الفتنه التي قتلت عثمان بن عفان

د. ميسون البياتي

التاريخ المجيد لا يمكن أن يبنى بالخديعة , وإذا كان للزوج المخدوع وهو آخر من يعلم حق تطليق من خدعته فيتخلص منها ومن عارها , فالأبناء المخدوعون حين يكتشفون الخديعة لا يملكون مثل هذا الحق , فيصابون بالإنكسار .. فأما يوغلون في الإثم , وأما ينسلخون عن مجتمعاتهم ويتعاونون مع أعدائها عليها , أو يبقى قسم منهم يحمّل القسم الآخر مسؤولية ما حصل .. وهذا هو حالنا اليوم أمة العرب المسلمين

بداية وقبل كل حديث , أعلن أني لم ولن أرغب المساس بقدسية الدين الإسلامي الحنيف , ولا بمكانة نبي الرحمة الكريم , ولا بصحبه أجمعين رضوان الله عليهم , لكني أريد البحث عن أصل الخلل الذي أسقط دولة الإسلام في العام الهجري 40 والذي يؤدي الى إستفحال واقعنا الحالي بهذه الفرقة الطائفية البغيضة التي لولاها لما فكرت في البحث في هذا الموضوع اصلاً أوالكتابة عنه

بعيداً تماماً عن التفكير الطائفي أو العنصري أو المتحيز لأي طرف , فإن الدراسة الواقعية التاريخية والإجتماعية والإقتصادية لمجتمع الإسلام تجعلني أقرر أنه لو تسلم حكم المسلمين أي رجل آخر غير عثمان بن عفان وبنفس الآليات الإجتماعية والإقتصادية والنفسية للمجتمع الإسلامي في عهده .. لقتل كما قتل عثمان . ولكي نلم بجميع العناصر التي أدت الى فتنة مقتله , سأقوم بإستعراض هذه العناصر جميعاً ضمن مفهومي وتفسيري الخاص ورؤيتي التاريخية , بعد ذلك سأسرد الآلية التي إندلعت بها تلك الفتنة حتى وصلت مداها وهو تنفيذ القتل بشخصية خليفة المسلمين

حين قتل خليفة المسلمين علي بن أبي طالب في الكوفة , تسلم الخلافة من بعده إبنه الحسن , فحكم مابين ستة الى ثمانية أشهر كادت فيها أن تندلع الحرب بينه وبين معاوية , إذ سار الجيشان وإلتقيا في الأنبار , ولكن لحكمة الحسن كحاكم وحرصه على عدم إراقة المزيد من دماء المسلمين فقد تنازل لمعاوية عن الحكم فيما يعرف بعام الجماعة الذي يقع في السنة 40 للهجرة

لأن بني أمية بعد أن وصل الملك لهم أرادوا تغطية كل ما سبق من مطاحنات دامية ليسهل عليهم حكم المسلمين من ناحية .. ولأنهم أرادوا أن تتساوى الرؤوس بنظر العامة فلا فرق بين علي ومعاوية ولا يزيد والحسن أو الحسين .. لذلك بدأوا بإشاعة فكرة أن صحابة الرسول جميعا ًهم سواسية ولا فرق بين واحد منهم والآخر .. وجميعهم رضوان الله عليهم .. وجميعهم منزهون عن العيب والخطأ , ولهذا فبمرور الوقت أصبحنا ننظر الى تلك الفترة من حياة الإسلام نظرة خاطئة .. فإذا كان الجميع بهذا الطهر والنورانية .. إذن من أين كانت تأتي مشاكل المجتمع الإسلامي ؟ النظرة الموضوعية تدعونا الى أن نتصور أن الإسلام جمع بين كل هذا الرهط .. لكن كل فرد منهم كانت له أخطاؤه وعيوبه التي تأثرت وأثرت بهذا القدر أو ذاك في الدين المحمدي , ولا يجوز لنا أن نتصرف كما فعل مفتي سوريا في بداية القرن العشرين , حين قام الرائد المسرحي السوري أحمد أبو خليل القباني بعرض مسرحية هارون الرشيد , فقام المفتي بالسفر الى الباب العالي في الإستانة للشكوى حول تطاول الفنانين على أولي أمر المسلمين

نفس ما سعى له بنو أمية , تكرر مرة أخرى عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع نشأة التيار القومي العربي , فحين أدرك القوميون أن الإسلام مقوم مهم من مقومات العروبة , حاولوا أن يرسخوا في الأذهان فكرة أن أولئك العرب الذين دخلوا الإسلام كانوا جميعا ً مثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى .. والحقيقة غير ذلك تماماً , المضحك في الأمر أن التطور التقني أدى في هذه الفترة الى إنتاج أفلام ومسلسلات تصور لك مجتمع الإسلام وكأنه المدينة الفاضلة التي يأتيها الباطل فقط من المشركين وأعداء الإسلام .. وكأن المسلمين بما جبلت عليه نفوسهم غير قادرين على إنتاج مشاكلهم بأنفسهم دون الحاجة الى الطاريء أو الدخيل , وهذا تبسيط وتصوير ساذج للحياة

ناهيك عما أنتجت تلك الفترة من كتب ومطبوعات كتبها صحفيون وأدباء وربما حتى باحثين تاريخيين , لكنها تفتقر الى التحليل السليم والمنطقي للأسباب الجوهرية التي أدت الى تفكك دولة الإسلام بعد فترة قصيرة من تأسيسها , ولم يحاول أحد منهم أن يتجرد عن الحاجز النفسي الذي قد يسميه البعض بعامل ( الحرام ) في التعامل مع معطيات الإسلام وأفكاره وقوانينه وفلسفته وتطبيقاته لفهم من أين ينبع الخطأ , وأين بالضبط تقع العلة , هل تدافع المسلمون الأوائل لقتل بعضهم بعضا حباُ في المال والسلطان ؟ ؟ أم أن هناك خلل في بعض تطبيقات الإسلام والمسلمين هي التي أوصلت الى ذلك الحال ؟

لكي نعرف مقدار ثراء النبي محمد والبيئة المالية والمجتمعية التي تحرك فيها علينا فقط ان نتذكر أنه كان يقود تجارة زوجته خديجة , ولكي نعرف مقدار ثروة خديجة يكفي أن نتذكر أن لقريش رحلتين في السنة قوام كل رحلة حمولة ألف بعير .. 500 لخديجة , و500 لسائر تجار قريش مجتمعين , وهذا إن دل على شيء فهو على أن خديجة وزوجها كانا من أغنى أغنياء قريش , ولهذا فمن المنطقي أن النبي لم يقدم الإسلام الى الناس على أنه دين للفقراء والمحرومين .. وإنما هو دين لعامة الناس

حين نزل الوحي على النبي , دعى النبي قومه الى الإسلام .. فلم يلتفت إليه أحد , ليس لأن الناس متمسكة بعبادة الوثن كما يظهر في فلم فتح مكة أو فلم الرسالة أو فلم ولد الهدى .. هذا تصوير ساذج وتفسير سخيف لحقيقة الأمر , فالدين .. أي دين .. هو الدعامة التي تتأسس حولها علاقات النسب والعشيرة والقبيلة والمصاهرة والزواج والمصالح والتجارة والمال .. لذلك فإن من ينسلخ عن دينه تى وإن كان دين عبادة الحجر سيخسر الشيء الكثير إن لم نقل سيخسر كل شيء , ومن أي دين نحن لو فكر أحدنا بتغيير دينه اليوم .. فما الذي سيبقى له من كل حياته الماضية ؟

لم يلتفت أحد الى دين محمد .. لأن النبي إضافة الى أنه كان يدعو الناس الى فك وشائجهم وعراهم مع من حولهم من الناس باللحمة التي إلتأمت حول عبادة الوثن , فإنه لم يقدم لهم بديلاً ماديا ملموساً عن تعويض سيكتسبونه نتيجة هذا التغيير .. كأن يكون تجارة رابحة أو مكانة سامية .. أما عزة الله وجلاله أو التخويف من النار والتبشير بالجنة فهذه وعود لم تكن تهم في شيء ذلك العربي الذي لايملك اليقين وقد تكون هذه المجردات بنظره مجرد أوهام وسراب

شخصية النبي حتمت عليه أن لا يستسلم الى عائق مثل هذا يثنيه عن الدعوة الى الدين الحنيف الذي أمره ربه به , لهذا وعد العبيد بالحرية والجياع بالشبع فتأسست منهم قاعدة الإسلام البشرية , وكانت تنزل على النبي الآيات المكية من القرآن الكريم وهي في مجملها آيات قصيرة تتضمن أحكاما عامة وليس فيها تفصيلات كثيرة

طيلة حياة السيدة خديجة بنت خويلد لم يتزوج النبي عليها وحين ماتت قبل الهجرة بثلاث سنوات تزوج مباشرة من السيدة ( سودة بنت زمعه ) ولأنه كان يريد الإعتماد على أبو بكر الصديق لذلك تزوج من إبنته عائشة , ولذلك سنرى مسؤليات جسام كان النبي يكلف بها أبو بكر وكما سيأتي . وبعد الهجرة بعامين تزوج النبي من حفصة إبنة عمر بن الخطاب لنفس السبب , لهذا كان الثلاثة هم الذين يحكمون مدينة الإسلام التي تأسست في يثرب

يحدد فيلسوف التاريخ أرنولد توينبي صاحب نظرية التحدي والإستجابه في تفسير التاريخ يوم فتح مكة تاريخاً لبدء تراجع دولة الإسلام وحتى سقوطها في العام 40 هجري . وقد يتفق معه كثيرون في هذا , لأن فتح مكة لم يكن سعادة ونعيم كما نرى في الأفلام , فأهل مكة كانوا يكرهون النبي . وهو يكرههم أيضا , يحكى أنه يوم فتح مكة إستعرض أهلها شامتاً ساخراً , وحين مرت من أمامه هند بنت عتبه زوجة أبو سفيان وأم معاوية قال لها بإستهزاء ( من ؟ هند ؟ آكلة الكبود ؟ ) فنظرت بوجهه نظرة ذات مغزى وقالت : أنبيٌ ؟ وحقود ؟

بعد فتح مكة وإرغام الناس بالقوة على الدخول في الإسلام , إرتد أغلبهم إن لم يكن في العلن ففي السر . ولذلك زعل عليهم النبي وأخذ زوجاته وغادر الى المدينة , معطياً لأهل مكة ( سنة إنتقالية ) ليعودوا مرة أخرى الى الإسلام , فإن لم يفعلوا فستشدد عليهم الأحكام , وكان من المقرر أن تغلق بيوت ( ذوات الرايات الحمر ) بالتدريج خلال هذه السنة . لكن أهل مكة تمادوا في العودة الى جاهليتهم الأولى , ولكي يكيدوا للنبي الكيد كله .. تم في واحد من بيوت ذوات الرايات الحمر تسمية المشتغلات في تلك الدار بأسماء السيدات أمهات المؤمنين ولهذا فحين كان الشعراء يشببون بتلكم العاهرات _ كان التشبيب يقع على أمهات المؤمنين بسبب إنتحال أسمائهن

حين إنتهت السنة الإنتقالية وعادت قوات النبي الى مكة بقيادة أبو بكر الصديق الذي كان مسؤولاً عن العسكر والأمن , أناط النبي مسؤولية أخرى بأبو بكر الصديق وهي رئاسة لجنة تعقب وإعدام الشعراء المشببين , وكان من بين هؤلاء شاعر يدعى بعل , كان زوجاً لتلكم النسوة اللواتي يحملن أسماء أمهات المؤمنين , واللواتي رفضن التوقف عن ممارسة الدعارة لأن هذا مصدر عيشهن الوحيد , حين إقتادهن الحرس الى السجن , كان بعل زوجهن يأتي كل يوم الى مكان قريب من السجن وهو يحمل قصيدة طويلة يشبب فيها بواحدة من زوجاته المسجونات وهي تحمل اسم واحدة من امهات المؤمنين , وسط حشد من الناس , وبعد أن ينتهي من قراءة القصيدة يذهب ويعلق صحيفتها على حائط السجن , بعل هذا وجمهرة الناس حوله هم الذين نزلت فيهم سورة الشعراء : والشعراء يتبعهم الغاوون , ألم تر أنهم في كل واد يهيمون , وأنهم يقولون مالا يفعلون , إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وإنتصروا من بعد ماظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

مشهد رهيب تصوره لنا هذه الحكاية من الإستهزاء بالإسلام والمسلمين داخل مكة حتى بعد فتحها , أجاز لتوينبي أن يعتبر من خلاله فتح مكة هو نقطة تراجع الإسلام من كونه هو الذي كان يشكل التحدي لمكة قبل الفتح _ لأن يصبح أهل مكة هم التحدي للإسلام بعد الفتح , فكانت الإستجابه هي سقوط دولة الإسلام عام 40 للهجره

كل هذا تحليل جيد من توينبي بإعتباره يفسر التاريخ كمجموعة من التحديات والإستجابات لكني أجده قاصراً في توصيف ما وقع فعلاً داخل دولة المسلمين فأدى الى سقوطها , فلو أن الإسلام كان قد أسس مجتمعاً صالحاً للديمومة , فإن نعرة الجاهلية ستنتهي منه حتماَ بحكم أنقراض أجيال وولادة أجيال وتغير أحوال المجتمع من جيل الى جيل بحكم الثقافة السائدة , أما لماذا لم يتمكن الإسلام من تأسيس مجتمع صالح للديمومة , فهذا وحسب تفسيري الذي أبنيه على مبدأ التراكم الكمي الذي يؤدي الى تغيير في النوع , عندها تقع حتميات تاريخية لا يمكن تفاديها , ولن ينفع في ذلك , لا تبديل قانون .. ولا تغيير حاكم , وهذا هو الذي وقع في دولة المسلمين

حين إستقر النبي في يثرب بدأت تتنزل الآيات المدنية من القرآن الكريم وهي آيات طويلة نسيبياً وفيها شروح لأحكام الحياة والعبادة , ولأن الدين لعامة الناس وليس لفئة محددة منهم , فقد بدأت تنزل على النبي آيات ناسخة لتنسخ أحكام آيات قبلها , لن يهمني هنا مناقشة الناسخ والمنسوخ في آيات المغفرة أو آيات تحريم الخمر , لكني سأهتم بالناسخ والمنسوخ الذي سينفجر على شكل مشكلة كبرى في حياة المسلمين ويكون هو السبب الرئيس في تقويض دولة الإسلام

آيات الزكاة .. نسخت آيات تحريم كنز الأموال وآيات الحث على إنفاقها , فصار المسلم لا جناح عليه أن يكنز ما يشاء من المال بشرط أن يتزكى . وسأترك هذه النقطة هنا على أن نعود إليها مرة أخرى حين ستستفحل مشكلتها

المشكلة الثانية التي سيتركها الإسلام معلقة الى أن تنفجر فيما بعد هي موقفه من العبودية والرق . يقول النبي محمد ( لقد أوصاني حبيبي جبريل بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم ) ويقول ( المؤمنون سواسية كأسنان المشط ) , إلا أن الإسلام لم يقدم حلاً جذرياً لهذه المشكلة .. كيف يكون المؤمنون سواسيه كأسنان المشط إذا كان أحدهم يمتلك صك عبودية الثاني ؟ .. واذا كان لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى _ فهل بالمقابل لا فضل لسيد على عبده , إذا كان العبد أكثر تقوى من سيده ؟ .. أمام الله سبحانه وتعالى من المؤكد أن لا فضل لإنسان على إنسان إلا بالتقوى ولكن ألا يحتاج حال الحياة الدنيا الشيء الكثير من الإصلاح ؟ أليس الإسلام دين ودنيا ؟ وفي بناء دنيا ومجتمع وتأسيس دولة .. ألا يجب إيجاد حل فاعل لهذه المشكلة التي سأتركها الآن وأعود إليها حين ستستفحل

في رمضان سنة 8 هجرية تم فتح مكة , وحين أعلنت مكة بعد الفتح تمردها على الإسلام , سحبت معها قبائل عربية كثيرة ممن تعيش خارج مكة والمدينة والطائف الى إعلان ردتها عن الإسلام في حياة النبي

بعد 17 شهر إي في صفر 11 هجرية مات النبي ورغم أن كتاب الله ينص : والذين إستجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون . سورة الشورى 38 … كما أن القرأن صنّف ترتيب الشورى بعد الإيمان بالله وإقامة الصلاة ويفضلها على الإنفاق بالزكاة والصدقات إلا أن أبا بكر الصديق وبحكم سيطرته العسكرية والأمنية على دولة الإسلام عاجل الشورى بإجتماع السقيفة وفاز بكرسي الخلافة الأول . يعلل بعض الكتّاب ذلك بقولهم أن الردة بموت النبي كانت قد أصبحت على أشدها , والوقت لا يتسع لشورى من أجل السيطرة على الأوضاع . غير أن هذا التجاوز أغضب رجالاً كثراً من قريش كانوا يعتقدون بأحقيتهم بالخلافة أكثر من أبي بكر .. علي ابن أبي طالب واحد منهم , وإن كانوا قد إنتهوا جميعاً الى مبايعة أبي بكر كخليفة للمسلمين

قبائل المسلمين من غير قريش كان لهم رأي في تجاوز مسألة الشورى أيضاً , فقد قالوا أنه حتى لو كانت الخلافة محصورة في قريش فهذا لا يعني أن ليس لنا حق في أن نُشاوَر بأمر من سيحكمنا من قريش , وأعترضوا على أبي بكر بالإمتناع عن دفع الزكاة الى بيت مال المسلمين . بل كانوا يجمعونها بينهم وينفقونها على المحتاجين منهم بمعرفتهم . لكن أبا بكر إعتبرهم جميعاً مرتدين عن الإسلام وحاربهم في عقر ديارهم وقال فيهم قولته الشهيرة : والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم فيه

صورة كالحة للحياة في دولة الإسلام تتمثل في ردة عامة , وموت النبي , وإشتداد الردة . وتجاوز حد الشورى من قبل خليفة النبي الأول , وإمتعاض قريش , وإمتعاض قبائل العرب , وإمتناع عن دفع الزكاة إعتراضاً على شخص الخليفة , لكن خليفة المسلمين يحارب القبائل المعترضة على شخصه , بتكفيرها عن الإسلام وهذا ليس من حقه البتة , أليس نبينا محمد القائل (( من كفَّر مسلماً فقد كفر )) ؟ وهل يتساوى القبول بأبي بكر حاكماً , مع الإيمان بالله وكتابه ورسوله .. لكي يكفر أبو بكر من لم يقبل بخلافته ؟ ولن يهمني كل هذا إلا بالقدر الذي أحدثته فوضى الحرب في حياة المسلمين فخربت تجارتهم وزراعتهم ومصالحهم . مما أضر بإقتصادهم ومستواهم المعيشي الذي أصبح لا يطاق , لأن هذه النقطة هي التي ستتطور لاحقاً لتسبب المصيبة

بقي أبو بكر مصراً على عدم العمل بالشورى التي قدمها كتاب الله على الزكاة والصدقة , حتى ساعة وفاته حيث وصى بالخلافة لعمر بن الخطاب , وعمر بن الخطاب سياسي داهية ولهذا كان النبي قبل إسلام عمر يدعو ربه (( أللهم أعز الإسلام بأحد العمرين )) .

حين آل إليه حكم المسلمين أخذهم بالشدة , فشدد الأحكام , وأشغل الناس بالقتال , وبعد أن كانت الفتوحات في زمن أبي بكر قد طالت الروم , فإن عمر قد وجه القتال لفتح العراق ومصر

واجه عمر بن الخطاب مشكلة أن رجال المسلمين , ومنذ مجيء الإسلام كانوا مشغولين بنشر الدعوة والقتال من أجلها , ولذلك تضررت تجارتهم وزراعتهم ومصالحهم , وبالتالي فهم يعيشون في واقع إقتصادي مزري , لذلك حين بدأت أموال الخراج تأتي من الأمصار الجديدة المفتوحة , فقد كان أول ما فعله أمير المؤمنين , أنه خصص درهماً واحدا في اليوم عطاءاً لكل مسلم يقيم به حاجته ويساعد به نفسه على تدبر شؤون معيشته , وتلك كانت أكبر غلطة وقع فيها عمر بن الخطاب على الإطلاق

الخبراء الإقتصاديون المعاصرون يحذرون أشد التحذير من الزيادات المفاجئة في العطايا والرواتب والمخصصات الى عامة المواطنين لأنها تؤدي مباشرة الى التضخم في الأسعار , وحين تتضخم الأسعار فإن العملة النازلة الى السوق يتم سحبها الى جيوب التجار .. مقابل نفس نوع وكمية البضاعة التي كانت أرخص قبل الزيادة , ولهذا فالنظرية الإقتصادية الحديثة تشجع الحكومات على دعم سعر السلع والخدمات في السوق .. دون منح زيادة في المحفزات والرواتب , وبذلك يبقى سعر العملة والسوق ثابتاً رغم تغير مستوى المعيشة . ولهذا فكلفه رغيف الخبز في عهد عمر التي لم تكن تتجاوز الفلس أو الفلسين قبل الزيادة , تضاعف سعرها عدة مرات بعد الزيادة

كذلك في عهد عمر بن الخطاب أنفجرت مشكلة الرق والعبودية التي لم يحسمها الإسلام لأنه أبقى نوعين من الرق وهما : أسرى الحرب , وأبناء الإماء . لذلك ففي فتوحات بلاد الروم كان العرب يجلبون معهم السبي من البلاد المفتوحة , يسترقونهم ويستعملونهم عبيداً , وفي فتح العراق كان العرب قد جلبوا معهم 40000 من الفرس الى ديار العرب لنفس الغرض

عندما تسلم عمر خلافة المسلمين ولى عمرو بن العاص على مصر , وفي يوم من الايام أتى مصري قبطي الى عمر يشتكي ويقول أنا مظلوم يا أمير المؤمنين قال له وماهي مظلمتك ؟؟ قال سابقت محمد بن عمرو بن العاص والي مصر فسبقته بفرسي فنزل عليَّ أمام الناس وضربني وقال لي تسبقني وأنا ابن الأكرمين فحكم عمر بأن يضرب القبطي محمد ابن العاص أمام أبيه , وذهب الى أبيه عمرو بن العاص فلمس صلعته وقال له : (( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا )) . يقف كتّاب السير والمؤرخون عند هذه الحادثة كثيراً للتدليل على عدالة عمر التي لاشك فيها لكنهم لا يكلفون أنفسهم كثيراً للحديث عن كيف يستعبد المسلمون في عهد عمر الناس عبودية فعلية حين يأسرونهم في الحروب فيسبونهم عن ديارهم , ويجبرونهم على تغيير دياناتهم , ويستعملونهم عبيداً أرقاء , ويميزون أنفسهم عنهم في كل شيء , بما في ذلك تمييز نساء العبيد عن نساء سائر المسلمين

الحجاب في الإسلام ( شارة ) وليس ( فريضة ) . حين كثرت نساء العبيد في ديار المسلمين , إحتاجت بعض نساء المسلمين الى تمييز أنفسهن عن السبيات , فظهرت شارة الحجاب على شكل قطعة قماش تضعها نساء المسلمين على رؤوسهن تمييزا لهن عن نساء العبيد , ورغم أن نساء العبيد كن يجبرن على إعتناق الإسلام الذي يقال أن الناس فيه سواسية كأسنان المشط إلا أنهن كن يمنعن منعاً باتا من إرتداء شارة الحجاب .. فأين هي العدالة في ذلك إذا كان الإسلام دين للناس كافة ويساويهم كأسنان المشط ؟

علماً أن شارة الحجاب لم تكن إلزامية على نساء المسلمين , بل تستعملها من هي بحاجة اليها فقط , ولو كان الحجاب فريضة فقد كان خليقاً بحفيدة أشرف الخلق السيدة سكينة بنت الحسين أن تضع الحجاب على رأسها , بينما نجد من أخبارها انها كانت سافره وواحدة من أجمل جميلات العرب وكان أجمل ما فيها شعرها الذي كانت تقصه ليكون طوله على كتفيها وإشتهرت قصة شعرها بين النساء بإسم ( القصة السكينية ) وكانت السيدة سكينة شاعرة ويجتمع الشعراء في مجلسها وتستمع إليهم وتجيز أشعارهم وهي التي أجازت الشعراء : جرير , والفرزدق , وكثير عزة , وجميل بثينة . خطبها رجال كثيرون وتزوجت خمس مرات , قتل من أزواجها إثنان وتوفي إثنان وطلقها الخامس , هكذا كانت النساء المسلمات في ذلك العهد , ولسن خيام سوداء متحركة كما يراد لهن اليوم بإسم الإسلام

عدد الأسرى الفرس الذين جلبوا من فارس عند فتح العراق كان أربعين ألف أسير بيعوا جميعا في أسواق الرق .. والخلل الذي أحدثه هؤلاء المسبيين في مجتمع المسلمين ليس بالقليل , فهم بأشكال مختلفة وعادات وتقاليد مختلفة , ولغات مختلفة , ويحملون ألم سبيهم عن ديارهم الذي لا يمكنهم الإفصاح عنه والذي تنتج عنه أفعال لا بد أن تصب في أذية مجتمع الإسلام .. فيتعرضون بسبب ذلك الى الأذى .. فيزدادون شراسه .. في السنة 19 هجرية غلب العرب القائد الفارسي ( الهرمزان ) وجلبوه أسيراَ الى عمر بن الخطاب , فتم إجباره على الإسلام والبقاء في المدينة

وفي المدينة وبعد عطاء عمر للمسلمين عطية الدرهم من بيت المال إشتعل الوضع الإقتصادي لكل سكانها .. فصار صغيرهم وكبيرهم يحسب كم ينفق وكم يدفع الى بيت المال زكاة عن موارده .. وكم .. وكم , وما نلبث حتى نصل الى السنة 23 هجرية حتى يندفع أبو لؤلؤة فيروز الى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب فيطعنه في بطنه ويجعل أمعائه تندلق الى الخارج , ولم يكن ذلك بسبب جريمة منظمة رتب لها المسبيون الفرس , وإنما لأن أبا لؤلؤة فيروز كان قد إلتمس من الخليفة تخفيض مقدار ما يدفع من

ضريبة الى بيت المسلمين .. لكن الخليفة لم يوافق على ذلك

وبينما كان الخليفة يحتضر , إندفع إبنه عبيد الله فقتل القائد الهرمزان ولؤلؤة بنت فيروز , وعدداَ آخر من الفرس . وكان في نيته قتل جميع السبايا الفرس ذلك اليوم لو لم يسحب السيف من يده . أفلا تنبهنا هذه الحادثة الى طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين العرب وسباياهم الفرس .. وطبيعة الوضع الإقتصادي القاتم لعموم المسلمين ؟؟

بينما كان عمر بن الخطاب يحتضر دعا ستة من الصحابة لتشكيل مجلس للشورى ينتخبون فيه من بينهم خليفة خلال ثلاثة أيام وهم كل من : عثمان بن عفان , علي بن أبي طالب , طلحة إبن عبيد الله , الزبير بن العوام , سعد بن أبي وقاص , وعبد الرحمن بن عوف

حين فاز عثمان بن عفان بكرسي الخلافة الثالث , لم يكن ذلك مريحا َ لبقية من معه في مجلس الشورى وكان علياً أكثرهم حنقاً لأنه يعتقد أنه الأحق من عثمان وقد أُخذت لعثمان البيعة حيلة

أول مشكلة واجهت عثمان خلال فترة حكمه كانت قضية عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان وبقية سبايا الفرس معه , وفي وقت رأى فيه عثمان أنه سيكون من الصعب أن يقتل خليفة المسلمين ثم يعدم إبنه بعده بعدة أيام , لذلك دفع دية القتلى وأخلى سبيل عبيد الله بن عمر , مما جعل هذه الحادثة موضوعاً للجدال والإعتراض من قبل علي بن أبي طالب , حيث يرى بعض الباحثين أنها كانت متنفساَ لعلي للتعبير عن ضيقه بما آلت له بيعة الحكم

في الأسبوع الأول الذي أصبح فيه عثمان بن عفان خليفة على المسلمين إرتكب أول أخطائه , فقد تحسس بمشكلة المسلمين الإقتصادية وضائقتهم المادية فأحب التوسعة عليهم , فقام بزيادة عطاء المواطن من درهم واحد في اليوم الذي خصصه لهم عمر بن الخطاب , الى درهمين .. فتوسع الشق الذي كان قد أحدثه درهم عمر

كلما إزدادت كمية النقد المتداولة في السوق .. شحت الحاجة وإرتفع سعرها , وهذا معناه وكأن لا زيادة فعليه من المال بيد المواطن .. وسيبقى الجوع هم الليل والنهار الذي يلبد فوق رأسه . ومن ناحية ثانية .. يعني تجمع المزيد من النقد السائل بيد التجار . فإذا إفترضنا أن التاجر زاد ربحه في العام 100 ألف درهم عما كان عليه في الماضي .. فلن يضيره أن يدفع عنها 20 ألف درهم إضافية زكاة الى بيت مال المسلمين , وكل هذا وهو في الجانب المشروع والحلال من الدين , ولهذا علينا أن نسجل أن أعطية بيت مال المسلمين ( الدرهم في أيام عمر _ والدرهمين في عهد عثمان ) كانت قد فاقمت الحالة الإقتصادية في دولة المسلمين , وقسمت المجتمع الى طبقتين لا ثالث لهما : طبقة من الأغنياء الأثرياء , وطبقة من الفقراء المعدمين

الطبقة المتوسطة في أي مجتمع هي ضابط ليس للصحة الإقتصادية للمجتمع , وإنما للكثير من أخلاقياته وسلوكياته , وهي الحشوة الرابطة ما بين سقف المجتمع وقاعه , وكلما كانت هذه الحشوة أكثر سمكاً ومتغلغلة في الطبقتين الأعلى والأسفل منها , كلما كان المجتمع أكثر صحة وأكثر تماسكاً , خلاف ذلك ينفصل المجتمع الى طبقتين , فتضيع الكثير من القيم ويتفشى الظلم , ويعم الجشع , فتخرب النفوس , وتسود الفوضى

حين جاع المسلمون في زمن عثمان أو شحت عليهم مواردهم .. إلتفتوا الى أغنيائهم يرجون تصدقهم كما أمر القرآن , فوجدوا أن آيات الحث على الإنفاق , وآيات تحريم جمع المال .. كانت قد نسخت بآيات الزكاة , ولم يعد هناك جناح على الغني إن تزكى ولم يتصدق , فلم يبق أمام المواطن المحتاج الى المساعدة غير باب الخليفة الذي يملك أن يأمر في بيت المال , ومادام الخليفة لن يزيد العطاء , عندها يصبح الخليفة عرضة للنقد

قريش نفسها هي التي بدأت تبحث لعثمان عن الزله في أبسط تصرفاته كخليفه , ونتذكر هنا الجدل الطويل العريض الذي كانت قريش قد أثارته لأن عثمان أعاد عمه الحكم بن العاص من الطائف الى المدينة بعد أن كان النبي قد نفى الحكم بن العاص اليها .. وظل منفياً طيلة حياة أبي بكر وعمر . قيل إن عثمان خالف في ذلك سنة النبي وما تعارف عليه الشيخان , لهذا أرجو أن نطلع على الفعل الذي قام به الحكم .. لنحكم بأنفسنا هل يحق لعثمان إرجاع عمه من نفيه أم لا

روى إبن حجر العسقلاني في كتاب الإصابة عدة حكايات عن سبب نفي الحكم بن العاص أغلبها مضحك وغير مقنع .. ولا يليق بسماحة نبي أن يتصرف به , غير اني أرجح من كل هذه الحكايات , حكاية ظاهرها كما رواها العسقلاني أن الحكم قد دخل على النبي وكان النبي مع إحدى زوجاته فلم يغض بصره ولم يغادر المكان , ولهذا نفاه النبي

بغية التحقق من هذه الحكاية , علينا أن نتذكر أن الحكم بن العاص عم عثمان كان من أشد خصوم النبي محمد . وهو واحد ممن إجتمعوا لقتل النبي يوم بات علي بن أبي طالب في فراشه . أسلم يوم فتح مكة ثم هاجر الى الحبشة . في الحبشة كانت تعيش بنت صفيه أخته , وهي رملة بنت أبو سفيان وزوجها ويعمل كلاهما في التجاره . تطلقت رمله من زوجها .. يقال لأنه كان سكيراً ولم تكن هي راضية عن ذلك

في السنة 7 للهجرة تزوج النبي 4 نساء دفعة واحدة كل لسبب خاص . ماريا القبطية , رملة بنت أبو سفيان , صفية بنت حيي , وميمونة بنت الحارث

ملك الحبشة ولأنه أراد أن تكون العروس رملة بنت أبو سفيان سفيرته عند محمد , لذلك جهز زواجها وحملها بالهدايا والنفائس الى النبي فسار موكبها الى الحجاز , يرافقه خال العروس الحكم بن العاص . وفي الوقت الذي كان النبي لايرتاح الى الحكم بسبب تلك الحكاية القديمة , كان الحكم يتصرف بأريحية وكأنه متفضل على النبي بهذه الزيجة الموسرة التي لم يتحقق للنبي في مثلها ثراءاً سوى مع زوجته الأولى خديجة

ذات يوم دخل الخال على إبنة أخته وكان زوجها عندها .. فطرده الزوج شر طرده , ونفاه من المدينة الى الطائف وكثرت الأقاويل في تأويل ذلك . ثم مات النبي … ولحقه خليفته الأول أبو بكر , ثم لحقهما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .. ألا يحق لعثمان بن عفان وهو الخليفة اليوم أن يعيد عمه الى المدينة ؟ أليست هذه حجة تحججت بها قريش لتنتقد الخليفة وتؤلب عليه ؟ ولو كان المسلمون في سعة من الأمر .. فهل كان سيعير أحد هذا الموضوع أية أهمية ؟؟

ثم أثيرت حول عثمان قضية أنه عزل الولاة الذين عينهم عمر , وعين بدلهم ولاة من أقربائه وخاصته , ولا ندري ومن هو الذي لا يفعل ذلك !!؟ ليس مودة في ذوي قرباه .. ولكن لأنهم أدعى للثقة عنده , هل ثقة الحاكم بأخيه أو إبن عمه تعدلها ثقة وهو يبتغي حكم ديار تعج بالمشاكل ؟ ونعود مرة أخرى لنتساءل .. لو كان المسلم الذي يعيش في أمصار المسلمين مرتاحاً فهل كان سيهمه من هو الوالي ؟ أو ما هي درجة قرابته الى الخليفة الساكن في العاصمة ؟

عثمان من جانبه , كان يعتقد أن مضاعفته درهم العطاء لعامة المسلمين الى درهمين يمنحه الحق في منح عشرات أو مئات آلالف الدراهم والدنانير الى عماله وولاته لأغراض بناء مرافق الدولة التي توسعت وصار لزاماً أن تبنى فيها مقرات للولاة والقضاة , وأن يبنى أسطولها الحربي أو التجاري , ومقرات الجيش والشرطة .. لكنه حين كان يمنح العطاء .. وهو على الأعم والأغلب لواحد من أقربائه الذين أستعملهم ولاة وعمال على أصقاع المسلمين … كان عامة المسلمين يتصورون ذلك عطاءاً شخصياً لهم .. لذلك ثارت ثائرة الكل بسبب هذا الموضوع

الشرارة الأولى للفتنة إشتعلت في الكوفة .. كان الوالي سعيد بن العاص الذي عينه عثمان ينادم الناس ذات مساء فقل لهم (( إن العراق بستان لقريش )) فعمت الفوضى في مجلسه , بدأت بالإعتراض ثم الصياح .. وانتهت بضرب الوالي ومدير شرطته من قبل مجموعة يقف على رأسها مالك الأشتر الذي كان يعد واحدا من زعماء الفقراء , وكان مالك الأشتر ناقماً على الوضع بسبب الحالة الإقتصادية السيئة وبسبب تفضيله لعلي بن أبي طالب خليفة للمسلمين بدلاً عن عثمان

حين كتب الوالي الى الخليفة يخبره بالواقعة , كان عثمان بمنتهى القسوة , فقد أمر بنفي هؤلاء الناس من الكوفة الى الشام ليؤدبهم معاوية بنفسه , تم أخذهم الى الشام سيراً على الأقدام لذلك كانت رحلتهم عسيرة جداً , إستقبلهم معاوية بشيء من اليسر في البداية , لكنه حين تكلم معهم بعد ذلك وعرف منهم سبب ثورتهم على سعيد بن العاص , عنفهم أشد التعنيف وذكرهم بأن العرب ولا شيء من دون قريش وأن قريش ما دامت قد أختصت بالنبوة والزعامة , فهي تملك أن تأمر او تنهى في كل شيء

حين عم التذمر بين هؤلاء كتب معاويه الى عثمان , فما كان من عثمان إلا أن يأمر بنفي الجماعة الى فلسطين .. وأن يرسل له كبيرهم مالك الأشتر الى المدينة , والخليفة لم يكن إلا رجلاً تاجراً يعتقد أن أعقد المشاكل يمكن أن تحل بالمال , وعلى قدر ما بذل لإرضاء مالك الأشتر عندما إلتقى به على قدر ما أسكته .. لكنه لم يرضه , ثم أعاده الى الكوفة

أبو ذر الغفاري واحد آخر من الذين يمكن أن نطلق عليهم تسمية ( زعيم الفقراء ) وكان يعيش في المدينة وواحد من أصدقاء علي بن أبي طالب المقربين . حين بدأ عثمان يمنح المال للولاة والعمال .. ثار أبو ذر الغفاري على ذلك وبدأ يتكلم في العلن ضد عثمان , فما كان من الخليفة إلا أن نفاه الى الشام عند معاوية , وفي الشام جادله معاويه وحاول إسكاته بأية وسيلة

هرباً من وجه معاويه إلتحق إبو ذر الغفاري بالحملة الذاهبة لفتح جزيرة قبرص , وفي قبرص شاهد بأم عينه ما يفعله الجنود المسلمون من حرق وقتل وسرقة وإغتصاب بحق الديار الأمنة المفتوحة وتحت راية نشر الإسلام , حين عاد الى الشام صار يصرخ بأعلى صوته ضد الفتوحات أنها رحلات للتسليب وليس لنشر كلمة الله .. وينتقد الخليفة عثمان وواليه على الشام معاويه .. وخلال هذه الفترة كان عبد الله بن سبأ يعيش في الشام ويزيد من تحريض إبي ذر ضد الأوضاع

كتب معاويه الى الخليفة بكل ذلك فجاءه الأمر بنفي أبي ذر الغفاري الى الربذة في فلسطين فقام معاوية بإرساله الى هناك وطرد عبد الله بن سبأ من الشام

أتفق تماماً مع رأي الدكتور سيار الجميل في أهمية أن لا يكتب في التاريخ من غير المتخصصين فيه لأن للكتابة في التاريخ آلياتها التي لا يتقنها غير المتخصصين , فصحيح أن الحلاق يستطيع أن يقلع لك ضرساً لكن طبيب الأسنان المتخصص قد يكتفي بحشوه لك لتخليصك من الألم , وأضيف على ذلك بأن علم التاريخ لوحده لم يعد كافياً للمؤرخ للكتابه بل عليه أن يشرك علوماً اخرى مع علم التاريخ للبحث والكتابة حول واقعة ما .

مع هذا نجد في العراق الكثيرين ممن إنبروا للكتابة التاريخية وهم من غير المتخصصين فيها , هادي العلوي مثلاً لا يمكن بحال أن يتجاوز تعليمه مرحلة الدراسة المتوسطة أو الثانويه على أكثر تقدير , قضى سنوات طويلة من حياته يعمل منضد حروف في إحدى المطابع وفجأة أصبح يكتب في التاريخ

عزيز سيد جاسم كان معلماً ماركسياُ وفي غفلة من الزمان أصبح منظراً للبعثيين وعلا نجمه منذ أيام التأميم الى أن نشر من بيروت كتاب ( علي سيف الحق ) الذي تبناه حزب الله اللبناني وحركة أمل اللبنانية الشيعية اللذان يعاديهما بعث العراق بكل ما أوتي من قوة , فكان الكتاب فاتحة شؤم على عزيز السيد جاسم وشقيقه الدكتور محسن الموسوي , مع أن الكتاب لايحوي شيئاً ولم يأت بجديد

هذا الحال في العراق لم يكن نسيج وحده , فقد سبقنا المصريون الى ذلك بزمن طويل , فعباس محمود العقاد لم يكن إلا خريج مدرسة إبتدائية .. لكنه مارس الكتابة في التاريخ , المازني لم يكن أكثر من معلم , لكنه كتب في التاريخ أيضاً

على أن أسوأ من كتب في التاريخ .. كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين … فهو في كتابه ( الفتنة الكبرى ) بجزأيه : ( عثمان بن عفان ) و ( علي وبنوه ) كان قد إرتكب حماقات شتى تراوحت بين : تأويل ساذج , وتجزئة للحقيقة لطمس وقعها , وإخفاء بعض التفاصيل عن عمد , وطه حسين لم يفعل كل ذلك إلا لسببين : الأول : كتابة تاريخ يرضي الجميع . والثاني : لأن طه حسين لم يكن باحثا تاريخياً ولا يملك الوسيلة التي يبرر بها بعض ما يقع , خصوصاً وهو يحاول أن يكتب عن تاريخ الإسلام صورة مشرقة وردية قل نظيرها

اذا عدنا الى كتاب ( الأديان والمذاهب بالعراق ) للدكتور رشيد الخيون فسنجد أن الدكتور المؤلف ينفي حقيقة وجود شخصية عبد الله بن سبأ رغم ورود الحديث عنها في العديد من كتب التاريخ والتراث , وأنا حقيقة لا أعتد بهذا الكتاب كثيراً ولا أقيمه بأكثر من أنه حشد من المعلومات كتبت على عجالة ويفتقر الى الحياد في أكثر من موضع مع أن حياد المؤرخ وذكره للحقائق كما هي واحد من أهم شروط الكتابة التاريخية الرصينة

مقابل ذلك اذا ذهبنا الى طه حسين في ( الفتنة الكبرى _ علي وبنوه ) سنجده يعترف بوجود عبد الله بن سبأ لكنه يقلل من شأنه ويسميه في أكثر من موضع باليهودي وإبن السوداء , ولست أدري ما يضير بن سبأ من يهوديته بعد أن أعلن إسلامه في مجتمع كان ناسه الى ما قبل سنوات من عبدة الأوثان !!؟؟

ولست أدري كيف أجاز طه حسين لنفسه وهو يكتب في التاريخ أن يعير رجلاً بتسميته بأبن السوداء ؟ أفلو كانت أمه عمياء .. فهل كان طه حسين سيسميه بإبن العمياء ؟

على أن أخطر ما قام به طه حسين فهو إنكار وجود أتباع لبن سبأ الذين تحدثت عنهم كتب التاريخ وأطلقت عليهم تسمية السبأية , فصحيح أن الطبري كتب عن تاريخ دولة الإسلام بعد حوالي قرنين من سقوطها .. لكن الطبري كان رجلاً حصيفاً لأنه ميز بين عامة شيعة علي .. وبين المندسين بينهم من السبأية الذين سيكونون مصدر الفتنة ورأس الخراب

من هو عبد الله بن سبأ ؟ هو رجل يهودي من اليمن ورغم أنه كان يعاني من تردي أوضاع هذه الدولة فقد كان فيها مواطناً من أهل الذمة , بمعنى مواطن من الدرجة الثانية , لذلك أخذ على عاتقه مهمة ضرب رجال هذه الدولة واحدهم بالآخر حتى يأذن الله امراً كان مفعولاً , لذلك إعتنق الإسلام في زمن عثمان وتشيع لعلي بن أبي طالب تشيعاً أعمى وإرتحل الى البصرة يبغي أن يندس بين أنصار علي فيها ليشكل منهم نعرة تقوم بوجه عثمان بن عفان , لكنه ما أن وصل البصرة وبدأ يتحدث للناس حتى شعر به والي البصرة فطرده منها

حين وصل الكوفة سرعان ما تم طرده منها أيضا فلم يتمكن من التعرف على مالك الأشتر لأن الأشتر كان منفياً الى الشام أيامها . عند طرد إبن سبأ من الكوفة توجه الى الشام وتعرف على أبي ذر الغفاري حتى قيل أنه كان يلقن أبا ذر الكثير من العبارات التي يعترض بها على عثمان ومعاوية . شعر به معاوية فطرده من الشام , فغادرها ذاهبا ً الى مصر

منذ خروج عبد الله بن سبأ من اليمن , كان قد ربط نفسه بشبكة من المراسلين وكذلك فعل في البصرة والكوفة والشام , وحين وصل الى مصر كانت رسائله تصل الى كل تلك الأصقاع لتعلم أتباعه كيف عليهم أن يتحركون . ومنذ عهد عثمان أصبح عبد الله بن سبأ يحدث المصريين _ مسلمين وأقباط عن ألوهية علي بن أبي طالب , وأنه هو الله الذي نزل الى الأرض بصورة بشر وأنه هو الله الذي إذا أراد أن يغير أوضاعهم السيئة فما عليه غير أن يقول للشيء كن فيكون

معاوية بن ابي سفيان كان قد زرع ابن خاله محمد بن حذيفة في مصر لإشاعة القلاقل لعل الخليفة عثمان يأمر بأن تدخل مصر تحت حكم معاوية كما حصل في مرات سابقة حين تثور القلاقل في مدن الشام التي ضمت جميعا الى حكم معاوية , وفي مصر إلتقى به عبد الله بن سبأ , والتقى بن سبأ في مصر بمحمد ابن أبو بكر الذي سيكون أول شخص يطعن عثمان بن عفان عند قتله

كذب طه حسين بأمر محمد بن أبي بكر فقال بأن سبب خلافه مع عثمان بن عفان كان رغبته في أن يصبح والياً وهذا كل ما عرفناه عن محمد بن أبي بكر في ( الفتنة الكبرى _ عثمان بن عفان ) أما في الجزء الثاني ( الفتنة الكبرى _ علي وبنوه ) فقد أوجز طه حسين الحقيقة متعمداً ليخفف من وقعها حين ذكر بأن علي بن أبي طالب كان ربيباً لمحمد بن أبي بكر (( لأن أسماء بنت عميس أم محمد كانت عند علي فقد تزوجها بعد وفاة أبي بكر )) . يتعمد طه حسين الكلام بهذه الطريقة لأنه يريد التقليل من شأن العلاقة بين محمد بن أبي بكر وعمه علي بن أبي طالب لأنه لا يعرف كيف يعلل الحدث أما الحقيقة فقد كانت شيئاً آخر

أسماء بنت عميس كانت متزوجة من جعفر بن أبي طالب ( الطيار ) وأنجبت منه أولادها ( عبد الله ومحمد وعون ) حين إستشهد جعفر الطيار تزوجت من ابي بكر الصديق وأنجبت منه إبنها ( محمد ) وحين توفي أبو بكر الصديق أراد حموها علي أن يضمها واولادها تحت رعايته فتزوجها وأنجب منها أولاده ( عون ويحيى ) وتربى جميع هؤلاء الأطفال بين أسماء وعلي .. لا ينظرون جميعاً الى علي إلا على أنه والد لهم جميعاً .. لهذا سنرى حتى عائشة بنت أبي بكر ستصرخ بوجه أخيها محمد في يوم موقعة الجمل قائلة له : أنت ابن علي بن ابي طالب

حين كثرت لقاءات عبد الله بن سبأ بمحمد إبن حذيفة , ومحمد بن أبي بكر , وزيادة تحريضهم للناس وصلت أخبارهم الى عثمان بن عفان , فأرسل عمار بن ياسر ( زعيم ثالث من زعماء الفقراء ) الى مصر لتقصي الحقائق , وكان عمار بن ياسر واحداً من أنصار علي ومن أشد المعترضين على سياسة عثمان , ما أن وصل الى مصر حتى إنضم الى الجماعة وأصبح واحداً منهم

كنا قد تركنا مالك الأشتر في الكوفة بعد أن أعاده عثمان إليها , لكن الكوفة ثارت على الوالي الذي عينه عثمان وطالبت بتغييره , فخاف مالك الأشتر أن يتهم بأنه هو من نظم هذا العصيان فهرب الى مصر , وصار واحداً من جماعة عبد الله بن سبأ

ذات إجتماع في أحد الدور حاصرت الشرطة الجماعة وألقت القبض عليهم , لكن أنصارهم هاجموا الشرطة وفكوا وثاق قادتهم ثم إنطلقوا الى دار الوالي , خلعوه عن الحكم وأجلسوا مكانه محمد إبن حذيفة , ثم توجهوا بأجمعهم الى المدينة قاصدين الخليفة شخصياً تسبقهم الرسائل والرسل الى الكوفة والبصرة لدعوة أهلها للثورة على الخليفة

بقي دار الخليفة محاصراً الى أن وصلنا الى يوم أن تسلقت الجماعة على شجرة خوخ ملاصقة لدار عثمان ونطّت من فوق السور الى داخل البيت ويروي الطبري في الجزء الثاني من كتاب ( تاريخ الأمم والملوك ) أن محمد بن أبي بكر كان أول من طعن عثمان في جبهته بواسطة ( مِشْقَص ) فسال الدم غزيرا على لحيته , وهبّت عليه الجماعة طعناً حتى لم يبق في قميصه مكان لمطعن

ما هو ( المِشْقَص ) ؟ المشقص نصل عريض طويل له إستعمالات شتى , يستعمل في القتال كأداة للطعن ويستعمل في سائر الوقت كسيخ للشوي , ولهذا فواحدة من تسميات الجزار أو القصاب هي : المُشَقِص لأنه بعد أن يذبح الشاة ويسلخها ويفرغ بطنها من الأحشاء يقوم بتشقيصها إي ربطها بالمشقص إستعداداً لتعليقها على مسندين لشويها .. ولهذا السبب فحين ظفر بنو امية بمحمد إبن أبي بكر بعد سنوات .. قاموا بتوثيقه على مشقص بواسطة جلد حمار .. ثم شووه

بقي المسلمون بعد مقتل عثمان حوالي أسبوع دون خليفة يسير أمورهم , فيما قام الثائرون بإعطاء بيعتهم الى علي بن أبي طالب . الحسن بن علي كان رجلاً حكيماً فقد نصح والده أن يعتزل الأمر حتى يتبين الناس حقيقة هؤلاء الثائرين , عندها قال علي للثائرين أنه لا يقبل بيعتهم إلا أذا قبلها الناس .. فبايعت الناس علياً خوفاً من الثائرين . وهكذا تسلم علي بن أبي طالب حكم دولة ساقطة أصلاً يتجلى سقوطها في عدم الطاعة والفوضى التي يسببها المحسوبون عليه قبل أعدائه , فهاهم المحسوبون عليه ينجحون في إشعال حرب الجمل بعد أن تمكن الخليفة بحكمته من التفاهم مع طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام على حل خلافهم ودياً

وبعد معركة الجمل أفسد عليه أصحابه رأيه فلا يدري ما يفعل , كان واحداً من الأسباب التي أخذت على عثمان بن عفان سبباً لقتله أنه عين الولاة من أقاربه وأسرته , حين عين الخليفة علي أولاد عمه العباس ولاة جدد .. ثار عليه قائده مالك الأشتر قائلاً له (( فيم قتلنا الشيخ إذن ؟ عبد الله على البصرة وعبيد الله على اليمن وقثم على مكة وكلهم من بني العباس )) ثم غضب ورحل عن البصرة فأمر علي بالرحيل وراءه مخافة أن يحدث إنشقاقاً أو عصياناً في الكوفة

الإنشقاق الخطير الآخر الذي قام به أتباعه كان عند مسألة التحكيم التي تمت فبركتها من قبل معاوية وجماعته قبيل نهاية معركة صفين مما دفع عدداً كبيراً من مقاتليه الى التوقف عن القتال ثم الإنشقاق عليه وتمت تسميتهم بالخوارج حيث أضطر الخليفة الى قتالهم في معركة النهروان سنة 39 هجرية

في شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة يندفع الخارجي عبد الرحمن بن ملجم فيضرب بسيفه خليفة المسلمين علي بن أبي طالب في رأسه , إنتقاماً لقتلاه في النهروان , وهكذا يستشهد خليفة المسلمين علي , كما إستشهد قبله خليفة المسلمين عثمان , مطعوناً في رأسه , وربما في نفس النقطة على الجبهة .. فإذا كانت الأيام دول بين الناس … فعلام يقاتل المسلمون بعضهم البعض اليوم .. بسبب خطى كتبت على سلفهم الصالح … ومن كتبت عليهم خطى … مَشَوْها !!!!!؟؟؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 11 Comments

” يقول المثل “

للفكاهة فقط 

لا تشتري سيارة بعد بدوي

وتسكن بيت بعد هندي 

ولا تتزوج امرأة بعد شيخ

– تعامل ابناء البادية مع السيارة في بداية وصول السيارة كانت تعامل غريب ..فلقد اطعموا السيارة حشيش في الكرك الاردن , وسياقتهم في الصحراء والهضاب سريعة وصعبة ولهذا تتضرر السيارة والغريب بدو الخليج يرغبون فقط السيارة الحمراء والدعاية تقول االفورد الحمُر .

– سكن بيت بعد هندي نهايته تلبس ساري وتاكل كاري فالرائحة لا يمكن ان تغادر البيت وخصوصا في البيوت الخشبية في انكلترا فهو احتلال بهاري .

– زواج بعد شيخ .الشيوخ لا يعرفون الملذات الا في اثنان النساء والمال وووو ….

فتخيلوا ما يحدث النوم البكير وتكسير السرير 

تلك الاقوال سمعتها في الصغر … وسامحونا للفكاهة فقط

‎هيثم هاشم – مفكر حر؟‎

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

انفصام الشخصية عند السعوديين

بدر الشريف يلتقي بمجموعة من المدخنات في أحد مقاهي مدينة جدة حلقة التدخين

سرسبيندار السندي (مفكر حر)؟

Posted in فكر حر, يوتيوب | Leave a comment

عمامة القرضاوي … السُّنة لا تقر ولاية الفقيه!

الإتحاد الاماراتية: رشيد الخيّون

أثار موقف القرضاوي الأخير تجاه إيران و«حزب الله» ردوداً متفاوتة، توزعت على أساس طائفي سياسي مثلما كان قرب القرضاوي وبعده منهما سياسياً لا دينياً. لقد ذم الواقفون مع إيران و«حزب الله» تراجع الشيخ بالقوة التي مدحوه بها وهو يُحشد التأييد للأسد ونصرالله. كان الدافع الظاهر هو العداء لإسرائيل ووحدة المسلمين. ليس في التأييد والتراجع من ضير، لأن السياسة مناخ متغير، لكن الضير أن القرضاوي يعتبر السياسة عبادة، فكيف لنا وصف الدِّين بالمناخ المتغير المرهون بمزاج العِمامة السِّياسية؟!

كان مَن يثور على النظام السوري، في عُرف القرضاوي، خارجاً على الدين، بينما الآن الثائر مجاهد يدخل الجنة! وعندما ظهر مع الأسد في لحظات وئام تام لم يكن حينها نسب بشار غير علوي وغير مرتبط بإيران! ظهر معه في أيام كانت أرتال المفجرين تصل بغداد عبر دمشق، وكان القرضاوي يحسب ذلك جهاداً. وقتها لو خرج السوريون ضد نظامهم لأفتى الشيخ بتحريم الخروج ولتعلل بأحاديث تحرم محاربة السلطان وهي عديدة (أبو يوسف، كتاب الخراج مثلاً)، وبالآية: «… وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (النِّساء: 59). بالمقابل عندما يبغض حكومةً تراه يستشهد بحاكمية المودودي الهندي (ت 1979) وما أخذ عنه سيد قطب المصري (أعدم 1966).

لسنا نلوم القرضاوي على الموقفين، لكن لو يعترف أنه يفعل السياسة لا الديانة، فكم من أحزاب خاصمت وعادت متوائمة مع أنظمة بلدانها، هكذا هي السياسة غيم وصحو. نُذكر باليساريين والقوميين ممن أُعجبوا بالخميني (ت 1989) وبعد خذلان توقعاتهم تراجعوا وهم كثر. ولأنهم مارسوا السياسة لا الديانة لا يمدحون ولا يُذمون، فشأن السياسة كالتجارة عرضة للربح والخسارة!

كان القرضاوي أحد المعجبين بالثورة الإيرانية لأنها إسلامية، وانطلاقاً من كونه أحد «الإخوان المسلمين»، أطل هو وإخوانه من شبابيكها لينظروا خيال أنظمة دينية ستشكل تباعاً بالمنطقة، بلا اعتبار لاختلاف المذهب، فالمذاهب نفسها تداولت على البلدان بفعل السياسة، حتى قيل، وما قرأته من زمن طويل: «سبحان من جعل إيران السنية شيعية ومصر الشيعية سُنية» (لم احتفظ بالمصدر)، أي الفاطميين بمصر (567 هـ)، والصفويين بإيران (907 هـ). لم تكن تلك التحولات بعيدة عن تبادل الأدوار بين منتصرين ومهزومين. ولا علاقة للدين بتوزيعها، إنما السياسي يوظف الديني وليس العكس.

نقشت إيران عبارة «الله أكبر» في علمها (المادة 18 من الدستور)، ورد العراق، بعد حين، ونقش العبارة نفسها على علمه. ولسياسة جعلت إيران التعبد بالمذهب مادة دستورية (المادة 12)، فمن قال: إن هذه المادة فرضها همس علماء الحوزة، غير السائرين بركاب الثَّورة، ضد الخميني، فأراد التأكيد فيها أن قيادته إسلامية شيعية، بعد أن أعلن عن دعم الحركات الإسلامية وفي مقدمتها «الإخوان المسلمون»، وربما لم تسمح ظروف القرضاوي آنذاك له بالتحرك والاستفادة من تصدير الثورة. فالخميني وهو في نشوة الانتصار أراد الخروج من دائرة المذهب إلى العالمية الإسلامية.

ما بين الديانة والسياسة قرباً وبعداً في الوقت نفسه، فإذا تعرض بلد ما إلى خطر لا بد أن علماء الدين فيه يقولون كلمتهم، من دون أن تحل الواحدة محل الأخرى أو أن يُجمعا تحت عمامة واحد، فالخطورة عندها تقع على الدين، لأن للسياسة فقهها الخاص لا تتعامل بمنطق الثوابت والحلال والحرام! أما الديانة فتمنع السلطة باسم الله، والآية كافية: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99). سيقول لنا مشايخ الإسلام السياسي إنها منسوخة بالآية الخامسة من سورة التَّوبة، فالفقيه صاحب «النَّاسخ والمنسوخ» يقول: «هذه الآية (التوبه: 5) النَّاسخة، أنَّها نَسخت من القرآن مائة آية وأربعاً وعشرين آية» (البغدادي، الناسخ والمنسوخ)! ومعلوم ما يعنيه النسخ معناً واصطلاحاً. تخيلوا أن يُعطل من الكتاب الكريم مائة وأربعاً وعشرين آية، كلهنَّ صالحات للتعايش والحرية بين البشر، وقد سبق أن ذكرنا بفداحة ما يذهب إليه التكفيريون من الجهاديين المسلحين أبناء الإسلام السياسي، الذي لم نرَ حتى الآن منه ميلا إلى المستقبل، بل على العكس الرقاب التفتت إلى الماضي البعيد.

إن الآيات التي يشهرها الإسلام السياسي والقوى التكفيرية، لدعم العنف ويهددون المجتمع بها، يريدونها أبدية الفعل بمعزل عن أسباب نزولها! ينسخون بها كل ما يتعلق بالتعايش الاجتماعي ورفع الإنسان إلى مستوى إنسانيته والتصرف بعقله، وكأن كتاب الله خاص بهم دون غيرهم. فالقرآن جعل تطبيقها بين يدي نبي هادي، لا بأيدي أي إنسان يعبر بها عن نفسيته أو عقيدته السياسية. أما ما يتعلق بالآيات المائة والأربع والعشرين المنسوخات بآية القتال، والداعمة للتعايش الاجتماعي والسلام والحرية، فليس هناك ضرر أن يطبقها أي إنسان، لكن ما نراه عكس ذلك، أخذت العمائم السياسية تتصرف في الآيات على أهوائها الحزبية!

القرضاوي أحد أصحاب تلك العمائم، يعبر عن نفسه بواسطة الدين ككائن سياسي، يصب رأيه السياسي والعقائدي في فتوى. إنه الفقيه عندما كان متراضياً مع النظام السوري إلى حد التوحد، وهو الفقيه الذي أفتى بالجهاد ضد النظام نفسه، بينما في الحالتين هو رجل سياسي. تجده مع التظاهرات والعنف ضد نظام «مبارك»، وضد التظاهرات والعنف في نظام «الإخوان المسلمين»، القتلى برصاص مبارك شهداء والقتلى برصاص «الإخوان» عصاة! لو تخلى عن عمامة الدين واكتفى بعمامة السياسة، وقال: هذه شأن سياسي حزبي وتلك شأن ديني!

لقد حصر القرضاوي الشيعة كافة، في اعتذاره أو تراجعه، بحليفيه السابقين ولاية الفقيه الإيرانية و«حزب الله»؛ وإذا دخل مع الأخيرتين في حلف الإسلام السياسي وأراد الخروج منهما، كعالم دين يُقدم نفسه أبرز وجهاء السُّنَّة، فالعديد من أهل التسنن غير معنيين بقربه وتراجعه السياسيين، فليس الجميع ينحني ويُقبل يده! مثلما أن العديد من أهل التشيع غير معنيين بحليفيه السابقين.

أتاحت تصرفات القرضاوي للناس التمييز بين عمامة السياسة وعمامة الديانة، وإذا كان في الروايات الشيعية ما قد يبرر ولاية الفقيه، فليس في الفقه السني ما يبررها، كي يأمل القرضاوي أن يكون ولي فقيه أنظمة الإسلام السياسي بالمنطقة.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

السودان.. لغة الجهاد واشربوا نفطكم

الشرق الاوسط اللندنية : عثمان ميرغني

مواقف الحكومة السودانية فيما يتعلق بالعلاقة مع دولة الجنوب حائرة ومحيرة. فلم تمض ثلاثة أشهر على توقيع اتفاقية تنفيذ التعاون بين دولتي السودان، حتى عادت أجواء العداء ولغة التهديدات. بل إنه لم تمض ثلاثة أسابيع على كلام الرئيس عمر البشير عن أنه يسعى إلى إعادة الترابط بين الشمال والجنوب، وإعرابه عن ثقته بأنه سيأتي يوم يتوحد فيه شطرا السودان، حتى رأيناه يقوم باستدارة كاملة مهددا بإلغاء اتفاقيات التعاون وبوقف صادرات نفط الجنوب التي تمر عبر أنابيب النفط في الشمال، قائلا للجنوبيين «اشربوا نفطكم».

بالفعل قامت الحكومة السودانية في مطلع الأسبوع الجاري بإغلاق أنابيب النفط تنفيذا لتوجيهات مباشرة من الرئيس بعد خطاب أمام حشد شعبي، وأمام كاميرات التلفزيون شن فيه هجوما عنيفا على الجنوبيين واتهمهم بعض اليد التي مدت لهم، بعد أن أعطاهم السودان (وهو في الواقع يقصد نظام الجبهة الإسلامية) الاستقلال و«دولة كاملة الدسم» بكل الثروات والموارد والأرض. هذه اللغة توحي بأن نظام البشير يتعامل مع دولة الجنوب باعتبارها منحة أو هبة منه، ويتعامل مع السودان وكأنه ملكية خاصة للجبهة الإسلامية تقسمه كيفما تشاء، وتوزعه في شكل هبات وعطايا أو مشاريع لمن تريد في الداخل أو في الخارج. من هنا يتخوف الكثيرون على مصير البلد في ظل حكم «إسلاميين» جاءوا إلى الحكم بانقلاب عسكري غادر وفرضوا حكما استبداديا يحتفلون في نهاية الشهر الحالي بالذكرى الرابعة والعشرين له، بعد أن تمزق السودان، وانتشرت الحروب لتغطي مساحة شاسعة تمتد بعرضه من دارفور إلى النيل الأزرق مرورا بجنوب كردفان.

فالنظام بعد كل هذه السنوات فشل في تحقيق السلام حتى بعد أن ضحى بخمس أراضي البلد وأكثر من ثلاثة أرباع موارده النفطية، وهو يعود الآن إلى لغة الحرب ذاتها التي استهل بها عهده، داعيا الشباب مجددا إلى الانخراط في صفوف «الجهاد». فخطاب البشير قبل أيام يعيد إلى الأذهان خطاباته وخطابات أركان حكمه من «الجبهة الإسلامية» على مدى سنوات، وفي مراحل مختلفة من تقلبات نظامهم واضطراب سياساتهم. فهو يقول إن العالم عرف نظامه بأنه لا يمكن «ابتلاعه»، ويهدد بأن «كل يد تمتد إلى السودان سوف يتم قطعها، وكل من يطول لسانه على السودان سوف يتم قطعه، ومن يرفع عينه على السودان سنفقأها له». لغة الحرب والتهديد كانت هي السجل الدائم للنظام، والنتيجة خسائر مستمرة للبلد واستنزاف لطاقاته وموارده المحدودة، وتبديد لفرصه في الاستقرار والتنمية.

حرب الجنوب التي رفع فيها النظام راية الجهاد منذ سنواته الأولى، وأهلك فيها الكثير من الشباب المتحمسين وراء شعاراته، لم تؤد كما زعم النظام إلى حماية الوحدة وعدم التفريط في أي شبر من أراضي البلد، بل انتهت كما هو ماثل أمامنا إلى تقسيم السودان وانفصال الجنوب، بل ومشاركة البشير في احتفال الجنوبيين باستقلالهم. أما اتفاقية السلام التي وقعها النظام عام 2005 وزعم أنها ستحقق الاستقرار، فقد ثبت أنها أسوأ وأفشل اتفاقية، وأنها تنم إما عن جهل من وقعوها عن النظام، أو عن استهتار مرعب بالبلد وشعبه ومستقبله. فالجبهة الإسلامية من أجل الإنفراد بحكم الشمال، وتنفيذ مشروعها لإعلان جمهوريتها الإسلامية، قبلت بانسلاخ الجنوب بل شجعته وفرحت به، وفي غمرة اندفاعها وقعت على اتفاقية لم تحسم كل القضايا المهمة بما في ذلك ترسيم الحدود وتقاسم الثروات والموارد الطبيعية. النتيجة أن الاستقرار الموعود أضحى وهما وسرابا، فعادت الخلافات وأجواء التوتر بين الشمال والجنوب، وتجددت المناوشات على خطوط التماس حتى وقف الطرفان أكثر من مرة على شفا الحرب الشاملة. فوق ذلك اشتعلت حرب «اشربوا نفطكم» وفقا لتعبيرات البشير، فتوقفت صادرات النفط الجنوبية لأكثر من 16 شهرا، قبل أن تستأنف الشهر الماضي لتتوقف مجددا هذا الأسبوع.

المواجهة هذه المرة أخطر من سابقاتها، واضطراب سياسات النظام السوداني يعكس هذا الأمر. فالنظام يمر بأصعب امتحاناته بعد أن توحدت فصائل المعارضة المسلحة وصعدت عملياتها وهجماتها إلى حد جعل أهل الحكم يتخوفون من احتمال انتقال الحرب إلى قلب الخرطوم. في الوقت ذاته بلغت الضائقة الاقتصادية حدا جعل الناس يتظاهرون ضد الغلاء وانتشار الفساد وسياسات النظام، بينما بدأت الخلافات تدب في أوساط الحزب الحاكم وسط أحاديث عن مخططات انقلابية. تحالف أحزاب المعارضة الشمالية استشعر من جانبه وهن النظام فأعلن هذا الأسبوع بدء ما سماها خطة المائة يوم لإسقاط النظام.

مع كل هذه التطورات يبدو السودان وكأنه يقف مجددا على حافة انفجار كبير، ربما يجعله مرشحا لأن يكون الدولة التالية في مسلسل الربيع أو الخريف العربي.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

القصة الحقيقية لكارثة الأمة العربية!

سامي النصف

في العام 1967 نصب النظام القائم في سورية آنذاك مصيدة لمصر وللأمة العربية عندما اعلن ان عبدالناصر لا يملك خطة لتحرير فلسطين، وان دمشق ستقود الحرب الشعبية المنطلقة راياتها من «هانوي العرب» لتحريرها، وتم الهجوم الاعلامي على القاهرة كونها تسمح بمرور السفن الاسرائيلية من مضائق تيران، فوقع المشير عامر في الفخ وأرسل من باكستان يدعو لإغلاق المضائق والعمل على تحرير فلسطين والوصول السريع لتل أبيب قبل ان تصل لها الميليشيات الشعبية السورية.

وزاد الطين بلة اساءة فهم وزير الحربية المصري شمس بدران لرسالة وزير الدفاع الروسي، حيث ابلغ عبدالناصر بأن الاتحاد السوفييتي سيدخل الحرب معهم بشرط الا تبدأ مصر الحرب وتقبل بتلقي الضربــة الاولى، وكانت المخابرات العسكرية المصرية قد فشلت في معرفــة ان اسرائيل قـــد زودت طائراتهـــا الميراج قصيـــرة المدى بمستودعـــات وقود احتياطية تجعلها تغطي كل المطـــارات المصريــة التي ابعــدت لهــا الطائــرات استعـــدادا لتقبـــل الضربـــة الاولى من اسرائيل بأقل الاضرار، كما فاتها معرفــة حصول اسرائيل على قنابل عنقودية تدمر ممرات الاقلاع ومــن ثم تصبح الطائــرات المصرية كالبــط الجالــس ينتظر الغارات عليه المرة تلو الاخرى حتى ينتهى منه.

انطلقت الطائرات الاسرائيلية صباح يوم 5/6/1967 للغارة على مصر، وارسل الاردنيون العاملون في رادار عجلون رسالة مشفرة متفقا عليها للقاهرة نصها «عنب، عنب، عنب» الا ان طرفا ما في الجانب المصري قام بتغيير الشفرة الليلة الماضية، كما تم ايقاف بطاريات الصواريخ والمدافع بسبب مصاحبة المشير عامر لوفد عراقي لزيارة مطارات سيناء، في الوقت ذاته أعلن الملك حسين دخوله الحرب وارسل للقيادة السورية يدعوها للقيام بعمليات هجوم مشترك على الطائرات الاسرائيلية العائدة من مصر دون وقود أو اسلحة حتى تتعادل الكفتان اي لا طائرات مصرية ولا اسرائيلية، الا ان القيادة العسكرية السورية ابلغت الاردن ـ بشكل جدي ـ بأن طائراتها تقوم بمهمات تدريبية استعدادا للحرب القادمة مع اسرائيل، واستمر ذلك الرد أو الردح حتى المساء عندما انتهت اسرائيل من القضاء على كامل الطيران المصري.

وكان بإمكان مسار التاريخ أن يتغير لو صمد الجيش المصري في سيناء وهو قادر على ذلك لأشهر عدة، الا ان الثعلب هيكل أقنع صديقه المشير عامر بإصدار قرار الانسحاب السريع في اليوم التالي للحرب من سيناء بحجة ان اصدقاءه العسكريين الفرنسيين المحيطين بالجنرال ديغول أخبروه بأن «الصحراء مقبرة لمن يدافع عنها»، وهو ما كتبه لاحقا في مقاله بـ «الاهرام»، كما أضاف ان الرئيس عبدالناصر قام بذلك عام 1956، وبالتالي سيسعده لو كرر المشير هذا الامر باسمه هذه المرة، وهو ما تم، ولو انتظر المشير قليلا لوصلت الطائرات سريعا لمصر من الدول العربيـــة ودول الكتلة الشرقية خاصة ان مصر لم تفقد الا 4% من طياريها، في الوقت ذاتـــه اعلنت وزارة الدفاع السورية في 9/6/1967 سقوط الجولان قبل ان تسقـــط، وقـــام كبار قادتهـــا بإرســال رسائل مشفـــرة لاسرائيل لتسلم الجـــولان دون حرب وحسب الاتفاق المسبق، وقد قامت سفينة التجسس الاميركيـــة «ليبرتــي» بالتقاط تلك الرسائل، فقام الطيران الاسرائيلي بضربها في وضح النهار بقصــد اغراقهـــا ودفــن الســر الرهيب معهــا.

آخر محطة: ما يدل على عدم تعلم الدرس من تلك النكبة الكبرى ما طالب به بعض قادة الاحزاب المصرية قبل ايام قليلة وبانفعال كبير بضرورة شن الحرب على إثيوبيا وضرب سد النهضة الحبشي بالطائرات، نسي هؤلاء وعلى رأسهم د.يحيى الجمل ان عملا كهذا سيعطي اثيوبيا المبرر الاخلاقي لضرب السد العالي ومن ثم غرق مصر بمياه بحيرة ناصر في الفيضان الاكثر تدميرا بتاريخ مصر.

*نقلا عن صحيفة “الأنباء” الكويتية

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي.. 2-4

الجزء الثاني..الحلقة ( 4 ) :

القصة:

من أكبر الهزّات اللي اتعرضلها المقبور حافظ الاسد , كانت و بدون أي منافس موت ابنو البكر باسل..

باسل اللي ألهى النظام بكل امكانياتو المادية و ماكيناتو الاعلامية لتلميعو و تقديمو عشكل البطل الدهبي الاسطوري اللي رح يخلص البشرية من غزاة الفضاء , و من كل اعداء الكون..

يوم تلاقيه بصورة فارس دهبي كبطل رياضي..

و يوم تلاقيه بصورة رائد ركن كبطل عسكري..

و يوم تلاقيه بصورة المهندس كبطل ثقافي..

و يوم تلاقيه بصورة المظلي كبطل اسطوري..

و يوم تلاقيه بصورة الحجي بمكة كبطل ديني..

الصفعة اللي اتلقاها حافظ الاسد بموتة أبنو باسل , ما جاية من الخسارة الكبيرة لهيك شخصية , بس الحقيقة المرّة اللي وعيلها حافظ بهاليوم تحديدا اجت من ادراكو أنو ولادو التلاتة الباقين , و احد معتوه و تاني مجنون و تالت أجدب , الشي اللي ما بيسمحلو بسهولة لتسويق حدا منهون لهيك منصب..

حكاية اليوم اترددت كتير, انحكى عنها باطارها العام, بعيدا عن تفاصيل بسيطة رح حاول ضيفها لتاخود هالقصة حقها..

عدنان قصار شب من حي قبر عاتكة , أحد أعرق الشوارع الشامية.. هالشارع اللي ما خرّج الا الابضايات و شباب الشام الاصليين..

التقى بباسل الاسد بعمر كتير صغير بنادي الفروسية و دخل بعلاقة صداقة كبيرة كتير لدرجة أنو انكسرت كل المحظورات بينهون.. انكسرت لحد أنو بيوم من الايام و أثناء دخول باسل الاسد على النادي , بيشفّط بالسيارة فبيفزع حصانو لعدنان و بيوقع من على ضهرو , بيتطلّع عدنان بباسل و قدام الكل بيقلو : يلعن ابوك يا باسل ما اجحشك , و باسل بيضحك بدون أي ردة فعل تحت نظرات الاستغراب من الشباب اللي كانو موجودين هونيك..

سنين مرّت و هالفارس عم يتمرن ، ليوم اللي اجت بطولة الجمهورية للفروسية , و الحصان ( الأغر ) اللي كان مفروض يشارك فيه باسل بهالبطولة بيمرض و بيحرن و ما بيقدر يطلع عالمضمار..

هون باسل أمر الكل أنو يجيبولو حصان عدنان ليشارك فيه و يحرم عدنان من المشاركة بالبطولة..و النتيجة النهائية انو الفارس الدهبي أخد بطولة سوريا على حصان عدنان , و صاحب الفرس الحقيقي طلع من المولد بدون حمّص بعد موسم تدريب طويل..

عدنان ما قدّر أنو صداقتو الكبيرة بباسل ما بتسمحلو أنو يحكي بين الناس أنو البطولة كان لازم تكون الو , بس باسل سرقها منو , و ما قدّر أنو هالكلاب ما بيتأمنو لو كانو أعز الأصدقاء، و نسي تماماً أنو قلة الإخلاص و الوفا هيّة من صفات هالعيلة القذرة..

بليلة ما فيها ضو قمر, بتجي خفافيش الليل و بتاخود عدنان من بيتو و بيختفي بمكان ما قدر حدا لتاريخ هاللحظة يعرف وين.. سر ما بيشابهو بسوريا الاسد شي الا مكان اخفاء جثة كوهين..

بينتظرو أهل عدنان الفرج , بيطلع مية عفو عن المجرمين و لا بيطلع ابنهون و لا حتّى بيقدرو يعرفو وينو..

اجا اليوم التاريخي اللي فقنا فيه على خبر موت باسل, انتظر ابو عدنان انتهاء كل المراسم و الانتهاء من تقديم نفاق التعازي، و طلب مقابلة حافظ هوّة و وجهاء من الشام بركي بيحنن ألبو لهالمقبور و بيطالعو ابنهون..

بعد تقديم التعازي و فروض الطاعة قال ابو عدنان:

يا سيادة الرئيس جايينك بطلب , و منعرف أنو ما رح اتردنا خايبين.. عدنان يا سيدي دخيلك..

بيتطلع حافظ الاسد و بكل لؤم بيجاوب :

لما بيطلع , بطالعو..

بإشارة منّو لاستحالة طلعة باسل من القبر..

الحكمة:

أخد حصانك و رماك بالسجن يا فارسنا عدنان ..

بعمري ما شفت فروسية، الجحش بيركب فيها الحصان..

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

شراكة حلبية

الشرق الاوسط

أستمع إلى الأغاني الجديدة في حالات قليلة جدا، معظمها غير طوعي. غالبا بين نشرة الأخبار وأخرى وأنا أقود السيارة. والأغاني الجديدة مفاجأة المفاجآت. أحيانا تحكي صاحبتها عن جدول الرحلات في المطار (دون تحديده) لأنها تريد معرفة موعد وصول الحبيب. وأيامنا كان الذي يغني للسفر محمد عبد الوهاب، وللقطر، لا للطائرة: «يا وابور قوللي رايح على فين».

وآخر ما سمعت من جديد الأغاني يا أبا فرج الأصفهاني، واحدة عن «الشراكة الحلبية». وسوف أوضح لك معنى المصطلح هذا، لكن دعني أقُل أولا إنها أغنية كاملة فيها آهات ومواويل ودربكات. أما «الشراكة الحلبية» فتعبير شعبي يعني، أو يقضي، بأن يدفع كل واحد عن نفسه عندما يخرج الرفاق إلى مطعم أو مقهى أو يركبون باصا في نزهة. يقول المطرب (أو المؤلف) النبيل لحبيبته الغالية إن الشرط للخروج معا (لا تحديد للمكان) هو «الشراكة الحلبية». ويمط كلمة «الحلبية» مطا توكيديا لكي لا تسيء الحبيبة فهم كرمه الحاتمي. في بداية الأغنية لم أصدق ما أسمع. ثم أكمل المطرب مطاريبه فلم يكن هناك مفر.

في زمننا كان الشاب هو الداعي. وكان ذلك يقتضي الاقتراض والسحب على الراتب والعجز في التسديد مدى شهور أو سنين. وكانت مشاركة الفتاة في دفع الفاتورة عيبا، ومن يقبل ذلك يشك في رجولته وفي أخلاقه. والآن «الشراكة الحلبية» أغنية ومواويل. ولا أعرف المناسبة. ربما أن العاشق نجح في تدفيع حبيبته ما عليها من ثمن التبولة والحمص.

الواقعية الجديدة؟ في الرومانسية القديمة كان عبد الحليم حافظ لا يدفّع حبيبته، بل كل ما يطلب منها «صافيني مرة وجافيني مرة»، وفريد الأطرش يتأملها ومع ذلك يراها «زهرة في خيالي»، وفيروز تقول: «لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب»، من دون أن توضح من الذي دفع فاتورة اللقاء وأجرة التاكسي وتذكرة السينما.

ليس مطلوبا من الأخ المطرب أن يغني في هذا العصر «أيها الراقدون تحت التراب»، أو «سلوا قلبي»، ولكن أيضا للمزيكا حدود. وإذا كان المؤلف في ضيقة فما عليه إلا أن يقرأ إعلانات «القرض الشخصي» وسهولة التقسيط، فهي تملأ جدران بيروت.

جرصتنا، يا أخ. ما معك حق غداء، لا تعشق. ألم تسمع أغنية فيروز: 

اللي بدو يعشق يتاجر بالحرير العشق يا عيني بدو مال كتير؟

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

متى ينجح مؤتمر جنيف!

الشرق الاوسط

غالبا ما يتم الحديث عن مؤتمر جنيف باعتباره سيعقد بين أطراف سورية يقال: إن نجاحه يتوقف على استعدادها للتفاهم. وكثيرا ما تنصرف الأسئلة إلى حال المعارضة والنظام، ومدى تقاربهما أو تباعدهما، والجهود اللازمة لتجاوز الهوة الهائلة بين موقفيهما، والدور الخارجي الضروري لجسر خلافاتهما وتناقضاتهما، التي تتعمق بمرور الوقت، وتتفاقم نتيجة الحرب التي يشنها النظام ضد الشعب والمعارضة في كل مكان من سوريا، وتعتبر بذاتها تكذيبا سافرا لما يعلنه من استعداد لبلوغ تسوية للصراع في جنيف. يقول السوريون بحق: إذا كان النظام ذاهبا بحسن نية إلى جنيف، لماذا يحاول تحقيق حسم عسكري ميداني لا يبقي شيئا يمكن الحديث عنه بعده، مع أنه يحاول ذلك قبل أيام أو أسابيع قليلة من جنيف؟ وهل سيذهب حقا إلى هناك، إن هو أحرز النصر العسكري المأمول، وقلب موازين القوى لصالحه وفرض بالتالي حلا بالقوة لطالما حاول فرضه خلال عامين ونيف من القتال؟

هل يجب أن تذهب المعارضة، إذا ما استمر هجوم النظام، الذي يتيح له التملص من جنيف وحله التفاوضي؟ أعتقد أن التفاوض لا يمكن أن يعزل عن شروطه، وأن نهج النظام الحربي يقوض فرصه، مع أنني أؤيد الذهاب إلى التفاوض، لأسباب ليس بينها اعتقادي أنه سيكون مكان إنهاء الأزمة، أو أن هذه ستنتهي بصورة سلمية تضع حدا للمأساة السورية المديدة ولوجود النظام.

أوردت هاتين الفقرتين حول موقفي وحسابات النظام والمعارضة لأقول إن جنيف ليس أمرا مسلما به أو حتميا. وأريد أن أضيف الآن عاملا أعتقد أنه لن ينجح من دونه، حتى في حال اتفق الطرفان السوريان المتصارعان على حل، هو تفاهم الكبيرين المتصارعين في بلادنا ومنطقتنا: روسيا وأميركا، على أسس حل دولي قابل للتطبيق في سوريا ومقبول من الطرفين، بما أن تفاهمهما على حل كهذا ضروري لنجاح المعارضة والنظام في بلورة الشروط المحلية لحل يتمتع بضمانات دولية.

والآن: هل اتفق الروس والأميركيون على أسس للحل لا خلاف عليه بينهما؟ أعتقد أن الجواب على هذا السؤال حيوي ومهم في سياق تلمس ما يمكن أن ينجم عن جنيف من نتائج، وأظن أن الجواب يجب أن يكون سلبيا – في حدود علمي – رغم ما يشاع أحيانا حول اتفاق تم وانتهى أمره، ولم يبق غير امتثال طرفي الصراع له وقبولهما به. لا شك في أن الدولتين تفاهمتا على ضرورة الحل التفاوضي، لكن تفاهمهما هذا لا يكفي لإنجاز حل فعلي يقبله الطرفان السوريان المتصارعان، علما بأن الحلول التفاوضية ليست غير تفاصيل وإجرائيات وتدابير عملية أكثر منها مبادئ وتفاهمات عامة. ومن المنطقي أن تفاهم الجبارين على التفاصيل لن يكون أمرا سهلا، لأسباب كثيرة منها اختلاف رهانات النظام والمعارضة، وما قد يترتب عليها من خسارة وربح لهذه الدولة الكبرى أو تلك، وبالتالي من تنصل مما يمكن أن يكون قد تم التوصل إليه في أي اتفاق، ذلك أنه كان واضحا منذ بدء الثورة أن أي طرف دولي لن يقبل هزيمته، وأن بلوغ تسوية متوازنة يتطلب توازنا عسكريا وسياسيا على الأرض، لكن النظام يقوضه عبر سعيه لإحراز غلبة ميدانية يريد الروس والإيرانيون أن تعكس نفسها في نتائج التفاوض، وهو ما لن يقبله الطرف الأميركي، لأن فيه هزيمته التي لا يرى مسوغا يجبره على قبولها، لأنه قادر دوما على قلب الكفة لغير صالح النظام وحليفيه.

هل سيقدم الأميركيون على تعديل ميزان القوى الميداني قبل الذهاب إلى جنيف، فلا تبقى ثمة ورقة رابحة في يد خصومهم؟ أغلب الظن أنهم سيفعلون ذلك، وإلا غدا جنيف محض خسارة بالنسبة إليهم. هل ستقبل المعارضة الذهاب إلى جنيف دون تعديل الوضع الميداني لصالحها؟ أعتقد أن عليها أن لا تذهب إن كانت ستخسر بالسياسة ما حققه الشعب الثائر بتضحياته ودمائه!

متى يمكن أن يحدث هذا التعديل؟ لا شك عندي في أنه يجب أن يحدث خلال فترة قصيرة تقاس بالأيام، إلا إذا كان جنيف لن يعقد قبل شهر سبتمبر (أيلول) القادم، كما تقول تخمينات متنوعة وتقارير كثيرة، ويرشح من جهتي المعارضة والنظام!

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي.. 2-3

الجزء الثاني.. الحلقة ( 3 ) :

القصة:

بكل مدينة بسوريا , في حارة أو اكتر بيشكلو مصدر ازعاج لنظام الاسد .. حارات بيعتبرها النظام قنابل موقوتة بتنفجر بأي لحظة , لهالسبب و لغيرو، حاول النظام يخترق هالحواري بشوية انتهازيين و مخبرين و مروجين للحشيش , لحتى يضل مسيطر على قرارها و ردات فعلها..

حارة الصليبة باللادقية مانها الحارة الوحيدة باللادقية اللي مشكلة عقدة عند النظام , في حواري متلها كتير, بس الصليبة تحديداً نتيجة تركيبتها السكانية و لرجولة شبابها الزايدة عن العادة ، الشباب اللي أثبتو بكل محنة مرّت بهالبلد أنهون حاضرين بردات فعلهون , و اللي عالأغلب بتكون مبنية عالعواطف و بدون حساب لأي تداعيات..

حكاية اليوم رح اتفش خلقنا شوي..

بنص التسعينات و أثناء خروج الطلاب من مدارسهون , شباب من هالحارة الصامدة واقفين عند مفرق العلبي , ناطرين صرفة بنات مدرسة ماهر درويش أحمد..

و عند طلعة الصبايا من المدارس , بيسمعو هالشباب صوت صراخ غير عادي جاية من نزلة حلويات الهنا ( نزلة بناية البطة ) ..

بيتركو عشقهون و غرامهون , و بيركضو على مصدر الصراخ..

سيارة أيهم الاسد الرانج الروفر واقفة بنص الطريق, و معها سيارة مرافقة ميرسيدس مليانة شبيحة..

و بالصورة نفسها ، شب من بيت التبسة, راكب على موتور هارلي , قاطع الطريق و عم يصرخ و يهدد الأيهم انو ينزل من سيارتو..

ليش هيك عمل ابن التبسة, كل ولاد الحارة صارو يسألو؟؟؟

وصل الجواب فورا , أنو ايهم قبل بكم يوم, مسلبط على موتور لواحد من اصحاب ابن التبسة و ما مرجعلو هوة..

بدل ما ينزل أيهم من السيارة , و على عادة الجبن بهيك حالات, بيأمر مرافقتو هنن اللي ينزلو و يربوه لهالولد اللي اتطاول على أسيادو..

باللحظة اللي بينزلو المرافقة من سياراتهون, بيفتح جاكيتو ابن التبسة و بيظهرلو لأيهم حزام ناسف لافف فيه جسمو..

أهل الحارة واقفين عم يشوفو هالابضاي شو عم يعمل, و ناطرين بأي لحظة يفجر التبسة حالو بالاسد و بكلابو..

رجّع كلابك عالسيارة و انزل انت يا جبان , احسن ما فجر حالي بالكل..

لما بيشوف هالمنظر أيهم و بيسمع تهديدو للشب, بيصرخ بكلابو يرجعو عالسيارة و بينزل هوّة..

بيمسك فيه التبسة و بيلعن أمو على أبوه من القتل, كف ياخدو و لبطة اتجيبو , و كل ما حاول حدا من الشبيحة يقرب ليخلص معلمهون, كان التبسة يمسك بالصاعق و يهدد بالتفجير..

ربع ساعة كاملة و الأيهم عم ياكول قتل, و أهل الحارة عم يتفرجو و يشمتو , و الشبيحة عم يشوفو معلمهون ابن عم ربهون عم ياكول القتلة و ما قادرين يعملو شي..

بيركب بموتورو التبسة و بيترك اللأيهم عالارض عم يدمي, و بيطلع بالموتور بيترك الحارة..

بيترك الأيهم الحارة مع صراخو و وعيدو بالانتقام من أهاليها , و بيغيبو ساعة و بترجع الدولة بكل أفرعها عالحارة.. بيوصلو عقهوة الشريتح , بيمسكو شب من بيت الدعبول و بيصيرو يضربوه ليدلهون عابن التبسة , بس هالشي ما صار..

بيروحو عند أبوه اللي بيصلح موتورات و المفاجأة لما بيسألوه عن ابنو بيقلهون : ما شفتو من تلات سنين و عالأغلب هوّة ببيروت..

الحارة ضليت يومها مليانة بالامن و الشبيحة بانتظار رجعتو لهالابضاي, بس ما قدرو يوصلو لشي..

تلات ايام بعد هالقصة, كان التبسة بشارع بورسعيد عم يكزدر بالهارلي شي ربع ساعة و بعدين اختفى و ما عاد اسمعنا عنّو شي..

بالمناسبة : الحزام الناسف كان شوية ديناميت لصيد السمك مو اكتر من هيك ، بس الشبيحة و بيت الاسد ما في أجبن منهون لمّا بيوقعو بهيك مواقف..

الحكمة:

عملتا تحتك يا عين أمّك من كم أصبع صيد سمك..

اتحفّض منيح المرة الجاية، الحر رح يجي يفسخلك هالحنك..

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment