سوريا ليست قطعة من الجبن!

راجح الخوري:  النهار اللبنانية

كل الطرق المتصلة بالازمة السورية ستقود الآن الى موسكو بعدما رسا “الالتزام” عليها لأن الاهتمام الاميركي يتجه الى جنوب شرق آسيا لترسيخ مواقع ضرورية لمواجهة التسونامي الاقتصادي الصيني، وهكذا ستبدو العاصمة الروسية وكأنها مربط خيل العرب والسوريين!

اقول هذا ليس لأن “المنتدى الروسي – العربي” عاود اجتماعاته بعد توقف سبّبه دعم الكرملين للاسد، ولا لأن موسكو التي ودّعت العاهل الاردني ستستقبل وليد المعلم الاثنين ومعاذ الخطيب من بعده ثم مسعود البارزاني، بل لأن شعار باراك اوباما الذي كان في العامين الماضيين “دعوا الروس يشنقون انفسهم بحبال الاسد” ربما صار الآن “دعوا الروس يحترقون بالنار السورية”!

إذاً على الرفيق سيرغي لافروف ان يضع اللغة الخشبية جانباً ليتحدث كوسيط لا كفريق منحاز الى اعمال القتل التي يمارسها النظام منذ عامين. ولكن أوَليس على موسكو ان توقف شحن السلاح الى الاسد قبل ان يقول لافروف “لا يمكن اياً من الطرفين الرهان على الحل العسكري، وان استمرار النزاع طريق مدمر وقد آن الاوان لوقفه”؟

عملياً لا يمكن لافروف التحرك كوسيط على طريقة محمد مرسي، الذي خصص مقعداً للايرانيين في الحل جعل السعوديين والقطريين يستنكفون، فموسكو تراهن حتماً على دور لطهران في حين يبرز غياب الرياض والدوحة عن المنتدى والحل العتيد. عملياً ايضاً ليس كافياً ايحاء لافروف للعرب انه بدأ يرى بالعينين عندما يحمّل الاسد مسؤولية افشال مساعي كوفي انان والاخضر الابرهيمي [الذي سال لعابه الآن فقرر تمديد مهمته “المستحيلة” ستة اشهر] فيقول: “مهم ان يلقى استعداد المعارضة للحوار تأكيداً من الحكومة على استعدادها ايضاً للحوار، والآن حان وقت تأكيد الاقوال بالافعال”!

ولماذا “الآن” بعدما عملت موسكو منذ عامين على افشال كل الحلول فأقفلت مجلس الامن بـ”الفيتو” وراهنت على الحل العسكري، هل لأن اميركا قررت ان تتراجع الى الظل مرحلياً لتضع “كرة النار” في ايدي الروس، بعدما باتت ترى ان المنطقة كلها ذاهبة الى الاهتراء والصراعات المذهبية، فما المانع من ترك قياصرة الكرملين الجدد يحرقون اصابعهم في الشرق الاوسط والخليج؟!

عندما يتحدث لافروف عن تفاؤله المستجد باستعداد النظام والمعارضة للحوار فانه يراهن على: 1- الضوء الاخضر الاميركي الذي حصلت عليه موسكو شرط ضرب جبهة “النصرة”. 2 – انهاك المعارضة بعدم تسليحها وبتكثيف القصف الجوي. 3 – قدرة موسكو على فرض الحل على الاسد… ولكن كيف يمكن ادارة حوار ناجح فوق كومة من 70 الف قتيل، وفي حضور شريك مضارب هو ايران يريد حصته من الجبنة السورية، وفي غياب الشركاء الاصليين وهم العرب والخليجيون الذين يرفضون تحويل سوريا وثورتها مجرد قطعة من الجبن؟!

Posted in فكر حر | Leave a comment

الأعمى الذي قادَ المُبْصِرينَ

القدس العربي

رمِ نَظَّارَتَيْكَ..ما أَنْتَ أَعْمَى إنَّما نحنُ جَوْقَةُ العُمْيَانِ

بهذا خاطبَ الشَّاعرُ السوريُّ، الراحل، نزار قباني، طه حسين، في حفلٍ تأبينيٍّ، بجامعة الدول العربية، عام 1973. وكانت قصيدة نزار قباني، إشادة بفكر طه حسين، وبجرأته، فهو ‘سارق النار’، كما يصفه، بما تعنيه العبارة من إشارة لبرومثيوس، الذي ضحَّى بنفسه من أجل الآخرين. كما كانت نقداً لا ذعاً، وحارقاً للمثقفين، ممن صاروا بهلوانات في يد ‘السلاطين’، و ‘خِرْفاناً’، في إشارة إلى شجاعة طه حسين، هذا الأديب والمفكر البروميثوسي، الاستثنائي، الذي واجَهَ بفكره، ثقافة التقليد، والجمود والتكرار، وكان مثالاً، للكاتب الذي لم يهدأ، أو يخضع، أو يتراجع عن أفكاره، رغم كل ما تعرَّض له من مضايقات، ومُماحَكاتٍ، ورغم ما تعرض له من تعسُّف، بإقالته من منصبه، أو بنقله من قِبَل وزير المعارف من كلية الآداب، إلى وزارة المعارف العمومية، ليقوم بوظيفة مساعد لمراقبة التعليم الأوَّلي.

تبنَّى طه حسين الفكر الحر، واعتبر العقل هو أداة هذا الفكر. فالعقل عنده ينتقد ويُفكِّر، ويعيد النظر، في كل شيء، فهو كما يهدم ليبني، فهو يبني ليهدم، بما يعنيه الهدم من مراجعة ونقد واختبار. وهذا هو جوهر فكر الإغريق الذين كانوا لا يتردَّدُون في هدم الأساسات، كُلَّما بَدا لَهُم أنَّ البناءَ يحتاج للمراجعة، أي للهدم وإعادة البناء.

هذا النوع من التَّفكير، وهذا الاختيار الفكري والنقدي، في تكوين طه حسين، وفي معرفته، هو ما سيُؤَلِّب عليه جهات وأطراف مختلفة، وما سيضعه في مَهَبِّ النقد، أو الهجوم الذي كان، في أغلبه آتياً من الأرثودكسيين، من رجال الدين، كما سَمَّاهُم، في خطابه الذي كان وَجَّهَه لعلي عبد الرازق، حين تمَّ إخراجُه من الأزهر، ومُحاصرتَه، بسبب كتابه ‘الإسلام وأصول الحكم’.

فإذا كان معروفاً سبب صراع طه حسين مع الأزهر، باعتباره طالباً سابقاً بهذه المؤسسة الدينية التقليدية، وما تعرَّض له من اضطهاد، من بعض الفقهاء، بما كان يطرحه من أسئلة، وما كان يُبديه من اعتراضات وملاحظات وانتقاداتٍ، لم تكن تروق لهؤلاء الفقهاء الذين أَلِفُوا طاعَةَ الطُّلاَّب، واستظهارَهُم لِما يعطونه من دروس وشروحات، فهو، في هذه المواجهة، التي ستبقى قائمةً، في كتاباته، وفي محاضراته وحوارته، وخصوصاً في سيرته ‘الأيام’، كان يُصِرُّ على فِكْرٍ تحديثيٍّ جديد، لم يكن هو فكر الأزهر الذي كان غارقاً في التقليد، وفي مفهوم مغلق للمعرفة، التي ظل يحصرها في تأويلٍ للدين، وفي رؤية، كان طه حسين، وقبله الشيخ محمد عبده، يراها عاجزةً عن النهوض بالأمة، والخروج بها من نَفَق الجهل والتخلُّف اللذين غَرِقَت فيهما.

وفي الوقت الذي كان محمد عبده، هذا السلفيّ الإصلاحيُّ، حريصاً على ‘حرية الفكر’، وعلى ‘التوفيق بين العلم والدين’، رأى، طه حسين، أنَّ حملةَ الخديوي على التجديد والمجددين، كانت، في أساسها،حملةً ضدَّ الشيخ محمد عبده، الذي اضْطُرَّ لإنهاء دروسه بالأزهر.

فما كان يجرى في مصر، آنذااك، من مقاومة للتغيير والتجديد، من قِبَل الأزهر، ومن قِبَل مؤسسات الدولة، التي كانت تابعةً لهذا النظام الفكريّ المغلق، والمتخلف، هو ما كان يُسَمِّيه طه حسين بـ ‘الظلمة الفكرية والوجدانية العظيمة’، كونها كانت تمس الأمة في عقلها، وطريقة فكرها ونظرها، وفي ما كانت تعمل على تثبيته من قيم مُنْتَهِيَة ومُتلاشية تدعو ‘للرثاء’.

يقول طه حسين، في هذا السياق ‘ ولسنا بحاجة إلى أن نكون فلاسفة أو علماء أخلاق لكي نحاول الآن استخلاص بعض النتائج، ولكي نسعى إلى وضوح الرؤية، في هذه الظلمة الفكرية والوجدانية العظيمة التي نتخبَّط فيها على نحو مثير للرثاء’،

عودة طه حسين، لفتح ملف التعليم، ووضعه في واجهة ما خاضه من معارك، كان بين ما وضعه بين أولويات انشغالاته. فهو حين كان مُدَرِّساً بالجامعة، كان يعمل على وضع الطلبة في مواجهة الفكر الحديث، وما كان يُدَرِّسُه من نصوص، سواء في الفكر اليوناني القديم، أو في الثقافة العربية القديمة، من شعر وتاريخ وفلسفة، فهو كان يضع الماضي، في مواجهة الحاضر، أو بالكشف عن نبض الصيرورة والتَّجَدُّد، في هذا الماضي، وقابليته للحياة، ليس باعتباره استعادةً وتكراراً، أو بإزالة ‘الشُّبُهات’ عنه، بل كونه إنتاجاً إنسانياً قابلاً للمُساءلة والمحاكمة، لكن باستعمال العقل، ووفق رؤية منهجية جديدة، ومعرفة مفتوحة على الفكر الإنسانيّ الذي يكون إضافَةً وكشفاً.

فهو لم يكن ضِدَّ، القديم، لأنه قديم، بل لأن في هذا القديم، ما لم يَعُد قابلاً للحياة، أو قديم لا يقبل الصيرورة والتَّجَدُّدَ، أو كما كان يقول طه حسين، في أكثر من مكان، ‘إن القديم لا ينبغي أن يُهْجَر لأنه قديم، وإنما يُهْجَر القديم إذا بَرِئَ من النفع’ و ‘الحضارة الإنسانية الحقَّة، لا تُنْكِر القديم، وإنما تحميه لأنها تقوم على أساسٍ منه متين، ولولا القديم، ما كان الحديث، فليس التجديد في إماتة القديم، بل في إحيائه’.

ففي سياق هذا المشروع التعليميّ الثقافي الكبير، الذي خاضه طه حسين على عاتقه، في دروسه، كان يذهب إلى ضرورة نشر التنوير، بوضع المعرفة، قديمها وحديثها، عربيها وأجنبيِّها، موضع بحث وقراءة ونقد ومساءلة، لِنَخْلِ هذه النصوص، وغربلتها، مما يكون دخلَها من شوائب، عَطَّلَت قدرتها على الكلام، أو وضعتها خارج سياقها التاريخي والمعرفي، ما جعلها تكون نصوصاً، لا تفي بشرط هذا السياق، وتقول أموراً خارجةً، أو بعيدة عنها.

فالطالب الذي سيتمكَّن من مواجهة المعرفة الإنسانية، بعقل يَقِظ، ناقد، ومُتَحَفِّز، هو نفسه المعلم، أو المدرِّس الذي سيأخذ بيد الأجيال القادمة، لِيُخْرِجَها من هذه الظلمة التي كانت تمنع النظر، والمساءلة، وتكتفي بالشر، وشرح الشرح، أو بوضع حواشٍ لهذه الشروح، دون أية فائدة، أو إضافة.

الكُتب والمراجع التي كان يُدَرِّسُها لطلبته، كانت جديدة، وكانت خارجةً عن نظام الخطاب التقليدي. فهو حين شرع في تدريس المسرح اليوناني القديم، مثلاً، كان يرى فيه ‘مسرحَ فكرٍ’، وليس مسرح تسلية فارغة، أو مضيعةً للوقت، كما كان سائداً آنذاك في الوعي العام.

في عام 1939 تعرَّض ‘العميد’ لهجوم من قِبَل عدد من الشبان من خارج الكلية، كانوا يهتفون بسقوط الكلية وحياة الإسلام! على إثر مسرحية ‘جان دارك’ التي كان قرأها على طلبته، وتعرَّض لِلشَّتْم، وكل أنواع السَّبِّ والقدف، ما جعله يعود إلى بيته، ويبعث باستقالته، احتجاجاً على هذا السلوك الذي لا علاقة له بفكر الكلية، ولا بما يمكن أن تؤول إليه أمة تسعى للرُّقِيّ والنهوض.

فالجامعة، كانت هي الأرض التي عليها استنْبَت طه حسين الفكر التحديثي، وكانت مختبر تجربة، فيه عرف طبيعة ما تعانيه الأمة من أمراض، وما ينبغي تصحيحه، وتقويمُه ومعالجتُه، من هذه الأمراض.

حين تولَّى منصب وزير المعارف، كانت ‘مجانية التعليم’، و ‘عموميته’، بين ما اتَّخَذَه من خطوات، للخروج بالبلاد من تعليم النُّخَب، والأعيان، أو اعتبار التعليم امتيازاً لفئة، مقابل أخرى. فكان شعاره الشهير الذي سيكون مقدمة لِما سيجري، في ما بعد، في بقية البلدان العربية، ‘التعليم كالماء والهواء’. فكما لا تُمْكِن الحياة بدون أوكسجين، فالحياة غير ممكنة بدون ماء، بدليل ما جاء في القرآن ‘وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيٍّ’، وهو ما ينطبق على التعليم، الذي هو ماءٌ وهواء، في نفس الوقت، فالأمة التي تفشل في تعليمها، أو تجعله تعليمَ نُخَبٍ، أو كما كان المغاربة يصرخون في مظاهرات سنوات الستينيات ‘هذا تعليم طبقي اولاد الشَّعب في الزناقي’، فهي أمة لا يمكنها أن تخرج من أمراضها الكثيرة التي تأكلها دون هوادة، وأوَّلُها، في ما كان طه حسين يعمل على مواجهته، الفكر الأرثودكسي، الذي يرفض التحديث والتنوير، ويرفض الفكر الناهضَ، بدعوى أنه فكر أجنبي دخيل، وفكر كافرٌ.

من يقرأ كتاب ‘مستقبل الثقافة في مصر’، سيضع يده على المشروع التنويري التحديثي الذي كان طه حسين وهب حياته له. قد نختلف مع طه حسين في كثير مما جاء في الكتاب من أفكار، ومن طُروحات، لكن الكتاب، بَقِيَ علامة على فكر تعليمي تثقيفيّ، كانت المدرسة والجامعة، بالنسبة له، هي المَشْتَلَ الذي يمكن أن يساعد على الخروج من مخلَّفات الاستعمار، وتأكيد الهويات المحلية أو القومية، باعتبارها هويات متحركة، تتحاور وتتجاوب مع ما يعتمل في محيطها من أفكار، وتسعى للتبادُل والحوار، دون نقص أو دِونيةٍ، بل بـ ‘نِدِّيَةٍ’.

فكما كان طه حسين مشغولاً، في مشروعه الفكري، بنشر التعليم، فهو كان يعتبر التعليم خطوةً، في اتجاه التثقيف، الذي هو انتقال إلى مستوى آخر، أعلى وأهم من مجرد التعلٍّم.

ليس المتعلِّم، بالضرورة مثقفاً، والمثقف هو لحظة في المعرفة جد متقدمة. يقول، في التمييز بين الاثنين ‘التعلُّم كلمة إضافية، كما كان يقول أرسطاطاليس، تقبل السَّعَةَ إلى غير حَدٍّ، وتقبل الضَّيْقَ إلى غير حَدٍّ أيضاً’، وهو ما ينطبق على كلمة ‘تعليم’. أما الثقافة فهي ‘أوسع من التعليم، وليس كل متعلِّم مثقَّفاً، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة’. فـ ‘الرجل المثقف هو الذي يتهيَّأ طبعُه وعقله لقبول المعرفة، مهما تختلف فروعها، ومهما تكن مادتُها’. والمثقف لا يكتفي بما عنده من معارف، أو يعيش في انغلاق على ما اكتسبه من معارف، بل إن الثقافة، كما يراها ‘العميد’، هي صيرورة، وإضافة وتجديد، ومواكبة، لا تعرف الانقطاع، ولا تعرف الحدود. ‘فالمعرفة الإنسانية لا تعرف الحدود، وإنما هي متحركة أبداً، ومتحركة دائماً، لا يدركها لركود إلا حين تصيب الحضارة آفةً من الآفات، أو عارض من العوارض، فتمنع العقل من نشاطه، وتكف المعرفة عن المضي إلى الأمام’.

فكرٌ مُتَرَنِّح، يَقِظ، لا يعرف الإقامة، ولا الاستقرار. تَقَصٍّ وبحث، وانتقال دائم. فالتَّجَدُّد هو استمرار، وصيرورة، لا تؤمن بالمكاسب، بل هو نوع من المحنة التي لا تُتيح أي قدر من الهُدْنَة والراحة. بهذا المعنى قادَ هذا ‘الأعمى’، فكر المرحلة، وخاض كل أشكال الصراع، الفكري والسياسي والاجتماعي، لأنه كان يعرف ما يعنيه الظلام، حين يُطْبِق على العقل، أو يُصيب الأمة، في فكرها ووجدانها، وفي عقلها.

فحين خاطبَ طه حسين زوجته سوزان، وهو في لحظات احتضاره، متسائلاً، بنوع من السخرية المُرَّة ‘ أية حماقة؟! هل يمكن أن نجعل من الأعمى قائدَ سفينة؟’، فهو كان يدرك، معنى العَمَى الذي تَحَدَّث عنه، وهو ليس عمى البصر، بل إنه عمى البصيرَة، والبصيرة، هنا، ليست سوى العقل، الذي يتَكَشَّف، اليوم، بما لا يدعو لِلشَّكّ، أنه المقصود، بهذا السُّعار السلفي ، الأرثودوكسي، المتخلف، الذي، لم يكْتَفِ بقتل الفكر المّتَنَوِّر، وتكفير أعلام النهضة والتحديث، بل ذهب إلى تكسير واقتلاع، تماثيل هؤلاء، باعتبارها رموزاً، لهذا العقل الحي، اليَقِظ، الحيوي.

ما لا يدركه هؤلاء، ممن أقْدَمّوا على قطع رأس تمثال أبي العلاء المعري، واقتلاع تمثال طه حسين، أن هذين ‘الأعميين’، أدركا، بعمائهما، فظاعة الظلام، في ما عاشاه، بفقدانهما البصر، في وقت مبكر من حياتهما، فأصرَّا، في ما كتباه، على أن ينتصرا للِضَّوْء، وتحديداً، للفكر والخيال المُبْدِعَيْن، والمُحَرِّرَيْن للإنسان من قيود التقليد والتبعية، ومن هيمنة الخُرافة، واليقين، أخطر أنواع العمى، أو فقدان البصيرة، لا البصر وحده.

 
Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

استرضاء روسيا.. ونفوذها

الشرق الاوسط

في إشارة إلى دفاعية روسيا، التي تقترب من جنون الارتياب، يرى بعض المسؤولين الروس أن الضجة بشأن عمليات استكشاف النفط والغاز والنفط في الصخور الزيتية ليست سوى دعاية أميركية تهدف إلى تقويض نفوذ موسكو كمنتج للطاقة.

تتبنى روسيا في ظل فلاديمير بوتين نهجا عدائيا، هذا مؤكد. فهي تحمل قدرا كبيرا من الغضب يعكس الآمال الضائعة لقوة عظمى سقطت. لكنها لا تزال قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها، فهي في نظر كل حلفائها قادرة على مساعدة أو إعاقة الدبلوماسية الأميركية.

تحاول الإدارة الأميركية استكشاف سبل التعاون مع روسيا منذ بداية الفترة الرئاسية الثانية. ويأتي على رأس أولويات واشنطن القضايا مصدر القلق بالنسبة للإدارة – سوريا وإيران وكوريا الشمالية، إذ يعتقد البيت الأبيض أن بوتين يسعى من جانبه، بعد فترة من جمود العلاقات، إلى إعادة بناء علاقة تعاونية.

ما شجع مسؤولي البيت الأبيض هو أنه حتى في الفترة التي توترت فيها العلاقات، لم يهدد بوتين المصالح الأساسية للولايات المتحدة، مثل «مسار التوزيع الشمالي» لشحن الإمداد إلى القوات الأميركية وقوات الناتو، والعبور في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. ويؤكد مسؤول بارز: «إنهم يريدون العثور على طريق للعودة إلى علاقة مستقرة».

التعاون مع روسيا يعني تبادل الخبرات، في تأكيد لمقولة بايدن المأثور بأن «كل السياسات شخصية». كان بايدن قد تحدث مطولا إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الشهر، فيما يخطط مستشار الأمن القومي توم دونيلون لزيارة موسكو قريبا لمناقشة قضايا السيطرة على السلاح وقضايا أخرى، فيما تحدث جون كيري، وزير الخارجية الجديد مع لافروف يوم الأحد ويخطط للاجتماع معه قريبا، وسوف يلتقي أوباما بالرئيس بوتين في سبتمبر (أيلول) من العام الجاري في روسيا قبل اجتماع مجموعة العشرين.

أوضح لقاء بايدن بلافروف يوم 2 فبراير (شباط) الرغبة الجديدة في التعاون. وفي إشارة إلى تدريب روسيا الفرق العسكرية السورية التي تتعامل مع الأسلحة الكيماوية، اقترح تعاونا روسيا أميركيا في تأمين هذه الأسلحة في حال سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. وكان ذلك اعترافا ضمنيا باهتمام روسيا المستمر بسوريا بعد رحيل الأسد.

ناقش بايدن ولافروف أيضا خطر إمكانية أن تؤدي الحرب في سوريا إلى بلقنتها وتحولها إلى كنتونات عرقية. تدرك روسيا أن مثل هذه النتيجة ستضر بمصالحها.

الإسهام الدبلوماسي الذي يمكن لروسيا القيام به في سوريا اتضح في ميونيخ عندما التقى لافروف الشيخ معاذ الخطيب، الذي يقود تحالف المعارضة السورية. وفي أعقاب اللقاء أثنى لافروف على استعداد الخطيب للقاء ممثلي نظام الأسد ووعد باستمرار الاتصالات الروسية مع المعارضة السورية.

عندما اتصل كيري بلافروف يوم الأحد ناقشا سويا أهمية استخدام الولايات المتحدة وروسيا نفوذهما على الأحزاب دعما لعملية انتقال سياسية قادرة على الاستمرار، بحسب وزارة الخارجية.

وعلى الرغم من كون هذه المناورات الدبلوماسية مشجعة، فإنها لن تجدي في ضوء الدعم الروسي للأسد في حرب حصدت أكثر من 60 ألف سوري. أحد عوامل الإحباط في التعامل مع بوتين هو أن كل شيء بالنسبة له يبدو عملية تجارية. فهناك ثمن لتحقيق السلام في سوريا أو الدعم لتحجيم البرنامج النووي الإيراني، لكن ما هو؟ قد يتمكن أوباما من التوصل إلى اتفاق إذا ما علم ماهية السعر.

يؤكد منتقدو سياسة أوباما أن الحوار مع بوتين سيشجعه على مواصلة سياسته القمعية في الداخل السوري. ويمضي هذا التأكيد بالقول إن بوتين متنمر وترضيته ستثير الانتقاد. فهو يشجع حرب الأسد الوحشية في سوريا لأنه خاض معارك مشابهة ضد متمردي الشيشان. وعندما تتعاون الولايات المتحدة مع بوتين فإنها بذلك تعد متواطئة في قمعه لمعارضيه.

إذن ما الحل للمعضلة الدبلوماسية الخارجية التقليدية هذه، التي تتعارض فيها مصالح وقيم الولايات المتحدة؟ أؤكد أن الفائدة من علاقة أميركية روسية أكثر تعاونا – بشأن سوريا وإيران وكوريا الشمالية والسيطرة على السلاح وقضايا أخرى – ذات أهمية بالغة تستحق تلك التكلفة. لكن ذلك عبء ثقيل خاصة أن من سيتحمله هم نشطاء حقوق الإنسان الروس.

اختارت إدارة أوباما الأميركية خيارا استراتيجيا مماثلا في فترتها الأولى في الإدارة عندما أكدت أن إعادة ضبط العلاقات بشكل إيجابي مع روسيا يشكل أولوية قصوى وجاءت قضايا الدفاع الصاروخي وتوسع الناتو وقضايا أخرى في مرتبة متأخرة في القائمة، ليفتح هذا القرار الطريق أمام الروس لدعم قرارات الأمم المتحدة بشأن إيران.

لن تكون الفترة الرئاسية الثانية سهلة، لكنها تقدم فرصة جديدة لمعرفة ما إذا كانت هناك إمكانية لتوحيد المصالح الروسية والأميركية. وللوصول إلى مبتغاه خلال السنوات الأربع المقبلة ينبغي على أوباما أن يفتح الباب الروسي.

* خدمة «واشنطن بوست»

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

إلى أين يتجه الإسلام؟

الشرق الاوسط

«وجهةُ الإسلام» أو «إلى أين يتجه الإسلام؟»، عنوان كتاب صغير للمستشرق البريطاني المعروف هاملتون غب صدر في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، وترجم إلى العربية عدة مرات بعناوين مختلفة. وكانت الإشكاليتان اللتان تعرض لهما غب تتعلقان بمدى قدرة المسلمين على التلاؤم مع الأزمنة الحديثة لجهتين: لجهة العيش مع الآخرين في مجتمعات ودول تعددية، ولجهة العمل الفكري والفقهي على «تجديد التقليد» أو العمل على «تسويغ» المسايرة للتطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحديثة.

ومنذ كتابات غب عن الإسلام في الهند، فقد كان يساوره تخوفان أو إن شئنا الدقة تخوف ذو شعبتين: كيف يحفظ المسلمون تقليدهم العريق الذي يؤمّن تواصُل «مجتمعات الثقة والعيش»، وفي الوقت نفسه: كيف يخرجون أو هل يستطيعون أن يخرجوا، رغم قسوة ظروف الاستعمار والحداثة معا، إلى مجتمعات مدنية وحديثة؟! وما تغيرت الإشكالية كثيرا في كتابه السالف الذكر؛ لكن المجتمعات الإسلامية الكبرى كانت من وجهة نظره تتخذ منذ الخمسينات من القرن الماضي وجهة انشقاقية إذا صح التعبير: مجتمعات منكفئة على نفسها في الجانب الروحي والثقافي، وفئات عسكرية وثقافية تتشارك في إقامة أنظمة سياسية علمانية ذات توجه رأسمالي أو اشتراكي، فتضبط الداخل للحفاظ على «أهداف الثورة»، وتتحالف مع أحد القطبين لاصطناع توازن في العلاقات الخارجية في الظروف الصعبة والمصيرية.

ومنذ ذلك الحين اعتبر غب أن الضغوط الآيديولوجية والسياسية على المجتمعات، ومن الخارج والداخل، إن استمرت على الوتيرة ذاتها أو تصاعدت تبعا لتصاعد الصراعات في الحرب الباردة؛ فإن ردة الفعل ستكون مزيدا من الانكفاء على الذات والجمود على التقليد الذي يعود للانغلاق، بحيث يتواجه الإسلام ممثلا بالعامة ورجال الدين، مع الأنظمة القائمة، فيُضرب التقليد، وتصعب إقامة أنظمة سياسية منفتحة على المجتمعات، وعلى المعنى العميق للحداثة الثقافية والسياسية.

وبالفعل فإن الصدام وقع، وخلال ستين عاما امتلأت بالاضطرابات والحروب، وقد تحطم التقليد الإسلامي؛ تقليد المذاهب الفقهية والمؤسسات الدينية القائمة عليه. لكن الذين واجهوا الأنظمة والتقاليد معا، ما كانوا من المحافظين أو الليبراليين أو الثوريين أو علماء الدين بالمعاني المعروفة لهذه الفئات؛ بل الصحويون والإحيائيون الإسلاميون، الذين يحظَون اليوم بدعم فئات شعبية واسعة، ويفرضون بدائل جديدة (ذات عناوين عريقة) للسيطرة في المجتمعات والدول.

استندت الصحوية أو الإحيائية الإسلامية إلى نزوعين متلازمين: الخوف على الإسلام، والتَوق لحياة إسلامية كاملة. وللخوف على الإسلام (والمسلمين) تاريخ يعود في الحِقَب الحديثة إلى القرن الثامن عشر عندما توالى إصدار الفتاوى أن الهند ما عادت دار إسلام، وينبغي الجهاد أو الهجرة. وانطرح الأمر نفسه في الجزائر عشية احتلال الفرنسيين، ثم في السودان، والمغرب، وتونس، ووصولا إلى ليبيا التي احتلها الطليان عام 1911. وعندما أُلغيت الخلافة في تركيا عام 1924 ظهر وعي بأن عدو الداخل لا يقل هَوْلا عن عدو الخارج الاستعماري والصليبي. والطريف وذو الدلالة أن الأكثر لوعة على ذهاب الخلافة كانوا من الهنود والمصريين والجاويين، وهي بلدان ما كانت خاضعة وقتها للسيطرة العثمانية. وفي حين ظل النهضويون الساعون للتلاؤم من طريق الاجتهاد و«تجديد التقليد» يعملون على الوتيرة ذاتها من خلال الدول الوطنية الجديدة؛ فإن فئات جديدة من خارج نُخَب التقليد الإصلاحي معا بدأت بالظهور، يحركها القلق على «مصائر الإسلام»، وتريد العمل بأساليب جديدة على مكافحة الحداثة الاستعمارية، واستعادة الحياة الإسلامية الكاملة، بعيدا عن الغرب وثقافته، وعن التقليد المتداعي والمخذول.

وعبر عدة عقود، تطور لهذه الإحيائية وعيها الخاص، وأدبياتها، ودعواتها التي دارت تحت عنوانين: استعادة الخلافة أولا، ثم تطبيق الشريعة بعد ذلك. أما استعادة الخلافة فلكي تعيد السور الحصين الذي انهدم وكان يحمي – في هذا الوعي – الدين والدولة معا. وأما «تطبيق الشريعة» فمن أجل استعادة المشروعية للمجتمعات والدول، التي فارقتها بقيام الدول الوطنية الحديثة. وما استطاع هذا الوعي في عقوده الأولى تحقيق اختراقات كبرى في المجتمعات، لأن «الدولة الوطنية» كانت لا تزال تحقق إنجازات في مصارعة الاستعمار، وفي إقامة السلطات ذات الطابع التمثيلي بهذا القدر أو ذاك.

فلما ظهرت خيبات حكومات الضباط في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، تفاقم هذا الوعي الخصوصي والنضالي، وكسب فئات اجتماعية مهمشة، وأخرى كارهة للغرب وجاهليته، واتجه للتحزُّب مستظلا بوعي الهوية القوي، وراميا في الوقت نفسه لمواجهة الأنظمة والغرب، وتجاوُز التقليد، واستجلاب أو استحضار مرجعيات دينية جديدة.

كان إدوارد سعيد في «الاستشراق» (1978) قد أخذ على هاملتون غب تصوره «الجوهراني» للإسلام، تحت اسم التقليد. وهاملتون غب بروتستانتي وليس كاثوليكيا، وقد كان يعرف أن الإسلام السني – مثل المسيحية البروتستانتية لهذه الناحية – لا يملك مؤسسة دينية مقدسة. فالتقليد Tradition في تصوره هو مجموعة الأعراف الدينية والتاريخية والثقافية التي تشكل رؤية الذات والعالم، وتصون أصول العيش والتعامل، وهي بسبب التعددية والشيوع تملك القدرة على التجدد والتلاؤم إن توافرت لها النخب الدينية والإصلاحية ذات الهمّ الرسالي والنهضوي. بيد أن هذه النخب تعطلت أو اختفت تحت وطأة وعي الهوية الجارف الذي لا يقبل التصالح أو التلاؤم، وتحت وطأة «القيادات التاريخية» من أيوب خان إلى معمر القذافي وسوكارنو وصدام حسين وحافظ الأسد.

ولذا، فقد وجدت المجتمعات نفسَها تدخل في عمليات مزايدات لا تتوقف في اصطناع «الأسلمة» من الكليات وإلى تفاصيل الحياة اليومية. وتكامل في النهاية هذا الثوب الملفَّق والمحكم من مواد معروفة، لكن المظهر العام أو التركيب جديد. والأمر في ذلك كما قال الفقيه الشافعي ابن دقيق العيد عندما أُرغم على حضور مجلس لأحد كبار المتصوفة في العصر المملوكي: «ما زلت أسمع منذ العصر كلاما أعرف مفرداته، لكنني لا أتعقل معانيه!».

أين «المرجعية» الإسلامية العليا الآن، كما يقال؟ ما عادت للإسلام السني مرجعيات مشخَّصة أو مشخصنة في فرد أو أفراد أو مؤسسة أو تقليد. هناك مرجعية «الشريعة»، وهناك تأويلات وتطبيقات الإخوان أو السلفيين أو الجهاديين أو التحريريين لها! بيد أنه في وسط هذه الزوابع والانقسامات أو بسببها، أَوْكل واضعو الدستور المصري الجديد إلى الأزهر «مرجعية» تقرير مقتضيات «الشريعة»، وليس في الدين فقط؛ بل وفي إدارة الشأن العام؛ إذ في الحقبة الحاضرة فإن الدين، وإدارة الشأن العام لا ينفصلان! وهذا تكليف للدين بما لا يُطاق. إنما ما أريد الوصول إليه هنا ليس مناقشة تأثيرات هذا «التشابك» على الدين والدولة؛ بل النظر في إمكان استعادة المؤسسة الدينية قوتها وحياديتها واستقلالها، بحيث لا تقع «المرجعية العليا» هذه أو تظل واقعة في أيدي الحزبيين، ومن ضمن ذلك العبادات والفتوى والتعليم الديني والإرشاد العام.

لا أرى أن الصحويين، أو قادة الإسلام السياسي، يأتون أو سيأتون بشيء يبقى في فهم الشأن العام أو إدارته. إنما همُّنا الآن وقد تحطم التقليد ومرجعيته، ألا تضيع مجتمعاتنا بسبب فقد سكينتها وثقتها من وراء وضع المرجعية الدينية في أيدي المتصارعين على السلطة من الإسلاميين وغيرهم. هذا هو الهمُّ الآن، وهو في نظري الأََولى بالتأمل والاعتبار، سعيا لصَون الدين والدولة معا.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

قوبلاي خان‎

ربما لا يكون معروفاً لدى الكثيرين لكنه الإمبراطور الذي حكم أوسع إمبراطورية في العالم على مر التاريخ . قبل موته عام 1294 كان قد وسّع إمبراطورية جده جنكيزخان لتشمل حكم : كوريا , روسيا , التبت , أجزاء واسعه من الشرق الأوسط هي : باكستان وأفغانستان وايران والعراق وأجزاء واسعه من تركيا .

أثناء الهجوم على بغداد كان قوبلاي خان محاربا ً في الجيش المهاجم ويبلغ 40 من العمر , وبالهجوم المغولي على هنغاريا وبولونيا كان قوبلاي خان قد وصل بحدود ملكه الى وسط أوربا , عدا عن ذلك فقد كان طموحه أن يحتل اليابان وفيتنام وكمبوديا فيما تطلع الى إحتلال مصر في الشرق الأوسط .

منغوليا منطقه سهوب متحدره بين الجبال واقعه في وسط آسيا حارة جداً صيفاً وشديدة البروده شتاءا ً , ولد فيها الطفل قوبلاي عام 1215 ومثل جميع أطفال المغول بدأ وهو بعمر 3 سنوات بركوب الخيل , وبعد فترة قصيرة جداً قام قوبلاي بالبدء بصناعة مجده الشخصي , فرغم أنه طفل إبن 3 سنوات يمتطي حصانه القزم ( السي سي ) إلا أنه طارد أرنبا ًكبيرا ًوجندله برمحه … ثم سحبه مختالاً وألقاه عند قدمي جده جنكيز خان .

قام الجد المسرور بقابلية حفيده بخدش إصبعه ودهن بالدم المتدفق قطعة من اللحم المشوي الموضوع أمامه ثم قدمها الى حفيده ليأكلها ومعنى ذلك وفق العرف المغولي هو منح البركه لقوبلاي وإعتراف رسمي بأهليته في الصيد .

حين يصبح عمر الفتى المغولي 14 عاماً يبدأ تدريبه على القتال ويبقى محاربا ً الى أن يصل الى 60 أو 70 سنة من العمر , يحمل القوس والسهم ويعرف إصابة هدفه بدقة متناهيه وفي جميع الإتجاهات , ولهذا شاعت في العالم أخبار رهيبه عن الجيش المغولي الذي يهاجم المدن بمقاتلين يمتطون خيولهم تسبقهم الطبول الكبيره والأبواق والأجراس التي تقرع للحرب .

في بداية حياة هذا المجتمع المغولي كانت قبائله تحارب بعضها البعض , ولكن النبلاء من كل قبيله وحرصا ً على مصالحهم من أن يهاجمها جياع القبائل الأخرى قد رشحوا الشخص الأقوى من كل قبيله وإنتخبوه قائداً لهم يدعى ( الخان ) .. وهكذا تحول جنكيز الى جنكيزخان . ثم تحول جنكيزخان الى ( خان على جميع الخانات ) أو ( خان الخانات ) عام 1206 فقام بتوحيد جميع قبائل المغول تحت قيادته وإنطلق بهم نحو العالم .

كان المغول بدو رحل يبحثون عن الماء والحشائش لحيواناتهم وما شيتهم ولهذا كانوا يقتنون القليل جداً من الأشياء يحملونها مع خيامهم الدائريه المصنوعه من اللبّاد حيث يضعون لها أبوابا ً خشبيه تتجه نحو القطب الجنوبي لأنهم يعتقدون أن ذلك يجلب الحظ .

خيول المغول هي من الخيول القزمه ( سي سي ) لكنها خيول سريعة جداً وتستطيع الجري مسافات شاسعه دون أن تتعب , إضافة الى أنها مصدر غذاء للمقاتل حين ينعدم زاده فقد كانت تتحمل أن يُحدث راكبُها في جلدها جرحاً صغيرا ً ويبدأ بلعق كمية من دمها قبل أن يمتطيها مرة ثانية وينطلق .

بكل التقديرات كانت والدة قوبلاي إمراة ولا كل النساء , فقد تحملت مسؤولية تعليمه والتأكد من أنه يستطيع القراءه والكتابه , كما علمته التقاليد الصينيه لأن المغول كانوا معجبين بمدن الصين وحقولها المنظمه التي تتوارى خلف سور الصين العظيم الذي صمم خصيصاً ليصد عن الصين هجمات المغول .

بعد وفاة زوجها الخان فضلت والدة قوبلاي أن لا تتزوج لكنها طلبت الحكم في المقاطعة بنفسها . ومنذ تسلمها الحكم أصبح كل همها هو كيفية تحويل أولادها الأربعه الى قادة عظام من بعدها , ولهذا علّمت قوبلاي المراهق وأخوته أهمية حمايتهم وسلامتهم الجسديه , وكانت متسامحة دينيا ً بشده وأورثت تسامحها الديني هذا الى جميع أولادها .

عندما أصبح عمر قوبلاي 21 سنه منحته أمه مقاطعه ليحكمها وبمرور الوقت إكتسب سمعة عالية داخل جميع إمبراطورية المغول , فقد كان يستغرق عاماً في التخطيط لمعركه مقدرا ً كل زاوية تتعلق بما يعد له من قتال . ومثل جده جنكيزخان كان يأمر جنده بدخول المدن دون قتال فإن تعرضوا الى مقاومه فإنهم يذبحون سكان تلك المدينة بالكامل . لكنه كحاكم كان يعد عادلاً بشكل غير عادي .. صحيح أنه يسيطر على المدن بالقوه لكنها حالما تصبح تحت إمرته فإنه يحكمها بضمير ولا يحاول إستغلال خيراتها بما يثريه على حساب شعبها .

بجانب تأثير والدة قبلاي على حياته فقد كان لزوجته الثانيه تأثير كبير عليه . كان قوبلاي متزوجاً من 4 نساء وله عدد لا يحصى من المحضيات لكن ( جابي ) زوجته الثانيه كانت هي الأقوى بينهن , كانت تحلم بأن ترى نفسها إمبراطورة على دولة كبيره , ولهذا فقد كانت مستشارة زوجها ومطلعة على أدق أسراره , مثل حملاته الحربيه وخططه العسكريه وقرارات السياسيه , ولهذا كانت ترتدي الملابس العسكرية طول الوقت كالرجال وهي مدربة تدريباً عالياً على القتال , وكانت حازمة جداً لكنها متسامحة في نفس الوقت , وتتعارك مع زوجها وتنهره اذا هاجم جيشه مدينة ما بطريقة همجيه , ولهذا فمن بين 100 ولد أنجبهم قوبلاي من جميع نسائه إختار إبنها ليصبح ولي عهده .

بوصولنا الى العام 1260 كان قوبلاي قد حاز على ثقة نبلاء المغول ولهذا تم إنتخابه ( خان الخانات ) وكان له من العمر 45 عاما ً . عندها أحاط نفسه بالأذكياء ممن يستحقون الثقه من المعلمين الكونفشيوسيين , والنسّاك البوذيين , وعلماء المسلمين , ولامات التبت , وعلماء الترك . عيّن من جميع هؤلاء مجلسا ً من 40 مستشارا ً وأمرهم أن يكتبوا له 40 إقتراحاً ونصيحه يعمل بها , ثم ترسل هذه الإقتراحات في رسائل مختومه . حين فتح الرسائل فإنه كافأ بسخاء شديد أصحاب الأفكار والنصائح التي أعجبته , لكنه لم يستغن عن خدمة من لم تعجبه آرائهم .

كان متسامحاً دينيا ً مع جميع الأديان دون إستثناء ولهذا لقبه الناس ب ( الخان العظيم ) أما عن ديانته هو فقد إحتفظ لنفسه بها سراً طيلة فترة حكمه ولم يعرف أحد أنه كان وثنيا ً لا يؤمن بشي .

عوضا ً عن إعدام من يخرج على طاعته وإرادته مثلما يفعل جميع الحكّام كان قوبلاي يأمر هؤلاء الخصوم بحلق شعر رأسهم أو ترك البلاد , ولهذا نال لقب الناس له ب ( العادل ) رغم عدم إحترام بعضهم له أو كرههم له كمحتل .

رغم إتساع ملكه لكنه بقي يحلم بحكم جميع الصين , لكن الصينيين كانوا قد بنوا سور الصين العظيم لصد هجمات المغول … فكيف العمل ؟ وضع قوبلاي خطة لمهاجمة سور الصين تتلخص في إختيار مكان نائي من السور حيث يقوم رماة السهام المغول بقتل الحرس الذين يرابطون أعلى السور , فيما تقوم المنجنيقات برمي المقالع الناريه الى داخل السور لمنع إقتراب أية قوة إسناد الى المنطقه .. في نفس الوقت الذي تحمل فرق أخرى من الجيش المغولي المدامك والمعاول لعمل ثغرة في السور والتسلل منها الى داخل المدينه . وهكذا فبوصولنا الى العام 1271 إحتل قوبلاي جميع الصين وأسقط إمبراطورها وأعلن نفسه الإمبراطور الأول على الصين من سلالة ( يوان ) المغوليه .

ومع هذا فقد كانت فرصته في البقاء إمبراطورا ً ضعيفة جداً وهو لا يمتلك أكثر من كم ألف جندي مغولي مقاتل … يحيط بهم 60 مليون عدو صيني , ولهذا فقد كان على قوبلاي أن يتحول الى حاكم من طراز الحكّام الذين يقبلهم الصينيون . عندها خلع الملابس المغوليه وارتدى ثوبا ً بسيطاً أبيض اللون من الحرير الخالص , وبدأ يقرأ الفلسفه الصينيه وعلّم نفسه أن يغير أسلوب حياته الى الأسلوب الصيني تماماً .. وأخيرا ً قرر أن يبني عاصمته في الصين فجند لذلك 2800 معماري .. فكانت عاصمة الصين المعروفه الى حد اليوم : بيجين .

قصره في بيجين يضم 400 غرفه زينت كلها برسومات التنين , وفرشت بالحرير , أما كرسي العرش فقد تم تجنيده بجلد خيول بيضاء , وتم تدريب أسد وترويضه على أنه حالما يدخل الإمبراطور القاعه فالأسد يقوم من مكانه وينتظر حتى يجلس الإمبراطور على كرسي العرش فيتحرك الأسد ويأتي ليجلس عند قدمي الإمبراطور . قاعة إستقبال الضيوف فقد روِّض نمر ليتجول فيها بهدوء بين الحاضرين .

في فصل الصيف كان الإمبراطور ينتقل مع عائلته الى مقر عرشه الصيفي في مدينة ( زنادو ) التي تبعد حوالي 40 كيلومتر عن مقره الشتوي , وفي العرش الصيفي كان الإمبراطور يقضي المزيد من الوقت في حدائق القصر التي كان يربي فيها 500 نسر مدرب على الصيد , ووسط هذه الحديقه تقع ( قبة السعاده ) وهي خيمه دائريه مغوليه ثمينه , يعيش فيها الإمبراطور كما كان يعيش سابقاً كخان مغولي , وكان يحتفظ في هذا المكان بعشرة آلاف مهر أبيض , وكان شرابه المفضل هو ( الكوميس ) وهو خمر مصنوع من الحليب بعد تخميره .

في عيد ميلاد الإمبراطور كان يقيم حفله يدعو اليها 40 ألف مدعو , وكان يحميه أثناء هذه الإحتفالات 12 ألف جندي حمايه , وإضافة الى واجب الحمايه كان كل واحد منهم يحمل إناء خزفي يجمع فيه أية قشه أو ريشه أو أي ما يعكر نظافة السجاد المطعم بالذهب , وكان يمنح لكل واحد من هؤلاء الحرس 13 زي مختلف يلبسها بحسب منهاج موضوع لحفل عيد الميلاد الباذخ الذي تمتد حفلاته حتى تتداخل مع بعضها .

كان محبا ً للفنون ولهذا فقد أمر برسم اللوحات ومنح الحريه الكامله للفنانين للتعبير عن آرائهم بدون أي رقيب .

منذ عهد قوبلاي أصبح الخزف الأبيض المنقوش بالأرزرق معروفاً وهذا الخزف تم تصميمه وتصنيعه وتصديره في عهد قوبلاي .

سنوات عهده تعد سنوات الصين الذهبيه كتبت خلالها مئات المسرحيات التراجيديه لمسرح بلاط الإمبراطور قوبلاي , ومسرحيات كوميديه مليئه بمشاهد الأكروبات والبهلوانات والمهرجين والممثلين والصامتين .

كان يحترم العلماء ولأنه كان يسرف في الطعام والشراب الفاخرين فقد كان يتابع بإهتمام تواجد عدد من أمهر الأطباء حوله , وكان الأطباء يتلقون تعليمهم الطبي في الأكاديميه الإمبراطوريه الصينيه للعلوم الطبيه , ثم يتدرجون بعد تخرجهم وحسب المهاره الى 36 درجه أكاديميه في الطب .

كما قام علماؤه بتدوين كل ما كانوا يعرفونه عن العالم , مثلما إهتم بعلوم الفلك ولهذا تم في عهده وضع تقويم سنوي أكثر دقه .

إهتم بتطوير الزراعه في بلده فأسس مجلسا ً أعلى للإشراف على الأمور الزراعيه وكان هذا المجلس يوفر للفلاحين الآلات والأدوات والمواد التي تساعدهم على تحسين منتجاتهم الزراعيه . مثلما أسس مجلسا ً للضمان الإجتماعي لرعاية الفقراء والأيتام والأرامل وكبار السن .

طوّر نظام البريد بحيث تصل الرسائل بأسرع ما كانت تقدر على فعله وسائل النقل في ذلك الزمان .

إهتم براحة المسافرين فأمن الطرق بالحرس وجهزها بدور الإستراحه , يفصل أحدها عن الآخر مسافة 30 كيلومترا ً .. مجهزه بالطعام والخيول المرتاحه بما يؤمن نقل المسافر مسافة 350 كيلومتر في اليوم الواحد .

تنبه الى أهمية التعليم فسن قانون إلزامية التعليم على جميع الصبيان والبنات , الفقراء منهم والأغنياء فلا يسمح لهم بمغادرة المدرسه حتى ينجحوا في إمتحان القراءة والكتابة والحساب .

جمع كل العملة الذهبيه والفضيه التي كان يتداولها الناس وأصدر عوضا ً عنها ولأول مرة في التاريخ العملة الورقية المطبوعه على البردي ويمكن إستعمالها في جميع أنحاء إمبراطوريته .

قام بحفر قناة تربط عاصمته بيجين بنهر اليانغستي ليسهل على الناس إستعمال وسائط النقل المائيه في الإنتقال من والى بيجين , وكانت عملية الحفر سريعه جداً أجّر لها مليون عامل حفر , وتعتبر القناة الى حد اليوم أطول ممر مائي من صنع البشر في العالم .

شجّع التجاره وكان يطمح الى المزيد من المستوردين من جميع أنحاء العالم يشترون الخزف والتوابل والحرير والورق والسجاد والأدويه والذهب والمجوهرات الصينيه , ولهذا أمّن طريق الحرير البري والبحري لضمان وصول البضاعه الى وسط أوربا , ولأجله شقَّ الطرق عبر الجبال وبنى الجسور فوق الأنهار ووفّر قوافل الحراسات البريه والبحريه المرافقه للقوافل التجاريه .

في بلاطه كان يرحب بالأجانب ويدعوهم الى قص أخبار بلدانهم عليه , وكان يرجوهم أن يكونوا صادقين معه وبلا أدنى خوف منه . واحد من الأوربيين الذين أعجبوا شخصياً بالإمبراطور قوبلاي خان كان الرحّاله الإيطالي ( ماركو بولو ) الذي كان بعمر 21 سنه حين قابل الإمبراطور , فقد كان في رحلة مع والده وعمه الى ( كاثاي ) وهو الإسم القديم الذي كان الأوربيون يسمون به الصين . وبعد رحلة طويله وصلوا الى بلاط الإمبراطور قبلاي عام 1275 .

حيّاهم الإمبراطور بحفاوه وسألهم عن أخبار أوربا وعاداتها وأديانها وحروبها .. ومن جميع عجائب الصين التي شاهدها ماركو بولو في قصر الإمبراطور أو خارجه لم تصبه الدهشه الشديده إلا من شيء واحد هو : العمله الورقيه التي بإمكانها أن تشتري أي شيء .. وبدون مقابل .

لمدة 20 عاما ً كان الإمبراطور قوبلاي خان يتنقل من نجاح الى نجاح أكبر منه .. لكن السعادة لا تدوم , ففي العام 1279 توفيت زوجته المحبوبه ( جابي ) عندها فقد الإمبراطور بوصلته في الحياة , كان كسير القلب ويفتقد نصائحها الثمينه التي أوصلته الى كل هذا المجد .. وبعدها بوقت قصير مات ولده منها , عندها فقد الإمبراطور إهتمامه بالحياة وأصبح خاملاً .

شنَّ على اليابان 3 حملات كبرى فشلت جميعها فشلاً ذريعاً , ومن أجل جمع أكبر عدد من المقاتلين رفع سن الخدمة العسكريه الى عمر 80 سنه , ورغم هذا لم يحقق أي نجاح مع اليابان .

مرض الإمبراطور فجأة .. أظنه أصيب بالنقرس .. فقد بدأت أقدامه بالتورم حتى بات المشي مؤلما ً له بشده , ولهذا لم يعد يرتدي غير الأحذية المصنوعة من جلود الأسماك الطريه وكانت تصنع له في كوريا .

زاد وزنه الى الحد الذي جعله لا يستطيع إمتطاء حصان ولهذا كان عليه أن يراقب عمليات الصيد التي يحبها ممدداً على وسائده في مقصورة خشبيه محمله على ظهر فيل .

مات الإمبراطور عام 1294 وعمره 79 عاما ً فحملت جثته قافلة كبيرة جداً من المشيعين لتعود بها الى منغوليا لدفنها عند الجبال هناك , كان الإمبراطور يدرك أن الصين ليست بلاده ولا يدري ما سيحدث لجثته بعد حين إن هو دفن في الصين , ومكان دفن جثته مجهول حتى اليوم .

سلالة ( يوان ) المنغوليه التي أسسها الإمبراطور قوبلاي خان لتحكم الصين , حكمت بعده 74 سنه عندها أسقطتها سلالة ( منغ ) الصينيه وطردت جميع المغول من الصين وأعادتهم الى بواديهم في منغوليا .

ماركو بولو ألّف فصلاً عن رحلته الى ( كاثاي ) وبدأ به كتاب ( رحلات ماركو بولو ) ونشره عام 1298 فنسخ الكتاب يدويا ً وتوزعت نسخه في جميع أنحاء أوربا .

تعمم الكتاب أكثر حين طبع عام 1477 فكان الكتاب هو الدافع لكريستوف كولومبوس للإبحار الى الصين عام 1492 وهو يحمل كتاب ماركو بولو معه طيلة الرحله .

ونفس كتاب ماركو بولو كان قد الهم الشاعر كوليرج بعد تناوله جرعة كبيرة من الأفيون على كتابة قصيدته الشهيره ( قوبلاي خان ) التي قال فيها :

في زَنادو أصدر قوبلاي خان

قراراً ببناء قبّـةِ ابتهاج فخمـةٍ:

حيث جرى النهر المقدَّس، ألفْ،

خلالَ كهوفٍ لا يستطيع إنسان إدراكَ مداها

أسفلَ إلى بحرٍ لا تطلع عليه شمسٌ

لذا أُحيطتْ عشرةُ أميالٍ

من الأرض الخِصْب بحيطانٍ وأبراجٍ:

ووُجدت هناك حدائقُ زاهرةٌ بجداولَ مُتـعرِّجةٍ

حيث أزهر كثيرٌ من شجر البّخور

وهنا كانت غاباتٌ قديمة كالتِّلال

تحتضن بقعاً خضراءَ مشمسةً

ولكنْ آه ! تلك الفجوة الرومانسية التي انحدرتْ

أسفل التّلّ الأخضر عَبْرَ غابة من شجر الأرز!

مكانٌ موحشٌ قاسٍ ! تحت قمرٍ آخذٍ في المَحاق، كمكان مقدَّس

وفتّان دوماً، مسحور بامرأةٍ نادبةٍ حبيبَها الشيطانَ!

ومن هذه الفجوة، باضطرابٍ عارم دون توقّف

كما لو أنَّ هذه الأرضَ كانتْ تتنفّس بلهاثٍ ثقيل مُتسارع

تفجَّرَتْ بغتةًً نافورةٌ ضخمةٌ:

بين فتراتِ تقطّعها السّريع انفجرتْ

قِطَعٌ ضخمةٌ قافزةٌ كبَرَدٍ وثّاب

أو كهشيم القمح المتناثر تحت ضربات الدرّاسة:

وبين هذه الصّخور الراقصة انبثقَ

النهرُ المقدّسُ فوراً وإلى الأبد

خمسةَ أميالٍ متعرِّجةً بحركة محيِّرةٍ

خلالَ غابةٍ ووادٍ جرى النهر المُقدَّس

وبعدها وصل الكهوف التي لا يدرك إنسان مداها

وغارَ في جَلَبةٍ في بحرٍ لا حياةَ فيه:

ووسط هذه الجَلَبة سمع قبلاي من بعيد أصواتَ

أسلافِه متنبّئةً حرباً !

في منتصف طريقه طفا ظلُّ قُبّةِ الابتهاج على الأمواج

حيث سُمع ما اختلط

من النافورة ومن الكهوف

كان معجزةً لاختراعٍ نادر

قبّةُ ابتهاج مُشْمِسةٌ بكهوف من ثلج

صبيّةً بسُنطور

رأيتُ ذات مرةٍ في الرؤيا

فتاة حبشيّة

وعلى سُنطورها نقرتْ

مغنيّةً جبلَ أبورا

هل أستطيع أن أحْيِِيَ في داخلي

سيمفونيّتَها وأغنيتَها

بمثل هذا الإبتهاج العميق قد تملكني

بذاك، بموسيقى هادرة وطويلة

أريد أن أبني تلك القبّـةَ في الهـواء

تلك القبّة المُشمسة! تلك الكهوف من الثلج !

وكلُّ من سمع يجب أنْ يراها هناك

والكلّ يجب أن يصرخَ، حذارِ! حذارِ

عيناه المتوّهجتان، شعرهُ المُستَرسِل!

اِنسجْ دائرةً حوله ثلاثَ مراتٍ،

وأغمِضْ عينيْك برَهبة مُقَدَّسة

لأنّه تغذّى على المَنِّ

وشرب حليب الفردوس  ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

جنكيز خان‎

حينما يتحدث التاريخ عن الإسكندر الأعظم فإنه يشيد بفتوحاته , بينما حين يتحدث عن جنكيزخان فيصفه بالطاغية , هل كان الإسكندر يستقبل رعايا الدول التي يفتحها بالقبل والأحضان ؟ أم مثل جنكيزخان بالحديد والنار ؟ فلماذا وكلاهما عمل بطشا بالعباد والبلاد , يسمى الإسكندر ( الأعظم ) ويسمى جنكيزخان ( الطاغية ) ؟

مصلحة المؤرخ الذي كتب تاريخ الرجلين هي التي تقرر ذلك , يتبعها الحكم الإجتماعي المبني على ذلك من قبل عامة الناس التي تقتنع بكلام المؤرخ وتتبناه , ولهذا السبب تعمل السياسات الحديثة للدول العظمى وصاحبة المصالح حول العالم الى الكذب وتضليل الرأي العام من أجل الحصول على أحكام إجتماعية مبنية على قواعد مضللة وهكذا يتحول الطغيان الى عدالة , والظلمة الى نور , والسفاحين الى دعاة ديمقراطية حول العالم , في الوقت الذي لاينشرون فيه غير الدمار .

ظلت حياة جنكيزخان سرا من الأسرار لا يعلم أحد عنها شيئا , عاصمته كاراكوروم قطعة أرض محمية بالحجر ومليئة بتماثيل بوذا الضخمة , وخوفا من التعرض الى النبش فإن مكان قبره سار عليه 800 فارس الى أن ساووه مع الأرض تماما , ثم تم قتلهم بعد ذلك جميعا كي لا يستدل من أي واحد منهم على المنطقة التي يوجد بها القبر , وكل شيء يدل على جنكيزخان كان قد تم إتلافه , بضمن ذلك كل ما كتب عنه , كما لم يسمح جنكيزخان في حياته لأحد بأن يرسم له صورة , لذلك ظلت شخصية هذا الرجل طي الكتمان حتى العام 1880 عندما عثر على كتاب [ التاريخ السري للمغول ] في منشوريا الصينية . وقد إستغرق هذا الكتاب 100 عام الى ان تمت ترجمته الى الإنكليزية , ومن هذا الكتاب سأقوم بعرض حياة جنكيزخان منذ لحظة ولادته عام 1162 ميلادية وحتى موته عام 1227 ميلادية .

خلال حياته إحتل جنكيزخان أرضا تمتد على عرض 3000 ميل حكمها كخان أي (قائد) لملايين من البشر , ظلت حياته بينهم تشبه الأسطورة . تملأها حكايات الحروب التي خاضها والمدن التي أحرقها , مستقاة من الكتاب الذي كتب بعد موته وظل أحفاده يحفظونه بسرية تامة .

في العام 1161 قامت عصبة صغيرة من الصيادين بالسفر عبر سهوب وسط آسيا العشبية التي تعرف اليوم بجمهورية منغوليا . وذات يوم كان واحدا من هؤلاء الصيادين الذي يدعى ( ياسوجي ) والذي سيصبح والد جنكيز خان فيما بعد , يحمل نسره ويصطاد على ضفة نهر أونون حين شاهد عربة تحمل شخصين من قبيلة الماركي , قام بمساعدة أخوين له بمهاجمة العربة ففر الرجل للنجاة بحياته فيما ساق ياسوجي المرأة التي تدعى ( هوا لون ) الى بيته معتبرا إياها زوجة له . كانت المرأة مذعورة ولكن في عالم بلا قانون لم يكن لها غير قرار الإذعان .

بعد فترة قصيرة ذهب ياسوجي الى إحدى هجماته على قبائل التتار وحين عاد وجد أن زوجته قد رزقت ولدا , سماه ( تيموجين ) ولم يكن يدري أن تيموجين سيكون المقاتل الأعظم نجاحا في زمانه .

نشأ تيموجين على ضفاف نهر أونون وكان يلعب مع إخوته وأقرانه , بعمر أربع سنوات تعلم ركوب الخيل دون سرج , وإمتطاء الخيل واقفا على ظهرها . وأثناء الشتاء كان الأولاد يلعبون فوق مياه النهر المتجمدة يحمل كل واحد منهم مجموعة من عظام كعوب أرجل الغنم ليلعب بها أو يتعارك بها أو يقرأ بها الطالع ( جعاب كما نسميها باللهجة العراقية ) .

عندما صار تيموجين في التاسعة , قرر والده أن يزوجه , فركبا حصانيهما وذهبا الى بيت الحكيم داي الذي أعجب بتيموجين بشدة وعرض عليه أن يتزوج إبنته , وكانت تكبر تيموجين عاما واحدا . لذلك بقي الولد مع هذه العائلة حتى موعد الزفاف .

بعد عدة أسابيع وصلت أخبار سيئة . الأب وفي طريق عودته الى البيت , توقف للأكل في مكان ما , وحين تم التعرف عليه كعدو , وضع له السم في الأكل وهو مريض جدا بسبب ذلك الآن , حين عاد الولد لرؤية أبيه كان الوالد قد فارق الحياة منذ عدة أيام .

بدون وجود الزوج فأن والدة تيموجين لم يعد لها أي مكان في قبيلة زوجها لذلك حين إرتحلت القبيلة فقد تركوها وحدها مع خمسة أولاد , وحين إلتفت الخادم إليهم وقال إن تركهم بهذا الشكل ظلم , إلتفت إليه رئيس القبيلة وطعنه بحربة وتركه ينزف حتى مات .

إعتنت الأم بعائلتها , كان ثلاثة منهم أولادها وإثنين آخرين أولاد زوجها . توجهوا جميعا للبحث عن الطعام , الفاكهة , وجذورالأشجار التي كانت تطبخها لهم ليأكلوها , الأولاد الكبار صنعوا لها إبرا من عظام السمك والحيوانات لتحيك ملابسهم بها . وكانت العائلة تصيد السمك والكلاب والفئران لتقتات عليها , وتلبس جلودها .

سكنت العائلة في ( يارت ) أي خيمة مغولية تنصبها بقرب بعض بيوت القبائل كي لا تبقى منعزلة وحدها في تلك السهوب . ومن خلال تلك الجيرة تعرف تيموجين على صديق يدعى ( جاموكا ) كانا يصطادان سوية ويلعبان ( الجعاب ) ويتسابقان على ظهور الخيل , وبعمر 11 أو 12 سنة صار تموجين وجاموكا ( إخوة دم ) حيث تعاهدا على الصداقة والإخلاص الكامل , ثم جرحا نفسيهما وقام كل واحد منهما بشرب بعض من دم المقابل . وكما يتمكن تيموجين من تكوين أصدقاء بسهولة فكذلك يتمكن من تكوين الأعداء .

بموت الأب عن هذه الأسرة تنازع أبناؤه قيادة العائلة من بعده , وكان الأكبر فيهم ويدعى ( بختيار) وهو شقيق وليس أخ كامل , سرق من تيموجين طيرا إصطاده , ومرة أخرى سرق منه سمكة , عندها إعترض تيموجين عند والدته التي وبخته بأن على العائلة أن تتحد لأن ليس لهم من يعتمدون عليه . بقي تيموجين متذمرا وقام بإقناع أحد أخوته على قتل شقيقهما بختيار , وهكذا تم إستدراجه الى مكان بعيد , سحب الأخوين سهمين وضعاهما في الأقواس وأطلقاهما على شقيقهما وتركاه ينزف حتى الموت على الحشائش .

عند عودة الولدين الى خيمتهم صرخت الأم بغضب حين عرفت بجريمتهما التي ارتكباها بدم بارد , وقالت بأن أولادها يشبهون كلاب البرية أو الضباع أو الوحوش , وأنه لن يبقى لهم صاحب غير ظلهم . أثبت تيموجين منذ هذه السن الصغيرة انه شخص مخلص لأصدقائه وبلا رحمة مع الأعداء .

بعد القوة التي أبداها تيموجين بعد قتل أخيه بختيار بفترة قصيرة , كان عليه أن يدافع عن سمعة قوته , مجموعة مقاتلين من قبيلة تايجيو , قاموا بأسره وأقفلوا عليه نير خشبي وهو آلة ثقيلة جدا تقفل على الرقبة فلا يعود المرء قادرا على الحركة , وجعلوا خدم العوائل تراقبه بالتناوب ولهذا فكل مساء كانوا ينقلونه الى خيمة مختلفة .

إنتظر تيموجين حتى حل يوم أحد الإحتفالات , وكان حراسه سكارى , فقام بضرب حارسه على رأسه بطرف النير الخشبي ثم هرب من الخيمة , وتوارى خلف الأعشاب الطويلة عند حافة النهر . وحين إنتشر الرجال للبحث عنه عثر عليه رجل عجوز يعمل خادما في أحد بيوت تلك القبيلة لكنه لم يلق القبض عليه , حين حل الليل توجه تيموجين الى بيت ذلك الرجل , فقدموا له الطعام وكسروا نيره , فصار حرا , وتوجه الى خيمة أهله . وكانت تلك أول معركة يدخلها مع قبيلة غريبة عنه وهو لم يزل مراهقا , لكنه تدبر أمره بذكاء وشجاعة , فصار يبدو في أعين الناس وكأنه قائد .

بعمر 16 عاما قرر أن يتزوج , فعاد الى بيت خطيبته ( بورت ) ليبحث عن أمرها , دهشت العائلة لمرأى الصبي الذي خطب إبنتهم قبل 7 سنوات , حيث صار رجلا الآن , وكانوا سعداء أنه حفظ عهده معهم , وافقوا على الزواج وأهدوا تيموجين معطفا مصنوعا من فراء السمور كهدية زواج , فعاد فخورا الى خيمته مع عروسه الجديدة , التي بوجودها لم يعد وحيدا , وصار يسعى الى تكوين حياته المادية بشكل جيد .

تسكن الى الغرب منهم قبيلة ( كيرا ) المسيحية , وكانت من أثرى قبائل المغول لكونها

تتاجر مع الكثير من مدن وسط آسيا الثرية , قائد هذه القبيلة رجل يدعى ( طغرل ) يعيش في ( يارت ) مصنوع من ذهب مغزول , وأهله يأكلون بآنية من ذهب , ولزواج أميرة من هذه القبيلة على المرء أن يقدم 200 خادم كهدية .

لم يكن طغرل غير خيار صعب لابديل عنه بالنسبة لتيموجين وكان عليه أن يثق به رغم أن طغرل كان قد قتل كل أخوته ليتمكن من حكم قبيلة كيرا , وهذه الثقة قادمة من أن والد تيموجين كانت له ( أخوة دم ) مع طغرل .

ترك تيموجين عروسه في البيت ورافق إثنين من إخوته لزيارة طغرل , وقدموا له هدية هي معطف فراء السمور الذي تسلمه تيموجين هدية عرس من أهل زوجته , وقالوا له أنهم يعتبرونه بمثابة والدهم لأنه أخ دم لوالدهم الحقيقي . وقد تقبل طغرل الهدية بسعادة .

بدأ تيموجين يكسب الناس من خلال هذا التحالف مع طغرل , قدم للعيش معه شخص يدعى ( بورجو ) كان قد ساعده قبل سنوات في رد قيمة خيول قاما بسرقتها , كما قدم شخص يدعى ( جيلمو ) إتخذ منه تيموجين خادما . ولكن رغم تعاظم قوة تيموجين إلا أن جماعته بقيت صغيرة ولديها الكثير من الأعداء , وبالتحديد قبيلة الماركي أخواله _ أهل والدته التي خطفها منهم والده ياسوجي عندما كانت مسافرة مع زوجها قبل 17 عام .

صحت الجماعة صباح ذات يوم , واذا قبيلة الماركي تهاجمهم , ففر الرجال الى مناطق بعيدة وتركوا الأم وزوجة تيموجين مع الخدم ليختبئوا في مكان آخر . ولكن حين تم العثور على المرأتين , قام المهاجمون بأخذ بورت زوجة تيموجين أسيرة إنتقاما لما لحقهم من أذى من قبل والده .

حين ذهبوا خرج تيموجين من مخبأه , لكن زوجته كانت قد ذهبت , الآلهة حمته من الموت للمرة الثانية وكان عليه أن يصلي الى الشمس عند جبل يعرف بإسم ( بورخان خلدن ) . وكان عليه أن يتخذ قرارا بالإنسحاب الى غابات نهر أونون ليحمي نفسه من أعدائه قبيلتي التايجيو والماركي , ومنذ اليوم عليه أن يودع حياة الصبا .

وافق طغرل مباشرة على تزويد تيموجين ب 20 الف مقاتل لمهاجمة قبيلة الماركي , كما إنه يستطيع الحصول على 20 الف آخرين من حليف آخر هو جاموكا , أخوه بالدم الذي لم يلتق به منذ عدة سنوات , حيث بعث له رسالة أخبره فيها بخطف زوجته الذي كسر قلبه وانه محتاج الى مساعدته ليعمر قلبه من جديد .

القصة أحزنت جاموكا الذي رد على الفور بتقديم المساعدة المطلوبة لأنه هو أيضا كان يكره قبيلة الماركي . إتحدت القوتان وهاجمتا قبيلة الماركي , وإستعاد تيموجين زوجته التي كان الماركي قد زوجوها للإنتقام الى أخي زوج أم تيموجين الأول .

بعد المعركة دخل تيموجين وجماعته في قبيلة جاموكا وصاروا منهم , وأجري لذلك إحتفال عام , وتبادل هدايا ذهبية وخيول أصيلة . أمضى تيموجين وجاموكا السنة والنصف التالية معا , حيث تنامى عدد أتباعهما , وولدت بورت إبنا , والده الحقيقي من قبيلة الماركي , لكن تيموجين تقبله وعامله على أنه إبنه .

لم يكن وضع جاموكا كقائد لهذه المجموعة موضع تساؤل , بينما بقي تيموجين كتابع حتى سنة 1181 , حيث إنشقت هذه الصداقة , لأن جاموكا توقف عن معاملة تيموجين كند . ذات يوم أمر تيموجين بأن يخيم في منطقة منفصلة عن قبيلته قرب الغنم والماعز , فشعر تيموجين بالإهانة , وذهب يسأل والدته عن نصيحة فقالت له : جاموكا متضايق منا وهذا معناه قد آن وقت الرحيل . عدد كبير من أتباع جاموكا غادروا مع تيموجين . الذي شعر بالإستغراب , فبعد سنوات من الطرد والعزلة .. صارت له قبيلته الخاصة .

وخلال ال25 سنة المقبلة سيصبح جاموكا وتيموجين من أعنف المتنافسين , وقد يسرقان من بعضهما النساء والخيول , وجيشاهما يتقاتلان عند السهوب , ففي النهاية واحد فقط هو الذي يجب ان يبقى ليحكم كل قبائل المغول , فقد كان واضحا أن هناك قائدين قويين في هذه السهوب , غير أن تيموجين وبخطوات بطيئة إستطاع إستحواذ القوة الأكبر , فقد كان يمنح لتابعيه المال والذهب والجياد , لذلك نمت قوته .

في هذا الوقت رجال الدين المغول ( شامان) صاروا يقولون إن الرب يحب تيموجين . كما قدم ( شامان ) يدعى ( كرجي) إدعى أنه شاهد ثورا ناطقا يقول ( السماء والأرض تتفقان على أن تيموجين ينبغي أن يكون كبير هذه الإمبراطورية ) الثور كان يقول ذلك .

شامان آخر إسمه ( تب _ تنجري ) إدعى أن الرب كلمه وقال ( أنا منحت كامل وجه الأرض لتيموجين واولاده ) . لكل ذلك تنامت قوة تيموجين وقرر حلفاؤه منحه لقب ( خان ) وكان في العشرينات من عمره . بايعه الجميع على الطاعة وصاروا يسرقون له الحيوانات , ويقاتلون من أجله , وبعد القتال يجلبون له نساءا جميلات كسبايا , وجياد , كما أنهم منحوه حق معاقبتهم اذا لم يطيعوا أوامره , قالوا له ( إفصلنا عن زوجاتنا ونسائنا وإرم رؤوسنا بعيدا في هذه السهوب الخالية ) . الكلمات كانت مثيرة لغروره , لكنها لم تكن أكثر من كلمات , لأن تيموجين ( خان ) بالإسم فقط .. ومعظم قادة القبائل يدعمون غريمه جاموكا , وكان على تيموجين أن يستعمل كل قوته لجعل كل هؤلاء مناصرين له وحده .

عندما كان تيموجين صغيرا , أكل الجذور وثمار البرية ولحم الفئران , ولم تكن عائلته تملك أكثر من تسعة خيول وكانوا يعيشون في خوف من ضياع ممتلكاتهم أو سرقتها . لكنه اليوم في طليعة الأمة ويصدر الأوامر الى رؤساء قبائلها .

في معظم القبائل تكون المكانة السامية لأفراد عائلة القائد , لكن تيموجين كان يقيم الإخلاص والموهبة على تلك القرابة . لذلك فصديقه بورجو وخادمه جيلمو الذين لم تكن تربطه بهما قرابة .. صارا من أقرب مستشاريه . كما إنه سمى 150 مقاتل لحماية مخيمه ليلا ونهارا ووضع (خاسار) أفضل رامي سهام في المخيم قائدا عليهم , (بيلجوتي) أوكلت له مهمة العناية بالخيل التي حفظت قريبة جدا من المخيم بسبب الضرورة . بعض أكثر أصدقاء تموجين ثقة أصبحوا (طباخين) فبعد كل شيء تيموجين لم ينس أن والده مات مسموما من قبل أعدائه .

حين نظم رجاله , بعث رسالة الى طغرل , لم يكن تيموجين يحلم أن يكون أكبر من طغرل , فرد طغرل بسعادة , لكنه نبه الى أن قوة جاموكا المتعاظمة تشعره بالقلق , وأنه يطمح الى أن قوة تيموجين الكبيرة قادرة على كبح جماح جاموكا .

جاموكا من طرفه لم يكن مرتاحا لسماع أخبار طيبة عن تيموجين , فهناك مثل مغولي قديم يقول (( لا تطمح بوضع دبين في كهف واحد )) فبعد كل شيء .. جاموكا أيضا كان يحلم بأن يكون ( خان ) كل المغول وأن يكون ( الكهف ) له وحده .

الدبان تيموجين وجاموكا أعدا لمعركة , وكل ما كانا يحتاجان .. هو السبب لبدء القتال .

والسبب جاء من عارض عام حصل في تلك السهوب , واحد من رجال جاموكا سرق بعض الجياد من رجل إحدى القبائل الموالية لتيموجين , وأحدهما قتل الآخر … إستعد جاموكا لأخذ الثأر , هيأ جيشا وهاجم به تيموجين , فركض مقاتلون غير معدودين بين الطرفين .

قرر جاموكا العودة الى مخيمه بعد أسر عدد من مقاتلي تيموجين . ونسبة الى إحدى الروايات , فإن جاموكا سلق 70 أسيرا حتى الموت . يقول المغول عن ذلك (( إن سلق الأسير , طريقة غير شريفة لقتل العدو , لأنها تقتل روحه كما تقتل بدنه )) . رواية أخرى تقول إن جاموكا إضافة الى ذلك كان قد قطع رأس أميرين وربطهما الى ذيول خيله وجال بهما أرجاء تلك السهوب .

قد يستغرق تيموجين وقتا للقيام من تلك الهزيمة … لكنه سينهض أقوى مما كان .

أعاد تيموجين تشكيل قبيلته , كما أن عددا من العشائر إنفصلت عن جاموكا وإنضمت الى تيموجين , وفي عام 1195 جاءت الفرصة الى تيموجين من قبيلة ( الجرك ) العريضة الثراء التي تسكن في منطقة من مناطق الصين والتي يعرف قائدها بإسم ( الخان الذهبي ) ويسكن في قصر كبير يقع اليوم في بكين مؤثث بالحرير والذهب والعاج .

التتار كانوا يعملون شرطة عند الجرك , ويسعون الى إضعاف المغول حتى لا يشكلوا إزعاجا للخان الذهبي , لكن واحدا من أمراء التتار خان ثقة الخان الذهبي وثار عليه , فأرسل الخان الذهبي بطلب النجدة من طغرل الذي إستعان بتيموجين ورجاله , وكانت تلك فرصة لتيموجين للإنتقام , بالإنقضاض على التتار الذين سمموا والده , فتم هزم التتار وقتل قائدهم وسرقة أموالهم وممتلكاتهم .

حين عاد تيموجين الى دياره عام 1197 عاهده رؤساء القبائل الحليفة على مساعدته ضد التتار اذا إحتاج ذلك مرة ثانية , لكنهم أخلفوا كلمتهم معه , مما دفعه الى هزمهم وأخذ عدد منهم كأسرى , ثم إستدعى رؤساء القبائل الحليفة الباقية , وقطع لهم رؤوس أسراه أمامهم ونثر أشلاءهم في السهوب دون دفن .

المغول يستخدمون أسراهم كعبيد لكن تيموجين تفاهم مع بعض أسراه أنهم اذا أخلصوا له فسيجعلهم جزءا من قبيلته وسيكونون احرارا , وكانت رسالته تلك واضحة وصريحة فالمخلصين له سيعاملون بعطف أما الخونة فإنهم سيقتلون .

دعى جاموكا أتباعه الى لقاء , منحوه فيه لقب ( غورخان ) أي ( خان كل الخانات ) وكان ذلك اللقب إهانة لتيموجين وطغرل , فشرع الجميع الى الإعداد للحرب . وفي ليلة القتال أمطرت السماء مطرا شديدا فحاصر جيش جاموكا الطين والوحل , تقاتل الجيشان , ومن سوء حظ تيموجين أنه أصيب بسهم في رقبته فغادر أرض المعركة , وكان يخاف أن يكون السهم مسموما لذلك فمستشاره وخادمه جيلمو ظل لعدة ساعات يمص الدم من الجرح لسحب السم خارجا . حين أفاق تيموجين كان عطشانا , حين سقاه جيلمو بعض الحليب , إلتفت إليه وقال ( لن أنسى لك ما حييت كل ما فعلته اليوم من أجلي ) .

أعطى تيموجين مجموعة جديدة من الأوامر الى رؤساء القبائل بأن على المحاربين عدم التوقف عن القتال حتى ينهزم العدو , وأن عليهم جمع الغنائم بطريقة منظمة وإيصالها الى تيموجين ومستشاريه , وهو الذي يقرر الطريقة التي تقسم بها الغنائم فيما بينهم .

عام 1202 تم إختبار الجند إزاء هذه الأوامر عندما دخل تيموجين في حرب جديدة ضد التتار الذين ومنذ قرون يفعلون ما بدا لهم في هذه السهوب , ولهذا تقدم تيموجين بجيشه نحوهم وبدأت السهام تطلق نحوهم بكثافة , وسرعان ما تمت هزيمتهم .

ثلاثة من زعماء القبائل لم ينفذوا تعليمات تيموجين بشأن الغنائم , أبقاهم أحياء لكنه صادر حتى أصغر قطعة غنيمة حصلوا عليها .

كانت لتيموجين الآن مشكلة جديدة , التتار قبيلة مكونة من عدة آلاف من الرجال , هل يأخذ بعضهم كعبيد ويترك البقية ؟ ليتجدد قتاله معهم بعد عدة سنوات ؟ إهتدى الى حل لهذه المشكلة عن طريق تحويل التتار الى مغول . مساعديه نصحوه بقتل كل ذكر تتري يزيد طوله عن العارض الذي يربط الحصان الذي يجر عربته , أما الصغار فيلتحقون بقبائل المغول كجزء منها وقد تم ذلك فعلا , أما من الغنائم فقد أخذ تيموجين تتريتين ضمهما الى حريمه كزوجتين الى جانب زوجته الأولى بورت , وبهذه الطريقة وفي غضون أشهر قليلة فإن التتار كقبيلة كبيرة كان قد تم محوها من الوجود .

سمى تيموجين قادة المجاميع , لم يهتم لرؤساء القبائل , لأنه كان يريد عساكر مخلصين وموهوبين , ولم يكن يهمه منهم إذا كانوا من طبقات دنيا من المجتمع حلاقين أو نجارين , القائد العام لقواته كان إبن حداد . وهكذا حول النظام الجديد قوات تيموجين الى ماكنة قتالية رهيبة , وحيث لم تكن للمغول لغة مكتوبة , لذلك تم إبتداع نظام الرسل الذين ينقلون الرسائل شفاها ويتوزعون على نقاط بنظام البريد .

بعد هزيمة التتار أرسل تيموجين رسالة الى طغرل يخطب فيها إبنة طغرل الى إبنه جوشي , وبالمقابل فهو مستعد لإرسال إحدى بناته لتتزوج واحدا من أبناء طغرل . طغرل هذه الأيام كان قد أصبح رجلا عجوزا , وحين سيموت يجب أن يأخذ مكانه شخص ما , لذلك فإن تيموجين يعد نفسه لهذا الموقع بتلك الزيجات . في البداية رفض طغرل العرض , لكنه عاد ودعا تيموجين الى حفل لتزويج الأولاد , حين ذهب بمصاحبة القليل من قومه , تم نصحه بأن ينتبه الى أن طغرل ربما يعد لقتله مع عائلته . عندها فر تيموجين مع صحبه يلاحقهم جيش طغرل , نفذ طعامهم , فتشتت الأصحاب وضاع قسم منهم . فصحيح أن تيموجين يحكم قبيلة كبيرة , ولكن كونها من عدة أعراق , فهي قبيلة ضعيفة الولاء وقد تتخلى عنه لأي سبب وتمنح ولاءها الى طغرل أو جاموكا .

تجمع 19 قائدا حول تيموجين , يدينون بديانات مختلفة , بعضهم كان نصرانيا وبعضهم بوذي , وبعضهم مثل تيموجين يعبدون إله الطبيعة . أعدوا جميعا للحرب .

أرسل تيموجين رسالة الى طغرل يدعوه فيها الى نسيان الماضي , شعر طغرل بالفرح لذلك وأرسل الموافقة مع رسوله الخاص الى تيموجين , أمسك الرجال الرسول وقتلوه , وتوجهوا ليلا الى قبيلة طغرل وهاجموها وإستمرت المعركة ثلاثة أيام , قتل فيها طغرل أثناء محاولته الفرار وإستسلمت قبيلته , لقد كان طغرل بمثابة والد لتيموجين , لكنه بعد أن خان ثقة إبنه الروحي , كان يجب عليه أن يموت .

خلال سنتين كان تيموجين قد هزم أكبر قبيلتين في المنطقة وهما قبيلة التتار وقبيلة طغرل , لكنه لم يزل غير مرتاح لأن قبائل ( النايمان ) تمتلك رجالا بالآلاف ,, وقد تحالفوا مع جاموكا . خلال عام 1204 كان تيموجين مستعدا تماما لقتالهم , ولكي يوهمهم بكبر حجم قواته , أمر جنوده الذين يسيرون في مقدمة الجيش بأن يحمل كل واحد منهم ليلا وهم يتقدمون , خمس شعل بدلا من شعلة واحدة . وحين بدأ القتال شنوا على النايمان عدة طلعات من الكر والفر ورموهم بالسهام من إتجاهات مختلفة مما جعل النايمان يرتبكون ويتراجعون للإختباء خلف أحد الجبال فإنتهت الحرب .

جاموكا حليف النايمان فر الى الجبال أيضا , بعد أن تخلى عنه أغلب تابعيه , وظل مع قلة من صحبة في البرية سنة كاملة يعتاشون على صيد الحيوانات , حين تعب الرجال من هذه الحياة , خانوا جاموكا , أسروه وذهبوا به الى تيموجين .

تيموجين لم يكره شيئا كالخيانة ,, أخذ جاموكا , وأعدم رفاقه الذين غدروا به أمام عينيه , وصار الآن بمواجهة واجب قاسي , فقد كان على تيموجين أن يتخلص من جاموكا أخوه بالدم .

طبقا لكتاب التاريخ السري للمغول , فإن تيموجين سأل جاموكا لآخر مرة أن يعود حليفا له , لكن جاموكا رد عليه أنه لن يستطيع لأن لا ثقة بينهما بعد اليوم , وعلى تيموجين أن يقتله دون تأخير وأن يدفنه في أرض مرتفعة .

أعطى تيموجين أوامره بقتل جاموكا , ودفنه في أرض مرتفعة , ووضع معه في قبره سهما ذهبيا إكراما له . يومها كان عمر تيموجين 43 سنة , في ذلك اليوم صار القائد الأعلى الوحيد لكل المغول .

يومها تجمع آلاف المحاربين المغول عند أحد روافد نهر أونون , نصبوا خيامهم قرب خيمة تيموجين وربطوا أعلاما الى ذيول خيولهم , ونثروا أطنانا من الزهور فوق سطوح خيماتهم , ووبايعوا تيموجين قائدا أعلى تحت إسم ( جنكيز خان ) . كلمة جنكيز كلمة مغولية معناها ( القوي ) , عبارة جنكيز خان تعني : ( القائد القوي ) .

قام جنكيزخان بتعيين عدد من القادة الكبار , منح رتبا قيادية الى إثنين من أوفى أصدقائه وهما ( بروجو ) و ( جيبي ) كما منح رتب قيادة عامة الى أولاده الأربعة : ( جوشي ) و ( كاجاتاي ) و ( أوجوداي ) و ( طولوي ) . ثم سن قانون الخدمة الإلزامية , كل رجل ما بين 17 _ 50 سنة عليه أن يلتحق بها , وفي فترة الجندية على الجندي طاعة أوامر قائده العسكري فقط , وليس رئيس قبيلته .

سن جنكيز خان بعض القوانين , ولكي تتم كتابتها , فرض على المغول تعلم القراءة والكتابة من قبيلة تركية تدعى ( أويغور ) . وكان أول واجب بعد تعلم الكتابة , هو كتابة كتاب ( الياسة ) أو كتاب القانون العظيم , في كتاب الياسة حاول جنكيز خان فرض النظام داخل الدولة المغولية , منع خطف النساء وجعله جريمة , كما قرر أن السرقة عمل غير قانوني وعقوبة السارق هي الموت . بعض عقوبات الياسة قاسية جدا , لكن جنكيز خان سمح لبعض القبائل بالمحافظة على تقاليدها الخاصة , وأصر على حرية المعتقد الديني , وبإمكان المسلمين والمسيحيين والبوذيين أن يمارسوا شعائرهم كما يحلو لهم وهم مقبولون تحت رعاية مليكهم . اٌقسى القوانين كانت قد سنت للجيش , أثناء الخدمة لا مكان للعصيان أو عدم الطاعة , والموت هو عقوبة الجندي الذي يسلب أثناء القتال ويحتفظ بغنائمه لنفسه , أما الرسل الذين يشربون الخمر أثناء مأمورياتهم فإنهم يعرضون أنفسهم الى الإعدام .

وتحت هذا التنظيم صارت قوة المغول قوة مهابة ولكن .. إلى أين ستمضي هذه القوة ؟؟؟

نظر المغول الى جنكيز خان متطلعين أن يقودهم الى الثراء , ولهذا فجنكيزخان كان محتاجا الى مصادر جديدة للثروة . في العام 1210 مات الخان الذهبي رئيس قبيلة الجرك العريضة الثراء وخلفه إبنه على الحكم . لسنوات طويلة عد الجرك أنفسهم متحضرين بالنسبة الى بقية قبائل المغول البدوية , كما أنهم كانوا حلفاء طغرل الذي حاول قتل جنكيزخان ذات يوم , وفوق هذا بعث حاكمهم الجديد سفيره الى جنكيزخان يطلب طاعة وولاءا مثل ما كان طغرل يفعل معهم من قبل , فأعلن عليهم جنكيز خان الحرب .

بدأت الحرب عام 1211 جهزها المغول ب 65 ألف مقاتل خيًال , و جهزها الجرك ب 85 ألف مقاتل مشاة , لكن عامل تفوق سرعة المقاتل الخيًال على المقاتل المشاة كانت في مصلحة المغول .

ذكر الرحالة ماركو بولو بأن المغول كانوا يرتحلون لمدة عشرة أيام دون التوقف لطبخ الطعام , وأنهم كانوا يصيدون ويسرقون حين تنفذ تجهيزاتهم , أما اذا نفذ لديهم الماء فإنهم يقطعون أوردة الخيل ويشربون دمها .

بسرعة تقدموا عبر منطقة منشوريا الى الشرق , ثم عبروا سور الصين العظيم , هيجوا قبائل ( الخاتان ) الساكنة في هذا الطريق الطويل ضد الجرك , فقبل حوالي 100 سنة كان الجرك قد إحتلوا الخاتان .

عام 1212 أعلن جنكيز خان للخاتانيين أنه قدم لتحريرهم من الجرك , وأنهم اذا إنضموا الى المغول فإنه سيعاملهم معاملة طيبة , فإنضموا الى جانبه وقدموا 100 ألف مقاتل .

كان المغول بلا رحمة مع القبائل التي لم ترض الإشتراك معهم في هذا القتال , دمروا حقولها وأفزعوا أهلها , أصبح أكثر من مليون إنسان بلا مأوى , وشحت المواد الغذائية , فجاعت الناس , أما الجرك الذين صاروا محاصرين في ديارهم فقد بدأوا بأكل لحوم البشر ليعيشوا .

كان كل جندي مغولي يأخذ عشرة أسرى من القبائل التي ترفض المعاونة على القتال , يستخدمهم كعبيد لجلب الماء وجمع الأزبال في خنادق خاصة , ولم تكن حياة هؤلاء الأسرى تعني شيئا , ففي فترات القتال العنيف كانوا يوضعون في المقدمة ويستعملون كدروع بشرية , وعند موتهم يرمون في نفس خنادق جمع الأزبال .

حين وصل المغول الى ديار الجرك , رأى جنكيز خان أن الجرك لا يعيشون مثل المغول , فمدنهم محمية بالأسوار , ولإختراق هذه الأسوار قام المغول ببناء السدود لإغراق هذه المدن , كما قاموا بعمل أسلحة حادة كالتي عند الجرك , وأهم من كل هذا أنهم توصلوا الى صناعة ( المنجنيق ) وهو آلة كبيرة تملأ بالحجارة أو المواد المشتعلة وترشق الى مدن الجرك من فوق السور , كما تعلموا صناعة آلة قاذفة للسهام تعبأ بعشرات السهام وترشق مرة واحدة , وأخيرا تعرف المغول على قاذفة اللهب الصينية وهي قصبة بامبو تملأ بالبارود ويشعل رأسها ثم ترمى على العدو . حين أسر المغول المهندسين الجرك المسؤولين عن تصنيع هذه الآلات عاملوهم بالحسنى على شرط أن يعلموا المغول أسرار عملهم , والناس كانت تعرف معنى رفض طلب للمغول … غير أن هناك بعضا من هؤلاء المهندسين , رفضوا التعامل مع المغول .

خلال ثلاث سنوات كان المغول قد خربوا بلاد الجرك وإحتلوا مدنها , وأخيرا وصل جنكيزخان الى مدينة ( زونغ دو) عاصمة الجرك , فوافق الخان الذهبي على كل شروط المغول , عاهدهم على الوفاء لجنكيزخان , وأعطاهم كل ما يريدون , ووهب إحدى الأميرات الى جنكيز خان ومعها ألف عبد وثلاثة آلاف فرس , ووعد بدفع الجزية كل سنة . وقد قبل جنكيز خان بذلك , فكل ما كان يهمه هو ثروات الجرك وليس أرضهم أو أرواحهم .

حين عاد جنكيز خان الى دياره , نكث الجرك كل وعودهم معه , فأرسل جنكيز خان خيالته لتدمير المدينة وحمل كل ما فيها كغنائم الى مملكته . مئات الآلاف من البشر تم قتلهم , وهناك شهادات تقول أن عظام المقتولين بقيت لسنوات خارج المدينة على شكل تلال بيضاء . عندها عين جنكيز خان واحدا من أخلص قواده حاكما على الجرك ويدعى ( موكالي ) وزوده ب 60 الف جندي لتدعيم حكمه .

في العام 1215 كان جنكيز خان قد وصل الى درجة من النجاح لم يحلم بها أحد , والثروة الجديدة التي هبطت على المغول من أرض الجرك , غيرت شكل حياتهم تماما , تغير شكل بيوتهم وأثاثهم وطريقتهم في الأكل , جلب المغول معهم الحلاقين والنجارين والحدادين والصاغة والكتبة والأطباء , وقد أمضى جنكيز خان سنوات عدة يحاول ضبط نظام المجتمع الجديد , لكنه الآن قد بلغ 57 من العمر , طويل وقوي ونشيط وعينه تلمع مثل عين قط , لكنه صار عجوزا , شعر وجهه صار أبيضا بلون الثلج , والناس في زمانه لم تكن أعمارهم تتجاوز الستين .

إنه الوقت الذي على جنكيزخان العجوز أن يقرر من الذي سيحكم بعده . إستدعى أولاده الأربعة ( جوشي ) و ( كاجاتاي ) و ( أوجوداي ) و ( طولوي ) , جوشي كان الأكبر وقد إختاره جنكيزخان ليقوم من بعده , لكن كاجاتاي الإبن الثاني كان متذمرا من ذلك بشدة , قال لأبيه إن جوشي ليس أكثر من نغل حبلت به أمهم من الرجل الذي عاشرته سبية حين خطفتها قبيلة الماركي . فرد عليه جوشي بغضب , تلاسن الولدان بحضور أبيهما الذي ظل يستمع ساكتا وحين إنتهيا من الحديث نهر جنكيزخان ولده كاجاتاي وقال له ( أنت لم تهن جوشي وحده بكل هذا الكلام , لكنك أهنت أمك , وأنتم تعرفون جيدا كم كان صعبا علي بناء هذه الإمبراطورية , لذلك لا أريد منكم تدميرها بالخلافات العائلية ) .

بعد الإستماع الى كلام الأب كاجاتاي إقترح على أبيه إقتراحا ( أن يصير أوجوداي الخان بعد وفاة أبيه , هو لا يفكر جيدا ويسكر أغلب الوقت لكنه كريم وطيب القلب , وربما هو الخيار الوحيد لأن طولوي ورغم كونه مقاتلا بارعا إلا أنه ومنذ صغر سنه أثبت أنه قاس بما فيه الكفاية , أما جوشي وكاجاتاي , فيحرمان تماما من حمل اللقب , لأن إحتمال أن يكون أحدهما خانا , معنى ذلك الإيذان لحرب أهلية بأن تقع ) .

وافق الجميع على هذا الكلام , فقام جنكيز خان بتعيين ولديه جوشي وكاتاجاي حاكمين لولايتين منفصلتين تفصل بينهما آلاف الأميال .

في هذه الفترة حول جنكيز خان بصره الى الغرب حيث يوجد السلطان الذي يعادي المغول , السلطان محمد الثاني سلطان خوارزم المسلمة , التي تحتل أرضا تمتد من جبال أفغانستان الحالية شرقا الى البحر الأسود غربا ومن بحر الأرال شمالا الى الخليج العربي جنوبا , والمغول متعطشون لخيرات هذا البلد الكبير الواسع الخيرات , والى خبرات الحرفيين المسلمين الذين يعرفون أسرار صناعة الفولاذ الذي يصنعون منع أسحلة تبقى لماعة وحادة على الدوام , كما يعرفون أسرار صناعة الزجاج , ولديهم خياطون يصنعون ملابس جميلة من القطن .

أرسل جنكيز خان رسالة الى السلطان محمد الثاني قال له فيها ( أنا سيد البلاد الشرقية وأنت سيد البلاد الغربية ويجب أن نوقع معاهدة بيننا ليتزاور تجارنا في أمان ) . وافق السلطان محمد في تسامح ظاهر وتشكك باطن , لأنه لم يكن يريد أن يقع لخوارزم ما وقع على الجرك .

عام 1218 أرسل جنكيزخان قافلة تجارية الى ( أوترار ) وهي مدينة خوارزمية في أقصى شرق السلطنة , فقام حاكم المدينة بإرسال خبر بذلك الى السلطان محمد الثاني موضحا أن هذه القافلة أتت للتجسس على البلاد , فتم إعتقال التجار وقتلهم .

مرة أخرى يقوم حليف بخيانة العهد … أرسل جنكيز خان جيشا قوامه 100 الف خيال , حاصروا مدينة أوترار مدة 5 أشهر , وحيت إستسلمت , تم قتل 20 الف من رجالها , وأسر حاكمها ثم تم إعدامه .

جنكيز خان وولده طولوي , توجها بحملة الى مدينة بخارى , فهرب آلاف من مقاتليها حين سمعوا بوصول الخيالة المغول , وإستسلمت المدينة في اليوم التالي . تم قتل جنود خوارزم على الفور , وأخذ البقية أسرى لإستعمالهم كدروع بشرية في معارك مقبلة , أما أصحاب الحرف والخبرات من أطباء ومعلمين ومعدنين وصناع أسلحة , فإن المغول سيعاملونهم معاملة حسنة إذا قبلوا التعاون مع المغول .

بعد شهرين وصل المغول الى سمرقند العاصمة السلطانية وكانت محاطة بأسوار عالية , هاجمها أكثر من 100 الف مغولي , فسقطت خلال عشرة أيام . ثم إتجه المغول الى تيرميز وبقية المدن .

السلطان محمد الثاني هرب الى جزيرة في بحر الخزر ومات هناك سنة 1221 . إبنه جلال الدين هرب عندها الى الهند وظل يقاتل في سبيل مملكته عشر سنوات , لكن سلطنة خوارزم كانت قد أصبحت كليا تحت حكم جنكيز خان الذي قام أتباعه بتدمير العشرات من مدنها , وتغيير مسارات طرق التجارة فيها كليا , وتحويل مزارعها الى أرض بور , أما البشر الذين قتلوا فقد كانوا بالملايين .

جنكيز خان صار الآن وحسب قوله ( يحكم دولة تمتد من مشرق الشمس حتى مغربها ) ولم يتبق أمامه غير شيء واحد هو : البحث عن الخلود .

عام 1222 خيم جنكيزخان في منطقة جبلية تقع اليوم في أفغانستان , ينتظر رجلا صينيا مقدسا إسمه ( جنجون ) قيل أنه أكتشف سر الخلود , ويقال أن عمره الآن 300 سنة . حين وصل جنجون الى مخيم جنكيزخان قال إن عمره الآن هو 75 فقط , وأن كل الحكايات التي قيلت عنه ملفقة فهو لا يمنح الخلود , لكنه فقط يعرف كيف يشفي من المرض .

وبالرغم من خيبة الأمل إلا أن جنكيزخان أحب هذا الرجل بشدة وإلتقاه عدة مرات . نصح جنجون الخان بان يعيش حياة معتدلة وأن يكون رحيما مع الناس وأن يتوقف عن الصيد , لكن جنكيزخان سأل الحكيم ان يصلي من أجله .

عام 1226 تمرد ( التانغوت ) ضد المغول في الجنوب من الإمبراطورية , فقاد جنكيزخان حملة لتأديبهم . لكنه حين مرض إستدعى ولديه أوجوداي وطولوي ليظلا الى جانبه .

بعد ذلك اللقاء على من سيخلف جنكيز خان في الحكم , إنقطعت أخبار جوشي تماما , وهناك شائعات قوية تقول : إن جنكيزخان كان قد قتل ولده .

على فراش الموت , حكى جنكيز خان لولديه حكاية الحية المتعددة الرؤوس التي عند مهاجمتها لا تدري الى أين تذهب , لأن كل واحد من رؤوسها يعطيها أمرا مختلفا , وأمر أولاده أن يكون لهم رأس واحد , لا رؤوس متعددة .

قام الولدان بإرسال رسالة سلام الى ملك التانغوت , لكن رده كان مهينا , بعد عدة أيام من ذلك مات جنكيز خان عن عمر 65 سنة , من شدة الحزن عليه دفع الغضب جنوده الى قتل جميع سكان عاصمة مملكة التانغوت بالكامل , وبعدها وضعوا جثته في عربة وعادوا به الى أرض المغول , كان جنكيزخان قد أمر أن يحفظ خبر موته سرا , ولذلك فكل من شارك في عملية دفنه وإخفاء أثر قبره سيقتل . لحد اليوم لا يعلم أحد بالتحديد أين يقع القبر , لكن أكثر الناس تعتقد أنه ووري الثرى في المكان الذي كان يحبه بشدة : عند جبل بورخان خلدن .  ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي..103

القصة:

كل مدينة و كل ضيعة و كل حارة بسوريا.. و فيني اجزم أنو كل شخص بهالبلد كان ألو نصيب أو حصة من نظام الحقد الأسدي..

لدرجة أنو من كتر قصصهون و تشابهها و تشعبها من حيث الأسباب و النتائج ، صار الحمصي إذا سمع قصة صارت بحلب يعتقد أنو القصة صارت بحارة من حارات حمص..

و اللي بيعتقد أنو اللي صار بمجازر حماة و حلب بالتمانينات أعظم من اللي عم يصير اليوم، فبطلب منو يراجع معلوماتو أكتر..

بس مع كل هالشي..

الكل لازم نتذكر و نحكي باللي صار لنستفيد من تجارب رجال كبار و نتعظ و نتعلم منها..

مجزرة حي المشارقة بحلب، الكل بيتذكرها بس نادرا ما حدا حكي بتفاصيلها..

رح آخدوكون اليوم معي بسفرة صغيرة لحي المشارقة و أرجع فيكون لشهر آب 1980..

بعد ما بديت تظهر بشائر الثورة في سوريا بنهاية السبعنيات مع كل المتحولات الجديدة بالمنطقة، من ثورة الخميني، لحرب لبنان الأهلية التانية، لدخول جيش العار على بيروت، لبداية الحرب الإيرانية العراقية..

منطقة عم اتعج بالمتغيرات.. و من ضمن جملة المتحولات كانت طلائع الثورة السورية الأولى..

حي المشارقة بحلب، حي قريب كتير على وسط المدينة.. حي مسالم، أهلو من طول عمرهون عايشين بهدوء و كافي خيرهون شرهون..

بشهر آب 80 و عند حاجز للقوات الخاصة صوب مركز الامتحانات العامة و القريب من حي المشارقة، شبين بيقتحمو هالحاجز و بيقتلو ست عناصر كانو مدوقين الويل لأهالي المنطقة من الابتزاز للتشليح للاغتصاب..

بيجن جنون النظام، و على عادتو بهيك مناسبات.. و بدون أي دراسة لعواقب أعمالهون بيقرروا الانتقام من الحي كلو، و ترباية حلب و إخضاعها كلها..

باليوم الأول لعيد الأضحى 80 و الناس من كل الحي طالعين بعد صلاة العيد لزيارة أمواتهون بمقبرة هنانو..

كتيبة من القوات الخاصة بقيادة المقدم هاشم معلا و النقيب غدير حسين ، باتطوق الحي و المقبرة و بيبدو حملة المداهمة للبيوت..

بصباح أول يوم من عيد الأضحى، كان كل شباب الحي من عمر 16 لعمر 60 مجموعين على حيط المقبرة، بين أصوات بكاء الامهات و الزوجات و الأطفال، و أصوات الكفر و السباب بكل كلمات قاموس الألفاظ النابية من عناصر جيش العهر..

و للتاريخ، كان في كتير ناس يومها موجودة بالحي و مانهون من أهالي المنطقة، جايين يا إما لزيارة قرايبينهون أو لزيارة أمواتهون بالمقبرة..

بس ضمن هالحفلة، راح المشارقيين مع الشباب و الرجال من ضيوفهون..

85 رجال و شب، مصفوفين على حيط المقبرة ناطرين مصير معلق بقرار لهاشم معلا..

وقف المقدم بأيدو بارودتو، و صرخ بالشباب:

مين فيكن بيعرف هالولاد الشر… اللي هاجمو حاجز الامتحانات؟؟

وحدو الحجي الحوري الله يرحمو ، هالانسان المعروف لأهالي كل الحي بأيمانو و بصدقو و بمحبتو لولاد منطقتو، بيبرم وجهو و بيقلو للمقدم بمحاولة لتخليص شباب حارتو من الإعدام الميداني:

أنا يا سيدي اللي هاجمت الحاجز و قتلت كل عناصرو، حاسبوني و قتلوني إلي و اتركو هالشباب يرجعو لبيوتهون، ما الهون ذنب..

محاولة الحجي ما نفعت بشي، بيصرخ المقدم شحطوه لهالابن الكلب عجنب و بيعطي الأوامر بتصفية ال 84 شب المصفوفين عالحيط..

شباب و رجال مرميين فوق بعضهون أموات و الدم عم يجري من تحتهون على أرض سور المقبرة، و ضحك هاشم معلا و الكلاب اللي معو سمعوه كل أموات تربة هنانو بقبورهون..

وحدو بالمناسبة المخبر ابن الحي، نفد من الموت عالرغم من أنو كان مصفوف مع الشباب على حيط الموت و بعدو لهاللحظة عايش و باتمنى ولادو يحكولو هالقصة بركي باتحرك ضميرو..

أما الحجي الحوري، فشالوه و طالعوه على أعلى بناية بالحي و حطوه على سور السطح و قوصوه مع عيلة دودان المؤلفة من 15 شخص و تركوهون يسقطو متل المطر أموات واحد ورا التاني من على السطح..

خلصت المجزرة من هون، و بلش ربط الجثث بسيارات الجيش من هون، و بديو يجروهون بشوارع حلب ليربو أهل المدينة فيهون و رميهون بعدين على مدخل حلب..

تاني نهار صارت دوريات النجدة اتدور بالمدينة لتشيل جثث الشهداء المرميين بكل زوايا مداخل حلب..

و متل كل مجزرة، لازم مرتكبيها يغطو عليها تحسبا لمحاكماتهون بالمستقبل، فطلع قرار من حافظ الأسد باستملاك الحي بالكامل، و دفعو لأهالي الحي اللي بعدهون طيبين تعويض تعسفي و طالبوهون بإخلاء بيوتهون خلال شهر..

الحكمة:

ركعت سوربا كلها بكلاشينكوف من تلات عقود..

حفيد الحاج حوري ما رح يركع هالمرة حتى لو ضربتو بصوارخ السكود.. زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

رسائل المفتي حسون للعالم

معتز فيصل

طلع علينا الإعلامي بن جدو بمقابلة لمدة ساعة كاملة مع مفتي الأسد “حسون” أتحفنا خلالها بكلام لا بداية له ولا نهاية، ولكنها كانت من وجهة نظرهم رسائل موجهة إلى عدة جهات ومدروسة تماما، وكان دور بن جدو توجيه الكلام وضبطه وتحديد مسارات الحوار.

طبعا تضمنت المقابلة تقارير مصورة عن الحسون وعن سوريا الصمود وعن الأسد. وتضمنت كذلك فاصلاً تمثيلياً قام به الحسون بتصنع البكاء من شدة التأثر (وهو بالمناسبة ممثل قدير يصلح أن يُستخدم في الدراما السورية)، كما تضمنت خطبة إنشائية عصماء للسيد بن جدو، أبى إلا أن يتحفنا بها ليظهر لمن يدفعون له من طهران إمكنياته الأدبية والفنية والإعلامية.

الرسالة الأولى: كانت هناك أخطاء في الماضي حاول الرئيس إصلاحها ولكنهم أبوا إلا أن تتحول إلى معركة. مع اللمز والغمز في الربيع العربي أنه فقط ظاهراً من أجل الديمقراطية أما في حقيقته فهو تخريب الأمة العربية ودمارها. لم يجرؤ الحسون أن يضع اللوم على الأسد أو المقربين منه عندما سأله المذيع: من المسؤول؟ ولكنه أكد على أن كل الأخطاء كانت من السلطة التنفيذية فحسب يعني الوزارات.

الرسالة الثانية للإخوان المسلمين: يذكرهم فيها أنهم عرضوا عليه الانضمام إليهم عام 1973 ولكنهم طلبوا منه ألا يخبر أباه! فكان رده: كيف أخون والدي؟ ثم يوجه الكلام مباشرة لعلي البيانوني ويذكره كيف عاد عبد الفتاح أبو غدة إلى سوريا، وبعدها كلام مباشر للأستاذ عصام العطار، يذكر فيه كيف عرض عليه العودة إلى سوريا والمشاركة في بنائها.

الرسالة الثالثة إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز: أنه أرسل إليه وإلى ثلاثين عالما ومفتيا رسائل لكي يقدموا إلى سوريا ويصلحوا بين الأطراف المتنازعة. ويخاطب الملك عبد الله بقوله: أنتم الكبار فعليكم أن ترسلوا وفداً للإصلاح بين السلطة والمعارضة” ولم يأته جواب.

فاصل درامي يحكي فيه كيف هدم وحرق مسجد حلب الكبير وكم كان حزنه كبيراً. وكيف قتلوا ولده سارية وكيف أن الجامع لم يحرق من قبل خلال أربعين سنة من حكم الأسد فلماذا يحرقه الأسد الآن؟ “استهبال”

الرسالة الرابعة، إلى علي البيانوني يتهمه فيها تلميحاً بالكذب حيث يذكر أنه أرسل إليه رسالة مع أخيه الدكتور أبي الفتح البيانوني، ويذكره فيها أن المسلم لا يكذب، مشيراً إلى قصة وفاة الشيخ إبراهيم السلقيني مفتي حلب وأنها كانت وفاة طبيعية في المنزل بوجود ابنة أخ السيد علي البيانوني، فكيف يقولون إن المخابرات قتلته؟

الرسالة الخامسة لأردوغان: كيف التقى به قبل الثورة بسنتين وكيف كان يمدح الرئيس، ثم انقلب فجأة وهو متفاجئ بموقفه جداً، ويتهمه بسرقة معامل حلب وفتح الحدود أمام المخربين. ثم يقول: “أنتم الذين يجب أن تضبطوا الحدود الشمالية لأن جنودنا يحمون الجبهة الجنوبية مع إسرائيل ولا يمكننا نقلهم إلى الشمال، ولو نقلناهم لقامت إسرائيل بضربنا” (لا تستغربوا فالاستحمار ليس له حدود).

الرسالة السادسة لخالد أبي صلاح وأمثاله: يقول عنهم: أين الإعلاميون الذين أشعلوا النار ثم هربوا خارج سوريا؟

الرسالة السابعة لعلماء الإسلام المؤيدين للثورة وخاصة القرضاوي: وهنا يقول أنا لا أشتم ولا أحرض فأنا مؤدب. ولكنه يقول كلاماً أكبر من أي شتيمة وأكبر من أي تحريض. يخاطب القرضاوي قائلاً: في خطبة الجمعة الأولى تذكر مصر وتحرض على الحوار بين المتخاصمين، وفي الخطبة الثانية تذكر سوريا وتحرض عل القتل فيها، مالفرق بين البلدين؟ ثم يذكره كيف مدح الرئيس بشار بعد أن التقاه في العام 2006.

الرسالة الثامنة إلى اتحاد علماء المسلمين: شكلوا وفدا وتعالوا لتصلحوا بين الناس بدل خطب الفتنة والتجييش الطائفي والمذهبي، كما يقول إنهم عرضوا عليه الإنشقاق وحاولوا إغرائه بالمال ولكنه رفض فهو يفضل أن يستشهد في بلده.

ثم يعطينا درساً في التوحيد بين المذاهب وكيفية التوفيق بين الإمامة والخلافة وكيف أن الحرب العراقية الإيرانية لم تكن طائفية. يختمه بأن الحل المثالي أن يكون هناك خليفة يحكم وإمام يدير الشؤون الدينية كما هو الجاري حالياً في إيران. يقول: “رئيس الجمهورية هو الحاكم أي الخليفة، والخامنئي هو الإمام وهو المصدر التشريعي الروحي يوجه السلطة التنفيذية ولا يتدخل في شؤونها!” (ممكن لأحد أن يشرح لي ما معنى يوجه السلطة التنفيذية ويشرع لها ولكنه لا يتدخل في شؤونها؟).

الرسالة التاسع للسلفية: يقول لقد كفروا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة واتهموه بأنه أشعري.

متفرقات:

لا كرامة للإنسان في كل الدول إلا في سوريا!

أبواب سوريا مفتوحة أمام الجميع ولكنهم هم من أغلقوها على أنفسهم!

في سوريا أمان كامل يدخل من يدخل ويخرج من يخرج بدون أي مسائلة!

لبنان كان مقسماً حين دخله السوريون، وصار موحداً عندما خرجوا منه!

الرئيس سبق الجميع بمبادرته وهي الأعظم والأوضح والأفضل!

لن يتنحى الأسد ودعوا الشعب يقرر! ولو علم أن في تنحيه سلامة سوريا لطلب هو بنفسه أن يتنحى!

قد يظن البعض أن أمثال هؤلاء لا يستحقون الرد، ولكنني أعتقد أنه من العمل الإعلامي والسياسي في هذه الأيام الرد على هؤلاء وعلى نفس المستوى من الانتشار والوسائل الإعلامية لأن معركتنا أيضاً معركة إعلامية سياسية وعلينا أن نكسبها في كل المجالات.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

هل يبيح الفقر إنهيار القيم الدينية؟

في 12 فبراير.. قامت جامعة برايتون بالتعاون مع جامعة أخرى والمكتب الثقافي المصري وشركة الطيران المصرية.. تحت تنظيم وإشراف الدكتور خالد علي (سوداني الأصل ) بعقد مؤتمر حول المرأة والعلم والبحث العلمي – ثم المرأة والفنون..

تركز الجزء الأول من المؤتمر على مداخلات من متخصصين بريطانيين عن المشاركة الفعّالة للمرأة في الأبحاث العلمية الخاصة بتحسين الأدوية.. وتخفيف عناء المرضى..ومشاركتها جنبا إلى جنب مع الرجل في معظم الميادين الصحية من أجل الصحة الطبية والنفسية لخلق مجتمع صحي خال من الأمراض.

أما الجزء الثاني والذي إهتم بتقديم صورة المرأة العربية وكفاحها من أجل مجتمع أفضل.. فقد تركز حول المرأة في الربيع العربي. وتقييم الدور الذي لعبته المرأة في هذه الثورات (الإنتفاضات ) ثم نتائج هذه الثورات على وضع المرأة وحقوقها.. وهل أدت أو ستؤدي هذه الثورات لتطور وتحسين وضعها المجتمعي والثقافي والحقوقي.. أم أنها كانت بلاء جديدا ستواجهه المرأة العربية..

تقدمت الدكتورة التونسية درة كاربتنتر لا تيري بمداخلة رائعة عن وضع المرأة التونسية بعد قيامها جنبا إلى جنب مع الرجل بهذه الثورة.. والإحباط الذي ’منيت به الآن.. وإصرارها على الكفاح من أجل نيل حقوقها مهما واجهتها من صعاب.. تلتها الدكتورة نادية الخولي.. مديرة القسم الثقافي في السفارة المصرية في لندن.. بمداخلة قيّمة لا تقل إصرارا على نيل الحقوق.. كلاهما إشتركتا بأنه من المستحيل للمرأة أن تعود للمنزل كما كانت في العصور الغابرة.. وأنه بدون إحقاق حقوقها لا يمكن أن تنجح هذه الثورات في تحقيق الديمقراطية المنشودة..

تلا ذلك مجموعة من المنولوجات المسرحية لمجموعة من الشبان والشابات المصريين تقدم صورة حقيقية لما تواجهه المرأة المصرية من صعوبات إبتداء من التحرش الجنسي.. وقبولها في المجتمع ومدى خلو المجتمع حولها من أمراض.. وهو ما ينطبق على المرأة العربية بصفة عامة..

مجموعة الممثلين هم من المتطوعين.. اما محتوى هذه المنولوجات.. فهي من قصص معاناة حقيقية تصلهم كرسائل يقومون بتمثيلها وعرضها أمام مسرح دار الأوبرا في القاهرة كما هي.. لحسن حظهم شاهد العرض الممثل النجم خالد أبو النجا.. والذي ساهم بنقل هذه المنولوجات إلى فيلم نظرا لمدى أهميتها كوثائق حية لخطورة ما يحدث في المجتمع المصري للفت نظر المسؤولين إلى خطورتها والعمل الفوري على الحد من هذه الآفات التي تتهدد المجتمع..

المنولوج الأول إبتدأ بمواجهة الفتاة التي تتعدى الخامسة والعشرون للضغط العائلي والمجتمعي للزواج من أي متقدم تفاديا للعنوسة.. والتي تعتبر وصمة عار على الفتاة.. تزيد من عزلها الإجتماعي خوفا منها على الأزواج..

الثاني.. تركز على نصيحة الأقارب للعروس في ليلة الزواج.. وكيفية التصرف أمام تجربتها الجنسية الأولى بالنفاق وعدم التجاوب.. فالست المثالية هي الجثة المثالية..

الثالث كان يبحث في شرعية الحجاب.. وهل هو معصية لمن لا تضعه..؟؟

الرابع كان عن التحرش الجنسي في زحمة الأوتوبيس.. كيف يتعامل معه الرجل.. وكيف يحمي نفسه فيما إذا لم تتجاوب.. ثم تحليله لنفسه على أنه تصبير وتنفيس لأنه لن يقدر على تكاليف الزواج بمرتبه الصغير..!!!

الخامس والأهم في نظري.. وهو الخطر الأكبر الذي قد يتهدد أي مجتمع.. نظرا لمخالفته التامه لكل الأديان.. ثم خطرة الصحي على الأطفال من مثل هذا الزواج.. وتكلفة هذا الخطر على أي حكومة أو دولة..

يحكي قصة إمرأة شغاله في بيت.. تنقل بفرح طاغ وبلهجة لا تنم عن أي مخالفة لأي من القيم المجتمعية.. تقول لأصحاب البيت عن زواج إبنها من إبنتها؟؟؟؟

وحين سألتها صاحبة البيت بمعرفتها بأن هذا الزواج يخالف الشرع ومحّرّم قطعا.. تجيب المرأة بلهجة تحدي.. بأن الكثير من سكان الحي عملوا ذلك.. وأن المأذون بعد الرشوة وتغيير إسم البنت يكتب الكتاب؟؟؟؟ ثم ماذا ستفعل هي في ظل ظروف فقر مدقع وتكاليف زواج لا تقدر عليها أليس تزويجهما أفضل من إرتكاب معصية الزنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سيدي القارىء.. أنا مثلك صعقت حين رأيت هذا المونولوج.. تماما كما ’صعقت المندوبة الصحفية من السفارة المصرية.. ولكن الممثلين و النجم خالد أبو النجا أكدا بأنه وصلتهم عدة رسائل تؤكد حدوث هذا الزواج.. ’صعقت أكثر من تفسير المرأة.. ولهجتها المتقبّله للأمر كاي حدث عادي..

أولا دعنا نتّفق ان زنا الأقارب موجود في مجتمعاتنا.. تماما كما هو موجود في كل المجتمعات… ليس معنى هذا ان نتقبله على الإطلاق…. الفرق ان الفتاة في مجتمعاتنا هي التي تدفع الثمن الأغلى.. وعليه فبثقافة محدوده أو حتى معدومه قررت المرأة حماية إبنتها من القتل.. وهو أيضا تفسير غير منطقي ولا عقلاني. ولكن مع الجهل والفقر ينعدم المنطق وتنحدر الأخلاق؟؟؟؟

أن الفقر والبطالة هما آفة أي مجتمع وطريقة للإنحدار نحو الهاوية بأسرع ما يمكن.. وبالتالي أليس من الأولويات العمل على خلق فرص عمل..

أليس من الأولى توجيه من نصّبوا أنفسهم فقهاء دين.. توجية جهودهم للتوعية المجتمعية باخطار وتحريم مثل هذه الزيجات…

أليس من الأهمية محاكمة مثل هذا المأذون.. ثم العمل على توعية الآخرين دينيا وأخلاقيا بتحريم مثل هذا الزواج.والأهم تشريع الزواج المدني قبل الزواج الديني لحصر الإنتهاكات وتقديم المخالفين للمحاكمة!!!

ثم أليس من واجب الحكومة مهما كانت العمل على تنمية إقتصادها لخلق وظائف عمل بدلا من الدخول في متاهات تحريم السياحة.. ومنع الإقتراض لأنه يحمل فوائد هذا الإقتراض..

أليس من الأهم أن نتصالح مع العصر ونعترف بأننا بشر وأن حماية مجتمعاتنا ليست بالوعظ فقط. بل بالتنمية المستدامة لكي نتفادى الأمراض المجتمعية التي تواجهنا من جراء العزل والكبت والتلفيف للمرأة.. وللمجتمع..

نعم هي حالات شاذه ولكن إستفحالها وقبولها من أكبر الأخطار.. ويجب تلافيها بأسرع ما يمكن..

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

جمال البنا: رحلة الفكر في أرض قاحلة (2/2)

بدور زكي محمد: ايلاف

لا شك في أن حياة العلماء المستنيرين من أمثال جمال البنا، من الذين بدأوا مسيرة الإحياء الإسلامي تعتبر رحلة شاقّة وحفراً في الصخور، بخاصة في العقود الأخيرة من القرن الماضي وما تلاها، لما شهدناه من موجات سلفية أطاحت بإمكانات تطور المجتمعات العربية، مستفيدة من نظم الإستبداد وآلياتها القابضة على حرية التعبير. إلا أن ما خفف من أعباء الرحّالة المناضلين وهم يمسحون عن جباه الإسلام غبار الكتب العتيقة، ما عاشوه في نشأتهم الأولى من أجواء الحريات وبدايات النهضة الفكرية في ظل الأنظمة الملكية، وهذا ما أمدّهم بقوة الإصرار على منهجهم.

في حديث جمال البنّا عن سيرة حياته وهمومه الفكرية، يفضل السرد بضمير الغائب، لما كان يتناوله من قضايا موضوعية في الأصل، ولأن ضمير المتكلم – برأيه- لابد أن يلقي على الحديث ضلالاً ذاتية، ففي مقال طويل له على موقع الحوار المتمدّن (19-02-11)، ينبّه إلى أن من يريد معرفته على أفضل ما يكون فعليه أن { .. يشاهده عبر سطور كتاباته مثل “ظهور وسقوط جمهورية فايمار” ، و”روح الإسلام” و”هل يمكن تطبيق الشريعة” و”تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي” ، أو “الحركة العمالية الدولية” أو المعارضة العمالية العمالية في عهد لينين” ..}. وقد كان بحاجة لهذا التنبيه لأنه لا حظ ميل الناس للتفرج والسماع أكثر من القراءة، ولما تعجّ به الفضائيات من دعاة متفوهين، يعنون بتدبيج الكلمات، ورواية الأحاديث على علاّتها، ولا يهمهم إن كانت صحيحة أو موضوعة، كان يقول إن أزمته هي ” أنه كاتب في شعب لا يقرأ” لكنه أحسن الظن في مستقبل وعي الناس، وأمِل في أن يأتي جيل يقرأ ما قدمه من موائد الفكر العامرة بكل جديد ومفيد، وما بذله من جهد خارق في تنقية التراث وتحريره من إساءات المفسّرين أو جهلهم.

لقد كانت نشأة جمال البنّا العائلية المبكّرة، خير معين له على مشقّة البحث ودروبه الطويلة، فهو في علّو همته ودأبه يشابه والده الشيخ أحمد عبد الرحمن، الذي قضى خمسة وثلاثين عاماً في تصنيف وشرح مسند الإمام أحمد بن حنبل، المتضمن قرابة ثلاثين ألف حديث، لا رابط بينها إلا أسماء الرواة، قام بتصنيفها “على أساس كتب ثم أبواب ثم فصول تبعًا لأبواب الفقه ، ثم لم يقنع بهذا ، بل وضع شرحًا له يعادل المتن بأسلوب سائغ تناول فيه السند وغريب الألفـاظ ، والتخريج ، وهو أهم شيء في الحديث لأنه يعني درجة الحديث ، وهل هو صحيح، فيعـد مرجعًا يؤخذ منه الحكم ، أو ضعيف، ويذكر أحكام الباب في المذاهب الأربعة وغيرها ..” وفي هذا لمسعى العسير كانت غاية الشيخ هي التجديد، وعبور المذهب الواحد في إطار مذاهب السنّة (المصدر السابق). ولعل من المفارقة إن جمال البنّا الذي كان فخوراً بصبر أبيه وانكفائه على دراسة مسند الإمام أحمد، خاض أكثر معاركه الفكرية ضد خصومه الذين يتمسكون بالأحاديث، ذلك لأنه اشترط توافق الحديث مع العقل، وعدم تعارضه مع القرآن، خلافاً لنهجهم في تقديس الرواة والعزوف عن نقد موضوع الرواية.

أما عن العلاقة بشقيقه الأكبر حسن البنّا، فيقول الكاتب والمؤلف الراحل : ” كانت متميزة وحميمة فيها شجو وشجا و”جدلية” نشأت من اختلاف الطبائع، اختلافـًا كان اجتماعه يمثل تكاملاً.. ” وبحكم الترابط العائلي بينهما وملاحظة مؤسس الإخوان لتميز شقيقه الأصغر، فقد حاول استمالته للعمل معه في مشروعه السياسي، ودعاه لترك حزب العمل الوطني الإجتماعي، الذي أسسه في العام 1946 من مجموعة صغيرة من العمال والطلبة وصغار الموظفين، قائلاً: ” أنت تكدح في أرض صخرية صلدة ، ونحن لدينا حدائق تثمر أشجارها فواكه تتساقط، وتحتاج لمن يلتقطها” وكانت جماعة الإخوان حينذاك في أوج شهرتها ، لكن جمال رد على أخيه بأن فواكه الإخوان ليست هي الثمار التي يريدها ( المصدر السابق).

وعلى مر الزمان حافظ جمال البنّا على نهجه المستقل في فهم الإسلام في جوانبه العملية، ورفض التسليم بفقه الأقدمين بعيداً عن متطلبات تغير الزمان والمكان، كما لم يضعف أمام عمق صلاته بشقيقه وتقديره لسماته القيادية، فلم يكن يوماً عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، مع أنه عمل في مطبعتهم وشاركهم بعض الأنشطة الثقافية، في الخمسينيات. وقد أكّد على أنه لا يتفق معهم في شؤون كثيرة ” أختلف مع جماعة الإخوان المسلمين ومنهجهم، ولي تحفظات على فكرهم بالنسبة للمرأة وحرية الفكر والفنون والآداب” (جريدة المصري اليوم/ أحمد البحيري/ 31-01-2013). ولا أشك بأن رحيل البنّا جلب راحة كبيرة لقيادة الإخوان المسلمين، فهم لم يكونوا أحراراً في التعامل معه بشدّة كما يفعلوا مع خصومهم في مجال الفكر الإسلامي، ولعل من حضر منهم الصلاة عليه في مسجد الإمام علي، كان يشكو من مهمة ثقيلة، أو يحمد الله على غيابه وهو يترحم عليه.

تمتع الراحل بشعبية كبيرة بين المثقفين على اختلاف توجهاتهم، لما اشتملت عليه شخصيته الحرّة من ثقافة موسوعية، إسلامية ممزوجة بثقافات عالمية، فكانت له لقاءات كثيرة، ركّز فيها على الجذر الأساسي في أفكاره وهو الحكمة، فمن المبادئ التي تضمنتها دعوته للإحياء الإسلامي، قوله:” الحكمة” أصل من أصول الإسلام ، وقد قرنها القرآن بالكتاب في آية : {وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وهي كل ما انتهت إليه البشرية من أحكام ومبادئ وأصول ثبتت صلاحيتها على مر الأجيال ، وليست هي بالطبع السـنـّة ، كما ذهب إلى ذلك الشافعي”.

وفي كتاب البنّا (أصول الشريعة) ينتقد الفقهاء لإهمالهم الحكمة، ويقول: ” أغلب الظن أنهم عزفوا عن الاعتراف بأصل ومصدر مفتوح، غير محدد أو منضبط، يسمح بالانفتاح والتعددية، وهي صفات يضيق بها الفقهاء عادة، لأنها تفتح عليهم بابا لا يمكنهم التحكم فيه ” ( مقال عمار علي حسن في الشرق الاوسط/ 07/02/2013).

ويرى جمال البنّا إن أساس الأمر الإلهي للملائكة بأن يسجدوا لآدم “هو تملكه لمفاتيح المعرفة التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات” والتي تنقذه من الخرافة، فيفترض أن تكون المعرفة هدفا رئيساً للمسلمين وما يتبع هذا من استخدام العقل ، وما يثمره من علم وحكمة”. ولذلك فهو يطالب الدول الإسلامية أن تنفتح على الثقافات المعاصرة وتيسر للجماهير إمكانات الإستفادة منها (المصدر السابق).

ان الراحل الكريم لا يسوق انتقاداته للفقهاء الاقدمين جزافا، ولا يبخسهم حقهم من التقدير، وانما يراعي اختلاف الزمن وآليات تحصيل المعرفة، ويشرح ذلك في حديث له مع الكاتب اشرف عبد القادر، نشر في موقع الحوار المتمدن، بقوله : “الفقهاء القدامى كانوا أناساً في منتهى الطيبة والإخلاص، وأرادوا خدمه الإسلام بعلومهم، ولكن ما كانوا ملائكة ولا معصومين بل معرضين للصواب والخطأ “. وينبه الى ان وسائل البحث لديهم كانت محدودة ، والتنقل للتاكد من صحة حديث ما، كان عسيراً، والأهم أنهم لم يتمكنوا من التحرر من مفاهيم عصرهم المغلق ” عصر مستبد ،عصر فاسد من أيام معاوية إلى عبد الحميد الثاني، منذ سنة 40 هجرية إلى 1924 أكثر من ألف عام، وما يسمونه خلافة كان ملكاً عضوضاً وليس له من الخلافة شيء . هذا هو العصر الذين عملوا فيه، حاول بعضهم أن يثور على حكم هؤلاء الطغاة، فسحقوا حتى الأئمة الأربعة كل منهم تعرض لاضطهاد رهيب . الشافعي كان قاب قوسين من الموت ، مالك خلعت أكتافه ، ابن حنبل مثله ، أبو حنيفة يقال أنه َسم لأنه رفض تولى القضاء” . ويرى جمال البنّا، أنه لما تقدم من أسباب فإن فكر القدامى لا يصلح لعصرنا، وهو يجيب من يقول أن في أقوالهم ” لآلئ ودرر” بطريقته العملية والعقلانية: ” .. علي من يريد الحصول على عرق الذهب الصغير أن يهد الجبل، ونحن لا عندنا وقت ولا جهد لذلك، لماذا لا نعمل عقولنا نحن؟ ..”

وفي سياق متصل، ينتقد الراحل الجليل رواية وردت في صحيحي مسلم والبخاري، تفسر سبب نزول آية {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ … الحجرات – 9 }، ومفادها إن الرسول (ص) كان يركب حماراً، ومر بعبد الله ابن أبيّ، فمسك هذا أنفه متضايقاً من رائحة الحمار، فقال له أحد الصحابة، والله لبول حماره أطيب من ريح مسكك، فغضب رجال أبيّ، وتبادلوا الضرب مع أصحاب النبي، فنزلت الآية. يعجب البنّا أن يكون تفسير آيات الله الكريمة بمثل هذا التبسيط المجافي للعقل. ويسوق مثالاً آخر عن سورة الضحى، فيأسف أن يأتي مفسرون ليقولوا بأن سبب نزول كلماتها الجميلة، يتعلق بكلب كان مختبأً تحت السرير، ما منع الملاك جبريل من أن يبلّغ الوحي للرسول (ص) !!، ويضيف بأن الفقهاء في الوقت الذي يؤكدون على قاعدة ” العبرة بعموم النص وليس بخصوصية السبب”، يتحدثون عن أسباب النزول فيناقضون أنفسهم و ” يحولون النص من مبدأ عام إلى سبب خاص” ( برنامج دين ودنيا، لقاء مع عمار علي حسن).

واستناداً إلى نظرة البنّا للماضي، واعتباره أن الدين وسيلة وليس غاية، وأن الشريعة كانت تحقق العدالة والمصلحة في زمن ما، يخلص البنّا إلى: “أن التطورإذا جاوز النص أو جعله لا يحقق المصلحة والعدل فيجب تغييره بما يحقق المقصد الذي أنزل من أجله”، ويسوق لذلك مثلاً من اجتهادات الخليفة عمر بن الخطاب.

من المؤلفات المهمة التي تركها الراحل، كتاب (نحو فقه جديد) الذي صدر جزأه الثالث في العام 1999، ويتضمن دعوة واضحة وبسيطة لفهم الإسلام، وفي الوقت نفسه تشكل استفزازاً لرجال الدين لأنها تجردهم من الولاية المعنوية على الناس، فهو يقول: “عندما نقول القرآن هو القرآن دون مفسرين من ابن عباس حتى سيد قطب، لا تأخذ أي كلمة من هؤلاء الناس، لا تشرك في كلام الله كلام أحد، ما عرفت فالحمد لله ، وما لم تعرفه فلست مكلفاً بأن تعرف كل شيء…” ويضيف بأنه لايمكن أن نحتفظ بالأحاديث كما قالها الرسول (ص)، لمئات السنين، “هذا أمر لا يقره العلم اليوم، المهم هو المتن الخاص بالحديث هل يتفق مع القرآن ؟ إذن يقبل ، لا يتفق مع القرآن إذن يرفض..” . وفي هذا المجال، يفنّد البنّا حديث الردة، فيشير إلى الآيات القرآنية المتعلقة بحرية الاعتقاد ” لا إكراه في الدين”، “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”،”فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ويقول بعد كل هذا البيان القرآني الواضح ” يجيئون لي بحديث “من بدل دينه فاقتلوه” هذا الحديث مرفوض بلا تفكير وبلا تردد، حديث موضوع، أو نقل في ظروف معينة، أو نقل خطأ أو تلاعبت به الذاكرة الخؤون، لا نأخذ به، فمن غير المعقول أن نأخذ بحديث،ونضرب بخمسين آية عرض الحائط. حد الردة لا وجود له في القرآن إذن لا وجود له في الإسلام. وهذا الحديث المتناقض للقرآن مرفوض نقلاً وعقلاً” (حديث مع أشرف عبد القادر/ الحوار المتمدن/ 14-12-2003).

ولأن حرية الإعتقاد والتعبير لا تتفق مع السلطة الدينية، أو أنها تهدد مصالحها، فقد أصدر مجلس البحوث التابع للأزهر قراراً بمنع نشر كتاب البنّا (مسؤولية فشل الدولة الإسلامية)، استناداً إلى رأي الدكتور أحمد حسن غنيم (أٍستاذ في جامعة الأزهر) وقد رد عليه الراحل برسالة كتب فيها :

” .. لا يملك لا هو ولا أي مخلوق آخر وصاية على الفكر لأن القرآن الكريم قرر حرية الفكر والاعتقاد صراحة عندما جرد الرسول وهو حامل الرسالة من أي سلطة على الناس فليس هو جبارا ولا حفيظاً ولا حسيبا ولا حتى وكيلا على الناس، وإنما عليه أن يبلغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” و “من اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فعليها” ( أِشرف عبد القادر24-09-2004).

ما تقدم هو قليل من كثير تركه لنا جمال البنّا في سفره الطويل من أجل الحقيقة، ولأنه أحب الإسلام، أراد أن ينزهه من شوائب العصور الماضية، احترم الإنسانية فكان إلى جانب حق النساء في المساواة بالرجال. كان مثالاً في ثقته بصواب رأيه، طالما أنه يدافع عن قضية عادلة، وكما قال الإمام علي ” لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه”، فإنه لم يأبه بمن ناصبوه العداء أو أساءوا إليه، ولابد أنه راهن على انتشار دعوته للإحياء الإسلامي حين تخفت أصوات دعاة الفضائيات وتنضب أموال الدعم، وتنحسر موجات إرهاب المفكرين الأحرار.

في الختام أعتذر للقارئات والقرّاء، فقد أشرت في الجزء الأول من مقالي هذا إلى أني سأتناول في الجزء الثاني، بالتفصيل آراء البنّا في مسائل الحجاب، والإشهاد في الزواج، والطلاق، والحاكمية، وإمامة المرأة، والإسلام دين وأمة، لكني آثرت أن أرجأ هذه التفاصيل المهمة إلى مقالات أخرى، وفضلت أن أوضح المبادئ التي أسس عليها البنّا جميع طروحاته الفكرية.

bdourmohamed@hotmail.com

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment