العودة من المستقبل: قصة قصيرة

الفكرة اولاً:
تعتمد على قراءة لغة الجسد ولغة الرداء انْ صحّ التعبير وترجمتهما معاً لمعرفة شخصية الشخص المراد محل القراءة .
كماأنى جسدتُ كيف أنّ الأعمال السيئة تنمّ عن مستقبل أسود ,والأعمال الصالحة تنمّ عن مستقبل طيب,ومن خلال ا.د أفكار.. تعرضتُ لقضية إجتماعية خطيرة ,من خلالها أخذتها وأخذتُ شادية وسُكينة فتاتيْها مِن مستقبليهما الضائع الغامض وعدتُ بهما إلى مستقبل مشرق بتصحيح مسار حاضريْهما .
==========================================================
القصة :تقول أفكار
كان زوجى تسبح روحه فى اكتئاب حاد حتى صرعها تاركاً إيّاى وفتاتينا الصغيرتيْن شادية وسُكينة ,وكنتُ أحبه كثيراً جداً وتأثرتُ بموته لدرجة أننى لمْ أجد عِوضاً عنه غير ان أنتقم من هذه الأسقام التى تنال من النفس فترْديها تحت سترة التراب ,أصرع الأسقام قبل ان تصرعهم .
واخذتُ افك شفرات طلاسم النفس وأكشف ستائر خلجاتها حتى صارتْ تلك النفس بدروبها وجوانحها ومفاصلها مترائية ومطواعة.
فتوقد ذهنى أيّما توقد وتبحرتُ فى هذا العلم النفيس وحصلتُ على أعلى درجة علمية من أكبر جامعات العالم وتُوّجتُ أخيراً على عرش الأدب بحصولى على جائزة نوبل فى الأدب .
درّستُ انا ا.د افكار فى اكبر الجامعات العربية والأجنبية ولا أكاد آتى مصر وطنى ومسقط رأسي إلا قليلاً.
كعادتى دائماً احتضن فتاتيّ شادية وسكينة بحنان بالغ وأسألهما عن حالهما ثم آتى الفراش لأنام .
فتحتُ حاسوبى لأرى أحدث المستجدات العلمية فلفتَ نظرى اثناء التصفح قضية فتاتيْن خلف القضبان ,أهملهما أبَواهما من كثرة الترحال حول العالم اذ كانوا سفيرين لبلدهما.
فانتبهتُ واخذتْ رأسي تشرأب إلى الأمام دافعة أيضاً جسدي معها فاغرة فاهى محملقة العين مستحضرة فى مخيّلتى هذا التوافق العجيب بين ترحالى وترحال والديْن هاتيْن الفتاتيْن,فتصارعتْ دقات قلبى ووجب واشتدّ وجيبه حتى سارعتُ فى الدلوف على أبواب صغيرتيّ فوجدتهما نائمتيْن.
فعدتُ حجرتى غريقة النفس وركضتُ حتى أذّن الصبح بلحظات الغيث.
دلفتُ باب شادية وولجتُ الباب فإذا بشادية تتأهب للخروج قاصدة جامعة القاهرة .
فحملقتُ فى زيّها مندهشة مائلة الرأس يميناً وشمالاً تجرى عيناى على بساط ذاك الزى الفاضح الذى يظهر مفاتن جسدها الصارخة الداعية لكل شهوة او نظرة .
وسكتتُ برهة ولم انبس بكلمة,وما كان سكونى إلا إمعان النظرفى لوحة بخيالى ارى فيها نفْس ابنتى خلف قضبان الأمس بسجية المستقبل .تلك القضبان التى ارتأيتها من ميوعة ألفاظ ابنتى التى أدمنتْها حتى انها عجزتْ ان تظهر أمامى بصورة أليق من هذا وسرعان ما أصابها الإبلاس فتهتهتْ ثم سكتتْ .
واحسرتاه: انا أ.د أفكار ابنتى شادية ترتدى فستاناً ضيقاً تكاد مفاتن جسدها لا تتنفس من الإنضغاط ,يبدأ ينادى مشتهوها من فتحة الثدى المتدلى على قاعدة حمالة الثدى الحمراء.
يبدأ التدلى كاشفاً بين ثدييها ذاك المفرق الناعم الجذّاب وينتهى بحلمتى الثدى المستقرتين على الحمالة الحمراء,وتَبرزُ الحلمتان كسحابتىْ ماء تنادى ظامئيها.
ويظهر تحت الفستان من الأمام ذاك التحدّب المتناسق البارز من الخِصر والفخدين وسرّتها تلك التى لا تخفى على راءٍ.
ومن خلف الفستان ارى مؤخرتها وكأنها وُضِعتْ فى قالب و استُنسختْ بعملية قوْلبة.
أهدابها تومض كألوان الطيف تعلوها حاجبان حادتان يكاد لا يري منهما إلا تلك الألوان التى خضّبتْ أهدابها,وينسدل شعرها المرسل يشعّ من على سطحه أضواء ذهبية وسيلفرية برّاقة ,وتلبس حذاءً كعبه يكاد يكون كالهرم المقلوب .
وفجأة رنّ المحمول فتناولته واذا بشاب يقول :حبيبتى “غانية” كانت ليلة امس ممتعة فى حجرتى ما رأيك ان نكررها اليوم؟.
وما ان سمعتْ تلك الكلمات إلا وسكنتْ روحى تختنق بحبال هذه الكلمات واشتد غليان قلبى وانفطر وفرغ.
وأمسكتُ نفسي وطفقتُ أبحث عن حقيبتها.
ففتحتُها فوجدت كارنيه الجامعة مكتوب فيه انها من الفرقة الاولى فسألتها
ألستِ فى الفرقة الرابعة يا شادية؟
فأجابتْ :انا اسمى “غانية “يا ماما وانا لا أذهب للجامعة ,وهذا سوء عملك يا ماما, فتاتان ليس لهما أب ولا أم .
رحلتِ عنا فرحلنا وتهنا وضاع أسمى وأسم أختى فى فلوات تِرْحالك.

*********
خرجتُ مِن عند شادية فارغة القلب مغمغمة بكلمات الحسرة والخيبة .
خرجتُ قاصدة حجرة سُكينة وكلى وجل وخوف وإشفاق مِن انْ أجد الأخرى مثل أختها.
فرأيتُ ابنتى الثانية سكينة فتاة عازفة عن كل شئ ,ردائها الأسود من الرأس وحتى أخمص القدم ,شعرها ينسدل بغديرتين تتدليان على ظهرها ويواريهما ذاك الحجاب الأسود .
شعر شاربها نابت ظاهر ,وشعر حاجبيها مبعثر متشرذم .
أكاد لا أري من جسدها إلا جلبابها الذى ترتديه,ووجهها المخضّب بالشعر المتناثر .
عيناها لا تكاد تترك بساط الأرض او سقف الحجرة ,تستحى من كل شئ ,وتودع كل حى ,وتخاف من كل شئ,تأنس بالسكون والفلوات.
مشيتها كالسكيرة تسير مترنحة معوجة ومحدبة الظهر كانها جاءتْ من بين الأموات لتعيش بين الأحياء.
وسألتها :هل أنتِ فى الدنيا يا سكينة أمْ لا ؟
وفتحتُ حقيبتها فوجدتُ كارنيه الجامعة مكتوب فيه إنها من الفرقة الأولى فسألتها
ألستِ فى الفرقة الثانية يا سكينة؟
فأجابتْ انا اسمى “تيْماء”يا ماما وانا لا أذهب إلى الجامعة وهذا سوء عملك يا ماما, فتاتان ليس لهما أب ولا أم
رحلتِ عنا فرحلنا وتهنا وضاع أسمى وأسم أختى فى فلوات تِرْحالك.

*********
وانهدّ جسدى حيث أقرب كرسى وما استطاعتْ قدماى حملى واستبان لى مستقبل فتاتىّ المظلم الذى يهدّهما ويهدّ المجتمع الذى لطالما جاهدتُ فى إصلاحه لتحيا البشرية بنفوس آمنة واعدة مطمئنة.
إندثر ما كتّلته من إرادتى من عزم وإصرار وانفسختْ عزيمتى ,التقتْ آلام الماضى بطعنتىْ الحاضر وشكلتْ ساتورا صدع رأسى.
تعاظم وجيب قلبى وضربة رأسى وتلجلج لسانى واعوج وتلعثم بغمغمات لحروف عيية محصورة,وقد ثقفتنى المصيبة وأمسكتْ بلجام عزيمتى .
وما ترى عينى إلا أوار من جبال تعلوها سحابة من العجّاج والإهماج وطنين الذباب الكبير ,يتسارعون جميعاً حاملين ذاك الأوار الملتهب الذى التفَّ حولى ليحرق ويأكل لحمى كما حرق وأكل لحم شادية وسكينة,وما إنْ وصل ذاك الإهماج والذباب الكبير الملتهب حتى خررتُ هامدة أحيا فى موت الغمم .
والتف الفتاتان حولى وأخذانى إلى المستشفى وقد أصبتُ بجلطة فجائية ,ووضعونى فى العناية المركزة .
والفتاتان تبكيان ندماً على استسلامهما لتصاريف الأقدار الخانقة,وتقولان فى حسرة : لولا نقاوم ونصبر على ما بدر منا.
لقد حمل جسد الأم المسجّى بين الحياة والموت رسالة ندم وموعظة وتوبة على ما كان منهما من استسلام لتصاريف القدر.
وخرج الدكتور من العناية يحمد الله على نجاتها من مرحلة الخطر.
خرجتْ الأم من العناية المركزة وما ان سمح لها الدكتور بالكلام حتى اجتمعتْ بفتاتيها وهما يقبّلان يديها وقدميها وسط دموع متبادلة .
أدركتْ أفكار “الأم “الان انّ أفكار”أ.د ” والحائزة على جائزة نوبل,انّ الأم اغلى وأصلح لمجتمعها ومجتمع فتاتيها,وما كان يجب عليها الترحال .
وقالتْ لنفسها لابد ان نجد أ.د أفكار بلا ترحال حتى تعيش تمد ظلالها على فتاتيها.
لابد ان نأخذ أفكار من المستقبل الذى رسمته لنفسها ونعود بها الى حاضر فتاتيها.
لابد ان نُرجع المستقبل القاتم لأولادى ونلبسهم رداء حاضر صالح ونقى حتى يصلوا إلى مستقبل اخر ,
هو مستقبل النور والأمل والطموح والإنتصار.

**********
من قصّى :إبراهيم أمين مؤمن

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

دليلك إلى حياة مقدّسة (الفصل العاشر)

في الفصول السابقة، عززت معنى الامتنان، وشجعت على اتباعه كاسلوب حياة!
لا تستطيع أن تكون ممتنا، إلا إذا كنت متقبلا للدفق الحياتي بلا أحكام مسبقة الصنع ومعلبة.
أحكام جهّزها لك الآخرون كي تستخدمها قبل أن تثبت لك تجاربك في الحياة مصداقيتها، أو تقوض من تلك المصداقية!
لا تستطيع أن تكون ممتنا للحياة، مادمتَ قد رضحت للقولبة الفكرية التي برمجك عليها هؤلاء الذين ساهموا في تربيتك،
ابتداءا بوالديك وانتهاءا بسمّان الحارة “أبو رزوق”!
…..
أقرأ الآن كتابا، وهو الكتاب الأول من نوعه الذي سقط بين يدي!
لست هنا لأتناول موضوع الكتاب، ذلك الموضوع الذي لم أقرأ عنه في حياتي من قبل،
وهو موضوع شائك جدا، ومن الصعب على قارئ عادي أن يستوعبه!
لكنني أود فقط أن أشير إلى عنوان الكتاب، فالكتاب ُيقرأ من عنوانه، والعنوان هو أهم جزء في أي كتاب!
الكتاب بعنوان
“Simple Kabbala”
، “القبالا كعقيدة مبسّطة”
“القبالا” كلمة عبّرية تعني “القبول”، فلقد ُفسرت في الكتاب على أنها تعني
“Acceptance”
و “القبالا” هي مذهب روحاني مشتق من اليهودية، ويقوم على أساس أن تمشي في الحياة مسالما، ومجردا من
أنيابك ومخالبك كي لا تصطدم بدفقها السيال!
هذا الاسلوب الحياتي يساعدك على تقبل الناس، و على أن تكون منفتحا لتتفهم ظروفهم ودوافعهم،
كي تكون قادرا على قبولهم والتعايش معهم، قبل أن تصدر عليهم أحكاما معلّبة ورثتها ولم تستنتجها!
…………..
في أواخر السبيعينيات كنت طالبة في الجامعة، وكان لديّ صديقة عزيزة تعيش معي في نفس الغرفة بالمبنى الجامعي.
بعد عطلة منتصف العام، عادت بسيارة اجرة من مدينتها اللاذقية إلى حلب.
في الطريق داخت وبدأت تشعر بحاجتها إلى الإقياء فتوسلت إلى السائق أن يقف ويعطيها بضع دقائق كي ترتاح.
المهم، وصلت إلى المبنى الجامعي لتكتشف بأنها أضاعت حقيبتها عندما توقفت لتتقيأ.
كان الطريق يومها من اللاذقية إلى حلب جبليا متعرجا ويشمل الكثير من المنعطفات،
يطل في معظمه على وديان عميقة، وكان من المستحيل أن تعرف النقطة التي توقف عندها السائق!
لا يمكن أن تقدر الألم الذي يعيشه طالب عندما يفقد مصروفه الشهري، ويعرف أن أهله بالكاد يؤمنون له ذلك المصروف!
بكت غادة كثيرا وحزنا نحن صديقاتها على مصابها الكبير!
لم يمضِ سوى بضعة أيام حتى تلقت غادة رسالة من مكتب البريد التابع للجامعة يُخبرها بأن لها أمانة هناك وعليها أن تأتي لتأخذها!
كم كانت المفاجأة كبيرة عندما اكتشفت غادة بأن الطرد البريدي يحمل حقيبتها المفقودة.
أوقف رجل مسافر سيارته في طريقه من اللاذقية إلى حلب كي يقضي حاجة، وإذ به يعثر على الحقيبة.
فتحها ووجد من ضمن محتوياتها هوية غادة الجامعية،
وضع الحقيبة في طرد بريدي وأرسلها إليها على عنوان الجامعة!
حتى تاريخ هذا السطر، أول ما سيخطر ببال القارئ حجم انسانية ذلك الرجل وعمق إحساسه بالغير وتقديره لآلامهم!
لكن قد تغير رأيك وتقف في صف من وقف ضده من الطالبات في ذلك اليوم!
لقد ارسل ضمن الطرد رسالة تشير إلى أنه اقتطع من الـ 200 ليرة سورية التي وجدها في الحقيبة، وكانت مصروف غادة الشهري آنذاك، مبلغ 3 ليرات كأجور البريد!
أو ربّما لا تغير رأيك، فهو ليس ملزما بدفع اجور البريد!
لا تحكم، فبقية القصة أكثر إثارة!!!
…….
كان هذا الرجل فلان الفلاني،
أكبر رجل أعمال عرفته سوريا في تاريخها آنذاك، وأكبر مليونير سوري في ذلك الوقت!
(يا لسخرية الأقدار مليونير يعثر على حقيبة فقير مدقع)!!!
في تلك الحقبة كان معظم الشعب السوري (وربّما لا يزال) ينظر إلى أغنيائه كلصوص انتهازيين سروقوا لقمته وعرق جبينه.
أثناء ارساله للطرد كطرد مضمون، كان لا بدّ أن يكتب اسمه على الظرف الخارجي.
هكذا توصلت غادة ونحن إلى معرفته!
انقسمنا نحن الطالبات إلى صفين،
صف يُدين تصرفه لأنه اقتطع اجور البريد من مصروفها الشهري،
والصف الآخر اعتبره انسانا خلوقا ويستحق الشكر والامتنان، باعتباره ليس ملزما أن يضيع وقته ويرسل الحقيبة بالبريد المضمون،
كانت هذه هي الحقيقة بالنسبة لي، ولذلك وقفت إلى جانب هذا الصف!
لو وجد هذا المليونير ثلاث ليرات سورية على الأرض آنذاك لا أعتقد أنه سيضيع ثانية من وقته ليلتقطها،
فلديه من الأموال ما يكفي مدينة بكاملها!
لكنه، أبى أن يدفع تلك الليرات من جيبه كمساعدة لطالبة، يعرف من حقيبتها أنها تعيش أبشع أشكال الفقر!
لا يهم، يجب أن ننظر إلى الجانب المضيء من فعلته، ونتجاوز ذلك الجانب المثير للجدل!
يقول مثل روسي: (الإنسان كالنهر، تراه أحيانا عميقا كالبحر، وأحيانا أخرى ضحلا كالساقية)
يجب أن ننظر إلى غزارته عندما كان بعمق البحر، ونتغاضى عن ضحالته عندما مرّ بطور الساقية!
……
من الخطأ بمكان أن نوصم شخصا من خلال تصرف ما، من يدري؟
قد يكون عندها مارا بطور الساقية!
ألم تخسر صديقا كان يوما حميما جدا، لأنه مر يوما بهذا الطور؟
لماذا تغاضيت عن غزارته في كل الأطوار التي كان خلالها بحرا، وركزت على ضحالته عندما
كان ساقية؟؟؟
لكل تصرف أسبابه وظروفه!
القدرة على فهم ظروف الناس هي الخطوة الأولى في الطريق لبناء علاقات انسانية معهم،
واكتسابك لتلك القدرة هو أوضح علامات النضج العقلي والعاطفي، بل وأصدقها.
ليس كل صاحب حق دوما على حق، وليس كل ذي باطل دوما على باطل.
لذلك، يجب أن نتعامل مع “نسبية” الحياة وليس مع جداول ضربها!!
يجب أن نقبل حقيقة ناصعة كبياض الثلج، ألا وهي أن الإنسان يمرّ بأطوارٍ،
بعضها بعمق البحر وبعضها الآخر ضحل كالساقية! (سأشرح لاحقا في الكتاب كيف ولماذا)
البشر يختلفون في جودتهم باختلاف مدة كل طور، وليس في عمق بعضهم وضحالة البعض الآخر!
لا تسمح لتجربة واحدة أن تحدد موقفك من شخص ما، أو أن تبرمجك على قناعة ثابتة،
فذلك الموقف قذ يفوّت عليك إحتمال أن تلتقي بغزارة ذلك الشخص عندما يمر بطور البحر،
وتلك القناعة قد تحجب عنك الجمال الكامن في تجارب لاحقة!
………
كنت أستمع مرّة إلى مقابلة مع رجل أمريكي يروي قصة حياته.
لفظته عائلة منهارة، فوجد نفسه في سنوات شبابه المبكر
مشردا في الشوارع، يفترش الأرض ويلتحف الأكياس الفارغة التي يجمعها من براميل القمامة، مرهقا مخمورا جائعا متبلد الإحساس.
أحد الأيام كان يقطع الطريق فضربته سيارة مسرعة وقذفته مائتي قدما في الجو، ثم ارتطم بالأرض جثة هامدة!
دخل في غيبوبة طويلة فاق منها ليرى نفسه وقد خسر أحد رجليه!
قال في سياق المقابلة: (لم أستطع أن أمشي في الحياة منتصبا إلا بعد أن أصبحت أعرجا)
وتابع يقول: أول عبارة قالتها لي المرشدة النفسية في سياق عملية “إعادة التأهيل النفسي والجسدي” التي خضعت لها أثناء تواجدي في المستشفى،
قالت: (تذكر أنك مازلت تملك رجلا)!
هذه العبارة رفعت ثقتي بما أملك، واليوم أنا مهندس مختص في علم الكومبيوتر، ولي زوجة وأولاد، وأعيش حياتي ممتنا لكل صغيرة وكبيرة فيها!
…..
مرة أخرى قرأت مقالة لكاتبة أمريكية تروي من خلالها تجربة عاشتها وفتحت لها بابا جديدا للحياة.
في نفس الشهر ماتت أمها وكانت أقرب الناس إليها، وتخلى عنها خطيبها، وخسرت وظيفتها، وطُردت من
شقتها بعد أن عجزت على أن تسدي قيمة الأجار.
لم يبقَ في جيبها من المال سوى قليله!
قررت أن تترك ولايتها وتتوجه إلى ولاية أخرى أملا في أن تبدأ حياة جديدة.
في ولايتها الجديدة كان لها صديقة قديمة، وكان الزمن يومها قريبا من “عيد الشكر” الذي يحتفل به الأمريكان.
دعتها تلك الصديقة إلى مأدبة غداء الشكر في بيتها، فقبلت الدعوة.
في نفس اليوم توجهت إلى أحد المحلات التجارية أملا في أن تتمكن من شراء بنطال!
بعد جهد جهيد عثرت على بنطال، قيمته الأصلية سبعون دولارا، لكنها خُفضت إلى خمس دولارات نظرا لوجود مزق صغير
في أسفله.
لبست البنطال وتملكها إحساس بالراحة والفرح لأول مرّة في شهور، ومن ثم توجهت إلى منزل صديقتها.
على مائدة الغداء، وكعادة الأمريكان، قالت الصديقة لضيوفها سأبدا بكل منكم على حدة، وسأطلب منه أن يحدثنا لمن ولماذا
هو شاكر في هذا العيد!
هذا عبر عن امتنانه لوجود زوجته في حياته، وذاك لوجود والده وآخر لوجد صديق له، وهكذا دواليك حتى وصل الدور إليها.
شعرت بغصة في حلقها تكاد تخنقها، وتساءلت في سرّها: لست ممنونة لشيء، فحياتي اليوم تبدو طريقا مسدودا!
لكن ما أن بدأت بالكلام، حتى قالت: أنا ممنونة للحياة التي منحتني اليوم هذا البنطال، اشتريته بخمس دولارات ولم يكن
معي غيرها!
ضحك الجميع وضحكتْ معهم….
نعم ضحكت، واستمرت تضحك من تلك العبارة حتى تاريخ كتابتها لتلك المقالة.
قالت: (لم أكن أدري أن عبارتي تلك ستفتح لي بابا جديدا للحياة، أنا اليوم ناجحة على كل صعيد، ناجحة لأنني تعلمت
أن أمتن لامتلاكي الأشياء الصغيرة قبل أن أشكو وأبكي على فقداني للأشياء الكبيرة،
صار الامتنان طريقة حياة بالنسبة لي، وكلما شكرت الحياة على جميل صنعته لي، تلقي في طريقي جميلا آخر)
وهكذا أنا عزيزي القارئ!
……
في بداية حياتي الأمريكية جاورتُ سيّدة مصرية مسنة تسكن نفس البناية.
قامت بيننا علاقة أم بابنتها، وتعلقت كل منا بالأخرى.
انتقلتُ لاحقا من شقتي إلى أخرى تبعد حوالي نصف ساعة بالسيارة،
لكن أم رمسيس ظلت وفيّة لصداقتنا.
كانت تتلقى مساعدات غذائية من كنيستها، وكانت تصّر على أن تحتفظ ببعض منها لي.
مازال صوتها عبر الهاتف، وبعد قرابة ثلاثين عاما، يرن في اذني: يا وفاء، حاتبوظ المأكولات، ما تجي تاخديها يابتي!
كنت كلما سمح لي وقتي في زحمة الحياة أتوقف أمام شقتها لألتقط عشرات الأكياس المليئة بالخضروات
والحلويات.
للأمانة أقول: كنت أرميها في برميل القمامة التابع للبناية التي تسكن بها أم رمسيس، وقبل أن أصعد
سيارتي في طريق عودتي إلى البيت!
لم تمضِ مرّة واحدة إلا واتصلت بها في اليوم التالي اشكرها من أعماق قلبي على اهتمامها بي!
لم تكن ـ ولكبر سنها ـ ترى العفن الذي يعلوها، ولم تكن تعطيها لي من باب أنني أقل شأنا منها، ولكن
من منطلق محبة خالصة ورغبة صادقة لمساعدة جارة بعمر ابنتها، تصارع الحياة في مجتمعها الجديد!
لذلك، كنت أشكرها على محبتها التي تجسّدت في صنيعها، وليس على مدى استفادتي من ذلك الصنيع.
كان مجرد اهتمامها بي وبعائلتي معروفا رأيته يومها بعمق البحر.
ليس هذا وحسب، بل حجبت غزارته عني ضحالة ماحوته تلك الأكياس التي كانت “تتصدّق” بها عليّ!
لقد زودتني ثقافة “الامتنان” التي تعلمتها في أمريكا، زودتني بالقدرة على التقاط معالم الجمال
في أقسى المواقف، وشجعتني على أن أمتن لكل جميل!
لذلك، أعيش اليوم حياة ولا أجمل…..
………….
لا شكّ أن هناك مليون علامة استفهام حول سلوكيّات وطريقة حياة ذاك المليونير السوري،
لكننا، على الأقل في ذلك اليوم، لسنا ملزمين أن نقيّمه من خلال طريقة جمعه لأمواله، ناهيك عن تقييمه من خلال اقتطاعه لمبلغ
ثلاث ليرات سورية أجورا للطرد البريدي، وهو الذي لو وجدها على الأرض لن ينحني ليلتقطها!
لكننا ملزمون، ملزمون بـالقانون الطبيعي للحياة، القانون “الذي يرمي في طريقنا جميلا كلما عبّرنا عن امتناننا لجميل”،
ملزمون أن نقيّمه من خلاله ارساله للطرد، ذلك الصنيع الذي أعاد لغادة بعضا من ثقتها بالناس، ورسم البسمة على وجهها بعد
أن أكلحته تجربة ولا أسوأ!
إن القدرة على التقاط ماهو جميل ـ مهما كان ضيئلا ـ وامتنانه يساهم لاحقا في توسيع ساحة الرؤية لديك، فترى الصورة
كاملة وبكل تفاصيلها، ويصبح الحكم على الغير وعلى مجريات الأحداث مختلفا، مختلفا بطريقة جذرية.
بل يصبح أكثر عدلا وانصافا!
ليس هذا وحسب، بل تصبح قراراتك في الحياة هي ثمرة تجاربك الشخصية، وليست ناتجا حتميا لأحكام معلّبة برمجك عليها دينك أو نسبك أو طريقة تربيتك!
………
يذكر كتاب “القبالا كعقيدة مبسطة” قولا لانشتاين، جاء فيه:
All who seek the truth in the sciences of nature eventually come to understand that there is a power above that is reflected in the laws of the universe.”
“كل الذين ينشدون الحقيقة في مخابر العلم يصلون لاحقا إلى استنتاج أن هناك قوة عليا تتجسد في قوانين الكون”
لست هنا بصدد إقناع قارئي بوجود تلك القوة، لكنني بصدد اقناعه أن قانون الامتنان هو واحد من تلك القوانين الكونية،
ولا تستطيع أن تتأكد من صحته إلا من خلال المرور في تجربة الامتنان نفسها!
على كل حال، لو حدث ذلك ستجد نفسك موصولا بتلك القوة العليا التي تحدث عنها انشتاين، وستكتشف أن الوفرة في الخير والجمال قد صارت بالنسبة لك طريقة حياة!
يقول الطبيب والعالم الروحاني الأمريكي من أصل هندي
Deepak Chopra
Gratitude opens the door to the power, the wisdom, the creativity of the universe.
You open the door through gratitude
(الامتنان يفتح لك الباب إلى القوة والحكمة والطاقة الابداعية التي يملكها الكون، نعم تستطيع أن تفتح الباب من خلال
الامتنان)
….
إذن، عليك أن تتعلم كيف تدير مفتاح هذا الباب،
لو أردت أن تكون كونيّا بالمطلق!

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

زابيل يسايان

صرحت عمدة باريس ( آن هيدالغو ) في 27 آذار 2017 بإطلاق إسم زابيل يسايان على أحد شوارع باريس تكريماً للزياره الرسميه التي قام بها الرئيس الأرميني سيرج سارجيان الى فرنسا

زابيل يسايان كانت مواطنة عثمانيه من طائفة الأرمن ولدت عام 1878 وتوفيت في أحداث غامضه عام 1943 وما زال البحث جارياً عن نهايتها حتى اليوم , وهي روائيه ومترجمه وأستاذة أدب وناشطه في حقوق الإنسان

ولدت زابيل في ضاحية سلحدار في منطقة أسكدار / إسطنبول خلال الحرب الروسيه العثمانيه 1877 _ 1878 التي وقعت بعد فشل مؤتمر ترسانه , وترجع أسباب الحرب الى تصاعد حدة المد القومي في عموم أوربا ودول البلقان بشكل خاص بعد قيام نابليون بغزو دول اوربا وإسقاط ممالكها وتعيين أخوته ونسبائه ملوكاً عليها . دار قتال هذه الحرب في البلقان وكانت روسيا تبغي من ورائها إستعادة أراضيها التي خسرتها في حرب القرم بزعمها نيتها تحرير منطقة البلقان من الإحتلال العثماني

أسفرت الحرب عن تمكن روسيا من المطالبه بعدة أقاليم في القوقاز بعد حوالي 5 قرون من السيطره العثمانيه , فأعيد تأسيس دولة بلغاريا بعاصمتها الجديده صوفيا , أما دبروجه فقد منحت الى رومانيا وسمح للإمبراطوريه النمساويه المجريه ( دلمسيا ) بموجب مؤتمر برلين احتلال البوسنه والهرسك , أما بريطانيا فقد سمح لها بفرد نفوذها على قبرص

إلتحقت زابيل يسايان وهي بعمر 7 سنوات بمدرسة الصليب المقدس الإبتدائيه عام 1885 ثم واصلت تعليمها في باريس حيث درست الأدب والفلسفه في جامعة باريس وتأثرت بالأدب الرومانسي الفرنسي ونشرت أول قصائدها ( أغنية ليل ) عام 1895 وكانت وقتها في 17 من العمر

نشرت العديد من القصص القصيره والمقالات والمواضيع المترجمه باللغتين الفرنسيه والأرمنيه أثناء إقامتها في باريس وتزوجت من الرسام ديكران ياسايان وأنجبت منه إبنتها صوفي وولدها هرانت

عام 1908 وقع انقلاب قامت به جمعية تركيا الفتاة أدى الى خلع السلطان عبد الحميد الثاني وتنصيب أخيه محمد الخامس حيث تم إعادة العمل بالدستور الذي علق عبد الحميد الثاني العمل به منذ العام 1878 وعرفت الفتره التي تلت هذا الإنقلاب ب ( المشروطيه الثانيه ) وهذه الفتره هي التي مهدت لسقوط الدوله العثمانيه بعد نهاية الجوله الثانيه من الحرب العالمية الأولى والتي تعرف بإسم : الحرب الأهليه الروسيه , التي قاتل فيها الأمريكان بالمال والسلاح والرجال الى جانب البلاشفه , فيما قاتلت بريطانيا وفرنسا , استراليا , كندا , الهند , تشيكوسلوفاكيا , فنلندا , اليونان , ايطاليا , اليابان , بولندا , رومانيا , صربيا ضد البلشفيه

عادت زابيل إلى إسطنبول بعد إنقلاب تركيا الفتاة وفي العام 1909 انتقلت إلى قيليقية ونشرت سلسلة من المقالات المتعلّقة بمجزرة أضنة عندما قامت الحكومه العثمانيه وبمساعدة بعض سكان أضنه الترك بقتل حوالي 30 ألف أرمني من سكان المدينه , وكان مصير الأرمن في قيليقية أيضاً موضوع كتابيها ( بين الأطلال ) و ( اللعنة ) اللذين أصدرتهما عام 1911 مع قصص قصيرة بعنوان ( صفية ) و( العروس الجديدة )

كان إسم زابيل يسايان هو إسم المرأه الوحيد في قائمة أسماء الرجال المطلوب إعتقالهم وترحيلهم عن تركيا لأنهم من الأرمن المثقفين , صدر القرار في 24 نيسان1915 لكن زابيل تجنّبت الاعتقال وهربت إلى بلغاريا ثم إلى القوقاز حيث عملت مع اللاجئين على توثيق روايات شهود الأعيان عن الأعمال الوحشية التي وقعت خلال مذابح الأرمن

في هذه الفتره كتبت العديد من المجاميع القصصيه كان من بنها ( الكأس الأخير ) التي ترجمت الى الإنكليزيه عام 2014 و ( روحي في المنفى ) حيث عرضت في قصصها الكثير من المظالم التي تعرض لها الأرمن

دعمت زابيل يسايان الجمهوريه الأرمينيه السوفييته الإشتراكيه ووصفت في روايتها (القوات المنسحبه ) الوضع الإجتماعي والسياسي السائد وقت تأسيس تلك الجمهوريه , ثم قامت بزيارة الجمهوريه عام 1926 ونشرت إنطباعاتها عنها في رواية ( برومثيوس الحر ) عام 1933 وقررت العيش في هذه الجمهوريه مع أولادها منذ ذلك الحين

عام 1934 شاركت في الإجتماع العام للكتاب السوفييت في موسكو وقامت بتدريس اللغة الفرنسيه والأدب الأرمني في جامعة يريفان , كما نشرت كتاب مذكراتها المعنون ( حدائق سلحدار ) عام 1934 الذي تمت ترجمته الى الإنكليزيه عام 2014

خلال فترة التطهير الأعظم التي دبرها ونفذها ستالين في الإتحاد السوفييتي بين عامي 1936 _ 1938 بقيام سلطاته بحملات منظمه من القمع والإضطهاد السياسي التي شملت عمليات قتل واسعه لمسؤولي الحزب الشيوعي والحكومه والفلاحين وقيادات الجيش الأحمر , والمراقبه البوليسيه الصارمه وتوجيه تهمة ( التخريب ) للمواطنين دون قيد أو شرط والتي تكون عقوبتها التعذيب والنفي والإعدام

عام 1937 تم توجيه تهمة التعصب القومي الى زابيل يسايان وقامت السلطات الروسيه بإعتقالها وسجنها , ومنذ العام 1943 إختفت أخبارها تماماً , يقال أنها غرقت في سيبيريا لكن ذلك ليس مؤكداً

في العام 2009 قامت كل من لارا أهارونيان مسؤولة مركز نساء أرمينيا وتالين سوسيان مراسلة صحيفة ( أجوس ) الأرمنيه في جامعة يريفان بإنتاج فيلم تسجيلي عن حياة الراحله عنوانه : العثور على زابيل يسايان

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

طبق اليوم: شطة بطاطا من كشمير Dum Aloo

المقادير
كيلو بطاطا صغيرة الحجم حوالي 12 _15 حبه
كوبان كبيران لبن زبادي متوسط القوام
خمس فلفلات شطه أو يستعاض عنها بأربع ملاعق صغيره مسحوق شطه
ملعقه صغيره فلفل أسود
ملعقه صغيره زنجبيل
ملعقه صغيره حبهان أي هيل
ملعقه صغيره كمون
ملعقه صغيره كزبره مطحونه
ملعقه صغيره حلبه مطحونه
ربع كوب كزبره طازجه مفرومه
زيت للقلي
ملح
للتقديم : رز أبيض وبصل أخضر

العمل
نسخن ماء الى درجة الغليان ونضيف له البطاطا ونقف جنب القدر بمجرد يعود الماء الى الغليان مره ثانيه نرفعه من على النار ونضعه تحت الماء البارد . نقشر البطاطا عندما تبرد ولا نقطعها بل نقوم بثقبها من عدة اماكن بإستعمال الشوكه لكي تتشرب مرق الشطه لاحقاً . نسخن كميه كافيه من الزيت ونقلي البطاطا على نار هادئه حتى تصبح ذهبية اللون من جميع الجهات ومقرمشه جداً ودون أن تحترق فنرفعها من على النار

اذا إستعملنا الشطه الطازجه نقوم بهرسها واذا إستعملنا البودره فنقوم بحلها بفنجان من الماء . نضع قدراً على النار ونقوم بإضافة ملعقتين من الزيت وقلي الشطه فيها حتى يجف ماؤها عندها نضيف الزبادي وبقية التوابل والملح ونغلي الخليط . عند الغليان نضيف له البطاطا المقليه ونخفض النار الى أقصى درجه ونترك القدر عليها بعد تغطيته حوالي 10 دقائق ثم نطفيء النار

عند التقديم نفرم البصل الأخضر الى حلقات رفيعه . نغرف الرز في طبق . نسكب الكزبره الخضراء المفرومه فوق شطة البطاطا ونخلط المواد جيداً ثم نغرفها في طبق التقديم . نزين الطبقين برشه من حلقات البصل الأخضر ونرفعهما الى السفره .. شهيه طيبه

Posted in طبق اليوم \د. ميسون البياتي | Leave a comment

العلمانية على الطريق

 توفيق السيف: كاتب ومفكر سعودي: المصدر: الشرق الاوسط

 عاد الجدل حول العلمانية إلى منتديات الخليج بعد الحديث المشهور لسفير دولة الإمارات في واشنطن. كانت الصحافة السعودية قد شهدت جدلاً أوسع في مطلع العقد الجاري، محوره المفاضلة بين الدولة الدينية والمدنية. وانقسم الناس يومذاك – كما اليوم – بين داعٍ للعلمانية وبين رافض لها من الأصل، وبين من يناقش في التفاصيل.

المقارنة بين جدل اليوم وجدل الأمس، تكشف أن بعض رافضي العلمانية في 2012 يميلون اليوم إلى التعامل معها كاحتمال ممكن، مع بعض التعديلات. ونشير إلى أن الجدل حول المسافة بين الدين والعلمانية، شأنه شأن كل القضايا المرافقة للتحول الاجتماعي، يتصاعد أو يتراخى بتأثير الصراعات السياسية، التي لا يخلو منها بلد عربي. ولذا فإنك لا تطمع في نقاش ثقافي متراكم، قدر ما تراقب التحولات الإجمالية على الخط الممتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
أظن أن النقاشات الأولى قد لفتت أنظار الإسلاميين إلى أعمال المرحوم د. عبد الوهاب المسيري، سيما كتابه «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة». وأرى أن كتاب المسيري يصلح للقارئ الأوروبي أكثر مما يصلح للقارئ العربي؛ فهو ينطلق من فرضية مكتومة إلى حد ما، فحواها أن العلمانية متحققة فعلاً، وأنها تفرز مفاعيلها الفلسفية والثقافية والمادية، وتؤثر في البنية العميقة للمجتمع. وهذه فرضية قد تكون صحيحة في المجتمعات الصناعية. لكنني أظنها غير واقعية في المجتمعات العربية.
ركز الكتاب على مخاطر المادية المفرطة وتغوّل رأس المال. وتبنى مقاربة طورها فلاسفة أخلاقيون غربيون، تحذر من تسليع الإنسان. وقد بسط النقاش في موضوع العلمانية وفصله، على نحو يقود القارئ – المتشدد خصوصاً – إلى رؤية تفارق الثنائية التقليدية التي تقرن العلمانية بالكفر، وتضع الدين والعلمانية على طرفي نقيض. وهي ثنائية تنطوي على محمول رمزي وعاطفي لا يسمح بتفكير واقعي.
احتمل أيضاً أن تأملات الإسلاميين في التجربة الناجحة لحزب «العدالة والتنمية» التركي، قد أسهمت في تعزيز مفهوم الدولة المدنية، التي تسمح بنوع من التعايش بين المشاعر الدينية والحكم المدني، في ظل قانون يحمي التنوع الثقافي والتعددية السياسية. وأذكر أن الرئيس رجب طيب إردوغان أثار جدلاً واسعاً في سبتمبر (أيلول) 2011 حين دعا المصريين إلى وضع دستور يحترم مبادئ الدولة المدنية. وصرح في حديث لقناة مصرية بأن «العلمانية ليست معادلة رياضية تطبق في كل مكان على نحو واحد. العلمانية تحترم كل الأديان ولا تنفي الدين أو تدعو إلى اللادينية. الحكومة التركية تطبق العلمانية، لكن الشعب حر في التدين وفق ما يعتقد».
زبدة القول إن الجدل الحالي حول العلمانية في العالم العربي، ولا سيما منطقة الخليج، يشير إلى تحول ملموس نحو القبول بالتعددية على المستوى الفكري والاعتقادي، وسيادة القانون على المستوى السياسي والاجتماعي. يجب القول إن هذا التحول لم يصل بعد إلى مراحل متقدمة، وإن مسافة طويلة تفصلنا عن مرحلة النضج، حين يتعامل المجتمع والقوى الناشطة فيه خصوصاً، مع حرية التفكير والاعتقاد وحاكمية القانون، كمسلمات وضرورات للحياة المدنية السليمة.
هناك بطبيعة الحال متشائمون يشيرون دائماً إلى تصريحات هذا الزعيم أو ذاك، كدلالات على أننا لا نزال في المربع الأول. لكن ما أظنه مهماً هو الحراك الاجتماعي الواسع، الذي يكشف عن تحول تدريجي في البنية وأنماط التفكير، قد لا نرى نتائجها سريعاً، لكننا نستطيع لمس بواكيرها.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

كارلا: في سوريا كلهم أشرار!

 السيدة كارلا بونتي هي المسؤولة عن لجنة تحقيق مكلفة من الأمم المتحدة في جرائم الحرب بسوريا. بدأت مهمتها منذ بداية الحرب، وأخيراً استسلمت وأعلنت فشلها. رغم نصف مليون ضحية بريئة لم تستطع أن تقدم اسم قاتل واحد للمحاكمة، لهذا تقول إنها محبطة وقدمت استقالتها!

بخروجها لن يتبقى في اللجنة الخماسية سوى عضوين، حيث ذهب كل في طريقه، وتركت أبشع حرب في التاريخ المعاصر بلا حسيب أو رقيب. المسؤولة المستقيلة ولجنتها عجزت عن تفعيل المحاكمة، رغم خبرتها الطويلة، حيث عملت في التحقيق في جرائم يوغوسلافيا ورواندا. وعما شاهدته في سوريا، تقول إنه أعظم بشاعة منها جميعاً!
ومع أننا لا نستطيع سوى أن نشكرها، والفريق الدولي، على مساعيه ومحاولاته، رغم فشله، وندرك أن القوى الدولية منعت الملاحقات والمحاكمات، وليس لأنه لا يرغب أو لا يوجد مجرمون ولا توجد أدلة. فالجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري ما كان لها أن تقع لولا تكالب قوى الشر في العالم عليهم، وتقاعس قوى الخير عنهم. المأساة السورية من عمل هذه القوى والمؤسسات، ولم تكن حرب سوريا مثل يوغوسلافيا؛ شعوب متقاتلة نتيجة سقوط النظام، أو في رواندا حرب قبلية. ما حدث في سوريا جرائم ارتكبها النظام مباشرة ضد التجمعات المدنية في المناطق الثائرة. كانت قواته تتعهد بقصف الأحياء بالقنابل والبراميل المتفجرة والمدافع، لأنه، بحكم ضعف قواته وانشقاقات جنوده وتقليصه لخسائره، لا يستطيع مواجهة المقاتلين مباشرة. المشترك بين سوريا والبوسنة، أن المدنيين استهدفوا بذاتهم من أجل تهجيرهم، وإلغاء أي إمكانية لإقامة سلطة على أي أرض محررة. الفارق بين المأساتين أنه في سوريا فعلها النظام القائم ولا يزال موجوداً، ولم يهب لنجدة المستهدفين سوى القلة.
وتبرر مسؤولة الأمم المتحدة استقالتها، أيضاً، بأن الساحة السورية خلت من الأخيار، ولم يعد يتقاتل فيها سوى الأشرار، وأنهم جميعا مجرمو حرب. وهذا جزئيا صحيح، خصوصا في المرحلة الأخيرة، لكنه تبرير لفشل المنظمة الدولية، ولا يعطيها العذر للتخلي عن واحد من الواجبات الرئيسية التي ألزمت المنظمة الدولية نفسها به. وبدل الانسحاب، والتخلي عن الواجب، لماذا لا تحاكم كل المتورطين، من حكومة ومعارضة، إن وجد بينهم مرتكبو جرائم حرب؟  
محاكمة القتلة لا تنقصها الأدلة، فكثير من الجرائم في سوريا موثقة، وببراهين أجمعت عليها مؤسسات دولية معتبرة. «لو حكى الموتى: قتلى ومعذبون في الجرائم الجماعية في مرافق الاحتجاز السورية» هذا عنوان تقرير دولي، جمع قبل ثلاث سنوات، فيه 28 ألف صورة صدمت العالم، أعظم بشاعة من كل ما شاهده العالم في الخمسين سنة الماضية. جميعهم لم يقتلوا في ساحات الحرب بل في أقبية سجون النظام. وجميعها تم تصويرها من قبل النظام السوري نفسه، في سجونه، حيث كان يوثقها سرا للتثبت من أن موظفيه، من مسؤولي التعذيب وآمري الحبس، كانوا يقومون بمهامهم كما طلب منهم! لكن تم تهريبها من قبل أناس لم يستطيعوا السكوت عن تلك الجرائم المخيفة، وهي وثائق دولية معترف بها. وقد تحرت حقيقة الصور والمعلومات منظمات دولية، بعضها يتبع الأمم المتحدة نفسها، وأكدت صحتها. في الثورة السورية لا يوجد عذر للمحققين، توجد جرائم مصورة ومثبتة تكفي لإدانة النظام السوري. وهناك غيرها من الوثائق تدين كذلك بعض المعارضة السورية المتطرفة، تستحق هي الأخرى المحاسبة نفسها.
يصعب عليّ أن أتخيل أن يفلت الفاعلون في الحرب السورية من دون حساب مهما تقلبت مواقف الحكومات وتغيرت حساباتها فيما بينها. لا يوجد عذر لمحاسبة مجرمي الحرب، والذريعة التي تحدثت بها مسؤولة اللجنة المستقيلة بأن المعارضة لم تعد بأفضل من الحكومة ليس مبررا يجيز غض النظر، والهروب من المسؤولية.
والذين يتحدثون اليوم بثقة وسرور عن حل سياسي، ونهاية للحرب السورية، ودفن الماضي؛ واهمون إن كانوا فعلا يصدقون أن ملايين من السوريين يستطيعون العودة إلى منازلهم وينسون، وكأن جرائم السنوات الست الماضية، ونصف المليون قتيل، مجرد مسلسل تلفزيوني يمكنهم أن يناموا بعده. كثيرون في عالمنا لن تغفو لهم عين، ولا يمكن لما حدث أن يغتفر، فقط لأن الحكومات قررت النسيان والغفران، وكافأت القتلة بالمناصب والصلاحيات.
ومن سيضع اسمه على اتفاق ظالم كهذا، من معارضة وحكومات، سيكون اسمه ملطخا مثله مثل نظام دمشق وإيران وحلفائهما.
alrashed@asharqalawsat.com

المصدر الشرق الاوسط

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

شاهد اي شب مكبوت بعد هذا الدرس الديني سيصبح داعشي

شاهد اي شب مكبوت بعد هذا الدرس الديني سيصبح داعشي

Posted in فكر حر, يوتيوب | Leave a comment

بطاقة صحية مجانية لكل مواطن مسن

 حكاية السياسي الكبير والتي حصلت قبل أعوام, ومازالت ذكراها طرية في الذاكرة العراقية, والبعض يجدها فرصة للتندر والضحك, لتفاهة صاحبها, وآخرون يجدونها من المبكيات, لمقدار الظلم المركز فيها, وتتحدث الحكاية عن احد السياسيين, الذي قام بإصلاح مؤخرته المريضة في احد مستشفيات الغرب, وبمبلغ يفوق الستون مليون دينار عراقي, وتم احتساب الصرف على مؤخرة السياسي من خزينة الدولة, باعتبار فاسد وهو أن الساسة أصحاب فضل على العراق, ويجب على دولة العراق تسديد فواتيرهم الخاصة ومنها العلاج.

وتبع هذه الحكاية تقارير كثيرة تتحدث عن عشرات العمليات الجراحية والتجميلية, وبأرقام فلكية, وحصلت للطبقة السياسية حصرا, وكلها تم دفعها من خزينة الدولة, لاعتبارات غير منطقية.
هكذا فعل المشرع العراقي فعلته الظالمة, لتستأثر الطبقة الحاكمة بأموال النفط, بل أن الوزارات والهيئات مقربة من الطبقة الداعرة في العراق, منتفعة من هذا الأمر أيضا, حيث يكون علاجها مجاني, مع أنها تستلم عطايا كبيرة بفعل قربها من دواعر العراق “الساسة”.
ومن اغرب الغرائب العراقية هو ما حصل لسياسي كبير, فيحكى انه أصيب بالصداع, فقرر السفر للخارج لغرض الشفاء من الصداع, وتم احتساب مصاريف السفر والعلاج كلها من خزينة الدولة, لأنه من الطبقة المدللة التي تقضم أموال العراق من دون أي عمل,هكذا وصل الاستهتار من قبل الطبقة السياسية بأموال العراق, كأننا في حكم بني أمية من جديد.

● الموت فقط ما تمنحه الأحزاب للفقراء
بالمقابل, تمنح الطبقة السياسية الموت للفقراء, فالمواطن الفقير أذا أصابه مرض, فعليه أن يبيع ما يملك, كي يتمكن من شراء العلاج أو توفير أجرة الطبيب, وإذا فقد العلاج داخل العراق فعليه أن يترك فكرة العلاج, لان العلاج فقط المدللون والبرجوازيون, فقد مكنهم التشريع الجائر من جلب الدواء الغالي من الخارج, وفي الأغلب يبقى العلاج من الأمراض صعبا على محدودي الدخل والفقراء, مما يدفع الكثيرون لانتظار القدر أن يأتيهم وهم على الفراش المعاناة, أنها محنة مئات ألالاف من العراقيين بفعل سياسات الدولة الجائرة.
هذه هي نظرية الظلم العراقي, والتي أسستها الطبقة الحاكمة والأحزاب المنتفعة ومن يتملقهم.
وعندما نتحدث أو نكتب يتهمنا السخفاء بمصطلح غريب, وهو عميل فكري أو بقايا البعث, مع أننا نشخص حالات الظلم التي لا نريد لها أن تتوسع.

● فكرة لتحقيق العدل
أن تقوم الدولة بإعلان برنامج عراقي بخطط واليات واضحة وسهله, عبر إصدار بطاقة صحية لكل من بلغ الستون عاما, والدولة هي من تباشر بإجراءات الإصدار, والمواطن فقط يذهب لاستلام البطاقة للتسهيل عليه بدل إذلاله في معاملات الدولة وروتينها, وهذه البطاقة تضمن للمسنين الدخول والعلاج المجاني لكل المستشفيات الحكومية, وتضمن له الحصول على الدواء المجاني, وتضمن له البطاقة تخفيض أجور العلاج 50% في المستشفيات الأهلية, وتضمن له العلاج خارج القطر للحالات المتعسرة في إجرائها في العراق على حساب الدولة.
عندما تتحقق هذه الافكار يمكن أن نقول أن طبقة الساسة قد صحا ضميرها, وحققت العدل للمسنين في العراق.

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

DNA – 08/08/2017 محور المقاومة والتجارة بالجيش اللبناني

DNA – 08/08/2017 محور المقاومة والتجارة بالجيش اللبناني

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

(قصيدة الشاعر الموريتاني بللعميش ) للشعب السوري

خذي قلبي فأنت به أحق ……. و قولي للزمان أنا دمشق
أنا قمرٌ يسافر في غمامٍ …… أنا الأوتار و النَّغم الأرق
كتبتُ على جبين الصبح شعري …… فللآياتِ من شفتيَّ دفق
يخاصم ياسميني حزن ليلي ……. فأعرف أنه قلقٌ وصدق
أحاول أن أعود إلى شبابي ….. فيمنعني من الأحلام خنق
كأن جداول الأيام ضاقت ……. بوهم النبع حين أطلَّ برق
و كيف نحرر الأوطان يوماً …….. إذا الإنسانُ عبدٌ مُستَرق
ممانعة و يُمنع كل حرٍ …….. فلا رأي يُباح و ليس نطق
و من يرث البلاد بغير حقٍ …….. توطَّن طبعه نزق و حمق
أرى وطناً كريماً مُسْتباحاً ……… و شعباً للكرامة يستحق
يقول الناس حرِّيَة وسلماً………. فيُقتل ثائر و تدق عُنْقُ
و دَرْعَا للشموخ تظل دِرْعاً …… لها في العز و الدرجات سبق
أخي الإنسان في بلدي مجال ……. لأن نحيا معًا و لديك حَق
فلا تحرق بنارك بَوْحَ وَردي …… فليس يفيد بعد الآن حرق
أخي الإنسان أنت أخي لماذا …….. تعذبني أقلبك لا يَرِقُّ ؟
هي الشام اكتست كفناً و ضجَّت ……. فكم للأنبياء يكون شنقُ؟
و في حلب بنو حمدان هبوا ….. و في حمصٍ خيول الفتحِ بُلْقُ
و بانياس الجريحة ما استكانت …… و للرايات في البيضاء خفق
و في الصنمين لا صنمٌ و لكن …… من الأوثان تحريرٌ و عتق
و موج اللاذقية في تحدٍّ…… يجدده الفداء و فيه عمق
حماةُ على الجراح تعيش عمراً …… و تنهض دائما إن هبَّ شرق
هو الشعب الكريم فهل سيبقى …… عقاب الرأي تنكيلٌ و سحق
أحبك يا بلاد الشام عمري ……. و أعرف أنك البلد الأحق
تُخيفك عصبة الطاغوت زوراً ……. بأن الطائفية فيك فَتقُ
و آلاف السنين مضت سلاماً …… فكيف يكون بين الروح فرق
يمنون الممانعة اعتداداً ……. و هي طبيعةٌ في الشام خلق
و لا شرفٌ يبيح الظلم يوماً …… فبعض الحيف للحسنات محق
أحن إليك يا فيحاء حتى ……. يحطم أضلعي ولهٌ و عِشق
خذي قلبي فأنت به أحق …….. و قولي للزمان أنا دمشق

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment