الجزء التاسع:  من هو القائد؟

:لقراءة الجزء السابع:الجزء السابع من سلسلة (الوضع في سوريا)
:لقراءة الجزء السادس:  الجزء السادس من سلسلة (الوضع في سوريا)

لقراءة الجزء الخامس: الجزء الخامس من سلسلة دراسة الوضع في سوريا
لقراءة الجزء الرابع: اسبح عكس التيار
الجزء الثالث: القط بحب خناقو
الجزء الثاني: قوة الخرافة
الجزء الأول: نعم أنا علوية وأفتخر

أبسط تعريف من الناحية اللغوية: هو الذي ينقلك من النقطة “أ” إلى النقطة “باء”. بناء على هذا التعريف: هل كان محمد قائدا؟ نعم!
هل كان المسيح قائدا؟ نعم!
هل كان ستالين قائدا؟ نعم!
هل كان ابراهام لينكلون قائدا؟ نعم!
هل كان غاندي قائدا؟ نعم
وهل بشار الأسد قائد؟ نعم!
وبناءا على هذا التعريف أيضا: المعلم قائد، والأب قائد، والسائق قائد، ومدير المؤسسة قائد، ورئيس الشركة قائد،
والطبيب قائد، وكل منا من موقعه ومن خلال مسؤولياته قائد! ويبقى السؤال الأكبر: ما الفرق بين هؤلاء القادة؟
وكيف نميّز بينهم؟
……..
لكي نميّز بينهم يجب أن نأخذ عاملين بعين الأعتبار (ومن منكم يعرف عاملا آخر ليدلني عليه)
العامل الأول: كيف استطاع أن ينقلك من نقطة إلى أخرى، هل بالحب والكلمة وقوة الإقناع أم بالعصا والسيف و شئت أم آبيت ورجلك فوق راسك؟
العامل الثاني: هل النقطة التي نقلك اليها أفضل من النقطة التي نقلك منها؟
……
عندما نأخذ هذين العاملين بعين الاعتبار يسهل علينا وضع كل القادة في العالم ضمن حقلين لا ثالث لها, وعندما نتعمق في دراسة الخصائص التي تميز شخصيات القادة في كل حقل على حدة، سنراها متشابهة جدا، بل تكاد تكون واحدة.
لو درست تاريخ كل القادة في العالم لما وجدت قائدا واحدا استطاع أن يصل بأتباعه إلى برّ الأمان عندما يستخدم العنف وينقلهم بحد السيف.ولو درست تاريخ القادة الناجحين لوجدت كل منهم امتلك القدرة على الإقناع، الإقناع بالحب والكلمة الطيبة.
لا تستطيع أن تقنع أتباعك بالسير معك من نقطة إلى أفضل منها إلا إذا تبعوك عن قناعة ورضى وطواعية!
………..
تحضرني قصة طالما تذكرتها وأنا أبحر في الكتب التي تتناول سمات القائد الناجح، قصة سمعتها مئات المرات خلال حياتي في سوريا، “وكانت تتناول ستالين و”عظمته”!!!! أذكر مدرس التربية الوطنية وهو يروي لنا هذه القصة، ربّما للمرة الألف: عندما أصدر ستالين قانونا يمنع الناس من التدخين في الباصات، كيف استطاع أن يضمن سلامة هذا القانون؟؟ ثم يتابع ليجيب على سؤاله: علق مشانق داخل الباصات وصار يشنق كل من يخالف. ثم يعقب على قصته بقول: هذا هو القائد الناجح، وهكذا يجب أن يتعامل مع الناس، كي يحترموا القوانين. هكذا يجب أن يتعامل القائد مع الشعب؟؟؟؟؟ لذلك، لم تنتهِ أمة ستالين أفضل حالا بكثير من أمة محمد الذي قال: جئتكم بالذبح!
…….
حتى جدتي أم علي ـ رحمها الله ـ كانت فيلسوفة على الطريقة الستالينيّة! مرة قصت لي حكاية المختار الذي أبلغوه أن واحدا من مزارعي القرية وعندما تصل مياه الساقية لأرضه يحبسها ويمنعها من الاستمرار لتروي أرض غيره، فجلبه المختار وقطع رأسه ثم قال لمعاونيه، القوا هذا الرأس في مجرى الساقية كي يخبر كل من تسول له نفسه أن يحبس الماء ما الذي سأفعله به!
وكنا ننتشي فرحا أمام هكذا ثقافة وقصص!!
…..
في أوائل التسعينيات وكنت حديثة العهد في أمريكا، صدر قانون يمنع التدخين داخل المطاعم انتظرت بفارغ الصبر لأرى كم رأسا سيكون مقطوعا غدا صباحا، ومازلت أنتظر! خلال ثلاثة عقود من الانتظار لم أر شخصا واحدا، شخصا واحدا يدخن داخل مطعم، حتى عندما أتوقف في صحراء نيفادا وفي طريقي إلى لاس فيغاس لألتقط لقمة على الطريق، وهي عادة مطاعم لا يراقبها إلا الضمير وثقافة احترام القانون، فهي معزولة عن كل جهة قانونية، ولكن ليست معزولة عن مفهوم الإنسان للقانون وضرورة احترامه. الأمريكي يلتزم بالقانون ليس خوفا من أن يُقطع رأسه بل لأن أحساسا بالثقة ، بالثقة بحكومته وبالقائمين على حماية المجتمع، وبالتالي احترامه للقوانين التي تصدر عنهم، متجذر في المادة الوراثية عنده. احترام القوانين ثقافة وأخلاق ولا ينبع من خوف!
….
يقول المختص في علم التحليل النفسي الأمريكي
Richard Carlon:
There are times when being aggressive will assist you in getting your way,
But this type of aggressive attitude always comes back to haunt you
(في بعض الأوقات تستطيع أن تستخدم العنف لتنفذ خطتك، ولكن دائما هذا النوع من السلوك سيعود بعواقب وخيمة)
فكيف إذا كنت قائدا، وكنت تملك مصير وطن بكامله، وطحنت أبناء هذا الوطن بالحذاء العسكري على مدى خمسة عقود؟؟؟
يجيبك على هذا السؤال الفيلسوف البريطاني الذي عاش في القرن السابع عشر
Joseph Addison
بقوله:
No oppression is heavy and lasting as that which is inflicted by perversion and exorbitance of legal authority
(لا يوجد إطلاقا قمع أسوأ وأشد تأثيرا من القمع الذي تمارسه سلطة نظامية، من خلال فسادها وتجاوزها لكل ماهو معقول)
أما عن الفساد وتجاوز القانون في بلداننا من قبل السلطات الحاكمة، فحدث بلا حرج!!
….
أول خطوة يجب أن يخطوها القائد لكي يكون ناجحا، وحتى قبل أن يستلم دفة القيادة هي أن يكسب قلوب الناس قبل أن يكسب عقولهم. إذ لا تستطيع أن تقنع انسانا بان يتبعك قبل أن تكسب عواطفه، والناس بطبيعتها البشرية قبل ان تعرف جاهزيتك لتقود
يهمها أن تعرف مدى اهتمامكم بهم وحرصك على تحسين وضعهم واحترام مشاعرهم.
……
عام ١٩٩٤ اشترى عمال شركة
SouthWest
الأمريكية للطيران صفحة اعلان في جريدة
USA Today
ليكتبوا بها تهنئة لرئيس الشركة بمناسبة عيد “الرئيس” جاء في بعضها: شكرا هيرب، اسمه
Herb Kelleher)
شكرا لأنك تعرف اسم كل واحد من موظفيك…. شكرا لأنك تساعدنا في ملئ الحقائب الخاصة بعيد الشكر… شكرا لأنك تعطي كل واحد منا، نعم كل واحد منا، قبلة …. شكرا لأنك تصغي الينا… شكرا لأنك تغني معنا في الأعياد…. شكرا لأنك تسمح لنا بأن نرتدي أحيانا شوراتات وصنادل أثناء العمل…. شكرا لكونك صديق، ولست مجرد رئيس… لك تهنئة قلبية بمناسبة عيد الرئيس من كل واحد من موظفيك الـ ١٦٠٠٠, هكذا يستقطب القائد الناجح ، سواء كان رئيسا لشركة أم لوطن ـ هكذا يستقطب قلوب أتباعه!!
………………
سأل الصحفي التابع لقناة فوكس نيوز الأمريكية الرئيس السوري، وكان ذلك بعد ثلاثة سنوات من بداية الحرب: يقال أن ٢٠٠ الف انسان سوري قد لقوا حتفهم في تلك الحرب، ماذا تقول؟ فرد على الفور: ليس صحيحا، هذه أخبار مبالغ فيها! وراح ينتقد الصحافة الغربية، وكأنه يريدها على مقاسه كالصحافة السورية! عندما قالها شعرت أن سكينا غاصت في قلبي وخبأت وجهي بيدي خجلا. لنفرض أن شخصا سوريا، شخصا واحدا كان قد قُتل، ألم يكن من الأفضل، دبلوماسيا وانسانيا، أن يتابع قوله: أشعر بالأسف على كل روح سورية زهقت، ولكنها الحرب التي لا ترحم؟؟؟؟ كيف ستكسب قلوب أتباعك كقائد عندما تملك من القساوة وتبلد المشاعر ما يسمح لك أن تتجاهل حتى ولو حياة واحدة، حياة واحدة لفرد من شعبك؟ القائد الناجح لا ينام الليل عندما يعلم أن حياة قد هُدرت وكان مسؤولا عنها, التعبير عن الأسف أمام حياة تُزهق ليس ضعفا وإنما أسمى مظاهر القوة!
……
كيف تستطيع أن تكسب قلوبهم عندما تستهتر بحياتهم؟؟؟؟ إذا قبلنا من باب الجدل، (وطبعا لا يمكن شخصيا أن اقبل حتى عندما تستهتر ـ كقائد لوطن ـ بحياة الارهابين، فكل حياة في نظري قيمة)، إذا قبلنا أنك تقصد الارهابيين، فما بالك بالذين سقطوا دفاعا عن عرشك؟؟؟ الا يستحقون التعبير عن الأسف؟؟؟؟ هذا من جهة ومن جهة اخرى، هؤلاء الأرهابين لم يولدوا ارهابين، بل تربوا ليصبحوا كذلك. الإرهابي مسؤول عن ارهابه، لكنك أنت ـ دون غيرك ـ مسؤول عن تحوله إلى ارهابي. الظلم والفساد والفقر يسلب الناس أخلاقهم ويحولهم إلى ارهابين…. بالاضافة إلى أنهم تربوا في عهدك وعهد السيد والدك، تربوا في أحضان القبيسيات وعلى مرأى من أنظاركم.. ربتهم معاهد تعليم القرآن التي أنشأتموها، ظنا منكم أنكم ستكونون في مأمن من التمساح.
ولكن التمساح يؤجل أكل من يهادنه للأخير (على حد قول تشرشيل) لقد جاء دوركم، بعد أن التهم التمساح الاسلامي بموافقتكم كل شيء جميل في ذلك الوطن….
…..
عندما كان بوب دوول مرشحا لرئاسة أمريكا وكان منافسه يومها بيل كلنتون, كنت استمع إلى مقابلة معه. سألته الصحفية: أنت طعنت ببيل، وكان وقتها يمشي في جنازة أمه، لم تقدر ظرفه عندها!! غطى بوب دوول وجهه بيديه، وقال: بوب دوول لا يفعل ذلك، إني أعتذر….إني أعتذر! ويقول البعض في محاولة للطعن بي: بهرتها أمريكا. نعم بهرتني!!! يبهرني كل من يقدر الحياة ويحترمها! للحياة هيبة وللموت هيبة، ولذلك يجب أن نحترم الحياة ونحني رؤوسنا أمام الموت.
…..
منذ فترة راح بعض الموالين ينشرون قصة على صفحات الفيس بوك، ينشرونها بفخر، لأنهم فقدوا احساسهم بالمعنى الحقيقي للفخر. فهم يوالون معصوبي العيون، يزحفون خلف البوق الإعلامي للسلطة بعد أن تجردوا من قدرتهم على التفكير. القصة تحكي عن كيف اقتحمت الشرطة السورية بيتنا في تلك القرى المنكوبة لتخبر الوالدين في البيت، أن ابنهما قد فر من خدمة الجيش وعليه أن يلتحق بالسرعة القصوى. تحني الأم رأسها وتذرف دمعة: ليته كان فارا لأسلمه لكم على الفور، وتتابع: لقد استشهد منذ عامين. هل هناك جريمة تفوق في فظاعتها تلك الجريمة؟ متى كانت حياة الانسان أقل حتى من أن تكون رقما في سجلاتكم؟؟؟؟ متى كانت حياته أقل شأنا من أن تلموا بموته؟؟ ألا تخجلون؟؟ طبعا لا، وإلا لعلق كل واحد منكم مشنقته اليوم قبل غدا!
….
ويبقى السؤال: كيف سيكسب القائد قلوب أتباعه وهو لا يملك قلبا؟؟؟؟ الجواب يأتي لاحقا، فتابعوني……

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply