صراع حضارات…؟!! 1

وفاء سلطان

لقد خلا الجو للمسلمين في الأسابيع القليلة المنصرمة، ولأول مرّة في تاريخهم، ليكونوا وحدهم على خشبة المسرح الدولي يلعبون دورهم ويؤكّدون طبيعتهم!
رسوم لفنان دانماركي كانت أدوات التجربة، وكان المسلمون وحدهم عناصر التجربة التي ترزح تحت عدسة المجهر الدولي.
كما يُسقِطُ أي عالم في مخبره نقطة من المضاد الحيوي على شريحة بكتيريّة ليراقب حركاتها وردود أفعالها ومدى تأثرها، قام رسام دانماركي باجراء التجربة على شريحة من المسلمين!
كانت النظريّة التي أراد أن “يبرهنها أو ينفيها” من جرّاء تلك التجربة تقول: المسلمون طيبون والإسلام دين سلام ولكن شرذمة من الإرهابين اختطفت هذا الدين المسامح وأساءت اليه!
لم تكن تلك الرسومات محض خيال، ولم تسرقها أنامل هذا الفنان من الفراغ، بل اعتمد في تشكيلها على معطيات!
عندما يرسم فنان زهرة أو ينحت آخر تمثالا.. أو يكتب شاعر قصيدة يلعب الخيال دوره في العطاء، ولكن يبقى للواقع الدور الأكبر!
لا يستطيع فنان في الأرض أن يتخيّل نبيّا على شكل ملاك عندما يكبّر أتباعه باسمه وهم يقطعون رأس أحد الرجال على مرأى من العالم. ولا يستطيع هذا الفنان أن يرسم ذلك النبي على شكل حمامة عندما يسمع برسالته التي تدعو إلى قتل كل من لا يؤمن بتلك الرسالة!
الفنان الدانمركي، ووفقا لقيمه وعاداته وتقاليده وعقائده واصول تربيته، لا يستطيع أن يقرأ السيرة النبويّة في كتب المسلمين ويتصور نبيّهم بشكل آخر أفضل من الشكل الذي تخيله فيه.
لا يستطيع ان يقرأ عن غزواته ويقتنع بأنّه نبيّ!
لا يستطيع ان يقرأ عن غنائمه ويقتنع بأنه نبيّ!
لا يستطيع ان يقرأ عن علاقته بالنساء وخصوصا المسبيّات منهن ويقتنع بأنّه نبيّ!
لا يستطيع أن يقتنع بأن نبيا يحمل سيفا ويقطع رأسا.. لايستطيع ان يقتنع بأن نبيا يأمر بإهانة انسان يعيش تحت كنفه لأنه لا يؤمن برسالته!
في الدانمارك قسم كبير من الضرائب التي يدفعها الدانماركيون يذهب الى مساعدة اللاجئين وأغلبهم من المسلمين!
بينما في كنف الاسلام على سكّان البلاد الأصليين غير المسلمين أن يدفعوا ضريبة للفاتحين من المسلمين.
عندما جلس هذا الفنان في مرسمه وراح ينبش ما في ثنايا دماغه من معطيات تراكمت خلال حياته علّه يستطيع أن يتصور من خلالها رسما لنبي الاسلام، تذكّر، أول ما تذكّر، بأن المسيح لم يحمل سيفا ولم يقم بغزوة واحدة. لم يقتل نملة ولم يغنم حبة، واستطاع بكلمة واحدة وهي “المحبة” أن يصل برسالته الى شرق الأرض ومغربها.
يتبعه اليوم أكثر بكثير من أتباع نبي الاسلام الذي برر غزواته وغنائمه بالدفاع عن دينه، علما بأنه لم يتعرض للمظالم والإضطهاد اللذين تعرض لهما المسيح.
تساءل هذا الفنّان في سرّه: لماذا احتاج محمد الى السيف واكتفى المسيح بالكلمة؟!!
اذا كان الله الذي أرسلهما هو نفسه لماذا أوحى إلى أحدهما بالمحبّة كوسيلة لنشر دين الله وأمر الثاني بأن يقاتل حتى يؤمن به كلّ الناس؟!!
لماذا غيّر هذا “الله” استراتيجيته؟!!
جاء نبيّ الاسلام ليتمم مكارم الأخلاق؟!!
عندما يتمم أحدنا عملا يكون الجزء المتمّم ـ بكسر الميم ـ صورة طبق الاصل عن الجزء المتمّم ـ بفتح الميم ـ فكيف يتمّم السيف المحبّة؟!! تلك مهزلة!
**************
لم يستطع الفنان الدانماركي ومن خلال المعطيات التي توفرت في حيّز دماغه أن يخرج برسم لنبيّ الاسلام أفضل من الرسم الذي خرج به.
الايدلوجيّة الغربية المعاصرة، والمستقاة في اصلها من الديانة المسيحيّة، تقوم على إحترام الإنسان بغض النظر عن لونه وعرقه ودينه!
بينما الإيدلوجية الإسلامية تقوم على “لا دين إلاّ الإسلام”، وبالتالي لا مكان لغير المسلم على سطح الأرض!
كلّ نبيّ أتى إلى عالمنا حمل معه رسالة تختلف، ولو قليلا، عن رسالات الأنبياء الذين سبقوه، أو بمعنى آخر حاول أن يغيّر شيئا.
عندما يقارن الانسان الغربي بين الطريقة التي غيّر بها المسيح والطريقة التي غيّر بها محمد، يصل الى قناعة مطلقة بأن هناك تناقضا بين الطريقتين.
المسيح قال لأتباعه: قالوا لكم العين بالعين والسن بالسن وأنا اقول لكم أحبوا أعدائكم..
هو انتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون أن يُسيء إلى هذا اليمين ودون أن يكذب أهله!
لم يقل كفر الذين قالوا لكم العين بالعين والسن بالسن..
هو غيّر الأعراف والقيم والعادات السائدة، والتي تبلورت خلال الاف السنين قبل مجيئه، غيّرها بطريقة جدا عقلانيّة ومنطقيّة وأخلاقيّة دون أن يكذب أحدا أو يُسيء إلى أحد!
قالوا لكم كذا وكذا وأنا اقول لكم كذا وكذا!
محمد جاء ليقول: كفر الذين قالوا كذا وكذا..
طريقة المسيح تنعكس على طريقة الغربي في الحوار حتى ولو لم يكن هذا الغربي قد يممّ وجهه شطر كنيسة في حياته.
عندما تحاور الأمريكي يصغي إليك بكل جوارحه منتظرا دوره في الحديث ليبدأ قوله بـ:
I agree with you but…

أتفق معك ولكن …
مهما كانت درجة خلافه معك كبيرة يبدأ حديثه بالقول: أتفق معك ولكن..، ثم يبدي رأيه بطريقة غير تحريضيّة ولا مثيرة!
طريقة نبيّ الإسلام في إيصال رسالته تنعكس على طريقة حوار المسلم، حتى ولو لم يكن هذا المسلم قد يمّم وجهه شطر مسجد في حياته!
مهما اتفقت معه في رأيه، يأخذ دائما موقع المدافع ويقول مقاطعا إياك: هذا الكلام ليس صحيحا!
في السنوات الأولى التي عشت خلالها في أمريكا كنت، وكلّما اتصلت بشركة أمريكية أو مكتب طيران أو أيّة دائرة للإستفسار عن شيء ما أو حل معضلة ما، أفاجأُ بالشخص على الطرف الأخير يقول لي:
Why are you screaming? I haven’t said a word yet!
لماذا تصرخين في وجهي؟ لم أتفّوه بعد بكلمة واحدة!
وأرد بدون أدنى تفكير:
I am not screaming I am just trying to explain my point of view!
أنا لا اصرخ وانّما أحاول ان اشرح لك وجهة نظري!
واكتشفت رويدا رويدا إنني أعتمد الغزو، وكأيّ بني آدم تربّى في حظيرة الاسلام، كوسيلة للحوار!
استطعت، عندما رفعت مستوى وعي الى حدّ التفكير، أن أغيّر طريقتي في الحوار وأعتمد اسلوب: قالوا لكم كذا وكذا وانا اقول لكم كذا وكذا!
*************
خوسيه شاب مكسيكي يشتغل في مكتب زوجي وهو رجل بسيط، لا أستطيع أن أتصوّر بأنه تجاوز في تعليمه المرحلة الإبتدائيّة، قال لزوجي مرّة: لماذا كلما زارك أصدقاؤك من العرب تتصارعون وتتنازعون وتختلفون فيما بينكم؟
وردّ زوجي مندهشا: نحن لا نختلف بل نتسامر! هل تفهم ياخوسيه مانقول؟
ـ طبعا لا! ولكنني اقرأ تعابيركم وحركات اياديكم واسمع صراخكم!!
*************
هل أحد منكم رأى مظاهرة باكستانيّة في سياق مظاهرات الإحتجاج على رسوم الفنان الدانماركي؟!!
هل أحد منكم رأى المظاهرة التي نظّمها بعض الدانماركيين وحملوا بها لوحات عليها إشارة السلام وتحتها عبارة: آسف؟!!
هل أحد منكم قارن بين الطريقة التي يتحرك بها الباكستانيون والطريقة التي يسير بها الدانماركيون؟!!
من كان منكم قادرا على أن يرفع مستوى وعيه الى حد المقارنة سيعرف، خلال لحظة، أين تكمن المشكلة!
وسيعرف خلال لحظة، هل مايراه صراع حضارات أم صراع الهمجيّة مع الحضارة!!
*************
أشباح بشرية بأطراف هزيلة ووجوه نحاسيّة سربلها الجوع والفقر والمرض والقهر، ترتدي أسمالا بالية قصيرة أكل الزمان من أطرافها، وتتحرك بطريقة هستريائيّة ثمّ تقفز كالسعادين حول الأعلام المحترقة.
تنسى ،وأنت تنظر اليها، السبب المباشر لتلك الهستيريا الجماعيّة وتتساءل عن أسباب تلك المأساة الإنسانيّة!
مخلوقات تُثار بكبسة زر، لكنّها لا تثار بقرون من الظلم والفقر والمرض والقهر!
كقطيع الماشية يهستر، عندما يسمع ذئب يعوي من بعيد، وهو في طريقه إلى المذبح!
هذا ماتشعر به وأنت تراقب القطيع الباكستاني، لتنتقل إلى مشهد آخر يصوّر لك الدانمركيين وهم يسيرون بصمت وهدوء، يحمل كل منه في يده شمعة وفي الأخرى لوحة كتب عليها: Sorryأي آسف.
ترى بركات الخير تسربل وجهوهم المضاءة، وتلاحظ كيف تتحكّم العقلانية بخطواتهم. تقرأ صدقهم وأسفهم، ليس في شموعهم ولوحاتهم وحسب، إنّما في تعابيرهم وإتزان حركاتهم!
**************
قيل: لا يقرقع في الدست الاّ العظم، فمتى يتساءل المسلمون لماذا يقرقعون؟!!
لم يبقى منهم تحت عدسة المجهر الدولي سوى هياكلهم! ولم يبقى لديهم من تعاليم سوى: “حرّض على القتال”!
**************
ليت تلك التعاليم تشجعهم على الحوار بدلا من أن تحرّضهم على القتال!
هل هناك فرق بين التشجيع والتحريض؟!!
هل هناك فرق بين الحوار والقتال؟!!
الإنسان ناتج تربوي، فهل يختلف الإنسان الذي ينتج عن تربية حرضته على القتال عن الانسان الذي ينتج عن تربية شجعته على الحوار؟!!
من فيهما الأكثر عرضة للفقر والمرض والظلم؟!! من فيهما الأكثر قدرة على النجاح وعلى الإنتاج والإبداع والعطاء؟!
للحديث صلة.

وفاء سلطان (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

جماعة جهادية تزدهر في سوريا

جاكسون دايل : من الواشنتن بوست

Jackson Diehl : Washington Post
الجريدة الكويتية

برز اليوم اسم سيطارد حتماً الرئيس المقيم في البيت الأبيض في عام 2013: «جبهة النصرة» ، والاسم الكامل لأحدث حركة إرهابية جهادية في الشرق الأوسط، كما ورد على الموقع الإلكتروني المرتبط بالقاعدة في شهر يناير الماضي، هو «جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد».
خلال أكثر من سنة، كانت إدارة أوباما تطمئن العالم إلى أن سقوط الدكتاتور السوري بشار الأسد هو “مسألة وقت”، وقد حذر خبراء الشرق الأوسط في هذه الإدارة من الأمر نفسه لكن من دون تحديد ذلك الوقت، فبحسب رأيهم، كلما استمر القتال لفترة أطول، قد يخطف المجاهدون (منهم حلفاء “القاعدة”) الحركة التي بدأت على شكل معارضة سلمية.
تجاهل الرئيس أوباما تلك النصيحة واستبعد تدابير كان يمكن أن تُسقط النظام بسرعة (مثل الحظر الجوي) وفضّل إهدار سنة كاملة لتطبيق دبلوماسية متهورة، لكن سرعان ما تبين أن الخبراء كانوا محقين. نتيجة جمود أوباما، برز اليوم اسم سيطارد حتماً الرئيس المقيم في البيت الأبيض في عام 2013: “جبهة النصرة”.
إن الاسم الكامل لأحدث حركة إرهابية جهادية في الشرق الأوسط، كما ورد على الموقع الإلكتروني المرتبط بالقاعدة في شهر يناير الماضي، هو “جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد”.
اعتُبرت هذه الجماعة في البداية مجرد خدعة أو بدعة من ابتكار جهاز استخبارات الأسد، لكن يمكن التعرّف الآن على علمها الأسود المنتشر في أنحاء سورية ويمكن التعرف على عناصرها الملتحين على جبهة المعركة الحاسمة في مدينة حلب.

خلال الربيع الماضي، كانت “جبهة النصرة” تضم على الأرجح 50 منتسباً، وكان معظمهم ينضمون إليها في الخفاء، وقد تبنت الحركة عدداً قليلاً من الاعتداءات، أما الآن، فهي تشمل حوالي ألف مناصر وبدأت بعض الوحدات القتالية في أنحاء سورية تجاهر بانتمائها إليها، وعلى موقع يوتيوب، تُظهر الفيديوهات سكان المناطق التي استولى عليها الثوار وهم يلوّحون بعلمها ويهتفون باسمها.
تقول إليزابيث أوباغي، معدّة دراسة مهمة عن المجاهدين في سورية في معهد دراسات الحرب: “لقد تمكنوا من أخذ هوية متطرفة والحصول على أتباع من الشعب خلال حرب أهلية دموية. لقد أصبحوا يطرحون أبرز تهديد على الاستقرار في سورية على المدى الطويل”.
لكنّ سياسات باراك أوباما لم تكن المسؤولة الوحيدة عن خلق هذا الوحش، ففي المقام الأول، كانت هذه الحركة وليدة نظام الأسد نفسه بعد أن عمد طوال سنوات إلى رعاية الشبكات الإرهابية في لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية. خلال أكثر من عشر سنوات، سمحت الاستخبارات السورية للقاعدة وجماعات جهادية أخرى بإنشاء قواعد وشبكات لوجستية لدعم الاعتداءات على القوات الأميركية في العراق، الأمر الذي مهّد لظهور سياسيين معادين لسورية في لبنان وإسرائيل، لكن يبدو أن ذلك الوضع انقلب الآن فأصبح المتطرفون يستهدفون الأسد.
هم يقومون بذلك لأنهم لم يكونوا يوماً حلفاءه الطبيعيين (تُعتبر طائفة الأسد العلوية فرعاً من الإسلام الشيعي وهي مهرطقة بنظر المجاهدين السُّنة)، ولأنهم يرون فرصة لإعادة بناء حركة كانت مقموعة في العراق وأفغانستان.
اعتبرت أوباغي أن أولى الوحدات التي دعمت “جبهة النصرة” انبثقت من “فتح الإسلام”، عميل سابق للاستخبارات السورية كان قد أطلق معركة في عام 2007 للاستيلاء على مخيم اللاجئين الفلسطينيين بالقرب من طرابلس في لبنان.
كتبت أوباغي: “تدرب هؤلاء الأفراد على استعمال الأسلحة وعلى استراتيجيات التمرد على يد النظام السوري وكسبوا الخبرة اللازمة لاستعمالها في العراق ولبنان. لديهم معارف أيضاً في الاستخبارات السورية وجهاز الأمن السوري”.

تخصصت هذه الجماعة في شن الاعتداءات ضد المنشآت الاستخبارية، ففي 9 أكتوبر، شنّت هجوماً متطوراً يمتد على ثلاث مراحل ضد منشأة للاستخبارات الجوية خارج دمشق. وفي وقت سابق من هذا الشهر، تبنت مسؤولية سلسلة من التفجيرات في حلب وقد استهدفت نادياً للضباط ومنشآت حكومية أخرى، ما أسفر عن مقتل العشرات وفق التقارير.
لا يدعم قادة الجيش السوري الحر (أبرز قوة ثورية انبثقت من حركة الاحتجاج الأصلية) المجاهدين ولا استراتيجياتهم، لكن مع تطور الحرب في مدن مثل حلب، وفّرت “جبهة النصرة” تعزيزات مهمة، وبفضل الدعم السخي من المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، أصبحت وحداتها أكثر تسلحاً من القوى العلمانية التي استنزفت جميع مواردها بسبب منع وصول إمدادات الأسلحة الأميركية بقرار من أوباما.
نتيجةً لذلك، تغيرت طبيعة المعارضة السورية. توضح أوباغي: “لم تعد المعارضة قوة ديمقراطية تحاول إسقاط نظام دكتاتوري، ولم تعد تتمتع بالأخلاق الرفيعة، بل زاد الوضع إرباكاً الآن”.
إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فلا شك أن “جبهة النصرة” ستزداد قوة، وقد تبدأ بإنشاء معقل لها في الريف السوري حيث يمكن أن يتجمّع ناشطون من “القاعدة” من جميع أنحاء المنطقة. كذلك، قد تحاول الحركة الاستيلاء على مخزون سورية الكبير من الأسلحة الكيماوية، وقد تبدأ بالبحث عن أهداف خارج سورية، ويمكن القول إنها “مسألة وقت” قبل أن يتحقق ذلك.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية | 3 Comments

متي ستاتي موجات الاساءة الجديدة

محمد البدري

من الايات الشيطانية الي الصور المسيئة مرت فترة اطول مما مر بين الصور المسيئة الي الفيلم المسئ. جاءت الاعمال جميعا علي مدي أكثر من عشرون عاما بقليل. اي ان تسارع انتاج ما يسئ الي الاسلام في ازدياد. فلا يستغرب أحد لو خرج علينا ما لا نتوقع من اعمال جديدة ربما تكون اشد قسوة وأثقل وطأة وتنتهي بمأساة جديدة تشبه مقتل سفير امريكا في ليبيا.

الاسباب كلها حاضرة كالنار تحت الرماد. ولم يتعلم المسلمون مما جري شيئا. وكيف يتعلم من يمتلك حقائق الكون ويعرف الرحمن الرحيم العارف باسراره عبادة وتسبيحا بينما يعيش هو في ظلمات الجهل والفقر والمرض وتسول الامن كما في الخليج أو تسول التمويلات المالية كما في مصر. فمسودة الدستور المصري التي يضع معظم بنودها اهل السلف والجماعة كفيلة باي مؤلف أو مخرج أو فنان في اي مكان في العالم للقيام بعمل جديد يقيم الدنيا في عالم المسلمين وسيقعدها، كالعادة. لانهم لا حيلة لهم في امرهم من شئ. ولا نعرف ممن سيطلب خادم الحرمين، هذه المرة، التدخل لاصدار تشريع يحمي مقدسات المسلمين بعد ان وجد أذنا من طين وأخري من عجين من الامم المتحده لطلبه الاسبق.

لعل الاذن الصماء لهذه الجهة الدولية كانت رسالة له ولرجاله المنتشرين شرقا وغربا تحت مسمي الدعوة بان مطلبه ليس من اختصاص الهيئة بقدر ما هو رد فعلي وعملي لما تقولونه في صلواتكم علينا وما ينشره رجالك ضدنا وما تكتبونه وتعلمونه في مدارسكم بشاننا. فالامم المتحدة ليست جهة مقاضاة ضد الافراد لكنها منتدي وتجمع للامم والدول. فعلي الرصيف امام مبني الجمعية يوجد كثير من المتظاهرين يسبون ويشتمون الاحياء ممن داخل المبني ولا يمكن لكل هذا الديناصور المعماري الضخم ان يعترض علي ما يقولوه. بينما ممثل دولة عربية ومسلمة اتي الي القاعة والقي خطابا ومزق دستور الجمعية والقاه وراء ظهره ورغم ذلك خرج سالما معافي حتي قضي الله أمرا كان مفعولا به في وطنه وبفعل ابناء جلدته المسلمون مثله بعد ان طلبوا هم معاونتنا علي اقتلاعه.
فكما ان الامم المتحدة لا تحمي الافراد فهي لا تحمي ايضا الاديان. فعل ارض مانهاتن وقريبا من المبني الديناصوري شوارع كثيرة بها دور عرض تعرض كل ما يتنافي والكتاب المقدس ولا تملك الجمعية من امر الافلام وصانعيها شيئا. لسبب بسيط وواضح وسهل اكتشافه ان حماية الاديان موضعها سلوك الناس ازاء بعضهم البعض لان الدين كما يقول الناس المعاملة والاخلاق الكريمة. فلا احد في العالم يتحدث عن الدين بكل هذا الافراط مثلما يتحدث العرب والمسلمون. ولا احد يسب كما يسب المسلمون. ولا احد يشمت في مصائب البشر حتي ولو كانت طبيعية ومن عند الله كما يشمت المسلمون. وهو في الغالب الاعم ما اعطي صورة حركت خيال المبدعين،وما اكثرهم عند الغرب واقلهم عند العرب، لاخراج الافلام والروايات ورسم الصور واللوحات.

فالله كما هو في مكة هو ايضا في نيويورك ومن يعتقد غير ذلك فهو واهم. لكنه وهو يطوف بنيويوك لم يطلب الحماية بقدر احتياجها له وهو في مكة ولم يشتكي اتباعه في القارة الامريكية من اي إساءة بقدر ما يشكو اتباعه في جزيرة العرب وما حولها. فكيف نفسر هذا اللهم الا إذا كانت طبيعة الايمان به تختلف من منطقة الي اخري ومن ثقافة الي ثقافة ومن لغة الي لغة. المؤلم اكثر ان عباده في نيويورك وما حولها اقل بالاف المرات ممن يعبدونه ليل نهار في الشرق الاوسط، رغم كثافة السكان هناك. لكنهم لا يتحدثوا في الدين كثيرا بقدر الرغي واللت والعجن وجر الشكل الايماني عن الشرقيين.

فهل فيما سبق سبب كاف لفهم لماذا يسئ المسلمون الي البشر امثالهم باسم الله بينما اهل الايمان في الغرب لا يسئون الي البشر في الشرق بالقدر نفسه لكنهم يتعرضوا فقط لصورته في اذهان الشرقيين. فإذا كان الامر كذلك، فإن وزر الاساءة للدين يتحمله الذين يبغضون في الله. كم سمعنا هذه اللفظة الاخيرة من دعاة لا تخطئهم عين لانهم اما من مصر أو السعودية. يعلنون بكل صلافة البغض في الله دون خجل أو كسوف. ولانهم في الغالب كذلك، فان القضية تصبح خارج اطار المقدسات ولا علاقة لها بالاديان انما أخلاق بشر يقومون بنقد وسب بشر. وعقول تتصارع في مواجهه بعضها البعض بما فيها من حقائق أو اوهام متصادمة.
لكن دعنا نكون اكثر انصافا وعدلا فالله وكما يقول المؤمنين به عادل. فكما توعد الامام الخميني سلمان رشدي بالقتل فقد قتل الغرب قبلها مفكرين وفلاسفة عظام حرقا وعلي الخازوق تماما مثلما فعل المسلمون نفس الشئ في تلك الازمنة الغابرة التي كان فيها الايمان سائدا ولا شئ غيره. فالديانات المسماة السماوية كلها عانت من المجدفين والهراطقة. ولم يكن من القتل بد الا لان رجال الدين هنا او هناك كانوا عاجزين عن الدفاع عن الذات الالهية، إما باستخدام النصوص التي لا ياتيها الباطل أو من عقولهم لو كانت حيه وفاعلة. فالقتل هي حيلة العاجز عن حماية نفسه لكن الغرب اكتشف ان من يقتل هو البشر وان المقتول بشرا مثله وظلت الذات الالهية مصانة وتنال المزيد من النقد والتجريح ممن لم يعجبهم القتل او ممن لم تعجبهم نظم الحكم القائمة علي كتب الله.

لكن دعونا ندخل في المناطق الشائكة باكثر مما هي حاليا. ماذا لو سمع مخرج سينمائي او كاتب روائي او مصور فنان بما يجري في قاعة لجنة وضع الدستور بمصر. فالحوارت والمناقشات من اجل نص يخفي ولا يشف، لكنه يدعو ولا يعف، تحمل ثروة لكل مبدع لاخراج كل ما يعن له من افلام البورنو خاصة وان الشبكة العنكبوتية لا علاقة لها بمقاييس المشاهدة العمرية للصغار والتي حرمنا منها نحن الكبار في السن امثالي زمن طفولتنا وسبيبنا الدين لدور العرض والقائمين علي ادارتها.
فالجماعة الاسلامية بلجنة وضع الدستور منعت بندا يحد من زواج الصغيرات في السن بدعوي ان الشريعة تبيح زواج الطفلة والدخول بها طالما تطيق هي الجماع. كان من الممكن لاعضاء لجنة وضع الدستور الاكتفاء بهذا لانهم الاغلبية لكن بعض الاعضاء الناشطين جنسيا شط بهم الخيال والامل مبكرا وتداولوا فيما بينهم ما يجوز للرجل فعله فيم بين كتابة العقد حتي تصبح الطفلة جاهزة له ان يفعل بها ما يجوز له من الشريعة ما يجوز. واستدلوا ان هذا من صحيح الإسلام، ذلك لان الشريعة الإسلامية، المعتمَدة، من الفقهاء الاربعة وباجماع الامة، تجيز إلى جانب زواج الاطفال القاصرات، ما يُعرَف بـ«مفاخذة الصغيرة». فلو أن رجلا طاعنا في السن عقد على طفلة فى السابعة أو الثامنة، لا تطيق لانها لم تبلغ، فمن حقه أن يعرّيها، ويتعرّى، وأن يطلب منها أن تفعل ما يريد، عدا ما لا تطيق حتي تبلغ من العمر ما تطيق حتي ولو لم تبلغ. بما يعني صراحة وبدون سيناريو أو نص فاضح فلن يبقي الا الايلاج.

ماذا لو وصلت تلك المداولات عن دستور مصر بعد ثورة إزاحة الفساد الي اي شخص حتي ولو لم يكن غير موهوب علي الاطلاق. فحتي لو جاء العمل المسئ الجديد بقدر عال من القباحة والاشمئزاز والرداءة الفنية فمن المؤكد ان قادة الاصولية السلفية سيشجبون كما شجبوا وسيستنكرون كما استنكروا لكن فورتهم ستقول اقل وثورتهم ستكون اخف لا لسبب الا لانهم باتوا اقرب لتنفيذ ما يعتبروه تقربا الي الله يمحون به خطايا السب والاساءة. ولا مانع وقتها من دعوة جديدة لمجلس الامن لاتخاذ تدابير تحميهم أثناء تطبيقهم لشريعتهم الغراء.

محمد البدري (مفكر حر)؟

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, فكر حر | Leave a comment

شكريات فاخرة لوزير التجارة

محمد الرديني

عجيب امر هؤلاء القوم، تراهم في السياسة كفلاح الجبايش في معرفته باللغة الصينية وفي التصريحات مثل جدتي التي دخلت عقدها التاسع قبل يومين وفي المناقشات داخل البرطمان مثل عصافير الدوري حين تستيقظ في اول الصباح.
لايفقهون في كل شيء ماعدا شيئا واحدا بات معروفا للجميع (لايمكن الاستعانة بصديق لمعرفته).
ترى أيحق لنا ان نقول للأم ،أي أم، شكرا على تربيتك لاولادك؟هل يمكن ان نقول لموظف الشؤون الذاتية،شكرا لانجازك معاملة هذا المواطن او ذاك؟ هل يمكن مثلا ان نرسل رسالة شكر الى امين العاصمة لنقول له شكرا على تبليط جزء من شارع الكرادة داخل او ازاحة”الزبالة” عن وجه الرصافي؟.
تعالوا نشوف شنو سبب كل هذه الاسئلة.
يقول الخبر: اعلن عضو ائتلاف دولة القانون النائب منصور التميمي ان وزير التجارة خير الله بابكر اوعز باتخاذ الاجراءات اللازمة من اجل الاسراع في اتلاف المواد غير الصالحة للاستهلاك الموجودة في مخازن الوزارة وقد استجاب الى تشخيصاتنا باتخاذ الاجراءات بشأن المواد التالفة في مخازن الوزارة”، مضيفا ان” الوزير اوضح لنا بان هذه المواد مخزنة قبل تسلمه الوزارة”.
عجيب هي تشخصياتكم.. ولكم أي تشخيصات وأي لغو فارغ.
لماذا؟
اولا السيد التميمي يستعمل مفردات اكبر من حجم المواد الغذائية التالفة0مفردة تشخيصات نموذجا).
ثانيا عذر وزير التجارة اقبح بكثير من فعله.
ثالثا سنقرأ بعد قليل ان التميمي يؤكد على شجاعة وزير التجارة في الاستجابة لاتلاف المواد الغذائية.
اذا افترضنا ان معالي وزير التجارة استلم هذا المنصب قبل سنة او اكثر قليلا فهذا يعني ان هذه المواد التالفة موجودة في مخازن الوزارة لحد الان ولم تتخذ بها أي اجراءات على اعتبار ان هذا المعالي أكد على ان هذه المواد موجودة قبل استلامه الوزارة.
هل يحق لنا ان نسأل الوزير ماذا كنت تفعل طيلة ايام هذه السنة؟وماذا فعلت في الفساد والنهب واللغف والتلاعب في مواد البطاقة التموينية .
هل صحيح مايقال بانك كنت تنتظر تصريح التميمي حتى تبادر باتخاذ الاجراءات اللازمة؟
كيف يمكن بقاء كميات هائلة من المواد الغذائية التالفة لأكثرمن سنتين في مخازن الوزارة وانت لاتحرك ساكنا؟.
خويه اذا ماتعرف كيف تتلفها، اولاد الملحة يعلموك الطريقة وهي سهلة جدا وما تكلف ولا دولار.
اصدر تعليماتك الى كل العاملين بالوزارة ماعدا المدراء العامين طبعا بتحميل هذه المواد التالفة في شاحنات الوزارة ورميها في شوارع بغداد، راح تكسب فيها ثواب من اجل الحيوانات السائبة.
يعني معقولة انت شجاع بحيث ان التميمي صاحب الكلمات “الجبيرة” يؤكد ذلك ؟.
اقرأوا ماتبقى بس ارجوكم “لاتكطعون” شعر راسكم.
وبين أن” خير الله بابكر اكد على تشكيل لجان مشتركة مع الامن الوطني ووزارة الصحة من اجل اتلافها”، مثنيا على” رد الوزير بابكر بعدما اطلع على مطالباتنا”، قائلا ان” هذا الرد يمثل شجاعة من قبل الوزير”.
نقطة نظام : قبل هذا التصريح اتهم النائب عن ائتلاف دولة القانون منصور التميمي القائمين على ادارة ملف البطاقة التموينية ووزير التجارة بـ “الفساد المالي والاداري” ، كاشفا في الوقت نفسه وجود مواد غذائية بكميات هائلة في مخازن وزارة التجارة غير صالحة للاستهلاك البشري”.
أي شجاعة يا خوية ياتميمي؟ وأي رد هذا الذي يتلاعب في قوت الناس؟ وأي ثناء يستحق من يقوم بواجبه وزيرا كان ام فراشا؟.
خوية انت مع الوزير روحوا لعبوا “دومنة” في كافتيريا المنطقة الخضراء احسن 100 مرة من اللغو الفارغ الذي تلقونه على مسامع اولاد الملحة.

تواصل مع محمد الرديني فيسبوك

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

خطوتان للإدارة الأميركية المقبلة تجاه الأزمة السورية

ديفيد شينكر

الحياة اللندنية

خلال زيارة قمتُ بها إلى لبنان في وقت سابق من الشهر الجاري، عبّر لي الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، المعروف بمواقفه الصريحة، عن امتعاضه الشديد من غياب سياسة أميركية جدية من شأنها وضع حدّ للقتل والدمار الوحشيين في سورية. وكان جنبلاط محقاً في ذلك، فقد أثبتت السياسة التي اعتمدتها إدارة أوباما حيال سورية منذ بداية الانتفاضة افتقارها إلى القيادة وإلى الطابع الملح.

وحتى قبل اندلاع الثورة الشعبية، بدت سياسة الإدارة القائمة على محاولة التحاور بطريقة ديبلوماسية مع الديكتاتور المتعنّت، سياسة مضللة. لكن، على مدى الأشهر التسعة عشر الماضية، تفاقم الخطأ المبكر الذي ارتكبته الإدارة، أولاً من خلال الاعتراض على تسليح الانتفاضة ومن ثمّ من خلال تركيز الجهود على المجلس الوطني السوري السيئ الحظ، وبعدها من خلال تعهيد قيادة السياسة تجاه سورية إلى الأتراك والفرنسيين وأخيراً إلى الولايات المتّحدة.

وكشفت المقاربة المعتمدة عن سوء قراءة تام لطبيعة نظام الأسد ولمسار الأحداث ميدانياً في سورية.

وإلى جانب الخسائر البشرية الهائلة والخسارة الكبيرة في الإرث التاريخي السوري، تسبب عجز إدارة أوباما، إلى الآن، عن صوغ وإطلاق ردّ فاعل على المجزرة بإضفاء طابع نزاع متطرّف وإسلامي وجهادي على النزاع، علماً أنّه يصعب، لا بل يستحيل، عكس هذه الظاهرة.

والحق أنّ سورية – في عهدي حافظ وبشّار – تجد دوماً صعوبة في التعامل مع صنّاع السياسات الأميركية، ففي عام 2003، حين كنتُ مسؤولاً عن الشؤون السورية في وزارة الدفاع الأميركية في إدارة بوش، أوكل إليّ وزير الدفاع دونالد رامسفيلد مهمّة وضع استراتيجية تهدف إلى «ممارسة المزيد من الضغوط على سورية» التي كانت ترسل عدداً كبيراً من المتمردين إلى العراق آنذاك. وقبل الشروع في كتابة الاستراتيجية، استشرتُ مساعد وزير الدفاع آنذاك بيتر رودمان الذي عمل مع هنري كيسنجر في إدارتي نيكسون وفورد، وأخبرني رودمان أنّ كيسنجر كلّفه المهمة نفسها في عام 1973. وفي النهاية، فيما فرضت إدارة بوش سلسلة من العقوبات المؤلمة على سورية – بما تشمل إجراءات بالغة الصرامة ضد «المصرف التجاري السوري» ورامي مخلوف، نسيب الأسد، الذي يموّل النظام – ودعمت اللبنانيين المعارضين لسورية في سياق الجهود البطولية التي بذلوها لوضع حدّ للاحتلال السوري الوحشي، لم ننجح يوماً في تغيير سلوك الأسد المتهوّر والإجرامي. وبصرف النظر عمّا إذا كان سيتمّ انتخاب ميت رومني أو باراك أوباما في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، يقدّم وصول الإدارة المقبلة فرصة لتغيير السياسة الأميركية حيال سورية.

ويجب أن تقوم الخطوة الأولى على وضع حدّ للاعتراض غير المبرر على تسليح الجيش السوري الحرّ. وفيما أسدت قطر والمملكة العربية السعودية خدمة مهمّة مع توفيرها أسلحة لدعم الثورة، يشار إلى أن ميل هذه الدول إلى تسليح المقاتلين الإسلاميين الذين سيسعون بلا أدنى شك، بعد إطاحة الأسد، إلى تغيير آفاق سورية الدينية المتسامحة والمعتدلة، لا يصب في مصلحة أي من سورية أو الأميركيين.

وعقب الانتخابات، يجب أن تمضي واشنطن قدماً في تزويد وحدات الجيش السوري الحر بالأسلحة الضرورية من أجل إنهاء الحرب في شكل أسرع. وأشار الحاكم رومني إلى أنّه سيعتمد هذه السياسة في حال انتخابه. ومن الممكن أن يسير أوباما في الاتجاه نفسه أيضاً في حال إعادة انتخابه بعد أن يتحرّر من القيود الانتخابية.

والمنطق السائد في هذا الصدد بسيط، فكلما طالت مدة القتال، صعُب تلافي العقوبات العنيفة ضد المجتمعات العرقية والدينية التي ارتكبت أو شوهدت تدعم الأفعال الوحشية التي ارتكبها النظام. في الوقت نفسه، سيؤدي استمرار القتال إلى إنتاج سورية متصدّعة تعمّ فيها الفوضى وتحكمها الميليشيات المسلحة وربما الإسلامية بعد سقوط الأسد، علماً أنّه احتمال خطير في بلد يملك أحد أكثر برامج الأسلحة الكيماوية تطوّراً في المنطقة.

ويجدر بواشنطن في الخطوة الثانية أن تطبّق على الفور مبادرة ديبلوماسية قائمة على التوصل إلى توافق عربي لدعم فرض منطقة حظر جوي لمراقبة الأراضي التي تحرّرت من الأسد شمالي سورية. ومن الواضح أنّ روسيا والصين لن تتراجعا عن معارضتهما في الأمم المتحدّة لأي تحرّك دولي متفق عليه لحماية الشعب السوري. وفي ظلّ غياب ما يسمى بـ «الشرعية الدولية»، قد يساهم الدعم العربي لتدخّل عسكري في تشجيع سياسة أميركية أكثر قيادية.

والأفضل أن تتمكن القيادة العربية من فرض حظر جوي وإرسال قوات لحفظ السلام في مرحلة ما بعد الأسد. وفي مطلق الأحوال، تمّ إرسال قوات جوية قطرية وإماراتية وأردنية خلال النزاع الليبي. وعلى خلاف العراق، وبعد أن يتمّ التخلّص من الأسد، يجب أن تكون الدول العربية، وليس الولايات المتحدّة، مستعدة لاستثمار أموالها وقواتها بهدف فرض الاستقرار بعد الحرب والجهود المبذولة لإعادة إعمار البلاد.

وبالنظر إلى القدرات التي برزت في ليبيا، ما من سبب يدعو الولايات المتحدّة إلى تحمّل العبء والمجازفة وحدها في سورية. والجدير ذكره أنّه على رغم أنّ التدخّل العسكري الأميركي كان مرحّباً به في الثورة الليبية، تفيد التجربة بأنّه سيتمّ في آن شكر الولايات المتحدّة ولعنها لمساعدتها على تحرير سورية.

ولا شكّ في أنّ سورية شكّلت على مرّ التاريخ مشكلة سياسية مربكة بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، إلا أنّ التدخّل الآن للمساعدة على وضع حدّ لنظام الأسد يجب ألا يكون قراراً صعباً، حيث إن الديكتاتور لم يكتفِ بقتل عشرات الآلاف من الأشخاص في الداخل، بل قوّض المصالح الأميركية في لبنان وإسرائيل وكان مسؤولاً عن مقتل مئات الجنود الأميركيين في العراق بين عامي 2003 و2009. فضلاً عن ذلك، قد يشكّل سقوط الأسد هزيمة للنظام الثيوقراطي في طهران. وسيعكس الدعم العسكري للثورة السورية الاهتمامات الإنسانية والمصالح الاستراتيجية الأميركية. وهي سياسة يجب أن يعتمدها كل من الرئيس الأميركي المقبل والدول العربية.

* مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. عمل من عام 2002 إلى عام 2006، مديراً لمنطقة الشرق في مكتب وزير الدفاع دونالد رامسفيلد.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية | Leave a comment

جذور الرهبنة المسيحية

رياض الحبيّب

خاص – موقع لينغا

وردت في الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد، مصطلحات تعبر عن علاقة الإنسان مع الله بشكل مميّز ودرجة سامية، مثالًـا؛ رجُل الله، البارّ، التّقيّ، أمَة الرّبّ، النبيّ، النبيّة، الرّسول. ولأصحاب هذه الألقاب، من الجنسين، اتجاه واحد مشترك هو التواصل مع الله بالخضوع له واتّباع وصاياه وتنفيذ أحكامه. وقد تمّ التواصل عبر الكلام المباشر المسموع بين الله ومُختاريه أو بواسطة ملاك الله أو عبر الإلهام الروحي سواء في اليقظة والحُلم. وقد تحلّى مختارو الله ومختاراته بخصائص حسنت لديه؛ أهمّها تكريس الذات لعبادة الإله الواحد ومحبّة القريب والاتّضاع والصدق والنزاهة والأمانة والخدمة، ما جعل طريق المؤمن مستقيمة نحو مرضاة الله على أمل النجاة والخلاص: {لي طِلْبةٌ مِنَ الرّبِّ ولا ألتمِسُ سِواها: أنْ أُقيمَ في بَيتِ الرّبِّ جميعَ أيّامِ حياتي، حتى أُعاين نعيمَ الرّبِّ وأتأمَّلَ في هَيكلِه} – مزمور 27 لداود الملك إمام المُغنّين، وهذا نصّ صريح دالّ على تكريس الذات للربّ مدى الحياة وهو يمثّل أهمّ سمات الرّهبنة وإن لم تُذكَر الرّهبنة حرفيًّا في الكتاب المقدّس، شأنها شأن غيرها، كالأقنوم والناسوت. والرهبنة بهذا المفهوم كانت دعوة خاصّة من الله لمختاريه الذين رغبوا بصدق في السير في طريق الرّبّ: {طوبَى لمن اٌخترتَهُ وأدنيتَهُ ليَسكُن في ديارِكَ. لَنَشبَعَنَّ مِن خَيرات بَيتِكَ هَيكلِكَ المقدَّس. بالمَخاوِف في العَدل تستَجيبُ لنا يا الله مُخلِّصنا، يا رجاءَ جميعِ أقاصي الأرض والبحر البَعيدَة} – مزمور 65: 4-5 لداود وهو الذي انتخبه الرّبّ لنفسه رجُلًـا حسب قلبه ليصنع كلّ مشيئته (1 صموئيل14:13 وأعمال الرسل 22:13) وإن ارتكب داود من الخطايا ما يندى له الجبين خجَلًـا، مثالًـا: خطيئته في حقّ أوريّا الحِثّي (1 ملوك5:15) فلم يعصم الله أحدًا من الخطأ {إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله} – الرسالة إلى روما 23:3 والمزامير 14 و53 بل العكس؛ لقد عاقب الله المُخطئين، مثالًـا لا حصرًا؛ ما ورد في سفر صَموئيل الأوّل، الأصحاح 13 المذكور: {فقالَ لهُ صَموئيلُ: بحَماقةٍ تَصرَّفتَ، لأنَّكَ لم تَعمَلْ بوَصيَّةِ الرّبِّ إلهِكَ. فلو عَمِلْتَ بها، لكان الرّبُّ ثبَّتَ مُلكَكَ على بَني إِسرائيلَ إلى الأبد. فأمَّا الآن فلن يَدومَ مُلكُكَ، لأنَّ الرّبَّ اختارَ لَه رَجُلًـا يُرضيهِ، وأمَرَهُ أنْ يكونَ رئيسًا على شَعبه. فأنتَ لم تَعمَلْ بما أمرَكَ الرّبُّ بهِ} والمُخاطَبُ هنا شاول أوّل ملوك إسرائيل أمّا الذي اختاره الله فهو داود الملك

* * *

أعظم المعجزات

أخبر الكتاب المقدّس عن داود أنّه تاب توبة صادقة (مزمور 51) وشهد الكتاب لقوة تعلّقه بالله وشدّة إخلاصه له وروعة إيمانه به، لذا يمكن اعتباره راهبًا بمنظار ذلك الزمن، كما يمكن اعتبار كلّ من أخنوخ ونوح وأيّوب ودانيال النبي وإيليّا النبي. فأخنوخ هو السابع من آدم من نسل شيث، قد {سار مع الله} اي أنه عاش في طاعة الله وفي شركة معه (تكوين: 5) فلم يَرَ الموت {بالايمان نُقِل أخنوخ حتّى لا يرى الموت. ولم يوجد لأنّ الله نقلَهُ. ومِن قبْلِ نقلِهِ مشهودٌ لهُ بأنّهُ قد أرضى الله} – الرسالة إلى العبرانيين 5:11 والجدير ذكره أنّ أخنوخ تنبّأ عن القضاء الذي يحلّ بالأشرار (رسالة يهوذا 14:1-15) أمّا إيليّا فقد قضى بأمر الرّبّ وقتًا طويلًـا في البَرّيّة (كذلك الرهبان في ما بعد) والجدير ذكره أنّ الرّبّ سَمِعَ لصوت صلاته ليُقيم ابن الأرملة من الموت فقام (1 ملوك:17) كذلك فعل أليشاع (أو أليشَع) خليفة إيليّا مع ابن المرأة الشونميّة (2 ملوك 35:4) وإيليّا أيضًا لم يَرَ الموت (2 ملوك 11:2) وهنا قد يتساءل سائل: ما المعجزة التي صنعها السّيّد المسيح أعظم ممّا فعل إيليّا وخليفته بإذن الله؟ والجواب من الكتاب؛ أوّلًـا: بإذن الله أي بكلمة الله وكلمة الله هو الأقنوم الثاني أي إبن الله وهو الله الظاهر بشخص المسيح له المجد إذ {كلّ شيء به كان وبغيره لم يكن شيء ممّا كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس} – يوحنّا: الأصحاح الأوّل. ثانيًا: المعجزة الأعظم التي للسّيّد المسيح، ما لم يقدر عليها سواه، هي أنّ المسيح أعطى لرُسُلِهِ سُلطانًا لفِعْل المُعجزات، مثالًـا لا حصرًا: ما صنع بطرس الرّسول أحد التلاميذ الإثني عشر باٌسم يسوع المسيح الناصري؛ كشفاء المولود أعرج (أعمال الرسل: 3) وإقامة طابيثا من الموت وهي تلميذة من يافا (أعمال الرسل: 9) وإلّـا (أي لولا معجزات الرسل) لَمَا انتشرت المسيحيّة في أصعب الأماكن ولا سيّما اليونان القديمة التي كانت مشهورة بالفلسفة والطّبّ

* * *

رَجُل الله وأمَة الله

ورد المصطلح “رَجُل الله” في العهد القديم حوالي سبعين مرّة وقد أُطلِق على موسى النبي وإيليّا النبيّ وأليشاع وداود الملك وآخَرين، أطلِق على مختاري الله من المؤمنين ذوي المواصفات الخاصّة التي قدّرها الله ولم يُطلَق على جميعهم. وقد يجوز القول أن رجُل الله هو عبد الله المميَّز من الله. لكن لا يوجد في الكتاب المقدّس مصطلح “امرأة الله” أسوة بالرّجُل، لأنّ فهْمَ هذا المصطلح قد يصعُب على فهم المرء وقد يُساء إليه، في نظري، لذا كان المصطلح “أمَة الله” أي عَبْدة الله هو المناسب والدّالّ على الطّاعة الإلهيّة والاتّضاع الإنساني والوداعة والعفّة وسائر المحاسن والفضائل؛ نطقت به في العهد الجديد السيّدة العذراء (لوقا 38:1) المباركة بين النساء والأعظم منزلة عند الله. وقد أُطلِق على النبيّة حَنّة بنت فنوئيل (لوقا 36:2) التي عاشت مع زوجها سبع سنين ثمّ ترمّلت حتّى سنّ الرابعة والثمانين، غير مفارقة الهيكل، عابدة الله بالصوم والصلاة ليل نهار. وأخبر الإنجيل عن مريم تلميذة المسيح التي كانت ذات روح مَيّالة على الديانة إذ كانت تسمع كلامه جالسة عند قدمَيه فشهد لها أنّها اختارت النصيب الصالح الذي لن يُنزَع منها (لوقا:10) وهي التي دَهَنت قدَمَي الرّبّ يسوع بالطِّيب ومَسَحَتهُما بشَعرها في بيت لعازر أخيها (يوحَنّا: 11 و 12) على خلاف أختها مرثا إذ اهتمّت بأمور دنيويّة وإن آمنت بأنّه المسيح ابن الله الآتي الى العالم (يوحَنّا 27:11) قبلما أقام أخاها لعازر من الموت وله في القبر أربعة أيام (يوحَنّا 17:11) أمّا في العهد القديم فقد نطقت به حَنّة أمّ صَموئيل النبي، أوّل أنبياء العبرانيّين بعد موسى وآخر القضاة، وفي العهد القديم سِفران مسمَّيان باٌسمه. كذلك راعوث الموآبيّة التي كانت من عَبَدة الأصنام فتمسّكت بدين الإسرائيليّين تاركة شعبها وبيت أبيها في موآب فكافأها الرّبّ على صنيعها إذ وجدت نعمة في عَينَي بُوعَز الذي تزوّجها، بهذا صارت ضمن سلسلة نسب داود وتاليًا المسيح، لأنّها ولدت عوبيد وهو أبو يَسّى أبي داود الملك، هي في النهاية أصبحت صورة دخول الأمم في حظيرة المسيح (سِفر راعوث) ذلك بالإضافة إلى نبيّات العهد القديم؛ مريم النّبيّة بنت عمرام وأخت موسى النبي وهارون الكاهن (الخروج 20:15) ودبورة التي كانت نبيّة وقاضية (القضاة 4:4) وحُلدة النبيّة أو خلدة (2 ملوك 14:22 و أخبار الأيّام الثاني 22:34) ونوعدية النبيّة (نحميا 14:6) كذلك أخبر الكتاب المقدّس بعَهدَيه عن أخريات وآخرين

* * *

الراهب والرهبنة

ما ادّعيت يومًا أني قرأت رواية “مئة عام من العزلة” للكاتب الكولومبي الشّهير غابرييل غارسيا ماركيز لأحكم عليها بأنّها رائعة أو ساذجة. ولا أستطيع التخمين ما كان الكاتب روى قصّة رجل عاش في عزلة مدّة مئة عام أم قصّة قرية معزولة عن العالم طوال تلك الفترة، لذا وجب عليّ فتح الكتاب وقراءته من ألفه إلى يائه لكي يكون حُكمي عادلًـا، وقد لا يكون عادلًـا إذا واجهتُ مشاكل في الفهم وتثاقلت عن إيجاد حلول لها، فكيف أسمح لنفسي بالحكم على رواية تُرجمَت إلى سبع وثلاثين لغة وبِيعَ منها أزيد من عشرين مليون نسخة وأدّت إلى حصول كاتبها على جائزة نوبل للآداب سنة 1982 وأنا لم أقرأها جيّدًا؟ وفي المقابل؛ لا أدري كيف ينظر شخص إلى الرّاهب قبل دراسة الكتاب المقدّس ولا كيف يتصوّر أحدٌ الرّاهبَ والرهبنة قبل أن يعيش في دير قاسٍ أسبوعًا واحدًا في الأقلّ (لو استطاع!) إذ يقول أحد الأمثال: (لا تحْكُمْ على كتاب من غِلافِه) وهل صحيح حُكم الأخ المعترض: (لا يوجد رهبان في الكتاب المقدّس وفكر الرهبنة من أساسه غريب عن الايمان المسيحي وعن تعاليم الكتاب المقدّس) وهل هذا يعني أن الكنيسة المسؤولة عن الأديرة والرهبانيّات منذ القرون المسيحيّة الأولى كانت على خطأ ولم يتنبّه رجالُها ونساؤها إلى روح الإنجيل وتعاليمه السّامية قبل ظهور صاحب الحُكم في القرن السادس عشر أو الحادي والعشرين؟ وهل يتعارض فكر الرّهبنة مع قول الرّب يسوع: {فاٌذهَبوا وتلمِذوا جميعَ الأُمَمِ وعَمِّدوهُمْ باٌسمِ الآبِ والِابنِ والرّوحِ القُدُسِ} – متّى 19:28 ومرقس 15:16 ولوقا 3:10 أم أنّ صاحب الحُكم قد جرّب الرّهبنة ولم يتجاوب معها فثار على الكنيسة الرّسوليّة مدّعيًا على آبائها ما اٌدّعى؟ أم أنّه خلط بين المفاهيم الكتابيّة واضعًا نقاط بعض الحروف على حروف غيرها؟ لكنّ هناك موضوعًا أدهشني حين تصفّحتُه؛ إذ وجدت أنّ أوّل كلمتين للتعريف عن الأخ مارتن لوثر (1483- 1546 م) في سيرته التي في ويكيپـيديا، الموسوعة الحُرّة، هُما: راهب ألماني! وذلك في الأقسام العربيّة والانگليزية واليونانيّة والدنماركية من الموسوعة المذكورة. فصحيح أنّه كان راهبًا لكنّه ترك الرّهبنة بل اعترض عليها في ما بعد، لذا وجب على كاتب سيرته أن يذكر في البداية ما آلت إليه حياته، مثالًـا: مُصلح بروتستانتي، كما هو شائع عنه، أو أحد الأساتذة في اللاهوت، ثمّ يذكر دخوله الرهبنة في حقل سيرة حياته المبكّرة، إلّـا إذا كان كاتب السّيرة من المعجَبين بصفة الرّاهب

عِلمًا أنّ الإدّعاءات على رجال الكنيسة كثيرة وأنّ نقدها مستمر من داخلها ومن حولها ولا سيّما نقد بعض العقائد، لكني وثقت بأنّ جميع عقائد الكنيسة الرّسوليّة نابعة من روح الكتاب المقدّس، لذا أتمنّى على كلّ مؤمن مسيحي، معترض أو مشكّك، أن يسأل أصحاب العقائد قبل الحكم عليها مسبّقًا، أو قبل تبنّيه رأي هذا وموقف ذاك، أسوة بمن سأل كثيرًا ودرس وبحث بنفسه. وقد رأيت التالي واجبًا ومُلزمًا 1. فهْم الكتاب المقدّس روحيًّا لا حرفيًّا كما في الرسالة الثانية إلى كورنثوس 6:3 {لأنّ الحرف يقتل ولكنّ الرّوح يُحيي} 2. تفسير آيات الكتاب المقدّس بإرشاد الروح القُدُس أو بالرجوع إلى كتب التفسير التي سهر عليها الآباء القدّيسون بالصلاة والصوم والزّهد والتأمّل، هذا لكي يناسب التفسيرُ قولَ الوحي الإلهي بلسان بطرس الرسول 2 بط 1: 20-21 {عالمين هذا أوّلًـا أنّ كلّ نبوّة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنّه لم تأتِ نبوّة قَطّ بمشيئة إنسان بل تكلّم أناس الله القدّيسون مَسُوقين من الرّوح القُدُس} 3. تفسير كلام الرّبّ يسوع (خصوصًا) بدون اقتطاع نصّ ما من سياقه، مع الأخذ بنظر الاعتبار المناسبة التي قال فيها كلّ قول من أقواله 4. التمييز بين وصايا الرّبّ يسوع وبين الأمثال التي ضربها للتعليم، والتمييز بين التعليم المباشر وبين التعليم بالأمثال 5. اعتماد الدراسة والبحث وتقصّي الحقائق شخصيًّا وتجنّب الانجراف في تيّارات الشائعات والتعتيم والتضليل والتزمّت بالرأي والسّخرية من الآخر، بل لتكن آية الرّبّ يسوع التالية على المنارة: {فكلّ ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم. لأنّ هذا هو الناموس والانبياء} – متّى 12:7 والتي اختصرها بعض الكتّاب العلمانيّين بالقول: “عامل الناس كما تريد أن يُعاملوك” وبعضهُم ظنّ أنّ هذا المختصَر من أمثال العرب ولم يعرف قائله

أمّا جوابي على حُكم الأخ المعترض هو التالي: جميع رجال الله السالف ذكرهم كانوا رُهبانًا، بشكل ما أو بآخر. وتعريف الرّهبنة من لسان أحد الرهبان (القدّيس باخوميوس) في القرن الرابع الميلادي: (الصّومُ بمقدار والصّلاة بمداومة وعِفّة الجسد وطهارة القلب وسكوتُ اللسان وحفظُ النّظر والتّعب بقدر الإمكان والزّهدُ في كلّ شيء) فالصّوم والصّلاة والعفّة وسائر المفردات الواردة في التعريف هي من صُلب تعاليم الكتاب المقدّس. مثالًـا على الصّوم
ومتى صُمتمْ فلا تكونوا عابسين كالمُرائين. فإنّهم يُغيّرون وجوهَهُم لكي يظهروا للناس صائمين. الحقّ أقول لكم إنّهم قد اٌستوفوا أجْرَهُم – متّى 16:6
ومثالًـا على السكوت: {أمّا الرّبّ ففي هيكل قُدسِه. فاٌسكُتي قدّامَهُ يا كُلّ الأرض} – حبقوق 20:2

والأمثلة على دوافع الرّهبنة وأصولها الكتابيّة كثيرة؛ منها التالي
وفيما أنتُم ذاهِبون اكرِزوا قائلين: إنَّهُ قد اقتَرَبَ ملكوتُ السَّماواتِ. اِشفوا مَرضى. طَهّروا بُرصًا. أقيموا مَوتى. أخرِجوا شَياطين. مَجّانًا أخَذتُمْ، مَجّانًا أعطوا. لا تَقتَنوا ذَهَبًا ولا فِضَّة ولا نُحاسًا في مَناطِقِكُمْ، ولا مِزوَدًا للطريقِ ولا ثَوبَينِ ولا أحذيَة ولا عَصًا، لأنَّ الفاعِلَ مُستَحِقٌّ طَعامَهُ- متّى 10: 7-10

مَنْ أحَبَّ أبًا أو أُمًّا أكثَرَ مِنّي فلا يَستَحِقُّني، ومَنْ أحَبَّ ابنًا أو ابنَةً أكثَرَ مِنّي فلا يَستَحِقُّني، ومَنْ لا يأخُذُ صَليبَهُ ويتبَعُني فلا يَستَحِقُّني. مَنْ وجَدَ حَياتَهُ يُضيعُها، ومَنْ أضاعَ حَياتَهُ مِنْ أجلي يَجِدُها. مَنْ يَقبَلُكُمْ يَقبَلُني، ومَنْ يَقبَلُني يَقبَلُ الَّذي أرسَلَني- متّى 10: 37-40

قالَ لهُ تلاميذُهُ: “إنْ كانَ هكَذا أمرُ الرَّجُلِ مع المَرأةِ، فلا يوافِقُ أنْ يتزَوَّجَ!” فقالَ لهُم: ليس الجميعُ يَقبَلون هذا الكَلامَ بل الَّذين أُعطيَ لهُم، لأنَّهُ يوجَدُ خِصيانٌ وُلِدوا هكَذا مِنْ بُطونِ أُمَّهاتِهِمْ، ويوجَدُ خِصيانٌ خَصاهُمُ النَّاسُ، ويوجَدُ خِصيانٌ خَصَوْا أنفُسَهُمْ لأجلِ ملكوتِ السَّماواتِ. مَنِ استَطاعَ أنْ يَقبَلَ فليَقبَلْ- متّى 19: 10-12

قالَ لهُ يَسوعُ: إنْ أرَدتَ أنْ تكونَ كامِلاً فاذهَبْ وبعِ أملاكَكَ وأعطِ الفُقَراءَ، فيكونَ لكَ كنزٌ في السَّماءِ، وتعالَ اتبَعني- متّى 21:19

وكُلُّ مَنْ ترَكَ بُيوتًا أو إخوَةً أو أخَواتٍ أو أبًا أو أمًّا أو امرأةً أو أولادًا أو حُقولاً مِنْ أجْلِ اٌسمي، يأخُذُ مِئَةَ ضِعفٍ ويَرِثُ الحياةَ الأبديَّةَ- متّى 29:19

* * *

ثلاثة أسئلة

لكنّ في الأفق ثلاثة أسئلة لزم الجوابَ عليها بعضُ التأمّل، الأوّل: هل جميع المؤمنين المسيحيّين، من الجنسين، مواظبون يوميًّا على مفردات تعريف الرّهبنة المذكور، باستثناء موضوع الزهد؟ الجواب: لا. وإلّـا لأصبحوا، رهبانًا وراهبات، بحسب التعريف، كُلّـا بطريقته، وإن لم ينتموا إلى أيّ دير أو أيّة مؤسّسة رهبانيّة. والثاني: هل يستطيع المؤمنون المسيحيون، من الجنسين، الزهد عن الدّنيا في كلّ شيء لكي ينطبق على سلوكهم ذلك التعريف؟ ج: لا. لأنّ هذا الزهد يعني التفرّغ كلّيًّا إلى عبادة الله والتخلّي عن أمور الدنيا، إلّـا ما اٌقتضى فعله منها لمجد الربّ يسوع له المجد. وهذا يعني ترك جميع مغريات الدنيا وملذّاتها ومشتهياتها الوقتية والدائميّة، إلّـا مشتهى التقرّب إلى الله بالجهادَين الرّوحي والجسدي اللذين تضمنّتهما مفردات التعريف. والثالث: أفليست الرّهبنة دعوة خاصّة من الله أم أنّها مفروضة على جميع المؤمنين، من الجنسين، وأنّهم مُلزَمُون بها؟ ج: دعوة خاصّة؛ غير مفروضة، لأنّ الدعوة تأتي من الله، أي بحسب مشيئته وليست بحسب مشيئة المؤمن-ة، ولهذا فالرّهبنة غير مُلزِمة

عِلمًا أنّ للرهبنة أنماطًا مختلفة وأماكن مختلفة وفيها وجهات نظر مختلفة وتوجّهات مختلفة، هذا ما لمست خلال زيارتي عددًا من الأديرة في الأردنّ ولبنان وسورية، أخصّ بالذكر منها الرّهبنة اليسوعيّة؛ وهي (رهبنة كاثوليكية أسسها إغناطيوس دي لويولا الذي كان جندياً ثم كرّس حياته للحياة النسكية المسيحية عام 1540 م. بلغ عدد أعضائها قرابة 20.170 فردًا، منهم 14.147 يحملون الرتبة الكهنوتية، وبهذا يكون اليسوعيّون أكبر جماعة رهبانية كاثوليكية للذكور في العالم. تنتشر مراكز اليسوعيين في 112 بلدًا في القارّات السّتّ، ولهم مراكز في دول عربية عدّة، أبرزها لبنان وسوريا ومصر. لا يطلق اليسوعيون على أنفسهم عادة صفة راهب، بل يفضلون لقب أخ أو أب، لهذا فهُمْ يُعرَفون أيضًا بالآباء اليسوعيّين…) والمزيد في ويكيپـيديا: يسوعيون

* * *

مخافة الرّبّ

أمّا الرّاهب- لغويًّا: هو اٌسمُ فاعل الفعل “رَهِبَ” يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْباً بالضم، ورَهَباً بالتحريك، أي خافَ. والمُراد بالخوف هنا: خوف الرّبّ (أو مخافته) فنقرأ ما يأتي في المزامير
رأس الحكمة مخافة الرّبّ. فطنة جيّدة لكلّ عامِليها. تسبيحُهُ قائمٌ إلى الأبد – مزمور 10:111
وفي سِفر الأمثال
مخافة الرّبّ رأس المعرفة. أمّا الجاهلون فيحتقرون الحكمة والأدب – أمثال 7:1
بدءُ الحكمة مخافة الرّبّ ومخافة القدّوس فهْمٌ – أمثال 10:9
في مخافة الرّب ثقة شديدة ويكونُ لبنيهِ ملجأ – أمثال 26:14
وفي سِفر إشعياء
يخرُج فرعٌ مِنْ جذعِ يَسَّى وينمو غُصنٌ مِنْ أُصولِهِ، روحُ الرّبِّ ينزِلُ علَيهِ، روحُ الحِكمةِ والفهْمِ والمَشورةِ، روحُ القوَّةِ والمَعرفةِ والتَّقوى، ويبتَهِج بمخافةِ الرّبِّ. لا يقضي بحسَبِ ما ترَى عيناهُ ولا يحكُمُ بحسَبِ سَماعِ أُذُنَيهِ- إشعياء 11: 1-3

* * *

الراهب في شعر العرب

إنّ الرهبان ومساكنهم، كالصّومَعَة والدَّير والهيكل، من أكثر الألفاظ النصرانيّة تعدّدًا عند العرب، بحسب كتاب «النصرانيّة وآدابها بين عرب الجاهليّة» بقلم الأب لويس شيخو اليسوعي ج 2 وباب “الألفاظ النصرانيّة” الذي اقتطفتُ منه التالي: [قال عمرو بن عبد الحقّ ويُروى أنه للأعشى أو الأخطل أو ابن عبد الجنّ- على وزن بحر الطويل
وما سَبّحَ الرهبانُ في كلّ هيكلٍ: * أبيلُ الأبيلِين المسيحُ بنُ مَريَمَا
ما: الذي. ويُروى: وما قدَّسَ… والأبيل: لفظة سريانيّة من فِعل معناه: بكى على خطاياه وناح. ومن معاني الأبيل أيضًا الزاهد والناسك، بالإضافة إلى الراهب. مثله الأيْبَلي- بفتح الباء، والأيبُلي- بالضمّ، والهَيْبُلي. قال الأعشى- بحر المتقارب
وما أيبُليٌّ على هيكلٍ * بناهُ وصلّبَ فيه وصارا
وقال الأعشى (تاج العروس 280:1) يحلف بمُسُوح الرهبان والكعبة- بحر الطويل
حَلفتُ بثوبَي راهب الدير والتي * بناها قصيٌّ والمُضاضُ بن جُرهُمِ
أراد بثوبَيه مِسْحَيه كما قال جرير (التاج 69:8) – بحر البسيط
لا وصْلَ إذ صَرَمَتْ هندٌ ولو وقفتْ * لاٌستَفتَنتْني وذا المِسْحَينِ في القُوسِ
والقُوسُ، بضم القاف: رأْس الصَّوْمعة، وقيل: موضع الراهب، صَوْمَعة الراهب- لسان العرب
وقال امرؤ القيس في معلّقته يصف لمعان البرق ويشبّهه بسراج الرّاهب عند صبّه الزيت على الفتيلة ليذكيه- بحر الطويل
أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ * كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِبٍ * أَمَالَ السَّلِيْـطَ بالذُّبَالِ المُفتَّـلِ
كما قال واصفًا الراهب بالتّبتّل
تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا * مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ
وكما أفاضوا في ذكر الرهبان، بيَّنوا منازلهم في بلاد العرب فخصّوا منها بلاد مَدْيَن؛ قال كُثيّر عَزّة
رُهبانُ مَديَنَ والَّذين عَهِدتُهُم * يَبكون مِن حَذرِ العَذابِ قُعُودا
لو يسمعون، كما سَمِعتُ، كلامَها * خرّوا لعَزّة رُكّعًا وسُجُودا- بحر الكامل
وقال جرير- بحر الكامل أيضًا
رُهْبَان مَدْيَن لَوْ رَأَوْك تَنَزَّلُوا * والعُصْمُ مِنْ شَعَف الجبَال الفادِرُ

وكما ذكروا الراهب ذكروا الراهبة وجمعوها: الرواهب. ودعوها أيضًا بالدَّيرانيّة. قال امرؤ القيس
فآنستُ سِربًا مِن بعيدٍ كأنّهُ * رواهبُ عِيدٍ في مُلاءٍ مُهدَّبِ- بحر الطويل… إلخ] انتهى

* * *

الراهب في القاموس العربي

وردت كلمة “الراهب” في “لسان العرب” مع عدد من المرادفات: [تَرَهَّب الرَّجُلُ إِذا صار راهِـبًا يَخْشَى الله. والرَّاهِبُ: الـمُتَعَبِّدُ في الصَّوْمعة، وأحَدُ رُهبان النصارى، مصدرُهُ الرَهْبَة والرَهْبانِيَّة. والجَمعُ الرُّهْبانُ. والتَّرَهُّبُ التَّعَبُّدُ، وقيل: التَّعَبُّدُ في صَوْمَعَتِه. وأَصلُ الرَّهْبانِـيَّة من الرَّهْبة. قال ابن الأَثير: هي من رَهْبَنةِ النصارى. وأَصْلها من الرَّهْبةِ: الخَوْفِ؛ كانوا يَتَرَهَّبُون بالتَّخلي من أَشْغالِ الدنيا، وتَرْكِ مَلاذِّها، والزُّهْدِ فيها، والعُزلةِ عن أَهلِها، وتَعَهُّدِ مَشاقِّها. وفي الحديث: (عليكم بالجهاد فإِنّهُ رَهْبانِـيَّة أُمّتي) يُريد أَنَّ الرُّهْبان، وإِن تركوا الدنيا وزَهِدُوا فيها، وتَخَلَّوا عنها، فلا تَرْكَ ولا زُهْدَ ولا تَخَلِّيَ أَكثرُ مِن بذل النفس في سبيل الله؛ وكما أَنّهُ ليس عند النصارى عَمَلٌ أَفضلُ من التَّرَهُّب، ففي الإِسلام لا عَمَلَ أَفضلُ من الجهاد] انتهى. ومن المرادفات: الأبيل والأَيْبُليّ، كما تقدّم، سُمِّيَ به لتأَبله عن النساء، والفعل منه أَبَلَ يأْبُلُ أَبَالة إِذا تَنَسَّك وتَرَهَّب. والنِّهامِيُّ في “القاموس المحيط” صاحِبُ الدَّيْرِ

* * *

الهروب والعزلة

سُئِل الراهب المِصري أرسانيوس ذات مرّة: لماذا تهرب منّا يا أبتاه؟ فأجاب: (الله يعلم أني أحبّكم، لكني لا أستطيع أن أكون مع الله ومع الناس، لأن ألوف الملائكة والربوات العُلويّة لهم إرادة واحدة، أمّا النّاس فلهُمْ إرادات كثيرة! وهكذا لا أستطيع أن أترك الله وأصير مع الناس) – كتاب “بستان الرهبان” لآباء الكنيسة القبطية. أمّا “الهروب” إلى البَرِّيَّةِ ولا سيّما الصّحارى والجبال فقد انطلق كثير من رجال الله إليها، لِما فيها من سكون وهدوء وفسحة للصلاة والتأمّل والإصغاء إلى كلام الله (إذا كانت دعوة الراهب صادقة) والتواصل معه، على رغم ما في البَرِّيَّةِ من صعوبات ومخاطر. والربّ يسوع نفسه قد انتقل إلى البَرّيّة: {ثُمَّ أُصعِدَ يَسوعُ إلى البَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ ليُجَرَّبَ مِنْ إبليسَ. فبَعدَما صامَ أربَعين نهارًا وأربَعين ليلة، جاعَ أخيرًا…} متّى: 4 (أنظر-ي أيضًا متّى 33:15 إذ انتقل يسوع الى جانب بحر الجليل وصنع معجزة الخبز والسَّمَك) كذلك يوحنّا المعمدان (متّى 7:11 ومرقس 4:1) بالإضافة إلى الآية التالية وما يليها وغيرها: {في أيّام رئيس الكهنة حنّان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنّا بن زكريا في البَرّيّة…} وقد ذكر بولس الرسول الاضطهاد الذي تعرّض له في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس مضافة إليه مخاطر كثيرة، منها أخطار البَرِّيَّةِ (2 كو 26:11) وهناك المرأة التي هربت إلى البَرِّيَّةِ في سِفر الرّؤيا 6:12 والمقصود بها السيّدة العذراء

لاحظ-ي أني وضعت كلمة الهروب بين مزدوجَين، نظرًا إلى أنّ للهروب دلالات إجابية سواء ما تمّ بالجسد وبالفطرة وبالروح؛ كالهروب بالجسد من الشّرّ والخطر، والهروب بالفطرة من الكلام البذيء نُطقًا به أو استماعًا له، والهروب بالرّوح من التفكير الباطل والمتخلّف

أمّا في العهد القديم فوجدت الإشارات التالية؛ انتقال إيليّا النبيّ إلى البريّة حيث كان كلام الرّبّ إليه، ابتداءً بالآية: {ثم سار في البَرِّيَّةِ مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت…} – الملوك الأوّل 4:19 وفي المزامير: {هاءَنذا كنت أبعد هاربًا وأبيتُ في البَرِّيَّة} – مزمور 7:55 وفي سِفر إرميا: {يا ليتَ رأسي ماءٌ، وعَينَيَّ يَنبوعُ دُموعٍ، فأبكيَ نهارًا وليلاً قتلى بنتِ شَعبي. يا لَيتَ لي في البَرِّيَّةِ مَبيتَ مُسافِرين، فأترُكَ شَعبي وأنطَلِقَ مِنْ عِندِهِمْ، لأنَّهُمْ جميعًا زُناةٌ، جَماعَةُ خائنين. يَمُدّونَ ألسِنَتَهُمْ كقِسيِّهِمْ للكَذِبِ. لا للحَقِّ قووا في الأرضِ. لأنَّهُمْ خرجوا مِنْ شَرٍّ إلَى شَرٍّ، وإيّايَ لم يَعرِفوا، يقولُ الربُّ} – إرميا 9: 1-3 بالإضافة إلى أنّ الرّبّ تعامل مع شعبه الذي أخرجه من أرض مِصر في البَرِّيَّة: {أنا عَرَفتُك في البَرِّيَّةِ في أرض العَطش} – هوشع 5:13 وآيات أُخَر

* * *

في دنيا الرهبان/ نازك الملائكة

سِر بنا يا طريقُ نحو حِمى الدَّير فقد نلتقي الرِّضَى والأمنا
فلعلّ الرّهبان قد أدركوا السّرّ المُعَمّى الخافي الذي نتمنّى

هؤلاء الزّهّاد في القنّة الخضراء حيثُ الحياةُ صَمْتٌ مديدُ
رُبّما كاشَفتْهُمُ الأنجمُ العُليا بأسرارها وباحَ الخلودُ

مرحبًا يا رهبانُ هلْ في حِماكُمْ * مِن حديث عن كنزنا المفقودِ؟
هل لمستُمْ بَريقهُ وشَذاهُ؟ * هل نعمتُمْ بظلِّهِ الممدودِ؟

إنَّ في أفْقِكمْ جَلالًـا وشِعرًا * وسُكونًا مُطلسَمَ الأستارِ
وصلاة لله تقطرُ حُبًّا * طهّرَتْها يدُ الدموع الغِزارِ

فلِمَ الحُزنُ والشّحوبُ يطلّـان لديكُمْ مِن أعيُن وشِفاهِ؟
يلقيان الظلال فوق وُجُوهٍ * صامتات المرأى خواء الجباهِ؟

ووراء الأهداب أستارُ حُزن * وذهولٌ ووحشة لا تنامُ
إنْ يكنْ ديرُكُمْ عَذابًا وهَمًّا * أيّها الرّاهبون فيمَ المُقامُ؟

لم أجدْ في الصّوامع الرّثة الحَيرى عُلُوًّا ولم أجدْ آفاقا
إنّ هذا الجَناحَ يا ديرُ مقصوصٌ فلن يستطيع قطّ اٌنطلاقا

أثقلتْهُ رَغائبٌ ثرّة حَرّى تبقَّتْ مِن أمسِهِ المدفونِ
واٌشتياقٌ إلى الطّفولة والحُبّ إلى ضَمّةٍ وصَدر حنونِ

أيّها الرّاهبُ الذي يقطع العُمرَ وحيدًا في غرفة منسيّهْ
ليس يدري دفءَ الموّدة في عينين في قرّ ليلةٍ شِتْويّهْ

حَدَّثوني عنكم فقالوا: قلوبٌ * نُسِجَتْ مِن وداعة ونقاءِ
ونفوسٌ صِيغتْ من الضّوء والعطر وحامتْ على شفاه السماءِ

وحكوا لي عنكم فقالوا: ضياءٌ * وكؤوسٌ مِن الشّذى رُوحيّهْ
وسُمُوٌّ إلى الذّرى الطّاهرات البِيض فوق الرّغائب البَشَريّهْ

عَجَبًا أين ما سمِعتُ؟ هنا شوقٌ ونارٌ وأعينٌ مفتونهْ
وهوىً قيّدوهُ عطشان محرورًا فأين السّلامُ؟ أين السَّكينهْ؟

واٌسمُ (تاييسَ) لم يزلْ في شِفاه الرّيح يُتلى على الوجود اللاهي
رمز قلبٍ ممزَّقٍ بين صَوتين: نداءِ الهوى وصوتِ اللهِ

ما نسِينا غَواية الرّاهب المفتون في حُبّها وكيف هَداها
يا لهُ بائسًا سَما باٌبنة الإثم إلى قمّة السماء وتاها

أيّها الدّيرُ يا جَديبًا من الحبّ خواءً من النّدى والحَنانِ
يا غريقًا في الصّمت والوحشة الصّماء يا مُقفِرَ الرؤى والأماني

حان عن صَمْتِك الكئيب رحيلي * فدُروبُ الحياة خضراءُ حَيَّهْ
وذراعُ الوجود يفرش لي دربًا مِن الخِصْب والظّلال الثّريّهْ

وسألقى ربّي هناك بعيدًا * عن دياجيك إنّ ربّي ضياءُ
وطريقي يمتدّ حيث يدُ الله جَمالٌ ورحمةٌ واٌرتواءُ

والقصيدة كاملة على وزن بحر الخفيف، تمّت مراجعتها من جهتي إكرامًا لذِكر شاعرتنا الكبيرة، لأنّ في نسخ هذه القصيدة أخطاء في جميع المواقع الالكترونية التي نشرتها. عِلمًا أنّ نازك الملائكة هي الوحيدة في تاريخ الشّعر العربي التي تأثّرت بالحياة الرّهبانيّة المسيحيّة بشدّة، حتّى كتبت في الأقلّ أربع قصائد عن الرهبان والراهبات، تحت العناوين التالية- بالإضافة إلى ما تقدّم: (عند الرهبان، أنشودة الرهبان، أغنية تاييس) والتي اقتطفت عددًا من الأبيات منها جميعًا في ما مضى، وتحديدًا في مقالتي: آثار مسيحيَّة في شعر غير المسيحيّ، ج 5 الأخير. وقد انتهى المطاف بالشّاعرة إلى هجرة وطنها (العراق) واتخاذ سبيل العزلة والاعتكاف في بيتها، في العاصمة المِصريّة، حتّى وفاتها- رحمها الله

* * *

رياض الحبيّب

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

يا أم عوفٍ

محمد مهدي الجواهري

يا (أم عوفٍ ) عــجــيــبـــاتٌ ليــاليــنا ….. يُـــدنـيـنَ أهـــــواءنا القصوى ويُقصينا
في كـــل يـــومٍ بلا وعـــيٍ ولا سببٍ ….. يُنزلن ناســـاً على حـــكـــــمٍ ويعلينا
يَدفن شــــهــدَ ابتسامٍ في مراشفنا ….. عــــــذباً بــعــلــقــم دمـعٍ في مآقينا

يا (أم عوفٍ ) ومــــا يُـــدريك ما خبأت ….. لنا المـــقــاديــرُ مــــن عُقبى ويدرينا
أنَــى وكـــيـــف ســيرحي من أعنتنا ….. تَطوافُنا .. ومــــتى تُلقى مـــراسينا؟
أزرى بأبيات أشـــعـــــارٍ تـــقاذفـــــنا ….. بيتٌ من ( الشَـــعَـــرِ المفتول ) يؤوينا
عِـــشـــنـا لها حِـــقــبــاً جُلى ندلَّلُها ….. فــتــجــتــويــنــا .. ونُعــلــيـها فتُدنينا
تــقـــتــات من لحـمــنا غضاً وتُسغِبنا ….. وتـســتـقــي دمــنا مـحـضـاً وتُظمينا

يا ( أم عــــــوفٍ ) بلوح الغيب موعدنا ….. هـــنا وعــــندك أضـــيافــــنا تَلاقــيـنا
لم يــبــرح العــامُ تِــلوَ العــامِ يَقــذِفنا ….. فــي كــلِّ يــومٍ بـمــومـــاةٍ ويــرمــينا
زواحـــفاً نــرتــمــي آنـــاً .. وآونــــــةً ….. مــصـــعِّـــــدين بأجـــــواء شــــواهينا
مُزعـــزعـــين كـــأن الجــــنَّ تُسلمنا ….. للـــريح تـــنـشُرنا حـــــيناً وتـــطــوينا
حـــتى نـــزلنا بــســاحٍ منك مُحتضِنٍ ….. رأد الضــحى والنــدى والرمل والطينا
مفيئٍ بالجــــواء الطـــــلق مُنصـــلتٍ ….. للشــمــس تجـــدع منه الريح عرنينا
خِــلــتُ الســمـــاء بـها تهوي لتلثمهُ ….. والنـــجــم يــســمـح من أعطافه لينا
فيه عـــطـــفنا لمــيدانِ الصِّــبا رسناً ….. كـــاد التـــصـــرُّمُ يــلـويــــه ويــلــوينا
يا ( أم عـــــــــــــــوفٍ ) وما آهُ بنافعةٍ ….. آه عــــلى عــــابثٍ رَخْـــــصٍ لماضينا
عــــلى خـــضيــلٍ أعـــــارته طلاقتها ….. شـــمـــس الربــيــعِ وأهدته الرياحينا
ســـالتْ لِطـــافـاً به أصباحنا ومشتْ ….. بالمـــنِ تــنــطِـــفُ والســلوى ليالينا
ســـمـــحٍ نجـــــرُ بــه أذيالنا مــــرحاً ….. حِـــــيــناً .. ونـــعـــثرُ في أذياله حِينا
آهٍ عـــلى حــــائرٍ ســــاهٍ ويرشــــدنا ….. وجـــــائرِ القـــصـــدِ ضِلِّيلٍ ويــهـــدينا
آهٍ عــــلى مـــلــعــبٍ – أن نستبدَّ به ….. ويــســـتــبـدَّ بنا – أقــصـــى أمـــانينا
مـــثـــل الطــيــورِ وما ريشتْ قوادمنا ….. نـــطــيـــر رهوا بما اسطاعت خوافينا
من ضحكة السَّحَرِ المشبوبِ ضحكتنا ….. ومـــن رفـــيـــف الصِّــــبا فـيه أغانينا

يا ( أم عــــــوفٍ ) وكاد الحلمُ يسلبنا ….. خــــيرَ الطــــباعِ وكــــاد العقل يردينا
خــمــســون زلــت مــلـيئاتٍ حقائبها ….. مــن التـجــاريـب بِــعــناها بعـشــرينا
يا ( أم عــــــــوفٍ ) بـــريئاتٍ جــرائرنا ….. كـــانت ، وآمــــنة العـــقــبى مهاوينا
نــســـتـــلهمُ الأمــــرَ عفواً لا نخرِجُهُ ….. مـــن الفــحــاوي ولا ندري المضامينا
ولا نـــعــانــي طــــوِّياتٍ مــعــقـــــدةً ….. كـــمـــا يَــحُــــــــلُّ تـــــلاميذٌ تمارينا
نـــأتي الــمـــآتـي مــن تلقاء أنفسنا ….. فــيمـا تــصــرفــنـا مــنـهـا وتُــثـنـيـنـا
إنْ نـنـدفــع فـبـعـفـوٍ مـن نــوازعـــنــا ….. أو نـرتــدعْ فـبــمـحــضٍ مـن نـواهـيـنا
لا الأرض كــانت مُــغــواةً تــلــقــفــنا ….. غــدراً ..ولا خــاتـلٌ فــيـها يــداجــــينا
إذا ارتــكــســـنـا أغــاثـتـنـا مـغــاوينا ….. أو ارتــكــضــنـا أقــلــتــنــا مــذاكــيـنا
أو انـصــببنا عــلى غــايٍ نـحــاولـهــا ….. عُـــدنا غُـــزاةً ، وإن طــاشت مرامينا
كانت مــحـــاسننا شتى .. وأعظمُها ….. أنَّا نـخــاف عـلـيــها مـن مــسـاويـــنا
واليــومَ لم تـألُ تـسـتشري مطامحنا ….. وتـــقـــتــفــيها عــلى قــدْرٍ مـعاصينا
يا ( أم عــوفٍ ) ) أدال الدهــــرُ دولتنا ….. وعـــاد غـمْـــزاً بـنـا مــا كـان يــزهونا
خــبا مــن العـــمـــر نـــوءٌ كان يَرزُمنا ….. وغـــاب نــجـــمُ شــبـابٍ كــان يهدينا
وغــاضَ نــبــعُ صـفا كـنَّــا نـــلـــوذ به ….. في الهاجــــرات فــيــرويـنـا ويُصــفينا

يا ( أم عـــــــوفٍ ) وقد طال العناء بنا ….. آهٍ عــلـى حــقــبــةٍ كـــانـت تـعـانـينا
آه عــلى أيـمـنٍ مـن ربــع صــبـوتــنـا ….. كـــنا نــجـول ُ بـه غــراً مــيـامــيــنـــا
كــنا نــقــول إذا مـــا فــاتــنــا سَـحَرٌ ….. لا بــد مــن سَـحَـــرٍ ثـــانٍ يـــواتـيـنــا
لا بــد من مــطــلـعٍ للشمس يُفرحنا ….. ومــن أصــيلٍ عــلى مـــهـــلٍ يـحيينا
واليـــوم نــرقــبُ في أســـحارنا أجلاً ….. تـقـومُ مـن بـعـده عـجـلـى نـــواعــينا


محمد مهدي الجواهري

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

يا دجلة الخير يا ام البساتين

محمد مهدي الجواهري

حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني … يادجلة الخير , يا أمَّ البســاتين

حييتُ سفحَك ظمـآناً ألوذ به … لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين

يادجلة الخير يا نبعاً أفـارقـه … على الكراهةِ بين الحِينِ والحينِ

إني وردتُ عُيون الماءِ صافيـة … نَبعاً فنبعاً فما كانت لتـَـرْويني

وأنت ياقارباً تـَلوي الرياحُ بــهِ … ليَّ النسائِم أطراف الأفـانينِ

ودِدتُ ذاك الشِراعَ الرخص لو كفني … يُحاكُ منه غداة البيَن يَـطــويني

يادجلة َ الخيرِ: قد هانت مطامحـُنــا … حتى لأدنى طِماح  غيرُ مضمونِ

أتضـْمنينَ مقيلاً لي سواسيـة … بين الحشائش أو بين الريـاحين؟

خِلواً من الهمِّ إلا همَّ خافــقـــةٍ … بينَ الجوانح  أعنيـها وتـَـعنيني

تـَهزُّني فأجـاريها فتدفعَني … كالريح تـُعجل في دفـع الطواحينِ

يادجلة الخير:ياأطياف ساحرةٍ … ياخمرَ خابيةٍ في ظلَّ عُرجونِ

ياسكتة َ الموت, ياإعصار زوبعةٍ … ياخنجرَ الغدر , ياأغصان زيتونِ

ياأم بغدادَ من ظرف  ومن غنـَج … مشى التـبغدُدُ حتى في الدهاقينِ

ياأمَّ تلك التي من, ألـفِ ليلتها … للانَ يعبق عِـطرٌ في التلاحينِ

يامستجمٌ(النواسيَّ ) الذي لبـِستْ … به الحضارة  ثوبـاً وشـيَ, هارونِ

الغاسل ِ الهَّم في ثـغرٍ وفي حَببُ … والمُلبس  العقلَ أزياءَ المجانينِ

والساحبِ الزقٌ يأبـاه ويكرههُ … والمُنفق  اليومَ يـُفدي بالثلاثيـن

والراهنِ السابريَّ الخزَّ في قـدح … والملهم الفنَ ممن لهو  أفانين

والمُسْمع  الدهرَ والدنيا وساكنها … قـْرعَ النواقيس في عيدِ الشعانينِ

يادجلة الخير: والدنيا مـُـفارقة … وأيُّ شرٍّ بخير  غـيرُ مقرونِ

وأي خيرٍ بلا شرَّ يُلقـٌـحَـه … طهرُ الملائك منْ رجس الشياطين

يادجلة الخير: كم من  كنز موهِبةٍ … لديك في (القمقم) المسحور مخزون

لعلَّ تلك العفاريتَ التي احْتجـزتْ … مـُحملاتٌ على أكتاف,دُلفينِ

لعل يوماً عصوفاً جارفاً عرَمـاً … آتٍ فـُتـرضيك عقـباه وترضيني

محمد مهدي الجواهري

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

قوانين في ادراج حسنة ملص

محمد الرديني

مازال اولاد الملحة يتساءلون رغم انهم لم يجدوا اجوبة للاسئلة السابقة ولكنهم وبدافع غريزي اوحت لهم بها مقهاهم العتيدة التي اعتادوا ارتيادها منذ تخرجهم من الجامعة قبل سنوات،ظلوا يسألون ، ويسألون ، وكما قال احدهم في السؤال نعمة واي نعمة.
ترى لماذا تم تأجيل مناقشة قانون البنى التحتية لأكثر مرة؟ رغم ان دولة رئيس الوزراء طالب البرطمان لمناقشته في زيارته الاخيرة للقبة اياها.
قيل والعهدة على القائل ان مجلس الوزراء قد رصد مليارات الدولارات، لاأحد يعرف الرقم، ولكنه يبدو رقما خياليا، مما جعل لعاب معظم اعضاء البرطمان يسيل، وقيل ايضا ان بعض زوجات البرطمانيين حين سمعن بالخبر تغيرت اخلاقهن نحو ازواجهن بحيث صار الغزل ل”ابو موزة” فما ان يدخل الزوج حفظه الله الى البيت والتعب باد على وجهه من شدة النقاشات التي دخل فيها تحت قبة البرطمان حتى تسارع الزوجة الى استقباله عند عتبة الباب مع بوسة على الخد وتكون اسرع منه في الدخول الى غرفة النوم لتساعده في تغيير ملابسه فهناك البيجاما الفرنسية المكوية عند “مكوجي” المنطقة الخضراء وهو بالمناسبة ايطالي الجنسية تم استيراده خصيصا لكوي بيجامات نوم القوم رجالا ونساءا واطفالا.
في تلك الاثناء يكون التلفزيون مقفلا لتجد الزوجة كلمات الحنان كل الحنان والرقة كل الرقة لتسأل الزوج العتيد عن أي قناة يريد ان يشاهد وتقول له ايضا لدينا حوالي 1000 قناة فأختر يا حبيبي القناة التي تريدها حتى ينزاح تعبك وسأعد لك العشاء الذي تحب.
كل ذلك والزوج البرطماني غاطس في صمته فهو يفكر في كيفية الحصول على حصته من كعكة البنى التحتية.
مقابل قانون البنى التحتية نجد ان قانون تقاعد البرطمانيين صدر خلال 24 ساعة وبالتصويت الكامل وفي ذلك اليوم حضر جميع الاعضاء حتى المدعو اياد علاوي.
واعقب صدور هذا القانون قانونا آخر صدر خلال 48 ساعة والذي يتعلق بصرف جوازات دبلوماسية لجميع الاعضاء وزوجاتهم واطفالهم ومن ضمنهم الاطفال الرضع.
مقابل هذا مازال تعديل قانون التقاعد تحت الادراج ومازالت مواد البطاقة التموينية لاتحوي الا على الشاي “المعفن” والتمن الذي لا لون له.
يقال ان بعض البرطمانيين صرحوا بهمس الى معارفهم بانهم ينأون بانفسهم عن مناقشة قانون المجاري خصوصا وهم الاعلون ولايمكن ابدا ان ينزلوا الى مستوى مناقشة طفح المجاري في بعقوبة والقرنه والصليخ وشرق الدورة والكاظمية المبتلاة بعميد شرطة ترك الامن على الغارب و”جلب” بالسافرات ليمنعهن من دخول المدينة وكأن السفور اصبح ابن عم القاعدة.
ولا يدري اولاد الملحة كيف يتحمس هؤلاء البرطمانيين لمشروع قانون يتعلق فقط بالعلاقات العربية والدولية دون ان يلتفت اعضاؤه الى مايريد هذا الشعب الغلبان فعلا.
بالمناسبة هل هو فعلا شعب غلبان؟.
اذا كان كذلك فاولاد الملحة يعتقدون ان بعضهم يستأهل اكثر من ذلك اذ جعل ركضة طويريج هي البديل عن كل تفاصيل حياته بل وجعل حياته رهنا بيد بعض اصحاب العمائم الذين نجحوا في تسييره اينما يريدون.
ولكن بعض هؤلاء الاولاد يجدون ان هذا الكلام فيه كثير من القسوة فاعضاء البرطمان يمسكون السفينة والشراع وقد اطلقوا سراح “ازلامهم” وافخاذ قبائلهم لينجحوا في كتم صوت كل من يريد ان يقول لا.
فاصل طوباوي: اتضح ،كما قيل في الروايات، ان اصرار اعضاء البرطمان لعدم الذهاب لأداء الحج هذه السنة بسبب خوفهم من استغلال فرصة غيابهم “المكوي” من مكة من قبل البعض ويستولوا على رصيد وخزانة البنى التحتية.

تواصل مع محمد الرديني فيسبوك

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

السيد حسن النوراني والعلاج بالقرآن

كامل النجار

كتب السيد حسن النوراني من غزة مقالاً بالحوار المتمدن تحت العنوان “الدكتور النوراني يقدم برنامجا مجربا للشفاء من مرض ارتفاع ضغط الدم والوزن الزائد وضعف وظائف الكلى والأداء الجنسي”. وقد أذهلني هذا الادعاء لكوني طبيباً يعرف أنه لا شيء يجمع بين كل هذه الأمراض حتى يمكن علاجها جميعاً بآيات قرآنية. فكتبت تعقيباً على المقال (إلى متى نستمر في قراءة مثل هذه الترهات. كل شيوخ الإسلام منذ زمن الخلافة العثمانية وحتى الآن يشدون الرحال إلى فرنسا وأمريكا للعلاج رغم أنهم يحفظون القرأن. ومحمد نفسه كان مصاباً بداء الشقيقة ولم يشفه القرآن. ومات مسموماً ولم يشفه القرآن. وهناك ملايين من المسلمين الذين يشربون بول البعير للعلاج ويموتون بمرضهم. عيب أن يسمي هذا الشخص نفسه -دكتوراً-. خسئتم أيها الجهلاء النصابين.) وأعترف الآن أن تعقيبي لم يكن مهذباً، وأقدم اعتذاري للسيد النوراني.
أنا لا أعلم في أي مجال من العلوم نال السيد حسن النوراني إجازة الدكتوراة، ولا أحسبه نالها في الطب. وفي مقدمة مقاله الذي عقّب به على تعقيبي، يقول (أنا، باعتباري إمام الدعوة النورانية ومؤسسها، أزعم، أن دعوتي، تقدم مشروع خلاص للإنسانية.. في تقديري، لن يكون خلاص للإنسانية، إلا بفتح الصندوق المغلق.. بإيجاز، تطمح نورانيتي، إلى أن تساهم بأصالة، في حركة فتح الصندوق المغلق، على مستوى الفرد والأمم والعالم كله، حياة ومادة!) انتهى.
ولا أعلم كذلك أي صندوق يتحدث عنه السيد النوراني عندما يقول إن فتح ذلك الصندوق سوف يكون خلاصاً للعالم وللبشرية جمعاء. ولكن يبدو أن السيد النوراني قد تأثر بأفكار سيجموند فرويد كثيراً، فنجد أنه يُرجع كل شيء منذ أيام آدم وحواء إلى يومنا هذا، إلى العامل الجنسي، فهو يقول (منذ البدء، وكما يكشف استقراء مدونات النبوات، كانت النبوة، روحا تفتح الصندوق المغلق: آدم، فتح الصندوق المغلق، بتمرده على أمر الله، وخروجه من عبوديته، بفتح الطريق أمام الحياة، لدى اكتشافه المعرفي المتجسد، لفرج حواء، و”فتحه”! هل من باب الصدفة، أننا لا نزال نتحدث عن “فتح” الفتاة، لدى أول تجربة جنسية كاملة لها؟! وهل من باب الصدفة، أن المسلمين، يسمون استيلاءهم على بلاد الغير “فتحا”، وأن القرآن، ربط “فتح” مكة، بالنصر مطلقا؟! النبي موسى، فتح البحر لقومه، فتحرروا من استعباد فرعون لهم! عصا موسى تشبه المفتاح، ورمز له، هي التي هزمت سحرة فرعون، وفتحت لقبيلة موسى، صندوق مصر الفرعونية المغلق، وفتحت صندوق مذلة اليهود أيضا، وأهم من ذلك فتحت لليهود وللبشرية تاريخا امتد عبر نبوتيِّ عيسى ومحمد، وعبر تطور فكرة الإله، بتلاقح مفاهيم الألوهة لدى اليهود والبابليين والمصريين القدماء غيرهم! عصا موسى، وكل عصا، كتلك التي اعتاد خطباء المساجد المسلمين على حملها، ومئذنة المسجد، تشبه وترمز إلى قضيب الذكر المنتصب الذي يفتح صندوق المرأة المغلق! وكما افتتح آدم، وفقا للدين، تاريخ البشرية، بفتح حواء، يقوم كل رجل من سلالة آدم، بفتح حواء أخرى، ليبدأ فتح حياة جديدة.) انتهى.
وقد احترت كثيراً في فهم كل هذه الفتوحات وقضيب الرجل وعلاقتهما بالعلاج بآيات القرآن الذي يزعم السيد النوراني أنه سوف يبدأ به خلاص البشرية من الأمراض. ولكن للأسف فإن كل الفتوحات التي ذكرها السيد النوراني هي فتوحات وهمية كالتي قادها دونكيشوت في هولندا إذ لا يوجد أي دليل علمي على وجود موسى أو عصاه السحرية أو انشقاق البحر الأحمر الذي أصلاً لما احتاج موسى لشقه في ذلك الوقت لأن قناة السويس لم تكن موجودة، وكان طريقه إلى فلسطين ممهداً ولا بحر يفصله عنها. وآدم نفسه شخصية اسطورية مع حواه التي ربما لم يفتحها في الجنة، التي هي الأخرى مكان خرافي لا وجود له إلا في أذهان المؤمنين المخدرين.
واستمراراً لهذه الفتوحات الوهمية يقول السيد النوراني (وفتح النبي محمد، صندوق ممكناته المعرفية والحركية المغلقة، بتخيل رحلة حملته إلى سدرة المنتهى، آخر ما يحق لإنسان أن يبلغه، وأول أفق العالم الإلهي النوراني غير المحدود، بتصوره المتخيل.) انتهى
ولا شك أن محمداً قد تخيل أنه قام برحلة مكوكية على براق نبوي فوصل سدرة المنتهى في السماء السابعة بعد أن توقف مرات عديدة في السماء الخامسة ليستشير موسى في عدد الصلوات التي يجب عليه أن يقبل بها للمسلمين. ولا شك أن الرحلة كانت في الخيال لأنها لو كانت حقيقة قصد الله بها إظهار معجزة لمحمد، فليس من الحكمة أن يُظهر الله المعجزة ليلاً والناس نيام، وبالتالي تفوت عليهم فرصة رؤية المعجزة لتزيدهم إيماناً. فإذا كانت رحلة محمد قصة أسطورية وشق البحر الأحمر بعصا موسى، وفتح آدم لحواه في الجنة الأسطورية، هي الصناديق التي ينوي السيد النوراني فتحها لخلاص البشرية، فإني لا أرى خلاصاً وشيكاً لهذه البشرية المعذبة.
هل العلاج بالقرآن بدعة جديدة أم ممارسة قديمة ابتكرها محمد وأصحابه؟ أعتقد أنها بدعة اخترعها أصحاب محمد بعد موته لأن كتب التراث تخبرنا أن عائشة كانت إذا مرضت دعت أحدى نساء اليهود لترقيها بما في كتبهم. ومحمد نفسه كان مصاباً بالصرع ولم يشفه القرآن من ذلك رغم أن الله يقول في القرآن – كما يزعم محمد- (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) (الإسراء 82). ونلاحظ هنا أن القرآن لا يذكر في أي سورة أو في أي آيات يكمن هذا الشفاء. وهذا يعني أن الذي يريد أن يشفي المريض بالقرآن عليه أن يقرأ كل المصحف لأنه لا أحد يعرف الآيات التي تحتوي على الشفاء
ثم أن القرآن يذكر كذلك أن عسل النحل به شفاء للناس (ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سُبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) (النحل 69). ونلاحظ هنا كذلك أن القرآن لا يحدد نوع الأمراض التي يمكن شفاؤها بالعسل. والشيوخ الذين يستعملون العسل في علاج المرضى يستعملونه لكل الأمراض، وليس هناك أي إثبات علمي أنه يشفي من أي مرض. ويقول القرآن كذلك على لسان المؤمن (والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين) (الشعراء 78-81). ويمكن بالطبع لأي شخص محايد أن يرى أن هذه الإدعات القرآنية لا أساس لها من الصحة. فهاهم المؤمنون في الصومال يموتون جوعاً وعطشاً ومرضاً ولا يقدم لهم رب القرآن أي شفاء أو طعام أو ماء. فإذا كان رب القرآن يدّعي ادعاءات لا يقدر على تنفيذها، كيف نعرف أن ادعاءه بأنه ينزل من القرآن ما هو شفاء للناس حقيقة يمكن الاعتماد عليها؟
لجوء المؤمنين إلى الكتب المقدسة للشفاء من الأمراض لا يقتصر على الإسلام فقط. فكل الأديان “السماوية” والأرضية، وحتى الديانات القديمة مثل عبادة الأسلاف، اعتمدت في فترة من تاريخها على الشفاء المقدس بواسطة الترانيم الدينية أو شرب أو أكل شيء قرأ عليه الكاهن أو القسيس بعض الآيات المقدسة. وما زال الكاثوليك في أوربا يحجون كل عام إلى “لورد” في فرنساً والغوص في مياه وطين ذلك المكان المقدس طلباً للشفاء من الأمراض المزمنة. وفي الهند يحج ملايين الهندوس كل عام إلى نهر “جنكيز” للغوص في المياه المقدسة طلباً للشفاء من الأمراض وغسلاً للذنوب.
الكتب المقدسة قد تشفى بعض ضعاف العقول من الأوهام النفسية التي تعكر عهليهم صفو الحياة، وخاصةً النساء المؤمنات. لم نسمع يوماً أن شخصاً دهسته سيارة وهشمت عظامه عالجه أحد الشيوخ بآيات من القرآن. ولم نسمع أن مريضاً أصابته سكتة قلبية وحاول أحد الشيوخ علاجه بآيات من القرآن. كل علاج شيوخ الإسلام القرآنيين يكون مسلطاً على الأمراض النفسية التي يزعمون أنها بسبب أن الشيطان تلبّس المريض. ومن المعروف في الطب أن هناك جماعة من الناس أكثر قبولاً للإيحاء ويمكن لأي شخص لديه نوع من الذكاء في مجال معين أن يؤثر فيهم. وهذا هو ما يُعرف ب
Placebo effect.
هل الآيات القرآنية أو الصلوات وطلب الشفاء من إله السماء تجلب الشفاء للمرضى؟ في دراسة علمية في عام 2003، توصل الطبيب النفسي باول
Powell et al
إلى أن هناك علاقة بين الإيمان والشعور بالصحة، لكن تلك العلاقة أكثر تعقيداً مما كانوا يعتقدونه وأصعب فهماً.
Ralph Hood, The psychology of religion, p 437
وخلصت بعض الدراسات العلمية إلى أن التهجد وال
meditation
والصلاة تؤدي إلى انخفاض في كمية الكورتزول في الدم. وبما أن الكورتزول يؤدي إلى زيادة انكماش العضلات وزيادة في ضغط الدم، فربما يؤدي هذا الانخفاض إلى الشعور بالطمأنينة الوقتية. ولكن هذه الطمأنينة لا تدوم وتنتهي بنهاية فترة التأمل أو الصلاة. وهذا بالطبع ليس علاجاً كما يزعم شيوخ الإسلام وغيرهم من الدجالين.
في دراسة للطبيب الأمريكي بينسون على 1802 مريض موزعين على 3 مستشفيات، قسّم الطبيب المرضى على ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى صلى من أجلهم المؤمنون في ثلاث كنائس قريبة ولكن المرضى لم يعرفوا أن المصلين كانوا يدعون من أجلهم. المجموعة الثانية لم تُقدم من أجلهم أي صلوات ولم يعرفوا هم ذلك. والمجموعة الثالثة قُدمت من أجلهم صلوات وكانوا على علم بذلك. ونشر الطبيب وزملاؤه نتيجة بحثهم في عام 2006 في مجلة
American Heart Journal
. ووجدوا أن المجموعة الثالثة شعروا بارتياح نفسي لأنهم كانوا يعرفون أن المؤمنين يصلون من أجلهم، ولكن النتائج النهائية للشفاء والمضاعفات لم تبين أي فرق بين المجموعات الثلاث (ريتشارد دوكنز، وهم الإله، ص 63). فيبدو أن تأثير الصلوات تأثير نفسي فقط وأن رب السماء لا يستجيب لتلك الصلوات والدعوات حتى إن أتته من ثلاث كنائس أو مساجد في آن واحد. لعل سمعه أصابه بعض العطب من كثرة الدعاء على مر العصور.
يقول الدالاي لاما (عندما كنت مريضاً قبل عدة سنوات، شعرت براحة نفسية عندما علمت أن الناس يصلون من أجل شفائي، ولكن يجب أن اعترف أني شعرت براحة أكثر لعلمي أن المستشفى الذي أنام به يمتلك أحدث المعدات ةخيرة الأطباء المتخصصين في علاج حالتي)
(Beyond Religion, p 4).
أهم ما جاء في مقال السيد النوراني هو قوله (الطب القرآني الأصلي، هو تحقيق وظيفي نبوي لفكرة فتح الصندوق المغلق.. هكذا كانت نبوة محمد القرآنية.. وأنا في بيئة دينية إسلامية، ترتبط بعاطفة عميقة مع القرآن. والارتباط العاطفي مدخل علاجي روحي لا ينكره المنهج النفسي العلمي.. ومن هذا المدخل، أقوم ببدء رحلة العلاج النفسي للمرضى، بعد تطهير عقولهم ووجدانهم، من تهيؤات تربط بين مرضهم النفسي، وعوالم الجن.) انتهى
ولا شك أن هناك رابط نفسي بين القرآن ومغسولي الدماغ منذ الصغر، وهذا الرابط يستغله شيوخ الإسلام لسلب هؤلاء المساكين نقودهم وتقديم السراب لهم في المقابل. كل استراتيجة علاجهم تعتمد على إخراج الشيطان من المريض. وبما أن الشيطان لا وجود له في عالم الحقيقة وهو رمز استعمله محمد ليرمز به إلى التفكير المستقل الذي يقود إلى الشك في دعواه، يصبح علاجهم كذلك وهماً.

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment