هل كان لموسى الصدر علاقة بحافظ الأسد؟

الشرق الاوسط: حسن صبرا

قرأت مقالة للكاتب والصحافي الإيراني أمير طاهري، نشرت تحت عنوان «لبنان: استراتيجية حزب الله الخطرة» في جريدة «الشرق الأوسط» الجمعة الماضية.

ولديّ استدراكات على ما كتبه الأستاذ طاهري، مع تقديري لما احتوته المقالة من أفكار وآراء وبعض المعلومات الخاصة بالموقف من حزب الله وعدوانه على الشعب السوري في القصير وغيرها، وهو عدوان كنت أشرت إليه للمرة الأولى في شهر يونيو (حزيران) 2011 أي بعد ثلاثة أشهر من اندلاع ثورة الشعب السوري ضد طاغية سوريا بشار الأسد، وحددت مواقع وجود الحزب المذكور، في إحدى الثانويات في مدينة حمص، وقد أوردت هذه المعلومة عبر مجلة «الشراع» اللبنانية.

ملاحظاتي حول ما ورد من معلومات تخص علاقة رئيس المجلس الإسلامي الشيعي السابق السيد موسى الصدر (اختفى في ليبيا أثناء زيارة لها بدعوة من العقيد معمر القذافي في الفترة ما بين 25 إلى 31 – 8 – 1978) بالرئيس حافظ الأسد.

ولعلني أنطلق من هذه الزيارة لتبيان طبيعة علاقة الإمام الصدر بحافظ الأسد مؤسس السلطة التي أورثها لابنه بشار بعد رحيله في 11 – 6 – 2000.

فقد سمعت من نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، في مقر إقامته في باريس بعد انشقاقه عن نظام الأسد، أن الإمام الصدر اتصل به قبل قيامه بجولة عربية شملت الكويت والجزائر (وكانت ستشمل ليبيا) بعد تدخل الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين ليستقبل القذافي الصدر، حيث لم يكن بين الصدر والقذافي أي صلة قبل وساطة بومدين.

يقول خدام للكاتب: إن الصدر طلب رأيه في هذه الجولة، وإن نائب الرئيس السوري يومها أبلغ الصدر بأن «سوريا الآن يا سيد في حالة حصار سياسي، والمطلوب من أصدقائها أن يكونوا كلهم معها، وألا يتخلوا عنها في هذه المرحلة، حتى لا يفسر كثيرون قيام صديقها المميز – ويقصد الإمام الصدر – بجولة عربية خارج سوريا بأنه تخل منه عن علاقته معها».

يعني أن خدام نصح الصدر بألا يقوم بهذه الجولة.. لكن الصدر لم يستمع إلى نصيحة خدام، فكانت نهاية جولته العربية هي نهاية حياته قتلا كما يؤكد كثيرون.. في ليبيا.

المهم – وهنا بيت القصيد – أن الصدر كان يزور سوريا دائما.. ويلتقي حافظ الأسد كثيرا جدا.. لكن آخر مرة استقبل فيها حافظ الأسد رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان موسى الصدر كانت قبل عام من لقائه المشار إليه مع خدام، وهذا ينفي قول الأستاذ طاهري بأن الأسد لم يستقبل الصدر أبدا.

ما الذي جرى في هذا اللقاء؟

سمعت من مقربين جدا من الإمام الراحل أن لقاء الصدر مع حافظ الأسد كان صريحا بما طلبه الصدر من الأسد.. بأن يتنبه إلى سلوكيات ضباط جيشه وجنوده في لبنان، حيث باتت سلوكياتهم أسوأ بكثير من سلوكيات عناصر المنظمات الفلسطينية الذين كانوا منتشرين في معظم أرجاء لبنان.

قال الصدر للأسد بصراحة: إن الفلسطينيين هم تربية منظمات مسلحة غير منضبطة، لكن الجيش السوري هو جيش منضبط.. ولا يجوز أن تنحدر سلوكياته إلى سلوكيات المنظمات الفلسطينية، مشيرا بكلام اعتبره الأسد جارحا شخصيا له عندما قال: «سيادة الرئيس، إن شعبية ياسر عرفات تدهورت عند اللبنانيين بسبب سلوكيات منظماته المسلحة.. ونحن حريصون على مكانتكم في قلوب اللبنانيين».

غير أن هذا الكلام الصريح والواقعي كان كافيا ليتوقف حافظ الأسد عن استقبال الرئيس الروحي للشيعة في لبنان.. إلى أن اختفى هذا في ليبيا.

نأتي إلى الأهم.

إن حافظ الأسد درج على استقبال موسى الصدر في دمشق اعتبارا من عام 1971.. بعد أن انتخب الأسد رئيسا للجمهورية العربية السورية مسبوقا بفتوى رجال الدين الكبار في سوريا (السنة طبعا) بجواز انتخاب علوي للرئاسة، باعتبار أن المذهب العلوي هو أحد المذاهب الإسلامية التي يجوز التعبد بها (عام 1959 أصدر شيخ الجامع الأزهر الإمام الأكبر محمود شلتوت فتوى بجواز التعبد على المذهبين الاثني عشري والزيدي، وسمح بتدريس المذهب الشيعي في الجامع الأزهر منذ ذلك التاريخ).

وفي أحد اللقاءات بين الأسد والصدر فإن الثقة التي جمعت بينهما دفعت الرئيس السوري لأن يطلب من المسؤول الشيعي اللبناني (من أصل إيراني) بأن يضم علويي لبنان إلى المذهب الشيعي ليكونوا سندا لهم في لبنان.

وقد شكر الصدر طلب الأسد. وبادر بعد عودته إلى لبنان بتجهيز الأمور إداريا ومذهبيا لتطبيق هذه الفكرة.. فأنشأ في مدينة طرابلس حيث الوجود العلوي الأهم في منطقة بعل محسن محكمة شرعية شيعية ليحتكم إليها العلويون اللبنانيون في شمال طرابلس وعكار. وكذلك الشيعة المنتشرون في بعض قرى الشمال.

وعين الإمام الصدر الشيخ خليل ياسين أحد أعضاء الهيئة العلمائية في المجلس الشيعي في الحازمية، قاضيا أول في هذه المحكمة.

لم يرق هذا الأمر لأحد أتباع رفعت الأسد الذي كان ما يزال ذا نفوذ مدمر داخل سلطة آل الأسد في سوريا، وهو علي عيد (نائب سابق في مجلس النواب اللبناني مؤسس الحزب العربي الديمقراطي ويرأسه الآن ابنه رفعت).

قيل يومها إن علي عيد وبطلب من رفعت هاجم المحكمة الشيعية في طرابلس وأطلق النار على من فيها فأصيب بعضهم وهرب الشيخ خليل إلى بيروت.. ولم يعد بعدها إلى طرابلس.. بل إن موسى الصدر أقفل المحكمة حتى لم يعد لها وجود حتى الآن. لكن هذا لم يمنع رفعت علي عيد أن يقف مع اشتداد عدوان إيران وحزب الله على الشعب السوري، من أن يعلن في مؤتمر صحافي أننا لسنا أقلية فنحن جزء من جبهة تمتد من طهران عبر العراق وسوريا ولبنان حتى الضاحية الجنوبية في جنوب بيروت وحتى جبهة جبل محسن في طرابلس.

* رئيس تحرير مجلة «الشراع» اللبنانية

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

«إستربتيز سياسى»

المصري اليوم: سحر الجعارة

ليس مهماً أن يعرف رئيس الجمهورية الفرق بين «الميجا» و«الجيجا» حتى وهو يحدث النخبة السياسية فى أزمة سد النهضة، وفى ظل حالة من «الظلام» تعم مصر بسبب الانقطاع الكهربائى!!. الدكتور «محمد مرسى»، الذى يحمل دكتوراه فى الهندسة، لا يعرف كيف يحسب طاقة توليد السد العالى للكهرباء، ولذلك خرج الأشرار يتندرون على خطأ عادى، دون أن ينتبهوا إلى الفخ الذى نصبته مؤسسة الرئاسة للمعارضة، لتبدو المعارضة وكأنها تقوم بـ«إستربتيز سياسى» وهى لا تعلم أن جلسة الحوار الوطنى مذاعة على الهواء!!. صدمت وأنا أرى الدكتور أيمن نور، رئيس حزب «غد الثورة»، يقترح أن: «تنشر مصر شائعات عن سعى مصر لامتلاك طائرات متطورة كطريقة استخباراتية لبث الخوف فى نفوس الإثيوبيين»!!.

وكأننا سنلعب «استغماية» فى معركة دبلوماسية تهدد مصر بالظلام والجفاف، ويجب أن تديرها لجنة على أعلى مستوى من الرئاسة والدفاع والخارجية والمخابرات.

لكن صدمتى الكبرى كانت فى الدكتور «عمرو حمزاوى» الذى قرر إضفاء شرعية على حكم الدكتور «مرسى»، ورفع شعارا ظاهره: «الحرص على الأمن القومى المصرى»، وباطنه البرجماتية السياسية!. حمزاوى، الملقب بـ«مهند السياسة المصرية»، لم تغب عنه مغازلة الرئيس وبطانته فأخذ يشكر الرئيس على الشفافية التى تمتعت بها الرئاسة المصرية فيما يخص أزمة سد النهضة.

هنا قررت أن «ألطم» وهذا حق دستورى!!. وفى عز «اللطم» وجدت «أبوالعلا ماضى»، رئيس حزب «الوسط»، يقول: «ممكن نطلع شائعات بأن مصر هتضرب السد» فأصابتنى هيستيريا من الضحك والبكاء وأنا أرى حال «النخبة السياسية»، التى يفترض فيها تكوين جبهة شعبية موحدة للدفاع عن حق مصر فى مياه النيل، والتفاوض مع الدول الممولة لسد «النهضة» الإثيوبى، وتدويل القضية لإطلاع الرأى العام العالمى على الأضرار التى تقع على مصر من بنائه.. (يا خيبتنا الثقيلة)!.

فى تقرير أمنى نشرته «المصرى اليوم»، ترى المخابرات أن محتوى الحوار بين القوى الوطنية والرئيس ربما يتم استخدامه ضد مصر فى المحافل الدولية، لأن به نوعا من التحريض على إثارة البلبلة فى المجتمع الإثيوبى(!!). وهذا معناه أن حقنا فى المياه وتوليد الكهرباء سوف يضيع وسط إدانة دولية بسبب الغباء السياسى، ولأن من يقال عنهم «نخبة» يخلعون حكمتهم وخطبهم «الحنجورية» خلف الكاميرات.. حتى جاء البث المباشر على الهواء لينزع مصداقيتهم!. هم أحرار فى تلطيخ وجوههم بتراب الاتحادية، شريطة ألا يشارك أحدهم فى يوم ٣٠ يونيو.. فنحن نتبرأ من أمثالهم.

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

بين ثقافة القبور … وثقافة الزهور

بين ثقافة القبور … وثقافة الزهور…..هل من متعض ؟

يقول المفكر السعودي عبد الله القصيمي

كلّ الأمم تعشق الفنون والثقافة وتحترم المرأة إلاّ بني يعرب فهم يؤسّسون لثقافة القبور وغسل الموتى وتغليف المرأة

ولذلك فشعوب العالم تتطور ونحن نتخلف

نتخلف في ديار الإسلام ديار الإستبداد وتتفتح الأزهار في بلاد الغرب الديمقراطي

 

تعيين السيدة هادية طاجيك (مسلمة – 29سنة) كوزيرة للثقافة لتصبح بذلك أصغر وزيرة في الحكومة النرويجية وكذلك أول عضو مسلم في مجلس الوزراء على الإطلاق في الدولة الإسكندنافية ؟

ملحوظة : في النرويج نسبة المسلمين أقل من1% ؟

Posted in ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

حائط الأكاذيب

الشرق الاوسط

خلال الحرب اللبنانية تولى كل فريق «تطهير» مناطقه بعد عقود من الاختلاط بين الطوائف. وكانت منطقة «النبعة» حيا شيعيا مكتظا بالفقراء في الجهة الشرقية من بيروت. وقام حزب «الكتائب» بهجوم شرس وشامل عليها. ولما تم له الانتصار شرب مقاتلوه «الشمبانيا» احتفالا أمام كاميرات التلفزيون. يومها كتبت ما عنوانه «نصر أبشع من الهزيمة».

تذكرت «النبعة» وركامها وأنا أشاهد دمار القصير والاحتفالات الممتدة من طهران إلى جنوب لبنان. احتفالات بانتصار مقاتلي حزب الله الذي حسم للجيش العربي السوري أول معركة بين الشعب والنظام. عدنا نسمع تعابير درجت في حرب فيتنام وحروب إسرائيل كـ«الغارات الوقائية» و«تمشيط» المدن، أي سحقها كما بالمشط. منذ عامين ومدن سوريا وقراها تقصف بطائرات بوتين وصواريخه وكأنها أرض عدو وأدغال كثيفة. حتى الإنذار الذي كان يعطيه الأميركيون للمدنيين لا يعطى. ولا الإنذار الذي كان يعطى لهم في الحرب العالمية الثانية. وما كان يعقب أي معركة أي احتفال، لأن قتل الناس ليس بهجة ولأن الفتنة أشد من القتل.

تغيرت في بلاد العرب (وإيران) معاني كل شيء حتى الموت والفرح والانتصار والعدو والضحية والمواطن. كان تشرشل يقول سوف نظل نقاتل حتى آخر فرنسي، وها هي إيران تريد أن تقاتل حتى آخر عربي من دون أن تنسى استعدادها لـ«تدريب الجيش السوري». يوصف ذلك في الإنجليزية بـ«إضافة الإهانة إلى الجرح».

ربما كان توزيع الحلوى أشد إيلاما من ركام وجرحى وقتلى ومهجري القصير. متى كان موت «الشقيق» مفرحا ومشهد المدن المرمدة مبهجا؟ و«الأسرة الدولية» تستنكر وترسل برقيات التعازي والمعلبات. عالم ميزته الأولى اللؤم واللامبالاة. تدرب فلاديمير بوتين في أقبية الـ«كي جي بي» على احتمال مشاهد التعذيب وتجاهل دماء الناس وصراخها. وجون كيري يعتذر عن «تأخر» أوباما في الالتفات إلى سوريا. هلموا إلى جنيف، حائط الأكاذيب السادية.

لطالما اعتذر الألمان عن أعمال هتلر. ذهب فيلي برانت إلى بولندا وركع. وكان صادقا. لكن الاعتذار لم يرد ضحية واحدة من أربعة ملايين إنسان. ولطالما اعتذر اليابانيون عن وحشية جنرالاتهم وجنون جنودهم في الصين وكوريا لكن الناس تتذكر الوحشية لا الاعتذار.

اعتذار جون كيري كلام بليد مثل مسلسلات لافروف. لا شيء يرد طفلا سوريا أو منزلا أو حقلا كان ينتظر الري فنزلت عليه حرائق بوتين. فتشوا عن «أسرة» أخرى تتبنى قضاياكم. الأسر لا تقوم على قبول الفظاعات.

 
Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

سوريا بين جبهة النصرة وحزب الله!

الشرق الاوسط

تسارعت الحملات الإعلامية خلال الأسبوعين الأخيرين من جانب وسائل إعلام حزب الله وحلفائه في لبنان والعراق، مُهَوِّلةً من شأن «التكفيريين» الذين تأخر «الحزب» كثيرا في مواجهتهم. وقد لام الحزبَ على هذا التأخر والتردد قوميون ويساريون أيضا. وهذا ليس غريبا على الطوائف والإثنيات الحزبية والآيديولوجية في سوريا ولبنان وفلسطين. فالبعثيون والشيوعيون والقوميون السوريون هم مع النظام السوري ومع حزب الله وإيران منذ أكثر من عقدين. وهؤلاء يتقاضون بدلات مادية أو سلطوية ومن إيران إلى لبنان وسوريا وفلسطين بالطبع. كل هذا – كما سبق القول – ليس جديدا وليس غريبا، فالمشكلة لدى هؤلاء وبالدرجة الأولى إيجاد طرف داعم يستطيعون الاستناد إليه بعد الانهيار التدريجي ثم الزلزالي للأنظمة الاستبدادية الحاكمة أو التي كانت حاكمة (وهم شركاء صغار لها) باسم العروبة أو الحداثة أو العلمانية أو المقاومة. والطريف وغير الظريف أن هذه الحداثة كلها التي مثلها بالنسبة لهم الأسد والقذافي وصدام حسين، صارت الآن (من دون أن يجدوا حرجا في ذلك!) بأيدي آل الأسد، وحكومة ولاية الفقيه بطهران! وقد كانوا (وبينهم الحزب القومي السوري العلماني جدا) إلى ما قبل ثلاثة أشهر يدافعون عن بقايا نظام الأسد باعتبار أن انهياره يمثل انهيارا لمنظومة المقاومة، كما يمثل استسلاما للتنظيمات «الإرهابية» التي تقاتل ذلك النظام! وحزب الله يقاتل في سوريا منذ أكثر من عام. لكنه قبل ستة أشهر (وعلى لسان أمينه العام) حصر قتاله بالدفاع عن «اللبنانيين» في سوريا. ثم تقدم خطوة مع الأمر الإيراني بالقتال الكامل مع النظام وفي سائر أنحاء سوريا، فأضاف: «من أجل حشد الحزبيين، وإسكات تذمرهم من ازدياد عدد قتلاهم هناك» إلى هدف الدفاع عن اللبنانيين الشيعة بسوريا: الدفاع عن المقدسات الشيعية مثل السيدة زينب والسيدة سكينة وحجر بن عدي.. إلخ، لكنه في خطابه الأخير قبل أسبوعين حدد هدفين واضحين: مقاتلة التكفيريين، ومنع سقوط النظام. بعدها انطلقت وسائل إعلامه من كل ناحية في حملة على جبهة النصرة والسلفية الجهادية و«القاعدة»، (وهي بحسبهم تسميات متعددة لجهة واحدة). فأما وسائل الإعلام الشيعية فهي تتوجه إلى الشيعة في سائر أنحاء العالم لمساعدة حزب الله والمالكي في الحيلولة دون إبادة الشيعة بسوريا ولبنان والعراق، وأما وسائل الإعلام الأخرى (العلمانية والقومية واليسارية سابقا) فتعتبر أن «الظاهرة الإسلامية» التي أتت بها الثورات ما استطاع الوقوف في وجهها حتى الآن غير الأسد ونظامه، ولذلك لا بد من دعم النظام بشتى الوسائل من جهة، وحزب الله من جهة ثانية، لأن العدو واحد، فضلا عن فضائل الحزب في مقاومة إسرائيل من قبل ومن بعد!

لقد دخل في هذه الحملة على «التكفيريين» (الذين يسميهم الأميركيون والروس والأوروبيون: إرهابيين) الغربيون أيضا، وقبل حزب الله. بل إن وزير الخارجية الروسي رد أخيرا على وزير الخارجية الأميركي ومسؤولي حقوق الإنسان الذين طلبوا الرأفة بالمدنيين في القصير، بأن الأسد إنما يضرب الإرهابيين هناك، وليس من المنطقي أن يوقف النظام أو حزب الله إطلاق النار من جانب واحد!

وإذا كان المقصود الأول من خطاب نصر الله تحشيد الشيعة بالذات، وتبرير المخاطرة رغم كثرة القتلى واحتمال انفجار الصراع الشيعي – السني، فإن الهدف الثاني هو الالتقاء مع الغرب والروس على «مصالح مشتركة»، يصبح معها الأسد ونظامه تفصيلا بين التفاصيل. فتحت وطأة هذا التصعيد من شأن جبهة النصرة إرادة إرعاب للأوروبيين بعد الأميركيين. وقد اضطر ذلك الفرنسيين إلى التراجع بعض الشيء، كما اضطر وزير الخارجية البريطاني المتحمس لدعم الثوار السوريين إلى القول إنه لن يفعل ذلك إلا بعد مؤتمر «جنيف – 2» الذي لا يعرف متى ينعقد، هذا إذا انعقد! وقد ادعى أحد الكتاب المعروفين في صحيفة بارزة، أن وزير الخارجية البريطاني هو من المحافظين الجدد الكارهين للعرب والمسلمين! كما اكتشف فظاعة «جبهة النصرة» الكاتب الفرنسي المعروف برنار هنري ليفي (الذي كان شديد الحماس للثورة الليبية)، وعشرات المعلقين الإسرائيليين. وما عاد سرا خافيا أن بين أسباب تردد الأوروبيين وجود قوات لهم في جنوب لبنان، واحتمال تعرض حزب الله لها، شأن الأميركيين الذين كانوا خائفين من تعرض الإيرانيين لجنودهم في العراق، وانتهى بهم الأمر إلى تسليم العراق لإيران وخروجهم منه عام 2010 – 2011!

ولنعد بعد وصف المشهد المصنوع في الإعلام ودوائر القرار خلال شهور عام 2013، إلى حقائق المسألة. هناك مشكلة كأداء في وعي المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم من أهل الاعتدال، والذين ينهمكون دائما في مناقشة الغربيين وخطاباتهم الإعلامية إرادة كسبهم. هؤلاء يريدون التسوية بين جبهة النصرة وحزب الله باعتبارهما وجهين لعملة واحدة هي التطرف، وهم يرون أنهم بذلك يتبرأون من «القاعدة» والجهاديين، ويسهلون على أنفسهم وعلينا عمليات النقاش والجدال مع الغربيين الذين لا يزالون متحيرين في كيفية إدانة حزب الله أو معاقبته، خوفا على الأمن في لبنان، وخوفا على المفاوضات مع إيران وروسيا. وهذه التسوية بين حزب الله وجبهة النصرة، وإن كان المقصود بها تخفيف الضغوط، وتمكين الثورة السورية من الحصول على الدعم هي خطأ، بل خطيئة في الوعي وفي قراءة الواقع أو فهمه. فجبهة النصرة المتشددة هي جبهة سوريا، وتقاتل النظام السوري. وهي تهدف لإسقاطه مثل الليبراليين والعلمانيين والإسلاميين الآخرين. بينما حزب الله هو جزء من المنظومة الأمنية والعسكرية الإيرانية، وهو يقاتل في لبنان وسوريا وجهات أخرى، وهو يجمع مقاتلين على أساس طائفي يقاتل بهم في كل مكان يكلفه به الولي الفقيه، ويقوده جنرال إيراني. وكما أن جبهة النصرة لا تقاتل في سوريا لنصرة الدين، فكذلك الحزب لا يقاتل بسوريا بقصد تحويل السنة إلى شيعة. السبب من الطرفين سياسي واستراتيجي. لكن الفارق الأساسي أن المتشددين في الجبهة هم مواطنون سوريون في الأعم الأغلب، بينما مقاتلو حزب الله هم مجموعات مسلحة من عدة بلدان وليس بينهم سوري واحد، ويجمعهم أمران: المذهب الديني، وإمرة المرشد. ونحن اللبنانيين، بل والعرب الآخرين، لا ننكر على حزب الله قتاله في سوريا لأنه حزب شيعي، بل لأنه تنظيم إيراني القيادة والتمويل والأهداف، وهو والتنظيمات المشابهة له ينشرون الانقسام والاضطراب والموت في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين!

إن الشعب السوري الذي يقاتل من أجل حريته، والذي فقد مئات الألوف، وتهجر منه الملايين، هو الكفيل في المستقبل القريب بتحديد مصيره ومن يحكمه، وهو من أجل حرية القرار ضحى ولا يزال. ولا شأن بذلك لا لإيران ولا لحزب الله ولا لروسيا. فاستناد النظام إلى هؤلاء وإلى كوريا الشمالية وأمثالها هو الذي مكنه من البقاء عقودا على أعناق الشعوب العربية في سوريا ولبنان وفلسطين.

لقد أسقطت الثورة السورية كل الثنائيات: الأسد أو نحرق البلد، ونظام الأسد أو لا يبقى لروسيا موطئ قدم في المنطقة، وإيران في سوريا ولبنان أو لا مقاومة، وحزب الله أو جبهة النصرة! إن الحقيقة الوحيدة الباقية هي الشعب السوري المقاتل من أجل حريته، وحرية العرب أجمعين.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

فقط في اليابان

1- في اليابان تدرس مادة من أولى ابتدائي إلى سادسة ابتدائي اسمها “طريق إلى الأخلاق” يتعلم فيها التّلاميذ الأخلاق والتعامل مع الناس.

2- لا يوجد رسوب من أولى ابتدائي إلى ثالث متوسط، لأن الهدف هو التربية وغرس المفاهيم وبناء الشخصية، وليس فقط التعليم والتلقين.

3- اليابانيون، بالرغم من أنهم من أغنى شعوب العالم، ليس لديهم خدم، فالأب والأم هما المسؤولان عن البيت والأولاد.

4- الأطفال اليابانيون ينظفون مدارسهم كل يوم لمدة ربع ساعة مع المدرسين، مما أدى إلى ظهور جيل ياباني متواضع وحريص على النظافة.

5- الأطفال في المدارس يأخذون فرش أسنانهم المعقمة، وينظفون أسنانهم في المدرسة بعد الأكل، فيتعلّمون الحفاظ على صحتهم منذ سن مبكرة.

6- مديرو المدارس يأكلون أكل التّلاميذ قبلهم بنصف ساعة للتأكد من سلامته، لأنّهم يعتبرون التلاميذ مستقبل اليابان الذي تجب حمايته.

7- عامل النظافة في اليابان يسمى “مهندسا صحيا” براتب 5000 إلى 8000 دولار أمريكي في الشهر، ويخضع قبل انتدابه لاختبارات خطية وشفوية.

8- يمنع استخدام الجوال في القطارات والمطاعم والأماكن المغلقة، والمسمى في الجوال لوضعية الصامت هي كلمة: “أخلاق”.

9- إذا ذهبت إلى مطعم بوفيه في اليابان ستلاحظ أنّ كلّ واحد لا يأخذ من الأكل إلاّ قدر حاجته، ولا يترك أحد أيّ أكل في صحنه.

10- معدل تأخر القطارات في اليابان خلال العام هو 7 ثوان في السنة، لأنّه شعب يعرف قيمة الوقت، ويحرص على الثواني والدقائق بدقة متناهية.

 
Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

” قد يغادر الانسان الوطن ولكن الوطن لا يغادر الانسان “

صور الماضي تسمى ذكريات تتعلق في الفؤاد والقلب ولهذا لا تذبل فلو سكنت العقل قد تصاب بمرض النسيان فهي مع كل نبض واقفة ….

تقول الاغنية العراقية الجميلة ( ما تهون العشرة الا على ابن الحرام) وابن الحرام هو الغريب الملتصق هو الذي لم يرضع من ثدي الارض لم يتبرك بماء دجلة والفرات رغم وجوده لسنين فهم يكرهون االه المياه …

قد يبكى الانسان على النفائس وينسى النفيسة الاولى هي الوطن والارض الاهل الحارة العشرة اللهجة الاغنية الشعر المدرسة الشجرة النهر الصحراء الجبل اللقمة اللذيذة الحزن الموت الفراق الحب ذكريات الحبيب الحبيبة الراديو التلفزيون الدمعة التي اسمها الوطن .

الدمعة التي اسمها الوطن الدمعة التي اسمها العراق

فكيف تخون التراب والماء والشجر ….

اما الحكام فهم مثل الرياح تهب مع الزمن ..اما الوطن لا يسافر مع الريح .

صدقوني لو جمعنا دموعنا لأجرينا دجلة والفرات وعروسهم شط العرب ..

 
Posted in فكر حر | Leave a comment

المكوك الفضائي چالنجر‎

د. ميسون البياتي

بعد مكوك كولومبيا أصبح المكوك الفضائي چالنجر هو المكوك الثاني الذي كان يفترض أن يدور في الفضاء الخارجي من أجل أغراض مختلفه .

تمت صناعة چالنجر يوم 4 نيسان 1983 وأتم تسع رحلات في الفضاء الخارجي قبل أن يتحطم بعد 73 ثانيه من إطلاقه يوم 28 كانون الثاني 1986 مسبباً موت أفراد طاقمه السبعه في الحال .

هذه الحادثه أدت الى الإحساس الأمريكي بالكارثه خصوصاً من تزامنها مع اعلان رونالد ريغان عن مشروع حرب النجوم فتوقف النشاطالفضائي الأمريكي حوالي عامين , ثم تمت معاودة الإقلاع بواسطة المكوك ديسكوفري في العام 1988, ثم المكوك إنديفور الذي إنطلق عام 1992 وتم تصنيعه من قطع إحتياطيه كانت قد صنّعت أساسا ً لتستعمل مع المكوك چالنجر .

بعد طلعته الأولى في نيسان 1983 أصبح مكوك چالنجر مركبة وكالة ناسا المكوكيه التي دارت في رحلات فاقت ما قام به المكوك الأول كولومبيا حيث دار في عامي 1983 و 1984 حوالي 85% من مساحة الكون التي يفترض أن يدورها عند قيامه بعمله كاملاً .

وحتى بعد البدء بإستعمال المكوكين ( ديسكوفري ) و ( أتلنتس ) فقد بقي المكوك چالنجر يستعمل إستعمالاً ( ثقيلاً ) من قبل وكالة ناسا في رحلات مختلفه للأعوام ما بين 1985_ 1986 حيث تم الإعتماد عليه إضافة الى المكوك ديسكوفري لتشغيل ( مركز كينيدي للفضاء ) للإعتماد عليه لحمل المركبه ( سنتور _ جي ) الى أعلى محطة في مدارها , وكان من المؤمل له بالتعاون مع سنتور_ جي القيام بدراسة المناطق القطبيه من الشمس .

وقع إنفجار چالنجر بعد 73 ثانيه من إقلاعه بسبب عطل في الصواريخ التي ترفعه الى الفضاء الخارجي والتي تعمل بالوقود الصلب . أدى ذلك الى العديد من العوامل المدمره من بينها الإنخفاض الشديد في درجة حركة المحركات , فتسبب ذلك بإرتفاع عمود من اللهب من خزان الوقود الخارجي والخزان الإحتياط فتسبب الإضرار بهما الى توليد قوة دفع تقدر بمليونين و800 ألف باون الذي ضرب كل من خزاني الهيدروجين السائل والأوكسجين السائل .

عند وصولنا الى هذه النقطه وقع إنفجار هائل نتيجة إشتعال الاوكسجين والهيدروجين معاً وهذا بدوره أدى الى إنفجارالمحركات الذاتية الإشتعال في المكوك چالنجر , عندها تحطم المكوك الى أجزاء , وقتل أفراد طاقمه السبعه .

يوم 6 آذار 1986 أي بعد 38 يوم على هذا الحادث عثر على مقصورة القياده في المكوك چالنجر , وكانت لم تتدمر نتيجة الإنفجار , وعثر في داخلها على جثث طاقمها السبعه , وكانت لم تزل مقيده الى كراسيها .

بعد إجراء عملية التشريح ثبت أن الإختناق لم يكن هو سبب الموت , لكن مقصورة القياده سقطت من إرتفاع 50 ألف قدم , وإصطدمت بمياه المحيط بزخم تقدر قوته ب 200 ميل في الساعه . ولكم تقدير قوة الزخم الذي يساوي : وزن المقصوره مضروب ب 200 ميل في الساعه

أفراد الطاقم كانوا :

فرنسيس سكوبي _ قائد البعثه

سميث مايكل _ الطيار

أخصائي البعثه _ جوديث ريسنك

أخصائي البعثه _ أليسون أونيزوكا

أخصائي الحموله _ جورجي جارفيس

أخصائية الحموله _ كريستا مكوليف

فاجعة إنسانية ولا شك .. وخسارة لجهد علمي إنساني كبير , لكنها رد كبير على برنامج ( حرب النجوم ) الأمريكي للقضاء على الأسلحه البالستيه والصواريخ الحامله للرؤوس النوويه .. القريبة منها والمتوسطه والبعيده الذي أعلنه الرئيس رونالد ريغان , وبرنامج حرب النجوم برنامج وهمي , مصمم للإستعمال الإعلامي فقط ولا حقيقة له على أرض الواقع , ولهذا فمن سخرية القدر أن يتعرض الكاذب قائد حرب النجوم رونالد ريغان الى فضائح مدويه على التوالي هي : فضيحة ايران غيت عام 1985 وفضيحة إنفجار المكوك الفضائي چالنجر عام 1986 , ثم , فضيحة العدوان الجوي على ليبيا عام 1986 أما اكبر فضائح حرب النجوم فقد كانت فضيحة آفة الجراد عام 1988 التي كتبت عنها موضوعاً منفصلاً منشورا ً على الموقع

ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

القرآن بما هو وثيقة طبّية واعترافات محمديّة – من محمّد الإيمان إلى محمّد التّاريخ 1

العفيف الأخضر: الحوار المتمدن 

من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ

القرآن بما هو وثيقة طبية

واعترافات محمدية

هذه الدّراسة الطبية-النفسيّة لشخصيّة نبي الإسلام، هي نموذج للعقلانية الدينيّة المطبقة، على دراسة نصوص الإسلام وشخصياته المؤسّسة، بالعلوم الحديثة وعلوم الأديان.

كما يحدث غالباً في التاريخ، الشّخصيات المؤسسة، تولد تاريخية وتحولها النرجسية الجمعية إلى اسطوريّة: إلى أسلاف وأبطال، يجسدون رمز الإنسان الكامل، المعصوم من الخطأ والخطيئة.

استطاع هذا الكتاب أن يحقق هدفه، بانتزاع محمد من التّخاريف وإعادته إلى التاريخ، من الأسطورة إلى الحقيقة، من خلال قراءة جديدة للقرآن بما هو وثيقة طبية عن امراض نبي الإسلام النفسية. كما استطاع من خلال قراءة للقرآن بما هو اعترافات محمديه، أن يكشف عن شكوك نبي الإسلام في رسالته، وضيقه بالقرآن ورغبته الخفية في افتراء قرآن آخر، على غرار الآيات الشيطانية، يصالح به قريش ودينها.

في أعماقه، لم يكن نبي الإسلام، محمد، يريد أن يكون ما كانه: نبياً!

القرآن هو لاشعور محمد وضميره الأخلاقي، بكلّ متشابهاته والتباساته وتناقضاته الوجدانية، وتقلّبه من النقيض إلى النقيض، من التخيير إلى التسيير والعكس، ومن الضّمير الأخلاقي الغاشم في مكّة، إلى الضّمير الأخلاقي الغائب في المدينة، من نبيّ وشاعر في مكّة إلى مُشرِّع ومحارب في المدينة.

الدّخول إلى أدغال شخصيّة محمّد النفسيّة تمّ غالبا عبر 6236 آية.

ولست أبالي حين أقتل باحثاً على أيّ جنب كان في العلم مصرعي؛

كما لم يقله أول شهيد في الإسلام خبيب بن عدي الأوسي، القائل:

“ولست أبالي حين أقتل مسلما،

على أي جنب كان في الله مصرعي”.

“تجديدات” نحوية

ضمير الغائب في العربية الكلاسيكية، القرآنية والدنيوية، يتطابق دائماً مع المفرد والجمع مثلاً: “آيات بينات هن أم الكتاب…” ولم يقل هي … يقول المعري: “لو كانت الأرزاق، تجري على الحجى، هلكن إذن من جهلهن البهائم” ولم يقل هلكت… من جهلها. هذا التطابق موجود في لغات العالم القديمة والحديثة، لأنه يتطابق، كما يقول شومسكي، مع السليقة النحوية الموجودة في كل إنسان فطرياً من دون تعلم.

احتراما لهذا القانون اللغوي الفطري والمفيد، ورفعاً لإلتباسات كثيرة، تعيق الفهم أحياناً، في الخلط بين المفرد والجمع، استخدمت غالباً “هن “بدل “هي” و “هم” بدل “هو” في الجمع طبعاً.

نظراً إلى أن افتقار العربية للصوتيات، حولها أحياناً إلى هيروغليفية، فقد قررت عدم الجزم بلم، وعدم الإستغناء عن الصوتيات في أي صيغة نحوية كانت؛ وباختصار، كلما تعارض الإبقاء على الصوتيات، أو ادخال المصطلحات كما هي، معرّبة، بلا ترجمة، مع النحو، ضحيت بالنحو النخبوي العقيم.

يوم تتحرر العربية من كل ما هو عتيق في نحوها، وتتبنى المعجم الغربي للمصطلحات العلمية والتكنولوجية كما هو بلا ترجمة، كما فعلت العبرية والتركية والفارسية؛ عندئذ تُصبح لغة حديثة، قادرة على ترجمة وانتاج العلم،والتكنولوجيا، والفلسفة،والأدب والفن.

حلم لقائي بمحمد

في أواخر السنوات 1970، كنت أتردد بين حين وآخر على دروس الفيلسوف والمحلل النفسي، كاستوياديس. كنت أتدخل باستمرار في مناقشات أعمال طلبته، الذين كانوا يحُضّرون دبلوم مدرسة الدراسات العليا العملية. كانت تدخلاتي تستأثر باهتمامه نظراً لتعدد أعمال موضوعات طلبته. ذات يوم اقترحت عليه الجلوس في مقهى قريب من المعهد. خلال اللقاء سألته، إن كان بالإمكان أن يحللني رحب وحدد لي جلسة أولى، طالت على غير المعتاد. سألني ماذا تكتب؟: بحوثاً أجبت. فعلق: نفسيتك كان يمكن أن تكون مصدراً ثرياً للكتابة الأدبية، الرواية أو الشعر. قلت: الشعر حاولته مراهقاً وتوقفت. أقرأ الرواية، لكن كتابتها لا تغويني، فيبدو أني لست من أحفاد ألف ليلة وليلة. في النهاية قال لي:تحليلك قد يتطلب 5 أو 6 سنوات.سألته عن السعر قال:300 فرنك للجلسة.قلت له:دخلى الشهري 1000 فرنك. اندهش: وكيف تستطيع أن تعيش بهذا المبلغ؟ : كمعظم عمال أجر الحد الأدنى وأأكل أحياناً في مطاعم الفقراء. قال: التحليل المجاني غير مثمر… واصل قرآتك النفسية، وأضاف مبتسماً: بإمكانك عمل تحليل ذاتي؛ فرويد، في النهاية حلل نفسه؛ شخصياً، لست مقتنعاً كثيراً بجدوى ذلك، لأن التحويل، الضروري في العلاج، يغيب فيه. لكن شيء أحسن من لا شيء.

شرعت في تحليلي، عبر تسجيل أحلامي، بمجرد ان أستيقظ.

كنت منذ موت أبي، أحلم أسبوعياً به قادماً نحوي، على حماره الشهير، ووجهه أزرق، كما كان عندما مات مختنقاً، في سن الـ 49 عاماً، بعد اسبوع من دون علاج بمرض مجهول. كلما حاولت أن أسلّم عليه ينعقد لساني، كتعبير عن الشعور الساحق بالذنب، فيمر عليّ من دون أن ينظر إليّ.

في آخر تحليلي الذاتي، اختفى هذا الحلم الكئيب، وفي المقابل حلمت بنبي الإسلام يدخل فجأة في الأستوديو، ويعانقني ويقبلني من فمي كما كان أبي يفعل، وهو يلاعبني، لما كنت طفلاً. اختفى حلم أبي وبعد ذلك عاد في التسعينات، مع أمي بعد موتها، ومسّدا ظهري الموجوع بالإنزلاق الغضروفي…

عادة في التحليل النفسي الناجح يتصالح الإبن مع الأب عبر شخصية محبوبة ترمز للأب: ملك أو رئيس… أنا تصالحت مع أبي ـ وأمي أيضاً ـ في شخص محمد!

قصصت الحلم على كاستورياديس فكان رده: لا أستطيع إلا معاينة ذلك.

كنت أفكر في كتابة هذا الحلم في نهاية هذا البحث. لكن محللة نفسانية اقترحت عليّ أن يكون أول فقرة فيه.

مدخل

“في القرن الـ 20، على فقهاء الإسلام أن ينجزوا مهمة أخرى: عليهم تقليد العمل الذي أنجزته أوربا في القرن الـ 19، بفضل اللاهوت العلمي، ليرفعوا بذلك مستوى الفكر الديني، لجعله متفقاً مع المعرفة التاريخية”.

(المستشرق المجري جولد زيهير)

*****

هدف هذا البحث، القصير، كبير: انتزاع نبي الإسلام من التخاريف وإعادته إلى التاريخ.

عبر القرون، تكونت لنبي الإسلام 3 صور: صورة الرسول المبلغ الأمين لرسالة الله عبر جبريل؛ صورة المفتري، الذي يدعي النبوة، التي حصرتها التوراة في ذرية اسحاق، والحال أنه من ذرية إسماعيل، إذن هو طريد منها؛ صورة الزعيم الماكر الذي أراد الرئاسة وجمع المال؛وهذا ما لخصه المعري:

أفيقوا، أفيقوا يا غُواة فإنما / ديانتكم مكر من القدماء

أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا / وماتوا وبادت سنة اللؤماء

هذه الصور التقليدية الثلاث لمحمد مغلوطة، وأحد أهدافي من هذا البحث هو تصحيحها، على ضوء المعارف النفسية، لتقديم صورته الحقيقية، التي تجعله لا يختلف عن جميع أسلافة وأخلافه من الأنبياء، من أنبياء معبد عشتار، في القرن 7 ق.م.، إلى أنبياء ساحل العاج وافريقيا وأمريكا اللاتينية، في القرن العشرين، مروراً بأنبياء إسرائيل. فهم يشتركون جميعاً في كثير من الخصائص النفسية والأعراض السريرية الأساسية خاصة: “هذيان النبوة”، كما يسميه الطب النفسي.

الذهنية العتيقة، ذهنية التقديس الساذج لنبي الإسلام، السائدة إلى اليوم ،لم تعد ملائمة للذهنية الحديثة النقدية.التقبل الأعمى لكل ما ترويه السيرة من معجزات محمد، ينبغي أن يُخلّي مكانه للإرتياب،للبحث والتنقيب؛ لإكتشاق أن التصديق بهذه المأثورات هو من تأثير الإنبهار الأعمى بها، واستقالة الفكر النقدي أمامها، اللذين يُلغيان كل مسافة نقدية منها. حتى المؤمنون يليق بهم منذ اليوم أن يجددوا أُسس إيمانهم؛الباحث المؤمن عليه أن يفصل بين الباحث والمؤمن فيه. كي لا يطغى الثاني على الأول. هذا الفصل الضروري متواتر جداً عند الباحثين اليهود والمسيحيين المؤمنين، فضلاً عن باحثي الأديان غير التوحيدية. فلماذا يبقى الإسلام متخلفاً عن الأديان الأخرى في هذا المجال؟

لماذا؟ فتش عن العلمانية، التي تغلغلت في الوعي الجمعي حتى للمؤمنين بهذه الأديان، التي أصلحت وكيفت مع متطلبات الحياة والعقل؛لذلك لم يعد يشعر المؤمنون بها، بأنها تتنافى مع عقائدهم الدينية الإنتقائية. قلما يتبنى المثقف، وحتى المتعلم منهم، دينه ككل، ككتلة صماء. بل ينتقي منه ما يلائمه. إنه هو الذي يملك دينه، ويتصرف فيه تصرف المالك في ملكه. في الإسلام، الذي لم يُصلح بعد، العكس!

لهذه الغاية نزّلت بحثي عن محمد التاريخ، من الزاوية النفسية، في مناخ الحقبة التي نعيش. من عقاب الذات الآثم، أن نتقاعس عن دراسة محمد بالمعارف العلمية المتاحة اليوم ،مثلما دُرس أنبياء اليهودية والمسيحية، مثلاً ولازالوا يُدرسون بها. كل بحث جدي، يستمد شرعيته من روح الحقبة وممارساتها وكشوفاتها المعرفية. فلماذا يبقى نبي الإسلام مغبوناً بين الأنبياء؟ لا يحتل إلا مكاناً ثانوياً جداً في الدراسات العلمية، وتقريباً لا شيء في الدراسات النفسية!

استشهدت في: “إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان”، بكتاب أستاذ تاريخ الأديان المقارن بالكوليج دو فرانس، طوماس كرومور في كتابه: “موسى الذي عرفه يهوه وجهاً لوجه”، بأن موسى، مؤسس اليهودية، الذي جاء ذكره في القرآن 136 مرة، شخصية رمزية. كتب كرومير: “قصة ميلاد موسى تشبه عن قرب قصة ميلاد الملك الأسطوري الآشوري، سارجون. الإثنان لا يعرفان أبيهما؛ أمهاتهما أخفتهما أول الأمر ثم ألقتهما في نهر. الإثنان وضعا في صندوق طُلي بالقار. كلاهما عثر عليهما وتبناهما فاعلا خير. هذا التبني شرعن ملكية سارجون وأدخل موسى إلى بلاط فرعون (…) قصة سارجون كتبت على أكثر تقدير في القرن 8 ق. م. تاريخ موسى الأول لا يمكن إذن أن يكون متقدماً عن هذه الحقبة. بالمثل، أصدر البابا، بنوا 16 ،سنة 2007 كتابه “يسوع الناصري”، استعار فيه من الإخصائيين في “مسيح التاريخ” بعض العناصر، اللواتي كفرهم الفاتيكان في القرن الـ 19 بسببها، مثل أن المسيح، لم يلقب نفسه في حياته بـ”المسيح”، اي الممسوح بالزيت المقدس بما هو “المشيح” العبري، أو المهدي المنتظر، الذي بشرت به التوراة؛ ولم يسمي نفسه”سينور”، أي السيد أو الرب؛ ولم يقل أنه”ابن الله”. هذه العناصر القليلة من مسيح التاريخ تقوض اللاهوت الكاثوليكي القرووسطي من أساسه. فكيف سيكون الحال، لو أن بابا آخر يذهب في الشجاعة شوطاً أبعد، متبنياً جميع حقائق البحث عن مسيح التاريخ، من نفي الحبل بلا دنس، والولادة العذرية إلى القيامة؟ صحيح، أن البابا بنوا 16، وقّع كتابه باسمه كأستاذ جامعي باحث، جوزيف راستينجر، ولم يوقعه باسمه كبابا، حتى لا يتحول إلى وثيقة رسمية ملزمة لجميع الكاثوليك. لكن ذلك مجرد احتياط بروتوكولي، لا يغير من جوهر اعترافه. فهل سيتشجع شيخ الأزهر يوماً، ويعترف ببعض عناصر محمد التاريخ، كما هم في هذا الكتاب؟ ربما. ولكن ربما ليس غداً.

من أهداف هذا البحث أيضاً، سد هذا الفراغ الذي أعاق حتى الآن نزع الأسطرة عن النبي الوحيد، محمد، الذي لا شك في وجوده كشخصية تاريخية، عكساً لكبار الأنبياء السابقين، الذين بدأ يتضح أكثر فأكثر، عبر البحث التاريخي والأركيولوجي، منذ كتاب فرويد: موسى والتوحيد، أن بعضهم على الأقل شخصيات رمزية أكثر مما هم شخصيات تاريخية.

ماذا عسى أن تقدم علوم الأديان الحديثة عن محمد؟

رحلة البحث عن محمد التاريخ تهدف إلى العثور، وراء محمد الإفتراضي، كما تقدمه السيرة، على محمد الحقيقي بمقاييس علوم الأديان المعاصرة. طبعاً الرحلة ليست سهلة وليست مأمونة. لكن لا بديل عنها، للعثور على محمد كما عاش في التاريخ، أو على الأقل ـ في بعض جوانبه ـ كما كان يمكن أن يعيش، في مكة والمدينة من سنة 570(؟) إلى 632.

أحياناً تقدم علوم الأديان، عن الأديان ومؤسسيها، حججاً مقنعة، وأحياناً أخرى تقدم لنا فقط شبكة من المؤشرات المتضافرة لترجيح فرضية على أخرى؛ وفي كلا الحالين لا غنى عنها. عدم استخدامها يجعل الباحثين في كل واد يهيمون ويهرفون بما لا يعرفون، مثلما هي الحال اليوم، كثيراً وغالباً، في الكتابات عن فجر الإسلام ونبي الإسلام، التي يكثر تفصيلها ويقل تحصيلها.

لماذا فكرت في كتابة هذا البحث عن محمد؟

لأسباب عدة منها مثلاً ، أن ما سأكتبته عنه لم يكتب من قبل على حد علمي، بل لم أقرأ شيئاً عن نبي آخر كُتب عنه بها؛ وأيضاً لأن أمة حية هي امة متعطشة لمعرفة الماضي، ولتحويل الحاضر، لإعطاء معنى للمستقبل. ومنها أيضاً أن فرضيات وحقائق هذا البحث، تركتها أعواما تنضج في رأسي، قبل إقتراحها على الجمهور عشية رحيلي؛ عسى أن تكون خير هدية وداع.

وأيضاً لكسر محرم غليظ: هو هذا الإجماع المريب والمخيف حول شخصية محمد، التي لا يجوز مقاربتها نقدياً، حتى همساً. تماماً كما كان البدائيون يعتبرون الـ”فيتيش”، أو الصنم، هو إلاههم المتجسد الذي لا يرقى إليه الهمس؛ ويحكمون بالموت على كل من يدنسه، بكلمة أو بفعل يشكك في قداسته. كذلك فعل ـ وللأسف مازالوا يفعلون ـ المسلمون بـ”صنميهما” نبي الإسلام وقرآنه، اللذين تنعقد أمامهما الألسن وتنشلّ العقول. هذا البحث هو نداء ملح للنقاش والتفكير فيهما معاً، بعلوم الحداثة. هذا الفعل التاريخي كفيل بفتح الإسلام على حضارة عصره، وأخيراً دمجه فيها، إنهاءاً لمنزلته الهامشية الحالية. لن نخرج من هذه المصيدة، إلا إذا تشجعنا ففتحنا ورشة للتفكير في محمد والقرآن، لكسر تحريم النقاش الحر والمتعارض فيهما. من دون ذلك سنبقى ندور حول أنفسنا،كبغل الطاحون المعصوب العينين، يدور حول نفسه وهو يظن انه يتقدم. وحده، هذا النقاش كفيل بأن يقودنا إلى تشخيص دقيق وعميق لأمراض الإسلام. التشخيص للمرض هو نصف العلاج.

معرفة شخصية محمد النفسية، على ضوء العلوم المعاصرة خاصة علوم النفس، يخدم هذه الغاية: جعْل القرآن لأول مرة قابلاً للفهم فهماً علمياً أي بما هو، في جزء منه، أعراض للأمراض النفسية، التي كابدها نبي الإسلام من المهد إلى اللحد. والحال أنه اليوم بالطلاسم أشبه. هذا وحده كاف ليعطي مبرراً لهذا البحث.

السعادة هي أيضاً لذة الإكتشاف، الذي يتجلى في شعور المرء، بأنه بعد بحث طويل قد وضع قدميه على الطريق، ورفع قليلاً الستار عن شخصية محمد النفسية، التي ظلت حتى الآن لغُزاً. هذا الاكتشاف قد يساهم في تغيير، لا فهم نبي الإسلام، ولا فهم القرآن والحديث، ولا حتى فهم الإسلام بما هو دين. بل قد يساهم أيضاً في تغيير الذهنية الإسلامية الخرافية السائدة، لدفعها إلى مزيد من التعقل، بل والعقلانية الدينية. هذه العقلانية هي نموذج التدين الوحيد الملائم للقرن الـ 21 ،الذي بات نفوراً من اللامعقول ،خاصة الهاذي، مثل اللامعقول الديني. هذه العقلانية ضرورية لفهم مؤسس الإسلام ونصه المؤسس. هذا الفهم العلمي هو الذي يُنير الطريق أمام الممارسة المعقولة ويمهد لظهور العقلانية الدينية، التي لا تقبل من الدين كل ما يتعارض مع قيم الحداثة الكونية، وحقائق العالم الذي نعيش فيه؛ ويسمح أيضاً للمسلم بأن ينظر إلى نصه المؤسس بشكل مختلف؛ وربما أدّى كل ذلك أخيراً ،مع عوامل أخرى تربوية، اقتصادية وسياسية واجتماعية، إلى تهميش التعصب الديني المستشري اليوم في المجتمعات الإسلامية، إستشراء السرطان في الجسد.

ولماذا أكتب هذا البحث؟

للقطيعة مع التفسير العامي، أي تفسير عامة المؤمنين، بمن فيهم قطاع من النخب التقليدية أو ذات الذهنية التقليدية، للنبوة لإدخال التفسير العلمي، الطبي النفسي، لها. مفهوم النبوة العامي بما هو”صوت من الغيب”، حامل لحقائق عابرة للتاريخ، أي صالحة لكل زمان ومكان، لا يستطيع العقل البشري إلا التقيّد بها وإلا ضاع وأضاع! اما مفهوم النبوة العلمي، الطبي النفسي، فهو أن النبوة هي هذيان التأثير، أي هذيانات وهلاووس صادرة عن دماغ بشري مستوجب للعلاج. علماً بأن الشفاء من هذيان النبوة هو اليوم نسبياً في المتناول، خاصة إذا كان في بداية المرض.

هذا الفهم العامي للنبوة ترسخ في وعي، لا جمهور المسلمين فقط، بل وحتى في وعي قطاع واسع من النخب المسلمة. فشكّل، عند الجميع عائقاً دينياً وابستمولوجي مازالا يعيقان الانتقال من الفهم العامي إلى الفهم العلمي للنبوة. يقول فيلسوف العلوم ومؤرخها باشلار: “على الكيميائي [العلمي] أن يحارب في داخله الخيميائي [السحري] ليتغلب على العائق الابستمولوجي”، كذلك على الباحث المسلم أن يحارب في داخله المسلم المؤمن، إيمان العجائز، ليتغلب على العائق الديني، الذي يعيقه عن الوصول إلى التفسير العلمي للظاهرة الدينية، أو على الأقل إلى التسليم به. هذا التفسير العلمي للنبوة سيساعد، إذا عممه التعليم والإعلام والخطاب الديني المستنير، على ترشيد الخطاب الديني، بتنقيته من الهذيان الديني، الذي جعل المسلم غارقاً حتى أذنيه في الفكر السحري، ومنتهكاً صفيقاً لمواثيق حقوق الإنسان؛ وتنقيته من المعجزات والخوارق والقضاء والقدر”المكتوب”، ومن الشريعة وحدودها الدموية والجهاد بما هو”قتل مقدس”، وكل ما يتحدى قوانين العقل وقوانين الطبيعة وقيم حقوق الإنسان الكونية، أي الصالحة لجميع الأمم، لأن الحق في الحياة وفي السلامة الجسدية وفي الحرية وفي الكرامة… حق مقدس لا تفريط فيه لكل إنسان.

تأخّر العالم الإسلامي التاريخي، يعود في جزء أساسي منه، إلى هذا الهذيان الديني، الذي غذّى على مر القرون التواكل [فاتاليزم] الاجتماعي والإرهاب الديني ـ السياسي. معيقاً هكذا الوعي الجمعي الإسلامي، بما فيه وعي قطاع من النخب، عن تبني العقلانية في العلوم والقيم، والبرجماتية في الاقتصاد والسياسة. العقلانية والبرجماتية هما اليوم رافعتا التقدم، والاندماج الضروري في العالم الذي نعيش فيه.

أبتغي من هذا البحث، في أرض بكر، فتح منظورات جديدة قد تساعد، من الزاوية النفسية، على فهم ظاهرة النبوة عامة ونبوة محمد خاصة. كما أبتغي أيضاً انقاذ محمد التاريخ من شانئيه، حقداً دينياً أو ايديولوجي عليه، ومن عابديه، طمعاً في شفاعته لهم يوم الحساب. إنقاذ محمد التاريخ من محمد الإيمان، بخطاب معرفي عن محمد، من خلال تحليل القرآن بعلوم النفس بما هو وثيقة طبية، وسيرة ذاتية ووثيقة تاريخية ذات مصداقية عالية.

أتوقع من تقدّم العلوم النفسية، في تشخيص الأمراض العقلية، أن يساعد باحثي الغد، على التمييز شبه الكامل للسيرة الحقيقية لنبي الإسلام، من السيرة التخييلية، التي نسجتها له رغبات المؤمنين وتخييلاتهم الجامحة، الميالة للإرتفاع بالأسلاف إلى مرتبة المثال، بل إلى مصاف الكائنات الفوق ـ طبيعية.لأن ذلك يرضي نرجسيتهم الجمعية الدينية، ويعطيهم خاصة تعويضاً وعزاء عن الذات الفردية والجمعية، المنطرحة أرضاً، منذ سقطوا في الإنحطاط، الذي بدأت بعض البلدان رحلة الخروج منه، مثل تركيا الكمالية، منذ إلغاء الخلافة في 1923، وتونس البورقيبية، منذ إصدار مجلة الأحوال الشخصية في 1956، التي حررت المرأة من رق قانون الأحوال الشخصية الشرعي، كبداية جدية على طريق إصلاح الإسلام.

“كيف ترقى رقيّك الأنبياء / يا سماء ما طوالتها سماء”

(البوصيري)؛

أو

“ولد الهدى فالكائنات ضياء / وفم الزمان الزمان تبسم وثناء

(أحمد شوقي).

وهكذا فالرواية التي تقدمها السيرة، التي يلخصها هذان البيتان أفضل تلخيص، هي في مجملها ميتاتاريخ. الميتاتاريخ تخضع التاريخ لحتمية لا تاريخية، أي للتدخل الرباني في التاريخ، هذا التدخل الإلهي الذي يرفع الأسلاف إلى مصاف الأبطال، إلى أنصاف آلهة، منزهين عن الوقوع في الخطأ والخطيئة. وهذا ما فعلوه بمحمد من المهد إلى اللحد، بل منذ أن كان جنيناً في رحم أمه! هذه الرواية ارتفعت به، من شرطه البشري، إلى مقام المختارين، الذين رصدتهم الأقدار لتحمّل رسالة النبوة، حتى قبل أن يعلن هو نفسه نبياً. فهي إذن أبعد ما تكون عن التاريخ، أي الوقائع التي وقعت فعلاً أو كان يمكن منطقياً ان تقع.

محمد ليس إستثناء لشخصيات تاريخية أخرى؛ بوذا أيضا، كان في بدايته شخصية تاريخية. لكن الميتاتاريخ، التي تتطلبها دائماً النرجسية الجمعية، سرعان ما حولته إلى شخصية أسطورية: عُلوقه في رحم أمه وحمله كانا بمعجزة. وولادته كانت عذرية. كما سيكون علوق وحمل وولادة عيسى بعده بـ 650 عاما! يبدو أن الأسطرة هي قدر كثير من الشخصيات التاريخية، خاصة الأنبياء.

مراجعي، العلمية والدينية، لهذا البحث مبثوثة في ثناياه. لكن المرجع الأول هو القرآن، في قراءة غير مسبوقة، بما هو سيرة ذاتية لنبي الإسلام. وقد استخدمته أيضاً كوثيقة طبية لتشخيص هذياناته وهلوساته وحالاته النفسية. القرآن هو لاشعور محمد، وهو ايضا ضميره الأخلاقي القاسي والخاصي. لا شعور العصابي مغطى بمحدلة الكبت، لذلك يحتاج محلله النفساني إلى أحلامه، لفكّ شفرتها، للوصول عبرها إلى مكونات ومكنون شخصيته النفسية. أما لا شعور الذهاني وضميره الأخلاقي فهما عاريان لا يحتاجان لفك أي رموز مستعصية.

القرآن هو لا شعور محمد، بكل متشابهاته، والتباساته وتناقضاته الوجدانية، وتقلبه من النقيض إلى النقيض، من التسيير إلى التخيير، من الضمير الأخلاقي الجائر في مكة، إلى الضمير الأخلاقي الغائب في المدينة. من نبي وشاعر في مكة إلى مشرع ومحارب في المدينة. لا نستطيع الدخول إلى أدغال الشخصية النفسية المحمدية إلا عبر 6236 آية.

رحلة شاقة وممتعة في آن. الممتع فيها على نحو خاص، هو لذة الإكتشاف. كشف الغطاء عن جذور مآسي حاضرنا في أحافير ماضينا، في طوايا وخبايا تراثنا، في 6236 آية وآلاف الأحاديث “الصحيحة”، تراثنا الذي لم نتشجع حتى الآن على تصفية الحساب معه؛ لم نقطع معه حبل السرة، هذه القطيعه التي هي رمز التحرر من عوائقه الدينية.

كما لا يستطيع الفرد أن يصبح فرداً إلا إذا قطع حبل السرة مع عائلته، المشتقة من عال يعول، أي جار وبغى، وهذا بالنسبة إلي تجربة معاشة، دشنتها بهجرتي من تونس في 10/01/1961، هجرتي التي كانت تاريخ ميلادي الثاني؛ كذلك لا تستطيع أمة أن تصبح أمة حديثة إلا إذا قطعت حبل السرة مع ماضيها المكبّل لإبداعها، وهذا في حالة الأمم الإسلامية حقيقة تفقأ العيون!

من خلال القرآن، بإمكان كل باحث جدير بهذا الاسم، أن يزيح ركام الخرافات، التى راكمتها السيرة والمتكلمون والمفسرون، رداً على نصارى بلاد الشام، منذ القرن 8، الذين عقّدوهم بالسؤال المحرج: كيف يكون محمد نبياً وهو بلا معجزات؟ رداً عصابياً على هذا الإحراج، اختلقوا أطناناً من المعجزات والخوارق، بدأت منذ كان محمد جنيناً في رحم آمنة الوثنية: بل وحتى قبل خلق العالم “أخذ الله قبضة من نوره وقال لها كوني محمد” كما يقول حديث؛ ويوم ميلاده تزلزل عرش كسرى وقيصر و”طلع نجم أحمد”، كبشارة على أن نبياً جديداً قد وُلد؛ ونسبوا لأمه، آمنة، أنها قالت: “(…) لإبني هذا لشأن (…): حملت به، فما حملت حملاً قط أخف منه، فرأيت في النوم، حين حملت به، كانه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام. ثم وقع حين ولدتُه وقوعاً ما يقعه المولود: معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء(…)”(1). هذيان مستوفى الشروط !

نبي الإسلام لم يتردد في التصريح بأن أمه وأباه وكل أعضاء عائلته، الذين لم يؤمنوا به، في النار. فكيف يكونون قد اكتشفوا باكراً نبوته، أو على الأقل بركته، ومع ذلك فضلوا الكفر على الإيمان والنار على الجنة؟

القرآن وثيقة طبية صادقة عن نفسية نبي الإسلام، أشبه ما يكون باعترافات روسو، كشف فيه حتى لحظات شكوكه المتكررة في إيمانه برسالته، وعن ضيق صدره بالقرآن: “فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك، وضائق به صدرك”(12 هود)؛ بل وحتى نيته في “افتراء “قرآن آخر، على غرار الآيات الشيطانية، طمعاً في استرضاء مثقفي مكة، الذين طالما أحرجوه بسؤال المعجزة، عسى ان يستريح من شقاء العزلة النفسية، التي لا تلطف وقعها الأليم على نفسه الجريحة إلا الهلاووس؛ إذ أن وظيفة الهلاووس هي تطمين المهلوس لتخفيف عزلته وقلقه. لذلك يكون انقطاعها، أي انقطاع الوحي، مصدر شقاء ما بعده شقاء له. إذ تتركه وجهاً لوجه مع عذابه النفسي، ومع العنف النفسي، الذي كان يكابده يومياً، بسبب استهزاء قريش به، كما سجل ذلك بنفسه في القرآن: “إذا رأوك، إن يتخذونك إلا هزوءاً: أهذا الذي بعث الله رسولاً؟”(41 الفرقان)،: “فأغروا به سفهاءهم فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون(…)[ذات مرة] أقبل [محمد] يمشي (…) فلما مر بهم طائفاً بالبيت غمزوه[=عيّروه] ببعض القول. فعرفت [=الراوي] ذلك في وجه رسول الله (ص)”(2).

وهذا ما يعطي اليوم القرآن مصداقية الوثيقة التي لا شك فيها، والصالحة لتكون مرجعاً لمعرفة ما مر به نبي الإسلام من حالات نفسية غالباً مريرة؛ واستهزائهم بأصحابه، الذي ولا شك أثّر في معنوياتهم وأصابهم بالحزن والخوف: “إن الذين أجرموا، كانوا من الذين آمنوا يضحكون؛ وإذا مروا بهم يتغامزون؛ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين؛ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون.”(29،30،31،32،المطففين)؛ أو: “وأذكروا إذ أنتم قليل مسضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس(…)”(26 الأنفال).

القرآن وثيقة تاريخية أيضاً ذات مصداقية عالية؛ فمن بين، مصاحف جامع صنعاء، التي أكتشفت في 1972، إثر تهدم سقف الجامع، عُثر على نسخة تعود إلى سنة 65 هجرية، لا تختلف عن نسخة عثمان المتداولة اليوم. وما يقال عن أن جمع عثمان للقرآن لم يكن نهائياً، بل جمعه بعده عبد الملك، وراجعه للمرة الأخيرة المهدي العباسي، هي فرضية ضعيفة. توجد احتمالية جدية في أن يكون عبد الملك قد جمع المصاحف المتداولة في خلافته،لكن لا ليعيد كتابتها،ولكن لينقطها ويشكلها، نظرأ إلى أن نصر بن حجاج قد اضاف، بأمر من الحجاج، التنقيط والتشكيل، اللذين لم يكونا موجودين في النسخة الأصلية. اما أن يكون المهدي قد راجعة للمرة الأخيرة،فهذا لا تشهد له مخطوطة 65 هجرية. طبعاً توجد شكوك واحتمالات قوية في أن يكون عثمان، الذي حاول تزوير آية”والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله”(34،التوبة)بحذف الواو العاطفة، لولا عتراض أُبي بن كعب، حسب رواية السيوطي في تفسيره،قد تلاعب بحذف ما لا يروق له من المصاحف، التي أحرقها، مثل مصحف أبي نفسه، ومصحف ابن مسعود، ومصحف علي ومصحف ابن عباس.يبدو أن عثمان لم يدخل في الإسلام اقتناعاً به؛أحد مؤشرات ذلك هو تخلفه،بلا عذر، عن أول غزوة مجهولة العواقب: بدر. بل دخل حباً في رقية، بنت محمد التي تزوجها. مصحف ابن عباس، بشهادة الطبري، عند تفسير آية نكاح المتعة: “فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة”(24 النساء)، يقدم رواية أخرى مختلفة للآية، تبيح نكاح المتعة، أي الدعارة الشرعية، التي كانت شائعة في المعابد الوثنية في بابل وآشور وأثينا والهند وفي مكة نفسها. فالكعبة كانت ماخوراً(انظر كتاب الأصنام للكلبي).

يؤكد الطبري أن الآية في مصحف ابن عباس هي”فما استمتعتم به منهن ـ إلى أجل مسمى ـ فأتوهن أجورهن فريضة”؛ لكن الطبري يضيف: لا نستطيع العمل بهذه الآية، لأن مصحف اين عباس لم يصلنا. طبعاً لآن عثمان أحرقه. يروي الطبري عن الإمام علي، الذي قال آسفاً: “لولا أن عمر نهى عنه [= نكاح المتعة] ما زنى إلا شقي”. وبإختصار، يبدو أن قرار، عمر نسخ آية نكاح المتعة، في خلافته، قد تبناه عثمان. بالرغم من كل شيء، سواء بزيادة بعض الآيات أو حذف البعض، يبقى القرآن إذن سيرة ذاتية لمحمد ووثيقة طبية ووثيقة تاريخية ذات مصداقية عالية.

أتمنى أن يساهم هذا البحث في وضع اللبنات الأولى، لتدارك النقص الفادح في دراسة شخصية نبي الإسلام النفسية من جميع جوانبها، ولتحليل النبوة تحليلاً طبياً نفسياً. طبعاً فهم النبوة علميا، ليس مضاداً لفهم المؤمنين لها على طريقتهم الخاصة، شرط عدم السقوط في التعصب والعنف الشرعي، والنكوص إلى اللّامعقول الديني المعادي للمجتمع، مثل عداء المرأة، وغير المسلم، وتكفير العقل والعلم، الذي تجاوزته البشرية المتحضرة منذ زمن بعيد: هكذا يصبح محمد التاريخ، أو القريب من الحقيقة التاريخية، في متناول أجيالنا الصاعدة، التي يفيدها كثيراً أن تعرف تاريخها على حقيقته، لتتعامل معه بالعلم، لا بالفانتازم. ليكون لها ينبوعاً لمعرفة تاريخها وتاريخ تشكّل وعيها الجمعي، وليس مجرد ملاذ بائس من بؤس حاضرها وانسداد آفاق مستقبلها. وكما قال الزهاوي:

أإذا كان حاضرنا شقياً / نسود لكون ماضينا سعيدا؟

لأول مرة، على الأقل من الزاوية النفسية، ستكون بين أيدي الباحثين محاولة علمية تحمل نظرة نقدية محايدة للموضوع المدروس، في موضوع بالغ الحساسية مثل نبي الإسلام. وهكذا يمكن أن تقدم للقارئ والباحث قدراً أكبر من المعطيات، ومن المعرفة الموضوعية، بعيداً عن القدح والمدح؛ الموتور دينياً أو فكروياً من محمد والمؤمن، إيمان العجائز الساذج به، لا يريان فيه إلا ما يريدان أن يريا، قبل أي فحص موضوعي: “وعين الرضا عن عيب كليلة / كما أن عين السخط تبدي المساويا”. الأول لا يرى فيه إلا القائد العسكري أو رجل الدولة الماكر، الذي أراد توحيد عرب شبه الجزيرة في دولة عربية، تدين لها الأعراب “وتدفع لها العجم الجزية”، كما يقول حديث موضوع على الأرجح؛ والثاني، المؤمن، لا يرى فيه إلا “الإنسان الكامل”، الذي أعدته العناية الإلهية، لختم النبوة و لتبليغ آخر الرسالات التوحيدية، التي صححت ـ وفي رواية أكثر تطرفاً نرجسياً ـ نسخت الرسالات التوحيدية السابقة لها، أي رمت جميع الأديان، التوحيدية والوثنية، إلى مزبلة التاريخ!

العائق الإبستمولوجي الأول، الذي سأحاول عدم الوقوع فيه هو ادعاء الموضوعية الصارمة، الإدعاء بأن البحث في سيرة محمد موضوعي، لا ظل فيه للتحيز الذاتي اللاشعوري على الأقل، كاذب. الموضوعية غير متحققة بالكامل حتى في العلوم الطبيعية. أما في العلوم الإنسانية فهي صعبة المنال، خاصة في موضوع شائك كالدين. لكن مخاطر التحيز غير القصدي، مهما كانت جدية، لا ينبغي أن تُصيب العقل بالشلل، فيستقيل من مهمة الحفر والبحث الشاقة، مع الاضطلاع بإمكانية الخطأ. ذلك سيكون جريمة في حق المعرفة وفي حق البشرية، المعنية بترشيد الإسلام، عبر تنقيته من ثقافة العنف والتعصب والكراهية؛ وإدخال البشرية كافة فيه. ليس بالتبشير السلمي، فهذا حق من حقوق الإنسان، بل بجهاد الطلب، أي فتح العالم كله لأسلمته!

كل شمعة تضاء في ليل الثقافة العربية، تفتح نافذة فُرص أمام أجيال الغد، التي لها علينا حق أن نترك لها معالم، تساعدها على فهم تاريخها الديني والسياسي، عسى أن يساعدها ذلك على العيش في بلدان تطيب فيها الحياة. النقيض المباشر لهذه البلدان، التي تكتوي فيها اليوم أجيالنا بنار التعصب الديني والفوضى الخلاقة للفوضى الدامية، وفتاوى القتل، أو الإيعاز به.

قارئان سيتأكدان من هذه النظرة، المحايدة لمحمد التاريخ: القارئ الخبير والقارئ النابه. وإليهما كتبت هذا البحث، الذي كشف عن جوانب من الحقيقة: حقيقة نبي الإسلام؛ عسى أن يساعدهما على المضي قُدماً لكشف جوانب أخرى من حقيقة أوسع وأعمق برسم الاكتشاف، سواء في شخصية نبي الإسلام أو في شخصيات خلفائه الراشدين، وخاصة عمر. الذي هو المؤسس الحقيقي للإسلام، مثلما كان بولص هو المؤسس الحقيقي للمسيحية. عمر نشر الإسلام، خارج شبه الجزيرة العربية، بالسيف. أما بولص فقد نشر المسيحية، خارج فلسطين، ببناء الكنائس.

كلمة حق لابد منها في حق المستشرقين، لتفنيد التشنيع بهم الشائع لدى مثقفي الإسلام التقليدي وأقصى اليمين الإسلامي، ورثاء الانغلاق الديني الحنبلي، الذي حرّم منذ 8 قرون تدريس “العلوم اليونانية الدخيلة” عن القرآن والسنة، بما هما شرطان ضروريان وكافيان لفوز المسلم بالسعادة في الدارين! في نظرهم، المستشرقون هم ورثاء “العلوم الدخيلة” المعاصرة، التي يعتبرها أقصى اليمين التقليدي والإسلامي علوماً دخيلة، بل هي في نظره أشد خطراً على الإسلام من العلوم الدخيلة القديمة. المستشرقون عندهم، هم طابور خامس في حرب “الغزو الفكري” على الإسلام. والحال أن المستشرق يقدم خدمة جليلة بدراسته القرآن وصاحب القرآن، على ضوء العلوم الحديثة، خاصة الفيلولوجيا [= علم تاريخي موضوعه دراسة معرفة الحضارات الماضية عبر الوثائق المكتوبة، التي تركتها وقد دُرس بها العهد القديم]،بعيداً عن الهم الجدالي القديم.

وقد ارتكب إدوارد سعيد خطأ تاريخياً فادحاً وربما مغرضاً، عندما اعتبر المستشرقين، عدا قلة منهم جاك بيرك، طابوراً خامساً لجيوش الفتوحات الاستعمارية، مقدماً بذلك خدمة مجانية لأقصى اليمين الإسلامي، الحساس، حتى الرهاب، لمقاربة تاريخ الإسلام بالعلوم الحديثة، التي يحرمها ويجرمها.

الطريقة التاريخية النقدية الإستشراقية، هي التي درسوا بها تراثهم وبعض تراث الإسلام في القرن الـ19 ،والتي أنتجت لاهوت يهودياً ـ مسيحياً مستنيراً .

كان المستشرقون يعملون على ظهور لاهوت إسلامي مستنير، على صورة اللاهوت اليهودي ـ المسيحي المستنير، يرفع من مستوى الفكر الديني الإسلامي، ليتطابق مع معارف العصر العقلانية والعلمية؛ كانوا يطمحون لمساعدة المثقفين المسلمين، على الانتهاء من طريقة التقريض العقيمة، التي يكتب بها المؤمنون للمؤمنين، والتي كانت غالبية المثقفين المسلمين ـ وإلى حد كبير مازالوا ـ يقاربون بها تراثنا الديني بمنطق: ليس في الإمكان أبدع مما كان!

الطريقة الإستشراقية التاريخية النقدية، أثرت في النخب الثقافية العربية والإسلامية في القرن الـ 20 ، الذين حاولوا، بنجاح متفاوت، انتاج لاهوت إسلامي مستنير ورؤية لتاريخ الإسلام مختلفة عن الرؤية التقريضية التقليدية العقيمة؛ مثلاً طبق طه حسين، باحتشام أحياناً، هذه الطريقة التاريخية النقدية خاصة في كتابيه: في الشعر الجاهلي والفتنة الكبرى؛ وطبقها منصور فهمي في رسالته الجامعية عن المرأة: “أحوال المرأة في الإسلام”؛ وطبقها أحمد أمين في ثلاثيته: فجر ، وظهر، وضحى الإسلام؛ وطبقها الدوري في دراساته عن تاريخ الإسلام وفي كتابه “علم التاريخ”(3)؛ وطبقها لويس عوض في إسهاماته المتعددة وخاصة كتابه “فقه اللغة” الذي منعه الأزهر، وكتابه عن الأساطير الشعبية الهلالية؛ وطبقها هشام جعيط: في الفتنة الكبرى…

ستكون ترجمة ما كتبه المستشرقون، وما قد يكتبونه عن القرآن وعن محمد وعن الإسلام إسهاماً أساسياً، في فهم القرآن ومحمد والإسلام فهماً تاريخياً، يقطع مع التمجيد الورع (بكسر الراء) السائد في الكتابة، عن هذه الموضوعات، اليوم، والذي يكثر غثّه ويقل سمينه.

لولا أمثال نولدكه، وبلاشير، واط، رودينسون، لكي أكتفي بأشهر الكلاسكيين، لبقي القرآن ونبيه لُغزاً. بالرغم من أنه مازالت توجد 3 كتب، بالألمانية عن محمد تعود إلى القرن 19، لم تترجم بعد؛ لولا الدراسات السياسية والسسيولوجية، الغربية المعاصرة، لظاهرة الإسلام السياسي، وخاصة لأقصى يمينه، لما استطاعت غالبية النخب، في ارض الإسلام ، مقاربة الظاهرة وتحليلها. تحليلات أمثال جيل كيبال وجان بييار فيليو، وغيرهما من الخبراء الأوربيين والأنجلو سكسانيين، تشكل مصدراً ثميناً لفهم الظاهرة الإسلاموية في كثير من جوانبها. والحال أن بعض ما كتب عنها بالعربية لا يستحق حتى عناء القراءة.

وكيف ننسى عشرات الأسماء الأخرى، التي ألقت إضاءات علمية ثمينة على الإسلام وتاريخه وشخصياته؛ وفضلاً عن ذلك كوّنوا أجيالاً من الجامعيين المستنيرين في ارض الإسلام. من هؤلاء المعلمين الكبار أذكر، عفو الخاطر، جولد زيهير، الذي حلل تفاسير القرآن بالمفاهيم العلمية الحديثة، وبلاشير، الذي قدم أول ـ وللآسف ـ آخر ترجمة فيلولوجية للقرآن، وماسنيون، أهم وأول من عرّف الإسلام الصوفي بكتابه “صلب الحلاج”، فضلاً عن اضاءاته الأخرى التي سلطها على الفن الإسلامي والمنطق الإسلامي والنحو العربي؛ وجيب، قد يكون أول من أكتشف عجز المثقف العربي عن الكتابة بالمفاهيم العقلانية، الوحيدة المنتجة للعقلانية الفلسفية والعلمية وللأخلاق النفعية. لكنه فسر ذلك بخاصية الفكر السامي التذريري، أي العاجز عن السانتاز. لكنه في نظري عائد بالأحرى إلى تأثير القرآن الذي يغيب فيه الرابط المنطقي بين السور والآيات. فضلاً عن رمزية الله، الفعال لما يريد،كيف يريد ومتى يريد. سلاحه الوحيد هو الفكر السحري: “إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون”(82 ياسن)، أي إرغام الواقع على إعطاء نتائج مخالفة لقوانينه. هذا المناخ الديني مضاد للتطور العلمي؛ وآدم ميتز، الذي حلل في كتابه “الإمبراطورية العربية”، كيف أعاق الاستهلاك الترفي التبذيري للخلفاء مراكمة رأس المال وظهور اقتصاد منتج، وهنري كوربان، الذي حلل الفكر الشيعي على ضوء العلوم الحديثة، ولاووست، الذي قدم بتحليله لابن تيمية نموذجاً للدراسة الحديثة للشخصيات الإسلامية وكلود كاهان، الذي كان أول من حلل الأزمة المالية التي أدت إلى سقوط الخلافة الأموية، ولوي جارودي، الذي فسر كيف أن الفلاسفة العرب كانوا متكلمين، أكثر مما كانوا فلاسفة، والصديق جاك برك، الذي، فضلاً عن إسهاماته الثمينة الأخرى، قدم أول ترجمة أدبية للقرآن، مع مقدمة تحليلية، تقريضية إلى حد ما، إذ رأى في ورود فعل “يعقل”40 مرة في القرآن دليلاً على حثه على استخدام العقل، وتناسى مجاملة على الأرجح، كل الفكر الغيبي والسحري المبثوث في معظم آياته. لكنه قدّم في مدخله التحليلي ملاحظات فقهية وسسيولوجية وتاريخية مهمة؛ (4) وشوراكي، الذي قدم ترجمة طريفة للقرآن أعادت مصطلحاته الدينية إلى أصلها التوراتي، وفان إس، الذي نفضَ نقدياً الغبار على مكاسب العقلانية الاعتزالية وثغراتها، وبرنارد لويس، الذي قدم مقاربة نقدية ثرية للإسلام والناطقين المعاصرين باسمه، جدير بكل مسلم، ناضج لتقبل النقد بصدر رحب وممارسة النقد الذاتي بشجاعة، أن يستفيد منها للإفلات من مصيدة النرجسية الدينية المنغلقة على نفسها، والتي أدخلت الإسلام في الانحطاط، والتي مازالت تلحق بصورة الإسلام، في مرآة الرأي العام العالمي، وبمصالح المسلمين أذى بليغاً.

هدف هذا البحث ليس مسح طاولة الماضي لكتابة تاريخ بِكر. فعل صبياني! الحضارة مسار تراكمي ثقافي مديد.بدأ منذ بدأ أجدادنا القرود، بعد أن انتصبوا على ارجلهم، محررين هكذا قوائمهم الأمامية ومحولينها إلى أيدي، ستتفرغ شيئاً فشيئاً إلى العمل اليدوي، إلى نحت الصوان. ونعرف من تاريخ التطور ان العمل اليدوي والفكر الرمزي[=الفكر السحري، ثم الفكر الأسطوري ثم الفكر الديني]، هما اللذين حولا القرد إلى إنسان. منذ بدأ يصنع أدوات الصوان إلى أن انتهى، على مسار التطور اللانهائي، إلى صنع الكمبيوتر. الطور الأخير من تطور القرد إلى بشر بدأ، يوم شرع القرد ـ البشر يعبد موتاه، أي يدفنهم تحضيراً لإنتقالهم إلى عالم آخر، كما تؤكد الإنثروبولوجيا.

مطلوبي، من استعادة نبي الإسلام من الأسطورة إلى التاريخ، هو تدشين تصورات جديدة لتاريخ الإسلام، تحرر عقولنا ومخيلاتنا من الرق النفسي لأساطير الماضي، بتحليلها علمياً، لفهمها بما هي أساطير مؤسسة، جديرة بالاحترام الواجب للأساطير المؤسسة، ولكن ليست حقائق تاريخية أو أوامر ونواهي إلاهية؛ إذا إلتزمنا بها، رغم تناقضها مع متطلبات عصرنا، فزنا في الدارين، أو على الأقل في الدار الآخرة، وإذا خالفناها، لأن حقائق العالم الذي نعيش فيه تفرض ذلك، بؤنا بالخسران المبين في الدارين، أو على الأقل في الدار الآخرة، التي هي خير وأبقى: أما الدار الدنيا “فمتاع الغرور”!

من حق “المسلم الحزين”، كما سماه حسين أحمد أمين، أن يُنهي حداده طامحاً، كمعظم معاصريه، في أن يكون سعيداً هنا والآن؛ وأن يتصرف بحرية في جسده لتحريره من ملكية الله ـ ألم يفتى[للتذكير لا أجزم بلم لحاجة العربية إلى الحروف الصوتية الفقيرة فيها] الشيخ الشعراوي بحرمة نقل الكلى من شخص إلى آخر، لأن جسده ليس ملكاً له بل ملك لله؟ وملكية ظلال الله على الأرض: العائلة والمجتمع التقليديين والدولة الدينية؛ وأن يعترف له هذا الثالوث المخيف بحقه في تقرير مصيره في حياته اليومية، وبجميع حقوقه التي اعترفت له بها وثائق حقوق الإنسان؛ وبحقه في انتقاء ما شاء من دينه وطرح ما لا يرضيه منه؛ وبحقه في تعليم ينمّي فكره النقدي ويعلمه التجديد العلمي والتكنولوجي، الذي لا مستقبل لأمة معاصرة من دونه، بصرف النظر عن محرمات دينه المتقادمة.

احترام الماضي؟ نعم. لكن شرط ألا يكون عائقاً لبناء الحاضر وتحضير المستقبل؛ التراث يجب أن نجعل منه، كما تتطلب منا الحداثة وعلومها، رأس مال رمزي برسم البحث والاكتشاف. نتأوّله تأويلات شتى تخدم حاضرنا بتكييفها مع العقلانية الدينية، وننسخ منه كل ما يشكل عائقاً، دينياً أو ذهنياً، يمنعنا من أن نكون معاصرين لمعاصرينا، لا أن نحوله إلى قيد على عقولنا، أي إلى عقيدة جامدة يحكم بها الأموات من وراء قبورهم حياة الأحياء،كما تريد القراءة الحرفية له!

يجب، مرة وإلى الأبد، أن نكّف عن كوننا كائنات تراثية لنصبح، من الآن فصاعداً، كائنات لها تراث، تحررت من رقه النفسي، فغدت قادرة على دراسته و تدريسه بعلوم عصرها لتعرفه على حقيقته التاريخية، وتتعرّف خاصة على استمرارية عوائقه الدينية والذهنية في ممارستنا الدينية والدنيوية. هذه الممارسات التي جعلتنا، لا أفراداً مبدعين لأنماط حياتنا، بل قروداً مقلدين لأسلافنا، منبتّين من حاضرنا وصماً وعمياناً عن مستقبلنا هنا والآن، الذي يجب أن نضحي به على مذبح مستقبلنا بعد الموت! كأنما كُتب على المسلمين وحدهم، أن يدخلوا الجنة جياعاً وجهلة وأميين، لأنهم أساساً مازالوا يتناسلون كالأرانب؛ مثلاً مصر تضاعف سكانها 4 مرات في 60 عاماً بدلاً من 4 مرات كل قرنين، وتضاعف معهم، بذات النسبة، الأمية، والمرض والفقر وسوء التعليم والجنوح والإرهاب وسوء صناعة القرار…

نكابد، وستكابد الأجيال التي لم تُولد بعد هذه الكوارث، لأن آية قرآنية تحرم علينا وعليهم، اعتماداً على القراءة الحرفية العقيمة لها، تحديد النسل: “ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق”(23 الإسراء). منع الحمل أو التخلص منه بالوسائل العلمية، لا علاقة له بوأد البنات أو بقتل الأطفال خشية الفقر!

عندما قرر جمال عبد الناصر في بداية الستينات، في لحظة صحوة وعي نادرة، تحديد النسل، تقليداً للحبيب بورقيبة على الأرجح، الذي حدده منذ 1961.تصدى له شيخ الأزهر، شلتوت، بسلاح ضارب: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقكم وإياهم “! وهكذا طُويت صفحة إصلاح ديموغرافي مهم وملح معاً تتجرع مصر اليوم عواقبه الوخيمة!

نحن اليوم وجهاً لوجه أمام مشاكل مستقبلنا. فإما أن نحجب وجوهنا حتى لا ترى المخاطر الماثلة أمامنا. وإما أن نتشجع ونسمي هذه المخاطر بأسمائها، عسى أن نجد حلولاً لهن. بعد وقوفنا أماهن عاجزين طوال قرنين. لأننا جبنا أمام فتح ورشة نقاشهن الحر والمتعارض. لماذا؟ لأن السؤال في ثقافتنا الدينية محرم. لماذا أيضاً؟ لأننا تعودنا على مر القرون مهادنة الواقع بدلاً من مجابهته، ومجاملة الجمهور بدلاً من مصادمته لتوعيته وتنويره، والمحافظة على استمرارية الماضي بدلاً من القطيعة معه. دفعتنا البارانويا الجمعية، إلى اتهام “المؤامرات”الخارجية بالمسؤولية عن جبننا، عن صناعة قرار شجاع، سياسي، اقتصادي وديني؛ يكشف لنا أن مآسينا منا وإلينا، ولا أحد مسؤول عنها سوانا: وكما قال المتنبي:

نعيب زماننا والعيب فينا / وما لزماننا عيب سوانا!

حسبنا الآن أن نفتح ورشة نقاش هذه المآسي في المدرسة، في الجامعة، في الجامع وفي جميع منابر الإعلام… عسى أن نصل أخيراً إلى قرار صحي: يجعل من كل شيء علماً وتكنولوجيا، ومؤسسات ديمقراطية وقيماً إنسانية بدلاً “من كل شيء دين” السائد اليوم! الإسلام يحتاج إلى إصلاحات استراتيجية وليس إلى نصف إصلاح؛ يحتاج إلى ثورة ثقافية برسم التدشين: تخرج المسلمين من انحطاطهم الأخلاقي، المتجسد في تطبيق الحدود الشرعية الدموية، أو المطالبة بتطبيقها، تجعلهم يتبنون القيم الأساسية لحقوق الإنسان، والقانون الوضعي المشتق منها، وتخرج المسلمين من انحطاطهم الاقتصادي، وتدخلهم إلى الحضارة الصناع

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

قصر… الأوهام..

لدي شعور لا استطيع التخلص منه…

غربتي تشبه غربتك… تعانقها…رغم بعد المسافات…

تتلمسها… رغم سعة الفضاءات…

اًلامي… تشتاق إلى اًلامك…

و ضحكاتي.. انتحرت مع ضحكاتك..

آمالي و أحلامي …

في سوق التوهان..

تشارك آمالك و أحلامك…

كنت اعتقد دوما أنني أنا …

و لكن أصبحت لا اعرف لماذا أجدك جالسة و منتشية في ركن انانيتي…

لا ادري لماذا حزنك مرسوم على مراًتي…

لماذا تسبق صورتك صورتي على كاًسي…

لماذا خطوط اوهامك تتشابك مع خطوط فشلي و اندحاراتي..

لماذا أجدك أمامي كلما حاولت أن اهرب من عجزي و من خيباتي ..

انت سيدة القصر… ذلك القصر المتهرىء…

القصر الذي لا بلاط فيه و لا حاشية و لا صولجان…

و أنا قادم من هناك …

على حصان ليس له لون و لا أقدام و لا سرجان…

القصر متروك ….

هجره الجميع و ليس فيه مطرح حتى للشيطان…

و انت تتجولين فيه سجينة بلا أقفاص و لا سجان…

لا تستقبلين أحدا… حتى الموتى رحلوا فلا مرثى و لا أحزان…

انت وحدك… الملكة و حارسة المصلوب و بيت الرهبان..

وحدك تدقين الأجراس… و و حدك تصلين في المساجد…

و حدك تحملين وزر الخطايا… و تزرعين أزهار الاحلام…

القصر كان دوما حلمك…

لكنك لم تجدي شيئا فيه يشبه الأحلام …

و لم تجدي فيه ورودا و لا حدائق الغزلان…

أما انا فقد كنت احلم …أن أجدك زهرة تفوح منها رائحة الحب و الحياة ..

رائحة الإنسان…

فوجدتك روحا تتكسر لامراًة تحولت أحلامها إلى أشجان ..

اكتشفنا… انت و أنا..

أن ذلك القصر المحطم لم يكن سوى سراب و أوهام …

اكتشفنا … انك ما زلت هناك …

في مكان … ليس له خارطة و لا أعلام بل كثير من الأسلاك و القضبان…

و أنا هنا …في ارض فيها كل شيء ….

إلا ما يشبه الأوطان …

Posted in الأدب والفن | Leave a comment