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية نترفع عن ذكرها؛ كي لا تدخل في باب إشاعة الكفر والفاحشة. وتسببت الشعوبية في نشوب حركات ردة انفصالية مسلحة كثيرة سنتطرق لذكر بعضها، خلفت لنا المصائب والبلايا التي حاقت بالعرب والمسلمين. وظلت الشعوبية المصدر الأول لكل البلايا التي حاقت بالإسلام والعرب قديما، ومصدرا لنشوء كثير من الأفكار، وفي مقدمتها الحركة الصفوية التي استفادت من كل ما جاء في تراث الشعوبية ومزجته بالدين كمرحلة لإخراج المسلمين من حالة التوحيد إلى حالة الكفر من خلال ممارسة الطقوس الأسطورية كما سنرى،

تركت الحركة الشعوبية في التاريخ العربي آثارا عميقة، فمن تبنى فكر هذه الحركة غالبيتهم الساحقة من الفرس، وبين العرب والفرس اختلافات جذرية عميقة في العقائد واللغة والفكر والأدب والطقوس الدينية والاجتماعية، وبحكم الجوار وبعد أن أسلمت معظم بلاد فارس لم يعد بالإمكان الفصل قطعا بين الجارين المتآخيين بالإسلام، كما تمنى عمر ابن الخطاب بقوله: “ليت بيننا وبينهم جبلا من نار” وليت للتمني الذي لا يرجى حصوله، ولم يكن يسيرا أن ينصهر ويذوب أي منهما في بوتقة الآخر كليا، ولو رجعنا إلى طبيعة العلاقة، العرب هم من طمع بهداية الفرس وإدخالهم بوتقة الإسلام، ولذلك كان عليهم قبول من صح إسلامه منهم أخا في الدين له ما لهم، وعليه ما عليهم.

لكن البأس بمن تظاهر بالإسلام تقية وطمعا بمصالح دنيوية، وهو في الباطن ألد الخصام، بقي مواليا لعقائد قديمة ورثها عن آبائه وأجداده المجوس، فدلسوا على الإسلام أفكارهم الهدامة ونشروا الإفك والسموم وأثاروا الفتن بين المسلمين، فنشأت في داخل المجتمع المختلط ظاهرتان سلوكيتان سلبيتان الباطنية والتقية، وكان لهما أسوأ الأثر في تغذية الصراعات الداخلية بين العرب والأمم الأخرى، وبقاء الحياة المشتركة كما في الحديث الشريف “هدنة على دخن” طوال التاريخ.

الباطنية من بطن بمعنى خفي، والباطنة بالكسرة: السريرة، واصطلاحا: فرق ومذاهب تشعبت وتسترت لتغرير المسلمين وتضليلهم بإبطانهم الكفر والتظاهر بالإسلام، ويزعمون أن لمعاني القرآن الكريم الظاهرة في آياته دلالات خفية باطنية اختصوا بمعرفتها دون سواهم، فلكل تنزيل تأويل، ولكل ظاهر لديهم باطن، ومن مؤسسي الباطنية ميمون بن ديصان القداح حينما كان في الأهواز، وكان قبلها مولى للإمام جعفر الصادق، في خلافة المأمون، ومن فرقهم: الباطنية والتعليمية والسبعية والقرامطة والإسماعيلية والخرمية والبابكية والمحمرة والدروز والنصيرية. وهم لدى الفقهاء “دهرية زنادقة” يقولون بقدم العالم وينكرون الرسل، تخفى بعضهم تحت ستار الصوفية ليجب عن نفسه القصاص، فتركوا في فكرهم كثيرا من مظاهر الانحراف والمغالاة، حتى ظهر من المتصوفة فريق اعتقد بوحدة الوجود والاتحاد بالمعبود، ومعتقدات أخرى ملبسة مضللة، كالحلاج ومن لف حوله ممن لم يكن لهم شأن ولاحظ من الدين، وهم أول من اختص طابعهم الفسلفي بنظرية الإمامة وجعل ولاية الإمام محورا تدور حوله مسائل كثيرة نقلوها عن اليهودية والمجوسية وتبناها الصفويون بتطرف ومغالاة وأدخلوها في التشيع بلا ورع منهم، وصدقها العامة.

والتَّقِيَّة: مصطلح ديني، اختصت بإخفاء المعتقد خشية الضرر، والتقية متفق عليها لدى أهل السنة والشيعة الاثناعشرية لقوله تعالى: *لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ*، واختلفوا في معناها ومجالات استخدامها وحدودها. والتقية مقبولة في الدين اليهودي وشائعة لديهم، ومرفوضة في الديانة المسيحية وإن أباحها لهم بعض القسيسين أحيانا، وأباحها الإسلام للضرورة والحفاظ على الحياة في الشدة المهلكة، فأجاز إظهار الكفر وإبطان الإيمان عند خوف المسلم على نفسه من الكفار والمشركين لا غير، وتوسع الشيعة في استخدامها واعتبروها من أساسيات الدين حتى استسيغت لديهم كأسلوب من أساليب مجاملة الحكام والسلطة وإن كانوا مسلمين، وفي التعامل فيما بينهم، ومن آثار الباطنية والتقية شيوع النفاق والكذب والمكر والتدبير والكيد والحسد والكراهية والتآمر بين العوام ومدعي العلم في المجتمع الإسلامي، وهي من اكبر العوامل الملبسة للدين والعقائد، قادت إلى الفتن، وأخلت بالتزام المسلم بجوهر عقيدته، وإلى ضعف ترابط المجتمع وتماسكه.

وهكذا استثمر الشعوبيون والزنادقة وسيلة التقية والباطنية لنشر أفكارهم المظللة الهدامة تحت ستار الدين بين المذاهب والفرق بعد ربط الطائفية والعنصرية بالدين والقومية لتبقى جذوة حركتهم مستمرة ومتجددة، من خلال خلط الكفر المجوسي والعنصرية الفارسية بقيم الإيمان، لإعادة ما كان سائدا بفارس قبل الفتح الإسلامي وإحياء الموروث الديني المجوسي والقومي الآري، والمحافظة عليه من الضياع، وكل ما تسعى إليه إيران في تدخلاتها المشبوهة في المنطقة هو لحماية الهوية الفارسية وأمنها القومي بالوقوف ضد أي مشروع عربي للنهضة، والتآمر على الإسلام والعروبة شأنهم شأن الصهيونية التي استغلت الديانة اليهودية لتحقيق مآربها العنصرية، وللموضوع بقية لاحقة.

الإسلام دين الظاهر، من نطق بالشهادتين عُصم دمه وماله وعرضه، ولا يؤاخذ الإنسان على ما في قلبه، فسهل على الشعوبيين والفرق الباطنية معايشة المسلمين بالتقية ما لم يجهروا بكفرهم، وشغلوا مواقع حساسة، فتسببوا بفتن وأحداث مؤسفة يتردد صداها حتى يومنا، فمن أثار الشعوبية وفق تحليلات المؤرخين، اغتيال أبو لؤلؤة الفيروزي للخليفة ابن الخطاب انتقاما وثأرا كونه جهز جيش القادسية لفتح فارس وأزاح الدولة الساسانية من الوجود، فظل الفرس يناصبون الخلفاء الراشدين خصوصا الخليفة الثاني أشد الخصومة ويفترون عليه بأوهامهم وأساطيرهم. وظل قاتله أبو لؤلؤة يمجَّد، وقد أقامت الثورة الإسلامية له ضريحا فخما يزار ويترحم عليه. وتعزى إليهم الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة الثالث عثمان، ونشوب معركة الجمل. وإن قاتل الخليفة الرابع علي فارسي أسره العرب، فرآه علي واتخذه غلاما له، وسئل عن اسمه قال: بهمن جازويه وينادونني (پسرافسار ير) ملجم على مهنة أبيه، واعتاد العرب تسمية من يصعب النطق باسمه: عبد الرحمن أو عبدالله فسموه عبد الرحمن بن ملجم، تعلم العربية والقرآن والحکمة من الإمام، والتقي في العراق بالخوارج وصار منهم. فوجد الفرصة للثأر من الخليفة عند صلاة الفجر فقتله، وثأر الشمر بن الجوشن الفارسي اليهودي لرستم يوم جثى على صدر الحسين وقد سقط جريحا وقطع رأسه.

في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباس أخذت الدعوة الشعوبية حيزا جماعيا واستقطب عوام الفرس، والشعوبيون يعرفون أن العربية أساس الدين، وهي لغة القرآن وأحكامه، فخططوا لطعن الدولة الأموية العربية من الظهر وكسر عمود العروبة الفقري لغة وقيما وانتماء، فقاد أبو مسلم الخرساني حشود الفرس بالرايات السود لإسقاط الأمويين لشدة اعتزازهم بالعنصر العربي، وهم من نشروا الإسلام في بقاع العالم، فأسقطها ودمروا القصور والمعالم والآثار ونبش حتى القبور ليمسح كل أثر لهم، وحين قامت الخلافة العباسية وفاز بها أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من عمه العباس ناصبهم الفرس العداء، مما اضطر أبو جعفر المنصور إلى قتل الخراساني بعد جهد جهيد. واجتهد الخلفاء العباسيين بمحاربة الشعوبيين والزنادقة، أسوة بالإمام علي بن أبي طالب حين أحرق الذين غلوا فيه، وقالوا بألوهيته من دون الله، وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ، فجدّ الخليفة المهدي في تعقبهم، استحضرهم وقتلهم صبراً بين يديه. ونفذ الخليفة موسى الهادي وصية أبيه فقتل منهم طائفة.

ولكن الشعوبيون دأبوا على الظهور بين فترة وأخرى، عادوا واصطفوا خلف البرامكة في عصر الرشيد فتفاقم نفوذهم واستقطبوا الناس بشراء الذمم بغية طرد العرب من المراكز الحساسة وقيادات الجيش تمهيدا للانقضاض على الخلافة العباسية وإحياء دولتهم، حتى إذا تأكد لهارون الرشيد تآمرهم وخطرهم على الخلافة نكبهم وخلص الناس من شرورهم. وعلى زمن الخليفة العباسي المأمون خرج بابك الخرمي وأسس دولة شاسعة في أذربيجان وحاول مزج الإسلام بالمجوسية وأسس دينًا هجينًا، وبقي عصيًا على الخليفة عشرين عامًا، إلى أن قضى عليهم المعتصم وقضى على تمرد العبيد الزط ممن ادعوا التشيع للأمام علي كذبا، فقطعوا الطرقات ونهبوا غلال الضواحي، وعاثوا في البصرة فساداً، واستمر تمردهم سنوات حتى قضى عليهم وأجلاهم إلى الأنضول.

ولم ينس الفرس ثأرهم من الرشيد، فدقوا إسفين العداء والفرقة بين الإخوة الأمين والمأمون، وكانوا خلف تفجر الصراع والقتال بينهما، استعان المأمون بأخواله الفرس على قتل أخيه، فمكنهم من قيادة الجيش وسياسة الدولة وعلى أيدهم وزمانهم نشأت فكرة خلق القرآن وأجبروا الناس على تبني فكر المعتزلة عقيدة رسمية، وعهد بولاية العهد بعض الوقت لعلي الرضا الشيعي، واتخذ اللون الأخضر شعارا وترك شعار العباسيين الأسود ثم عاد إليه المأمون، وجعل أخاه وليًا للعهد.

ما أشبه اليوم بالبارحة، الإيرانيون اليوم وراء كل الفتن في المنطقة العربية، سلحوا حزب الله في لبنان فأحدثوا الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، وهم وراء تسليح الحوثيين في اليمن فأدمى الزيديون بعضهم بعضا، وهم وراء دعم الأسد والعلويين فدمروا سوريا، واليوم يدمرون العراق، ويخططون لتدمير البحرين والكويت، وهو ما تشكو منه المنطقة منذ الثورة الإسلامية الإيرانية التي خرجت بأسطورة ولاية الفقيه، ونشرت الفتن، والمواقف تكرر نفسها بذات الأسلوب الطريقة، والهدف واحد استهداف العروبة والإسلام.

لم تتخذ الشعوبية طابع المذهبية، ولم تكن فرقة دينية أو عنصرية، ولا هي تكتل حزبي سياسي، وأطلقنا عليها حركة مجازا، وإنما هي نزعة حقد وكراهية للعرب ودينهم وحضارتهم، وتفضيل غيرهم عليهم، التقى عليها أو عندها أعداء العرب والإسلام معا فشكلت الشعوبية تيارا مستمرا قابلا للتجدد مع العصور، ومن يتتبع نشوء الفرق والمذاهب والطوائف والدول وحركات الردة المسلحة في العصر العباسي مهما اختلفت مبرراتها يجد النزعة الشعوبية والزندقة جموحا وجنوحا مشتركا بينها، وإن اختلفت فيما عداها، ويشتد خطر الشعوبية والزندقة لدى وزراء وقادة وسلاطين لهم حظوة أو قوة تعلو على سلطة الخلفاء أحيانا فيهيمنون ويتحكمون بإدارة الدولة سواء أكانوا من أصول فارسية أم تركية، فقد تبادل الفرس والأتراك “بويهيين وسلاجقة” أدوار النفوذ والهيمنة فكثرت دسائسهم ومؤامراتهم فضلا عن حركات مسلحة أضعفت دولة الخلافة العباسية العربية، وأوقفت نشاط الفتوحات وأعاقت نشر الإسلام لانشغال الدولة والجيوش بمقاومتها وإخمادها.

من الحركات المسلحة انتساب “بهبوذ” اليهودي الفارسي إلى آل البيت، بعد طرده من البحرين فتزعم الزنج وتمرد في جنوب العراق 255هـ وارتكب القتل والسلب والنهب، مدعيا نسبا علويا وأنه المهدي المنتظر المنقذ، يزيل الغمة، ويفرج الكرب، وكتب شعاراته على راية جمعت اللونين الأخضر والأحمر إشارة إلى العلويين والخوارج في محاولة منه لتوحيد كل ضال تحت ولايته؟ وسيطر عشرة أعوام على رقعة واسعة ما بين الأهواز وواسط، وهدد بغداد، حتى عهد الخليفة المعتمد إلى أخيه الموفق بمحاربتهم ففرق شملهم بعد خسائر فادحة.

وكانت والدة المعتصم تركية وليتقي كيد الفرس ومكرهم استقدم الأتراك حرسا وقادة للجيش كما فعل أخوه المأمون مع الفرس حتى استفحل نفوذهم وكبر، وصار منهم سلاطين لهم الحل والعقد وبسببهم انتقلت العاصمة إلى سامراء، وأصبح لهم شأن بتولية الخلفاء الضعفاء وقتلهم أو عزلهم، وحين سيطر البويهيون الفرس على بلاد فارس استعان بهم الخليفة للخلاص من نفوذ الأتراك. تمسكن البويهيون حتى تمكنوا ووجدوا فرصتهم الضائعة فسلبوا الخلافة العربية السلطة والمهابة وأبقوها شكلا بلا معنى، ولقبوا أنفسهم بحماة الخلافة، سادت على عهدهم فترة من الرخاء استقرت الدولة وتقدمت العلوم ثم عمت الاضطرابات والجوع والفقر وأكل الناس الموتى، وتصارعت فروع الأسرة فيما بينها فقضى على جزء منهم الغزنويون وعلى النصف الآخر السلاجقة الأتراك. ادعى البويهيون خلال حكمهم التشيع فأمروا بسب الصحابة، وأمهات المؤمنين، وابتدعوا فرية لطم الصدور والبكاء في عاشوراء، وتبنى دعاة منهم التناسخ، وأن روح الإمام علي والزهراء حلت فيه وفي زوجته، وفي عصرهم كتبت أول المؤلفات التي مهدت لانحراف المذاهب عن مسار آل البيت وشيعتهم وعن الصحابة بعد ثلاثة قرون من بزوغ فجر الإسلام، فأشاعوا كثيرا من الروايات والافتراءات التي أصبحت مع الزمن جزءا من العقائد المنحرفة، وأضاف عليها الإسماعيليون والفاطميون هرطقات كثيرة قبل أن يتلقفها الصفويون بعد قرون وروجوها طقوسا دينية وأصبحت واقعا وهي دخيلة على التشيع. واستمر حكمهم نحو قرنين حتى قضى على فريق منهم الغزنويون وأجهز على من تبقى السلاجقة الأتراك، ليمارسوا دورهم في إضعاف هيبة الخلافة، في حقبة اتساع الدولة وبعد الأمصار عن العاصمة وصعوبة المواصلات، مما مهد لاستقلال دويلات الأغالبة والأدارسة والطولونيين والإسماعيليين، والفاطميين والساميون، والبويهيين والحمدانيين والإخشيديين والغزنزيين والصفاريين والقرامطة والأيوبيين وهلم جرا، لا فرق بين فرس وأتراك وأكراد. وتدخل السلاجقة في فترة نفوذهم بتنصيب الخلفاء وعزلهم بالقتل وسمّل العيون وسجنهم وتجويعهم ودفعهم للتسول على أبواب المساجد تنكيلا وتشفيا بالخلافة العربية.

تنوّعت الفرق والمذاهب وتعددت الأهواء والمشارب فأدّت إلى انهيار الدولة العباسية، ومن أبرزها: النزعة الشعوبية التي تفضل غير العرب على العرب، وتركز الجدل في فلسفة الخلافة وإمامة المسلمين. وكانت لكل منهم مبادئ خاصة ونظام وشعارات وطرائق في الدعوة لأهدافه وغاياته. فتفرق الناس أحزابًا، تتصارع فيها الآراء وتتناقض، حتى تصدعت الوحدة العقائدية أساس الوحدة السياسية للدولة، وكثرة الحركات الانفصالية.

واستمرت الشعوبية الفارسية تتآمر وتنخر قوام دولة الخلافة حتى أسهمت بإسقاطها بتعاون الوزير الإمامي ابن العلقمي، ومرجع الإسماعيلية الطوسي مع التتار عام 656هـ في زوال الخلافة العربية ونكبة بغداد بالسقوط وتسليم الخليفة للمغول ليقتل تحت حوافر خيولهم، ولنا عودة.

الإسلام دين الظاهر، من نطق بالشهادتين عُصم دمه وماله وعرضه، ولا يؤاخذ الإنسان على ما في قلبه، فسهل على الشعوبيين والفرق الباطنية معايشة المسلمين بالتقية ما لم يجهروا بكفرهم، وشغلوا مواقع حساسة، فتسببوا بفتن وأحداث مؤسفة يتردد صداها حتى يومنا، فمن أثار الشعوبية وفق تحليلات المؤرخين، اغتيال أبو لؤلؤة الفيروزي للخليفة ابن الخطاب انتقاما وثأرا كونه جهز جيش القادسية لفتح فارس وأزاح الدولة الساسانية من الوجود، فظل الفرس يناصبون الخلفاء الراشدين خصوصا الخليفة الثاني أشد الخصومة ويفترون عليه بأوهامهم وأساطيرهم. وظل قاتله أبو لؤلؤة يمجَّد، وقد أقامت الثورة الإسلامية له ضريحا فخما يزار ويترحم عليه. وتعزى إليهم الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة الثالث عثمان، ونشوب معركة الجمل. وإن قاتل الخليفة الرابع علي فارسي أسره العرب، فرآه علي واتخذه غلاما له، وسئل عن اسمه قال: بهمن جازويه وينادونني (پسرافسار ير) ملجم على مهنة أبيه، واعتاد العرب تسمية من يصعب النطق باسمه: عبد الرحمن أو عبدالله فسموه عبد الرحمن بن ملجم، تعلم العربية والقرآن والحکمة من الإمام، والتقي في العراق بالخوارج وصار منهم. فوجد الفرصة للثأر من الخليفة عند صلاة الفجر فقتله، وثأر الشمر بن الجوشن الفارسي اليهودي لرستم يوم جثى على صدر الحسين وقد سقط جريحا وقطع رأسه.

في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباس أخذت الدعوة الشعوبية حيزا جماعيا واستقطب عوام الفرس، والشعوبيون يعرفون أن العربية أساس الدين، وهي لغة القرآن وأحكامه، فخططوا لطعن الدولة الأموية العربية من الظهر وكسر عمود العروبة الفقري لغة وقيما وانتماء، فقاد أبو مسلم الخرساني حشود الفرس بالرايات السود لإسقاط الأمويين لشدة اعتزازهم بالعنصر العربي، وهم من نشروا الإسلام في بقاع العالم، فأسقطها ودمروا القصور والمعالم والآثار ونبش حتى القبور ليمسح كل أثر لهم، وحين قامت الخلافة العباسية وفاز بها أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من عمه العباس ناصبهم الفرس العداء، مما اضطر أبو جعفر المنصور إلى قتل الخراساني بعد جهد جهيد. واجتهد الخلفاء العباسيين بمحاربة الشعوبيين والزنادقة، أسوة بالإمام علي بن أبي طالب حين أحرق الذين غلوا فيه، وقالوا بألوهيته من دون الله، وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ، فجدّ الخليفة المهدي في تعقبهم، استحضرهم وقتلهم صبراً بين يديه. ونفذ الخليفة موسى الهادي وصية أبيه فقتل منهم طائفة.

ولكن الشعوبيون دأبوا على الظهور بين فترة وأخرى، عادوا واصطفوا خلف البرامكة في عصر الرشيد فتفاقم نفوذهم واستقطبوا الناس بشراء الذمم بغية طرد العرب من المراكز الحساسة وقيادات الجيش تمهيدا للانقضاض على الخلافة العباسية وإحياء دولتهم، حتى إذا تأكد لهارون الرشيد تآمرهم وخطرهم على الخلافة نكبهم وخلص الناس من شرورهم. وعلى زمن الخليفة العباسي المأمون خرج بابك الخرمي وأسس دولة شاسعة في أذربيجان وحاول مزج الإسلام بالمجوسية وأسس دينًا هجينًا، وبقي عصيًا على الخليفة عشرين عامًا، إلى أن قضى عليهم المعتصم وقضى على تمرد العبيد الزط ممن ادعوا التشيع للأمام علي كذبا، فقطعوا الطرقات ونهبوا غلال الضواحي، وعاثوا في البصرة فساداً، واستمر تمردهم سنوات حتى قضى عليهم وأجلاهم إلى الأنضول.

ولم ينس الفرس ثأرهم من الرشيد، فدقوا إسفين العداء والفرقة بين الإخوة الأمين والمأمون، وكانوا خلف تفجر الصراع والقتال بينهما، استعان المأمون بأخواله الفرس على قتل أخيه، فمكنهم من قيادة الجيش وسياسة الدولة وعلى أيدهم وزمانهم نشأت فكرة خلق القرآن وأجبروا الناس على تبني فكر المعتزلة عقيدة رسمية، وعهد بولاية العهد بعض الوقت لعلي الرضا الشيعي، واتخذ اللون الأخضر شعارا وترك شعار العباسيين الأسود ثم عاد إليه المأمون، وجعل أخاه وليًا للعهد.

ما أشبه اليوم بالبارحة، الإيرانيون اليوم وراء كل الفتن في المنطقة العربية، سلحوا حزب الله في لبنان فأحدثوا الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، وهم وراء تسليح الحوثيين في اليمن فأدمى الزيديون بعضهم بعضا، وهم وراء دعم الأسد والعلويين فدمروا سوريا، واليوم يدمرون العراق، ويخططون لتدمير البحرين والكويت، وهو ما تشكو منه المنطقة منذ الثورة الإسلامية الإيرانية التي خرجت بأسطورة ولاية الفقيه، ونشرت الفتن، والمواقف تكرر نفسها بذات الأسلوب الطريقة، والهدف واحد استهداف العروبة والإسلام.

لم تتخذ الشعوبية طابع المذهبية، ولم تكن فرقة دينية أو عنصرية، ولا هي تكتل حزبي سياسي، وأطلقنا عليها حركة مجازا، وإنما هي نزعة حقد وكراهية للعرب ودينهم وحضارتهم، وتفضيل غيرهم عليهم، التقى عليها أو عندها أعداء العرب والإسلام معا فشكلت الشعوبية تيارا مستمرا قابلا للتجدد مع العصور، ومن يتتبع نشوء الفرق والمذاهب والطوائف والدول وحركات الردة المسلحة في العصر العباسي مهما اختلفت مبرراتها يجد النزعة الشعوبية والزندقة جموحا وجنوحا مشتركا بينها، وإن اختلفت فيما عداها، ويشتد خطر الشعوبية والزندقة لدى وزراء وقادة وسلاطين لهم حظوة أو قوة تعلو على سلطة الخلفاء أحيانا فيهيمنون ويتحكمون بإدارة الدولة سواء أكانوا من أصول فارسية أم تركية، فقد تبادل الفرس والأتراك “بويهيين وسلاجقة” أدوار النفوذ والهيمنة فكثرت دسائسهم ومؤامراتهم فضلا عن حركات مسلحة أضعفت دولة الخلافة العباسية العربية، وأوقفت نشاط الفتوحات وأعاقت نشر الإسلام لانشغال الدولة والجيوش بمقاومتها وإخمادها.

من الحركات المسلحة انتساب “بهبوذ” اليهودي الفارسي إلى آل البيت، بعد طرده من البحرين فتزعم الزنج وتمرد في جنوب العراق 255هـ وارتكب القتل والسلب والنهب، مدعيا نسبا علويا وأنه المهدي المنتظر المنقذ، يزيل الغمة، ويفرج الكرب، وكتب شعاراته على راية جمعت اللونين الأخضر والأحمر إشارة إلى العلويين والخوارج في محاولة منه لتوحيد كل ضال تحت ولايته؟ وسيطر عشرة أعوام على رقعة واسعة ما بين الأهواز وواسط، وهدد بغداد، حتى عهد الخليفة المعتمد إلى أخيه الموفق بمحاربتهم ففرق شملهم بعد خسائر فادحة.

وكانت والدة المعتصم تركية وليتقي كيد الفرس ومكرهم استقدم الأتراك حرسا وقادة للجيش كما فعل أخوه المأمون مع الفرس حتى استفحل نفوذهم وكبر، وصار منهم سلاطين لهم الحل والعقد وبسببهم انتقلت العاصمة إلى سامراء، وأصبح لهم شأن بتولية الخلفاء الضعفاء وقتلهم أو عزلهم، وحين سيطر البويهيون الفرس على بلاد فارس استعان بهم الخليفة للخلاص من نفوذ الأتراك. تمسكن البويهيون حتى تمكنوا ووجدوا فرصتهم الضائعة فسلبوا الخلافة العربية السلطة والمهابة وأبقوها شكلا بلا معنى، ولقبوا أنفسهم بحماة الخلافة، سادت على عهدهم فترة من الرخاء استقرت الدولة وتقدمت العلوم ثم عمت الاضطرابات والجوع والفقر وأكل الناس الموتى، وتصارعت فروع الأسرة فيما بينها فقضى على جزء منهم الغزنويون وعلى النصف الآخر السلاجقة الأتراك. ادعى البويهيون خلال حكمهم التشيع فأمروا بسب الصحابة، وأمهات المؤمنين، وابتدعوا فرية لطم الصدور والبكاء في عاشوراء، وتبنى دعاة منهم التناسخ، وأن روح الإمام علي والزهراء حلت فيه وفي زوجته، وفي عصرهم كتبت أول المؤلفات التي مهدت لانحراف المذاهب عن مسار آل البيت وشيعتهم وعن الصحابة بعد ثلاثة قرون من بزوغ فجر الإسلام، فأشاعوا كثيرا من الروايات والافتراءات التي أصبحت مع الزمن جزءا من العقائد المنحرفة، وأضاف عليها الإسماعيليون والفاطميون هرطقات كثيرة قبل أن يتلقفها الصفويون بعد قرون وروجوها طقوسا دينية وأصبحت واقعا وهي دخيلة على التشيع. واستمر حكمهم نحو قرنين حتى قضى على فريق منهم الغزنويون وأجهز على من تبقى السلاجقة الأتراك، ليمارسوا دورهم في إضعاف هيبة الخلافة، في حقبة اتساع الدولة وبعد الأمصار عن العاصمة وصعوبة المواصلات، مما مهد لاستقلال دويلات الأغالبة والأدارسة والطولونيين والإسماعيليين، والفاطميين والساميون، والبويهيين والحمدانيين والإخشيديين والغزنزيين والصفاريين والقرامطة والأيوبيين وهلم جرا، لا فرق بين فرس وأتراك وأكراد. وتدخل السلاجقة في فترة نفوذهم بتنصيب الخلفاء وعزلهم بالقتل وسمّل العيون وسجنهم وتجويعهم ودفعهم للتسول على أبواب المساجد تنكيلا وتشفيا بالخلافة العربية.

تنوّعت الفرق والمذاهب وتعددت الأهواء والمشارب فأدّت إلى انهيار الدولة العباسية، ومن أبرزها: النزعة الشعوبية التي تفضل غير العرب على العرب، وتركز الجدل في فلسفة الخلافة وإمامة المسلمين. وكانت لكل منهم مبادئ خاصة ونظام وشعارات وطرائق في الدعوة لأهدافه وغاياته. فتفرق الناس أحزابًا، تتصارع فيها الآراء وتتناقض، حتى تصدعت الوحدة العقائدية أساس الوحدة السياسية للدولة، وكثرة الحركات الانفصالية.

واستمرت الشعوبية الفارسية تتآمر وتنخر قوام دولة الخلافة حتى أسهمت بإسقاطها بتعاون الوزير الإمامي ابن العلقمي، ومرجع الإسماعيلية الطوسي مع التتار عام 656هـ في زوال الخلافة العربية ونكبة بغداد بالسقوط وتسليم الخليفة للمغول ليقتل تحت حوافر خيولهم، ولنا عودة.

لقد أدرك الشعوبيون الفرس بوقت مبكر ارتباط العربية بالإسلام، والإسلام بالعربية، فالقرآن المجيد عربي، “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”، والنبي الكريم عربي نسبا ولغة، “لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ”، والدين أحكامه عربية، “وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ”. والعرب هم من أحاطوا بجوهر الدين واضطلعوا بمسؤولية حمل الرسالة وتبليغها ونشرها وقاتلوا دونها، وفدوها بالغالي والنفيس، الدم والمال والولد، قرأ الفرس ذلك وبما عرف عنهم من مكر ودهاء رأوا السبيل الوحيد للنيل من العرب ودينهم البحث عن مدخل ديني مرتبط بالانتساب إلى العربية، فوجدوا في التشيع لآل البيت ضالتهم وخير ستار يخفي مقاصدهم الباطنية الخبيثة، وجربوا هذا المدخل بنجاح حينما ناصبوا الأمويين العداء باسم الدعوة للعلويين، ولما نجحوا بقيادة أبي مسلم الخراساني بإسقاط الخلافة الأموية أيقنوا أن آل البيت اشد حرصا على العروبة والإسلام وسيسدون عليهم منافذ الطرق، ولن يتركوا للشعوبية مجالا لمعاداة العروبة والإسلام، ولا يستطيعون المزايدة تخلوا عن العلويين، وانحازوا إلى العباسيين وآثروهم بالخلافة، فأبقوا بأيديهم ورقة التشيع للعلويين ظاهرا كمدخل للدق على وتر الفتنة باطنيا.

لقد برر الشعوبيون الفرس لأبي لؤلؤة المجوسي قتل الخليفة عمر ابن الخطاب بالثأر لآل البيت كما يدعون، وحرضوا على قتل الخليفة عثمان بدعوة فسح المجال لخلافة علي، وعملوا ما بوسعهم لتسريع أحداث معركتي الجمل وصفين، وهم من سموا الإمام الحسن، وخذلوا الإمام الحسين، دعوه إلى الكوفة وتخلوا عنه، وظلوا يتسترون بالتشيع لآل البيت في كل حركة مقاومة أو ردة وتمرد متطرف، ضد الأمويين وضد العباسيين، ووقفوا خلف تحكم البرامكة، وخلف الصراع بين الأمين والمأمون، ووراء ثورات الزند والزط والقرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود ثلاثين سنة، وخلف البويهيين وخلف العبيديين والإسماعيليين الفاطميين، وخلف الصفويين، حتى قال الدكتور أحمد أمين: “كان التشيع عش الشعوبية الذي يأوون إليه وستارهم الذي يتسترون به” ورداء تسربله الفرس المجوس في إخفاء نزعة كراهية العرب ومعاداتهم منذ الفتح العربي إلى اليوم، ولم تنقطع، ولم تخف في صدورهم وطأة الحقد والضغينة.

وأسهم الشعوبيون بإقامة الدولة الإسماعيلية الفاطمية في المغرب والأندلس نكاية بالخلافة العباسية ولإضعافها بدءا بتونس حيث أسسوا مدينة المهدية عام 300 هـ بقيادة عبيدالله المهدي منتسبا إلى الإمام جعفر الصادق واختلف المؤرخون فنسبه بعضهم إلى الفرس اليهود، ومنهم من ربطه بجذور قرمطية، وبعد فتح مصر أسسوا القاهرة واتخذوها عاصمة، اعتنقوا مذهب الإسماعيلية المتأثر بالفلسفة الإغريقية، فأساءوا إلى جميع المذاهب، واضطهدوا كل الأديان وانتهكوا حرمة المعابد المسيحية واليهودية التي لا يبيح الإسلام انتهاكها، وعظموا خلفاءهم إلى حد التأليه، وقالوا فيهم شعرا بلغ مرتبة الكفر: قال ابن هانئ الأندلسي في الخليفة المعز لدين الله الفاطمي تزلفا: ما شئت لا ما شاءت الأقدار، فاحكم فأنت الواحد القهار، فكأنما أنت النبي محمد، وكأنما أنصارك الأنصار، والكارثة أن المعز هذا سلّم مدينة غرناطة بيده لمندوب الملك الإسباني فرديناند، ورحل عنها إلى الأبد، فارا بجلده وتاركاً شعبه بيد أعدائه، وهم من حارب الخلافة العباسية طيلة خلافتهم التي دامت قرنين ونصف، وبيّت الفاطميون للمسلمين المكر ودبروا لهم مع الصليبين المكائد متعاونين مع الفرنجة الغزاة ضدّ الدولة الزنكية حتى هيأ الله لهم صلاح الدين الأيوبي فقضى عليهم ومهد لتحرير بيت المقدس.

أما أكبر تهديد شعوبي واجهه العرب والإسلام منذ قيام الدولة الفاطمية التي أسهمت في ضعف وسقوط الخلافة العباسية، هي الحروب الصليبية التي مازالت آثارها تكمن في صدور الأوروبيين حتى اليوم، وتتجلى حقيقتها في دعمهم الحركة الصهيونية لاحتلال فلسطين والتهديد بالتوسع. ثم الدولة الصفوية التي ظهرت في القرن العاشر الهجري في إيران مستفيدة من التراث الفاطمي فأباحت هي الأخرى دم السنة، ذبحت منهم أكثر من مليون شهيد وأرغمت الآخرين على الإيمان بالمسلمات الشعوبية الصفوية الخرافية قسرا وقهرا، وغزَت العراق، وذبحت مئات الآلاف. ولم تخف عداءها للعرب الذي ورثته بعدها إيران الحديثة على عهد البهلوية ثم الثورة الإسلامية، وهو ما سنركز عليه في الحلقة الأخيرة القادمة لعلاقته الوثيقة بموضوعنا.

لم يكن العرب مرتاحين لسياسة جارهم الشاه، وقد طبع علاقته بإسرائيل واحتل الجرز الإماراتية، وساند تمرد أكراد العراق بالمال والسلاح، وحين لاحت بشائر الثورة الإسلامية 1979 كانوا يأملون منها تصحيح علاقة إيران بالعرب، ولاسيما أن الثورة ترفع شعار تحرير فلسطين، لكن الأيام كانت كفيلة بتبديد الأمل، وحل محله الشعور بالخيبة والمرارة، لم يختلف الإسلاميون الجدد عن سلفهم الشاه وعن أسلافهم الصفويين، في نزعتهم الشعوبية المتعالية، وبدا أنهم يطمحون لاستنساخ صورة مستلة من مخلفات الحكم الفاطمي وأحفادهم الصفويين، في التطرف والغلو المذهبي، يقول الخميني في كتاباته: “إن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مُرسل” – ولا حول ولا قوة إلا بالله- وازدادوا غلوا بنظرية ولاية الفقيه وما دبرت إلا لسحب السلطة الدينية من آل البيت إلى يد أتباعهم، وأصبحت المراجع من باب الضرورة غير عربية تتوشح بعمامة سوداء.

جمع الخميني بنظرية “ولاية الفقيه” السلطتين الروحية والزمنية له ولمن يأتي بعده، حتى ظهور الإمام المنتظر، فرفضتها حوزة النجف العلمية العربية، وعدتها خارجة عن الإرث الشرعي التقليدي للشيعة. وأبى الإمام موسى الصدر الانصياع لها متمسكا بعروبته، واعترض العلامة السيد محمد علي الحسيني رئيس المركز العربي الإسلامي علانية على محاولات الإيرانيين التخلص من علماء الشيعة العرب. كون التشيع العربي “من دون تعصب”. والعرب يرفضون “شتم الصحابة”. وناشد خامنئي “إذا كنت تطالب بالوحدة عليك أن تهدم قبر أبي لؤلؤ، قاتل الخليفة الراشدي الثاني لأن هذا القبر أذية لقلوب ملايين المسلمين وعليك إحراق كُتب الفتنة التي تدعو للعن الصحابة التي توزع مجاناً في إيران”. ولا من مجيب!

ورفض آية الله حسين المؤيد رئيس التيار الوطني العراقي النهج الصفوي للقيادة الإيرانية، وخشية تصفيته جسدياً هرب إلى الأردن، وهرب بعده الإمام محمد جواد الخالصي الأمين العام للمؤتمر التأسيسي الوطني العراقي إلى سوريا، ولا علم لي أين هو الآن. ومن بقي بالداخل من العلماء الشيعة تعرض لهجمات المليشيات الصفوية، منهم آية الله السيد أحمد البغدادي الحسني، والسيد الصرخي في النجف الأشرف، وغيره كثر، وقال أمين عام الهيئة العراقية للشيعة الجعفرية السيد رضا الرضا: إن إيران تستغل الاحتلال الأميركي في تشيّع المنطقة من البوابة العراقية، وأكد وجود مساع جدية تعمل عليها إيران بالتعاون مع عملائها لتحويل العراق إلى دويلات قائمة على أساس طائفي وعرقي، كما فعل الصفويون بإيران من قبل.

لقد دفعت معارضة غالبية المراجع العربية خصوصا خريجو الحوزة العلمية في النجف الأشرف أفكار الغلو، وإنكار ولاية الفقيه، المتنفذين الإيرانيين إلى اتباع سياسة تغييب المرجعية الشيعية العربية عقودا وتحجيم دورها تعمدا. واعتماد مرجعيات أعجمية ذات نزعة شعوبية معادية للعرب على الرغم من أن حوزة النجف العربية هي الأصل في تخريج العلماء، فمن مرجعيات الشيعة الرسمية آية الله علي السيستاني، فارسي من مشهد، وآية الله بشير النجفي هندي من جالندهر. وآية الله إسحق الفياض أفغاني من غزني، وآية الله سعيد محسن الحكيم فارسي من أصفهان ولادة النجف، ورغم الشكوك والأسئلة والتهم التي أحاطت بهم في الإعلام ووجها لوجه لا نجد ردا مسؤولا عما إذا كان الآيات الأربعة سادة ينتمون لآل بيت الرسول الكريم قطعا أم لا، فنحن نعرف إجمالا أن العربي وآل البيت يتلقبون بأصولهم العربية، ولا يلقبون بأسماء المدن والمهن والصفات التي اختص بها الأعاجم من دون العرب.

وإمعاناً في المكر والتدبير سعت الشعوبية الفارسية لإخفاء أمرها في الارتباط ببيت النبوة لشق وحدة المسلمين، وبعد أن تحكمت نشطت بنشر الأحاديث الموضوعة ونسبها للأئمة الأطهار، وكرست مظاهر البدع وممارساتها وطقوسا لم يعرفها الإسلام من قبل؛ كمواكب اللطم وشق الرؤوس بالسواطير ورجم الأكتاف بحلقات السلاسل الحديدية، والدعوة لجعل مرقد الإمام الرضى في إيران قبلة للمسلمين حتى لو افترضنا لأغراض الزيارة عوضا عن البيت الحرام تخليدا لدور بلاد الفرس الديني، وخلاصة ما يمكن التوصل إليه بيقين لا يقبل الشك، أن اليهود والمجوس الفرس تقاسموا الأدوار عبر التاريخ لإسقاط دور العرب الحضاري حقدا وكراهية. والثأر من العرب الذين مسخوا عبادة النار والشيطان وتعاهدوا وتعاونوا لإضعاف أمة العرب ومحاربتها.

About هيثم هاشم

ولد في العراق عام 1954 خريج علوم سياسية عمل كمدير لعدة شركات و مشاريع في العالم العربي مهتم بالفكر الانساني والشأن العربي و ازالة الوهم و الفهم الخاطئ و المقصود ضد الثقافة العربية و الاسلامية. يعتمد اسلوب المزج بين المعطيات التراثية و التطرق المرح للتأمل في السياق و اضهار المعاني الكامنة . يرى ان التراث و الفكر الانساني هو نهر متواصل و ان شعوب منطقتنا لها اثار و ا ضحة ولكنها مغيبة و مشوهة و يسعى لمعالجة هذا التمييز بتناول الصور من نواحي متعددة لرسم الصورة النهائية التي هي حالة مستمرة. يهدف الى تنوير الفكر و العقول من خلال دعوتهم الى ساحة النقاش ولاكن في نفس الوقت يحقنهم بجرعات من الارث الجميل الذي نسوه . تحياتي لك وشكرا تحياتي الى كل من يحب العراق العظيم والسلام عليكم
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.