رسائل المفتي حسون للعالم

معتز فيصل

طلع علينا الإعلامي بن جدو بمقابلة لمدة ساعة كاملة مع مفتي الأسد “حسون” أتحفنا خلالها بكلام لا بداية له ولا نهاية، ولكنها كانت من وجهة نظرهم رسائل موجهة إلى عدة جهات ومدروسة تماما، وكان دور بن جدو توجيه الكلام وضبطه وتحديد مسارات الحوار.

طبعا تضمنت المقابلة تقارير مصورة عن الحسون وعن سوريا الصمود وعن الأسد. وتضمنت كذلك فاصلاً تمثيلياً قام به الحسون بتصنع البكاء من شدة التأثر (وهو بالمناسبة ممثل قدير يصلح أن يُستخدم في الدراما السورية)، كما تضمنت خطبة إنشائية عصماء للسيد بن جدو، أبى إلا أن يتحفنا بها ليظهر لمن يدفعون له من طهران إمكنياته الأدبية والفنية والإعلامية.

الرسالة الأولى: كانت هناك أخطاء في الماضي حاول الرئيس إصلاحها ولكنهم أبوا إلا أن تتحول إلى معركة. مع اللمز والغمز في الربيع العربي أنه فقط ظاهراً من أجل الديمقراطية أما في حقيقته فهو تخريب الأمة العربية ودمارها. لم يجرؤ الحسون أن يضع اللوم على الأسد أو المقربين منه عندما سأله المذيع: من المسؤول؟ ولكنه أكد على أن كل الأخطاء كانت من السلطة التنفيذية فحسب يعني الوزارات.

الرسالة الثانية للإخوان المسلمين: يذكرهم فيها أنهم عرضوا عليه الانضمام إليهم عام 1973 ولكنهم طلبوا منه ألا يخبر أباه! فكان رده: كيف أخون والدي؟ ثم يوجه الكلام مباشرة لعلي البيانوني ويذكره كيف عاد عبد الفتاح أبو غدة إلى سوريا، وبعدها كلام مباشر للأستاذ عصام العطار، يذكر فيه كيف عرض عليه العودة إلى سوريا والمشاركة في بنائها.

الرسالة الثالثة إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز: أنه أرسل إليه وإلى ثلاثين عالما ومفتيا رسائل لكي يقدموا إلى سوريا ويصلحوا بين الأطراف المتنازعة. ويخاطب الملك عبد الله بقوله: أنتم الكبار فعليكم أن ترسلوا وفداً للإصلاح بين السلطة والمعارضة” ولم يأته جواب.

فاصل درامي يحكي فيه كيف هدم وحرق مسجد حلب الكبير وكم كان حزنه كبيراً. وكيف قتلوا ولده سارية وكيف أن الجامع لم يحرق من قبل خلال أربعين سنة من حكم الأسد فلماذا يحرقه الأسد الآن؟ “استهبال”

الرسالة الرابعة، إلى علي البيانوني يتهمه فيها تلميحاً بالكذب حيث يذكر أنه أرسل إليه رسالة مع أخيه الدكتور أبي الفتح البيانوني، ويذكره فيها أن المسلم لا يكذب، مشيراً إلى قصة وفاة الشيخ إبراهيم السلقيني مفتي حلب وأنها كانت وفاة طبيعية في المنزل بوجود ابنة أخ السيد علي البيانوني، فكيف يقولون إن المخابرات قتلته؟

الرسالة الخامسة لأردوغان: كيف التقى به قبل الثورة بسنتين وكيف كان يمدح الرئيس، ثم انقلب فجأة وهو متفاجئ بموقفه جداً، ويتهمه بسرقة معامل حلب وفتح الحدود أمام المخربين. ثم يقول: “أنتم الذين يجب أن تضبطوا الحدود الشمالية لأن جنودنا يحمون الجبهة الجنوبية مع إسرائيل ولا يمكننا نقلهم إلى الشمال، ولو نقلناهم لقامت إسرائيل بضربنا” (لا تستغربوا فالاستحمار ليس له حدود).

الرسالة السادسة لخالد أبي صلاح وأمثاله: يقول عنهم: أين الإعلاميون الذين أشعلوا النار ثم هربوا خارج سوريا؟

الرسالة السابعة لعلماء الإسلام المؤيدين للثورة وخاصة القرضاوي: وهنا يقول أنا لا أشتم ولا أحرض فأنا مؤدب. ولكنه يقول كلاماً أكبر من أي شتيمة وأكبر من أي تحريض. يخاطب القرضاوي قائلاً: في خطبة الجمعة الأولى تذكر مصر وتحرض على الحوار بين المتخاصمين، وفي الخطبة الثانية تذكر سوريا وتحرض عل القتل فيها، مالفرق بين البلدين؟ ثم يذكره كيف مدح الرئيس بشار بعد أن التقاه في العام 2006.

الرسالة الثامنة إلى اتحاد علماء المسلمين: شكلوا وفدا وتعالوا لتصلحوا بين الناس بدل خطب الفتنة والتجييش الطائفي والمذهبي، كما يقول إنهم عرضوا عليه الإنشقاق وحاولوا إغرائه بالمال ولكنه رفض فهو يفضل أن يستشهد في بلده.

ثم يعطينا درساً في التوحيد بين المذاهب وكيفية التوفيق بين الإمامة والخلافة وكيف أن الحرب العراقية الإيرانية لم تكن طائفية. يختمه بأن الحل المثالي أن يكون هناك خليفة يحكم وإمام يدير الشؤون الدينية كما هو الجاري حالياً في إيران. يقول: “رئيس الجمهورية هو الحاكم أي الخليفة، والخامنئي هو الإمام وهو المصدر التشريعي الروحي يوجه السلطة التنفيذية ولا يتدخل في شؤونها!” (ممكن لأحد أن يشرح لي ما معنى يوجه السلطة التنفيذية ويشرع لها ولكنه لا يتدخل في شؤونها؟).

الرسالة التاسع للسلفية: يقول لقد كفروا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة واتهموه بأنه أشعري.

متفرقات:

لا كرامة للإنسان في كل الدول إلا في سوريا!

أبواب سوريا مفتوحة أمام الجميع ولكنهم هم من أغلقوها على أنفسهم!

في سوريا أمان كامل يدخل من يدخل ويخرج من يخرج بدون أي مسائلة!

لبنان كان مقسماً حين دخله السوريون، وصار موحداً عندما خرجوا منه!

الرئيس سبق الجميع بمبادرته وهي الأعظم والأوضح والأفضل!

لن يتنحى الأسد ودعوا الشعب يقرر! ولو علم أن في تنحيه سلامة سوريا لطلب هو بنفسه أن يتنحى!

قد يظن البعض أن أمثال هؤلاء لا يستحقون الرد، ولكنني أعتقد أنه من العمل الإعلامي والسياسي في هذه الأيام الرد على هؤلاء وعلى نفس المستوى من الانتشار والوسائل الإعلامية لأن معركتنا أيضاً معركة إعلامية سياسية وعلينا أن نكسبها في كل المجالات.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

هل يبيح الفقر إنهيار القيم الدينية؟

في 12 فبراير.. قامت جامعة برايتون بالتعاون مع جامعة أخرى والمكتب الثقافي المصري وشركة الطيران المصرية.. تحت تنظيم وإشراف الدكتور خالد علي (سوداني الأصل ) بعقد مؤتمر حول المرأة والعلم والبحث العلمي – ثم المرأة والفنون..

تركز الجزء الأول من المؤتمر على مداخلات من متخصصين بريطانيين عن المشاركة الفعّالة للمرأة في الأبحاث العلمية الخاصة بتحسين الأدوية.. وتخفيف عناء المرضى..ومشاركتها جنبا إلى جنب مع الرجل في معظم الميادين الصحية من أجل الصحة الطبية والنفسية لخلق مجتمع صحي خال من الأمراض.

أما الجزء الثاني والذي إهتم بتقديم صورة المرأة العربية وكفاحها من أجل مجتمع أفضل.. فقد تركز حول المرأة في الربيع العربي. وتقييم الدور الذي لعبته المرأة في هذه الثورات (الإنتفاضات ) ثم نتائج هذه الثورات على وضع المرأة وحقوقها.. وهل أدت أو ستؤدي هذه الثورات لتطور وتحسين وضعها المجتمعي والثقافي والحقوقي.. أم أنها كانت بلاء جديدا ستواجهه المرأة العربية..

تقدمت الدكتورة التونسية درة كاربتنتر لا تيري بمداخلة رائعة عن وضع المرأة التونسية بعد قيامها جنبا إلى جنب مع الرجل بهذه الثورة.. والإحباط الذي ’منيت به الآن.. وإصرارها على الكفاح من أجل نيل حقوقها مهما واجهتها من صعاب.. تلتها الدكتورة نادية الخولي.. مديرة القسم الثقافي في السفارة المصرية في لندن.. بمداخلة قيّمة لا تقل إصرارا على نيل الحقوق.. كلاهما إشتركتا بأنه من المستحيل للمرأة أن تعود للمنزل كما كانت في العصور الغابرة.. وأنه بدون إحقاق حقوقها لا يمكن أن تنجح هذه الثورات في تحقيق الديمقراطية المنشودة..

تلا ذلك مجموعة من المنولوجات المسرحية لمجموعة من الشبان والشابات المصريين تقدم صورة حقيقية لما تواجهه المرأة المصرية من صعوبات إبتداء من التحرش الجنسي.. وقبولها في المجتمع ومدى خلو المجتمع حولها من أمراض.. وهو ما ينطبق على المرأة العربية بصفة عامة..

مجموعة الممثلين هم من المتطوعين.. اما محتوى هذه المنولوجات.. فهي من قصص معاناة حقيقية تصلهم كرسائل يقومون بتمثيلها وعرضها أمام مسرح دار الأوبرا في القاهرة كما هي.. لحسن حظهم شاهد العرض الممثل النجم خالد أبو النجا.. والذي ساهم بنقل هذه المنولوجات إلى فيلم نظرا لمدى أهميتها كوثائق حية لخطورة ما يحدث في المجتمع المصري للفت نظر المسؤولين إلى خطورتها والعمل الفوري على الحد من هذه الآفات التي تتهدد المجتمع..

المنولوج الأول إبتدأ بمواجهة الفتاة التي تتعدى الخامسة والعشرون للضغط العائلي والمجتمعي للزواج من أي متقدم تفاديا للعنوسة.. والتي تعتبر وصمة عار على الفتاة.. تزيد من عزلها الإجتماعي خوفا منها على الأزواج..

الثاني.. تركز على نصيحة الأقارب للعروس في ليلة الزواج.. وكيفية التصرف أمام تجربتها الجنسية الأولى بالنفاق وعدم التجاوب.. فالست المثالية هي الجثة المثالية..

الثالث كان يبحث في شرعية الحجاب.. وهل هو معصية لمن لا تضعه..؟؟

الرابع كان عن التحرش الجنسي في زحمة الأوتوبيس.. كيف يتعامل معه الرجل.. وكيف يحمي نفسه فيما إذا لم تتجاوب.. ثم تحليله لنفسه على أنه تصبير وتنفيس لأنه لن يقدر على تكاليف الزواج بمرتبه الصغير..!!!

الخامس والأهم في نظري.. وهو الخطر الأكبر الذي قد يتهدد أي مجتمع.. نظرا لمخالفته التامه لكل الأديان.. ثم خطرة الصحي على الأطفال من مثل هذا الزواج.. وتكلفة هذا الخطر على أي حكومة أو دولة..

يحكي قصة إمرأة شغاله في بيت.. تنقل بفرح طاغ وبلهجة لا تنم عن أي مخالفة لأي من القيم المجتمعية.. تقول لأصحاب البيت عن زواج إبنها من إبنتها؟؟؟؟

وحين سألتها صاحبة البيت بمعرفتها بأن هذا الزواج يخالف الشرع ومحّرّم قطعا.. تجيب المرأة بلهجة تحدي.. بأن الكثير من سكان الحي عملوا ذلك.. وأن المأذون بعد الرشوة وتغيير إسم البنت يكتب الكتاب؟؟؟؟ ثم ماذا ستفعل هي في ظل ظروف فقر مدقع وتكاليف زواج لا تقدر عليها أليس تزويجهما أفضل من إرتكاب معصية الزنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سيدي القارىء.. أنا مثلك صعقت حين رأيت هذا المونولوج.. تماما كما ’صعقت المندوبة الصحفية من السفارة المصرية.. ولكن الممثلين و النجم خالد أبو النجا أكدا بأنه وصلتهم عدة رسائل تؤكد حدوث هذا الزواج.. ’صعقت أكثر من تفسير المرأة.. ولهجتها المتقبّله للأمر كاي حدث عادي..

أولا دعنا نتّفق ان زنا الأقارب موجود في مجتمعاتنا.. تماما كما هو موجود في كل المجتمعات… ليس معنى هذا ان نتقبله على الإطلاق…. الفرق ان الفتاة في مجتمعاتنا هي التي تدفع الثمن الأغلى.. وعليه فبثقافة محدوده أو حتى معدومه قررت المرأة حماية إبنتها من القتل.. وهو أيضا تفسير غير منطقي ولا عقلاني. ولكن مع الجهل والفقر ينعدم المنطق وتنحدر الأخلاق؟؟؟؟

أن الفقر والبطالة هما آفة أي مجتمع وطريقة للإنحدار نحو الهاوية بأسرع ما يمكن.. وبالتالي أليس من الأولويات العمل على خلق فرص عمل..

أليس من الأولى توجيه من نصّبوا أنفسهم فقهاء دين.. توجية جهودهم للتوعية المجتمعية باخطار وتحريم مثل هذه الزيجات…

أليس من الأهمية محاكمة مثل هذا المأذون.. ثم العمل على توعية الآخرين دينيا وأخلاقيا بتحريم مثل هذا الزواج.والأهم تشريع الزواج المدني قبل الزواج الديني لحصر الإنتهاكات وتقديم المخالفين للمحاكمة!!!

ثم أليس من واجب الحكومة مهما كانت العمل على تنمية إقتصادها لخلق وظائف عمل بدلا من الدخول في متاهات تحريم السياحة.. ومنع الإقتراض لأنه يحمل فوائد هذا الإقتراض..

أليس من الأهم أن نتصالح مع العصر ونعترف بأننا بشر وأن حماية مجتمعاتنا ليست بالوعظ فقط. بل بالتنمية المستدامة لكي نتفادى الأمراض المجتمعية التي تواجهنا من جراء العزل والكبت والتلفيف للمرأة.. وللمجتمع..

نعم هي حالات شاذه ولكن إستفحالها وقبولها من أكبر الأخطار.. ويجب تلافيها بأسرع ما يمكن..

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

جمال البنا: رحلة الفكر في أرض قاحلة (2/2)

بدور زكي محمد: ايلاف

لا شك في أن حياة العلماء المستنيرين من أمثال جمال البنا، من الذين بدأوا مسيرة الإحياء الإسلامي تعتبر رحلة شاقّة وحفراً في الصخور، بخاصة في العقود الأخيرة من القرن الماضي وما تلاها، لما شهدناه من موجات سلفية أطاحت بإمكانات تطور المجتمعات العربية، مستفيدة من نظم الإستبداد وآلياتها القابضة على حرية التعبير. إلا أن ما خفف من أعباء الرحّالة المناضلين وهم يمسحون عن جباه الإسلام غبار الكتب العتيقة، ما عاشوه في نشأتهم الأولى من أجواء الحريات وبدايات النهضة الفكرية في ظل الأنظمة الملكية، وهذا ما أمدّهم بقوة الإصرار على منهجهم.

في حديث جمال البنّا عن سيرة حياته وهمومه الفكرية، يفضل السرد بضمير الغائب، لما كان يتناوله من قضايا موضوعية في الأصل، ولأن ضمير المتكلم – برأيه- لابد أن يلقي على الحديث ضلالاً ذاتية، ففي مقال طويل له على موقع الحوار المتمدّن (19-02-11)، ينبّه إلى أن من يريد معرفته على أفضل ما يكون فعليه أن { .. يشاهده عبر سطور كتاباته مثل “ظهور وسقوط جمهورية فايمار” ، و”روح الإسلام” و”هل يمكن تطبيق الشريعة” و”تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي” ، أو “الحركة العمالية الدولية” أو المعارضة العمالية العمالية في عهد لينين” ..}. وقد كان بحاجة لهذا التنبيه لأنه لا حظ ميل الناس للتفرج والسماع أكثر من القراءة، ولما تعجّ به الفضائيات من دعاة متفوهين، يعنون بتدبيج الكلمات، ورواية الأحاديث على علاّتها، ولا يهمهم إن كانت صحيحة أو موضوعة، كان يقول إن أزمته هي ” أنه كاتب في شعب لا يقرأ” لكنه أحسن الظن في مستقبل وعي الناس، وأمِل في أن يأتي جيل يقرأ ما قدمه من موائد الفكر العامرة بكل جديد ومفيد، وما بذله من جهد خارق في تنقية التراث وتحريره من إساءات المفسّرين أو جهلهم.

لقد كانت نشأة جمال البنّا العائلية المبكّرة، خير معين له على مشقّة البحث ودروبه الطويلة، فهو في علّو همته ودأبه يشابه والده الشيخ أحمد عبد الرحمن، الذي قضى خمسة وثلاثين عاماً في تصنيف وشرح مسند الإمام أحمد بن حنبل، المتضمن قرابة ثلاثين ألف حديث، لا رابط بينها إلا أسماء الرواة، قام بتصنيفها “على أساس كتب ثم أبواب ثم فصول تبعًا لأبواب الفقه ، ثم لم يقنع بهذا ، بل وضع شرحًا له يعادل المتن بأسلوب سائغ تناول فيه السند وغريب الألفـاظ ، والتخريج ، وهو أهم شيء في الحديث لأنه يعني درجة الحديث ، وهل هو صحيح، فيعـد مرجعًا يؤخذ منه الحكم ، أو ضعيف، ويذكر أحكام الباب في المذاهب الأربعة وغيرها ..” وفي هذا لمسعى العسير كانت غاية الشيخ هي التجديد، وعبور المذهب الواحد في إطار مذاهب السنّة (المصدر السابق). ولعل من المفارقة إن جمال البنّا الذي كان فخوراً بصبر أبيه وانكفائه على دراسة مسند الإمام أحمد، خاض أكثر معاركه الفكرية ضد خصومه الذين يتمسكون بالأحاديث، ذلك لأنه اشترط توافق الحديث مع العقل، وعدم تعارضه مع القرآن، خلافاً لنهجهم في تقديس الرواة والعزوف عن نقد موضوع الرواية.

أما عن العلاقة بشقيقه الأكبر حسن البنّا، فيقول الكاتب والمؤلف الراحل : ” كانت متميزة وحميمة فيها شجو وشجا و”جدلية” نشأت من اختلاف الطبائع، اختلافـًا كان اجتماعه يمثل تكاملاً.. ” وبحكم الترابط العائلي بينهما وملاحظة مؤسس الإخوان لتميز شقيقه الأصغر، فقد حاول استمالته للعمل معه في مشروعه السياسي، ودعاه لترك حزب العمل الوطني الإجتماعي، الذي أسسه في العام 1946 من مجموعة صغيرة من العمال والطلبة وصغار الموظفين، قائلاً: ” أنت تكدح في أرض صخرية صلدة ، ونحن لدينا حدائق تثمر أشجارها فواكه تتساقط، وتحتاج لمن يلتقطها” وكانت جماعة الإخوان حينذاك في أوج شهرتها ، لكن جمال رد على أخيه بأن فواكه الإخوان ليست هي الثمار التي يريدها ( المصدر السابق).

وعلى مر الزمان حافظ جمال البنّا على نهجه المستقل في فهم الإسلام في جوانبه العملية، ورفض التسليم بفقه الأقدمين بعيداً عن متطلبات تغير الزمان والمكان، كما لم يضعف أمام عمق صلاته بشقيقه وتقديره لسماته القيادية، فلم يكن يوماً عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، مع أنه عمل في مطبعتهم وشاركهم بعض الأنشطة الثقافية، في الخمسينيات. وقد أكّد على أنه لا يتفق معهم في شؤون كثيرة ” أختلف مع جماعة الإخوان المسلمين ومنهجهم، ولي تحفظات على فكرهم بالنسبة للمرأة وحرية الفكر والفنون والآداب” (جريدة المصري اليوم/ أحمد البحيري/ 31-01-2013). ولا أشك بأن رحيل البنّا جلب راحة كبيرة لقيادة الإخوان المسلمين، فهم لم يكونوا أحراراً في التعامل معه بشدّة كما يفعلوا مع خصومهم في مجال الفكر الإسلامي، ولعل من حضر منهم الصلاة عليه في مسجد الإمام علي، كان يشكو من مهمة ثقيلة، أو يحمد الله على غيابه وهو يترحم عليه.

تمتع الراحل بشعبية كبيرة بين المثقفين على اختلاف توجهاتهم، لما اشتملت عليه شخصيته الحرّة من ثقافة موسوعية، إسلامية ممزوجة بثقافات عالمية، فكانت له لقاءات كثيرة، ركّز فيها على الجذر الأساسي في أفكاره وهو الحكمة، فمن المبادئ التي تضمنتها دعوته للإحياء الإسلامي، قوله:” الحكمة” أصل من أصول الإسلام ، وقد قرنها القرآن بالكتاب في آية : {وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وهي كل ما انتهت إليه البشرية من أحكام ومبادئ وأصول ثبتت صلاحيتها على مر الأجيال ، وليست هي بالطبع السـنـّة ، كما ذهب إلى ذلك الشافعي”.

وفي كتاب البنّا (أصول الشريعة) ينتقد الفقهاء لإهمالهم الحكمة، ويقول: ” أغلب الظن أنهم عزفوا عن الاعتراف بأصل ومصدر مفتوح، غير محدد أو منضبط، يسمح بالانفتاح والتعددية، وهي صفات يضيق بها الفقهاء عادة، لأنها تفتح عليهم بابا لا يمكنهم التحكم فيه ” ( مقال عمار علي حسن في الشرق الاوسط/ 07/02/2013).

ويرى جمال البنّا إن أساس الأمر الإلهي للملائكة بأن يسجدوا لآدم “هو تملكه لمفاتيح المعرفة التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات” والتي تنقذه من الخرافة، فيفترض أن تكون المعرفة هدفا رئيساً للمسلمين وما يتبع هذا من استخدام العقل ، وما يثمره من علم وحكمة”. ولذلك فهو يطالب الدول الإسلامية أن تنفتح على الثقافات المعاصرة وتيسر للجماهير إمكانات الإستفادة منها (المصدر السابق).

ان الراحل الكريم لا يسوق انتقاداته للفقهاء الاقدمين جزافا، ولا يبخسهم حقهم من التقدير، وانما يراعي اختلاف الزمن وآليات تحصيل المعرفة، ويشرح ذلك في حديث له مع الكاتب اشرف عبد القادر، نشر في موقع الحوار المتمدن، بقوله : “الفقهاء القدامى كانوا أناساً في منتهى الطيبة والإخلاص، وأرادوا خدمه الإسلام بعلومهم، ولكن ما كانوا ملائكة ولا معصومين بل معرضين للصواب والخطأ “. وينبه الى ان وسائل البحث لديهم كانت محدودة ، والتنقل للتاكد من صحة حديث ما، كان عسيراً، والأهم أنهم لم يتمكنوا من التحرر من مفاهيم عصرهم المغلق ” عصر مستبد ،عصر فاسد من أيام معاوية إلى عبد الحميد الثاني، منذ سنة 40 هجرية إلى 1924 أكثر من ألف عام، وما يسمونه خلافة كان ملكاً عضوضاً وليس له من الخلافة شيء . هذا هو العصر الذين عملوا فيه، حاول بعضهم أن يثور على حكم هؤلاء الطغاة، فسحقوا حتى الأئمة الأربعة كل منهم تعرض لاضطهاد رهيب . الشافعي كان قاب قوسين من الموت ، مالك خلعت أكتافه ، ابن حنبل مثله ، أبو حنيفة يقال أنه َسم لأنه رفض تولى القضاء” . ويرى جمال البنّا، أنه لما تقدم من أسباب فإن فكر القدامى لا يصلح لعصرنا، وهو يجيب من يقول أن في أقوالهم ” لآلئ ودرر” بطريقته العملية والعقلانية: ” .. علي من يريد الحصول على عرق الذهب الصغير أن يهد الجبل، ونحن لا عندنا وقت ولا جهد لذلك، لماذا لا نعمل عقولنا نحن؟ ..”

وفي سياق متصل، ينتقد الراحل الجليل رواية وردت في صحيحي مسلم والبخاري، تفسر سبب نزول آية {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ … الحجرات – 9 }، ومفادها إن الرسول (ص) كان يركب حماراً، ومر بعبد الله ابن أبيّ، فمسك هذا أنفه متضايقاً من رائحة الحمار، فقال له أحد الصحابة، والله لبول حماره أطيب من ريح مسكك، فغضب رجال أبيّ، وتبادلوا الضرب مع أصحاب النبي، فنزلت الآية. يعجب البنّا أن يكون تفسير آيات الله الكريمة بمثل هذا التبسيط المجافي للعقل. ويسوق مثالاً آخر عن سورة الضحى، فيأسف أن يأتي مفسرون ليقولوا بأن سبب نزول كلماتها الجميلة، يتعلق بكلب كان مختبأً تحت السرير، ما منع الملاك جبريل من أن يبلّغ الوحي للرسول (ص) !!، ويضيف بأن الفقهاء في الوقت الذي يؤكدون على قاعدة ” العبرة بعموم النص وليس بخصوصية السبب”، يتحدثون عن أسباب النزول فيناقضون أنفسهم و ” يحولون النص من مبدأ عام إلى سبب خاص” ( برنامج دين ودنيا، لقاء مع عمار علي حسن).

واستناداً إلى نظرة البنّا للماضي، واعتباره أن الدين وسيلة وليس غاية، وأن الشريعة كانت تحقق العدالة والمصلحة في زمن ما، يخلص البنّا إلى: “أن التطورإذا جاوز النص أو جعله لا يحقق المصلحة والعدل فيجب تغييره بما يحقق المقصد الذي أنزل من أجله”، ويسوق لذلك مثلاً من اجتهادات الخليفة عمر بن الخطاب.

من المؤلفات المهمة التي تركها الراحل، كتاب (نحو فقه جديد) الذي صدر جزأه الثالث في العام 1999، ويتضمن دعوة واضحة وبسيطة لفهم الإسلام، وفي الوقت نفسه تشكل استفزازاً لرجال الدين لأنها تجردهم من الولاية المعنوية على الناس، فهو يقول: “عندما نقول القرآن هو القرآن دون مفسرين من ابن عباس حتى سيد قطب، لا تأخذ أي كلمة من هؤلاء الناس، لا تشرك في كلام الله كلام أحد، ما عرفت فالحمد لله ، وما لم تعرفه فلست مكلفاً بأن تعرف كل شيء…” ويضيف بأنه لايمكن أن نحتفظ بالأحاديث كما قالها الرسول (ص)، لمئات السنين، “هذا أمر لا يقره العلم اليوم، المهم هو المتن الخاص بالحديث هل يتفق مع القرآن ؟ إذن يقبل ، لا يتفق مع القرآن إذن يرفض..” . وفي هذا المجال، يفنّد البنّا حديث الردة، فيشير إلى الآيات القرآنية المتعلقة بحرية الاعتقاد ” لا إكراه في الدين”، “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”،”فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ويقول بعد كل هذا البيان القرآني الواضح ” يجيئون لي بحديث “من بدل دينه فاقتلوه” هذا الحديث مرفوض بلا تفكير وبلا تردد، حديث موضوع، أو نقل في ظروف معينة، أو نقل خطأ أو تلاعبت به الذاكرة الخؤون، لا نأخذ به، فمن غير المعقول أن نأخذ بحديث،ونضرب بخمسين آية عرض الحائط. حد الردة لا وجود له في القرآن إذن لا وجود له في الإسلام. وهذا الحديث المتناقض للقرآن مرفوض نقلاً وعقلاً” (حديث مع أشرف عبد القادر/ الحوار المتمدن/ 14-12-2003).

ولأن حرية الإعتقاد والتعبير لا تتفق مع السلطة الدينية، أو أنها تهدد مصالحها، فقد أصدر مجلس البحوث التابع للأزهر قراراً بمنع نشر كتاب البنّا (مسؤولية فشل الدولة الإسلامية)، استناداً إلى رأي الدكتور أحمد حسن غنيم (أٍستاذ في جامعة الأزهر) وقد رد عليه الراحل برسالة كتب فيها :

” .. لا يملك لا هو ولا أي مخلوق آخر وصاية على الفكر لأن القرآن الكريم قرر حرية الفكر والاعتقاد صراحة عندما جرد الرسول وهو حامل الرسالة من أي سلطة على الناس فليس هو جبارا ولا حفيظاً ولا حسيبا ولا حتى وكيلا على الناس، وإنما عليه أن يبلغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” و “من اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فعليها” ( أِشرف عبد القادر24-09-2004).

ما تقدم هو قليل من كثير تركه لنا جمال البنّا في سفره الطويل من أجل الحقيقة، ولأنه أحب الإسلام، أراد أن ينزهه من شوائب العصور الماضية، احترم الإنسانية فكان إلى جانب حق النساء في المساواة بالرجال. كان مثالاً في ثقته بصواب رأيه، طالما أنه يدافع عن قضية عادلة، وكما قال الإمام علي ” لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه”، فإنه لم يأبه بمن ناصبوه العداء أو أساءوا إليه، ولابد أنه راهن على انتشار دعوته للإحياء الإسلامي حين تخفت أصوات دعاة الفضائيات وتنضب أموال الدعم، وتنحسر موجات إرهاب المفكرين الأحرار.

في الختام أعتذر للقارئات والقرّاء، فقد أشرت في الجزء الأول من مقالي هذا إلى أني سأتناول في الجزء الثاني، بالتفصيل آراء البنّا في مسائل الحجاب، والإشهاد في الزواج، والطلاق، والحاكمية، وإمامة المرأة، والإسلام دين وأمة، لكني آثرت أن أرجأ هذه التفاصيل المهمة إلى مقالات أخرى، وفضلت أن أوضح المبادئ التي أسس عليها البنّا جميع طروحاته الفكرية.

bdourmohamed@hotmail.com

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

أكبر مثقف في تاريخ البابوية!

هاشم صالح: الشرق الاوسط

يعتبر جوزيف راتزنجير الملقب بالبابا بنديكتوس السادس عشر واحدا من كبار علماء اللاهوت في تاريخ المسيحية الأوروبية. ولا يتفوق عليه في هذا العصر إلا غريمه الكبير هانز كونغ، زميله في جامعة توبنجين لسنوات كثيرة، وكلاهما ألماني. ومعلوم أن الألمان إذا ما شرعوا في شيء ما أيا كان، أتقنوه؛ بدءا من سيارات الـ«مرسيدس» وانتهاء بالفلسفة والعلوم الدينية، بل وحتى الاستشراق.

هل يوجد مستشرق متبحر في تاريخ الإسلام أكثر من جوزيف فان ايس؟ كتابه عن العلاقة بين اللاهوت الإسلامي والمجتمع في بدايات الإسلام الأولى والصادر في 6 أجزاء يعتبر رائعة الدراسات الاستشراقية في هذا العصر. وكان أركون يعتبره بمثابة جبال الهمالايا: أي قمة القمم التي لا تضاهى! لا أحد يستطيع أن يستهين بالألمان علما وفلسفة، بل وحتى عزفا موسيقيا أدهش العالم كله وتفوق عليه. شعب جبار. ومعلوم أن البابا المستقيل من عشاق موزارت، ويستمع إليه ساعات طوالا كلما سنحت له الفرصة.

لو سألوني ما الذي سيبقى من هذا البابا الغريب الأطوار، الذي سيختفي عن الأنظار بمحض إرادته بعد 28 فبراير (شباط)، لقلت: شيئان؛ الأول إيجابي والثاني سلبي. أما الإيجابي فهو الجمع بين علم الدين من جهة، والفلسفة من جهة أخرى. إنه متبحر في كلتا الجهتين. عموما نلاحظ أن رجال الدين يكتفون بدراسة العلوم اللاهوتية أو الفقهية الموروثة ويتقنونها ويعتبرون ذلك خاتمة العلم، بل ويعتبرونها تغني عن كل علوم الأرض، لأن علم الدين إلهي في حين أن الفلسفة بشرية، وشتان ما بين العلم الإلهي والعلم البشري. ما حاجتنا إلى العلم البشري إذا كنا قد أتقنا الإلهي؟!

ومعلوم أن علم اللاهوت كان طيلة القرون الوسطى «أم العلوم» كلها وكانت الفلسفة مجرد خادمة طيعة له، هدفها البرهنة على صحة العقائد الدينية بطريقة عقلانية منطقية. وبعدئذ تنتهي مهمتها ولا تعود لها أي فائدة تذكر. ميزة هذا البابا هي أنه على عكس معظم البابوات السابقين لم يكن متبحرا فقط في العلوم الدينية، وإنما أيضا في العلوم الدنيوية والفلسفية منها على وجه الخصوص. لم يكن يكتفي بالعلوم الدينية على الرغم من أنه رجل دين بالدرجة الأولى، وإنما كان فضوله المعرفي كبيرا إلى درجة أنه كان مولعا بالاطلاع على تاريخ الفلسفة منذ اليونان وحتى يومنا هذا. وحتى محاضرته التي أرعبتنا عام 2006 أرى أنها لم تكن مخصصة لمهاجمتنا، وإنما لموضوع آخر مختلف تماما. لقد كان موضوعها هو التالي: «الإيمان والعقل والجامعة: ذكريات وتأملات». ولكنه ذكرنا بشكل عرضي، أو قل: عثر بنا بالغلط وارتكب تلك الخطيئة التي ارتكبها بشكل غير مقصود تقريبا؛ أليس لكل جواد كبوة؟ ومع ذلك فقد أقمنا الدنيا وأقعدناها ظانين أن محاضرته كلها كانت مكرسة لنا أو موجهة ضدنا.

في الواقع، إنها كانت مكرسة لشيء آخر مختلف تماما. كان موضوعها الأساسي دراسة العلاقة بين العلم والإيمان أو الدين والفلسفة على مدار العصور. ينبغي العلم أن هذا البابا يتقن بالضبط فلسفة أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانط وهيغل ونيتشه – نعم نيتشه! – أكبر عدو للمسيحية، الذي حاول استئصالها من جذورها.

ميزة هذا البابا الكبير هي أنه اعتبر أن التدين من دون عقل أو عمق فلسفي كارثة أو قد يؤدي إلى الكارثة. انظروا إلى أعمال العنف والتفجيرات العشوائية التي يرتكبها غلاة التطرف باسم الدين والله. ميزته هي أنه تلفظ بهذه العبارة الرائعة: الله محبة، ولا شيء آخر. وهذه هي أكبر صفعة يوجهها لدعاة التطرف والأصوليين الظلاميين. ميزته هي أنه عرف كيف يشخص المرض الخطير الذي قد يصيب التدين إذا لم يستضئ بنور العقل والفلسفة. كما عرف كيف يشخص المرض الذي قد يصيب العقل الوضعي البارد إذا لم يستضئ بنور الدين والروحانيات الأخلاقية التي تتعالى على المشروطية البشرية. لقد أدان كلا المرضين؛ أي المرض الذي يصيب التدين، أو بالأحرى التدين الظلامي الأعمى، والمرض الذي أصاب عقل الحداثة في الغرب فأصبح لا شغل شاغل لهم إلا زواج الشواذ واحتقار الطفل البشري عن طريق فبركته في المختبرات أو استئجار بطون الأمهات!

ميزة هذا البابا هي أنه وضع اليد على الجرح فشخص مرض الغرب ومرض العالم الإسلامي في آن معا. الأول يعاني من تخمة المعرفة التكنولوجية المفرغة من أي مبادئ أخلاقية أو نزعة إنسانية، كما يعاني من النسبوية العدمية: هل أنت مثليّ أو لامثليّ، أي شاذ جنسيا أو طبيعي.. زي بعضه، سيان. ما حدا أحسن من حدا.. الغرب يعاني من الإلحاد المادي الإباحي المطلق.

وأما الثاني، أي العالم الإسلامي، فيعاني من مرض معاكس تماما: أي تخمة التدين الشكلاني الاستعراضي المتعصب المحروم كليا من ضوء العقل ونور الفلسفة. ولذلك كرر أكثر من مرة عبارته الشهيرة: العنف والإيمان بالله شيئان لا يجتمعان.

لكن ما هي سلبياته يا ترى؟ إنها تكمن في انغلاقه اللاهوتي داخل جدران ليس فقط الدين المسيحي، وإنما المذهب الكاثوليكي نفسه. فقد عيب عليه أنه رفض الصلاة المشتركة التي أداها بعض البروتستانتيين والكاثوليكيين الألمان معا، وطالب بعدم تكرارها؛ لماذا؟ لأنه لم يستطع تجاوز حزازاته المذهبية، فهو كألماني تشبع منذ طفولته الأولى بالأفكار الطائفية الكارهة لمارتن لوثر كينغ والبروتستانتيين.

معلوم أن المذهب البروتستانتي يشكل الأغلبية في ألمانيا بلد لوثر والإصلاح الديني الكبير. ومعلوم أيضا أن مارتن لوثر، شاء أم أبى، هو أعظم شخصية في تاريخ ألمانيا. وهذا ما لم يستطع أن يبلعه بابا روما على الرغم من ثقافته الضخمة وعلمه الغزير. لقد ظل في قرارة نفسه متعصبا كاثوليكيا يعتبر البروتستانتيين مجرد هراطقة! بمعنى آخر فقد ظل سجين عقيدة الفرقة الناجية.

فما بالك بالمسلمين إذن؟ هنا أيضا ارتكب خطيئة لا تغتفر. فقد أوهم بأن العنف اللاهوتي مرتبط بالإسلام فقط. ونسي – أو تناسى – أن مذهبه الكاثوليكي كان أكبر ممارس للعنف التكفيري ومحاكم التفتيش طيلة العصور الوسطى؛ هل نسي مجزرة سانت بارتيليمي؟

من هذه الناحية لا وجه للمقارنة بينه وبين عبقري اللاهوت الحديث المنفتح المتجدد البروفسور هانز كونغ.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 2 Comments

اللوبي الموالي لبشار الأسد في روسيا

المحلل السياسي الروسي أنور أغايف : ترجمة د. محمود الحمزة

أصبحت روسيا اليوم إحدى الدول القليلة التي تكون فيها لوبي موالي للأسد وهو لوبي نشيط جداً ومؤثر. ويحبون في روسيا التأكيد قولاً وكتابة على وجود تأثير غير عادي للأطراف التي تدعم المعارضة السورية بدءاً من السلفيين والأخوان المسلمين ودول الخليج وانتهاءً بواشنطن وباريس. ولكن الحقيقة هي أن فضاءنا الاعلامي والسياسي، وعلى مستوى الخبراء، نلحظ موالاة غير مسبوقة للنظام السوري. ويمثل اللوبي الأسدي في روسيا شخصيات مختلفة ذوو خلفيات وأجندات مختلفة يجمعهم السعي للدفاع عن الرئيس السوري وحاشيته.

وعلينا الإشارة هنا إلى أن دمشق لا تبخل في دعم عملها في روسيا. وقد نجحت في تجميع جماعات ذات ألوان مختلفة. ومن ضمنها شخصيات مؤثرة جداً إلى جانب أشخاص هامشيين ووصوليين. ويتبلور انطباع بأنه يتم توحيد كل من يستطيع أن يصب الماء في طاحونة النظام السوري المتهاوي.

ويمكننا تقسيم اللوبي الأسدي في روسيا إلى المجموعات التالية:

المتقاعدين ذوي الميول الوطنية من مؤسسة الأمن الروسية (الكي جي بي والاستخبارات الخارجية) ومن وزارة الخارجية الروسية الذين عملوا في سوريا لمدد طويلة وكانت لهم علاقات متينة مع ممثلي السلطة في دمشق والذين بذلوا جهوداً كبيرة من أجل توطيد البنية التحتية السياسية والعسكرية. ويعتبر الدفاع عن الأسد اليوم بالنسبة لهم ليس مهماً بحد ذاته. فذلك هو جزء من حربهم الشخصية الكبيرة مع الغرب وأمريكا وغورباتشوف ويلتسين وكل من هدم الاتحاد السوفييتي الذي اعتبروه وطنهم المثالي ودولتهم التي بنوها طيلة حياتهم.

وهؤلاء الناس يظنون من كل قلبهم بأن سورية الأسدية هي قلعة المجابهة مع الغرب واسرائيل وبأن المعارضة ما هي إلا شلة مأجورين للأجانب وهم عصابات وإرهابيين. وبذلك فهم يتعاملون ليس مع سورية الحقيقية وإنما مع صورتها التي شكلوها في مخيلتهم والتي أحبوها واحترموها.

ونقول بأن “معاداة الأسد لأمريكا” تتحدث عنها سنوات طويلة من التعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية (السي إي إي) في اختطاف الناس في كل العالم. ويتحدث الشارع العربي الآن عن أن الغرب لا يتسرع في التدخل في سوريا وإنما يقتصر على النشاط الدبلوماسي. وذلك يتناقض بشكل صارخ مع ما يحدث في مالي حيث تم التدخل الغربي خلال أسابيع. ويتحدث الشارع العربي عن العلاقات السرية الطويلة بين دمشق وتل أبيب وعن بيع مرتفعات الجولان لإسرائيل مقابل 100 مليون دولار على أعتاب حرب حزيران 1967 ، وعن الحدود الهشة مع إسرائيل وعن التعاون الثابت مع أجهزة استخباراتها وكأنها تتعامل مع دولة جارة وذلك لمحاربة الثوار والمقاومين.

ومن المفارقات أن هجوم الطيران الاسرائيلي الأخير على مواقع سورية فُسِّر أيضاً لصالح الأسد. لأن النظام حاول استثمار هذا الاعتداء ليبرأ نفسه في أعين السوريين من قصة تعاونه مع تل أبيب. ولم يؤثرهذا الحادث على ازدياد التذمر من النظام.

وفي حقيقة الأمر فإن المسألة أعقد مما يتصور الوطنيون الروس. ولكن اقناعهم أمر في غاية الصعوبة. وكأن القضية أصبحت شخصية وعاطفية وليست سياسية. فكم يصعب على هؤلاء أن يروا سوريا وهي تخرج من فلك روسيا ، بعد أن قدموا لها كل ما يستطيعون.

العلماء. ومعظمهم من المستشرقين والمستعربين والمختصين في الشؤون الإسلامية وخبراء سياسيين من مختلف المشارب يقومون بخدمة الأسد بالطرق المتاحة. ولن نذكر هنا الأسماء التي يمكن لمن يشاء أن يجدها في صفحات الانترنت المتعلقة بسورية وفي وسائل الإعلام الروسية. فمنهم من يقوم بهذه المهمة بنية صادقة وبقناعة بأن النظام الحالي على حق والمعارضة على خطأ، ومنهم من ينفذ أجندة مرسومة وآخرين يريدون إيصال رسالة لدمشق بأنهم يرغبون في التعاون معه. ومن خلال متابعة طبيعة مداخلات هؤلاء جميعاً يمكننا ببساطة أن نعرف الدوافع وراء كل متحدث.

ممثلو الكنيسة. الكنيسة الارثوذكسية الروسية لا تتدخل مباشرة في الوضع السوري ولكنها تعبر عن قلقها على مصير المسيحيين والأماكن المسيحية المقدسة. إلا أن بعض العاملين في الكنيسة من العلمانيين مثل رومان سيلانتيف المعروف بنشاطه الموجه الذي ينشر التخوف من الإسلام ، ايضاً انخرط في اللوبي الأسدي.

إن سيلانتيف، الذي عمل طيلة حياته من أجل منع تلقي المسلمين الروس تعليمهم الديني خارج روسيا وحارب دعوة مدرسي العلوم الفقهية من الأجانب إلى روسيا بحجة أن ذلك هو السبب في كل مصائب روسيا المتعلقة بالإسلام، قد أجرى منذ فترة قريبة استثناءً لسورية الأسدية. فقد أفصح مراراً عن تأييده للنظام السوري الحالي وشن هجوماً قوياً على المعارضة متهماً إياها بالإرهاب والتطرف وغيره.

لوبي التخويف من الإسلام. تقوم شخصيات عرفت بنشاطها ضد خطط معاداة الإسلام (ومنهم العاملون في المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية مثل رئيس سليمانوف ويانا أميلينا وغيرهما) بعمل منظم في الدفاع عن الأسد.

مسؤولون مكروهون في منظمات إسلامية. مثل رئيس المفتيين في مدينة بيرم المكروه محمدغالي حسين وصديقه المقرب فريد سليمان الذي يسمي نفسه رئيساً لمجلس العلماء في المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية (علماً أنهما مطرودان من هذا المعهد) حيث قاما بزيارة سورية بدعوة من السلطات السورية ويستقبلون باستمرار ويرافقون الوفود الرسمية السورية بما فيها مرافقة البطريرك كيريل كممثلين عن مسلمي روسيا.

هذان الشخصان اللذان فقدا احترام وثقة المسلمين في روسيا نتيجة سلوكهما وعلاقاتهما مع الجهات المعادية للإسلام وبسبب الاتهامات التي يوجهونها بدون وجه حق للجميع وتأييدهما للأسد في وسائل الإعلام. وأكد محمد غالي حسين للمسؤولين السوريين أثناء تواجده في سوريا بأن “جميع شرائح الشعب في روسيا وطوائفه الدينية” تدعم السلطة السورية في “محاربتها للمتطرفين الإسلاميين والضغط الأمريكي واعتداء الجماعات المسلحة”.

أما فريد سليمان فقد وصل به الخبث إلى أن يربط بين اجتماع مواطنين في مدينة محج قلعة (عاصمة جمهورية داغستان الروسية) وبين المعارضة السورية، علماً أن الاجتماع كان مكرساً للاحتجاج على استخدام أجهزة الشرطة والأمن الروسية أساليب غير قانونية في تعاملهم مع السكان هناك. ويزعم سلمان بأن تعاطف الداغستانيين مع أخوتهم في الدين في الشرق الأوسط “ما هو إلا عمل مصطنع”. ويرى سلمان بأن الاجتماع “ليس له علاقة بمسلمي داغستان الروسية وإنما شارك فيه أناس مخدوعون”.

الجماعات اليسارية والقومية والوطنية. يعتقد هؤلاء بأن دعم الأسد هو نوع من مقاومة الامبريالية والغرب وأمريكا وغيرهم. وبناء على مبادرة منهم تأسست “لجنة التضامن مع شعبي ليبيا وسوريا” (في الحقيقة هي لجنة تضامن مع القذافي والأسد). وترأس هذه اللجنة رئيس حزب الشعب الروسي الرئيس السابق للجامعة الحكومية الروسية للتجارة سيرغي بابورين (خطاباته تذكرنا بخطابات البعثيين). ومن أعضاء تلك اللجنة الكاتب نيكولاي سولوغوبوفسكي والناشطة اليسارية داريا ميتينا (وهي من ألد أعداء المعارضة السورية) ونواب مجلس الدوما الروسي أوليغ شيين والكسي كورنيينكو والرئيس المناوب لاتحاد كتاب روسيا سيرغي كوتكالو وغيرهم من الشخصيات الاجتماعية. وتقيم السطات السورية عالياً موقف هؤلاء وتقوم بدعوتهم إلى سوريا وتحتفي بهم كتعبير عن شكرها. وبعض هؤلاء يعمل علنا مع النظام السوري. ومنهم السيد مرات موسين وهو شخصية علمية واجتماعية مقربة من بابورين وصديق لسيلانتييف. وتملأ صفحات الانترنت أشرطة الفيديو التي يصورها موسين أثناء مرافقته لقوات الجيش الأسدي. ويروج موسين لأفكار تقول بأن ما يحدث في سوريا يشكل “تحدياً كبيراً لحضارتنا المسيحية”.

وبالمناسبة فإن المواطن الروسي سيرغي بيريجنوي الذي جرح مؤخراً في المعارك في سوريا كان قد حضر برفقة موسين لقضاء عطلته السنوية في سوريا وللعمل كصحفي مستقل. وقد حازت قصصه عن الحرب على جائزةن وهو الآن يعمل قاضياً و نائب رئيس محكمة التحكيم في مدينة بيلوغورودسكي.

وتنشط كذلك بعض وكالات الأنباء وتصوير الفيديو ضعيفة الاحتراف (للغرابة فإن بعضها مسجل في جمهورية أبخازيا) وهم جميعاً ينقلون صورة الوضع في سوريا من وجهة نظر النظام. ويقف وراء هؤلاء ممثلو ما يسمى بالجماعات الوطنية.

اللوبي الشيعي الموالي لإيران. وانخرط في حملة دعم الأسد كل الموالين لإيران في روسيا والتي تعتبر أكبر حليف للنظام السوري. ومنهم حيدر جمال رئيس اللجنة الإسلامية الروسية الذي صرح يوماً بأن اسقاط الفئة الحاكمة في سوريا وتلاحم العالم السني سينذر بالحرب على روسيا.

مجموعات رجال الأعمال وغيرهم من المتنفعين من الصلات الخاصة مع سوريا.

وغالباً ما تتقاطع هذه المجموعات فيما بينها. وقد نشاهد ضمنها نفس الشخصيات. وهم يشاركون كل يوم في وسائل الإعلام وفي الطاولات المستديرة ويكتبون مقالات تحليلية ويدعمون النظام من خلال قنواتهم الشخصية.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي رينات محمدوف “إن أهداف ممثلي المجموعات المختلفة المؤيدة للأسد يمكن أن تكون مختلفة ولكنها “ويا للعجب” تصب كلها في مصلحة اسرائيل”. ويضيف محمدوف بأن دعم الأسد سيكلف روسيا غالياً لأنها أصبحت في نظر العالم الإسلامي قوة مجابهة له. ويشير محمدوف إلى أن “الأمر ليس كذلك. لكن الشارع العربي بدأ يستقبل روسيا على هذه الصورة السلبية تماماً”. ويؤكد محمدوف ” إذا اتخذت مؤسسات السياسة الخارجية الروسية استراتيجية رجعية مفادها أن “روسيا هي شرطي الشرق الأوسط” ، أي إذا ركزت جهودها على قمع وإدانة الربيع العربي الثوري، وهذا ما يدعو إليه أنصار اللوبي الأسدي في روسيا، فإننا سنصل إلى نتيجة وحيدة وهي أن الشريك الوحيد الباقي لروسيا في الشرق الأوسط هو اسرائيل وهو المطلوب على ما يبدو”.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

جرذان صهيونية امبريالية استكبارية تتآمر على حلف المقاومة

حرب شوارع في طهران على 25 مليون من الجرذان بحجم الهررة ووزن الأرانب

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

أضْحَى التّنائي بَديلاً عنْ تَدانِينَا

أضْحَى التّنائي بَديلاً عنْ تَدانِينَا،  وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا 
ألاّ وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ، صَبّحَنا  حَيْنٌ، فَقَامَ بِنَا للحَيْنِ نَاعيِنَا 
مَنْ مبلغُ الملبسِينا، بانتزاحِهمُ،  حُزْناً، معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا 
أَنَّ الزَمانَ الَّذي مازالَ يُضحِكُنا  أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا 
غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا  بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدهر آمينَا 
فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا؛  وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا 
وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا،  فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا 
يا ليتَ شعرِي، ولم نُعتِبْ أعاديَكم،  هَلْ نَالَ حَظّاً منَ العُتبَى أعادينَا 
لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ  رَأياً، ولَمْ نَتَقلّدْ غَيرَهُ دِينَا 
ما حقّنا أن تُقِرّوا عينَ ذي حَسَدٍ  بِنا، ولا أن تَسُرّوا كاشِحاً فِينَا 
كُنّا نرَى اليَأسَ تُسْلِينا عَوَارِضُه،  وَقَدْ يَئِسْنَا فَمَا لليأسِ يُغْرِينَا 
بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا  شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَفّتْ مآقِينَا 
نَكادُ، حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا،  يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا 
حَالَتْ لِفقدِكُمُ أيّامُنا، فغَدَتْ  سُوداً، وكانتْ بكُمْ بِيضاً لَيَالِينَا 
إذْ جانِبُ العَيشِ طَلْقٌ من تألُّفِنا؛  وَمَرْبَعُ اللّهْوِ صَافٍ مِنْ تَصَافِينَا 
وَإذْ هَصَرْنَا فُنُونَ الوَصْلِ دانية ً  قِطَافُها، فَجَنَيْنَا مِنْهُ ما شِينَا 
ليُسقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السّرُورِ فَما  كُنْتُمْ لأروَاحِنَ‍ا إلاّ رَياحينَ‍ا 
لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا؛  أنْ طالَما غَيّرَ النّأيُ المُحِبّينَا! 
وَاللهِ مَا طَلَبَتْ أهْواؤنَا بَدَلاً  مِنْكُمْ، وَلا انصرَفتْ عنكمْ أمانينَا 
يا سارِيَ البَرْقِ غادِ القصرَ وَاسقِ به  مَن كانَ صِرْف الهَوى وَالوُدَّ يَسقينَا 
وَاسألْ هُنالِكَ: هَلْ عَنّى تَذكُّرُنا  إلفاً، تذكُّرُهُ أمسَى يعنّينَا؟ 
وَيَا نسيمَ الصَّبَا بلّغْ تحيّتَنَا  مَنْ لَوْ على البُعْدِ حَيّا كان يحيِينا 
فهلْ أرى الدّهرَ يقضينا مساعفَة ً  مِنْهُ، وإنْ لم يكُنْ غبّاً تقاضِينَا 
رَبيبُ مُلكٍ، كَأنّ اللَّهَ أنْشَأهُ  مِسكاً، وَقَدّرَ إنشاءَ الوَرَى طِينَا 
أوْ صَاغَهُ وَرِقاً مَحْضاً، وَتَوجهُ  مِنْ نَاصِعِ التّبرِ إبْداعاً وتَحسِينَا 
إذَا تَأوّدَ آدَتْهُ، رَفاهِيّة ً،  تُومُ العُقُودِ، وَأدمتَهُ البُرَى لِينَا 
كانتْ لَهُ الشّمسُ ظئراً في أكِلّته،  بَلْ ما تَجَلّى لها إلاّ أحايِينَا 
كأنّما أثبتَتْ، في صَحنِ وجنتِهِ،  زُهْرُ الكَوَاكِبِ تَعوِيذاً وَتَزَيِينَا 
ما ضَرّ أنْ لمْ نَكُنْ أكفاءه شرَفاً،  وَفي المَوَدّة ِ كافٍ مِنْ تَكَافِينَا؟ 
يا رَوْضَة ً طالَما أجْنَتْ لَوَاحِظَنَا  وَرْداً، جَلاهُ الصِّبا غضّاً، وَنَسْرِينَا 
ويَا حياة ً تملّيْنَا، بزهرَتِهَا،  مُنى ً ضروبَاً، ولذّاتٍ أفانينَا 
ويَا نعِيماً خطرْنَا، مِنْ غَضارَتِهِ،  في وَشْيِ نُعْمَى ، سحَبنا ذَيلَه حينَا 
لَسنا نُسَمّيكِ إجْلالاً وَتَكْرِمَة ً؛  وَقَدْرُكِ المُعْتَلي عَنْ ذاك يُغْنِينَا 
إذا انفرَدَتِ وما شُورِكتِ في صِفَة ٍ،  فحسبُنا الوَصْفُ إيضَاحاً وتبْيينَا 
يا جنّة َ الخلدِ أُبدِلنا، بسدرَتِها  والكوثرِ العذبِ، زقّوماً وغسلينَا 
كأنّنَا لم نبِتْ، والوصلُ ثالثُنَا،  وَالسّعدُ قَدْ غَضَّ من أجفانِ وَاشينَا 
إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ  في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا 
سِرّانِ في خاطِرِ الظّلماءِ يَكتُمُنا،  حتى يكادَ لسانُ الصّبحِ يفشينَا 
لا غَرْوَ في أنْ ذكرْنا الحزْنَ حينَ نهتْ  عنهُ النُّهَى ، وَتركْنا الصّبْرَ ناسِينَا 
إنّا قرَأنا الأسَى ، يوْمَ النّوى ، سُورَاً  مَكتوبَة ً، وَأخَذْنَا الصّبرَ تلقينا 
أمّا هواكِ، فلمْ نعدِلْ بمَنْهَلِهِ  شُرْباً وَإنْ كانَ يُرْوِينَا فيُظمِينَا 
لمْ نَجْفُ أفقَ جمالٍ أنتِ كوكبُهُ  سالِينَ عنهُ، وَلم نهجُرْهُ قالِينَا 
وَلا اخْتِياراً تَجَنّبْناهُ عَنْ كَثَبٍ،  لكنْ عَدَتْنَا، على كُرْهٍ، عَوَادِينَا 
نأسَى عَليكِ إذا حُثّتْ، مُشَعْشَعَة ً،  فِينا الشَّمُولُ، وغنَّانَا مُغنّينَا 
لا أكْؤسُ الرّاحِ تُبدي من شمائِلِنَا  سِيّما ارْتياحٍ، وَلا الأوْتارُ تُلْهِينَا 
دومي على العهدِ، ما دُمنا، مُحافِظة ً،  فالحرُّ مَنْ دانَ إنْصافاً كما دينَا 
فَما استعضْنا خَليلاً منكِ يحبسُنا  وَلا استفدْنا حبِيباً عنكِ يثنينَا 
وَلَوْ صبَا نحوَنَا، من عُلوِ مطلعه،  بدرُ الدُّجى لم يكنْ حاشاكِ يصبِينَا 
أبْكي وَفاءً، وَإنْ لم تَبْذُلي صِلَة ً،  فَالطّيفُ يُقْنِعُنَا، وَالذّكرُ يَكفِينَا 
وَفي الجَوَابِ مَتَاعٌ، إنْ شَفَعتِ بهِ  بيضَ الأيادي، التي ما زِلتِ تُولينَا 
إليكِ منّا سَلامُ اللَّهِ ما بَقِيَتْ  صَبَابَة ٌ بِكِ نُخْفِيهَا، فَتَخْفِينَا  ابن زيدون – مفكر حر

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

شر البلية مايضحك

صدق من قال … شر البلية مايضحك 

من مساخر ألأقدار… في دول الثورات والثوار 

مخرب ليبيا إسمه … معمر

وقبيح تونس إسمه … زين

وفاسد اليمن إسمه … صالح

وناهب مصر إسمه … مبارك

وجبان سوريا إسمه … أسد

ومطفي نور العراق إسمه … نوري

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي..102

من خلال عيشتي بدبي التقيت بكتير من أخوانا اللبنانيين، و صار بيني و بينهون خبز و ملح و خلاف و اتفاق سياسي كبير..

كنت اتحسس كتير لما كانو يوصفو السوريين بصفات نظامنا، و دائما كان يصير خلاف بيني و بينهون يوصلنا بالنتيجة لطرق مسدودة من النقاش..و كلو بسبب غيرتي على سوريتي..

اليوم و بعد سنتين من الثورة، و بعد كل الارتكابات المهينة لجيش و أمن النظام الحاقد، صرت بفهم ليش اللبناني بيكرهنا..

حكاية اليوم من قلب بيروت.. بيروت العاصمة التانية العربية اللي دخلها جيش اسرائيل بعد القدس الشريف..

بعد محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي بلندن، اجت الذريعة على طبق من دهب و اجتاحت اسرائيل بصيف 82 جنوب لبنان و بيروت الغربية..

ياسر عرفات مع مجموعة من الجماعات الإسلامية المسلحة كانت عم تقاوم هالاجتياح..

من عجائب و غرائب نظام الممانعة السوري، و بظل معركتو المفترضة مع اسرائيل عالأرض البيروتية، كان عم يحارب مع الإسرائيلي باتفاق غير معلن جماعة أبو عمار و حلفاؤو..

أبو الريم و أبو الغنى.. شباب أخوات كانو من قيادات هالجماعة..و كانو عايشين بيومها بمنزلة طالب بنهاية شارع الحمرا ببيروت..

بيت العيلة المؤلف من طابقين.. الأول منو قاعد فيه أبو الريم و عيلتو، و التاني قاعد فيه أبو الغنى و مرتو و ولادو..

كل يوم الشباب يحملو سلاحهون و يطلعو عالجبهة.. يغيبو كم يوم و يرجعو عند نسوانهون الغليان ألبهون عليهون..

بليلة من ليالي الحرب.. و بشتوية 83، و بعد معركة طويلة عريضة عند الكارنتينا، بيرجعو الشباب متل عادتهون لبيوتهون..

بنص الليل، و على عتمة بيروت بيوصلو جقيلات سوريا..

سيارة أمن تابعة للقوات السورية، بتوقف على راس النزلة و بيداهمو بيت الشباب.. و بيبدا الاشتباك..

خمس دقايق، كان أبو الغنى و عيلتو هربانين من الجنينة الخلفية، و أبو الريم بيوقع بين أيدين عناصر الامن السورية..

تلات أيام مضيت على هالحادثة.. بيرجع أبو الغنى بنص الليل ليستفقد البيوت، بيشوفها منهوبة عالاخر، و الجقيلات ما تاركين فيها شي يذكر..

و الكارثة الأكبر، لما بيشوف زوجة أخوه و بنت أخوه الصغيرة مرميين ميتيين عالدرج الخلفي للبناية..

بيشوف أبو الغنى بيت تاني عند النادي الرياضي اليوم، و بيتخبى فيه مع مرتو و ابنو لحتى ما يفرجها رب العالمين..

بعد بكم يوم.. بيوصل خبر لأبو الغنى من بقال الحارة، أنو يجي يستلم جثة أخوه المرمية على راس الشارع..

و الله فقت يا أبو الغنى و بعد ما صليت الصبح حاضر، باسمع صوت سيارة عسكرية بالحارة، و بشوف الجيش السوري عم يرمي جثة أبو الريم الله يرحمو..

على عوايد نظام الحقد السوري بزراعة العواينية و المخبرين بكل منطقة و كل حارة..

بيوصل التقرير: أبو الغنى موجود ببيت العش بالحارة الفلانية..

و متل عوايدهون وطاويط الليل، بيداهمو البيت بنص الليل بدون أي مقاومة تذكر…

عشر عناصر من الأمن السوري مدججين بالسلاح، دخلو عالبيت و طالعو أبو الغنى من نص بيتو و بدون طلقة رصاص وحدة..

لما ما شافو اللي يسرقوه، و باستغراب من أمرهون أنو كيف أبو الغنى ما قاوم و تركهون ياخدوه بكل سهولة و هوة المعروف عنو شراسة القتال.. انسحبو من البيت و بيناتهون أبو الغنى مكلبش..

و هون كانت المفاجأة..

أبو الغنى موصي مرتو، إذا إجا الأمن السوري بدو ياخدني، أنا ما رح قاوم و رح اتركهون ياخدوني..

رح يقتلوك يا أبو الغنى..

لأ ما هنن اللي رح يقتلوني..

لما بيطلع أبو الغنى مكلبش و عم ياكول كفوف ولبط و مسبات من بيتو، و متل ما متفق مع مرتو، بتركض أم الغنى عالمطبخ، و بتسحب الكلاشينكوف المخباية عالسقيفة، و بتبدا تقوص عليهون..

11 جثة مرمية على مدخل البناية من بيناتهون جثة زوجها أبو الغنى..

قتلتهون و قتلت زوجها معهون..

هيدي كانت وصيتو الها: اتركيهون يدخلو و ياخدوني، و هنن طالعين قوصيني أنا و هنن، هيك أو هيك رح يقتلوني، فخليهون يموتو معي..

الحكمة:

إذا كنت عم تحارب هيك نظام رجيم..

لازملك زوجة أخت الرجال، لحتى تموت و انت انسان عظيم..

تحية لكل نساء و بنات الثورة..  زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

البرنامج ؟ – معا باسم يوسف.. إنجازات اعلام سوريا

Posted in فكر حر | Leave a comment