حيـن قالـت لـي معلّمتـي: “حافـظ الأسـد كمـا اللـه لا يمـوت”

فرح السيد : موقع ناو

عهدُنا أن نتصدّى للإمبريالية والصهيونية والرجعية وأن نسحق أداتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة.

أمام المرآة رحتُ أُردّد هذه العبارة لأحفظها من دون أن أفكر بفحواها. هكذا طُلب منّا. ردّدتها طويلاً وأنا أقصّ “كنزتي” العسكرية ليبقى منها ياقة أرتديها تحت السترة العسكرية.

في صباح كل يوم كنت ألملم دفاتري السوفييتية التي استُبدِلت فيها صورة ستالين بصورة “قائد مسيرة التصحيح”، وأجمعُ بعض الكتب بما فيها كتاب القومية العربية المشبّعة بأقوال “القائد الرمز” حافظ الأسد، ولاحقاً بأقوال”السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد”، وأتّجه إلى المدرسة.

هكذا نشأنا نحن تحت قبعة “البعث” بإشراف “الأب القائد”، مشاريعَ جنودٍ صغارٍ منذ عمر السنوات السبع. إذ من ذاك العمر كان واجباً علينا الإنتساب لمنظمة “طلائع البعث” مروراً بـ”شبيبة الثورة”، وصولاً إلى الحزب “العملاق”.

الساعة السابعة صباحاً، في طابور المدرسة نصطف جميعنا بانتظام، نرتدي قبعات الزي الرسمي (السيدارة)، تكشف الطالبات المحجّبات عن شعورهن، فلا حجاب مسموحاً داخل المدارس. على خصورنا علّقنا “الحزام الزيتي” كالرجال (المعروف بإسم النطاق)، يتم التأكد من خلو ملامحنا من أي تبرّج عبر إمساك رموشنا وحفّها بين أصابع مدرِّبة “العسكرية”. في بعض الحالات تمسك المدربة برأس إحدانا وتضعه تحت الماء وتفرك الوجه بيديها الغليظتين، حتى تتأكد من أن لا شيء سيعكّر الوجه البعثي في الطابور المقدّس الذي تشرف عليه.

نأخذ الإيعاز، نرفع رؤوسنا باتجاه العلم السوري المرفرف على حافة الحائط الحجري الجاف مستعدّين للأوامر العسكرية، وأمامنا يقف أساتذتنا بزيّهم المدني، ثم يصدح النشيد الوطني.

المناسبات الوطنية، ما أكثرها في ظل انتصارات الأسد العديدة: ميلاد الحزب، ذكرى الحركة التصحيحية المجيدة، وحرب تشرين التي انتصرت فيها إرادة “الجيش السوري على العدو الغاشم”، بحسب أقوال “الرئيس الخالد حافظ الأسد” التي غزت جدران المدرسة كلها والتي تترافق مع رسومات تصور “قواتنا الباسلة”.

وكنا نحن نستعد لهذه المناسبات، كما اعتادت ان تتحضر لها كل الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة، وكان يسبق هذا اليوم المجيد عطلة للتحضير للرقصات والعروض المسرحية والهتافات والأناشيد التي تمجد القائد وتبجّل القائد وتحتفي بالقائد. وكنّا نقف جميعنا “رعايا الأسد” مستعدين، ويبدأ الأطفال مرتدين زيّ الطلائع بالغناء أمام صورة الرئيس: “للبعث يا طلائع، للنصر يا طلائع، أقدامنا حقول، طريقنا مصانع، وتلمع الرايات في مواكب الطلائع، يا راية الحرية يا شعلة القضية….”، وهكذا يتحول الطفل إلى عسكري، ويبدأ بتعلّم أن يكون جزءاً من القطيع، والتبعية الخالصة للقوة الأكبر، ويعتاد على ترداد ما يقال له.

ويهجم “أشبال الأسد” شبيبة الثورة، برقصة عسكرية على وقع أنغام نشيد “تسلم للشعب يا حافظ، أمل الملايين يا حافظ، علّيت الراية يا حافظ …”، فيما يجهِّز رجال “حزب البعث” من طلبة الثانوية عرضهم المسرحي في محاولة لإعادة تمثيل منجزات وانتصارات الحزب بقيادة الأسد. وتختتم الاحتفالات ويشبع النظام غريزته في السلطة برؤية الجيل الجديد خاضعاً له.

أنت كسوري مراهق مُجبَر على الانتساب لشبيبة الثورة ومن ثم حزب البعث، خيارك فيهما أن تنتسب أو أن تنتسب. أما أن تكون مراهقاً كردياً سورياً، فعليك أنت غير العربي أن تقول، على نحو ما حصل مع زميلتي: “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، فهذه مفارقة لا تعنيهم. عليك أن تقول ذلك، حتى لو لم تكن مؤمناً به. قلُه وغادر إلى منزلك ونم.

لأول مرة تشعر بأن لسانك تخدر، وأن أطرافك بدأت ترتجف، وهنا تتعلم الانصياع لأوامر النظام وتشعر بالخوف للمرة الأولى على نفسك وعلى أسرتك، تتعلم الصمت تحت قسم الانتساب وفق الفساد الدستوري للمدرسة والقائمين عليها، فيما يتعلم الطلبة في بلاد أخرى كيفية التعامل مع مرحلة البلوغ.

10 حزيران 2000 مات حافظ الأسد، وكان موته معجزة سماوية، كنّا نظن أن الديكتاتور “الأب” لا يموت، فتمجيده اليومي أثناء تعلّمي للنطق، جعل موته عصياً حتى على الآلهة.

حينما استلم بشار الرئاسة دخلتُ إلى المدرسة بعد عطلة صيفية توزّعت بين الحزن على موت “الخالد”، والتهليل بتعيين الابن، كنا مرتبكين حول ما سنردّده من شعارات، وإذ بها لم تختلف إلا بإضافة كلمة خالد ملازمة لإسمه، بقي قائدنا إلى الأبد الأمين (الخالد) حافظ الأسد، و”استرح”…

دخل الجميع إلى صفوفهم، دفعني فضولي المراهق إلى الركض نحو المديرة. أخذتُ نفساً عميقاً ووضعت رأسي في الأرض (بحسب العادة) وقلت لها: “بما إنو حافظ مات واستلم بشار، ليش ما بنقول قائدنا إلى الأبد الأمين بشار الأسد”، أمسكتني من شعري في حينها وأدخلتني الى مكتبها وأغلقت الباب، وقالت بصوت خافت: “الرئيس حافظ الأسد ما بيموت، متل الله”.

فتحَت الباب، وضعَت يدها الثقيلة على كتفي الصغير، نادت مدربة “العسكرية” وقالت لها: “نزّليها لتحت خلّيها تزحف كل الساحة، وبعدين توقف على رجل وحدة طول النهار”. لم تسألها عن السبب ولم يكن يحق لي الاعتراض آنذاك.

ذاك اليوم أصابني إرهاق قوي بما يريدونني أن أكون، مراهقة تمارس بعثهم بكل استسلام، إلى أن تم تسريحي من المدرسة بعد الثانوية، وبدأتُ مرحلة أخرى أركل فيها كل ما في داخلي من نظامهم، بحذر.. عبر غزة ومصر وليبيا، إلى أن أتت اللحظة لأفجّر كما فعل الكثيرون الخوف من الأب الخالد والابن، ومن نظام المخابرات الذي ألصق نفسه على نضوجي، وكانت الولادة الحقيقية والبلوغ الطبيعي لأجيال عدّة تربّت كالعسكر الخاضع لتخدم الأسد، بأن تلعن روحه وتثور ضده وضد 40 عاماً من تاريخهم معه.

الساعة الواحدة ظهراً في أحد أيام آذار 2012 خرجَت 3 فتيات في وسط دمشق، حملن لافتات الحرية، وتوجّهن نحو المدرسة التي تلقّين فيها تعليمهن. وقفن أمامها، على رغم وجود رجال الشرطة وعناصر الأمن في كل ثقوب الشارع. على مرأى من كل العابرين، رفعن لافتاتهن في وجه 18 عاماً.

لقد نفّذت هؤلاء الفتيات الثلاث ثورتهن الخاصة في وجه النظام وانتقمن لطفولة دمّرها نظام”البعث”.

صحيح أن لكل سببه كي ينخرط في الثورة على النظام، لكن كل السوريين تعرضوا لتشويه واحد في مدارس “البعث” العسكرية.

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

من زياد الصوفي: تشبيح عائلة الاسد

القصة:

أجاني كتير أيميلات عم تسألني: كل القصص اللي عم تحكيها يا زياد من أيام حافظ الأسد، باشارة من المرسلين أنو يا ترى التشبيح وقف بأيام بشار؟؟

التشبيح ما وقف و لا بعمرو رح يوقف مادام هالعيلة النسة موجودة..

حكاية اليوم صارت من شهرين تماما كبرهان لحكيي..

لسبب من الأسباب، و ما رح أدخل بالتفسير، رح أتركلكون الكون التدوير عن الدوافع.. من بداية الثورة حاول النظ…ام يظهر أخواننا المسيحيين باللادقية على أساس أنو هنن مع النظام..

لحتى ما كون منافق، قدر ينجح بالبداية بجذب طبقة معينة من المسيحيين لصفو، الشي اللي أعطى انطباع أنو كل المسيحيين مع النظام..

و هاد انطباع غلط بالمطلق..

بالاشهر الأخيرة، لجأت هالعيلة للضغط على أخوانا المسيحيين لما اكتشفو أنو هنن بالأغلبية ضدهون..

الخطف كان و مازال أهم أسلوب من أساليب شبيحة النظام باللادقية للضغط ماديا و نفسيا على المسيحيين و الأمثلة كتيرة، بيوم تاني منحكي فيها..

حكاية اليوم صارت باللادقية، المشروع الأول من شي شهرين تماما..

المشروع الأول يعتبر من المناطق الراقية بالمدينة، و سكانو خليط من كل الطوائف..

جورج جبور ( أبو زياد )، شب من هالحارة، سحب كم متر من بيت أهلو و عملهون محل لتأجير و بيع الأفلام لحتى يقدر يعيش..

شخص محبوب من محيطو، و قدر بوقت قصير يربي زباين بهالوقت الصعب باللادقية..

سليمان الأسد ابن هلال، اتسلط على هالمحل.. و صار كل يوم يجي ياخود الأفلام و سيديات الموسيقا بدون ما يدفع حقها..

أبو زياد، قال يقلبو معلشي خليه يجي و ياخود هالافلام ببلاش بس يكف بلاه عني و عن هالمحل…

بس سليمان ما اكتفى بهالموضوع …

كل ما دخل عالمحل مع خمسة مسلحين من مرافقتو، يتغالظ عكل الموجودين، و يتزعرن عالبنات الموجودين جوا..

شهر كامل على هالحالة..

جورج بيقرر يحكي مع سليمان بهالموضوع، قلو بكل أدب: يا استاذ سليمان يا ريت لما بتجي لعندي، ما يدخلو الشباب مرافقتك عالمحل، عم يطفشولي الزباين..

كانت ليلة خميس، و المحل مليان عالم، و الحارة معباية شباب و صبايا و أشبال الأسد اللي ما بيعرفو يعملو شي إلا يزاورو الرايح و الجاية..

بيجن جنونو لسليمان أنو كيف أبو جريج بيطلب منو هالطلب..

بنص المحل و قدام كل العالم،بيسحب مسدسو و بيقرطو كف لأبو زياد بيعلو عل.. و بيجبرو ينزل يلحس رجلو..

هالمسكين ما قدر يعمل شي إلا ينبطح عالأرض و بلش يلحسلو بوطو العسكري لابن الأسد..

ضحكة سليمان غطت عكلشي، و ما اكتفى هون قلو: شلاح ولك حيوان بالزلط و لحاس المحل كلو بلسانك..

منظر جورج و هوة عم يمسح المحل بلسانو و هوة بالزلط مللو لسليمان أفندي، فقرر ينهي هالموضوع و يترك المحل..

طلع بسيارتو و ضحكات مرافقتو مغطاية وجوهون القبيحة..

من حيونتو هالولد سليمان ما اكتفى بكلشي عملو جوا المحل، لما طلع بالسيارة نادالو لشب من بيت الساعي كان عم يتفرج على هالذل اللي لحق بجارو جورج، و طلب منو يمد راسو جوا شباك السيارة عاساس بدو يحاكيه شي..

باللحظة اللي مد راسو الساعي جوا السيارة، سكر الشباك على رقبتو و حشرلو راسو جوا..

بينزل من السيارة لحتى يكفي درس الأخلاق العالية اللي بديها مع جورج..

بيشيل عصاية من تحت المقعد و بيصير بيضربو عطيزو و على ضهرو لابن الساعي قدام كل البشر الموجودين و قدام جورج اللي كان بعدو عم يلبس تيابو…

الحكمة:

اللي بيعتقد أنو البلد نضفت من هالقرف..

سليمان ابن هلال، خير خلف لخير سلف..زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

لن يتقدم المسلمون بالإسلام‎

قبل سنوات شاهدت على قناة

MBC

مسلسل مصري إسمه – بنت من الزمن ده -بطلتها شروق. بنت صعيديّة من أحياء مصر القديمة كانت تبيع بعض الورود واشياء أخرى في الشوارع، وفي احد الأيام وبينما كانت تبيع الفل في الشارع وجدها رجل ( أحد ابطال المسلسل )غني وصاحب منصب كبير جداً انتشلها من حالة الفقر والبؤس والحارات العشوائية والحياة البائسه الى حياة الرفاهيّة والتطور والمال و الجاه .في الأشهر الأولى قام هذا الرجل بتعليمها التمدّن والتحضر من طريقة لبس الحذاء الى اسلوب التعامل مع الآخر، وأمسكها كتباً تاريخية وفلسفية وعلمية .لكنها لم تستجيب في البداية وضلّت اسيرة لحياتها السابقه حتى بكلامها الشوارعي وقلة أدبها وعشوائّية لبسها. شروق البنت الصعيدية لم تحاول بيوم من الايام تطوير نفسها والاعتناء بمظهرها ولا تغيير حياتها بل كانت تعيش أسيرة لعادات اجتماعيّة عاشتها منذ طفولتها من الصعب تغييرها بيوم وليله والسبب ان محيطها القريب لا يحرضها على التغيير والتفكير .حالة شروق الصعيدية بتلك الحلقات الأولى من المسلسل هو حال الملايين في مجتمعنا العربي والإسلامي بيئته لا تحث على التغيير ، ولا يقدر من خلاله ان يغيّر من نفسه ويسلك طريق الإستناره والعقل والمنطق والتمدّن.

الخلاصه ان هذه الأسرة الغنيّة التي تكفلّت بشروق لم تعتمد على تطويرها من القرآن والسنة النبويّة!

لم يعلموها كيف تدخل الحمّام بالشمال وتخرج باليمين

لم يعلموها كيف تنظف اسنانها بالمسواك النبوي

لم يعلموها الإتيكيت او فن التعامل مع الآخر من احاديث الرسول التي تقول لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام او اوثق عرى الايمان الحب بالله والبغض بالله

لم يعلموها ان الآخر المختلف عنها لا يجوز ان نقول له يا اخي وان تبني عداوة بينك وبينه وبناء مئات الحواجز

والقائمة تطول من الغثاء الإسلامي

بل اعتمدت اولا ً واخيراً بتثقيفها وتنويرها و تدريسها الفلسفه و الكتب العلمية والتاريخ والحضارات .. الخ.

حالة شروق ( مع فارق التشبية طبعاً ) ليست غريبة عن مجتمعاتنا العربية الاسلامية التي تعيش الجهل وعبادة النصوص الدينيّة

ورجال الدين والإصرار على التخلف الديني – مجتمعنا العربي الاسلامي سبب جهله ههي بيئة الاسلامية التي تهتم بالدين اكثر من العلم والمعرفة ،اوروبا لم تتطور بالمسيحية ، واليابان لم تتطوّر بالبوذية وكذا المسلمين لن يتطوّروا بالإسلام

لن يتغير مجتمعنا بيوم وليله لانهم سيحتاجون لزمن طويل وجرعات مكثفه ، واعتقد نحنُ وغيرنا يجب علينا تكثيف هذه الجرعات التنويريّة لتخترق جدران الظلام لتنيرها بنور العلم والمعرفة والثقافه والحريّة وطلب الديمقراطية بدلاً من تغليفها بسياج الإسلام والجهل والرجعيّات

في المسيحية يقولون ان المسيح هو المخلص والمنقذ – وانا اردد دائماً ان خلاصنا ومنقذنا من الجهل والتخلف الذي نعيشة هو العلم وخلق بيئة من الديمقراطية والحريّة ، وليس الاسلام..فلن تقوم لنا قائمة الا بالعلم والمعرفة والعقل وليس بالدين.فمتى يفهم المسلمين ذلك؟؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 1 Comment

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى 3\16

أولاً : جعفر العسكري يفشل في إقرار المعاهدة:

كان رئيس الوزراء السيد جعفر العسكري قد أخذ على عاتقه إقرار معاهدة 1930، حيث كان قد سافر إلى لندن لوضع مسودة المعاهدة والتوقيع عليها بالأحرف الأولى كي تعرض على البرلمان لإقرارها.

لكن العسكري وجد نفسه في موقف صعب بعد عودته إلى بغداد. فقد استقال كل من وزير الداخلية [رشيد عالي الكيلاني]، ووزير المالية [يسين الهاشمي]،كما وجد البلاد في حالة من الغليان الشديد احتجاجاً على تلك المعاهدة التي لم تختلف في جوهرها عن سابقاتها معاهدة 1922 ومعاهدة 1926.

فلازالت بريطانيا تقيد العراق بقيود ثقيلة في سائر المجالات العسكرية والاقتصادية والمالية، وتتدخل بشؤون العراق صغيرها وكبيرها.

وهكذا وجد رئيس الوزراء أن مواجهة مجلس النواب بهذه المعاهدة قد بات أمراً صعباً للغاية، فلم يجد ُبد من تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 8 كانون الثاني 1928، وقد تم قبول الاستقالة وكلف الملك السيد عبد المحسن السعدون بتأليف وزارته الثالثة في 14 كانون الثاني 1928. (1)

ثانياً:عبد المحسن السعدون يفشل في إقرار المعاهدة وانتحاره

كان في مقدمة المهام الملقاة على عاتق هذه الحكومة بطبيعة الحال هو إقرار المعاهدة الجديدة في مجلس النواب، والشروع في مفاوضات لتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية.

وحيث أن الحكومة الجديدة لا تضمن الأكثرية في المجلس، ولوجود معارضة قوية من قبل العديد من النواب للمعاهدة المذكورة، فقد طلب رئيس الوزراء من الملك فيصل إصدار الإرادة الملكية بحل المجلس وإجراء انتخابات جديدة. وتم للسعد ون ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحل المجلس في 18كانون الثاني1928، وقامت الحكومة بحملة تنقلات واسعة في الجهاز الإداري بين كبار الموظف قبل إجراء الانتخابات العامة لتأمين حصول الحكومة على الأكثرية اللازمة لإقرار المعاهدة.

لكن أحداث خطيرة وقعت في العراق في أول عهد الوزارة، فقد قبضت الحكومة على الشيخ [ضاري الشعلان ] الذي اتهم هو وأولاده بقتل الكولونيل [ لجمان ] بعد قرار السلطات البريطانية بالقبض عليه ومحاكمته أبان ثورة العشرين، واضطر الشيخ ضاري إلى الهرب، لكنه وقع في قبضة الحكومة في 3 تشرين الثاني 1927 نتيجة وشاية، فأحيل إلى المحاكمة وهو في حالة صحية سيئة، وحكم عليه بالإعدام ثم جرى تخفيض الحكم إلى السجن المؤبد، ولم يمضِ على سجن الشيخ ضاري سوى بضعة أيام حتى فارق الحياة في سجنه.

أدى موت الشيخ ضاري إلى هياج الجماهير الشعبية التي خرجت في مظاهرات صاخبة واقتحمت المستشفى، وانتزعت جثة الفقيد، وسارت به في مظاهرة عارمة وهي تندد بالحكومة وبالاستعمار البريطاني، وكان ذلك أول صدمة تلقتها الحكومة السعدونية.(2)

وجاءت زيارة الصهيوني البريطاني المعروف [السير الفرد موند] إلى العراق في 8 شباط 1928، واستقباله من قبل المندوب السامي، وكبار الشخصيات اليهودية المتحمسة للحركة الصهيونية لتزيد في الطين بله، فقد أثار مقدمه إلى العراق موجة من السخط العارم لدى أبناء الشعب الذين هبوا في مظاهرة صاخبة منددين بالصهيونية والاستعمار البريطاني وبالحكومة، واستخدمت الحكومة القوة لتفريق المتظاهرين فوقعت مصادمات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وأصيب خلال المصادمات العديد من المتظاهرين وأفراد الشرطة.(3)

لقد كانت المظاهرة من السعة بحيث ضمت أكثر من عشرين ألفاً سارت نحو محطة قطار الكرخ، حيث كان من المقرر أن يمر من هناك موكب الزائر الصهيوني، واضطرت الحكومة إلى تغير مسار الموكب نحو الكاظمية فالأعظمية، حيث نزل [الفرد موند] عند المندوب السامي البريطاني. وقامت الحكومة بحملة واسعة ضد العناصر الوطنية التي ساهمت في المظاهرة، وأغلقت [نادي التضامن] الذي اتهمت الحكومة المشرفين عليه بالتحريض على التظاهر، وأصدرت أمراً بمنع التجمعات والمظاهرات بدون موافقة السلطة.

كما قررت وزارة المعارف طرد عدد كبير من الطلاب والمدرسين وأحالت قسم منهم إلى المحاكمة، وأعلن وزير المعارف [ توفيق السويدي] أن الحكومة عازمة على منع المظاهرات حتى ولو تطلب الأمر إطلاق الرصاص على الطلاب المتظاهرين المخالفين للقرار.

أما المندوب السامي فقد قدم احتجاجاً للملك على قيام المظاهرات المنددة بالصهيونية وببريطانيا، لكن المظاهرات تجددت يوم 10 شباط حيث انطلقت من جامع [الحيدرخانه ] مظاهرة كبيرة تهتف بسقوط الصهيونية وسقوط وعد [بلفور] والاستعمار البريطاني، وجرى صدام عنيف مع رجال الشرطة التي استطاعت تفريق المظاهرة بعد جهد كبير، واعتقلت عدد من الخطباء وإحالتهم إلى المحاكمة.

ولما كان مجلس النواب قد حُلّ، ولإصرار الحكومة على إعادة الأمن وقمع المظاهرات فقد لجأت إلى إصدار المراسيم العقابية ضد كل من يحاول التظاهر، ونصت تلك المراسيم على جلد المتظاهرين، ووضعهم تحت مراقبة الشرطة، والطرد من المدارس والوظائف، والأبعاد والنفي وغيرها من المراسيم المنافية لروح الدستور، وقد أثارت هذه المراسيم موجة احتجاجات عاتية من قبل الأحزاب السياسية والصحافة التي وصفتها بأنها مراسيم جائرة.

وعلى أثر ذلك استقال وزير العدل [ حكمت سليمان ] من منصبه احتجاجاً على حضور المستشار البريطاني لوزارة العدل جلسة مجلس الوزراء، والتي قرر خلالها المجلس إصدار تلك المراسيم، ودور المستشار البريطاني في إصدارها، ونتيجة لكل تلك الضغوط اضطرت الحكومة إلى إلغاء تلك المراسيم في 17 أيار 1928. (4)

وفي 22 كانون الثاني 1928 شرعت الحكومة في الأعداد للانتخابات

الجديدة لمجلس النواب، وعبأت المعارضة قواها لخوضها، وبدأت الحكومة تمارس ضغوطها للتأثير على سير الانتخابات للخروج بمجلس يؤيد سياستها، ويقر المعاهدة الجديدة مما أثار موجة من الاحتجاجات لدى المعارضة التي أعلنت أن الحكومة تعين النواب في واقع الأمر، وتقوم بتهديد الأهالي للتصويت لمرشحيها.

تم انتخاب المجلس في 9 أيار 1928 بالشكل الذي أرادته الحكومة بعد أن استخدمت كل وسائل التزوير والترهيب، واحتج حزبا [ الاستقلال ] و الحزب [الوطني] على نتائج الانتخاب في مذكرة رفعاها إلى رئيس الوزراء.

تم دعوة المجلس الجديد للاجتماع يوم 13 أيار 1928، حيث ألقى الملك فيصل خطاب العرش، والذي حاول فيه تبرير حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة بالرجوع إلى رغبات الأمة !! في بعض الأمور الخطيرة، وكان الملك يقصد بذلك إقرار المعاهدة الجديدة، والتفاوض على تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية.

ولما رأت بعض الشخصيات الوطنية ما تنوي الحكومة الأقدام عليه قررت تجميع صفوفها، وتأسيس حزب سياسي معارض يقف ضد تلك المعاهدة فكان تأليف [الحزب الوطني ] بقيادة الشخصية الوطنية البارزة [جعفر أبو التمن ]، وضمت قيادة الحزب كل من السادة [محمد مهدي البصير] و[علي محمود الشيخ علي] و[أحمد عزت الأعظمي] و[عبد الغفور البدري] [ومولود مخلص] و[بهجت زينل] و[محمود رامز] . وبعض الشخصيات الوطنية الأخرى.(5)

قررت الحكومة السعدونية بدء المفاوضات مع بريطانيا في 11 تشرين الأول 1928 حول تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وفوضت وزراء الدفاع والمالية والمعارف للتفاوض مع الجانب البريطاني، فيما فوضت بريطانيا من جانبها المندوب السامي ومارشال الجو [ أدور ولنكتون]، والسكرتير المالي لدار الاعتماد، وقد تقدم الوفد البريطاني بمسودة اتفاقيتين جديدتين لكي تحلان محل الاتفاقيتين الملحقتين بمعاهدة 1922.

لكن الوفد العراقي المفاوض وجد أن هاتين المسودتين لا تختلفان في جوهرهما عن سابقتيهما، ولذلك اعترض عليهما، وقدم من جانبه مسودتان جديدتان تضمنتا المطالب التي تحقق طموحات العراق في التحرر من التبعية البريطانية عسكريا ومالياً.

فقد تضمنت مسودة الاتفاقية العسكرية الطلب بأن يكون من مسؤولية الجيش العراقي الحفاظ على أمنه الداخلي والخارجي، مع تحديد عدد الضباط البريطانيين في الجيش، وأن يعهد بإدارة الأحكام العرفية إلى ضابط عراقي بدلاً من البريطاني.

أما مسودة الاتفاقية المالية فقد تضمنت طلب العراق تملك السكك الحديدية التي كانت تحت السيطرة البريطانية، وعدم تحمل الجانب العراقي نفقات المندوبية البريطانية.

أثارت المسودتين المقدمتين من الجانب العراقي غضب المندوب السامي البريطاني الذي أعلن على الفور رفض قبولهما، مما تسبب في وقوع أزمة بين الحكومة العراقية والمندوب السامي، وسارعت الحكومة إلى إرسال مذكرة للمندوب السامي في 27 كانون الأول أوضحت له فيها وجهة نظرها في المفاوضات الجارية وضمنتها المطالب التالية:

1ـ ضرورة تولي الجيش العراقي مسؤولية الدفاع عن الوطن.

2 ـ انتخاب قائد القوات المشتركة [البريطاني] من قبل الملك فيصل.

3 ـ إدارة الأحكام العرفية من قبل ضابط عراقي .

4 ـ رفض سلطة قائد القوة الجوية البريطاني على الجيش العراقي.

5 ـ تقليص عدد الضباط البريطانيين في الجيش العراقي .

6 ـ رفض الفقرة الخاصة بالدفاع البحري عن العراق .

أما ما يخص الاتفاقية المالية فإن الحكومة ترى ما يلي:

1 ـ أن العراق هو المسؤول عن مالية قواته البرية والجوية، وإن ما تقدمه الحكومة البريطانية من مساعدة يذهب إلى رواتب العدد الكبير من الضباط البريطانيين الذين لا ضرورة لبقائهم .

2ـ إن إمكانية الحكومة العراقية لا تسمح بدفع نفقات دار المندوبية البريطانية .

3 ـ يجب تعديل اتفاقية الرسوم الجمركية بما يتفق ومصالح العراق.

4ـ ضرورة تملك العراق للسكك الحديدية، والحكومة العراقية على استعداد لدفع تعويض للحكومة البريطانية.

5 ـ تحديد فترة زمنية لنفاذ الاتفاقية المالية.

و في الختام أبلغت الحكومة المندوب السامي في مذكرتها بأنها سوف لا تقدم المعاهدة الجديدة إلى مجلس الأمة قبل تعديل هاتين الاتفاقيتين المذكورتين. (6)

أما المندوب السامي، وبعد إطلاعه على مذكرة الحكومة العراقية، فقد سارع إلى الرد بعنف على ما جاء في مذكرة الحكومة، وخصوصاً فيما أعلنته حول عدم تقديم المعاهدة الجديدة إلى مجلس النواب قبل تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، ودعا المندوب السامي الحكومة العراقية إلى أن تعلن أن أحكام الاتفاقيتين نافذة طالما لم يتوصل الجانبان لاتفاقيات جديدة.

سارع السعدون بعد تلقي مذكرة المندوب السامي إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء ودعا قادة المعارضة السادة [رشيد عالي الكيلاني] و[جعفر أبو التمن] و[ياسين الهاشمي] لحضور الجلسة، وأطلعهم على مذكرة المندوب السامي، وطلب مشورتهم فيما يمكن عمله، وقد أشاروا عليه بالاستقالة مؤكدين له أن لا أحد سيقدم على تشكيل وزارة جديدة.

وبعد هذا اللقاء جمع السعدون قادة حزبه [ حزب التقدم ] وعرض عليهم الأمر، وقد اتخذ قادة الحزب قراراً بدعم موقف السعدون.

وبناء عليه سارع السعدون إلى إرسال مذكرة جوابية إلى المندوب السامي أعلن فيها أن الشعب العراقي ومجلس الأمة لا يرضيان بأقل من تحقيق المطالب التي تقدمت بها وزارته، وأن الحكومة غير مستعدة لتعلن الاتفاق على استمرار سريان مفعول الاتفاقيتين العسكرية والمالية السابقتين إلى أجل غير مسمى، وأن إقدام الحكومة على خطوة كهذه معناه الرجوع إلى الوراء، وأن ذلك مخل بكرامة الحكومة ومدعاة إلى القول بحقها أقوال شتى، وعليه فلم يعد أمام الوزارة غير تقديم استقالتها، وسوف أقدم استقالتي بداعي الأسباب الصحية، وعدم الإدلاء بأي بيان عن المفاوضات لمجلس الأمة لكي لا يحدث ما لا يحمد عقباه، ويتخذ المجلس قراراً مخالفاً لخطة الوزارة المقبلة.

سارع المندوب السامي إلى إبلاغ وزير المستعمرات البريطاني برقياً في 19 كانون الثاني 1929عن الموقف المتأزم، وعن عزم الحكومة السعدونية على الاستقالة. وحالما قرأ الوزير البريطاني الرسالة كتب إلى السعدون مذكرة مستعجلة رجاه فيها الاستمرار في الحكم رغم فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق بشأن الاتفاقيتين العسكرية والمالية، واعداً إياه بمعاضدة بريطانـيا لــدخول العـراق إلى عصبة الأمم، وإمكانية تحقيق بعض المطالب التي تقدمت بها حكومته.إلا أن السـعدون رد على مـذكرة وزيـر المستعمرات البريطاني بمذكرة أرسلها له في 19 كانون الثاني 1929 معرباً له عن رفضه الاستمرار في تحمل المسؤولية.

قدم السعدون استقالة حكومته إلى الملك في 20 كانون الثاني 1929 واضطر الملك إلى قبول الاستقالة على مضض طالباً منه تسيير أمور الحكم حتى تؤلف وزارة جديدة.

لم يتمكن الملك فيصل من تشكيل وزارة جديدة لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ استقالة وزارة السعدون، بسبب الموقف البريطاني المتعنت من تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، ولما وجد المعتمد السامي أن الأمر قد طال، ولتخوفه من خطورة الأزمة أسرع إلى مقابلة الملك فيصل طالباً منه الإسراع بتأليف الوزارة بأسرع ما يمكن، وقد رد عليه الملك انه لا يستطيع تكليف أحد بتأليف الوزارة طالما بقي الموقف البريطاني على حاله.

وسارع السعدون إلى دعم موقف الملك بغية إحراج المندوب السامي، فبعث إلى الملك برسالة أبلغه فيها بأنه لا يستطيع الاستمرار في تسيير دفة الحكم أكثر من هذه المدة، وطلب من الملك قبول الاستقالة والانسحاب راجياً الملك أن يكلف أحداً بتشكيل الوزارة. (7)

وفي تلك الأيام أنتقل الحكم في بريطانيا من حزب المحافظين إلى حزب العمال، وقررت الحكومة العمالية الجديدة نقل المندوب السامي [ هنري دوبس ] على أثر المشادة الكلامية التي حصلت بينه وبين الملك، وبذلك انتهت خدماته في العراق، وغادر بغداد في 1 شباط 1929، وقررت الحكومة البريطانية تعيين السير[جلبرت كلايتي] خلفاً له، والذي وصل بغداد في 2 آذار 1929.

تأمل الشعب العراقي أن يحصل تغير في السياسة البريطانية تجاه العراق بعد انتقال الحكم إلى حزب العمال وتغير المندوب السامي. فقد وعد المندوب السامي الجديد في خطابه الموجه إلى الملك فيصل أن يعمل على تحقيق ما يصبو إليه العراق !!، ودعاه إلى المحافظة على الثقة والاعتماد المتبادلين.كما سارع المندوب السامي الجديد إلى لقاء رئيس الوزراء المستقيل عبد المحسن السعدون راجياً إياه العدول عن الاستقالة والاستمرار في الحكم.

لكن السعدون أبلغه أنه لا يستطيع الاستمرار في الحكم طالما أصرت بريطانيا على عدم الاستجابة لمطالب العراق الوطنية المشروعة.

وعلى اثر تلك المقابلة سارع المندوب السامي إلى إعلام الحكومة البريطانية بالموقف، ووجدت الحكومة البريطانية أن بقاء التوتر بينها وبين الشعب العراقي ليس في صالح بريطانيا، وأن استمرار التوتر ينذر بأخطار كبيرة، فكتبت إلى مندوبها السامي تعلمه أن الوزارة عازمة على إدخال العراق في عصبة الأمم شرط أن تضمن المصالح البريطانية من خلال تعهدات ترتبط بها حكومة العراق مع بريطانيا، وأنها مستعدة للنظر في مطالب العراق فيما يخص الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وعليه فقد سارع المندوب السامي إلى إبلاغ الملك فيصل بمضمون رسالة وزير المستعمرات البريطانية في 21 نيسان 1929.

حاول الملك فيصل تكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة الجديدة، إلا أن

السعدون أبلغ الملك أن أعضاء حزبه في البرلمان لا يستطيعون منح الثقة لنوري السعيد، ولما لم يجد الملك مفراً من ذلك عهد إلى توفيق السويدي بتأليف الوزارة الجديدة في 28 نيسان 1929 على أمل إنقاذ الموقف، وجرى تأليف الوزارة على عجل. (8)

جاءت الوزارة الجديدة من هيئة الوزارة السعدونية السابقة، ومستندة إلى حزب السعدون الذي يتمتع بالأغلبية في مجلس النواب، لكن الحزب وضع أمام الوزارة شرط إجراء التعديلات المطلوبة على الاتفاقيتين المالية والعسكرية كي تنال ثقة البرلمان.

أثار تشكيل توفيق السويدي للوزارة موجة من الغضب الشعبي، وغضب أحزاب المعارضة على حد سواء، ولذلك فقد كان عمر الوزارة قصيراً، ولم تستطع أن تقدم شيئاً يذكر سوى تصديها للمظاهرات الوطنية التي قامت في بغدد في 30 آب 1929 احتجاجاً على الجرائم التي ارتكبها الصهاينة وقوات الاحتلال البريطاني في فلسطين ضد السكان العرب في ذلك الشهر، حيث تصدت الشرطة للمظاهرات وقمعتها بالقوة، وقامت الحكومة بتعطيل صحيفتي {النهضة } و{الوطن }، وتوجيه إنذار لصحيفة {العالم العربي } بسبب نشر المقالات المنددة بوعد [بلفور] وجرائم الصهاينة في فلسطين، واحتج الحزب الوطني على أساليب الحكومة القمعية، وقمعها للحريات العامة.

وبسبب الموقف الشعبي وموقف أحزاب المعارضة من الحكومة لم يجد توفيق السويدي بُداً من تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 25 آب 1929 ولم يمضِ على تشكيلها سوى أقل من أربعة أشهر كي تعقبها وزارة السعدون الرابعة، حيث كلفه الملك فيصل بتأليف الوزارة الجديدة في 19 أيلول 1929.

وخلال الفترة الزمنية التي تلت استقالة حكومة السويدي وتأليف حكومة عبد المحسن السعدون توفي المندوب السامي [ جلبرت كلايتي] بالسكتة القلبية في بغداد مساء يوم الأربعاء 11 أيلول 1929. شكل عبد المحسن السعدون وزارته الرابعة في 19 أيلول 1929 مبدياً أول ملاحظاته عن الوضع السياسي حيث أشار فيها إلى أن بريطانيا قد وافقت على العمل لإدخال العراق في عصبة الأمم دون قيد أو شرط عام 1932.

كما أعلن عن رغبة بريطانيا في عقد معاهدة جديدة لتنظيم العلاقة بين البلدين، على نفس الأسس التي أقتُرح للاتفاق المصري البريطاني، وأشار إلى أن هذا الموقف يعتبر تراجعاً من بريطانيا عن مواقفها السابقة المتصلبة تجاه المطالب العراقية المشروعة في التحرر والاستقلال الوطني والسيادة الحقيقية، وقد وضع السعدون في مقدمة قائمة المهام لوزارته الأمور التالية:

1 ـ العمل على عقد معاهدة جديدة وتطبيقها لتسريع دخول العراق في عصبة الأم قبل عام 1932، وإزالة أي صبغة للاحتلال البريطاني في صلب المعاهدة الجديدة.

2 ـ إنهاء مسؤولية بريطانيا الدفاعية عن العراق، وإناطتها بالجيش العراقي، وتطبيق قانون التجنيد الإلزامي، لبناء جيش كبير وقوي يستطيع القيام بالمهام المطلوبة منه.

3 ـ تقليص عدد الضباط البريطانيين في الجيش العراقي، وتقليص عدد المفتشين البريطانيين، والموظفين الذين لا تستدعي الحاجة إلى بقائهم، واستبدالهم بموظفين عراقيين.

4ـ إعادة النظر في التعريفة الجمركية، وتشجيع الصناعات الوطنية وصمودها أمام المنافسة الأجنبية.

وبالنظر لوفاة المندوب السامي [ جلبرت كلايتي ] المفاجئة بالسكتة القلبية قررت الحكومة البريطانية تعيين السير [ فرانسيس هيمفريز] ليحل محله كمندوب سامٍ لها في العراق، في 7 تشرين الأول 1929، ووصل بالفعل إلى بغداد لتسلم مهام منصبه في 10 كانون الأول من السنة نفسها، وأعلنت الحكومة البريطانية في الوقت نفسه عن عزمها على ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932.

قررت حكومة السعدون الشروع بإجراء المفاوضات لوضع معاهدة جديدة تلبي طموح الشعب العراقي، وألّفت وفدها المفاوض من السادة وزراء الدفاع والمالية والداخلية، وسارع السعدون إلى طرح برنامج حكومته أمام مجلس النواب في أول لقاء له مع المجلس بعد تأليف وزارته.

لكن المعارضة هاجمته بشدة، واتهمته بالتراجع عن مواقفه السابقة التي أصر فيها على المطالب العراقية المشروعة فيما يخص المعاهدة، وتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية.

وجاء ردّ ه على نواب المعارضة بنفس الدرجة من العنف عندما أنتقد النواب قبوله لتصريح الحكومة البريطانية السالف الذكر، وعما سيحصل إذا تغيرت الحكومة العمالية، وتراجعت بريطانيا عن التصريح حيث قال:

{إذا حصل ذلك فإني اعتقد أن نيل الاستقلال تابع إلى جرأة الأمة، فالأمة التي تريد الاستقلال يجب أن تتهيأ له، ولا يكون ذلك بالكلام والأقوال الفارغة، فالاستقلال يؤخذ بالقوة والتضحية، وهذا ما أحببت أن أقوله}.

انتحار عبد المحسن السعدون:

كان لكلام عبد المحسن السعدون في مجلس النواب دوي كبير لدى الجانب المعارض والجانب الموالي لبريطانيا على حد سواء، ففي الوقت الذي ثمّنَ المعارضون ما قاله من أن الاستقلال يؤخذ بالقوة، ومطالبته الشعب بالتهيؤ له والتضحية في سبيله، فإن الموالين لبريطانيا قد أغضبهم حديثه، وسعى البعض منهم للوشاية به لدى وكيل المندوب السامي البريطاني [ الميجر يانك ] لذي سارع إلى معاتبته، وتقريعه بكلمات خشنة وعنيفة أثارت في نفسه الحزن العميق لدرجة لم يعد يتحملها، ودفعته إلى الانتحار في 13 تشرين الثاني 1929، حيث أطلق على نفسه الرصاص تاركا رفاقه، والملك فيصل، ووكيل المندوب السامي في حالة من الذهول الشديد، والقلق العميق مما يمكن أن يحدثه انتحاره من رد فعل لدى الشعب، وقد ترك وصيته لأبنه [علي ] شرح فيها أسباب أقدامه على الانتحار، وأوصاه بوالدته و أخوته الصغار، وهذه نص الوصية:

{ ولدي وعيني، ومستندي علي: اعفِِ عني لما ارتكبته من جناية، لأني سئمت هذه الحياة التي لم أجد فيها لذةً، وذوقاً، وشرفاً. فالأمة تنتظر مني خدمة، والإنكليز لا يوافقون، وليس لي ظهير. العراقيون طلاب الإستقلال ضعفاء وعاجزون، وبعيدون كثيراً عن الاستقلال، وهم عاجزون عن تقدير أرباب الناموس أمثالي. يظنون أني خائن للوطن، وعبد للإنكليز؟ ما أعظم هذه المصيبة !! أنا الفدائي الأشد إخلاصاً لوطني، قد كابدت أنواع الإحتقارات، وتحملت المذلات مضضاً في سبيل هذه البقعة المباركة التي عاش بها آبائي وأجدادي مرفهين .ولدي نصيحتي الأخيرة لك هي :

1 ـ أن ترحم أخوتك الصغار، الذين سيبقون يتامى، وتحترم والدتك، وتخلص لوطنك.

2 ـ أن تخلص للملك فيصل وذريته إخلاصاً مطلقاً.

أعفِ عني يا ولدي علي} . (10)

التوقيع

عبد المحسن السعدون

سارعت الحكومة إلى إذاعة نبأ الفاجعة، وجرى تشيع مهيب للفقيد إلى المقبرة الكيلانية في باب الشيخ، وسار خلف جنازته جميع الشخصيات السياسية، وجمع غفير جداً من أبناء الشعب، وهم يعبرون عن الأسى والحزن العميق لانتحاره، وانهالت برقيات التعازي من شتى أنحاء العالم. أما وكيل المندوب السامي فقد أحتج على الحكومة بشدة بسبب سماحها بنشر وصية السعدون، معتبراً ذلك العمل تحريضاً على بريطانيا وسياستها تجاه العراق، وتثير هيجاناً لدى الرأي العام العراقي، لكن الملك فيصل والحكومة حاولوا بكل خنوع تبرير نشر الوصية إرضاءً لوكيل المندوب السامي البريطاني. (11)

بعد إتمام مراسيم تشيع الفقيد أصبحت الوزارة في حكم المستقيلة، وتحتم تشكيل وزارة جديدة تحاول تهدئة الغليان الشعبي الذي أحدثه انتحاره، ولاسيما بعد نشر وصيته، واتفق الملك فيصل مع وكيل المندوب السامي على ترشيح السيد [ ناجي السويدي ] ، وصدرت الإرادة الملكية بتكليفه في 18 تشرين الثاني 1929، وتم تشكيل الوزارة، وأعرب رئيس الوزراء بعد تشكيل وزارته في رسالته الموجه إلى الملك فيصل عن عزمه على السير على نفس النهج الذي سارت عليه وزارة الفقيد السعدون، وأكد حرصه على فسح المجال للوزراء لممارسة مهام وزاراتهم بحرية، والعمل على الحد من تدخل المندوب السامي والمستشارين البريطانيين، والعمل على تحقيق أماني الشعب فيما يخص المعاهدة الجديدة، وتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية بما يضمن حقوق العراق وحريته واستقلاله.

وقد أوعز رئيس الوزراء إلى اللجنة التي شكلها السعدون لمفاوضة بريطانيا حول المعاهدة الجديدة، وبُوشر بالمفاوضات مع الوفد البريطاني، برئاسة المندوب السامي.

لكن المفاوضات اصطدمت مرة أخرى برفض المندوب السامي الاستجابة للمطالب الوطنية، وبقيت مواقف الطرفين متباعدة جداً، ولم تستطع المفاوضات تحقيق أي تقدم .

وفي عهد هذه الوزارة بدأ النفوذ الأمريكي بالتغلغل في العراق بشكل رسمي، بعد أن وقعت الحكومة الأمريكية من جهة، والحكومتان البريطانية والعراقية من جهة أخرى في 9 كانون الثاني 1930 على معاهدة تؤمن المصالح الأمريكية في العراق، وقد جعلت هذه المعاهدة تحت الهيمنة البريطانيةـ الأمريكية المشتركة،المتشابكة مصالحهما الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع بعضها البعض، وكان الشيء الإيجابي الوحيد في تلك المعاهدة هو اعتراف الولايات المتحدة باستقلال العراق. (12)

غير أن هذه الوزارة عجزت عن تحقيق أي من الأمور الرئيسية التي كان قد قررها الراحل عبد المحسن السعدون في منهاجه والتي كانت قد وعدت بتنفيذها. فقد حاولت الحكومة تقليص الميزانية المخصصة للموظفين البريطانيين في محاولة منها لتقليص عددهم، وأدى ذلك إلى اصطدام الحكومة بالمندوب السامي الذي استشاط غضباً على خطط الحكومة، وطلب من الملك التخلص منها، واضطرت الحكومة تحت ضغط المندوب السامي إلى تقديم استقالتها إلى الملك فيصل في 9 آذار 1930، وتم قبول الاستقالة، ورحب المندوب السامي بها، ووقف رئيس الوزراء [ ناجي السويدي ] يخطب في مجلس النواب شارحاً أسباب الاستقالة ومتهماً الموظفين البريطانيين بالتحكم في أمور البلاد، ثم تلاه [يسين الهاشمي] وقال مخاطباً أعضاء المجلس أن الإنكليز يحكمون البلاد حكماً كيفياً، وإن الملك فيصل يساير الإنكليز، ولا يستطيع معارضتهم. (13)

أدت استقالة الحكومة، وبيان رئيسها حول سبب الاستقالة إلى هيجان شعبي عارم، وخرجت جماهير الشعب في مظاهرات صاخبة احتجاجاً على السياسة البريطانية تجاه العراق، ومطالبة بالاستقلال الحقيقي الناجز، والتخلص من الهيمنة الإمبريالية، وقد تقاطرت الوفود من كافة أنحاء العراق للمشاركة في مظاهرات الاحتجاج، وانهالت البرقيات على الحكومة والصحافة الوطنية، وأصبح الوضع يهدد بوقوع أحداث خطيرة، وخاصة في 21 آذار،حيث اجتاحت بغداد مظاهرة كبرى أقفلت على أثرها المحال التجارية والأسواق أبوابها، وأصدر المندوب السامي أمراً للموظفين البريطانيين بملازمة مساكنهم، وسارت المظاهرة في شوارع بغداد، وتوجهت إلى الباب الشرقي، ثم إلى دور السفارات والقنصليات، وهم يهتفون الهتافات الوطنية المطالبة بالاستقلال الناجز، ورفض الهيمنة البريطانية، وبالنظر لخطورة الموقف أشار المندوب السامي على الملك فيصل تكليف نوري السعيد بتشكيل حكومة جديدة تأخذ على عاتقها إقرار المعاهدة.

ثالثاً: نوري السعيد يشكل الوزارة، ويتولى إقرار المعاهدة:

هكذا إذاً شكل نوري السعيد وزارته الأولى في 23 آذار 1930، بناء على تكليف الملك بطلب من المندوب السامي البريطاني، وكان ذلك التكليف باكورة هيمنته على سياسة العراق، حيث تولى الحكم أربعة عشر مرة منذُ ذلك التاريخ وحتى سقوط النظام الملكي إثر قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958، ولعب خلال تلك الحقبة دوراً خطيراً في حياة البلاد السياسية، واشتهر بإخلاصه التام للإنكليز، وبحملات القمع التي مارسها ضد أبناء الشعب، والمراسيم الجائرة التي كان يصدرها لكي يسكت أفواه المواطنين وقوى المعارضة العراقية، مستخدماً كل الوسائل والسبل المخالفة للدستور. كما اتخذ له موقفاً معادياً من حركات التحرر العربية إرضاءً لأسياده البريطانيين. وقد جاءت وزارته على الشكل التالي :

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية.

2 ـ جميل المدفعي ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ علي جودت الأيوبي ـ وزيراً للمالية .

4 ـ جمـال بابان ـ وزيراً للعدل .

5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع .

6 ـ جميل الراوي ـ وزيراً للأشغال والإسكان .

7 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف .

وقد أعلن نوري السعيد أن أمام وزارته مهمة التفاوض مع بريطانيا لعقد معاهدة جديدة على أساس الاستقلال، ودخول العراق إلى عصبة الأمم، لكن حقيقة الأمر أن حكومة نوري السعيد جاءت لفرض معاهدة 1930 الجائرة على العراق. (14)

رابعاً: إجراءات السعيد لتأمين فرض معاهدة 1930:

بدأت المفاوضات العراقية البريطانية حول عقد معاهدة جديدة في 31 آذار 1930، وقد ترأس الوفد البريطاني المندوب السامي السير [هيمفريز]، وضم الوفد مساعده [الميجر يونك ] و[المستر ستاجر] ،فيما كان الوفد العراقي برئاسة [الملك فيصل ]، وعضوية [نوري السعيد] و[جعفر العسكري ] و[رستم حيدر ]، وقد لعب الملك دوراً بارزاً في المفاوضات، وكانت الحكومة تصدر كل يوم بياناً مقتضباً حول مجرى المفاوضات دون الدخول في التفاصيل، حتى جاء يوم 8 نيسان 1930 حين صدر بيان عن الحكومة يقول:

لقد تم الاتفاق بين المتفاوضين على ما يلي:

1ـ إن المعاهدة التي تجري المذاكرة حولها الآن ستدخل حيز التنفيذ عند دخول العراق في عصبة الأمم.

2ـ إن وضع العراق كما هو مصرح في المعاهدة سيكون وضع دولة حرة مستقلة.

3ـ عند دخول المعاهدة الجديدة حيز العمل ستنتهي حالاً جميع المعاهدات والاتفاقات الموجودة ما بين العراق وبريطانيا العظمى، والانتداب الذي قبله صاحب الجلالة البريطانية سينتهي بطبيعة الحال.

لعب نوري السعيد دوراً أساسياً في عقد المعاهدة الجديدة بالنظر للثقة الكبيرة التي أولاها البريطانيون له، والاطمئنان إليه، وكذلك ثقة الملك فيصل.

كان الشعب العراقي يدرك أن المفاوضات لن تطول، وهذا ما كان، فقد أعلن بيان رسمي للحكومة في 30 حزيران 1930 عن توقيع معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى تنفذ حال قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وأن المعاهدة ستنشر في بغداد ولندن في وقت واحد يتفق عليه الطرفان.

باشر نوري السعيد المهام التي أنيطت به، وكان جُلّ همه أن ينجح في الامتحان الصعب، وينال ثقة الإنكليز، وقد فعل ذلك ونجح، وأصبح رجل بريطانيا القوي دون منازع، فكانت بريطانيا تنيط به تأليف الوزارة كلما كان لديها مهمة صعبة تنوي تنفيذها كما سنرى فيما بعد، وقد اتخذ نوري السعيد الإجراءات التالية تمهيداً لإقرار المعاهدة.

1ـ حل المجلس النيابي :

بعد أن أتمت الحكومة عقد المعاهدة مع بريطانيا أصبحت أمامها مهمة تصديقها من قبل مجلس النواب، وبالنظر لأن نوري السعيد لم يكن يستطيع ضمان الأغلبية في المجلس القائم آنذاك، فقد أقدم على تعطيل جلسات المجلس، ثم طلب من الملك إصدار الإرادة الملكية بحله، على الرغم أنه لم يمضِ على انتخابه سوى خمسة أشهر، وإجراء انتخابات جديدة يستطيع من خلالها تحقيق أغلبية في المجلس الجديد، وتم له ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحله تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.

أما نوري السعيد فقد غادر إلى لندن لاستكمال المحادثات حول الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وحول تعديل اتفاقية امتياز النفط.

وفي 18 تموز سلم ملاحظ المطبوعات نص المعاهدة الموقعة بالأحرف الأولى إلى الصحفيين، وتم نشرها في اليوم التالي 19 تموز، وأحدث نشرها هيجاناً وغلياناً شعبياً عارماً، وأخذت برقيات الاحتجاج تنهال على الحكومة والصحافة منددة بنوري السعيد وبالمعاهدة وبالإمبريالية البريطانية، فقد جاءت المعاهدة دون إجراء أي تغير جوهري يمس الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق، بل لتكريس هذه الهيمنة لسنين طويلة، وتقييد العراق بقيود جديدة. (15)

2 ـ السعيد يزور الانتخابات لضمان فرض المعاهدة :

بعد أن حلت الحكومة مجلس النواب، أعلنت عن إجراء انتخابات جديدة في 10 تموز 1930، وبدأت الحملة الانتخابية، وشرعت القوى الوطنية تهيئ نفسها لخوضها من أجل إسقاط المعاهدة، ولكن الحكومة أخذت تمارس الضغوط والتزوير والتهديدات لصالح مرشحيها، مما دفع بالقائد الوطني [جعفر أبو التمن ] إلى إصدار بيان بمقاطعة الانتخابات بعد أن أدرك أن نوري السعيد سوف يأتي بالمجلس الذي يريده هو وليس الشعب. وبالفعل فقد جرت الانتخابات في 20 تشرين الأول 1930 في جو مشحون بالإرهاب.

فقد استلم نوري السعيد بنفسه وزارة الداخلية بالوكالة يوم 10 تشرين الأول لكي يشرف بنفسه على الانتخابات، ويمارس ضغوطه وإرهابه وأساليبه القمعية المعروفة لإرهاب المنتخبين الثانويين، وإجبارهم على انتخاب مرشحي الحكومة، كما أجرى قبل الانتخابات، تنقلات واسعة بين رؤساء وكبار الموظفين الإداريين، ولاسيما بعد أن رشح العديد من الشخصيات المعارضة للانتخابات، وأخذت تزاحم مرشحي الحكومة.

لكن نوري السعيد استطاع أن يخرج بمجلس جديد له فيه 70 مقعداً من أصل 88، وبذلك ضمن لنفسه إمكانية تصديق المعاهدة التي وقعها بالأحرف الأولى من قبل مجلس النواب،وجاءت المعاهدة على الوجه التالي. (16)

خامسا: نص معاهدة 30 حزيران 1930: (17)

صاحب الجلالة ملك العراق.

وصاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار وإمبراطور الهند.

لما كانا راغبين في توثيق أواصر الصداقة، والاحتفاظ بصلات التفاهم وإدامتها ما بين بلديهما، ولما كان صاحب الجلالة ملك بريطانيا قد تعهد في معاهدة التحالف الموقع عليها في بغداد في اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية، بأن ينظر نظراً فعلياً في تمتين علاقاتنا في فترات متتالية مدة كل منها أربع سنوات، ولما كانت حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية قد أعلمت الحكومة العراقية في اليوم الرابع عشر من أيلول سنة 1929 أنها مستعدة لعضد ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932 بلا قيد ولا شرط ، وأعلنت لمجلس العصبة في اليوم الرابع عشر من كانون الأول 1929 أن هذه هي نيتها. ولما كانت المسؤوليات الانتدابية التي قبلها صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق ستنتهي من تلقاء نفسها،عند إدخال العراق عصبة الأمم، ولما كان صاحب الجلالة ملك العراق، وصاحب الجلالة البريطانية يريان أن الصلات التي ستقوم بينهما بصفة كونهما مستقلين، وينبغي تحديدها بعقد معاهدة تحالف وصداقة.

فقد اتفقا على عقد معاهدة جديدة لبلوغ هذه الغاية،على قواعد الحرية والمساواة التامتين، والاستقلال التام، وتصبح نافذة عند دخول العراق عصبة الأمم، وقد عينا عنهما مندوبين مفوضين هما:

عن جلالة ملك العراق: نوري باشا السعيد، رئيس الوزراء ووزير الخارجية، حامل وسامي النهضة والاستقلال من الصنف الثاني.

وعن جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار، إمبراطور الهند اللفتنانت كولونيل السر[ هنري هيمفريز]المعتمد السامي لصاحب الجلالة البريطانية في العراق اللذان بعد أن تبادلا وثائق تفويضهما فوجداها صحيحة قد اتفقا على ما يلي :

المادة الأولى: يسود سلم وصداقة دائمين بين صاحب الجلالة ملك العراق وصاحب الجلالة البريطانية، ويؤسس بين الفريقين الساميين المتعاقدين تحالف وثيق، توطيداً لصداقتهما وتفاهمهما الودي، وصلاتهما الحسنة، وتجرى بينهما مشاورة تامة وصريحة في جميع الشؤون السياسية الخارجية، مما قد يكون له مساس مصالحهما المشتركة.

ويتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن لا يقف من البلاد الأجنبية موقفاً لا يتفق ومعاهدة التحالف هذه، أو قد يخلق مصاعب للفريق الآخر. المادة الثانية : يمثل كل من الفريقين الساميين المتعاقدين لدى بلاط الفريق السامي المتعاقد الآخر ممثل سياسي [دبلوماسي] يعتمد وفقاً للأصول المرعية.

المادة الثالثة:إذا أدى نزاع بين العراق ودولة ثالثة إلى حالة يترتب عليها خطر قطع العلاقات بتلك الدولة يوحد عندئذٍ الفريقان الساميان المتعاقدان مساعيهما لتسوية ذلك النزاع بالوسائل السلمية وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم، ووفقاً لأي تعهدات دولية أخرى يمكن تطبيقها على تلك الحالة.

المادة الرابعة:إذا اشتبك أحد الفريقين الساميين المتعاقدين في حرب رغم أحكام المادة الثالثة أعلاه يبادر حينئذٍ الفريق السامي المتعاقد الآخر فوراً إلى معونته بصفة كونه حليفاً، وذلك دائماً وفق أحكام المادة التاسعة أدناه. و في حالة خطر حرب محدق يبادر الفريقان الساميان المتعاقدان فوراُ إلى توحيد المساعي في اتخاذ تدابير الدفاع المقتضية.

إن معونة صاحب الجلالة ملك العراق في حالة حرب، أو خطر حرب محدق تنحصر في أن يقدم إلى صاحب الجلالة البريطاني في الأراضي العراقية جميع ما في وسعه أن يقدمه من التسهيلات والمساعدات، ومن ذلك استخدام السكك الحديدية والأنهر، والموانئ والمطارات، ووسائل المواصلات.

المادة الخامسة: من المفهوم بين الفريقين الساميين المتعاقدين أن مسؤولية حفظ الأمن الداخلي في العراق وأيضاً ـ بشرط مراعاة أحكام المادة الرابعة أعلاه مسؤولية الدفاع عن العراق إزاء الاعتداء الخارجي تنحصران في صاحب الجلالة ملك العراق.

مع ذلك يعترف جلالة ملك العراق بان حفظ وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية بصورة دائمة في جميع الأحوال هما من صالح الفريقين الساميين المتعاقدين المشترك.

فمن أجل ذلك، وتسهيلاً للقيام بتعهدات صاحب الجلالة البريطانية وفقاً للمادة الرابعة أعلاه يتعهد جلالة ملك العراق بأن يمنح صاحب الجلالة البريطانية طيلة مدة التحالف موقعين لقاعدتين جويتين ينتقيهما صاحب الجلالة البريطانية في البصرة، أو في جوارها، وموقعاً واحداً لقاعدة جوية ينتقيها صاحب الجلالة البريطانية في غرب نهر الفرات.

وكذلك يأذن جلالة ملك العراق لصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الأراضي العراقية في الأماكن الأنفة الذكر وفقاً لأحكام ملحق هذه المعاهدة، على أن يكون مفهوماً أن وجود هذه القوات لن يعتبر بأي حال من الأحوال احتلالاً، ولن يمس على الإطلاق سيادة واستقلال العراق.

المادة السادسة: يعتبر ملحق هذه المعاهدة جزء لا يتجزأ منها.

المادة السابعة: تحل هذه المعاهدة محل معاهدتي التحالف الموقع عليهما في بغداد في اليوم العاشر من شهر تشرين الأول سنة 1922 ميلادية، والموافق لليوم التاسع عشر من شهر صفر سنة 1341هجرية، وفي اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني سنة 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية مع الاتفاقات الفرعية الملحقة بها، التي تمسي ملغاة عند دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ، وهذه المعاهدة في نسختين في كل من اللغتين العربية والإنكليزية، ويعتبر النص الأخير المعول عليه.

المادة الثامنة: يعترف الفريقان الساميان المتعاقدان بأنه عند الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة تنتهي من تلقاء نفسها وبصورة نهائية جميع المسؤوليات المترتبة على صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق وفقاً لأحكام وثيقة دولية أخرى، وينبغي أن يترتب على جلالة ملك العراق وحده، وعلى الفريقين الساميين المتعاقدين أن يبادرا فوراً إلى اتخاذ الوسائل المقتضية لتأمين نقل هذه المسؤوليات إلى جلالة ملك العراق.

المادة التاسعة: ليس في هذه المعاهدة ما يرمي بوجه من الوجوه إلى الإخلال أو يخل بالحقوق والتعهدات المترتبة، أو التي قد تترتب لأحد الفريقين الساميين المتعاقدين وفقاً لميثاق عصبة الأمم، أو معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس في اليوم السابع والعشرين من شهر آب سنة 1928 ميلادية.

المادة العاشرة: إذا نشأ خلاف فيما يتعلق بتطبيق هذه المعاهدة أو تفسيرها ولم يوفق الفريقان الساميان المتعاقدان إلى الفصل فيه بالمفاوضة رأساً بينهما يعالج الخلاف حينئذٍ وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم .

المادة الحادية عشرة: تبرم هذه المعاهدة، ويتم تبادل الإبرام بأسرع ما يمكن، ثم يجري تنفيذها عند قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وتظل هذه المعاهدة نافذة لمدة خمس وعشرين سنة ابتداء من تاريخ تنفيذها، وفي أي وقت كان بعد عشرين سنة من تاريخ الشروع بتنفيذها، على الفريقين الساميين المتعاقدين أن يقوما بناء على طلب أحدهما بعقد معاهدة جديدة ينص فيها على الاستمرار على حفظ وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية في جميع الأحوال.

وعند الخلاف في هذا الشأن يعرض الخلاف على مجلس عصبة الأمم .

وإقراراً لما تقدم قد وقع كل من المندوبين المفوضين على هذه المعاهدة وختمها بختمه.

كتب في بغداد في اليوم الثلاثين من شهر حزيران سنة 1930 ميلادي الموافق لليوم الثاني من شهر صفر سنة 1349 هجرية.

هنري هيمفر نوري السعيد

ملحق

فقرة رقم 1

يعين صاحب الجلالة البريطانية من حين لأخر مقدار القوات التي يقيمها جلالته في العراق وفقاً لإحكام المادة الخامسة من هذه المعاهدة، وذلك بعد مشاورة صاحب الجلالة ملك العراق في الأمر،ويقيم صاحب الجلالة البريطانية قوات في [الهنيدي] لمدة خمس سنوات، بعد الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وذلك لكي يتمكن صاحب الجلالة ملك العراق من تنظيم القوات المقتضية للحلول محل تلك القوات، وعند انقضاء تلك المدة تكون قوات صاحب الجلالة البريطانية قد انسحبت من الهنيدي.

ولصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الموصل لمدة حدها الأعظم خمس سنوات تبتدئ من تاريخ الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وبعد ذلك لصاحب الجلالة البريطانية أن يضع قواته في الأماكن المذكورة في المادة الخامسة من هذه المعاهدة، ويؤجر صاحب الجلالة ملك العراق مدة هذا التحالف لصاحب الجلالة البريطانية المواقع المقتضية لإسكان قوات صاحب الجلالة البريطانية في تلك الأماكن.

فقرة رقم 2

بشرط مراعاة أي تعديلات قد يتفق الفريقان الساميان المتعاقدان على إحداثها في المستقبل، تظل الحصانات والامتيازات في شؤون القضاء والعائدات الأميرية، بما في ذلك الإعفاء من الضرائب التي تتمتع بها القوات البريطانية في العراق شاملة القوات المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه، وتشمل أيضاً قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف، وهي القوات التي يحتمل وجودها في العراق عملاً بأحكام هذه المعاهدة وملحقها، أو وفقاً لاتفاق يتم عقده بين الفريقين الساميين المتعاقدين، وأيضاً يواصل العمل بأحكام أي تشريع محلي له مساس بقوات صاحب الجلالة البريطانية المسلحة، وتتخذ الحكومة العراقية التدابير المقتضية للتثبت من كون الشروط المتبدلة لا تجعل موقف القوات البريطانية فيما يتعلق بالحصانات والامتيازات أقل ملائمة من الوجوه من الموقف الذي تتمتع به هذه القوات في تاريخ الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة

فقرة رقم 3

يوافق جلالة ملك العراق على القيام بجميع التسهيلات الممكنة لنقل القوات المذكورة في الفقرة الأولى من هذا الملحق، وتدريبها وأعالتها وعلى منحها عين التسهيلات استعمال التلغراف واللاسلكي، التي تتمتع بها عند الشروع

في تنفيذ هذه المعاهدة.

فقرة رقم 4

يتعهد صاحب الجلالة ملك العراق بأن يقدم بناء على طلب صاحب الجلالة البريطانية، وعلى نفقة صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً للشروط التي يتفق عليها الفريقان الساميان المتعاقدان، حرساً خاصاً من قوات صاحب الجلالة ملك العراق لحماية القواعد الجوية، مما قد تشغله قوات صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً لأحكام هذه المعاهدة، وأن يؤمن سنّ القوانين التشريعية التي قد يقتضيها تنفيذ الشروط الآنفة الذكر .

فقرة رقم 5

يتعهد صاحب الجلالة البريطانية أن يقوم عند كل طلب يطلبه صاحب الجلالة ملك العراق بجميع التسهيلات في الأمور التالية، وذلك على نفقة جلالة ملك العراق، وهي:

1 ـ تعليم الضباط العراقيين الفنون البحرية والعسكرية والجوية في المملكة المتحدة.

2 ـ تقديم الأسلحة والعتاد والتجهيزات والسفن والطائرات من أحدث طراز متيسر إلى قوات جلالة ملك العراق .

3 ـ تقديم ضباط بريطانيين مجربين عسكريين وجويين للخدمة بصفة استشارية في قوات جلالة ملك العراق .

فقرة رقم 6

لما كان من المرغوب فيه توحيد التدريب والأساليب في الجيشين العراقي والبريطاني يتعهد جلالة ملك العراق بأنه إذا رأى ضرورة الالتجاء إلى مدربين عسكريين أجانب فإنهم يختارون من الرعايا البريطانيين.

ويتعهد أيضاً بأن أي أشخاص من قواته، من الذين يوفدون إلى الخارج للتدريب العسكري يرسلون إلى مدارس وكليات ودور تدريب عسكرية في بلاد جلالته البريطانية، بشرط أن لا يمنع ذلك صاحب الجلالة ملك العراق من إرسال الأشخاص الذين لا يمكن قبولهم في المعاهد، ودور التدريب المذكورة في أي قطر آخر.

ويتعهد أيضاً بأن التجهيزات الأساسية لقوات جلالته، وأسلحتها ،لا تختلف في نوعها عن أسلحة قوات صاحب الجلالة البريطانية، وتجهيزاتها.

يوافق جلالة ملك العراق على أن يقوم عند طلب صاحب الجلالة البريطانية ذلك بجميع التسهيلات الممكنة لمرور قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف العسكرية عبر العراق لنقل وخزن جميع المؤن والتجهيزات التي قد تحتاج إليها هذه القوات في أثناء مرورها في العراق، وتتناول هذه التسهيلات استخدام طرق العراق، وسككه الحديدية، وطرقه المائية، وموانئه، ومطاراته، ويؤذن لسفن صاحب الجلالة البريطانية أذناً عاماً في زيارة شط العرب، بشرط إعلام جلالة ملك العراق، قبل القيام بتلك الزيارات للموانئ العراقية. (10)

دار الاعتماد ن. س . ف

بغداد في 30 حزيران 1930

وقبل أن يعرض نوري السعيد معاهدته المشؤومة على مجلس النواب لجأ إلى تأليف حزب سياسي له ضم العناصر التي رشحها في الانتخابات لتكون سنداً له في تصديق المعاهدة فكان [حزب العهد]. وفي 4 تشرين الأول 1930 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على المعاهدة، وتم دعوة مجلس النواب إلى الاجتماع في 16 تشرين الأول، واتخذ نوري السعيد احتياطات أمنية واسعة النطاق حول بناية المجلس الجديد في بناية جامعة[آل البيت]،التي ألغاها عند تشكيله لوزارته، والواقعة في الاعظمية، وأصدر قراراً بضمها إلى حدود أمانة العاصمة، حيث ينص الدستور على أن يكون مقر مجلس النواب في العاصمة. وفي اليوم المقرر لمناقشة المعاهدة من قبل مجلس النواب تقدم نوري السعيد إلى المجلس بالاقتراح التالي :

{لما كانت نصوص المعاهدة مع بريطانيا المنعقدة في 30 حزيران 1930 قد نشرت للرأي العام منذ مدة طويلة، وكانت انتخابات مجلس النواب قد جرت على أساس استفتاء الشعب فيها اقترح على المجلس الموقر أن يوافق على المذاكرة فيها بصورة مستعجلة}.

وقد تمت الموافقة على الاقتراح من قبل رئيس المجلس، و تم طرح المعاهدة بعد نقاش للمعارضة دام 4 ساعات للتصويت عليها، وقد صوت إلى جانب المعاهدة 69، وعارضها 13 عضواً، وتغيب 5 أعضاء عن الحضور، وسط هياج وصياح المعارضة المنددة بالمعاهدة. (18)

لم يبق أي عائق أمام نوري السعيد لتصديق المعاهدة، فالملك فيصل كان يرأس الوفد المفاوض أثناء عقد المعاهدة، ومجلس الأعيان يعيينه الملك، ويعمل بأمره .

أما المعارضة فقد أبرق أقطابها المعروفين السادة[جعفر أبو التمن ] و[ناجي السويدي] و[يسين الهاشمي ] إلى سكرتارية عصبة الأمم يحتجون على بنود المعاهدة التي لا تضمن للعراق استقلالاً حقيقياً، وتفسح المجال لبريطانيا باستغلال البلاد حسب ما تقتضيه أغراضها الاستعمارية.

سادساً: ماذا قال رجال الدولة البارزين عن المعاهدة ؟ (19)

لم يكد نوري السعيد يحقق مهمته الأولى بالتصديق على المعاهدة حتى عمَّ استياء عام وهياج جماهير الشعب احتجاجاً على ربط العراق بعجلة الاستعمار البريطاني، ولم يستطع رجالات السياسة البارزين وأقطاب الحكم إلا أن يوجهوا النقد الشديد للحكومة، بالنظر لكونها قد قيدت العراق لسنوات طويلة، وربطته بعجلة بريطانيا خلافاً لمصالح الشعب والوطن، وأعلنوا رفضهم لها .

فقد قال [ رشيد عالي الكيلاني ] وهو من رؤساء الوزارات المخضرمين:

{ إن أقل ما يقال عن هذه المعاهدة أنها استبدلت الانتداب الوقتي باحتلال دائم وأضافت إلى القيود والأثقال الحالية قيوداً وأثقالاً أشد وطأة }.

وقال [ يسين الهاشمي ] وهو أيضاً من رؤساء الوزارات، والذي شكل العديد من الوزارات ما يلي:

{ لم تضف المعاهدة شيئاً إلى ما كسبه العراق بل زادت في أغلاله، وعزلته عن الأقطار العربية، وباعدت ما بينه وبين جارتيه الشرقيتين وصاغت لنا الاستقلال من مواد الاحتلال، ورجائي من أبناء الشعب أن لا يقبلوها}.

وقال [ حكمت سليمان ] وهو رئيس وزراء سابق ما يلي:

{ المعاهدة الجديدة تضمن الاحتلال الأبدي، ومنحت بريطانيا امتيازات دون عوض أما ذيولها المالية، فإنها تكبد العراق أضراراً جسيمة دون مبرر}.

أما السيد[ محمد رضا الشبيبي ] وهو وزير في وزارات عديدة فقد قال:

{ إنني أرتئي رفض المعاهدة وملحقاتها لأنها حمّلت العراق الكثير من المغارم والتبعات، ولم يكسب مقابل ذلك حقاً جديداً من الحقوق، في حين حصل الجانب الآخر على امتيازات وحقوق جديدة }.

أما السيد [ عبد العزيز القصاب ] وهو وزير في وزارات عدة فقد قال عن تلك المعاهدة ما يلي:

{ إن المعاهدة لا تلبِِ رغبات الشعب، وجاءت هادمة لكل الجهود التي بذلت لتخفيف وطأة المعاهدات السابقة، وأنا ارفضها ويرفضها الشعب}.

وقال [ حمدي الباجه جي ] وهو رئيس وزارة سابق:

{ إن المعاهدة الجديدة تجعل كابوس الاستعمار البريطاني دائماً ومستمراً}.

وقال [ يوسف غنيمة ] وهو وزير سابق:

{إن المعاهدة لا تتفق والاستقلال التام، ورغبات الشعب، وليست في مصلحة البلاد}.

وقال [ كامل الجادرجي ] وهو وزير سابق وزعيم الحزب الوطني الديمقراطي، وأحد أبرز رموز المعارضة العراقية:

{ إن نتيجة هذه المعاهدة وذيولها حمايةٌ بريطانية شديدة الوطأة واحتلال دائم}. (20)

لكن المؤسف أن كل أولئك الساسة، باستثناء الأستاذ كامل الجادرجي، قد تنكروا لأقوالهم، واشتركوا في الوزارات التالية، ونفذوا بنود المعاهدة، وبلعوا تعليقاتهم حولها.

غير أن أكثر الشخصيات الوطنية عنفاً في مقاومة المعاهدة كان القائد الوطني البارز[جعفر أبو التمن] زعيم الحزب الوطني الذي بعث بمذكرة باسم الحزب إلى كل من ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران وتركيا وإلى عصبة الأمم في 1 تشرين الأول 1930 أدان فيها أسلوب تأليف حكومة نوري السعيد، والأساليب غير الدستورية التي أقدم عليها، بتأجيل جلسات المجلس النيابي، ومن ثم حله دون أن يمض عليه خمسة أشهر، وقيامه بتعطيل أكثر من 20 صحيفة سياسية، وإحالة عدد من المحررين الصحفيين إلى المحاكم، ومنع الحكومة للاجتماعات العامة، وكمّ أفواه الشعب، وعقد معاهدة جائرة يرفضها الشعب لأنها تصب في خدمة الأغراض الاستعمارية البريطانية، وإجراء انتخابات مزورة، لفرض المعاهدة التي رفضها الشعب وقواه الوطنية، وإن الحزب الوطني الذي أيدت سياسته أكثرية الشعب العراقي يعتبر أن هذه المعاهدة ملغاة وباطلة}.

كما أحتج عدد من الشخصيات السياسية الكردية على المعاهدة، وأبرقوا إلى سكرتارية عصبة الأمم عدة برقيات في 20، و26 تموز تستنكر عقد المعاهدة.

وقال عدد من أعضاء اللجنة الدائمة للانتدابات من ممثلي الدول في عصبة الأمم :

{ إن قبول العراق لهذه المعاهدة سيجعله بعد تحرره من الانتداب تحت الحماية البريطانية} .

وقال[ المسيو بار] العضو الفرنسي في اللجنة المذكورة :

{ أنا شخصياً لا أحب أن أرى بلادي تدخل في مثل هذا التعهد الذي قبله العراق على نفسه }.

وهكذا أثبت نوري السعيد أنه أكثر إنكليزية من الإنكليز، وانه رجل الإمبريالية البريطانية دون منازع، وهذا ما أهله لكي يكون العمود الفقري الذي تستند عليه السياسة البريطانية في العراق، ومكنته من أن يشكل 14 وزارة، في الفترة الممتدة من منتصف حزيران 1930 وحتى سقوط النظام الملكي حين قامت ثورة 14 تموز 1958.

سابعاً: الإضراب العام والمظاهرات تعم أنحاء العراق:

عندما تأسست الدولة العراقية عام 1921، لم يكن هناك قانون خاص للضرائب والرسوم التي تجبى من الشعب لحساب البلديات، وكانت الحكومة قد اكتفت بالبيان الذي أصدره القائد العام للقوات البريطانية الخاص بالرسوم التي ينبغي أن يدفعها السكان للبلدية. فلما تسلم نوري السعيد مقاليد الحكم أقرت حكومته لائحة قانونية لذلك، وقدمتها إلى مجلس النواب الذي أقرها بدوره في 10 أيار 1931، وصادق عليها الملك.

سبب ذلك القانون هياجاً، وغضباً شديداً لدى الطبقة الكادحة من العمال والحرفيين، واستنكرته الأحزاب السياسية، والصحف الوطنية، فقد حمل القانون أبناء الشعب أعباء جديدة، في وقت كانوا فيه بالأساس يعانون من تدهور أوضاعهم المعيشية. وجاء إقدام نوري السعيد على توقيع المعاهدة العراقية البريطانية، تلك المعاهدة التي جردت الاستقلال من كل معنى، ورهنت مقدرات العراق لمصالح الإمبريالية البريطانية لسنين طويلة لتصب الوقود على النار، و لتشعل الفتيل، وتطلق المارد من قمقمه في حملة احتجاجية عارمة ضد الحكومة، ودعت القوى الوطنية إلى الإضراب العام احتجاجاً على سياسة الحكومة المعادية لمصالح الشعب. وهكذا أضربت بغداد تماماً يوم 5 تموز 1931، وشمل الإضراب كافة المرافق العامة والأسواق والمحلات التجارية، ووسائل النقل، وأغلقت الصيدليات والمطاعم والفنادق ودور السينما أبوابها، ووقعت أزمة غذائية خطيرة في البلاد، حيث لا خبز، ولا لحوم، ولا فاكهة، ولا خضروات، وتوقفت حركة النقل، واضطر الناس إلى الانتقال مشياً على الأقدام، وأستمر الوضع على حاله أسبوعان، وكان هذا الإضراب الأول من نوعه في بغداد، واستمر بالتوسع والامتداد ليشمل الكاظمية، و الاعظمية، ثم ما لبث أن أنتقل إلى مدن الحلة والرمادي وبعقوبة والكوت والناصرية وكربلاء والنجف والبصرة وسوق الشيوخ وخانقين، ثم عم العراق من أقصاه إلى أقصاه.

شكل الإضراب أعظم تحدي للحكومة، ولاسيما بعد أن وقعت مصادمات كبيرة بين قوات الشرطة والمواطنين، وخاصة في مدينة البصرة التي أمتد إليها الإضراب يوم 15 تموز، حيث أضرب السكان عن بكرة أبيهم، وسارت المظاهرات المسلحة المنددة بالحكومة، حيث طوقت مراكز الحكومة، واشتبكت مع الشرطة، وقذفت سيارة المتصرف [المحافظ] بالحجارة، وهرب المتصرف من غضب جماهير الشعب، ولجأ إلى أحد الدور لينجو بحياته. لم تستطع الشرطة مجابهة المتظاهرين، واضطرت الحكومة إلى استدعاء الجيش الذي نزل إلى الشوارع، وبدأ بإطلاق الرصاص الذي دوى بغزارة، كما استنجدت حكومة نوري السعيد بالحكومة البريطانية التي قامت بدورها بإرسال قواتها بالإضافة إلى سفينة حربية كانت راسية في البصرة، واشتبكت مع المتظاهرين، حيث وقع عدد كبير من القتلى والجرحى، واستطاعت الحكومة في نهاية الأمر قمع الاحتجاجات وكسر الإضراب بمساعدة القوات البريطانية. (20)

ثامنا: السعيد يقمع ثورة الشيخ محمود الحفيد

كان الشيخ محمود الحفيد قد وقع اتفاقاً مع الحكومة العراقية والسلطات البريطانية في عام 1927 بعد فشل حركته، وتعهد بموجبه أن يعيش خارج العراق، مع إعادة كافة ممتلكاته إليه، بشرط أن يعين وكيلا عنه لإدارتها، فلما وقّعت حكومة نوري السعيد معاهدة 30 حزيران 1930 شعر الشيخ الحفيد أن بريطانيا قد تنكرت لحقوق الشعب الكردي واستغل الشيخ الحفيد قيام الأكراد في السليمانية بحركة احتجاجات واسعة ومظاهرات ضد المعاهدة، وضد حكومة نوري السعيد ليجمع المسلحين من أتباعه داخل العراق، احتل منطقة [ شهر بازار]، وبعث بمذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يطالبه بإنشاء دولة كردية في منطقة كردستان تمتد من زاخو وحتى خانقين.

أنذرت الحكومة العراقية الشيخ الحفيد بوجوب مغادرة العراق، وسحب عناصره المسلحة، لكن الشيخ الحفيد تجاهل الإنذار، ومضى في توسيع منطقة سيطرته، مما دفع الحكومة إلى تجريد حملة عسكرية كبيرة ضمت رتلين، وتوجه الرتل الأول نحو[جوارته ] فيما توجه الرتل الثاني نحو[بنجوين] ، كما شاركت الطائرات البريطانية في التصدي لحركة الشيخ الحفيد، حيث دارت بين الطرفين معارك دامية استمرت زهاء ستة أشهر تكبد خلالها الطرفان خسائر كبيرة. لكن قوات الحكومة استطاعت في النهاية فرض سيطرتها على مناطق كردستان، وهرب الشيخ محمود الحفيد لفترة من الزمن، ثم اضطر في نهاية الأمر إلى تسليم نفسه للجيش في 13 أيار 1931، وتم نقله إلى مدينة السماوة، ثم نقل إلى مدينة الناصرية، وأخيراً تم نقله إلى قصبة عانه، ثم سمحت له الحكومة بالإقامة في بغداد، وقررت مصادرة كافة أملاكه في محافظة السليمانية. (21)حامد الحمداني – مفكر حر

توثيق الحلقة الثالثة

(1)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 145 ـ عبد الرزاق الحسني.

(2)نفس المصدر ـ ص 153

(3)النشاط الصهيوني في العراق ـ ص 150 ـ حاييم كوهين .

(4)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 157 ـ الحسني.

(5)نفس المصدر ـ ص 176 .

(6)المصدر السابق ـ ص 208.

(7)مذكرات توفيق السويدي ـ ص 135 ـ.

(8)نفس المصدرـ ص 138 .

(9)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 279 .

(10)نفس المصدر ـ ص 284 .

(11) من ذكرياتي ـ ص 283 ـ عبد العزيز القصاب .

(12)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 294 .

(13)مذكرات ناجي شوكت ـ سيرة وذكريات ثمانين عاماً ـ ص 147

(14)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 7 .

(15)نفس المصدر ـ ص 17 .

(16)صحيفة صدى الاستقلال ـ العدد الرابع.

(17)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 19 .

(18)محاضر مجلس النواب 1930 ـ ص 57 .

(19)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص50 .

(20)في غمرة النضال ـ ص 178 ـ سلمان الفياض .

(21)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 127 .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

أزمة مستشار لم يستشره أحد

علي سالم

من منا لم يكذب على الناس عندما كان صغيرا ويكذب على نفسه بعد أن أصبح كبيرا، وخاصة عندما وقع في العشق لأول مرة في حياته، عاشقا لأنثى أو لسلطة أو لآيديولوجيا أو لحزب أو لجماعة أو لحزمة أفكار متصلبة مرضية. لست ألوم طفلا يكذب، فهو لم ينضج بعد بما فيه الكفاية ليدرك مدى خسارته مع كل كذبة، وهو أيضا مخلوق ضعيف محاط بكبار كل منهم في حجم النخلة أو الجبل الصغير، وعليه أن يحمي نفسه منهم باختراع أشياء لا وجود لها. في تلك المرحلة من الطفولة كانت هناك جملة واحدة تتردد على أسماعه كثيرا، وهي أن «اللي بيكذب بيروح النار»، وهو أمر يشعره بالرعب غير أن صوتا بداخله يقول له: أنت بالذات لن تدخل النار لأن أكاذيبك بيضاء لا تضر أحدا، ومع مرور الزمن بغير تكوين صحيح للضمير أو ما نسميه (الأنا العليا) لن تختفي حكاية النار هذه، غير أنه سيكتسب مناعة ضد المقولة نفسها، كل من يكذب على يقين من أنه لن يدخل النار لأن نيته عندما مارس الأكاذيب كانت طيبة، أو أنه كفر عن كل ذنوبه، ومنها أكاذيبه بالطرق التي يعترف بها بقية البشر، صادقين وكاذبين.. أبتعد الآن عن أنواع الكذب لأتناول بعض الحقائق.

آخر أزمات السياسة في مصر هذه الأيام، هي أزمة مستشار في رئاسة الجمهورية تمت إقالته لأسباب لم يوضحها أحد بالقدر الكافي، وبعد الإقالة كما يحدث عادة سكت الصمت وتكلمت البطولة تعلن على لسانه في كل البرامج الفضائية والجرائد في مصر وخارجها، حقيقة النظام وهي أنه ليس شفافا وليس وليس وليس وليس، إلى آخر الليسات التي تعرفها وتلك التي لا تعرفها، وبدأت حرب البيانات والبيانات المضادة في حرب بسوسية طاحنة. بيان واحد أثار اهتمامي وهو أن إقالة المستشار ليس لها صلة بعضويته في حزب النور، ولكن لأسباب تتعلق بشخصه. كما فهم المتابعون أيضا أن الرئاسة تتهمه باستغلال نفوذه بما يسيء لسمعة القصر الجمهوري، غير أنها لم توضح طبيعة أو أبعاد هذه التهمة.. هي كما ترى مباراة رائعة في إضاعة الوقت، وقت الرئاسة ووقت الإعلام ووقت الناس، للتغطية على السؤال الوحيد والمهم.. ماذا كانت فعلا وواقعا وحقيقة وظيفة الرجل في القصر الجمهوري؟

اسمح لي أن أجيب بسرعة عن هذا السؤال لكي أتفرغ بعد ذلك لإثبات صحة الإجابة: فعلا وواقعا وعملا وحقا هو لم يكن يمارس عملا من أي نوع في القصر الجمهوري. كان مستشارا مع وقف الاستشارة، لم يستشره أحد ولن يستشيره أحد حتى لو ظل هناك إلى الأبد، والذي قام بتعيينه هناك، عينه لأنه ليس في حاجة إليه، وأكبر دليل على ذلك هو أنه لم يكن يعطيه مرتبا مقابل عمله بمعنى أدق مقابل لا عمله، حتى إن الرجل أوضح أنه لم يكن يحصل على بدل مواصلات.

ومن هذه الإجابة التي تبدو متطرفة ينشأ سؤال: لماذا لم يهتم أحد بسؤاله عن طبيعة عمله في الرئاسة، هو مستشار لشؤون البيئة، ما الاستشارات التي طلبتها منه الرئاسة ومدى قربها أو بعدها عن البيئة، وبماذا أشار عليها، وكيف اكتسب خبرته واهتمامه بشؤون البيئة؟ هل هو مهتم بحزب الخضر في ألمانيا مثلا؟ هل من الممكن أن تعطينا نسخة من استشاراتك وإشاراتك ومشوراتك التي قدمتها للرئاسة لكي ننشرها في عصر الشفافية الذي لا يشف إلا عن خناقات وصدامات فقط؟

لا أحد سأل عن ذلك، لأن الإجابة تتعلق بشيء وحيد لم يعد أحد يهتم به في مصر وهو العمل.. الشغل. لا أحد سأله وماذا كان عملك يا سيدي؟ وفي الثلاثة أشهر التي حاولت فيها عبثا مقابلة رئيس الجمهورية، هل كنت تريد الحديث معه عن أنجح الطرق في القضاء على تلوث مصادر المياه في مصر؟ أم عن طريقة القضاء على السحابة السوداء، أم عن عوادم السيارات العاجزة عن السير في شوارع القاهرة. ليغضب مني أهلي وأرجو أن يغضبوا مني عندما أقول، لا أحد منشغلا بفكرة العمل في مصر، بل بفكرة الوظيفة والفرق بينهما كبير. وهو مرض قديم جدا، فقد حدث مع بداية الانفتاح أن فوجئ أصحاب المصانع بأن العمال يتركونهم ليعملوا بربع المرتب في الحكومة، وهو سلوك طبيعي، لا أحد في مصر يطلب عملا، بل وظيفة حكومية تتيح له أن يتخذ موقعا يبتز به الناس، ويتيح له فرصة الحصول على رزق حرام وفير. وهو الموقف الذي عبر عنه ابن رئيس الجمهورية الشاب بعد أن اعتذر عن قبول وظيفة سمينة وثمينة وذلك عندما تساءل.. ماذا أفعل لكي أحصل على (وظيفة) في بلادي؟ هو كمعظم الشبان في مصر يطلب وظيفة، هو لا يطلب عملا. بغير مواجهة هذه الحقيقة بشجاعة سنعجز عن تحقيق أي شيء في مصر.

تماما كما حدث مع المتحدث الرسمي، خرج من مكانه في القصر الجمهوري بعد أن اكتسب خبرة طويلة في نفي كل شيء، ليحصل على وظيفة حكومية خاصة بالإدارة والمعلومات، هكذا وللمرة الألف بعد الألف نضع إنسانا في مكان لا يعرف عنه شيئا. وكأنه من العار أن يقوم الإنسان بأداء عمله الذي أنفق في تعلمه سنوات عمره.. الرجل طبيب، ما الخطأ في أن يعمل طبيبا في عيادته وبقية مستشفيات مصر؟ ما المؤلم في أن يعمل الطبيب طبيبا والمهندس مهندسا؟

خداع الذات لم يعد يمثل حالات فردية منعزلة، بل أسلوب عمل، كل المستشارين الذين عينوا ثم أقيلوا أو استقالوا لم تكن الرئاسة في حاجة إليهم، كانت كذبة على النفس والناس الهدف منها هو إقناع الجماعات السياسية بأن لها نصيبا في الكعكة.. لكي لا تقولوا إنني أحكم بمفردي وإنني لا أستمع لكم.. تعال يا أخي، هل تفهم في البيئة.. لا.. جميل لقد عينتك مستشارا لشؤون البيئة.. وأنت يا أخي، أنت تحب السمك، لذلك سأعينك مستشارا لشؤون البحار والمحيطات، وأنت يا أختي، لم أفهم شيئا من كتاباتك، لذلك سأقوم بتعيينك مستشارة لشؤون الوضوح والشفافية.. هي كما ترى ليست من أكاذيب الطفولة غير الضارة، ولكنها خداع للذات ومن أكاذيب الكبار التي تورث الخسارة والضياع.

إذا كان هذا المثال يمثل أسلوبا في الإدارة، فمعنى ذلك أنك سترى نائبا عاما ليس نائبا عاما، وقاضيا ليس قاضيا، وضابط شرطة ليس ضابطا للشرطة، ووزيرا ليس وزيرا، وينتهي بك الأمر إلى الوصول إلى بلد ليس بلدا، ودولة ليست دولة، بل بحيرة من الأكاذيب الصاخبة والعنف.

* نقلا عن “الشرق الأوسط” السعودية

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

لَقَد هاجَ لَيلُ البين شجوي وَلا غروا

لَقَد هاجَ لَيلُ البين شجوي وَلا غروا إذا هاجَ لَيلُ البين من مغرمٍ شجوا

مَتى أَيُّها الأثْل الَّذي ظلّ ساكِناً تهبُّ الصَّبا إن الصبا وفدُ من أَهوى

إذا طلعت من خدرها الشمس في غد أَطلت إليها من دجى لَيلَتي الشكوى

يَرى الناس ما بي من جوىً وَصبابةً فَيَرجون لي السَلوى وأَنّى لي السَلوى

وَلا يَعلَم الصب المصارع للهَوى أَيَقوى عليه أَم عَلَيه الهَوى يَقوى

ومن كان فيه غلّةمن صبابة فَقَد يَشرب الماء القراح وَلا يَروى

وددت لَو اَنَّ الحب يَقسم منصفاً فَيسلبني عضواً وَيترك لي عضوا

‎جميل صدقي الزهاوي (مفكر حر)؟‎

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

يا موطناً

يا موطناً قد ذبتُ فيه غراما

أُهدي إليكَ تحيّةً وسلاما

لولاكَ لم أكُ في الوجود ولم أشِمْ

بَلَجَ الصباحِ وأسمعِ الأنغاما

أفديكَ من وطنٍ نشأتُ بأرضهِ

ومرحتُ فيه يافعاً وغلاما

ما كنتَ إلا روضةً مطلولةً

تحوي الورودَ وتفتق الأكماما

غازلتُ منها في الغُدوّ بنفسَجاً

وشممتُ منها في الأصيل خُزامى

وسعدتُ ألعب فوق أرضكَ ناشئاً

وشقيتُ شيخاً لا يطيق قياما

لكَ قد غضبتُ وفي رضاكَ حلمتُ أنْ

تنتابَني نُوَبُ الزمانِ جِساما

وسمعتُ من ناسٍ شريرٍ طبعُهمْ

كَلِماً على نفسي وقعنَ سهاما

لي فيكَ يا وطني الذي قد ملّني

حبٌّ يُواري في الرماد ضِراما

أمّا المنى فقد انتهتْ ومضاتُها

إلا بصيصاً لا يُزيل ظلاما

من ثَقّفتْه الحادثاتُ مُلمّةً

يلقى الخطوبَ بصدره بسّاما

كبر الأُلى من طيب أعراقٍ لهم

كانوا إذا لؤم السفيهُ كراما

بالذلّ لا أرضى وإنْ سلمتْ بهِ

روحي وأرضى بالحِمام زُؤاما

حَيِّ الذين إذا الهوانُ أصابهم

تَخِذوا الإباءَ من الهوان عِصاما

يا حاملَ الصمصامِ لا يحمي بهِ

حقّاً، لماذا تحمل الصمصاما؟

ما في المساواة التي نشدو بها

أن الوهاد تُطاول الآكاما

يا قومَنا لا نفعَ في أحلامكمْ

فخُذوا الحقائقَ وانبذوا الأحلاما

أخشى عليكم في الحياة تدهوراً

فيه الرؤوسُ تُقبِّل الأقداما

جهل الذين على قديمٍ عَوّلوا

إنّ الزمانَ يُغيّر الأحكاما

وأشدُّ خلقِ الله جهلاً أمّةٌ

نقضتْ فظنّتْ نقضَها إبراما

إني لأربأ أنْ أكونَ مِجنّةً

في الحادثات ولا أكون حساما

ولقد يريد الظالمون لنفسهمْ

بالظلم من شرٍّ يلمّ سلاما

وتشذّ آراءٌ، فكم من مجرمٍ

ما أن يرى إجرامَه إجراما

ولقد يُغالي المرءُ في آرائهِ

حتى يُثيرَ عداوةً وخصاما

ولربما أطرى أفاعيلاً لهُ

كانت إذا استقرأتَها آثاما

لا يستطيع بناءَ مجدٍ صادقٍ

من لا يكون لكاذبٍ هدّاما

هل يخرق العاداتِ في ما جاءَهُ

إلا جريءٌ لا يخاف ملاما ؟

أ إذا نجحتَ حمدتَ نفسَكَ مُطرِياً

وإذا فشلتَ تُعاتب الأياما ؟

إن الحياةَ وغىً وقد ينبو بها

سيفُ الشجاعِ ولا يكون كَهاما

ولربَّ حربٍ تختفي أبطالُها

تحت الستارِ ولا تُثير قَتاما

ذُمَّ التعصّبَ في الجدال فإنّهُ

سَقمٌ يجرّ وراءه أسقاما

ما أنتَ إلا ذرّةٌ منسيّةٌ

في بقعةٍ من عالمٍ يترامى

كَوْنٌ تُحرّكه نواميسٌ لهُ

كانت له منذ القديمِ لِزاما

تشكو به الأيّامُ مثلكَ أسرَها

فمن السخافة لومُكَ الأياما

فيه الشموسُ كثيرةٌ، فمن الذي

في البدء أَضرمَ نارَها إضراما؟

من يحسبِ الأوهامَ منه حقائقاً

يجدِ الحقائقَ كلَّها أوهاما

أو كان من داءٍ به يصدى فقد

يَرِدُ الخِضمَّ ولا يبلّ أُواما

لا يُنكر الحقَّ المبين سوى امرئٍ

يَعمى، وشرٌّ منه من يتعامى

ولقد يكون الفوزُ حِلفاً للأُلى

غمدوا السيوفَ وجَرّدوا الأقلاما

كم ريشةٍ في كفّ أروعَ بَدّدتْ

جيشاً تَدجّجَ بالحديد لُهاما

ظنَّ ابنُ آوى أنه أَسَدُ الشَّرى

حتى إذا لقي الهِزبرَ تحامى

لا تسخرنَّ فلابنِ آوى عذرُهُ

أن لا يكونَ القَسْوَرَ الضرغاما

ولقد جعلتُ ليَ الطبيعةَ قدوةً

وتَخِذتُ منها في الحياة إماما

ما أن أرومَ وإنْ زجتْني رغبةٌ

ما ليس يمكن أن يكونَ مراما

السيلُ إمّا عبّ مندفعاً فلا

يدع الوهادَ ويغمر الآكاما

ولقد أقول الشعرَ منفعلاً بهِ

ولقد أُنبّه بالقريض نياما

بسمتْ بناتُ الشعرِ حين شببنَ لي

ففطمتُهنَّ فما أردنَ فِطاما

أسفي على الأدب الذي يبغونَ أَنْ

يكسوه من عصرٍ خلا أهداما

أخذتْ تُنغّص راحتي ضوضاؤهم

من غير أن يلقى الجدالُ نظاما

فوددتُ لو أن الذين تجادلوا

جعلوا الوفاقَ على الصواب ختاما

أنا لا أحبّ سوى مكانٍ هادئٍ

أمّا الزحامُ فلا أريد زِحاما

‎جميل صدقي الزهاوي (مفكر حر)؟‎

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

الليبراليّة والراديكاليّة .

كما جاء في مقال – العالم مستوِ للصحفي الأمريكي توماس فريد مان

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=273449

تمّ الاتفاق على تناول كل من كتاب فريد مان وكذلك كتاب – فرانسيس فوكوياما – ( نهاية التاريخ وخاتم البشر ) وترجمة أخرى ( نهاية التاريخ والإنسان الأخير ) .

ترجمة حسين أحمد أمين , الطبعة الأولى 1993 , مركز الأهرام للترجمة والنشر .

لكن سأوضح أولاً , لماذا تمّ الاتفاق وما هي الغاية ؟

نحنُ نعمل على نشر الفكر الذي نؤمن به وهذا حق طبيعي للجميع .

اليوم نؤمن بالديمقراطية الليبرالية والتي نراها هي الأمثل لجميع دول العالم .

الليبرالية ليست مثالية خالية من أي عيب , إنما لو قورنت مع غيرها سوف يتبين أنها الأصلح لأنّها الوحيدة التي تؤمن بأن تكون في السلطة أو أن تكون في المعارضة أي انها ضد الراديكالية التي لا تقبل أحد , لاحظوا أنها بدأت تتعايش مع وصول التيارات الإسلامية إلى السلطة خلال الربيع العربي الحالي ( هكذا يسمونه ) , هذه الأفكار التي غايتها الفرد وحريته هي التي تتماشى مع طبيعة الإنسان والتي تتعامل بدون إكراه بينما الأفكار الراديكالية تفرض رأيها وبالقوة مهما كانت النتائج .. ( طبيعي يبقى الأمر مجرد رأي شخصي غير مُلزم لأحد لكنّي أتمنى على الطرف الآخر أن يكون على نفس القدر من المسؤولية والقبول بتعدد الآراء فالخصومة الفكرية شئ طبيعي وصحي ) .

” نتمنى من الجميع أن يعتبروننا خصوم في الفكر وليس أعداء فالخصومة متوقعة ومقبولة ولكن العداء والشتائم مرفوضة كما افترض من جميع العقلاء , موقع الحوار المتمدن له فضل كبير على الجميع ولكن هذا ليس معناه استغلال أهداف موقع الحوار المتمدن كونه يرفع شعار يساري ( هناك ليبرالية يسارية ) ويؤمن بمبادئ قد نختلف معها من أجل ( كسر العظم ) إذا صح التعبير “

الليبرالية كما جاء سابقاً هي الفضاء الوحيد التي من الممكن أن تحتوي الجميع فالحكم ليس مشكلتها على عكس الأفكار الأخرى والتي لا تقبل أي نقاش أو حراك و تعتبرما تملكه ” حقيقة مطلقة ” …

هذه هي النقطة التي يجب أن تكون في فكر وذهن المخالف من أجل حراك فكري لا غير .

الأستاذ فؤاد ألنمري لديه مقال بعنوان ” نهاية التاريخ وفرانسس فوكوياما ” منشور على صفحات الحوار المتمدن بتاريخ 30 – 6 – 2007 بالعدد 1962 , يُعارض رأي فوكوياما

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=101275

نبدأ فنقول بتصرف :

” التاريخ بمعناه الدقيق الذي يتحارب فيه الناس – الطبقات – فيما بينهم من أجل نيل الاعتراف ويحاربون فيه ضد الطبيعة بالعمل هو عند كارل ماركس ملكوت الضرورة –

Reich der Notwendigkeit

 – وبعده –

 jenseits

 – ملكوت الحرية –

 Reich der Freiheit –

حيث يعيش الناس وقد اعترف بعضهم بالبعض دون صراع فيما بينهم مع أقل قدر ممكن من العمل “

( الكسندر كوجيف , مقدمة لقراءة هيغل ) .

كما هو معروف للجميع فإن أصول الكتاب تعود إلى مقالة بعنوان ( هل هي نهاية التاريخ ) والمنشورة على صفحات مجلة

( The National Interest )

 صيف عام 1989 .

حسب رأي الكاتب ” ظهر في السنوات القليلة الماضية في جميع أنحاء العالم ” إجماع حول شرعية ” الديمقراطية الليبرالية ” كنظام للحكم بعد أن لحقت الهزيمة بالأيدلوجيات المنافسة مثل ” المَلكّية الوراثية , الفاشية , الشيوعية “

الديمقراطية الليبرالية قد تُشكل حسب صاحب الكتاب ” نقطة النهاية في التطور ” الأيدلوجي للإنسانية ” والصورة النهائية لنظام الحكم البشري .وهذا معناه أنها تُمثل ” نهاية التاريخ ” بمعنى أخر شابت أشكال الحكم السابقة عيوب خطيرة وانتهاكات للعقل أدت في النهاية إلى سقوطها .

الديمقراطية الليبرالية خالية من مثل تلك التناقضات الأساسية الداخلية .

ولكن هذا ليس معناه ” لا تعرف الظلم أو المشكلات الاجتماعية الخطيرة ” أمريكا – فرنسا – الخ .

في ظن الكاتب أن هذه المشكلات سببها قصور في تطبيق المبدأين التوءم ( الحرية , المساواة ) الذين قامت الديمقراطية الحديثة على أساسهما ولا تتصل بعيوب في المبدأين نفسيهما .

قد تفشل بعض دول العالم اليوم في تحقيق ديمقراطية ليبرالية مستقرة وقد يرتد بعضها إلى أشكال أخرى لحكم أكثر بدائية كالحكومة الدينية أو الديكتاتورية العسكرية إلا انه من غير المستطاع أن نجد ما هو أفضل من الديمقراطية الليبرالية مثلاُ أعلى .

اختلط الأمر على الكثيرين بسبب استخدام كلمة التاريخ لأنّهم يفهمون التاريخ بمعناه التقليدي باعتباره ” سلسلة من الأحداث “

مثل سقوط سور برلين – الإجراءات التي اتخذتها السلطات الشيوعية الصينية لفرض النظام في ميدان ” تيانا نمن ” – الغزو العراقي للكويت كدليل على أنّ التاريخ مستمر وأن الكاتب في نظر المخالفين قد وقع في خطأ .

ما ألمحَ إليه فوكوياما ( بلغَ النهاية ) لم يكن وقوع الأحداث بما في ذلك الأحداث الخطيرة والجسام بل التاريخ : أي التاريخ من حيث هو عملية مفردة متلاحمة وتطورية بعد الأخذ بعين الاعتبار تجارب كافة الشعوب في جميع العصور .

ارتبط هذا الفهم بالفيلسوف الألماني – هيغل – ثمّ أضحى جزءاً من المناخ الثقافي اليومي بفضل ” كارل ماركس ” الذي استعار هذا المفهوم عن التاريخ من – هيغل – وهو مفهوم يتضمن استخدام كلمات مثل ” بدائي – متقدم – تقليدي – حديث – عند الإشارة إلى مختلف صنوف المجتمعات البشرية .

إذن عند هيغل وماركس ثمّة تطوّراً متلاحماً جلّي الملامح للمجتمعات البشرية من مجتمعات قبليّة بسيطة قائمة على العبوديّة وزراعة الكفاف إلى مختلف أشكال الحكومات الدينيّة والملكية والارستقراطيات الإقطاعية وانتهاء بالديمقراطيات الليبرالية الحديثة والرأسمالية القائمة على التكنولوجيا .

لم تكن هذه العملية التطورية عشوائية في مسارها أو مبهمة الملامح حتى وإن لم يكن التطوّر في خط مستقيم وحتى وإن أمكن الشك فيما إذا كان الإنسان قد أضحى أسعد أو أحسسن حالاً نتيجة التقدم التاريخي في اعتقاد كل من هيغل وماركس لأنّ تطوّر المجتمعات البشرية ليس إلا ما لانهايّة بل أنّه سيتوقف حين تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع يًشبع احتياجاتها الأساسية والرئيسية .

إذن ( للتاريخ نهاية ) ؟

هي عند هيغل ” الدولة الليبرالية “

عند ماركس ” المجتمع الشيوعي “

ولكن هذا ليس معناه أن تنتهي الدورة الطبيعية من الولادة والحياة والموت ؟

إنما يعني هذا انه لن يكون ثمة مجال لمزيد من التقدم في تطوّر المبادئ والأنظمة السياسية وذلك لأن كافة المسائل الكبيرة حقاً ستكون قد ( حُلّت ) .

موضوع الكتاب يعود إلى سؤال قديم للغاية هو ؟

( ما إذا كان من المقبول منا ونحنُ نودّع القرن العشرين أن نتحدث مرة أخرى عن تاريخ للبشرية واضح المعالم والأهداف يتجه بالشطر الأعظم من البشرية صوب الديمقراطية الليبرالية ؟ ) الإجابة عند صاحب الكتاب / نعم / , لسببين :

الأول يتصل بالاقتصاد .

الثاني ” الصراع من أجل نيل التقدير والاحترام “

لا يكفي الاستشهاد بهيغل أو ماركس لإثبات صحة القول بأن التاريخ موجّه نحو غاية معينة فقد هُوجم تراثهم الفكري أعنف هجوم من كافة الاتجاهات على مدى قرن ونصف القرن هي عمر هذا التراث .

نهض أعمق مفكري القرن العشرين بهجوم مباشر على فكرة أن التاريخ عملية واضحة مفهومة الاتجاه .

بل وأنكروا احتمال أن يكون بوسعنا أن نفهم أي وجه من وجوه الحياة الإنسانية فهماً فلسفياً .

هناك تشاؤم فيما يتصل بإمكانية التقدم الشامل في مجال الأنظمة الديمقراطية وهو تشاؤم عميق ليس عارضاً أو من قبيل الصدفة إنما هو ناجم عن أحداث سياسية رهيبة حقاً وقعت خلال النصف الأول من القرن العشرين :

حربان عالميتان مدمرتان – ظهور الأيدلوجيات الشمولية – استخدام العلم ضد الإنسان في صورة الأسلحة النووية وتدمير البيئة .

إنّ تجارب ضحايا العنف السياسي من أولئك الذين عاصروا فظائع الهتلرية والستالينية إلى ضحايا بول بوت , هؤلاء سوف ينكرون أن تكون هناك ثمة ما يعرف بالتقدم التاريخي .

بل بات من المألوف أن يحمل المستقبل في طياته أنباء سيئة فيما يتعلق بتقدم وامن الممارسات السياسية الديمقراطية الليبرالية الملتزمة بالأعراف والتقاليد .

الأخبار السارة تطرق الآن أبوابنا .

أبرز تطورات الربع الأخير من القرن العشرين هو إماطة اللثام عن أوجه الضعف الخطيرة في أنظمة العالم الديكتاتورية حتى ما بدأ منها قوياً عتيداً سواء منها اليمين السلطوي العسكري أو اليسار الشمولي الشيوعي .

من أمريكا اللاتينية إلى شرق أوربا ومن الاتحاد السوفيتي إلى الشرق الأوسط وآسيا تهاوت حكومات قوية على مدى العقدين الماضيين .

ورغم أنها لم تفسح الطريق في كل الحالات أمام ديمقراطيات ليبرالية مستقرة فإن الديمقراطية الليبرالية تظل المطمح السياسي الواضح الوحيد في مختلف المناطق والثقافات في كوكبنا , كذلك المبادئ الليبرالية في الاقتصاد – السوق الحرة – قد انتشرت ونجحت في خلق مستويات من الرخاء المادي لم تعهده البشرية من قبل سواء في الدول الصناعية المتقدمة أو في دول كانت جزءاً من العالم الثالث الفقير .

( الآن تشهد المنطقة ما يُسمى الربيع العربي فهل سيفسح هذا الربيع الطريق أمام ديمقراطيات ليبرالية مستقرة لأنها المطمح الأساسي أم سوف تسير الثورات بعد تسنمها الحكم بعكس ذلك تماماً ) ؟

( الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد يهمها من سوف يكون على رأس السلطة بعد الربيع العربي والدليل هو وقوفها مع الثوار ضد الحُكام الأصدقاء الذين وقفت معهم أمريكا عندما كانوا في سدة الحكم ) .

( الرأسمالية التي سقطت في عام 1975 وتعفنت حسب قول الأستاذ فؤاد ألنمري هي الآن العالم الحر أو الرأسمالية الجديدة أو أي أسم أخر , الأسماء ليست ذات قيمة ” حسب رأيي الشخصي ” بل التجديد والتطور ومواكبة الأحداث وهذا هو الديالكتيك الذي لا يتوقف عند نقطة معينة ) .

الثورة الليبرالية في الفكر الاقتصادي كانت أحياناً تسبق وأحيانا تتلو الاتجاه صوب الحرية السياسية في مختلف بقاع الأرض .

هل تراجع فوكوياما عن ما يؤمن به ؟

هو من منظري المحافظين الجدد

( Neoconservattives )

 , طرأت تحولات على مواقفه وقناعاته في نهاية عام 2003 , تراجع عن دعمه لغزو العراق ودعا إلى استقالة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي السابق , تصويته ضدّ بوش في انتخابات عام 2004 لأنه اعتبر بان بوش أخطا أخطاء رئيسية وهي :

المبالغة في تصوير خطر التشدد الإسلامي على أمريكا .

إساءة تقدير إدارة بوش لردود الفعل السلبية وازدياد مشاعر العداء للولايات المتحدة الأمريكية في العالم الثالث .

التفاؤل الزائد في إمكانية إحضار السلم إلى العراق من خلال الترويج لقيم الثقافة الغربية في العراق والشرق الأوسط بصورة عامة .

تخلى فوكوياما صراحة عن ولائه وانتمائه لأفكار المحافظين الجدد في مقال نشرته المجلة التابعة لصحيفة نيويورك تايمز عام 2006 مقارناً حركة المحافظين الجدد ” باللينينية والبلشفية ” ونفى أن تكون الحرب العسكرية هي الإجابة الصحيحة على الحرب على الإرهاب وأضاف أن معركة كسب عقول وقلوب المسلمين حول العالم هي المعركة الحقيقية .

أدناه الرابط الذي يشرح تراجع فوكوياما عن موقفه .

http://www.falestiny.com/news/9203

للحديث بقية .

/ ألقاكم على خير / .‎شامل عبد العزيز – مفكر حر

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, فكر حر | Leave a comment

وداعاً يا رفيقي ؟

إنّ لكل جيل أفكاره كما أن لكل عصر ثيابه , إنّ الأفكار كورق الشجر تتساقط كل خريف .. ( توفيق الحكيم 1898 – 1987 ) .

قبل أكثر من 3 أعوام نشرت هذا المقال في صحيفة بيتنا الثاني – الحوار المتمدن – فما اشبه اليوم بالبارحة ,, المقال قراءته في مجلة مصرية قديمة لا أتذكر اسمها ولكن نص المقال موجود بين ثنايا أوراقي ..

سوف أحاول تقديمهُ بطريقة تختلف عن تقدِيمه أول مرة ..

الحيرة , اليأس , التشاؤم وغيرها من الأسباب هي التي جعلتني أتناول الموضوع مرة ثانية ونقول : كل الأفكار لم تنفعنا ,, ما هي طبيعتنا ؟ ولماذا نختلف عن باقي خلق الله ؟

لا الرسالات التي يسمونها سماوية استطاعت أن تنقذنا ولا مجمل التراث نفعنا ولا الأفكار المستوردة رسمت لنا الطريق ,, فماذا نفعل ؟

بدون استثناء :

لا الشيوعية , الليبرالية , الاشتراكية , القومية , الدينية – كل شئ في مهب الريح وكأننا نعيش على هامش الحياة دون أمل ودون قصد ودون تحقيق أي شئ ,, لا لنا ولا للعالم ولا للأجيال القادمة حتى أصبحنا عالة على البشرية وبدون استثناء والأنكى لا زلنا نكابر ونفاخر والشتائم حاضرة عند الصغيروالكبير ,, عند المثقف وعند الأمي ( هناك بعض الاستثناءات لأن التعميم ظلم ) .

من جراء بعض الآراء والكتابات يكون هناك حقد وشتائم وتهديد ووعيد ,, إذا وصلتم للسلطة فماذا تفعلون ؟

يقول بلند الحيدري ( لعل هناك من ينتبه ) ؟ في قصيدته حوار الأبعاد الثلاثة :

العدل أساس الملك ,, ماذا ؟ العدل أساس الملك ,, صه ,, لا تحك ,, كذب – كذب – كذب – كذب ,, الملك أساس العدل ,, ان تملك سكيناً تملك حقك في قتلي .

المقال الذي سوف انقله لكم من أوراقي بعنوان ( وداعاً يا رفيقي , جمعنا ماركس ) وهو عبارة عن حوار بين رفيق ورفيقته في خيال كاتب المقال الأصلي وفي نفس الوقت يعبر عن الرأي الذي أتبناه …

ما يحدث الآن في عالمنا العربي خير دليل على ضياع الجهود المبذولة ويبقى رأياً شخصياً فها هي مصر أم الدنيا وقبلها العراق وتونس وليبيا واليمن والأردن والمغرب والبحرين وسوريا على الطريق ودون العودة إلى تواريخ سابقة ..

لماذا ؟ نفس السؤال وبدون جواب ؟

أردنا أن ندخل عصر الحداثة فعدنا قروناً للوراء ,, أردنا أن نبني الأوطان فجعلناها مجرد خرائب ,, أردنا التخلص من الجهل والأمية فحصلنا على أعلى نسبة فيهما..

هل الحاكم هو السبب ؟ هل رجال الكهنوت ؟ أم الذين يسمونهم النخبة ؟ أم الكتب المقدّسة أم الامبريالية والصهيونية أم الشلّة الصهيونية أم الأفكار المستوردة ؟ ولكن حتى لو اجتمعت جميع هذه الأسباب ,, ألا يوجد سبيل للخلاص ومتى ثم كيف ؟ ماذا نستطيع أن نفعل أو ما هو الشئ الذي يجب أن نقدمه للخروج مما نحن فيه وعلى يد من ؟ هل ننتظر المهدي أم أبن العذراء أم صاحب الزمان ؟ أم نبقى نردد ما هو فائض القيمة وهل دولة إسرائيل هي دولة دينية أم ديمقراطية وهل هناك يسار صهيوني أم لا ؟ لو أردتُ ان أعدد لكم فلن أتوقف ..

نعود للمقال حتى تكون الصورة واضحة للجميع ..

( قالت لا بدّ أن نفترق لقد ضاع كل شئ كان بيننا ,, كل الأفكار الجميلة التي التقينا حولها عصفت بها الرياح ,, كل أحلام الكادحين التي رسمناها على جدران أيامنا سقطت ,,عشرات الكتب التي قرأناها والمذكرات التي كتبناها والمنشورات التي وزعناها ,, كل هذا كان مجرد حبر على ورق ) .

ولازلنا رفيقتي نفعل ذلك مع العلم بأن إينشتاين يصف ذلك بالغباء فيقول :

الغباء هو فعل نفس الشئ مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات مع انتظار نتائج مختلفة . دائماً ما نقرأ في الحوار المتمدن عن الكادحين وهمومهم ولكني لم أجد من قام بفعل شئ لهم أو استطاع أن يقدم لهم ما يحتاجونه أو ما يرغبون بتحقيقه ,, مجرد حبر على ورق والكلام هنا عن عالمنا وعالمنا فقط ,, نحن الدول التي يسمونها عدة مسميات بينما لا نجد في الدول المتقدمة من يكتب عن هؤلاء الكادحين لعدم وجودهم فالناس كأسنان المشط لا فرق بين عربي أو اعجمي إلا بالعمل ..

قالت له :

( لا بدّ أن نفترق يا حبيب عقلي ورفيق فكري ,, لقد جمعنا كارل ماركس وفرقنا غورباتشوف * مع العلم أن غورباتشوف أراد أن ينقذ ما لا يمكن انقاذه حسب ظني * جمعتنا أحلام رأس المال وفرقتنا رياح البروسترويكا , و لم يعد بيننا شئ نجتمع عليه ولا شئ نختلف عليه ) ..

ولكن نحن لا زالت أشياء كثيرة نختلف عليها باقية معنا ونرفض أن نغادرها فنحن نحب الجدل والنقاش إلى ما لا نهاية وإذا لم تصدقيني فعليك مراجعة كتابات الحوار المتمدن ,, ليت عمري ما الصحيح ؟

تقول الرفيقة :

( اجتمعنا حول أفكار الكادحين والبروليتاريا والجائعين والساقطين ووقفنا معاً بوجه الامبريالية * مسكينة أنتِ أيتها الامبريالية كم من الجرائم في عالمنا ترتكب باسمك , لو شغلنا انفسنا بما ينفعنا بعيداً عنك كان من الممكن أن نقول بأن هناك بصيص ولكن ( نحارب ونقاتل من أجل الشيوعية ) , حسب النظرية الماركسية فإن القتال من أجل الشيوعية لا بدّ أن يكون في المجتمعات الرأسمالية وصولاً إلى الاشتراكية ثم الشيوعية ولكننا اليوم في عالم لا نعرف ماذا نطلق عليه ( وللأسف الشديد هرب الكادحون منا ووجدنا أنفسنا في خندق واحد مع الامبريالية التي حاربناها سنوات عمرنا ومددنا أيدينا لمن يساوي ولمن لا يساوي ) .

هل كلام الرفيقة صحيح وفي الصميم أم انه مدعاة لليأس ؟ أنا مع الرفيقة ولا اختلف معها ..

نأتي إلى احلام الرفاق ونسأل :

( أين أحلام القطاع العام التي رسمتها ريشتك الجميلة على شطآن عقلي ,, أين ثورة الكادحين التي سوف تقتلع العالم الرأسمالي من جذوره ) ؟

مسكينة أنتِ أيتها الرفيقة لقد خدعوك كما خدعوا شعوبنا مرة بالدين ومرة بثورة الكادحين ..

نأتي لبعض الوعود والأحلام البسيطة التي ناضل الرفاق من اجلها ولكن :

( أين الشقة التي وعدتني بها على النيل * أو في موناكو أو في دبي أو في البندقية * أين المجتمع الشيوعي الذي تجد فيه كل شئ من الأبرة إلى الصاروخ أين يا رفيق الفكر السلع الملقاة في الشوارع لا تجد من يشتريها وأين السكن وأين العلاج والمدارس أين الآف الصور التي ضللتني بها و اوقعتني في شباك حبك وأفكارك ؟

قلت ليّ سوف سوف أرى باريس في بولاق وأشاهد الأوبرا في كفر العسكر وأرى أشجار الفاكهة تتراقص في الشوارع وتلقي ثمارها على العابرين ) .

كم هي جميلة الأحلام أعزائي القرّاء ولكن هنا لا نحتاج للجمال بل نحتاج لتحقيق الأحلام التي رسموها لنا منذ نعومة أظفارنا ..

( قلت ليّ كل شئ سيكون ببلاش كده وأصبح كل شئ الآن بطلعان الروح ) .

في إحدى المرات اعترض الزميل يعقوب ابراهامي على كلام ذكرته في إحدى كتاباتي عندما قلتُ ومن لا يتمنى أن يكون هناك مجتمع شيوعي فقال الزميل يعقوب أنا ,, استغربت في حينها ولكن بعد ذلك زال الاستغراب , بهذه الصورة التي تنقلها لنا الرفيقة هو مجتمع ديدنه الملل إذا ما تحقق , ميت لا حراك فيه ولا طعم ولا لذة ولا تشويق .

( قلت ليّ ستجدين الشقة والسيارة والمأكل والمشرب بأقل الأسعار فأين هذا كله , كيلو الخيار أغلى من الفراولة ولا استطيع أن أشتري الخيار ولم اتعلم أكل الفراولة ) .. ولا حتى العنب الأسود ولا البطيخ ؟ راجعوا قوائم الفقر أيها الرفاق في عالمنا حتى يكون لديكم صورة صحيحة ..

هل هذا هو اليأس والحزن والمعاناة ؟ هل هذا هو الإحباط والفشل من احلام تداعت في زمن كانت الأحلام ممكن أن تكون قاب قوسين أو ادنى ..

تقول الرفيقة :

( أين أفكار ماركس التي ضيعت عمري معها ) ؟

من وجهة نظر شخصية بحتة فإن من يحاول تطبيق الأفكار الماركسية على أرض الواقع بثورة أو انقلاب أو عنف أو بأي طريقة آخرى فإن الفشل هو الذي سيصيب تلك المحاولات مهما طال الزمن وفي أي بلد ..

جاء دور الرفيق لكي يرد على رفيقة عمره :

( قلتُ لا تنفعلي بهذه الصورة فانا حزين مثلكِ وربما أكثر منكِ ,, لقد أخذنا جميعاً – بمبة – من المرحوم كارل ماركس ) ..

( ضحك علينا * أي ماركس * قال لنا أن الصراع سيكون مع الامبريالية واكتشفنا أن الصراع أصبح مع انفسنا ومع كل مظاهر التخلف التي نعاني منها ) .

يبدو بأن ماركس لم يضحك على أحد بل من حاول تطبيق أفكار ماركس هو الذي ضحك على الجميع ..

( لقد اغرقتنا الكتب والنظريات وأبعدتنا كثيراً عن واقعنا بكل همومه ومشاكله ,, تصورنا أن الأحلام تبني القصور وأن الأماني توفر السلع وأن الشعارات هي الغذاء الحقيقي للشعوب وأن الخطب يمكن أن تكون أكبر من ناطحات السحاب ) .

انتهى حوار الرفيقة مع رفيق عمرها ..

هي صورة مصغرة تعبر عن واقع حزين ماسأوي لمجتمعاتنا التي كانت تحلم بالتغيير والتطوّر ولكنها كانت أبعد ما تكون عن ذلك فكل شئ كان يسير بطريقة مغايرة وعكسية ولذلك نحن في أسفل الترتيب ..

لقد ذهبت أحلامنا أدراج الرياح وشعوبنا اليوم تعاني الآمرين ..

أين الخلل ومن هو السبب ؟

الخاتمة ورأيي المتواضع الذي كان لا بدّ أن نسير عليه جميعاً من أجل قطف ثمار تلك الأحلام ولو بعد حين ..

الخلل في بنية المجتمعات بالكامل ودون استثناء من الحاجب إلى الرئيس والمطلوب هو إعادة تأسيس الثقافة ,, نساير العصر لا نلتفت إلى الوراء ولا بدّ أن ننظر إلى الأمام من خلال الحاضر الذي نعيشه ..

لماذا تمّ إعادة تأسيس الثقافة في المجتمعات الآخرى بينما لا زلنا نُعيد صناعة العجلة ؟

رأيي المتواضع أنقله كما جاء عند الدكتور عبد السلام بن مَيْسَ

كلية الأداب – الرباط :

من الملاحظ أن العالم الإسلامي لم يستفد لا من العقلانية الرشدية ولا من امتداداتها السياسية ، سواء في القرون الوسطى أو في العصر الحديث. لقد توافرت في العالم الإسلامي القروسطوي كثير من العوامل الثقافية التي كان بإمكانها أن تغير من توجه الصراع على السلطة ليميل نحو استقلال الدنيوي عن الديني : لقد كان هناك فلاسفة مسلمون ابتداعيون ، بل وأحياناً مُلحدون. لقد عبر إخوان الصفا عن ميلهم الواضح إلى أرسطو وأفلاطون أكثر من ميلهم إلى التقليد النبوي ، واعتقدوا أنه ليس هناك ديانة وحيدة تملك الحقيقة . أما الفارابي، فقد مجد العقل واعتبره كافياً لضمان سعادة الإنسان. وصارع ابن رشد المتكلمين والفقهاء طيلة حياته. بل حتى الشعراء ، مثل المتنبي وأبي العلاء المعري ، دافعوا عن العقلانية بوسائلهم الخاصة. ولكن بالرغم من ذلك، كانت الغَلبة لسلطة الفقهاء . وهذا عكس ما حصل في العالم المسيحي القروسطوي انتهى رأي الدكتور

كان هناك لحظة ما في عالمنا ولكن ؟؟

يقول محمود درويش :

عام يذهب وآخر يأتي وكل شئ فيك يزداد سوء يا وطني ..

( بل أوطاننا جميعاً سيدي ) ..

ملاحظة المقال الأصلي هو المحصور بين مزدوجين مع بعض التعليقات .

/ ألقاكم على خير / .‎شامل عبد العزيز – مفكر حر

Posted in فكر حر | Leave a comment

الشيخ محمّد وظاهرة اللسان الداشر؟! 5

نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز في عددها الصادر بتاريخ الثاني من آب 2004، وعلى صفحتها الأولى تقريرا مفصلا عن صلاة الجمعة الفائت في مسجد لاس فيغاس ـ أكبر مدينة للهو والقمار في العالم ـ شمل التقرير مقابلة مع إمام المسجد الشيخ زعفر انجوم، قال فيها: في كلّ يوم جمعة، ينزل رهط من الملائكة يقفون على باب المسجد، وسجلاتهم في أياديهم. يسجّلون لأول شخص يؤمّه حسنة رجل ينحر جملا ويوزع لحمه على الفقراء. ويسجلون للشخص الثاني الذي يؤمّه حسنة رجل ينحر بقرة ويوزع لحمها للفقراء. وللثالث حسنة رجل ينحر ماعزا ويوزّع لحمها للفقراء. وللرابع حسنة رجل ينحر دجاجة ويوزّع لحمها للفقراء. ولكلّ واحد يأتي بعد ذلك حسنة رجل يوزّع بيضة على الفقراء. وعندما يبدأ الإمام بخطبة يوم الجمعة، تغلق الملائكة سجلاتها وتعود إلى السماء رافضة أن تسجل أيّة حسنة لمن يأتي بعد تلك اللحظة!

فتصّور ـ يارعاك الله ـ تلك الحضارة والقيم التي يواجه بها هذا المعتوه الصحافة الأمريكيّة، وأيّة صحيفة؟! أكبر وأشهر صحيفة في العالم!! تصوّروا تلك الحضارة والقيم التي يخاف الشيخ محمّد من أن تتآمر عليها وفاء سلطان مع أعداء العرب والإسلام!!

من منّا يستطيع أن يصل إلى رأس هذا المعتوه، كي يغسله من جنونه، ويقنعه بأنّ الله لايمنح حسنة إلاّ لرجل نحر فعلا جملا أو بقرة أو ماعزا أو دجاجة ووزع لحومها على الفقراء؟!!

من منّا يستطيع إقناع هذا المعتوه بأنّ قيامه وقعوده في الليل والنهار لن يغني طفلا مسلما من فقر، ولن يشبعه من جوع!!

من يستطيع إقناع هذا المعتوه وكلّ المعتوهين، بأنّ أغنياءهم يسهرون على طاولات القمار وفي خمّارات لاس فيغاس، بينما أطفالهم يموتون جوعا في كلّ أنحاء العالم!! أليس هو الذي أقنع هؤلاء الأغنياء الضالّين، بأنّهم بألف خير طالما يصلّون حتّى ولو كانوا يفحشون؟!!

صدّام حسين، تقول الأنباء الواردة مؤخّرا، أنّه يقضي جلّ وقته في سجنه في قراءة القرآن! لاأشكّ لحظة بأن هذا الإمام المعتوه وأمثاله قد أقنعوا صدّام إنّ كلّ يوم يقضيه في قراءة القرآن سيسقط من ذمّته مقبرة جماعيّة لضحاياه من الأبرياء، كما أقنعوا الأغنياء بأنّهم طالما يصلّون هم ينفقون لحما في سبيل الله، سواء أنفقوا حقيقة أم لم ينفقوا!!

الشيخ محمّد يؤم صلاة الجمعة كلّ اسبوع، وقد يكون أوّل من يصل اليها، تلك حقيقة لايشكّ بها اثنان، ولذلك هو على يقين حتّى ولو روّج الإشاعات التي تهتك أعراض الناس، سيكون يوما ـ وكلّ المصليّن ـ في الخلد ينعمون!!

ببساطة وألم أقول: إن لم نستطع أن نصل إلى رؤوس هؤلاء المجانين، يجب أن يكون هناك طريقة ما نستطيع بواسطتها أن نفصل بينهم وبين الأجيال القادمة، كي نمنع العفن من أن يتسلل خلسة اليها ويفتك بها، كما فتك بهذا الإمام وغيره من المجانين.

من منّا يستطيع أن يصل إلى الأجيال القادمة، كي يُقنعها بأنّ الملائكة لاتنزل على دور العبادة، وإنّما تمر على الحقول والبيادر والمصانع والمدراس والمحاكم والبيوت، وتكتب تقريرا لله عن غزارة الحقول، ووفرة البيادر، وجودة المصانع، وسلامة المدارس، وعدالة المحاكم، ونظافة البيوت، وليس عن دور العبادة ومن وصلها أولا، ومن لم يصلها أبدا، فخير معبد للانسان عمله، وأدقّ مقياس هو انجازه!

**************

عندما كان بيريز كافييار أمينا عاما للأم المتّحدة، قام وزوجته بزيارة منطقة ضربتها المجاعة في السودان وأودت بحياة الكثيرين من الأطفال.

تقول زوجته: أمام هذا المشهد المرعب، أمام آلاف الأطفال الجياع، أحسست بعجزي واحباطي. وفي محاولة يائسة لفعل شيء، أيّ شيء، مددت يدي إلى محفظتي فعثرت على قطعة من السكاكر، ناولتها لطفلة تنظر إليّ بعينيها الحزينتين. تناولتها الطفلة وبلمح البصر وضعتها في فمها، فارتسمت على وجهها ابتسامة جميلة تسرّبت في كلّ خلاياي، ومنحتني احساسا بالدفء! هذا كلّ مااستطعت أن أفعله في تلك اللحظة! لايهمّ، المهمّ أنني رسمت ابتسامة، ولو كانت قصيرةالأمد، على وجه طفل حزين!

كم رجل مسلم في السودان يقوم ويقعد في الليل والنهار؟!! وكم من الجمال يذبح هناك وهو يقوم ويقعد ويوزّع لحومهم على الفقراء؟! في مخيّلة هؤلاء المعتوهين ملايين الجمال، ولكن على أرض الواقع لايوجد يد تمدّ قطعة من السكاكر لطفل جائع حزين!

في البلاد التي يموت فيها طفل من شدّة الجوع ولا يوجد رجل يتبرع بقطعة سكاكر، لايعيش الله!

وفي بلاد يقوم ويقعد ملايين الرجال ولا يذبح جملا ويوزّع لحمه على الجياع، لايوجد الله!!

من منّا سيحاول أن يقنع الأجيال القادمة بأنّ الله يبدّل حسناتهم بسيئاتهم، وليس العكس؟!

من سيحاول اقناعهم بأنّ السيئة الواحدة تمحي عشرة آلاف حسنة، وليست الحسنة هي التي تمحي عشرة سيئات!

أيّة طريقة تربويّة تلك التي تعلم طفلا أن الصلاة تمحي ماتقدّم من الذنب وما تأخر؟! مالذي سيردع هذا الطفل من أن يصبح رجلا فارغا عاجزا عن تقديم أية فائدة، طالما هو مقتنع أنّ صلاته ستمحي كلّ سيئاته؟!

لو لم يقتنع صدّام حسين بتلك العقيدة لعدّ للألف قبل أن يحفر مقابر جماعيّة بعرض البلاد وطولها! ولو استطاعت تلك العقيدة أن تزرع في وجدان الشيخ محمّد ذرّة واحدة من الوازع الأخلاقي، لارتدع قبل أن يطعن بشرف امرأة، زوجة وأمّ وسيّدة مجتمع وطبيبة وكاتبة لها قراؤها ومحبوها حول العالم، مهما اختلفت تلك المرأة في رأيها وأفكارها معه!!

لقد تحوّلت تلك الأمّة إلى لسان داشر يقرقع كالطبل الفارغ، مفتخرا بصوته جاهلا حجم جوفه!!

**********

وهنا أتسائل: من سيعيد تأهيل تلك الأمّة عقليّا؟ من سيفتح جمجمة الرجل المسلم ويستأصل من دماغه تلك الأورام الخبيثة التي فتكت بخلاياه، ودمرت المواقع الحركيّة والحسيّة في قشرة ذلك الدماغ؟!! من هو الجراح الماهر الذي سيقوم بإعادة زرع الأعصاب التي تربط القشرة المخيّة لهذا الرجل المعتلّ بلسانه؟!!

لا يستطيع أيّ جرّاح أن يستأصل ورماً قبل أن يعرف طبيعة هذا الورم، قبل أن يسلّط عدسة مجهره الإلكتروني على خزعة منه محاولا أن يعرف كيف يتكاثر هذا الورم وكيف يخرّب الأنسجة السليمة ويمنعها من القيام بوظائفها الطبيعيّة، فالأورام الدماغيّة تختلف بأحجامها وطرق انتقالها وسرعة انتشارها ودرجة خبثها!

عندما يتحول الدين إلى سرطان يفتك بعقل الإنسان يجد الشخص المعالج نفسه أمام أخبث وأشرس الأمراض العقلية، وبالتالي الأصعب علاجا واستئصالا!

والمصاب بسرطان الدين يختلف عن أيّ مريض آخر، فهو مقتنع، إلى حدّ التسليم، بالنعمة التي أفاض الله بها عليه عندما بلاه به، ويتجاهل خطورة الورم معتبرا إياه جزءا طبيعيا من تركيبته التشريحيّة.

أيّة محاولة في تلك المرحلة لإستئصال الورم أو حتّى تجميله تعتبر من قبل المريض محاولة لتشويه هويّته وتخريب كيانه وملامح بنيته!

لقد استفحل الهوس الديني عند الرجل المسلم حتى صار هويته ووصل به ألى أخطر مراحل مرضه، ويبدو الأمر خارج قدرة أيّ معالج على علاجه!

عندما تتردد على مسامعنا اسماء دول كأمريكا.. المانيا.. فرنسا.. اليابان.. تقفز إلى أذهاننا فورا ملامح هويّة كل دولة، فنتخيّل منتجات الدولة ومستوى انتاجها ورفاهيّة شعبها والمكاسب التي حصل عليها انسانها من خلال تقديسه للعمل المثمر، ودأبه المستمر لتطوير تلك المكاسب، وبالتالي تحسين الهويّة التي تميّزه وصقلها.

فلو حاولنا أن نقرن ذكر الباكستان ـ أو أيّة دولة اسلاميّة أخرى ـ بصفات تميّزها كدولة، لما وجدنا في حيّز ذاكرتنا سوى الفقر والجوع والتخلف والظلم والتسيب والرشوة والفوضى والمرض والجهل والإرهاب!

إذا كتب عليك أن تلتقي بأمريكي أو فرنسي أو ألماني أو ياباني وتتعامل معه لفترة طويلة لن تسمع منه، ولو مرّة واحدة، مايشير إلى دينه الذي يعتنقه. وإذا التقيت بباكستاني، أو أيّ رجل مسلم، وسألته، للوهلة الأولى، عن رأيه بالطقس يردّ: أشكر الله أنني مسلم!

هل الإختلاف في الموقف من الدين بين الأمريكي والباكستاني يعود إلى الإختلاف في درجة التديّن لدى كلّ منهما؟ طبعا لا! لكنّه يعود، في حقيقة الأمر، إلى الإختلاف في مفهومهما للتديّن!

الأمريكي يعتبر الدين أمرا شخصيّا جدا لاعلاقة للآخرين به، ولا يحس بضرورة ذكره لإثبات هويته فلقد أثبتها بعمله وانجازه وابداعه وتفوّقه. بينما الباكستاني يعتبر الدين هويته بعد أن فشل في اثبات تلك الهويّة بطرق أخرى، ويحس بحاجته لذكر دينه إذ ليس لديه شيء آخر يعرّف من خلاله على نفسه!

العمل هو الذي يجسّد الهويّة، يجسّد هويّة الفرد وبالتالي هويّة المجتمع!

…………….

يستمدّ الرجل المسلم مفهمومه وتقييمه للعمل من دينه. لقد أساء هذا الدين إلى مفهوم العمل الصالح والمثمر وفشل في تقييمه وتعريفه وايجاد القوانين التي تنظّمه وتشجّع عليه.

هنا سيحتجّ الكثيرون: ولكن الدين الاسلامي حضّ على العمل الصالح، الآيات والأحاديث والاجتهادات بهذا الخصوص تعدّ ولا تحصى!

يذكّرنا الطبيب النفسي الأمريكي توماس هاريس بمبدأ في علم الرياضيّات ـ سيتّذكره من القراء الذين يلمّون ولو إلماما بسيطا بقواعد الجبر ـ هذا المبدأ يقول: عندما تضرب رقما سلبيّا برقم إيجابي ستكون النتيجة رقما سلبيّا، وبغض النظر عن مقدار كلّ رقم على حدة. ولكي أبسط الفكرة دعوني أضرب مثلا:

(- 1) ضرب ( + 1000) = – 1000

لاحظوا هنا المقدار الإيجابي 1000 والمقدار السلبي 1 ومع هذا كانت النتيجة عندما قمنا بضرب الرقمين لصالح السلبي!

يتابع الدكتور هاريس قوله: في علم التربية نستطيع أن نطبّق هذا القانون على الإنسان. أيّة سلبيّة يظهرها أحد الوالدين في سياق تلك المهمّة الشّاقة والطويلة تقضي على الكثير من ايجابياته.

بمعنى لو وعظ الوالدان المسلمان أمام أطفالهما في الليل والنهار عن أهميّة العمل المثمر والدؤوب ثم قرأ أحدهما على طفله غزوات النبي ومبدأ تقسيم الغنائم في الإسلام لن ينفعهما أي شيء من وعوظهما وإرشادهما.

الإنسان في نهاية المطاف يتجسّد في خالقه ويصبح هو هذا الخالق بشحمه ولحمه وكلّ صفاته!

تلك حقيقة يؤكدها علم النفس والسلوك، فالإنسان يتعلّم بالتقليد، وهو يقلّد عادة مثله الأعلى سواء كان هذا المثل والده أم شيخه أم معلمه أم نبيّه، وهنا أعتقد أنّه في أغلب الأحيان يكون ربّ الأنسان هو مثله الأعلى!

من خلال خبرتي الشخصيّة، عندما ألتقي بانسان وأتعمق في علاقتي معه أعرف الكثير عن الاله الذي يعبده هذا الانسان لأنني أراه فيه.

يفتح الطفل المسلم كتاب الديانة ليقرأ عن نبيّه، بل في حقيقة الأمر عن مثله الأعلى، وأول كلمة يقرأها عن سيرة هذا النبي هي غزواته!

عندما يقول الكتاب: كان النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ يغزو، يطرح سؤال مهمّ نفسه: ماهي الرسالة التي يتلقاها هذا الطفل بالإيحاء؟

وعندما يتابع: وكان ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يسبي النساء ويوزّع الغنائم على المؤمنين! يطرح سؤال آخر نفسه: و ماهي تتمّة هذه الرسالة؟

النبي يغزو، ولنا أسوة حسنة في نبيّنا!

النبي يغنم، ولنا أسوة حسنة في نبيّنا!

النبي يسبي النساء، ولنا اسوة حسنة بنبيّنا!

إذا يحقّ لي أن أغزو وأغنم وأسبي!!

عندما يدرك الطفل المسلم بأنّ الهه يزاحم نبيّه على خمس الغنائم “لله خمسه وللرسول..” أي نوع من االالهة سيتقمص هذا الطفل؟

تعالوا نفتح إحدى قواميس اللغة العربيّة وليكن “المنجد للغة” ونصرف بعض الوقت في التنقيب عن معنى الغزو والغنائم في ذلك القاموس: “غزا القوم بمعنى سار اليهم لقتالهم وانتهابهم!”

نفهم من هذا التعريف بأن الغزو لم يكن، كما يدّعي من يحاول تبرير تلك الغزوات، لم يكن طريقة للدفاع عن النفس بل كان طريقة حياة!!

عندما يصبح الغزو طريقة حياة أين هي قيمة العمل؟

يغنم الرجل بمعنى: يأخذ شيئا دون مقابل ـ هذا هو تفسير القاموس لكلمة غنم!!

عندما يصبح مبدأ الرجل في الحياة أن يأخذ بلا مقابل أين هي قيمة العمل؟

ألا نرى هذا المبدأ ساري المفعول في مجتمعاتنا الإسلاميّة؟ ألا نرى فيه سببا رئيسيا لكلّ حالات البطالة والتسيّب والرشوة التي تتفشى في كلّ جوانب الحياة في تلك المجتمعات!

حدّثني شخص من معارفي عن أخيه الذي يعيش في الوطن الأمّ فقال مفتخرا: كان أخي معلما بسيطا في إحدى المدارس ولم يكن راتبه كافيا لإطعام عائلته، أثناء رحلتي الأخيرة إلى الوطن التقيت صدفة باللواء فلان الفلاني فدعوته لزيارتي في أمريكا ووعدته أن تكون نفقات السفر والإقامة على حسابي، ثم شرحت له في سياق الحديث وضع أخي وطلبت مساعدته. خلال أقل من اسبوع استلم أخي منصبا كبيرا في إحدى الوزارات، قال لي اللواء عندما التقى بي: سيستلم أخوك هذا المنصب لمدة عامين على الأقل وعليه خلال تلك الفترة أن يدبّر رأسه!

وصل المعلم البسيط إلى المنصب الكبير عن طريق الغزو، وسيغنم منه مايقدر عليه خلال عامين!

المبلغ الذي سيدفعه هذا الشخص لسدّ تكاليف زيارة اللواء له في أمريكا ونفقات تلك الزيارة كاف وكفيل أن يساعد أخاه للقيام بأي مشروع يدرّ عليه كسبا حلالا ولقمة نظيفة، ولكن يبقى مفهوم الغزو والغنائم سيّد المواقف!

تقدّمنا مرّة بشكوى لمدير الصحة عن تسيب عامل التنظيفات في غرفة الإسعاف وتغيّبه عن الدوام وعدم التزامه بالعمل الموكل اليه، قال المديرغاضبا: نام هذا الرجل على باب بيتي اسبوعين وكان يركض ورائي كلّ صباح عند مغادرتي للبيت متوسلا: دخيلك ياسيادة المدير! زوجتي وأطفالي يتضورون جوعا ، دخيلك! أبحث عن عمل كي أسدّ به رمقهم!

ويتابع المدير: بعد أ سبوع من تعيينه كعامل تنظيفات في غرفة الإسعاف بدأت الشكاوى عليه تنهال من كلّ حدب وصوب!

أين الخلل في تلك المعضلة؟

هل الخلل في الشخص الذي يقيم في أمريكا واشترى لأخيه منصبا في الوطن الأمّ، أم الخلل في أخيه المعلم البسيط، أم الخلل في اللواء، أم الخلل في مدير الصحّة، أم الخلل في عامل التنظيفات؟!!

طبعا لا! بل الخلل في الإرث الفكري الإسلامي الذي شوّه مفهوم العمل والكسب لدى هؤلاء الرجال!

المنصب في ذلك الإرث غنيمة وليس عمل ومسؤوليّة، والوصول اليه يتم عن طريق الغزو وليس عن طريق امتلاك المهارات والكفاءات!

معلم بسيط ينام ليفيق مسؤولا عن منصب كبير ’يفترض أن يتّطلب الفوز به امكانيات ومهارات معيّنة، ورجل شحاذ، لايعرف من أمور النظافة شيئا، ينام على باب المدير ليفيق عامل تنظيفات في أشد الأماكن حساسية وتتطلبا للنظافة، في مستشفى، بل في غرفة اسعاف!

من سينقذ هذا الرجل من المطبّ الفكري والكابوس العقائدي الذي وقع ضحيّته؟!!

قرأت مرّة مثلا يقول: عندما تتخوزق لاتلمس مؤخرتك، بل فتش داخل رأسك عن الفكرة التي خوزقتك!

لقد تخوزق الرجل المسلم، وقبل أن يسحب الخازوق من مؤخرته، عليه أن يسحبه من داخل راسه!!

للحديث صلة.وفاء سلطان (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment