رسم خريطة طريق للشرق الأوسط

الشرق الاوسط

ما الذي تفعله أميركا في الشرق الأوسط؟ أسمع هذا السؤال يطرح بشكل متزايد، مع اتجاه إدارة أوباما أخيرا نحو الدعم العسكري للمعارضة السورية. يبحث الناس، على نحو مصيب، عن استراتيجية تربط السياسة الأميركية في سوريا بما يجري في البحرين ومصر والعراق وتركيا وأجزاء أخرى في المنطقة.

ينبغي أن يتمثل هدف الإدارة في دعم القوى المعتدلة، أي تلك الملتزمة بإرساء قيم التعددية وحرية التعبير وسيادة القانون. كانت تلك هي الموضوعات المحورية التي تناولها الرئيس أوباما في خطابه الشهير الذي ألقاه في يونيو (حزيران) 2009 في القاهرة، غير أنه لم يتبعها إلا قدر ضئيل جدا من الأفعال الملموسة.

أرى أن مد يد العون للثوار السوريين بهدف تقويض إيران، الحليف الأساسي للرئيس بشار الأسد، سيكون خطأ بالأساس؛ فعلى الولايات المتحدة أن تعارض كل المتطرفين الطائفيين – حزب الله المدعوم من إيران أو الجهاديين السُنة المدعومين من تنظيم القاعدة بالمثل – الذين يهددون المنطقة.

تشعر الإدارة بثقة أكبر في دعم الثوار السوريين نظرا لأن اللواء سليم إدريس، القائد العسكري للثوار، يجسد قيم التعددية المعتدلة هذه. غير أنه ينبغي ألا تعمى أعين المسؤولين الأميركيين عن الحقائق: فإدريس ضعيف عسكريا، والولايات المتحدة بحاجة إلى دعمه على وجه السرعة بحيث يصبح قائدا حقيقيا وليس مجرد معرقل حسن النية للخطط الأميركية.

بين أصدقائي من الثوار السوريين، أسمع التماسا يائسا موجها للقيادة الأميركية. «تزداد النزعة الطائفية لدى الناس كل يوم، ويصبحون أكثر غضبا على نحو يدفعهم للقتل أخذا بالثأر، ويزداد احتمال أن يتبعوا قواعد جنيف أو أي قواعد أخرى»، بحسب لؤي السقا، السوري الكندي المقرب من إدريس. ويضيف: «افتقار الولايات المتحدة للقيادة يهبط بالحرب إلى منحدر جديد، لن يصبح فيه لمهمتنا ومهمتكم أساس منطقي».

إدريس رجل طيب وقائد حساس. لقد أخبرني في مقابلات عدة أنه يفضل التواصل مع العلويين والمسيحيين والأقليات الأخرى في سوريا، وأنه يرغب في العمل مع الجيش السوري، وطمأنة روسيا بشأن مستقبلها في سوريا. غير أن كل هذه الصفات الطيبة ستكون عديمة الجدوى ما لم ينتصر في ساحة المعركة.

إن الحروب تغرس بذور التطرف، مثلما شهدت أميركا في حربها بالوكالة ضد السوفيات في أفغانستان قبل ثلاثة عقود. يتعين على الولايات المتحدة توضيح أنها تدعم إدريس نظرا لأنه معتدل. وفي حالة انحراف قواته عن هذا النهج فإنها تخاطر بفقدان دعم الولايات المتحدة.

إن التزاما مماثلا بمسار معتدل يتفادى النزاع الطائفي بين السُنة والشيعة يجب أن يدفع السياسة الأميركية في البحرين.

التقى مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى الأمير سلمان بن حمد آل خليفة. ورغم الضغوط الطائفية المحتدمة في البحرين، فقد استمر الأمير سلمان بن حمد في المطالبة بحوار وطني والمصالحة.

غير أن الأمير سلمان بن حمد بحاجة لقدر من الدعم الدبلوماسي الأميركي لتعزيز هذه العملية الإصلاحية. إنه بحاجة لأن تضغط الولايات المتحدة على آية الله من أجل نبذ العنف في مقابل إصلاحات اقتصادية حقيقية تنتهجها الحكومة وتجعل الحياة أفضل بسرعة وبشكل واضح في الأحياء الشيعية.

ويجب أن تكون مصر مثالا ثالثا على سياسة دعم الاعتدال والتصالح الأميركي. الحقيقة المؤلمة هي أن حكومة جماعة الإخوان المسلمين التي يرأسها مرسي تعجز عن الإدارة بأسلوب تعددي فعلي.

يشير استطلاع رأي جديد لمركز زغبي للخدمات البحثية إلى انخفاض حاد في نسبة تأييد مرسي. قبل عام، قال 57 في المائة إن فوزه جاء بمثابة نتيجة «إيجابية مرضية» أو «يجب احترامها». اليوم، انخفضت النسبة لتصل إلى 28 في المائة فقط.

تمثل مصر الآن مثالا سياسيا اقتصاديا لمتن الفصل 11 من قانون الإفلاس الأميركي؛ فهي تعتمد على المعونات من قطر، أحد حلفاء الولايات المتحدة، والتي تدعم جماعة الإخوان المسلمين بشكل غير حكيم. على الولايات المتحدة ألا تشرط المساعدات الاقتصادية المقدمة من واشنطن وصندوق النقد الدولي بفرض سياسات إصلاح صارمة (الاستراتيجية التي جرى تبنيها على نحو خاطئ العام الماضي)، وإنما بالالتزام بتحقيق التعددية.

ينبغي أن يلزم صندوق النقد الدولي مرسي بحمل جميع الأحزاب السياسية المصرية على تبني حزمة المساعدات التي من شأنها أن تعزز الوحدة الوطنية التي تحتاج إليها مصر.

ينبغي أن تمتد استراتيجية دعم الاعتدال ومقاومة التطرف هذه إلى العراق، حيث أهدرت الولايات المتحدة الكثير في صورة ضحايا وأموال. ما زالت الولايات المتحدة تملك ميزة هناك، نظرا لأنها توفر أسلحة وتدريبا عسكريا، وينبغي أن ينتهج أوباما أسلوبا دبلوماسيا أقوى من أجل الوحدة العراقية (مما يعني تضمين السُنة المعزولين) وضد العنف الذي يؤجج نار الحرب الطائفية هناك.

ويكمن التحدي الأخير في تركيا: إذا ما آثر رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان التسلط، فسيخسر دعم أوباما. 

ربما تكون المطالبة بالاعتدال في الشرق الأوسط فكرة ساذجة. ويجب أن يمثل تسليح الثوار السوريين جزءا من جهد عملي للوقوف في صف القوات المعتدلة ومقاومة العنف الطائفي وتشجيع الحكومات عبر أنحاء المنطقة التي تحترم التعددية وسيادة القانون.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

تركيا.. القبلة الممنوعة

باراك بكديل: السفير

 احتراما للتقاليد الدينية، يمنع تبادل القبل في الاماكن العامة. نعم، هذا ما يحصل في أنقرة، وتريد السلطات ان تمنع تبادل القبل في «المترو»، في وقت لا تفعل شيئا لمحاربة الاغتصاب والزواج القسري للقاصرين.

قبل عامين، خلص مركز المسح الاجتماعي والعائلي، في دراسة أجراها على 5765 طالبا في كل تركيا، الى ان نصف الطلاب ليس لهم أصدقاء من الجنس الآخر، فيما 60 في المئة منهن تعرّض للعنف المنزلي. في ذلك الوقت، قام أحد سائقي الباصات في اسطنبول بطرد اثنين يتبادلان القبل أثناء رحلتهما، صارخاً في وجههما: «الباص ليس بيت دعارة».

احتجاجاً على هذا الحادث، قررت مجموعة من الشبان والشابات الصعود الى الباص وتبادل القبل، ودفعت «تظاهرة القبل» في الباص للقيام بحركة احتجاجية مضادة، من قبل مجموعة من الطلاب من مدراس دينية، «ضد الجنس في الاماكن العامة».

في نهاية أيار الماضي، تظاهر حوالي مائتي تركي في محطة لـ«المترو» في انقرة، اعتراضا على اعلان عام اصدرته تلك المحطة، تدعو فيه المسافرين إلى «التقيّد بالآداب العامة». وهاجم أفراد من جماعات متدينة محافظة المتظاهرين، مردّدين شعارات دينية.

لم نر اي رد فعل من «المسلمين المتشددين» عندما تعرضت حوالي 80 الف امرأة للعنف المنزلي، أو ان العنف ضد النساء قد ارتفع بنسبة 1400 في المئة خلال السنوات السبع من حكم الاسلاميين. كما اننا لم نسمعهم عندما علمنا بأنه خلال العام 2011، اغتصبت 102 سيدة و59 فتاة.

أين كان «المسلمون الطيبون» وسلاحهم الدامي دفاعا عن قضيتهم المقدسة، عندما صرّح صحافي بارز بأنه أقام علاقة جنسية مع فتاة في الرابعة عشرة من عمرها لان «الاسلام يسمح بالعلاقات الجنسية مع فتيات وصلن سن البلوغ»؟

لماذا لم يشعر «محافظ» واحد بالاهانة ولم يتحرك بعد فضيحة بلدة سيرت المشهورة؟

اسمحوا لي ان اذكّركم بما جرى في العام 2010، عندما صرحت زوجة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ايمين اردوغان، امام جمهور من كبار الشخصيات: «في حضارتنا، على مر التاريخ المضيء، العائلة والامومة مقدّستان». من الطبيعي ان يقابل هذا الخطاب بالتصفيق الحار. يا لسخرية القدر، قبل ايام قليلة من هذا الخطاب، هزّت تركيا سلسلة اعتداءات جنسية في بلدتها سيرت. وحصلت هذه الاعتداءات، من قبل بالغين اعتدوا على قاصرات وقاصرين اعتدوا على اطفال وقتلوا واحدا منهم.

أعلنت رئيسة بلدية سيرت حينها: «انها بلدة صغيرة والجميع اقارب. لقد أقفلنا القضية بعد استشارة الحاكم والمحافظ». وحمّل احد الوزراء وسائل الإعلام مسؤولية التشهير بعمليات الاغتصاب «التي جرت منذ عام».

ترمز «قضية سيرت» الى تركيا المسلمة المحافظة، حيث خروج الشباب والفتيات معاً، ماسكين ايادي بعضهم البعض هو أمر مناف للشرف. كما هو مناف للأخلاق الدينية ارتداء «الميني جوب» ووضع الوشم والحلقة للرجال، وشرب الخمرة وأكل لحم الخنزير والتدخين خلال رمضان، وإظهار شعر المرأة.

لكن اغتصاب القاصرين والتعتيم على هذه الحوادث بالاتفاق مع السلطات ليس منافياً للشرف، وتسليط الضوء على هذه الحوادث هو مناف لمبادئنا السامية.

الزواج من القاصرين؟ هو ممتاز. شراء الزوجات؟ ليس بمشكلة. العنف ضد النساء؟ تقليد.

قتل الابنة لانها اغتصبت من قبل نذل او لانها وقعت في حب شاب من محيطها؟ عندها يكون الشرف على المحك… تبادل القبل امام الآخرين؟ لا تفكروا حتى في الموضوع! لن نسمح لكم بالزنى في الشارع! تلك هي عقيدة الاسلاميين في تركيا.

ترجمة رشا ابي حيدر

عن «لوكورييه انترناسيونال»

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

“”حكام اوروبا “” العوائل الملكية

بريطانيا _ عائلة ساكس غوثا كوبرغ الالمانية التي تحول اسهمها الى وندسور وباستمرار حكم اسرة وندسور ونتباتن بواسطة الامير تشالز واولاده علما بان ماوماتين اصلا باتنبرغ وهم ايضا المان … الحكم لحد اليوم مستمر .

السويد _ عائلة برنادوت وهم من اتباع الامبراطور نابوليون بونابارت وتحديدا نفس برنادوت امير بونتي الذي اصبح الملك تشارلز الرابع عشر جون وتولي العرش 1810 واخيرا خوستافوس فاسا 1523 – 1560 حكم اول دولة سويدية موحدة مستقلة واسس اول سلالة حاكمة انما والدة الملك فهي من عائلة ساكس كوبرغ غوتا الالمانية .. الحكم مستمر .

الدانمارك _ الحكم لم ينقطع مستمر اعرق السلالات المالكة انحدر منها خمسون ملكا وملكتان مارغريت قبل الف سنة الملك هارالد الذي نسله تولى لفترات عرش السويد والنرويج وللعلم الدانماركيون قد حكموا انجلترا ايضا وكان اشهرهم كانوت الذي حكم لندن1016-1035 .

النرويج _ الملك هاكون الخامس ملك الدانمارك والنرويج وزوج ابنته الامير اريك السويدي وتولى ابنهما ماغنوس عرش السويد والنرويج وتزوج هاكون السادس الاميره مارغريته ابنه فالديمار الرابع الدانماركي وتولي ابنهما اولان الرابع العرش في كل من الدانمارك والنرويج حتى وفاته عام 1397 ابان حياة امه فتولت مارغريته الوصاية روحت عمليا المماليك الثلاثة .

في عام 1905 انفصلت النرويج عن السويد وصار الامير الدانماركي كارل ملكا للنرويج تحت اسم هاكون السابع “” الحكم مستمر “”

هولندا _ ” الحكم الملكي مستمر ” هيمنت عائلة اورانج ناسوا على هولندا منذ استقلالها عام 1568 بفضل ثورة وليام اورنج على سلطة ملك اسبانيا فيليب الثاني الذي كان يحكم ( هولندا وبلجيكا ) وشهدت في العصر الحديث حكم ثلاث ملكات منذ وفاة الملك وليام الثالث وتولت الملكة الحالية بياتريكس العرش في اعقاب تنازل امها جوليانا اما والد الملكة الحالية فهو الالماني وكذلك والدي العهد الحالي .

بلجيكا _ ( الملكية مستمرة )عائلة ساكس كوبرغ غوثا .

اسبانيا _ ” الحكم الملكي مستمر “” عائلة بوربون وباتنبرغ

فرنسيون والمان _ “” فعائلة بوربون واورليان فرنسيون ممثله بالملك الحالي خوان كارلوس وهو ابن الون خوان بوربون وباتبرغ وسوف يضاف الدم الملك اليوناني الالماني عندما يتولى الامير فيليبي العرش مستقبلا .

موناكو – ( الحكم الاميري مستمر ) عائلة غريمالدي

ليخندشتاين _ ( الحكم الاميري مستمر ) عائلة ساكس كوبرغ غوثا ( دانكا ) بالالماني يعني شكرا

 

‎هيثم هاشم – مفكر حر؟‎

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

ايمن عبد النور يحاور الاستاذ ميشيل كيلو

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

ماذا يقول علماء الأنثروبولوجيا عن الأديان؟

يشترك علماء السوسيولوجي “علم الاجتماع” مع علماء الأنثروبولجيا “علم الإنسان” في البحث عن كيفية نشأة الأديان عند الإنسان، وقد سافر أغلبهم إلى مناطق نائية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجزر المحيط الهادي لدراسة القبائل البدائية التي ما زالت معزولة عن العالم وتمارس نفس الطقوس والعادات التي مارسها أسلافهم قبل آلاف السنين

يقول إيفانز-بريتشارد

Evans-Pritchards (1902-1973)

في كتابه

Theories of Primitive Religions

إن فصل الأديان البدائية عن الأديان السماوية عملية زائفة تؤدي إلى الغموض وعدم الفهم

(Brian Morris, Anthropological Studies of Religion, p 5).

فهو يرى أن الأديان البدائية بشعائرها وتابوهاتها المختلفة ما زالت تمثل جوهر الأديان السماوية، وسوف نستعرض هذه النقطة لاحقاً. أما الفيلسوف الألماني فيرباخ (1804- 1872) فيقول إن الدين يمثل مرحلة طفولة الإنسانية، والإله ما هو إلا الإنسان أو طبيعة الإنسان بعد تنقيتها وتحريرها من قيود الفرد (نفس المصدر ص 21).

لماذا وكيف نشأت الأديان؟ يقول الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم

David Hume (1711- 1776)

في كتابه

The Natural History of Religion (1757)،

لم تنشأ الأديان عن عملية تفكير وإنما نشأت من عدم اليقين في حياة الإنسان البدائي الذي رأى تقلبات الطبيعة حوله مما أورثه الخوف على مستقبله، وبذا أعطته الأديان الثقة في المستقبل وطمأنينة البال (نفس المصدر ص 142).

أما الفيلسوف والثيولوجي الألماني رودلف أوتو

Rudolf Otto (1869- 1937)

فيقول في كتابه

The Idea of the Holy (1917):

إن الأديان لا يمكن فهمها إلا عن طريق “المقدّس”، وهو اعتقاد لم ينتج عن تفكر وإنما عن حدس أو إيحاء نفسي ينم عن قوة غير محسوسة وفوق الطبيعة. إنه شعور بالروع والخشية من تلك القوة المجهولة (نفس المصدر والصفحة).

ويتفق رادكلف- براون

Radcliffe-Brown (1881- 1955)

مع ديركايم

Durkheim

أنه لا فائدة من البحث عن كيفية نشأة الأديان وإنما المهم أن نرى أن المعتقدات الدينية نشأت في محاولة من الإنسان أن يعيش في مجتمعات كبيرة وغير منتظمة، ومهمة الأديان كانت تنظيم تلك المجتمعات، وبالتالي فإن المهمة الأولى للأديان هي مهمة اجتماعية (نفس المصدر ص 126).

أما برونسلاف مالونفسكي

Bronislaw Malinowski (1884-1942)

فيقول إن الإنسان بطبيعته يخشى الموت ولا يريد أن يصدق أن موته يعني نهايته إلى الأبد، وهنا تأتي الأديان لتمنح الإنسان الضمانات النفسية بأن حياته سوف تستمر إلى ما لا نهاية في العالم الثاني. وبالتالي تصبح مسألة الخلود هي جوهر الأديان (ص 148).

يقول فرويد (1856- 1939) في كتابه

Totem and Taboo (1913)

إن الدين عبارة عن وهم وخداع. ويعتبر أن الأديان طريقة غير مجدية للتعامل مع مشاكل الحياة.

أما كارل ماركس (1818- 1883) فقد اعتبر أن الأديان تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تعوض الفقراء عن فقرهم بوعدهم بالغنى الروحي، بينما تعطي الشرعية اللازمة لطبقة الأغنياء، وبهذه الطريقة فقد ساعدت الأديان على صقل المجتمعات ذات المصالح المتباينة، وفي نفس الوقت حافظت على مصالح الطبقة المتنفذة (نفس المصدر ص 45).

السحر هو جوهر كل الأديان:

يقول الألماني ماكس ويبر

Max Weber (1864- 1920)

مؤسس علم الاجتماع إن أقدم وظيفة في التاريخ هي وظيفة الكاهن والساحر والشامان، وكلها تعني نفس الشيء، ويكون صاحب الوظيفة من الأشخاص الذين يتمتعون بكاريزما عالية ويستعمل النباتات التي تحتوي على مواد منشطة

Narcotics

لتمنحه قوة إضافية يبهر بها من حوله عندما يصل به مفعول المواد المنشطة إلى درجة النشوة والابتهاج

Ecstacy.

ويستعمل الساحر لغة مسجوعة وحركات خفية ليوهم مشاهديه أنه بإمكانه التحكم في المستقبل ودرء الأخطار أو إيذاء أي شخص يختاره باستعمال قوته الخفية أي التي هي فوق الطبيعة.

يقول مالونفسكي إن السحر ينجح وينتشر عندما يعجز الإنسان عن التحكم في المخاطر المحيطة به عن طريق المعرفة. يكثر استعمال السحر في أوقات الحروب وفي الصيد وفي فصول الجفاف عندما يكون مصير غذاء الإنسان معتمداً على الأمطار التي تأبى أن تهطل، أو عندما يمرض إنسان وتعجز الأعشاب عن شفائه. وقتها يتجه الناس إلى الساحر.

ينتشر السحر ويسيطر على حياة القبائل البدائية حتى في وقتنا هذا. نجد مثلاً في قبائل جزر تروبرياند

Trobriand

التي تقع شمال نيو جني

New Guinea

بالقرب من استراليا، والتي تُعرف الآن ب كريوينا

Kiriwina

والتي تقع تحت حكم الحكومة الاسترالية، نجد أن القبائل البدائية التي تعيش في هذه الجزر ما زال يتحكم فيها السحر والساحرات. يعتقد سكان تلك الجزر أن الساحرات نساء يأكلن الجيف ويعرفن كيف يصبحن غير مرئيات

invisible.

هؤلاء الساحرات يمكنهن أن يطرن في الهواء ويتحكمن في قوارب الصيادين، وغالباً ما يحطمن تلك القوارب إذا غضبن على الصيادين. حتى الموت يكون بتأثير السحر والساحرات. ولذلك عليهم إرضاء الساحر أو الساحرة بتقديم الهدايا وإطاعة أوامره

يعتقد هؤلاء الناس أن الإنسان عندما يموت يمكن لروحه أن تصير شبحاً

Ghost

يحوم حول مسكن الشخص المتوفى وتقوم بلعب نوع من الخدع على من يقترب من ذلك المسكن، أو يمكن للروح أن تصير Baloma

، يعنى روحاً تذهب إلى جزيرة توما

Tuma

حيث تعيش حتى تشيخ ثم تنقلب إلى جنين تحمله إحدى الساحرات إلى الجزيرة الكبيرة ثم تدخله في مهبل إحدى النساء لتحبل به. وبهذه الطريقة لا يكون للرجل أي دور في الإنجاب، وينسب الأطفال إلا الأمهات. وهذا عكس ما يقول به الدين الإسلامي الذي يكرّس الإنجاب كله في ماء الرجل وينكر دور المرأة في تكوين الجنين. ولذلك نجد أن القرآن يقول إن الله استخرج من ظهور المؤمنين الأوائل ذريتهم وأخذ العهد من تلك الذرية أن يؤمنوا به (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) (الآعراف 172). فالجهل بكيفية تكوين الجنين متساوية بين الأديان البدائية والأديان السماوية.

في البداية كان الدين القبلي امتداداً للسحر والكهانة وكان يعتمد على الطقوس التي يعلّمها الساحر أو الكاهن للناس في قبيلته. ومع مرور الزمن أصبح الساحر هو الكاهن والنبي أو الرسول وتغير الدين من دين قبلي إلى دين سماوي. يقول ديركايم إن الدين والسحر منفصلان، ولكن فان جنب

Van Gennep

يقول إنهما نفس الشيء وإن السحر هو الجانب العملي للدين بينما الدين هو الجانب النظري الذي يفرض على الناس تعاليم معينة

(Brian Morris p 247).

وقد استمر السحر كعامل مهم في الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، والإسلام). وقد حاولت اليهودية بكل الوسائل التخلص من السحر والسحرة وأمر العهد القديم بقتل السحرة. وفي المسيحية استمر السحر لعدة قرون حتى أتى كالفن بمحاكم التفتيش وأحرق عشرات الآلاف من الساحرات واستمر حرق الساحرات حتى القرن الثامن عشر كما حدث في أمريكا في مدينة سالم. وفي الإسلام نجد أن محمداً قد زعم أن اليهود سحروه ودفنوا السحر في بئر، فأرسل علي بن أبي طالب ليستخرج السحر بعد أن أخبره جبريل بمكانه. والقرآن يتحدث عن هاروت وماروت الذين أرسلهما الله إلى بابل ليعلما الناس السحر. وأهل مكة قالوا عن محمد إنه ساحر عندما بدأ دعوته فيهم. وهذا يؤكد أن السحر والأديان من نفس الطينة.

إيفان بريتشارد كان كاثوليكياً ممارساً لطقوس دينه وكان عالماً أنثروبولوجياً فذاً. قضى هذا الرجل أكثر من عام مع قبائل الزاندي والنوير في جنوب السودان، وهذه قبائل نيلية بحته لم تختلط مع أي ثقافة أخرى. وبعد أن درس إيفان بريتشارد عاداتهم وطقوسهم أصابه الهلع من أنه سوف ينتهي بتفنيد الأديان السماوية.

بالنسبة للزاندي فإن الساحرة ترث السحر من أمها ويكون في جسمها مادة السحر وهي عبارة عن كيس اسود يكون في منطقة الكبد. وتُعرف الساحرة بعينيها الحمراوين. وللساحرة مساعدون من الطيور والحيوانات الليلية. وللساحرات دهان مخصوص عندما تمسحه الساحرة على جسمها تصبح غير مرئية. والزاندي والنوير يعتبرون أن كل الأمراض الخطيرة والمحن التي يتعرض لها الفرد تكون بسبب أنه أتى بفعل يتعارض مع القيم المحلية مثل الزنى وزنى المحارم والقتل، وهي أشياء تُغضب أرواح الأسلاف. وبما أن المرض ينتج من غضب أرواح الإسلاف فلا بد للمريض من أن يقدم القرابين لأرواحهم كي يُشفى من مرضه. والقرابين بالنسبة للنوير نوعان: النوع الأول يُقدم في حالات المرض والعقم والمآسي الشخصية. والنوع الأخر يُقدم بالإنابة عن القبيلة ويكون في حالات الزواج والموت وبلوغ البنت أو الصبي مرحلة التكليف. وهناك شعائر معينة يقوم بها رجل الدين عند تقديم القرابين مثل إحضار الثور إلى مكان الاجتماع وتقديم الثور إلى روح أحد الأسلاف، ثم مباركة الثور بقراءة بعض التعاويذ عليه، ثم ذبح الثور وشواء اللحم. وهذه الطقوس لا تختلف كثيراً عن طقوس تقديم القرابين إلى يهوه إله اليهود وشواء لحم الثور حتى يشم يهوه رائحة الشواء. والنوير يعتبرون تقديم القرابين للأرواح عبارة عن افتداء وخلاص للروح وكفارة وتطهير لأفراد القبيلة عما اقترفوه من آثام

(Brian Morris, p 200).

وهي نفس الأفكار التي تعشعش في رؤوس المسلمين عندما يذبحون الهدي في مكة أيام الحج.

يعتبر النوير أن الأرض ملك الإنسان والسماء ملك الإله ويقومون بطقوس أخرى يسمونها طقوس الاستحواذ وتًقام هذه الطقوس عندما يستحوذ روح أحد الأسلاف على شخصً ما. فإذا كان الاستحواذ مؤقتاً يُشفى الشخص بعد تقديم القرابين، ولكن إذا كان الاستحواذ مستديماً فيصبح ذلك الشخص نبياً ويصبح هو الذي يستحوذ على الروح ويكون بالتالي قد امتلك قوة إضافية تمكنه من علاج المرضى والتنبؤ بالمستقبل. ومن مهام هذا النبي قيادة الغزوات ضد قبيلة الدينكا لأخذ أبقارهم. (ربما يكون محمد قد اقتبس هذه الوظيفة من النوير).

الأديان البدائية تعتمد اعتماداً كلياً على الطقوس

Rituals

التي يقودها الكاهن أو النبي وتستلزم لباساً معيناً ودهن الجلد والشعر بأصباغ معينة. يقول روبرتسون – سميث إن الطقوس أهم عندهم من المعتقدات نفسها. وغالباً ما تصاحب الطقوس موسيقى ورقص تجعل المشاركين يصلون في بعض الأحيان إلى حالة من الانفعال يفقد فيها الشخص التحكم في عواطفه. ونرى بعض هذه الحالات في البلاد التي تنتشر فيها الصوفية الذين يصلون إلى حالة من الهستيريا الجماعية على وقع أصوات الطبول. مهمة هذه الشعائر في المقام الأول هي تقوية الانتماء إلى القبيلة أو المجموعة الدينية.

عبادة الطوطم

Totemism:

كل القبائل البدائية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية والهنود الحمر في أمركا الشمالية لديها طواطم تقدسها كجزء وتعبير عن اعتقادهم في أرواح أسلافهم. قد يكون الطوطم عبارة عن نبات أوشجرة معينة أو حيوان . وأهم ما يميز الطوطم عن بقية الأشجار أو الحيوانات هو اللون. فمثلاً في قبيلة نديمبو

Ndembu

في زامبيا يتكون الطوطم عندهم من ثلاث أشجار ألوانها أحمر وأبيض وأسود. فشجرة الموداي

modyi

يخرج منها سائل أبيض ولذلك يعتبرونها شجرة بيضاء رغم أنها خضراء، وشجرة الموكولا

mukula

سائلها أحمر ولذلك تعتبر شجرة حمراء. وفي احتفالات تقديم القرابين يحدثهم زعيم القبيلة عن الأنهر الثلاثة التي تنبع من الإله الأعلى. أحد الأنهر ماؤه أحمر، والأخر ماؤه أبيض والأخير ماؤه أسود. وربما تكون هذه الأنهار هي نفسهخا التي قال العهد القديم إنها تخرج من الجنة، ووافق الإسلام اليهودية وقال إن نهر النيل والفرات يخرجان من جنة عدن. ونفس ألوان الطوطم هي ألوان الأدوية التي يخلطها معالج القبيلة

medicine man

. فالدواء الأبيض يدل على الصحة والعافية، بينما الأحمر يدل على الدم الذي يسيل من المريض إذا جُرح ومن البنت عندما تبلغ سن الرشد. أما الدواء الأسود فيدل على الليل والمرض وسوء الطالع. ولا بد أن تُخلط الأدوية الثلاثة بترتيب معين لا يحيد عنه المداوي.

والطوطم كذلك موجود في الديانات السماوية الثلاثة رغم زعمهم أنها توحيدية. فنجد اليهود يقدسون حائط المبكي ويترنمون عنده، والمسيحيون يحملون الصليب ويركعون عنده، أما المسلمون فيطوفون حول الكعبة ويغسلونها بماء الورد ويكسونها بالحرير والديباج رغم أنها بناء من طين أقامه عبد الله بن الزبير بعد أن هدم الحجاج بن يوسف الكعبة بالمنجنيق. فلا فرق إذاً بين دين قبلي ودين سماوي.

قبائل الاندمان:

تقع جزر الأندمان في خليج البنغال بين الهند ونيبال، وهي جزر معزولة عن الحضارة. وقد عاش بها رادكلف – براون فترة من الزمن وكتب عن عاداتهم وديانتهم. أهم ما يميز معتقداتهم هو تقديسهم لأرواح الإسلاف التي جعلوا منها روحاً مسؤولة عن كلٍ من البحر والمطر والسماء والغابات. أما القمر والشمس والبرق والرعد فهي الآلهة بالنسبة لهم. وطقس الموت عندهم من أهم الطقوس التي يحرّمون فيها أنواعاً معينة من الطعام. وتمثل لهم الرياح حدثاً مهماً لأنهم في منطقة رياح المنسون المعروفة التي تحيق الدمار بالجزر، ولذلك جعلوا أهم أرواح الأسلاف مسؤولة عن الرياح. بليكو

Biliku

مسؤول عن المنسون التي تأتي من ااشمال الشرقي، بينما تاراي

Tarai

مسؤول عن الرياح التي تأتي من الجنوب الشرقي. وديانتهم تعتمد على الشامان (الكاهن) الذي يتصل مع الإله عن طريق الحُلم أو الدخول في حالة استحواذ عندما تسيطر عليه الأرواح ويصبح في حالة هيجان

ecstasy.

ونسبةً لاتصاله بالأرواح يستطيع الشامان شفاء المرضى والتخفيف من حدة الرياح الموسمية,

بالنسبة للأندمان فإن العالم يتكون من ثلاث مكونات: الأرض وما عليها من حيوانات، والبحر وما فيه من أسماك وحيتان، ثم السماء وما فوق رؤوس الغابات من طيور. وعندما يبلغ الصبيان سن الرجولة عليهم أن يشتركوا في طقس العبور

Ritual of Passage

الذي يُحرّم فيه أكل لحم السلحفاة والأسماك. وبعد انقضاء فترة المنع يقيم السكان وليمة كبيرة يكون الطبق الرئيسي فيها هو لحم السلحفاة التي يجب أن تُذبح وهي ملقاة عن ظهرها ورأسها في اتجاه البحر. ويجب على الشاب ألا يلمس لحم السلحفاة بيده فيستعمل ملقاطاً مصنوعاً من شجرة الكركديه. ثم بعد ذلك عليهم أن يمتنعوا عن أكل لحم الخنزير وبعض الفواكه. وتنتهي هذه الفترة بوليمة من لحم الخنزير. ثم في المرحلة الأخيرة يحرمون أكل العسل لفترة ثم يبيحونه.

لا تختلف هذه الطقوس كثيراً عن طقوس اليهودية والإسلام التي تُحرّم أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، التي سوف تباح لهم فيما بعد ويسبحون في أنهارٍ منها.

كل الديانات القديمة تُقدّس الطوطم وتمنع المرأة والطفل الذي لم يبلغ الحلم ولم يشترك في “طقس العبور” من لمس الطوطم. والمرأة كذلك تُمنع من تناول عدة أنواع من الطعام. وهي تقريباً نفس التابوهات التي تفرضها اليهودية وكذلك الإسلام على المرأة. أما المصحف بالنسبة للمسلمين فهو الطوطم الذي لا يمسه إلا المطهرون.

الأحلام:

الأحلام مثلت هاجساً كبيراً بالنسبة للإنسان البدائي، وما زالت تمثل هاجساً لشيوخ الإسلام الذين أسسوا برامجاً في الفضائيات لتفسير الأحلام. الإنسان البدائي رأي في الأحلام التي كانت تزعجه عندما يرى شبح أحد أسلافه في النوم، سؤالاً محيراً: ماهذه الأشباح؟ واقتنع أخيراً بأن كل إنسان له جسم وحياة طبيعية، وله كذلك طيف يظهر في الأحلام.

يعتقد كارل جوستاف يانج

Carl Gustav Jung (1875- 1961)،

والذي كان طبيب أمراض نفسية قبل أن يصبح عالم اجتماع، أن أوهام الأطفال وأحلام المرضى النفسيين أغلبها تدور حول مسائل دينية، وبالتالي هو يعتقد أن الأحلام هي اللغة التي يتحدث بها إله السماء.

يقول ليفي بروول

Levy – Bruhl (1857- 1939)

الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع إن الأحلام تُعتبر في أوربا مواضيع غير قابلة للتحقيق

subjective،

لكنها تختلط بالحقيقة في الشعوب البدائية. وقد رأينا كيف تمسك شيوخ الإسلام، بل نبيه، بالأحلام وكان يقول لأتباعه إنه رأى فيما يرى النائم. وهناك تشريعات كثيرة وأحكام استنبطوها من أحلام محمد أو أحلام الشيوخ أنفسهم مثل أبي الحسن الأشعري الذي كان معتزلياً ورأى النبي في المنام وطلب منه الأخير أن ينافح عن سنته، فتحول إلى سلفي.

الحج:

في ورقة مطولة عن الحج في كل الأديان القديمة يقول فيكتور تيرنر

Victor Turner (1920- 1983):

1- تكون أضرحة الحج غالباً في مكان بعيد عن سكنى القبيلة، ويكون في غار أو جبل أو غابة

2- تُعتبر فترة الحج بمثابة تقاعد عن هموم الحياة اليومية ومشاكلها

3- في موقع الحج يُشدد الحجاج على أن الناس متساوون لا فرق بين الغني والفقير أو بين طبقة وطبقة أخرى من الناس

4- مع أن القيام بالحج يكون خياراً فردياً فهو في نفس الوقت واجب ديني وتكفير عن الذنوب

5- الأماكن التي يأتي منها الحجاج غالباً تكون أبعد كثيراً عن حدود القبيلة أو البلد التي بها المزار

يعتقد تيرنر أن الحج في الديانات السماوية هو عبارة عن تكرار لطقوس العبور التي تمارسها القبائل البدائية. وإذا نظرنا للحج في الديانة الهندوسية نجد أن أكثر من ثلاثة ملايين حاج يأتون كل عام ليسبحوا ويغتسلوا في نهر الجانجيز

Ganges

المقدس ليرجعوا إلى قراهم كيوم ولدتهم أمهاتهم بدون أي ذنوب. وحج الهندوس لا يختلف عن حج المسيحيين إلمكسيك إلى ضريح العذراء في جوادالوب

Guadalupe

أو حج المسيحيين الأوربيين إلى “لورد” في فرنسا، وحج المسلمين إلى مكة

ونلاحظ أنه لا يوجد فرق كبير بين محتوى ووظيفة الأديان السماوية عن رصيفتها البدائية. وكلا النوعين من الأديان له أضراره. يقول اريك فروم

Eric Fromm (1900 – 1980)

، طبيب نفساني وعالم اجتماع، يقول: الأديان خطر على المجتمع لأنها تقدس العادات السيئة عند الإنسان ولأنها تمنع النقد تقود إلى إفقار الذكاء, وكذلك بربطها القيم المثلى في المجتمع بالدين تجعل الأخلاق تقف على قاعدة مهزوزة. سعادة الإنسان وحريته والحقيقة نفسها في خطر لارتباطها بالدين. وهذا هو رأي فرويد في الدين كذلك.

ونجد مثلاً في المسيحية يؤمن المتشددون أن المسيحي الحق يمكنه أن يمسك بالثعابين دون أن تصيبه بأذى.( 18 يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئاً مُمِيتاً لاَ يَضُرُّهُمْ وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ) (سفر مرقس، الإصحاح 16). فنرى هنا أن أي متشدد في دينه يمكن أن يعتبر نفسه من هؤلاء المؤمنين الذين تحدث عنهم المسيح وقال أنهم يمكنهم إمساك الأفاعي دون أن تؤذيهم. وفي دراسة مطولة في أمريكا عام 2000 وجد الدارسون أن 11 شخصاً من مجموع 16 من الذين يمسكون بالثعابين قد عضتهم الثعابين وكل واحد منهم يعرف شخصاً قد أمسك بثعبان عضه فمات

(Ralph Hood Jr, the psychology of religion, p 29).

فلولا إيمانهم الأعمى بكلام المسيح لما حاولوا القبض على الحيات ولما ماتوا.

وهناك بالطبع كراهية الأخر المخالف مثل فقه الولاء والبراء في الإسلام ومثل الأميين

Gentiles

في اليهودية. وبالطبع نتج عن هذه الكراهية حروب دينية كثيرة أدت إلى موت الملايين

بالإضافة إلى ذلك نجد مجموعات دينية مغلقة تتزاوج فيما بينها وتمنع الاختلاط بالعالم الخارجي كما يحدث في مجموعة “الأيمش”

Amish

في أمريكا ومجموعة ال

Hutterites

في داكوتا وفي كندا. تنتشر الأمراض الوراثية بكثرة في هذه المجموعات نسبة لزواج الأقارب بسبب تعاليم الدين.

إله الأديان السماوية لا يختلف عن إله أو آلهة الأديان البدائية القبلية فهو نتاج وهم وتخيلات إنسانية. تقول كارن آرمسترونج Karen Armstrong

التي كانت راهبة قبل أن تتخلى عن الأديان: لا شك أن بعض الصوفية وبعض أحبار اليهود سيقولون لي إن الله نتج من الخيال الخلاق ولا وجود له في أرض الواقع

(A History of Religion, p 4).

أما شوبنهور فقد قال إنه لا توجد حقيقة مطلقة ولا يوجد إله ولا توجد روح، فقط الموسيقى والفن يمكن أن تنقذنا (نفس المصدر ص 405). وحتى فيدور دوستيفسكي في قصته الرائعة “الأخوة كرامزوف” يصف فيها موت الإله. أما جان بول سارتر فيقول: حتى لو كان الله موجوداً لوجب علينا أن نرفضه لأن فكرة وجود الله تلغي حريتنا. (نفس المصدر ص 433). والبير كامو يقول: يجب أن يرفض الناس فكرة الله حتى يتمكنوا من إفراغ حبهم على بقية البشر. أما نتيتشه فقد أعلن قولته المشهورة بموت الإله

يتضح لنا من هذا السرد أن الأديان صناعة بشرية بدأت مع المجتمعات البدائية الجاهلة واستمرت حتى الآن يرفع عصاها الشيوخ الجهلاء والحاخامات الذين غالباً لا يعرفون شيئاً غير النصوص الدينية. وضرر الأديان واضح لكل ذي عينين في وقتنا هذا.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

احسن شي هز الجتف

صفق الجمهور بحرارة للفنانة سعدية البغدادي الملقبة ب”الناصرية” حين رآها تظهر على خشبة المسرح.

ساد الصمت بعدها اكثر من 3 دقائق حتى يتسنى لهم رؤيتها وهي تبتسم لهم وهي المشهورة بابتسامة تسقط العصافير من الاشجر سمعوها تقول:

احييكم من قلبي فانتم كل شيء في حياتي واحب ان ازف لكم خبرا قبل ان اقدم وصلتي، فقد تجولت اليوم في قضاء المشخاب مسقط رأسي لأرى بأم عيني، ياكلها الدود من اموت، حركة انشاءات منقطعة النظير وحين سألت عن السبب قالوا لي ان احدى الشركات غير الوطنية يعني اجنبية ستبني مجار للقضاء ينتهي منه العمل قريبا.

صرخ احد المشاهدين وقال(يبدو انه تعاطى شيئا من المسكنات)

ارجوك لانريد الحديث بالسياسة.. جئنا لنفرغ همومنا ونبتعد قليلا عن وجع الرأس..

ولم يكد يكمل صراخه حتى قام رجل اشيب وصرخ بها:

لابد انك تعرفين ان عدد سكان هذا القضاء حوالي 125 ألف شخص لم يروا في حياتهم ولم يعرفوا المجاري الا من اسمها وماشاهدوه بالافلام اجنبية.

ويبدو ان شخصا ثالثا لم يستطع السكوت فصرخ هو الآخر:

لو تعرفين ببعض الوسائل الايضاحية في الحساب وحسبت فترة مواليد هذا القضاء منذ تأسيسه لحد الان لوجدت انه عاش باهله اكثر من 50 سنة بدون مجاري.. فرجاء قدمي وصلتك ودعينا نتمتع بها وبعدها نذهب الى النوم.

ولم يدر معشر هؤلاء القوم ان زميلتها في منتجع”الفارابي” بمنطقة العشار بالبصرة قد خرجت هي الاخرى لجماهيرها وتزف لهم هذا الخبر:

تأكدت اليوم ان امريكا بجلالة قدرها قد خصصت 3 ملايين دورلا ر لدعم برنامج اطلقت عليه “فرص” والذي سيوفر بحسب القائمين عليه نحو عشرة الاف فرصة عمل للمواطن البصري، ويقتصر المشروع على ادخال المواطنين في دورات لتقوية مهاراتهم ولتهيئتهم للعمل في الشركات المحلية والاجنبية من اجل بناء تعارف بين شركات القطاع الخاص والمواطن العاطل عن العمل.

ولم تستطع النجمة المتألقة ان تكمل كلامها بعد ان رأت بأم عينيها القاعة وهي خالية الا من الاضواءالباهتة.

نقطة نظام سريعة:جاءنا الان خبر عاجل،عاجل جدا وهو ان العديد من الخبراء توقعوا حربا ضروس قريبا جدا بعد اتهام حيدر الملا النائب عن كتلة احرار بالتزوير واصدار مذكرة القاء القبض عليه من قبل نائب رئيس البرلمان(الله يستر).

فاصل ثأري: واخيرا تشفى اولاد الملحة من حسين الشهرستاني الملكف بالطاقة حين اعتبر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تصريحاته بشان تصدير الكهرباء كاذبة واستهزاء بمشاعر العراقيين معربا عن خشيته من ان يطالب الشهرستاني بالاستقالة على خلفية وعوده بتوفير الطاقة الكهربائية فيتم تعيينه محافظاً لكربلاء.(حلوة جدا ايها الصدر).

ونعتقد ان الزعيم الشاب مسنود فقد قال ان هذه التصريحات “فيها استهزاء بمشاعر الناس المظلومين والمتضررين من انقطاع التيار الكهربائي في عموم العراق”، راجياً “من الشعب ان ينتبه لمثل هذه التصريحات الكاذبة والمشينة وان لايرضى بالتحسن القليل لساعة او ساعتين إن وجدت فهي مجرد تسكين لعواطفكم واصواتكم”.

علّق احد اولاد الملحة بالقول:اتحدى هذا الشهرستاني ان يذهب الى ميدان الحبوبي بالناصرية الان ليسأل عن سبب استمرار تظاهرات الناس هناك.

وفي بغداد طلع خضير الخزاعي نائب رئيس الجمهورية الملقب”سكت دهرا ونطق كفرا” ببيان قال فيه وياليته لم يقل فقد اغضب حتى الرضيع” إن العراق لديه إمكانيات اقتصادية واعده والحكومة جادة في استثمارها وتطوير هذه الإمكانيات من اجل تطوير وإعادة بناء البنية التحتية. وان العملية السياسية في العراق تحكمها اسس ديمقراطية ودستورية والعراق قادر على تجاوز كل المطبات التى تواجهه”.

بشرفكم هذا الرجل مو يخلي الواحد يشك قميصه ويلطم بالشارع؟.

اكيد واحد منكم راح يكول الطم على مفتش عام وزارة الصحة اللي سرق مال الله وعباده وبدلا من ايداعه السجن كرموه باحالته للتقاعد.

محمد الرديني (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

اذهبا إلى يالطا

تعلمت أن أتأمل الصور مع أنها جماد.. ففي أحيان كثيرة يحرك الجماد القلوب البشرية المجمدة.. ليس دائما، للأسف، فهناك قلوب من طين. اعتبرت صحافة الصورة في أهمية صحافة الكلمة، وأحيانا أهم. لا أذكر مقالا أكثر تعبيرا عن حرب فيتنام من الصورة الفائزة بجائزة «بوليتزر» ذلك العام: جندي أميركي يطلق النار من مسدسه على فيتنامي يرتجف باكيا. من أي أرض جاء ذلك القاتل لكي يقتل المساكين في هذه الديار؟!

فتح العمل في الشؤون الدولية أمامي آفاقا لا توفرها الشؤون المحلية والعربية.. سافرت في المدن، وفي الكتب، وفي المكتبات، فوجدت مدنا تُدمَّر ومدنا تقوم. قتلت الحرب في بولندا ستة ملايين إنسان، وعندما ذهبت إلى العاصمة فرصوفيا وجدتها تحاول الوقوف على ركبتين متثاقلتين. ذهبت إلى باريس بعد 15 عاما على نهاية الحرب، فوجدتها لا تزال تحيا في نظام الإعاشة.

كلما وقع حدث أتأمل صورة المدن. عندما انهار الاتحاد السوفياتي شاهدنا صور بلدة ميخائيل غورباتشوف، فإذا طُرقها معتمة ورديئة.. تأملنا صور بغداد، فسألنا: أين ثروات العراق من هذه البيوت والشوارع؟ تأملنا صور بنغازي، فوجدنا قبو تعذيب وتماثيل للكتاب الأخضر.

شاهدت صور مدينة «القصير» السورية، فوجدت انتصارا، ولكن لم نجد مدينة ولا أحياء ولا محتفلين. ذكرتني القصير بصور برلين ودرسدن وستالينغراد. بعد 15 عاما من حرب لبنان، لم نرَ شيئا من هذا، حتى الأحياء التي دكتها المدافع السورية طوال أشهر لم تشبه القصير، ولا القرى التي دكتها حاملة الطائرات «نيوجيرسي».

لم تحرك الصور الخارجة من سوريا أي جماد.. لافروف حذر من «استغلال القصير لأهداف دعائية». معك حق.. ممنوع لصق الإعلانات.. تأدب يا هذا وأنت تخاطب 40 ألف مخلوق صارت بيوتهم ركاما وحياتهم حطاما.. خفف كلامك.. اترك شيئا لمعلمك أو نائبك بوغدانوف. هذا موظف ماهر في تغليف النهش في جروح الناس وكرامات الأمم. أنت، خفف عنك.. الدنيا صيف، فاذهب في إجازة إلى البحر الأسود.. استرح قليلا.. خذ معك جون كيري.. اذهبا إلى يالطا، فهي تنتظر منذ 1945 تقسيما آخر.. اقتساما آخر.. فرقة أخرى. دعوا سوريا.. كفاها.

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي.. 2-5

الجزء الثاني..

الحلقة ( 5 ) :

القصة:

من الاشاعات اللي كان يروجها النظام من وقت للتاني ايام حافظ الاسد , أنو في حملة تنضيف للمهربين و المواد المهربة اللي بتدخل عالبلد , و اللي عالأغلب بتكون تحت رعاية ولاد الأسد .. و كان دائما يرافق هيك اشاعة أنو المسؤول عن حملة التنضيف هوة باسل الاسد و جماعتو منشان يعطو انطباع للشارع العام أنو باسل مانو رضيان عن أداء و تصرفات ولاد عمو, و هوة بشكل كامل ضد أفعالهون..

اتصير التمثيلية بشكل متكرر و بفترات متقطعة , و النتيجة دائما انو ينضبو ولاد العم كم يوم بالشام , و يرجعوا على تهريبهون و زعرنتهون بعد رجوعهون عاللادقية..

السبب الحقيقي ورا هيك حملات بالاضافة لتسويق سمعة طيبة لباسل , كان ضغط باسل نفسو على ولاد عمو ليرفعولو نسبتو من أرباح التهريب..

فاللي عم يسأل من وين دخل هالسلاح كلو عالبلد, لازم يسأل بالاول مين كان مسؤول عن الحدود طوال ال 40 سنة , و شو قبضو من ورا تدخيلهون السلاح و غيرو..

قصة اليوم صارت أيام أكبر حملة بيقوم فيها باسل بحياتو و اللي صارت بصيف 1992..

خلصت الحملة بهديك السنة و انضب كل ولاد عم باسل بالشام , بس شبيحة فواز الاسد و متل العادة بهيك حالات بيستغلو الموضوع و بيطلعو بينهبو السوق باللاذقية باسم حملة تنضيف التهريب و هنن أكبر مهربين بالعالم..

الساعة تلاتة الضهر بعز صيف اللادقية و عند نزلة مطعم حارتنا بالصليبة , بتوقف سيارة ميرسيدس 500 رصاصية و بينزل منها اربع شبيحة على مخزن بيبيع أدوات رياضية ( بيت الرياضة ) و بيدخلو بحجة التفتيش و بينهبو كل أغراض المحل..

صاحب المحل رجال درويش كتير صار يقلهون دخيلكون و الله البضاعة كلها شغل حلب , و انا ما بحياتي بعت تهريب..

أثناء تفريغهون للمحل و ضب كل البضاعة بالسيارة , بيجي رامي ابن الحارة عالبسكليت الكورس و هوة راجع من ورشة الصحية اللي بيشتغل و فيها و بيوقف عجنب السيارة عم يتفرج عالسرقة الموصوفة ..

بيشوفو أبو الغضب ( أحد مرافقة فواز ) و بيصرخ فيه:

ولك حيوان روح انقلع من هون أحسن ما انضبك مع هالبضاعة؟؟

رامي ما هان عليه المنظر، و لا هانت عليه كلمة يا حيوان.. بيشيل العدة عن بسكليتو و بيرميها عالسيارة بيكسرلها قزازها .. ابو الغضب اتفاجأ من ردة فعلو لرامي و قبل ما يعمل أي شي كان رامي نازل ببوكس عنص بوزو النجس و هوّة عم يصرخ لأخواتو التلاتة اللي خلال ثواني كانو فوق ابو الغضب بالسكاكين و الشنتيانات و العصي , مخلصينو مسدسو و عم يهددو البقيانين من الشبيحة أنو ينقلعو من الحارة أو رح يشيلو جثة هالكلب ميت..

اربع اخوات نازلين قتل بالفدان و التلات شبيحة رفقاتو تركو البضاعة و تركو السيارة و تركو أبو الغضب تحت رجلين هالابضايات, و ركضو باتجاه ساحة العلبي..

اتكسرت السيارة مية شقفة , و البضاعة انشالت منها و اتطالعت على بيت رامي لبين ما تخلص هالقصة..

ساعة وحدة كانو كل شبيحة فواز و على راسهون علي عريس محاوطين الحارة , و عم يسألو عن بيت رامي منشان يرجعو المسدس..

بيطلع أبو رامي عالبلكون و بيحكي مع علي عريس : بتترك سلاحك تحت , و بتطلع لحالك لتاخود المسدس , و ما بدنا نشوف وجوهكون بهالحارة..

ولك مجنون هنت لاطلع لعندكن بلا سلاح؟؟

عليك الأمان ، اترك سلاحك و طلاع خود هالمسدس و انقلع مع كلابك من الحارة..

بعد مفاوضات طويلة , بيطلع العريس عبيت ابو رامي, و بياخود منو المسدس و بيخلو الحارة و ما عاد اجو عالحارة لفترة كتير طويلة..

رامي و اخواتو ابضايات الصلبية ، الحارة كلها بتعرفهون.. عيلة صليبجية رفعت راس أهل البلد ، الله يرد عنهون..

الحكمة :

أمن و أمان و جبهة جولان محميّة..

هيك اعتقدو السوريين، ما شافو شو صاير تحت سما اللادقية..

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

” لحية ناقص شارب “

في المجتمع الرجولي عبر التاريخ في كافة اقطار العالم على مختلف الاديان والممل والنحل في عبر العصور كان اطلاق الشوارب من سمة الرجولة وكذلك السيف .

فهي صفتان تتعلق بالفروسية والنخوة والمفهوم الاخلاقي للرجولة قد تتغير القيم بين عصر وعصرا ولا تتغير مفاهيم العامة وتعود الى اصلها …

عندما يقسم الرجال وخصوصا العرب والشرقيين يضعون يدهم على شاربهم اي يقسمون بشاربهم كونه يعكس ثقافة الرجولة والشرف وهو يعني قسم اليمين خارج المحاكم او اجهزة التشريع والدولة ..

واذا فتشنا في التاريخ الاوروبي وانكلترا وحتى الولايات المتحدة واسيا والشرق البعيد كانت تربية الشوارب عنوان الرجولة …. اما اليوم حلق الشارب هوتقليد جديد وتغيير في المفاهيم مثل اي تغيير يحدث في انماط السلوكية للمجتمعات .

اما ما نشاهد من تابعي الثقافة ( اطلقوا اللحي واحلقوا الشوارب ) .

كيف لمجتمع الخشونة الديني يرتضي حلق شاربه والسؤال لهؤلاء كيف في مجتمعكم العربي المسلم خصوصا . 

لماذا تقسمون بالشوارب المقصوص او باللحية الغانمة

قد تكون افكاري غير مقبولة …..

ولكن لكل فكرة اصل جميل او خبيث ومعنى ظاهري او باطني .

‎هيثم هاشم – مفكر حر؟‎

Posted in فكر حر | Leave a comment

الفتنه التي قتلت عثمان بن عفان

د. ميسون البياتي

التاريخ المجيد لا يمكن أن يبنى بالخديعة , وإذا كان للزوج المخدوع وهو آخر من يعلم حق تطليق من خدعته فيتخلص منها ومن عارها , فالأبناء المخدوعون حين يكتشفون الخديعة لا يملكون مثل هذا الحق , فيصابون بالإنكسار .. فأما يوغلون في الإثم , وأما ينسلخون عن مجتمعاتهم ويتعاونون مع أعدائها عليها , أو يبقى قسم منهم يحمّل القسم الآخر مسؤولية ما حصل .. وهذا هو حالنا اليوم أمة العرب المسلمين

بداية وقبل كل حديث , أعلن أني لم ولن أرغب المساس بقدسية الدين الإسلامي الحنيف , ولا بمكانة نبي الرحمة الكريم , ولا بصحبه أجمعين رضوان الله عليهم , لكني أريد البحث عن أصل الخلل الذي أسقط دولة الإسلام في العام الهجري 40 والذي يؤدي الى إستفحال واقعنا الحالي بهذه الفرقة الطائفية البغيضة التي لولاها لما فكرت في البحث في هذا الموضوع اصلاً أوالكتابة عنه

بعيداً تماماً عن التفكير الطائفي أو العنصري أو المتحيز لأي طرف , فإن الدراسة الواقعية التاريخية والإجتماعية والإقتصادية لمجتمع الإسلام تجعلني أقرر أنه لو تسلم حكم المسلمين أي رجل آخر غير عثمان بن عفان وبنفس الآليات الإجتماعية والإقتصادية والنفسية للمجتمع الإسلامي في عهده .. لقتل كما قتل عثمان . ولكي نلم بجميع العناصر التي أدت الى فتنة مقتله , سأقوم بإستعراض هذه العناصر جميعاً ضمن مفهومي وتفسيري الخاص ورؤيتي التاريخية , بعد ذلك سأسرد الآلية التي إندلعت بها تلك الفتنة حتى وصلت مداها وهو تنفيذ القتل بشخصية خليفة المسلمين

حين قتل خليفة المسلمين علي بن أبي طالب في الكوفة , تسلم الخلافة من بعده إبنه الحسن , فحكم مابين ستة الى ثمانية أشهر كادت فيها أن تندلع الحرب بينه وبين معاوية , إذ سار الجيشان وإلتقيا في الأنبار , ولكن لحكمة الحسن كحاكم وحرصه على عدم إراقة المزيد من دماء المسلمين فقد تنازل لمعاوية عن الحكم فيما يعرف بعام الجماعة الذي يقع في السنة 40 للهجرة

لأن بني أمية بعد أن وصل الملك لهم أرادوا تغطية كل ما سبق من مطاحنات دامية ليسهل عليهم حكم المسلمين من ناحية .. ولأنهم أرادوا أن تتساوى الرؤوس بنظر العامة فلا فرق بين علي ومعاوية ولا يزيد والحسن أو الحسين .. لذلك بدأوا بإشاعة فكرة أن صحابة الرسول جميعا ًهم سواسية ولا فرق بين واحد منهم والآخر .. وجميعهم رضوان الله عليهم .. وجميعهم منزهون عن العيب والخطأ , ولهذا فبمرور الوقت أصبحنا ننظر الى تلك الفترة من حياة الإسلام نظرة خاطئة .. فإذا كان الجميع بهذا الطهر والنورانية .. إذن من أين كانت تأتي مشاكل المجتمع الإسلامي ؟ النظرة الموضوعية تدعونا الى أن نتصور أن الإسلام جمع بين كل هذا الرهط .. لكن كل فرد منهم كانت له أخطاؤه وعيوبه التي تأثرت وأثرت بهذا القدر أو ذاك في الدين المحمدي , ولا يجوز لنا أن نتصرف كما فعل مفتي سوريا في بداية القرن العشرين , حين قام الرائد المسرحي السوري أحمد أبو خليل القباني بعرض مسرحية هارون الرشيد , فقام المفتي بالسفر الى الباب العالي في الإستانة للشكوى حول تطاول الفنانين على أولي أمر المسلمين

نفس ما سعى له بنو أمية , تكرر مرة أخرى عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع نشأة التيار القومي العربي , فحين أدرك القوميون أن الإسلام مقوم مهم من مقومات العروبة , حاولوا أن يرسخوا في الأذهان فكرة أن أولئك العرب الذين دخلوا الإسلام كانوا جميعا ً مثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى .. والحقيقة غير ذلك تماماً , المضحك في الأمر أن التطور التقني أدى في هذه الفترة الى إنتاج أفلام ومسلسلات تصور لك مجتمع الإسلام وكأنه المدينة الفاضلة التي يأتيها الباطل فقط من المشركين وأعداء الإسلام .. وكأن المسلمين بما جبلت عليه نفوسهم غير قادرين على إنتاج مشاكلهم بأنفسهم دون الحاجة الى الطاريء أو الدخيل , وهذا تبسيط وتصوير ساذج للحياة

ناهيك عما أنتجت تلك الفترة من كتب ومطبوعات كتبها صحفيون وأدباء وربما حتى باحثين تاريخيين , لكنها تفتقر الى التحليل السليم والمنطقي للأسباب الجوهرية التي أدت الى تفكك دولة الإسلام بعد فترة قصيرة من تأسيسها , ولم يحاول أحد منهم أن يتجرد عن الحاجز النفسي الذي قد يسميه البعض بعامل ( الحرام ) في التعامل مع معطيات الإسلام وأفكاره وقوانينه وفلسفته وتطبيقاته لفهم من أين ينبع الخطأ , وأين بالضبط تقع العلة , هل تدافع المسلمون الأوائل لقتل بعضهم بعضا حباُ في المال والسلطان ؟ ؟ أم أن هناك خلل في بعض تطبيقات الإسلام والمسلمين هي التي أوصلت الى ذلك الحال ؟

لكي نعرف مقدار ثراء النبي محمد والبيئة المالية والمجتمعية التي تحرك فيها علينا فقط ان نتذكر أنه كان يقود تجارة زوجته خديجة , ولكي نعرف مقدار ثروة خديجة يكفي أن نتذكر أن لقريش رحلتين في السنة قوام كل رحلة حمولة ألف بعير .. 500 لخديجة , و500 لسائر تجار قريش مجتمعين , وهذا إن دل على شيء فهو على أن خديجة وزوجها كانا من أغنى أغنياء قريش , ولهذا فمن المنطقي أن النبي لم يقدم الإسلام الى الناس على أنه دين للفقراء والمحرومين .. وإنما هو دين لعامة الناس

حين نزل الوحي على النبي , دعى النبي قومه الى الإسلام .. فلم يلتفت إليه أحد , ليس لأن الناس متمسكة بعبادة الوثن كما يظهر في فلم فتح مكة أو فلم الرسالة أو فلم ولد الهدى .. هذا تصوير ساذج وتفسير سخيف لحقيقة الأمر , فالدين .. أي دين .. هو الدعامة التي تتأسس حولها علاقات النسب والعشيرة والقبيلة والمصاهرة والزواج والمصالح والتجارة والمال .. لذلك فإن من ينسلخ عن دينه تى وإن كان دين عبادة الحجر سيخسر الشيء الكثير إن لم نقل سيخسر كل شيء , ومن أي دين نحن لو فكر أحدنا بتغيير دينه اليوم .. فما الذي سيبقى له من كل حياته الماضية ؟

لم يلتفت أحد الى دين محمد .. لأن النبي إضافة الى أنه كان يدعو الناس الى فك وشائجهم وعراهم مع من حولهم من الناس باللحمة التي إلتأمت حول عبادة الوثن , فإنه لم يقدم لهم بديلاً ماديا ملموساً عن تعويض سيكتسبونه نتيجة هذا التغيير .. كأن يكون تجارة رابحة أو مكانة سامية .. أما عزة الله وجلاله أو التخويف من النار والتبشير بالجنة فهذه وعود لم تكن تهم في شيء ذلك العربي الذي لايملك اليقين وقد تكون هذه المجردات بنظره مجرد أوهام وسراب

شخصية النبي حتمت عليه أن لا يستسلم الى عائق مثل هذا يثنيه عن الدعوة الى الدين الحنيف الذي أمره ربه به , لهذا وعد العبيد بالحرية والجياع بالشبع فتأسست منهم قاعدة الإسلام البشرية , وكانت تنزل على النبي الآيات المكية من القرآن الكريم وهي في مجملها آيات قصيرة تتضمن أحكاما عامة وليس فيها تفصيلات كثيرة

طيلة حياة السيدة خديجة بنت خويلد لم يتزوج النبي عليها وحين ماتت قبل الهجرة بثلاث سنوات تزوج مباشرة من السيدة ( سودة بنت زمعه ) ولأنه كان يريد الإعتماد على أبو بكر الصديق لذلك تزوج من إبنته عائشة , ولذلك سنرى مسؤليات جسام كان النبي يكلف بها أبو بكر وكما سيأتي . وبعد الهجرة بعامين تزوج النبي من حفصة إبنة عمر بن الخطاب لنفس السبب , لهذا كان الثلاثة هم الذين يحكمون مدينة الإسلام التي تأسست في يثرب

يحدد فيلسوف التاريخ أرنولد توينبي صاحب نظرية التحدي والإستجابه في تفسير التاريخ يوم فتح مكة تاريخاً لبدء تراجع دولة الإسلام وحتى سقوطها في العام 40 هجري . وقد يتفق معه كثيرون في هذا , لأن فتح مكة لم يكن سعادة ونعيم كما نرى في الأفلام , فأهل مكة كانوا يكرهون النبي . وهو يكرههم أيضا , يحكى أنه يوم فتح مكة إستعرض أهلها شامتاً ساخراً , وحين مرت من أمامه هند بنت عتبه زوجة أبو سفيان وأم معاوية قال لها بإستهزاء ( من ؟ هند ؟ آكلة الكبود ؟ ) فنظرت بوجهه نظرة ذات مغزى وقالت : أنبيٌ ؟ وحقود ؟

بعد فتح مكة وإرغام الناس بالقوة على الدخول في الإسلام , إرتد أغلبهم إن لم يكن في العلن ففي السر . ولذلك زعل عليهم النبي وأخذ زوجاته وغادر الى المدينة , معطياً لأهل مكة ( سنة إنتقالية ) ليعودوا مرة أخرى الى الإسلام , فإن لم يفعلوا فستشدد عليهم الأحكام , وكان من المقرر أن تغلق بيوت ( ذوات الرايات الحمر ) بالتدريج خلال هذه السنة . لكن أهل مكة تمادوا في العودة الى جاهليتهم الأولى , ولكي يكيدوا للنبي الكيد كله .. تم في واحد من بيوت ذوات الرايات الحمر تسمية المشتغلات في تلك الدار بأسماء السيدات أمهات المؤمنين ولهذا فحين كان الشعراء يشببون بتلكم العاهرات _ كان التشبيب يقع على أمهات المؤمنين بسبب إنتحال أسمائهن

حين إنتهت السنة الإنتقالية وعادت قوات النبي الى مكة بقيادة أبو بكر الصديق الذي كان مسؤولاً عن العسكر والأمن , أناط النبي مسؤولية أخرى بأبو بكر الصديق وهي رئاسة لجنة تعقب وإعدام الشعراء المشببين , وكان من بين هؤلاء شاعر يدعى بعل , كان زوجاً لتلكم النسوة اللواتي يحملن أسماء أمهات المؤمنين , واللواتي رفضن التوقف عن ممارسة الدعارة لأن هذا مصدر عيشهن الوحيد , حين إقتادهن الحرس الى السجن , كان بعل زوجهن يأتي كل يوم الى مكان قريب من السجن وهو يحمل قصيدة طويلة يشبب فيها بواحدة من زوجاته المسجونات وهي تحمل اسم واحدة من امهات المؤمنين , وسط حشد من الناس , وبعد أن ينتهي من قراءة القصيدة يذهب ويعلق صحيفتها على حائط السجن , بعل هذا وجمهرة الناس حوله هم الذين نزلت فيهم سورة الشعراء : والشعراء يتبعهم الغاوون , ألم تر أنهم في كل واد يهيمون , وأنهم يقولون مالا يفعلون , إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وإنتصروا من بعد ماظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

مشهد رهيب تصوره لنا هذه الحكاية من الإستهزاء بالإسلام والمسلمين داخل مكة حتى بعد فتحها , أجاز لتوينبي أن يعتبر من خلاله فتح مكة هو نقطة تراجع الإسلام من كونه هو الذي كان يشكل التحدي لمكة قبل الفتح _ لأن يصبح أهل مكة هم التحدي للإسلام بعد الفتح , فكانت الإستجابه هي سقوط دولة الإسلام عام 40 للهجره

كل هذا تحليل جيد من توينبي بإعتباره يفسر التاريخ كمجموعة من التحديات والإستجابات لكني أجده قاصراً في توصيف ما وقع فعلاً داخل دولة المسلمين فأدى الى سقوطها , فلو أن الإسلام كان قد أسس مجتمعاً صالحاً للديمومة , فإن نعرة الجاهلية ستنتهي منه حتماَ بحكم أنقراض أجيال وولادة أجيال وتغير أحوال المجتمع من جيل الى جيل بحكم الثقافة السائدة , أما لماذا لم يتمكن الإسلام من تأسيس مجتمع صالح للديمومة , فهذا وحسب تفسيري الذي أبنيه على مبدأ التراكم الكمي الذي يؤدي الى تغيير في النوع , عندها تقع حتميات تاريخية لا يمكن تفاديها , ولن ينفع في ذلك , لا تبديل قانون .. ولا تغيير حاكم , وهذا هو الذي وقع في دولة المسلمين

حين إستقر النبي في يثرب بدأت تتنزل الآيات المدنية من القرآن الكريم وهي آيات طويلة نسيبياً وفيها شروح لأحكام الحياة والعبادة , ولأن الدين لعامة الناس وليس لفئة محددة منهم , فقد بدأت تنزل على النبي آيات ناسخة لتنسخ أحكام آيات قبلها , لن يهمني هنا مناقشة الناسخ والمنسوخ في آيات المغفرة أو آيات تحريم الخمر , لكني سأهتم بالناسخ والمنسوخ الذي سينفجر على شكل مشكلة كبرى في حياة المسلمين ويكون هو السبب الرئيس في تقويض دولة الإسلام

آيات الزكاة .. نسخت آيات تحريم كنز الأموال وآيات الحث على إنفاقها , فصار المسلم لا جناح عليه أن يكنز ما يشاء من المال بشرط أن يتزكى . وسأترك هذه النقطة هنا على أن نعود إليها مرة أخرى حين ستستفحل مشكلتها

المشكلة الثانية التي سيتركها الإسلام معلقة الى أن تنفجر فيما بعد هي موقفه من العبودية والرق . يقول النبي محمد ( لقد أوصاني حبيبي جبريل بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم ) ويقول ( المؤمنون سواسية كأسنان المشط ) , إلا أن الإسلام لم يقدم حلاً جذرياً لهذه المشكلة .. كيف يكون المؤمنون سواسيه كأسنان المشط إذا كان أحدهم يمتلك صك عبودية الثاني ؟ .. واذا كان لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى _ فهل بالمقابل لا فضل لسيد على عبده , إذا كان العبد أكثر تقوى من سيده ؟ .. أمام الله سبحانه وتعالى من المؤكد أن لا فضل لإنسان على إنسان إلا بالتقوى ولكن ألا يحتاج حال الحياة الدنيا الشيء الكثير من الإصلاح ؟ أليس الإسلام دين ودنيا ؟ وفي بناء دنيا ومجتمع وتأسيس دولة .. ألا يجب إيجاد حل فاعل لهذه المشكلة التي سأتركها الآن وأعود إليها حين ستستفحل

في رمضان سنة 8 هجرية تم فتح مكة , وحين أعلنت مكة بعد الفتح تمردها على الإسلام , سحبت معها قبائل عربية كثيرة ممن تعيش خارج مكة والمدينة والطائف الى إعلان ردتها عن الإسلام في حياة النبي

بعد 17 شهر إي في صفر 11 هجرية مات النبي ورغم أن كتاب الله ينص : والذين إستجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون . سورة الشورى 38 … كما أن القرأن صنّف ترتيب الشورى بعد الإيمان بالله وإقامة الصلاة ويفضلها على الإنفاق بالزكاة والصدقات إلا أن أبا بكر الصديق وبحكم سيطرته العسكرية والأمنية على دولة الإسلام عاجل الشورى بإجتماع السقيفة وفاز بكرسي الخلافة الأول . يعلل بعض الكتّاب ذلك بقولهم أن الردة بموت النبي كانت قد أصبحت على أشدها , والوقت لا يتسع لشورى من أجل السيطرة على الأوضاع . غير أن هذا التجاوز أغضب رجالاً كثراً من قريش كانوا يعتقدون بأحقيتهم بالخلافة أكثر من أبي بكر .. علي ابن أبي طالب واحد منهم , وإن كانوا قد إنتهوا جميعاً الى مبايعة أبي بكر كخليفة للمسلمين

قبائل المسلمين من غير قريش كان لهم رأي في تجاوز مسألة الشورى أيضاً , فقد قالوا أنه حتى لو كانت الخلافة محصورة في قريش فهذا لا يعني أن ليس لنا حق في أن نُشاوَر بأمر من سيحكمنا من قريش , وأعترضوا على أبي بكر بالإمتناع عن دفع الزكاة الى بيت مال المسلمين . بل كانوا يجمعونها بينهم وينفقونها على المحتاجين منهم بمعرفتهم . لكن أبا بكر إعتبرهم جميعاً مرتدين عن الإسلام وحاربهم في عقر ديارهم وقال فيهم قولته الشهيرة : والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم فيه

صورة كالحة للحياة في دولة الإسلام تتمثل في ردة عامة , وموت النبي , وإشتداد الردة . وتجاوز حد الشورى من قبل خليفة النبي الأول , وإمتعاض قريش , وإمتعاض قبائل العرب , وإمتناع عن دفع الزكاة إعتراضاً على شخص الخليفة , لكن خليفة المسلمين يحارب القبائل المعترضة على شخصه , بتكفيرها عن الإسلام وهذا ليس من حقه البتة , أليس نبينا محمد القائل (( من كفَّر مسلماً فقد كفر )) ؟ وهل يتساوى القبول بأبي بكر حاكماً , مع الإيمان بالله وكتابه ورسوله .. لكي يكفر أبو بكر من لم يقبل بخلافته ؟ ولن يهمني كل هذا إلا بالقدر الذي أحدثته فوضى الحرب في حياة المسلمين فخربت تجارتهم وزراعتهم ومصالحهم . مما أضر بإقتصادهم ومستواهم المعيشي الذي أصبح لا يطاق , لأن هذه النقطة هي التي ستتطور لاحقاً لتسبب المصيبة

بقي أبو بكر مصراً على عدم العمل بالشورى التي قدمها كتاب الله على الزكاة والصدقة , حتى ساعة وفاته حيث وصى بالخلافة لعمر بن الخطاب , وعمر بن الخطاب سياسي داهية ولهذا كان النبي قبل إسلام عمر يدعو ربه (( أللهم أعز الإسلام بأحد العمرين )) .

حين آل إليه حكم المسلمين أخذهم بالشدة , فشدد الأحكام , وأشغل الناس بالقتال , وبعد أن كانت الفتوحات في زمن أبي بكر قد طالت الروم , فإن عمر قد وجه القتال لفتح العراق ومصر

واجه عمر بن الخطاب مشكلة أن رجال المسلمين , ومنذ مجيء الإسلام كانوا مشغولين بنشر الدعوة والقتال من أجلها , ولذلك تضررت تجارتهم وزراعتهم ومصالحهم , وبالتالي فهم يعيشون في واقع إقتصادي مزري , لذلك حين بدأت أموال الخراج تأتي من الأمصار الجديدة المفتوحة , فقد كان أول ما فعله أمير المؤمنين , أنه خصص درهماً واحدا في اليوم عطاءاً لكل مسلم يقيم به حاجته ويساعد به نفسه على تدبر شؤون معيشته , وتلك كانت أكبر غلطة وقع فيها عمر بن الخطاب على الإطلاق

الخبراء الإقتصاديون المعاصرون يحذرون أشد التحذير من الزيادات المفاجئة في العطايا والرواتب والمخصصات الى عامة المواطنين لأنها تؤدي مباشرة الى التضخم في الأسعار , وحين تتضخم الأسعار فإن العملة النازلة الى السوق يتم سحبها الى جيوب التجار .. مقابل نفس نوع وكمية البضاعة التي كانت أرخص قبل الزيادة , ولهذا فالنظرية الإقتصادية الحديثة تشجع الحكومات على دعم سعر السلع والخدمات في السوق .. دون منح زيادة في المحفزات والرواتب , وبذلك يبقى سعر العملة والسوق ثابتاً رغم تغير مستوى المعيشة . ولهذا فكلفه رغيف الخبز في عهد عمر التي لم تكن تتجاوز الفلس أو الفلسين قبل الزيادة , تضاعف سعرها عدة مرات بعد الزيادة

كذلك في عهد عمر بن الخطاب أنفجرت مشكلة الرق والعبودية التي لم يحسمها الإسلام لأنه أبقى نوعين من الرق وهما : أسرى الحرب , وأبناء الإماء . لذلك ففي فتوحات بلاد الروم كان العرب يجلبون معهم السبي من البلاد المفتوحة , يسترقونهم ويستعملونهم عبيداً , وفي فتح العراق كان العرب قد جلبوا معهم 40000 من الفرس الى ديار العرب لنفس الغرض

عندما تسلم عمر خلافة المسلمين ولى عمرو بن العاص على مصر , وفي يوم من الايام أتى مصري قبطي الى عمر يشتكي ويقول أنا مظلوم يا أمير المؤمنين قال له وماهي مظلمتك ؟؟ قال سابقت محمد بن عمرو بن العاص والي مصر فسبقته بفرسي فنزل عليَّ أمام الناس وضربني وقال لي تسبقني وأنا ابن الأكرمين فحكم عمر بأن يضرب القبطي محمد ابن العاص أمام أبيه , وذهب الى أبيه عمرو بن العاص فلمس صلعته وقال له : (( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا )) . يقف كتّاب السير والمؤرخون عند هذه الحادثة كثيراً للتدليل على عدالة عمر التي لاشك فيها لكنهم لا يكلفون أنفسهم كثيراً للحديث عن كيف يستعبد المسلمون في عهد عمر الناس عبودية فعلية حين يأسرونهم في الحروب فيسبونهم عن ديارهم , ويجبرونهم على تغيير دياناتهم , ويستعملونهم عبيداً أرقاء , ويميزون أنفسهم عنهم في كل شيء , بما في ذلك تمييز نساء العبيد عن نساء سائر المسلمين

الحجاب في الإسلام ( شارة ) وليس ( فريضة ) . حين كثرت نساء العبيد في ديار المسلمين , إحتاجت بعض نساء المسلمين الى تمييز أنفسهن عن السبيات , فظهرت شارة الحجاب على شكل قطعة قماش تضعها نساء المسلمين على رؤوسهن تمييزا لهن عن نساء العبيد , ورغم أن نساء العبيد كن يجبرن على إعتناق الإسلام الذي يقال أن الناس فيه سواسية كأسنان المشط إلا أنهن كن يمنعن منعاً باتا من إرتداء شارة الحجاب .. فأين هي العدالة في ذلك إذا كان الإسلام دين للناس كافة ويساويهم كأسنان المشط ؟

علماً أن شارة الحجاب لم تكن إلزامية على نساء المسلمين , بل تستعملها من هي بحاجة اليها فقط , ولو كان الحجاب فريضة فقد كان خليقاً بحفيدة أشرف الخلق السيدة سكينة بنت الحسين أن تضع الحجاب على رأسها , بينما نجد من أخبارها انها كانت سافره وواحدة من أجمل جميلات العرب وكان أجمل ما فيها شعرها الذي كانت تقصه ليكون طوله على كتفيها وإشتهرت قصة شعرها بين النساء بإسم ( القصة السكينية ) وكانت السيدة سكينة شاعرة ويجتمع الشعراء في مجلسها وتستمع إليهم وتجيز أشعارهم وهي التي أجازت الشعراء : جرير , والفرزدق , وكثير عزة , وجميل بثينة . خطبها رجال كثيرون وتزوجت خمس مرات , قتل من أزواجها إثنان وتوفي إثنان وطلقها الخامس , هكذا كانت النساء المسلمات في ذلك العهد , ولسن خيام سوداء متحركة كما يراد لهن اليوم بإسم الإسلام

عدد الأسرى الفرس الذين جلبوا من فارس عند فتح العراق كان أربعين ألف أسير بيعوا جميعا في أسواق الرق .. والخلل الذي أحدثه هؤلاء المسبيين في مجتمع المسلمين ليس بالقليل , فهم بأشكال مختلفة وعادات وتقاليد مختلفة , ولغات مختلفة , ويحملون ألم سبيهم عن ديارهم الذي لا يمكنهم الإفصاح عنه والذي تنتج عنه أفعال لا بد أن تصب في أذية مجتمع الإسلام .. فيتعرضون بسبب ذلك الى الأذى .. فيزدادون شراسه .. في السنة 19 هجرية غلب العرب القائد الفارسي ( الهرمزان ) وجلبوه أسيراَ الى عمر بن الخطاب , فتم إجباره على الإسلام والبقاء في المدينة

وفي المدينة وبعد عطاء عمر للمسلمين عطية الدرهم من بيت المال إشتعل الوضع الإقتصادي لكل سكانها .. فصار صغيرهم وكبيرهم يحسب كم ينفق وكم يدفع الى بيت المال زكاة عن موارده .. وكم .. وكم , وما نلبث حتى نصل الى السنة 23 هجرية حتى يندفع أبو لؤلؤة فيروز الى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب فيطعنه في بطنه ويجعل أمعائه تندلق الى الخارج , ولم يكن ذلك بسبب جريمة منظمة رتب لها المسبيون الفرس , وإنما لأن أبا لؤلؤة فيروز كان قد إلتمس من الخليفة تخفيض مقدار ما يدفع من

ضريبة الى بيت المسلمين .. لكن الخليفة لم يوافق على ذلك

وبينما كان الخليفة يحتضر , إندفع إبنه عبيد الله فقتل القائد الهرمزان ولؤلؤة بنت فيروز , وعدداَ آخر من الفرس . وكان في نيته قتل جميع السبايا الفرس ذلك اليوم لو لم يسحب السيف من يده . أفلا تنبهنا هذه الحادثة الى طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين العرب وسباياهم الفرس .. وطبيعة الوضع الإقتصادي القاتم لعموم المسلمين ؟؟

بينما كان عمر بن الخطاب يحتضر دعا ستة من الصحابة لتشكيل مجلس للشورى ينتخبون فيه من بينهم خليفة خلال ثلاثة أيام وهم كل من : عثمان بن عفان , علي بن أبي طالب , طلحة إبن عبيد الله , الزبير بن العوام , سعد بن أبي وقاص , وعبد الرحمن بن عوف

حين فاز عثمان بن عفان بكرسي الخلافة الثالث , لم يكن ذلك مريحا َ لبقية من معه في مجلس الشورى وكان علياً أكثرهم حنقاً لأنه يعتقد أنه الأحق من عثمان وقد أُخذت لعثمان البيعة حيلة

أول مشكلة واجهت عثمان خلال فترة حكمه كانت قضية عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان وبقية سبايا الفرس معه , وفي وقت رأى فيه عثمان أنه سيكون من الصعب أن يقتل خليفة المسلمين ثم يعدم إبنه بعده بعدة أيام , لذلك دفع دية القتلى وأخلى سبيل عبيد الله بن عمر , مما جعل هذه الحادثة موضوعاً للجدال والإعتراض من قبل علي بن أبي طالب , حيث يرى بعض الباحثين أنها كانت متنفساَ لعلي للتعبير عن ضيقه بما آلت له بيعة الحكم

في الأسبوع الأول الذي أصبح فيه عثمان بن عفان خليفة على المسلمين إرتكب أول أخطائه , فقد تحسس بمشكلة المسلمين الإقتصادية وضائقتهم المادية فأحب التوسعة عليهم , فقام بزيادة عطاء المواطن من درهم واحد في اليوم الذي خصصه لهم عمر بن الخطاب , الى درهمين .. فتوسع الشق الذي كان قد أحدثه درهم عمر

كلما إزدادت كمية النقد المتداولة في السوق .. شحت الحاجة وإرتفع سعرها , وهذا معناه وكأن لا زيادة فعليه من المال بيد المواطن .. وسيبقى الجوع هم الليل والنهار الذي يلبد فوق رأسه . ومن ناحية ثانية .. يعني تجمع المزيد من النقد السائل بيد التجار . فإذا إفترضنا أن التاجر زاد ربحه في العام 100 ألف درهم عما كان عليه في الماضي .. فلن يضيره أن يدفع عنها 20 ألف درهم إضافية زكاة الى بيت مال المسلمين , وكل هذا وهو في الجانب المشروع والحلال من الدين , ولهذا علينا أن نسجل أن أعطية بيت مال المسلمين ( الدرهم في أيام عمر _ والدرهمين في عهد عثمان ) كانت قد فاقمت الحالة الإقتصادية في دولة المسلمين , وقسمت المجتمع الى طبقتين لا ثالث لهما : طبقة من الأغنياء الأثرياء , وطبقة من الفقراء المعدمين

الطبقة المتوسطة في أي مجتمع هي ضابط ليس للصحة الإقتصادية للمجتمع , وإنما للكثير من أخلاقياته وسلوكياته , وهي الحشوة الرابطة ما بين سقف المجتمع وقاعه , وكلما كانت هذه الحشوة أكثر سمكاً ومتغلغلة في الطبقتين الأعلى والأسفل منها , كلما كان المجتمع أكثر صحة وأكثر تماسكاً , خلاف ذلك ينفصل المجتمع الى طبقتين , فتضيع الكثير من القيم ويتفشى الظلم , ويعم الجشع , فتخرب النفوس , وتسود الفوضى

حين جاع المسلمون في زمن عثمان أو شحت عليهم مواردهم .. إلتفتوا الى أغنيائهم يرجون تصدقهم كما أمر القرآن , فوجدوا أن آيات الحث على الإنفاق , وآيات تحريم جمع المال .. كانت قد نسخت بآيات الزكاة , ولم يعد هناك جناح على الغني إن تزكى ولم يتصدق , فلم يبق أمام المواطن المحتاج الى المساعدة غير باب الخليفة الذي يملك أن يأمر في بيت المال , ومادام الخليفة لن يزيد العطاء , عندها يصبح الخليفة عرضة للنقد

قريش نفسها هي التي بدأت تبحث لعثمان عن الزله في أبسط تصرفاته كخليفه , ونتذكر هنا الجدل الطويل العريض الذي كانت قريش قد أثارته لأن عثمان أعاد عمه الحكم بن العاص من الطائف الى المدينة بعد أن كان النبي قد نفى الحكم بن العاص اليها .. وظل منفياً طيلة حياة أبي بكر وعمر . قيل إن عثمان خالف في ذلك سنة النبي وما تعارف عليه الشيخان , لهذا أرجو أن نطلع على الفعل الذي قام به الحكم .. لنحكم بأنفسنا هل يحق لعثمان إرجاع عمه من نفيه أم لا

روى إبن حجر العسقلاني في كتاب الإصابة عدة حكايات عن سبب نفي الحكم بن العاص أغلبها مضحك وغير مقنع .. ولا يليق بسماحة نبي أن يتصرف به , غير اني أرجح من كل هذه الحكايات , حكاية ظاهرها كما رواها العسقلاني أن الحكم قد دخل على النبي وكان النبي مع إحدى زوجاته فلم يغض بصره ولم يغادر المكان , ولهذا نفاه النبي

بغية التحقق من هذه الحكاية , علينا أن نتذكر أن الحكم بن العاص عم عثمان كان من أشد خصوم النبي محمد . وهو واحد ممن إجتمعوا لقتل النبي يوم بات علي بن أبي طالب في فراشه . أسلم يوم فتح مكة ثم هاجر الى الحبشة . في الحبشة كانت تعيش بنت صفيه أخته , وهي رملة بنت أبو سفيان وزوجها ويعمل كلاهما في التجاره . تطلقت رمله من زوجها .. يقال لأنه كان سكيراً ولم تكن هي راضية عن ذلك

في السنة 7 للهجرة تزوج النبي 4 نساء دفعة واحدة كل لسبب خاص . ماريا القبطية , رملة بنت أبو سفيان , صفية بنت حيي , وميمونة بنت الحارث

ملك الحبشة ولأنه أراد أن تكون العروس رملة بنت أبو سفيان سفيرته عند محمد , لذلك جهز زواجها وحملها بالهدايا والنفائس الى النبي فسار موكبها الى الحجاز , يرافقه خال العروس الحكم بن العاص . وفي الوقت الذي كان النبي لايرتاح الى الحكم بسبب تلك الحكاية القديمة , كان الحكم يتصرف بأريحية وكأنه متفضل على النبي بهذه الزيجة الموسرة التي لم يتحقق للنبي في مثلها ثراءاً سوى مع زوجته الأولى خديجة

ذات يوم دخل الخال على إبنة أخته وكان زوجها عندها .. فطرده الزوج شر طرده , ونفاه من المدينة الى الطائف وكثرت الأقاويل في تأويل ذلك . ثم مات النبي … ولحقه خليفته الأول أبو بكر , ثم لحقهما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .. ألا يحق لعثمان بن عفان وهو الخليفة اليوم أن يعيد عمه الى المدينة ؟ أليست هذه حجة تحججت بها قريش لتنتقد الخليفة وتؤلب عليه ؟ ولو كان المسلمون في سعة من الأمر .. فهل كان سيعير أحد هذا الموضوع أية أهمية ؟؟

ثم أثيرت حول عثمان قضية أنه عزل الولاة الذين عينهم عمر , وعين بدلهم ولاة من أقربائه وخاصته , ولا ندري ومن هو الذي لا يفعل ذلك !!؟ ليس مودة في ذوي قرباه .. ولكن لأنهم أدعى للثقة عنده , هل ثقة الحاكم بأخيه أو إبن عمه تعدلها ثقة وهو يبتغي حكم ديار تعج بالمشاكل ؟ ونعود مرة أخرى لنتساءل .. لو كان المسلم الذي يعيش في أمصار المسلمين مرتاحاً فهل كان سيهمه من هو الوالي ؟ أو ما هي درجة قرابته الى الخليفة الساكن في العاصمة ؟

عثمان من جانبه , كان يعتقد أن مضاعفته درهم العطاء لعامة المسلمين الى درهمين يمنحه الحق في منح عشرات أو مئات آلالف الدراهم والدنانير الى عماله وولاته لأغراض بناء مرافق الدولة التي توسعت وصار لزاماً أن تبنى فيها مقرات للولاة والقضاة , وأن يبنى أسطولها الحربي أو التجاري , ومقرات الجيش والشرطة .. لكنه حين كان يمنح العطاء .. وهو على الأعم والأغلب لواحد من أقربائه الذين أستعملهم ولاة وعمال على أصقاع المسلمين … كان عامة المسلمين يتصورون ذلك عطاءاً شخصياً لهم .. لذلك ثارت ثائرة الكل بسبب هذا الموضوع

الشرارة الأولى للفتنة إشتعلت في الكوفة .. كان الوالي سعيد بن العاص الذي عينه عثمان ينادم الناس ذات مساء فقل لهم (( إن العراق بستان لقريش )) فعمت الفوضى في مجلسه , بدأت بالإعتراض ثم الصياح .. وانتهت بضرب الوالي ومدير شرطته من قبل مجموعة يقف على رأسها مالك الأشتر الذي كان يعد واحدا من زعماء الفقراء , وكان مالك الأشتر ناقماً على الوضع بسبب الحالة الإقتصادية السيئة وبسبب تفضيله لعلي بن أبي طالب خليفة للمسلمين بدلاً عن عثمان

حين كتب الوالي الى الخليفة يخبره بالواقعة , كان عثمان بمنتهى القسوة , فقد أمر بنفي هؤلاء الناس من الكوفة الى الشام ليؤدبهم معاوية بنفسه , تم أخذهم الى الشام سيراً على الأقدام لذلك كانت رحلتهم عسيرة جداً , إستقبلهم معاوية بشيء من اليسر في البداية , لكنه حين تكلم معهم بعد ذلك وعرف منهم سبب ثورتهم على سعيد بن العاص , عنفهم أشد التعنيف وذكرهم بأن العرب ولا شيء من دون قريش وأن قريش ما دامت قد أختصت بالنبوة والزعامة , فهي تملك أن تأمر او تنهى في كل شيء

حين عم التذمر بين هؤلاء كتب معاويه الى عثمان , فما كان من عثمان إلا أن يأمر بنفي الجماعة الى فلسطين .. وأن يرسل له كبيرهم مالك الأشتر الى المدينة , والخليفة لم يكن إلا رجلاً تاجراً يعتقد أن أعقد المشاكل يمكن أن تحل بالمال , وعلى قدر ما بذل لإرضاء مالك الأشتر عندما إلتقى به على قدر ما أسكته .. لكنه لم يرضه , ثم أعاده الى الكوفة

أبو ذر الغفاري واحد آخر من الذين يمكن أن نطلق عليهم تسمية ( زعيم الفقراء ) وكان يعيش في المدينة وواحد من أصدقاء علي بن أبي طالب المقربين . حين بدأ عثمان يمنح المال للولاة والعمال .. ثار أبو ذر الغفاري على ذلك وبدأ يتكلم في العلن ضد عثمان , فما كان من الخليفة إلا أن نفاه الى الشام عند معاوية , وفي الشام جادله معاويه وحاول إسكاته بأية وسيلة

هرباً من وجه معاويه إلتحق إبو ذر الغفاري بالحملة الذاهبة لفتح جزيرة قبرص , وفي قبرص شاهد بأم عينه ما يفعله الجنود المسلمون من حرق وقتل وسرقة وإغتصاب بحق الديار الأمنة المفتوحة وتحت راية نشر الإسلام , حين عاد الى الشام صار يصرخ بأعلى صوته ضد الفتوحات أنها رحلات للتسليب وليس لنشر كلمة الله .. وينتقد الخليفة عثمان وواليه على الشام معاويه .. وخلال هذه الفترة كان عبد الله بن سبأ يعيش في الشام ويزيد من تحريض إبي ذر ضد الأوضاع

كتب معاويه الى الخليفة بكل ذلك فجاءه الأمر بنفي أبي ذر الغفاري الى الربذة في فلسطين فقام معاوية بإرساله الى هناك وطرد عبد الله بن سبأ من الشام

أتفق تماماً مع رأي الدكتور سيار الجميل في أهمية أن لا يكتب في التاريخ من غير المتخصصين فيه لأن للكتابة في التاريخ آلياتها التي لا يتقنها غير المتخصصين , فصحيح أن الحلاق يستطيع أن يقلع لك ضرساً لكن طبيب الأسنان المتخصص قد يكتفي بحشوه لك لتخليصك من الألم , وأضيف على ذلك بأن علم التاريخ لوحده لم يعد كافياً للمؤرخ للكتابه بل عليه أن يشرك علوماً اخرى مع علم التاريخ للبحث والكتابة حول واقعة ما .

مع هذا نجد في العراق الكثيرين ممن إنبروا للكتابة التاريخية وهم من غير المتخصصين فيها , هادي العلوي مثلاً لا يمكن بحال أن يتجاوز تعليمه مرحلة الدراسة المتوسطة أو الثانويه على أكثر تقدير , قضى سنوات طويلة من حياته يعمل منضد حروف في إحدى المطابع وفجأة أصبح يكتب في التاريخ

عزيز سيد جاسم كان معلماً ماركسياُ وفي غفلة من الزمان أصبح منظراً للبعثيين وعلا نجمه منذ أيام التأميم الى أن نشر من بيروت كتاب ( علي سيف الحق ) الذي تبناه حزب الله اللبناني وحركة أمل اللبنانية الشيعية اللذان يعاديهما بعث العراق بكل ما أوتي من قوة , فكان الكتاب فاتحة شؤم على عزيز السيد جاسم وشقيقه الدكتور محسن الموسوي , مع أن الكتاب لايحوي شيئاً ولم يأت بجديد

هذا الحال في العراق لم يكن نسيج وحده , فقد سبقنا المصريون الى ذلك بزمن طويل , فعباس محمود العقاد لم يكن إلا خريج مدرسة إبتدائية .. لكنه مارس الكتابة في التاريخ , المازني لم يكن أكثر من معلم , لكنه كتب في التاريخ أيضاً

على أن أسوأ من كتب في التاريخ .. كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين … فهو في كتابه ( الفتنة الكبرى ) بجزأيه : ( عثمان بن عفان ) و ( علي وبنوه ) كان قد إرتكب حماقات شتى تراوحت بين : تأويل ساذج , وتجزئة للحقيقة لطمس وقعها , وإخفاء بعض التفاصيل عن عمد , وطه حسين لم يفعل كل ذلك إلا لسببين : الأول : كتابة تاريخ يرضي الجميع . والثاني : لأن طه حسين لم يكن باحثا تاريخياً ولا يملك الوسيلة التي يبرر بها بعض ما يقع , خصوصاً وهو يحاول أن يكتب عن تاريخ الإسلام صورة مشرقة وردية قل نظيرها

اذا عدنا الى كتاب ( الأديان والمذاهب بالعراق ) للدكتور رشيد الخيون فسنجد أن الدكتور المؤلف ينفي حقيقة وجود شخصية عبد الله بن سبأ رغم ورود الحديث عنها في العديد من كتب التاريخ والتراث , وأنا حقيقة لا أعتد بهذا الكتاب كثيراً ولا أقيمه بأكثر من أنه حشد من المعلومات كتبت على عجالة ويفتقر الى الحياد في أكثر من موضع مع أن حياد المؤرخ وذكره للحقائق كما هي واحد من أهم شروط الكتابة التاريخية الرصينة

مقابل ذلك اذا ذهبنا الى طه حسين في ( الفتنة الكبرى _ علي وبنوه ) سنجده يعترف بوجود عبد الله بن سبأ لكنه يقلل من شأنه ويسميه في أكثر من موضع باليهودي وإبن السوداء , ولست أدري ما يضير بن سبأ من يهوديته بعد أن أعلن إسلامه في مجتمع كان ناسه الى ما قبل سنوات من عبدة الأوثان !!؟؟

ولست أدري كيف أجاز طه حسين لنفسه وهو يكتب في التاريخ أن يعير رجلاً بتسميته بأبن السوداء ؟ أفلو كانت أمه عمياء .. فهل كان طه حسين سيسميه بإبن العمياء ؟

على أن أخطر ما قام به طه حسين فهو إنكار وجود أتباع لبن سبأ الذين تحدثت عنهم كتب التاريخ وأطلقت عليهم تسمية السبأية , فصحيح أن الطبري كتب عن تاريخ دولة الإسلام بعد حوالي قرنين من سقوطها .. لكن الطبري كان رجلاً حصيفاً لأنه ميز بين عامة شيعة علي .. وبين المندسين بينهم من السبأية الذين سيكونون مصدر الفتنة ورأس الخراب

من هو عبد الله بن سبأ ؟ هو رجل يهودي من اليمن ورغم أنه كان يعاني من تردي أوضاع هذه الدولة فقد كان فيها مواطناً من أهل الذمة , بمعنى مواطن من الدرجة الثانية , لذلك أخذ على عاتقه مهمة ضرب رجال هذه الدولة واحدهم بالآخر حتى يأذن الله امراً كان مفعولاً , لذلك إعتنق الإسلام في زمن عثمان وتشيع لعلي بن أبي طالب تشيعاً أعمى وإرتحل الى البصرة يبغي أن يندس بين أنصار علي فيها ليشكل منهم نعرة تقوم بوجه عثمان بن عفان , لكنه ما أن وصل البصرة وبدأ يتحدث للناس حتى شعر به والي البصرة فطرده منها

حين وصل الكوفة سرعان ما تم طرده منها أيضا فلم يتمكن من التعرف على مالك الأشتر لأن الأشتر كان منفياً الى الشام أيامها . عند طرد إبن سبأ من الكوفة توجه الى الشام وتعرف على أبي ذر الغفاري حتى قيل أنه كان يلقن أبا ذر الكثير من العبارات التي يعترض بها على عثمان ومعاوية . شعر به معاوية فطرده من الشام , فغادرها ذاهبا ً الى مصر

منذ خروج عبد الله بن سبأ من اليمن , كان قد ربط نفسه بشبكة من المراسلين وكذلك فعل في البصرة والكوفة والشام , وحين وصل الى مصر كانت رسائله تصل الى كل تلك الأصقاع لتعلم أتباعه كيف عليهم أن يتحركون . ومنذ عهد عثمان أصبح عبد الله بن سبأ يحدث المصريين _ مسلمين وأقباط عن ألوهية علي بن أبي طالب , وأنه هو الله الذي نزل الى الأرض بصورة بشر وأنه هو الله الذي إذا أراد أن يغير أوضاعهم السيئة فما عليه غير أن يقول للشيء كن فيكون

معاوية بن ابي سفيان كان قد زرع ابن خاله محمد بن حذيفة في مصر لإشاعة القلاقل لعل الخليفة عثمان يأمر بأن تدخل مصر تحت حكم معاوية كما حصل في مرات سابقة حين تثور القلاقل في مدن الشام التي ضمت جميعا الى حكم معاوية , وفي مصر إلتقى به عبد الله بن سبأ , والتقى بن سبأ في مصر بمحمد ابن أبو بكر الذي سيكون أول شخص يطعن عثمان بن عفان عند قتله

كذب طه حسين بأمر محمد بن أبي بكر فقال بأن سبب خلافه مع عثمان بن عفان كان رغبته في أن يصبح والياً وهذا كل ما عرفناه عن محمد بن أبي بكر في ( الفتنة الكبرى _ عثمان بن عفان ) أما في الجزء الثاني ( الفتنة الكبرى _ علي وبنوه ) فقد أوجز طه حسين الحقيقة متعمداً ليخفف من وقعها حين ذكر بأن علي بن أبي طالب كان ربيباً لمحمد بن أبي بكر (( لأن أسماء بنت عميس أم محمد كانت عند علي فقد تزوجها بعد وفاة أبي بكر )) . يتعمد طه حسين الكلام بهذه الطريقة لأنه يريد التقليل من شأن العلاقة بين محمد بن أبي بكر وعمه علي بن أبي طالب لأنه لا يعرف كيف يعلل الحدث أما الحقيقة فقد كانت شيئاً آخر

أسماء بنت عميس كانت متزوجة من جعفر بن أبي طالب ( الطيار ) وأنجبت منه أولادها ( عبد الله ومحمد وعون ) حين إستشهد جعفر الطيار تزوجت من ابي بكر الصديق وأنجبت منه إبنها ( محمد ) وحين توفي أبو بكر الصديق أراد حموها علي أن يضمها واولادها تحت رعايته فتزوجها وأنجب منها أولاده ( عون ويحيى ) وتربى جميع هؤلاء الأطفال بين أسماء وعلي .. لا ينظرون جميعاً الى علي إلا على أنه والد لهم جميعاً .. لهذا سنرى حتى عائشة بنت أبي بكر ستصرخ بوجه أخيها محمد في يوم موقعة الجمل قائلة له : أنت ابن علي بن ابي طالب

حين كثرت لقاءات عبد الله بن سبأ بمحمد إبن حذيفة , ومحمد بن أبي بكر , وزيادة تحريضهم للناس وصلت أخبارهم الى عثمان بن عفان , فأرسل عمار بن ياسر ( زعيم ثالث من زعماء الفقراء ) الى مصر لتقصي الحقائق , وكان عمار بن ياسر واحداً من أنصار علي ومن أشد المعترضين على سياسة عثمان , ما أن وصل الى مصر حتى إنضم الى الجماعة وأصبح واحداً منهم

كنا قد تركنا مالك الأشتر في الكوفة بعد أن أعاده عثمان إليها , لكن الكوفة ثارت على الوالي الذي عينه عثمان وطالبت بتغييره , فخاف مالك الأشتر أن يتهم بأنه هو من نظم هذا العصيان فهرب الى مصر , وصار واحداً من جماعة عبد الله بن سبأ

ذات إجتماع في أحد الدور حاصرت الشرطة الجماعة وألقت القبض عليهم , لكن أنصارهم هاجموا الشرطة وفكوا وثاق قادتهم ثم إنطلقوا الى دار الوالي , خلعوه عن الحكم وأجلسوا مكانه محمد إبن حذيفة , ثم توجهوا بأجمعهم الى المدينة قاصدين الخليفة شخصياً تسبقهم الرسائل والرسل الى الكوفة والبصرة لدعوة أهلها للثورة على الخليفة

بقي دار الخليفة محاصراً الى أن وصلنا الى يوم أن تسلقت الجماعة على شجرة خوخ ملاصقة لدار عثمان ونطّت من فوق السور الى داخل البيت ويروي الطبري في الجزء الثاني من كتاب ( تاريخ الأمم والملوك ) أن محمد بن أبي بكر كان أول من طعن عثمان في جبهته بواسطة ( مِشْقَص ) فسال الدم غزيرا على لحيته , وهبّت عليه الجماعة طعناً حتى لم يبق في قميصه مكان لمطعن

ما هو ( المِشْقَص ) ؟ المشقص نصل عريض طويل له إستعمالات شتى , يستعمل في القتال كأداة للطعن ويستعمل في سائر الوقت كسيخ للشوي , ولهذا فواحدة من تسميات الجزار أو القصاب هي : المُشَقِص لأنه بعد أن يذبح الشاة ويسلخها ويفرغ بطنها من الأحشاء يقوم بتشقيصها إي ربطها بالمشقص إستعداداً لتعليقها على مسندين لشويها .. ولهذا السبب فحين ظفر بنو امية بمحمد إبن أبي بكر بعد سنوات .. قاموا بتوثيقه على مشقص بواسطة جلد حمار .. ثم شووه

بقي المسلمون بعد مقتل عثمان حوالي أسبوع دون خليفة يسير أمورهم , فيما قام الثائرون بإعطاء بيعتهم الى علي بن أبي طالب . الحسن بن علي كان رجلاً حكيماً فقد نصح والده أن يعتزل الأمر حتى يتبين الناس حقيقة هؤلاء الثائرين , عندها قال علي للثائرين أنه لا يقبل بيعتهم إلا أذا قبلها الناس .. فبايعت الناس علياً خوفاً من الثائرين . وهكذا تسلم علي بن أبي طالب حكم دولة ساقطة أصلاً يتجلى سقوطها في عدم الطاعة والفوضى التي يسببها المحسوبون عليه قبل أعدائه , فهاهم المحسوبون عليه ينجحون في إشعال حرب الجمل بعد أن تمكن الخليفة بحكمته من التفاهم مع طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام على حل خلافهم ودياً

وبعد معركة الجمل أفسد عليه أصحابه رأيه فلا يدري ما يفعل , كان واحداً من الأسباب التي أخذت على عثمان بن عفان سبباً لقتله أنه عين الولاة من أقاربه وأسرته , حين عين الخليفة علي أولاد عمه العباس ولاة جدد .. ثار عليه قائده مالك الأشتر قائلاً له (( فيم قتلنا الشيخ إذن ؟ عبد الله على البصرة وعبيد الله على اليمن وقثم على مكة وكلهم من بني العباس )) ثم غضب ورحل عن البصرة فأمر علي بالرحيل وراءه مخافة أن يحدث إنشقاقاً أو عصياناً في الكوفة

الإنشقاق الخطير الآخر الذي قام به أتباعه كان عند مسألة التحكيم التي تمت فبركتها من قبل معاوية وجماعته قبيل نهاية معركة صفين مما دفع عدداً كبيراً من مقاتليه الى التوقف عن القتال ثم الإنشقاق عليه وتمت تسميتهم بالخوارج حيث أضطر الخليفة الى قتالهم في معركة النهروان سنة 39 هجرية

في شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة يندفع الخارجي عبد الرحمن بن ملجم فيضرب بسيفه خليفة المسلمين علي بن أبي طالب في رأسه , إنتقاماً لقتلاه في النهروان , وهكذا يستشهد خليفة المسلمين علي , كما إستشهد قبله خليفة المسلمين عثمان , مطعوناً في رأسه , وربما في نفس النقطة على الجبهة .. فإذا كانت الأيام دول بين الناس … فعلام يقاتل المسلمون بعضهم البعض اليوم .. بسبب خطى كتبت على سلفهم الصالح … ومن كتبت عليهم خطى … مَشَوْها !!!!!؟؟؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 11 Comments