حلبة واحدة تجمع المتصارعين في ايران

hassantawalbaسبق ان قلنا في مقالة سابقة ان الانتخابات الايرانية ليست الا مسرحية لاظهار النظام بمظهر ديمقراطي مزيف , والاحرار يعرفون مقدار زيف تلك الانتخابات , وما ظهر فيها من صراع بين ما سموا بالاصلاحيين والمتطرفين ليس الا صراع على السلطة وبذات النهج الدموي التصفوي الاقصائي الارهابي , فالاصلاحيون الذين يمثلهم حسن روحاني يهوى العنف مثل خاامينئي وزيادة اذ تم في زمن حكمه اكثر من الفي حالة اعدام لمواطنين ابرياء .
وعلى هذا الاساس استنكر البرلمانيون الاوروبيون تلك المسرحية المفضوحة . مسرحة الانتخابات اللا ديمقراطية في إيران وشددوا على انه لا معنى للانتخابات في نظام دكتاتوري ينهج نهج المذهبية القاتلة . ويجب ان لا ينخدع الغرب بهذه المسرحيات المتكررة المجربة لانه لا يوجد هناك معتدل في هذا النظام بل كلهم قتلة ويسيرون على نهج القمع والتمييز الديني والعرقي والتدخل وتأجيج الحروب في المنطقة وفي العالم .
وقالت السيدة رجوي حول مسرحية الانتخابات في النظام الإيراني انها انتخابات جرت بدون وجود معارضة وفي واقع الأمر كانت ساحة منافسة بين مسؤولين معنيين حاليين وسابقين عن التعذيب والاعدام. وأن نتائج الانتخابات لا تغير شيئا في الحياة السياسية والاقتصادية للمواطن الإيراني وأن هذا النظام لا سبيل له نحو الاعتدال والانفتاح. فكافة زمره مشتركون في أعمال القمع وتصدير الإرهاب والنهب. رفسنجاني الرئيس السابق للنظام وأعضاء حكومته مازالوا مطلوبين من قبل القضاء الألماني والسويسري والارجنتيني بسبب الجرائم الإرهابية خارج إيران. كما ان حصيلة عهد روحاني خلال عامين ونصف العام هي 2300 حالة اعدام وتصعيد الحرب لابادة الشعب السوري. خامنئي وبالاعتماد على قوات الحرس لن ينفض يده من السلطة وأن أي تغيير في هذا النظام سيصيب النظام برمته ويصيبه بشلل أكثر وبالنتيجة ينتهي به المطاف إلى السقوط.
وفي اطار المسرحية ذاتها انتقدت قيادة الحرس الثوري الايراني تلك الانتخابات , بدعوى ان فوز الاصلاحيين في تلك الانتخابات الاحادية الجانب , هو للاقتراب من الغرب , وكأن روحاني تصرف في موضوع الملف النووي بمعزل عن رأي ومشورة الخامينئي , بل بتوجيه منه مباشرة . وقد اصدرت قيادة الحرس بيانا في هذا الشان جاء فيه :
” وخدمة لشهواتهم الدنيوية، فضلوا التصالح مع الغرب، وأصبحوا أسرى لفتنة العافية التي يطرحها الانجليز، وقالوا لبيك للمشروع القذر الذي أطلقه الاستعمار المتمثل بقناة بي بي سي.. لذا تمثلت النتيجة (نتيجة الانتخابات) في وصول العديد من الشخصيات المتبنية للنفوذ الغربي إلى المجلسين (الشورى والخبراء). عمّار (بتشديد العين) الثورة الإسلامية آية الله مصباح يزدي والكثير من النواب الملتزمين بخط حزب الله تم نحرهم في الانتخابات بموسى رأي الأكثرية غير المتبصرة.. وعلى الرأي العام أن يكون مستعدا، لأن الفتنة الكبرى في طريقها إلينا.

واضاف البيان سوف ستستغلنا الفتنة الكبرى كظلمة الليل لتهيمن على الشعب وعليه ان يتهيئأ الى العبور من الفتنة الكبرى وحفظ مكانة ولاية الفقيه، هو الطريق الوحيد للوصول إلى الإمام المهدي (عج). لكن اعلموا يا أهالي طهران بأنكم ستذوقون عاجلا مر الأكل الإنجليزي.
و يذكّر هذا البيان الذي أصدره الحرس الثوري بالبيان الإنقلابي الذي أصدره الحرس الثوري الإيراني الذي هدد فيه قائدهم يحيى رحيم صفوي الرئيس محمد خاتمي،في أبريل من عام 1998، بقطع رأسه إذا ما استمر في تهديد النظام الإيراني بسياساته. ثم، في 1999، وقَّع عدد من قادة الحرس الثوري رسالة للرئيس خاتمي يهددونه بالانقلاب إذا لم يقمع المتظاهرين الذين يتظاهرون ضد الرقابة في إيران فورًا.
مثل هذا التحذير يعد بمثابة انذار او بيان انقلابي ضد الاصلاحيين , لكن قيادة الحرس وكتائبها مشغولة في حروب خارجية لزعزعة الامن الاقليمي والعالمي . وقد ساعد الافراج عن الاموال الايرانية المحجوزة في البنوك الاوروبية نظام الملالي وخاصة الحرس على شراء مزيد من الاسلحة والذخائر لدعم نظام بشار الاسد , والتغلغل في العراق لمزيد من الفتنة والقتل على الهوية الطائفية .

Posted in فكر حر | Leave a comment

الــزكــــام (ومراجعة نقدية للقصة للدكتور افنان القاسم)

nabilaudehقصة: نبيــل عــودة
جو الدراسة الجامعية أسعدها. لم تتوقع أن تجد نفسها في مثل هذا الجو من العلاقات الدراسية. الآن بدأت تشعر أنها انتقلت حقا من جيل لا يملك حق القرار لنفسه إلى جيل مسئول عن نفسه. ما حملته من تنبيهات أمها وجدتها عن خطر الاحتكاك مع الشباب، يبدو لها الآن، وبعد اقل من شهر على بدء الدراسة، مقطعا من مسرحية كوميدية، أو من عالم لم يعد له وجود إلا في مخيلات جداتنا. في البداية شعرت بالخوف وبعض الرهبة. شعرت بضعفها، عقلها الواعي أعطاها القوة النفسية لتهزم مخاوفها وتضع حدا لحالة الضعف التي اعترتها في الأيام الأولى. الجو الجامعي المليء بحركة الحياة والحوار التعليمي بين الطلاب، والنقاش السياسي وحول قضايا المجتمع والعادات، أخرجها من العالم ألبيتي الضيق المحصور بين واجبات محددة سلفا، إلى عالم واسع الآفاق حدوده السماء.
كانت، بينها وبين نفسها، تتشوق لعلاقة صداقة خاصة وتتمناها، من ناحية تشعر أن جميع زملاء الصف هم بمثابة أصدقاء، لكن هناك فرق بين صداقة خاصة تربطها بأحلام وأماني مشتركة مع زميل وبين صداقة عامة بحكم الزمالة والتعاون الدراسي. ما يخيفها أن يكون خيارها متسرعا مدفوعة برغبة متأصلة في كل امرأة، فتندم حين لا ينفع الندم وقد يتناثر حلمها الكبير في مواصلة الدراسة الجامعية.
حتى في الحافلة تحايدت الجلوس إلى جانب شاب. لم تجد تفسيرا لتصرفها. دائما تختار زميلة لتجلس بجانبها، ليس خوفا، هي نفسها لا تعرف تعليل تصرفها. في الجامعة داخل غرف المحاضرات والكافيتيريا والمكتبة تتحدث بطلاقة وبدون وجل. عندما تصعد الحافلة تشعر ان العيون تراقبها. لا تعرف مصدر هذا الشعور. هل هي التربية المحافظة تؤثر على تصرفاتها ؟ لا تعرف جوابا رغم ثقتها أن المنطق هو التعامل مع زملائها ندا لند.
شخصيتها، مستوى حديثها، ثقافتها من القراءات الكثيرة التي كانت تلتهمها أثناء دراستها الثانوية، أضفت على شخصيتها وقدراتها التعبيرية واتساع معارفها جاذبية شدت إليها زملاء الدراسة، الطلاب والطالبات على حد سواء. كانت مشاعرها تدغدغها بأحاسيس تبعث الثقة في نفسها أنها فتاة مرغوبة لجمالها وعقلها. أن تكون مرغوبة فيه الكثير مما يشبع غرورها.
في السنة الثانية وجدت نفسها، بدون أن تعرف كيف جرى ذلك، تتواصل فكريا مع زميل لها في موضوع الأدب، ثم في موضوع الفلسفة، شعرت انه صاحب تفكير مبدع، قارئ واسع الاطلاع لا يقل بمعارفه عن معارفها، هذا الجانب سحرها. ربما جاذبيته تكمن في معلوماته واتساع آفاقه الثقافية. لا يقل عنها معرفة وإدراكا، يبدو انه أحس بنفس الشعور، كان ممتد القامة تبدو رجولته المبكرة بارزة بقوة، خاصة بصوته الذي يميل للخشونة.
كانت فتاة قمحية اللون، تتميز بشرتها بصفاء نادر، ووجه يشد النظر بغمازتيه، وقامة ما دون الامتلاء.. وشعر أسود حريري رغم أنها تضبطه، بربطه كتلة واحدة وتمنعه من التحرر فوق كتفيها ليتلاعب مع نسمات الهواء. ربما ليست جميلة بشكل خاص، لكنها مريحة بوجهها وقسماتها للناظر. قدراتها التعبيرية عن آرائها وقدرتها على فهم المواضيع بسهولة نسبية، وشرح النقاط الصعبة لبعض الطلاب والطالبات، هو ما جعلها أكثر أهمية من جمالها الوديع والهادئ.
زميلها لم يكن شابا مندفعا. كانت تلتقي بعينيه تلاحقانها، حين تصدمه بالنظر إلى عينيه يبتسم لها متورد الوجه ويحني رأسه احتراما. هل هو خجول إلى هذا الحد؟ كثيرا ما شعرت باليأس منه وسالت نفسها: ما الذي يشدني إليه؟ ما سبب صمته عن الخوض في حديث تتوقعه كلما تبادلا الحديث؟ ربما شدة خجله؟ ملاحقتها بنظراته هل تقول شيئا أم هي صدفة فقط لا غير؟ وهل الصدف تتكرر بمتواليات رياضية؟
بينها وبين نفسها اعترفت انه اخترق قلبها بقوة. بل باتت تخاف عليه من زميلة ما قد تكون أجرأ منها. لكنه يبدو قانعا بحبها من بعيد.. هل هذا ما ترغب به؟
لم تكن تملك إجابة واضحة. أفكار مختلفة متضاربة تصطرع في رأسها. فيها الرغبة وفيها الحذر وقد أشغل فكرها ومشاعرها بشكل لم يسبق لها مواجهته في السابق.
لماذا لا تقطع الطريق وتتحدث معه الند للند حول مواضيع غير مواضيع الدراسة؟ عن الأماني الشخصية مثلا؟ عن المستقبل كما يفكران به؟ أن تبني بينها وبينه صداقة مميزة بين طالبين زميلين؟ ترى هل سيتجاوب؟ ماذا سيقول لنفسه عنها إذا تجرأت وبدأت معه في حديث ذا شجون؟ هل سيصنفها بخانة سلبية؟ أم يعطيه ذلك دفعة من الجرأة ليفصح عن مشاعره؟ وما الضمان أن لا تجد نفسها اقرب إلى علاقة حميمة معه؟ تتمناها ولكنها تعرف أن عقلها سيردها، ربما خوفا، وربما؟.. هل تكون الغرائز أقوى من العقل؟!
مضت نصف سنة وهذه الحال لا تتغير ولولا ضغط الدروس لوجدت نفسها في قلق وتشتت عاطفي لم يسبق لها مواجهته. كانت أروع دقائق حياتها الفترة بين الاستراحات، فترة الحوار المفتوح معه حول مواضيع الدراسة والثقافة عامة. كان يجب أن يشعر بما يدفعها لحواره والحديث معه دون أن تغير نهجها بحوار زميل أو زميلة غيره وذلك منذ شدهما لبعض أول حديث.
كان واضحا لكل الطلاب أن ما يجمعهما معا هي علاقة خاصة، لذلك نادرا ما اخترق الحوار بينهما طالب آخر. لاحظت بوضوح انه يبحث عنها بين الاستراحات ليتحدث معها، مبتعدا عن الجميع. ما باله لا يعبر عن مشاعره نحوها؟ هل في ظنه أن خصوصية ما بينهما تكفي للتعبير عما تتمنى أن تسمعه بكلمات مباشرة؟
من ناحية شخصية، بهرها بسعة اطلاعه على التراث العربي وخاصة عن الحب العذري عند العرب. ترى هل بات متأثرا بهذا الحب لدرجة تجعله لا يفهم ما يعتريها من مشاعر؟ لا يحس بالدفء الخاص في حديثها معه؟ لا يستوعب نداء العيون؟ لا يعبق أنفه برائحة الصبا المتفتح مثل زهور الربيع ؟ هل الحب العذري يجعل الإنسان جلمودا بلا أحاسيس؟! ماذا يضير الحب العذري إذا أضيف له اعتراف صغير بان قلبه يخفق كلما التقى بها؟
تبحث بين كلماته عن تلميح ما يخصها، لكنه لا يلمح بشيء بل يواصل النظر إلى وجهها بوداعة تشعرها بالألم حين تضع رأسها على الوسادة ليلا. حتى لمسة يده ليدها تشتهيها.
أحيانا تخاف من الاختلاء به بدون زميلاتها وزملائها، رغم انها تتمنى أن تكون لوحدها معه، في البداية كانت تصر على مرافقة زميلة أو زميلتين، لكن لكل واحده عالمها وأحلامها.. وربما مواضيع الحوار بينهما لا يعني زملاء الدراسة بنفس القدر الذي يشدهما. أو هو تصرف زمالة إنساني بإعطاء الفرصة لعاشقين للتعبير عن نفسيهما بدون حضور غير مرغوب فيه وعلى الأغلب كانا يتحاوران لوحدهما. كم هو جاد في حواره لدرجة تشعرها برغبة بالبكاء. كانت تتمنى أن يفاتحها بإعجابه.. لا تريد أن تقول، أن يفاتحها بحبه، لكنها لا تعرف تعبيرا أقرب لحقيقة ما يعتريها… وربما يعتريه، لكنه يكتفي بابتسامات خجولة تخترق قلبها وتزيد هواجسها. في الحقيقة كانت الأوقات التي تقضيها بقربه هي أجمل ما في أيامها منذ وصولها للجامعة.
في الفترة الأخيرة بدأ يتقرب منها ويحادثها عن نفسه وعن أهل بيته وهذا طمأنها. شعرت أنها مقدمة لحديث ذو شجون ولكنه لم يتجاوز الرسميات. إذا كان هذا هو التطبيق العملي للحب العذري فليسقط هذا الحب قبل أن يصرعها. لا تعرف سببا يمكن تحديده لرغبتها بأن تكون بقربه دائما. صارت، دون أن تدري، تفضل لقائه وحيدة وبعيدا أكثر ما يمكن عن عيون زملاء الدراسة، لعل الجو المليء بنظرات الزملاء، وربما توقعاتهم أن ما بينهما ليس مجرد حديث دراسي، بل حب ملتهب جعلهما يميلان للابتعاد إلى أكثر الزوايا فراغا وهدوءا من النظرات. يتحدثان عن مواضيع الدراسة،عن الثقافة،عن التراث، عندما يطرقان موضوع الحب العذري يتحدث بتدفق ودون توقف.. لدرجها تشعرها برغبة في أن تقول له ليذهب هو وحب العرب العذري إلى الجحيم.
هل شوه الحب العذري نفسيته ورجولته؟! أم هي عقيدة دينية جديدة؟!
كانت تحدثه عن آخر قراءاتها الروائية، تشدد الحديث عن لحظات الغرام بين أبطال الرواية وقدرة الكاتب على توصيف لحظات الحب. قصدت أن يكون حديثها مليء بالتمثيل والدعوات الصريحة له إلى الإقدام.. كان إحساسها أن اللقاء بينهما تشارك فيه رغبتين متحفزتين، ترى من يجرؤ أن يكون السابق في الاعتراف بما يعتمل في نفسه؟ تفكيرها يقول لها أن البادئ يجب أن يكون الشاب، وتطمئن نفسها أن طهارة نفسه، أوهامه العذرية، هي المانع، لكنها لا تعشق هذه الطهارة وتتمناه جريئا مقداما وتثق انه سيعبر هذه المرحلة… إنما متى؟ وكيف تدفعه إلى ذلك؟
في درس عن التراث العربي تطرق المحاضر لموضوع الحب العذري عند العرب، اتسع الحديث حول مفاهيم الحب المختلفة، تحدثت هي مطولا مستعرضة الكثير من قصص الحب العذري عند العرب، كما حفظتها منه، فاجأت الطلاب بسعة اطلاعها، كانت عيناها اثناء الحديث لا تفارقان عينيه، كأنها تقول له هذه حالنا أيضا، أليس كذلك ؟ ألا تفكر بما هو مختلف؟
بعدها، تحدثت طالبة عن الحب وكيف صار في أيامنا مبتذلا. قالت أن الذكور حطموا مفاهيم الحب الإنساني بمبالغتهم وفهمهم أن الحب مجرد ممارسة جنسية. أن الحب العذري مقدمة لحب حقيقي،إنساني وعدا ذلك لا قيمة له. قد ينفع الشعراء ولكنه لا ينفع الإنسان.
زميلها الذي ترتجف له شغاف قلبها طلب حق الكلام. شعرت وكأنه سيرد عليها، لأن نظراته هو الآخر لم تفارق عينيها.
قال أن المشكلة قد تكون ذكورية مجتمعنا الشرقي، الذي يعتبر المرأة حالة جنسية فقط وينفي عنها عقلها. أن الحب العذري يسمو بالمرأة إلى السماء. أرادت أن تقاطعه صارخة أن ما يهمها الواقع على الأرض ولكنها أمسكت نفسها في اللحظة الأخيرة.
تابع يقول: الحقيقة أن المجتمعات المنفتحة الليبرالية تعاني أقل من مجتمعاتنا من الانحرافات الجنسية، رغم انها لا تعرف الحب العذري، ورغم فهمنا المغلوط أنها إباحية… ان الموضوع يتعلق بإعطاء المرأة مكانة متساوية للرجل.
هذا المقطع أعجبها.
وواصل القول بحماس: أن مشكلتنا نحن الشرقيين، إننا نفهم الحب كسيطرة للرجل. هذا ليس حبا إطلاقا. هذه صفقة شراء، الجانب المغموط الحق فيه هي المرأة. الرجل يبيعها وهما. هذا ما يشكل قضية اجتماعية وإنسانية حارقة. إن أجمل حب هو حب لا يميز بين الجانبين بسبب اختلاف الجنس.
ثم استفاض بالحديث عن مفاهيم الحب العذري، بشكل جعل حتى المحاضر ينصت بلا مقاطعة أو إضافة ملاحظات، بل جلس مشدوها وكأنه طالب أمام أستاذه البارع.
سرها عرضه وكأنه يشرح لها مفاهيمه عن العشق وعن رؤيته لمكانة المرأة. كانت على قناعة أن الحب العذري ينمي إنسانية الشخص والويل إذا صار نوعا من العبادة.
قال مواصلا بعد إن توقف لبرهة قصيرة: سأحدثكم بطرفة جنسية، رغم إني سألقى نقدا من البعض على جرأتي بقصها، هي عن عبثية الحب العذري الذي أعتبره منميا لأجمل ما في الإنسان من خصال أخلاقية..
فاجأها بتعبير عبثية الحب العذري، موقف لم تتوقعه وأسعدها حقا.
قال: خرج عاشقان طالت بينهما سنوات الحب العذري، لرحلة في الطبيعة. بعد ساعة من السير جلسا تحت شجرة وارفة الظلال.. كان الجو شاعريا، سألته:” قل لي يا صديقي كيف يعرف القط أن القطة تريده؟” أجابها:” من رائحتها”.ثم انتقلا إلى تلة مرتفعة تشرف على بساتين خضراء. سألته:” والكلب كيف يعرف أن الكلبة تريده؟” أجاب:” من رائحتها”. وانتقلا إلى ضفة نهر. سألته:” وكيف يعرف الغزال أن غزالته اشتاقت له؟” أجابها:” من رائحتها”. وصلا إلى حديقة زهور، جلسا متجاورين فوق احد البنوك وشاهدا أرنبان بريان يركضان هربا منهما. سألته:”افهم أيضا أن الأرنب يركض وراء الأرنبة بسبب رائحتها؟”. أجاب” “هذا صحيح”. فقالت محتدة: “إلا أنتم معشر الرجال، مصابون بالزكام!!”
ضحكت كما لم تضحك في حياتها، بل الصف كله ارتج من قوة الضحك، تمنت أن تقترب منه وان تضمه إلى صدرها بقوة وأن تبكي، هكذا بلا سبب بين ذراعية وفوق صدره.
مع انتهاء الدرس تعمدت أن تحاذيه. نظرا بعيني بعض طويلا، بادلها ابتسامتها بابتسامة عريضة. كانت متشوقة لكلمة منه لهمسة،لتأوه، ها هي تنظر إليه نظرات ذات معنى ليتجرأ ويبدأ.. كانت مستعدة لكل المخاطر..لم تعد تطيق الصبر، لكنه واصل الابتسام لها، كعادته عندما تفاجئه يلاحقها بنظراته، أراد أن يعبر عنها ويمضي، لمست يده بيدها لمسة لها أكثر من معنى ودلالة، فنظر إليها متيقظا منفعلا، لا تعرف ما اعتراها، وجدت نفسها تسأله همسا وعيناها في عينيه:”هل أنت مصاب بالزكام؟”

____________________
وظائف الكلام في قصة الزكام لنبيل عودة
د. أفنان القاسم
لا أريد أن أنظر إلى طريقة السرد في “الزكام” لنبيل عودة نظرة الناقد التقليدي إلى عناصر الأحداث في تكونها المعروف، مقدمة، فعقدة، فحل: المقدمة توجز تقديم الشخصية الرئيسية في زمان ومكان محددين حياتها شكلها فعلها حلمها، العقدة تتمحور حول علاقتها العاطفية بشخصية رئيسية ثانية بعد نسيج هيكلي كلي عندما تتأزم هذه العلاقة ويبدو المحتمل فيها غير محتمل، الحل يجيء في السطور الأخيرة مفاجئًا وقالبًا لكل معايير النص والواقع… لا أريد إذن أن أنظر إلى الطريقة السردية نظرة كلاسيكية وإنما كنسق يجري عليه التطور البنيوي، والنسق هنا مرتبط بسلوك الشخصيتين الأساسيتين للقصة، وبتصرفهما، وهو ذو حدين تعبيري وانفعالي. تعبيري عندما يصف السارد عالم البطلة الجامعي “جو الدراسة” “الاحتكاك بالشباب” “التواصل فكريًا مع زميل”… إلى آخره، فيذهب بالتطور البنيوي من التعميم “جو الدراسة” إلى الحصر “الاحتكاك بالشباب” ثم إلى التحديد “التواصل فكريًا مع زميل”. انفعالي عندما يحلل السارد نفسية البطلة “مسئوليتها كطالبة” “اكتشاف أن خطر الاحتكاك بالشباب من مخيلة الجدات” “عقلها الواعي يهزم مخاوفها ويضع حدًا لضعفها”… إلى آخره، فيكون الشيء نفسه فيما يخص التطور البنيوي الذاهب من التعميم “مسئولية الشخصية الرئيسية كطالبة” إلى الحصر “اكتشاف أن خطر الاحتكاك بالشباب من مخيلة الجدات” ثم إلى التحديد “عقلها الواعي يهزم مخاوفها ويضع حدًا لضعفها”. السيرورة البنيوية واضحة هنا، وارتباط الوظيفتين التعبيرية والانفعالية كذلك، اعتمادًا من السارد على وظيفة ثالثة مرجعية، لا علاقة لها بالكلام (لغة التعبير ولغة الانفعال) بل بما هو خارج الكلام (عالم الجامعة وأشياؤه) عالم يرجع إليه السارد ندعوه بالسياق، غرف المحاضرات الكافيتيريا المكتبة الحافلة الممرات الحدائق وكذلك الطلاب والأساتذة والزملاء إلى آخره، وهذه كلها إشارات مرجعية لعالم الجامعة، وتأخذ الوظيفة المرجعية أهمية لا تقل عن الوظيفتين التعبيرية والانفعالية عندما يعرض السارد للعالم الفكري وموضوعاته (النقاشات الأدبية والفلسفية حول موضوعات عدة وخاصة موضوعة الحب العذري) وسنرى أن هذه الوظيفة هي التي ستصل بالتطور البنيوي إلى أقصاه، بعد أن يؤشر السياق إليها كمرجعية نصية.
الوظيفة التعبيرية
تبدأ القصة ب “جو الدراسة الجامعية أعجبها”، وفي الحال تتضح للمتلقي حقيقة معارضة لما تدلل عليه هذه العبارة، جو الدراسة الجامعية الذي لا يعجب أحدًا، والذي يفصّله السارد تحت تنبيهات الأم والجدة، وفي الوقت نفسه تتضح للمتلقي طريقتان في التفكير وفي النظر إلى العالم، سرعان ما يقطع السارد بينهما لصالح الشخصية الرئيسية، الطالبة، الطالبة المتحررة، لكنه لا يتوخى السهولة، ويسعى إلى نص ذي قيمة يتعين علينا اكتشافه، فيعتمد طريقة السرد ذاتها كنسق يجري عليه التطور البنيوي، هي الآن طريقة في التعبير تمضي في تطورها من وصف لعالم الجامعة ووصف لما تتشوق إليه الشخصية الرئيسية من علاقة صداقة، كما يقول السارد، إلى وصف خارجي لشخصيتها وجمالها “ليست جميلة بشكل خاص لكنها مريحة بوجهها وقسماتها للناظر” وغلبة علمها وذكائها، ازدواجية ليست ذات أهمية بعد أن تم الحسم في تحرر البطلة، والتركيز على الحب الذي تريده، فالحب هو العنصر البنيوي الأساسي، وكل الوظيفة التعبيرية تدور حوله… ثم يعتمد السارد الطريقة ذاتها في وصفه للزميل، الشخصية الرئيسية الثانية، الذي “اخترق قلبها بقوة”، “جاذبيته تكمن في معلوماته واتساع آفاقه الثقافية”، ومنذ البداية، نعرف أنه “لم يكن شابًا مندفعًا”. هنا أيضًا تتضح للمتلقي طريقتان في رسم شخصية الحبيب المفترض، متزنة كما هي في الواقع، وغير متزنة ولكن بحدود ما يُرْسَمُ لشخصية الحبيب كعاشق كما هي في الخيال، لا يقطع السارد بينهما كما فعل بخصوص العالم التقليدي والعالم المتحرر، وإلا انتهت القصة، ولم يعد يوجد ما يبررها، فيداوم على تقديم الشخصية المتزنة لدرجة تستفز القارئ أكثر من استفزازها للحبيبة المفترضة، وبشكل غير مباشر تدفعه هذه الشخصية ذات التحفيز السردي إلى مواصلة القراءة، فيتحول النسق إلى عنصر للتشويق لدى المتلقي إضافة إلى كونه عنصرًا للتطوير البنيوي، لأن العلاقة بين جمال التلقي والموضوع القصصي –جاكوبسون يقول الموضوع الشعري- تصبح بدءًا من هنا واضحةً تمام الوضوح.
الوظيفة الانفعالية
قلنا عن الانفعالي عندما يحلل السارد نفسية البطلة، أناها، وبطريقة أخرى عندما يخوض غمار لغة الانفعال جنبًا إلى جنب مع لغة التعبير، فتكون للانفعال وظيفة من وظائف الكلام حسب نظرية جاكوبسون، وعاملاً من عوامل الإنتاج اللغوي. في “الزكام” يتكلم السارد عن الشخصية الرئيسية الأولى، يتكلم عنها بلسان الغائب، ولكن كل ما يقوله عن أناها، وفي حالة الشخصية الرئيسية الثانية، الزميل، يتكلم السارد عنه، يتكلم عنه بلسان الغائب، ولكن كل ما يقوله عن أناه، تمامًا كما هو حال الأنا في النص الشعري، أضف إلى ذلك، وليس كما هو حال الأنا في النص الشعري، يعرض السارد لأنا مزدوجة لدى البطلة، إحداهما ذات “تربية محافظة” والأخرى تسعى إلى “علاقة حميمة” بمعنى ليست محافظة، وكما فعل مع عالميها المحافظ والمتحرر يقطع في صالح العلاقة الحميمة مع الشاب، فكل عواطف الفتاة تريد هذا ” قَصَدَتْ أن يكون حديثها مليء بالتمثيل والدعوات الصريحة له إلى الإقدام”، وهي في سلوكها تعمل على تحقيقه على الرغم من هذا السؤال الأساسي الذي دافعه عالمها النفسي “هل تكون الغرائز أقوى من العقل؟!”، في أحاديثها، في مُسَارَّاتها، في أحلامها، في تمرداتها “ليذهب هو وحب العرب العذري إلى الجحيم”، لدرجة يظن “الطلاب أن ما يجمعهما معًا هي علاقة خاصة”. وعلى العكس، يمارس الشاب “عبثية الحب العذري” كما يعترف ذات يوم، على الرغم من “الطهارة” –تقول الفتاة- التي تشكل عالمه النفسي، ونستنبط من أقواله “الساخطة” على ما يدعوه بالمجتمع الذكوري المجتمع المشرقي أنها أقوال، لا شيء غير أقوال، سلبياتها كإيجابياتها، فالسخط يليه التمرد لا الانطواء وقرع أبواب المدينة الفاضلة، وتحت ازدواجية للأنا، إحداهما الأنا-العذرية، نظرات من بعيد، وابتسامات، وخجل غير مبرر، وعرض لمشاكله الشخصية لمجرد العرض لا البوح، البوح لحبيب أو على الأقل لشخص هو أكثر من صديق، فهو “لم يتجاوز الرسميات”، والثانية الأنا-البطريركية، خشونة صوته، تفوقه المعرفي، تفوقه المجتمعي، تفوقه الذاكرتي المتوج بقصة من الذاكرة (الذاكرة الفردية والذاكرة بمعنى التراث كليلة ودمنة ربما الذاكرة الجماعية) عندما يروي قصة فتاة تحب آخر –تشتهيه بكلمة أوضح هذا الحق الإنساني- لا يعرف عن هذا الحب شيئًا بينما يعرف الحيوان -كما يقول- حب أنثاه من شمه لرائحتها، لتقول له حبيبته ما ستقوله للفتى الفتاة المغرمة إذا ما كان مصابًا بالزكام، مع كل الدلالات التي يحمل هذا البوح الفجائي، هذا الانقلاب الفجائي، من مسعى إلى وضع حد للانفصام النفسي، انفصام مضى بالاعتراف غير المباشر ثم بالتأكيد المباشر لوضع “استثنائي” في عالم بطريركي، لن تخرج المرأة المتحررة منه مظفرة، كما تعتقد واهمة، وإنما ستتخلى فيه عن حريتها عندما تغدو “حالة جنسية” أو بعض حريتها في سبيل حبها.
الوظيفة المرجعية
تهيمن الوظيفة المرجعية على النص كمعيار خارج لغوي كما ذكرنا، خارج الكلام، عالم الأشياء أو عالم المراجع أو عالم الشخصيات، وهي الوظيفة الأقل “أدبية” كما يقول الألسني دانيال بريوليه، ولكنها تبقى ذات إشارات لسانية ضرورية تعتمد الدال والمدلول، وتعسفية تعتمد كل النص ومرجعه المادي كما يقول الألسني إيميل بنفينيست. من عالم الأشياء هناك الجامعة كدال والعلم كمدلول، ومن عالم المراجع هناك السياق الدراسي كدال والمفاهيم حين يعرض النص لها من خلال النقاشات حول الحب (نظرة مشرقية أم غير مشرقية، حب عذري أم حب جنسي) كمدلول، ومن عالم الشخصيات هناك عالم المرأة وعالم الرجل كدال وشكلاهما المتحرر والمستبد كمدلول. الازدواجية هنا لا يقطع فيها السارد بل يتركها جوهرًا لكل النص كدال ولإشكاليته كمدلول، الإشكالية كمرجع مادي، وعدم القطع فيها، هذا الإجراء “التعسفي” يعطي للنص زخمه المعنيي، ويعمق من البعد التراجيدي للساخر، إذا أحسنا القول. لهذا توظف كل المرجعيات الخاصة بالخطاب المتمثل بالنقاشات تحت محاور عدة حول موضوعة الحب أولاً بأول في خدمة البعدين الانفعالي والتعبيري، وعرض هذه الموضوعة من كل جوانبها ومن كل الأطراف، وفي العرض تطور بالبنية السردية وبفواعل هذا البنية الذين هم شخصياتها وبأفعال هذه الشخصيات، وستصل هذه المرجعيات بالتطور البنيوي إلى أقصاه: 1- يتطرق المحاضر إلى موضوع الحب العذري عند العرب. 2- يتسع الحديث حول مفاهيم الحب المختلفة. 3- تتحدث الشخصية الأساسية مطولاً مستعرضة الكثير من قصص الحب العذري عند العرب. 4- تفاجئ الطلاب بسعة اطلاعها. 5- تتحدث طالبة عن الحب وكيف صار في أيامنا مبتذلاً. الحب العذري مقدمة لحب حقيقي، إنساني (ضمنيًا العكس هو الصحيح)، وعدا ذلك لا قيمة له. 6- يطلب الحبيب المفترض الكلام، ويذهب في حديث متعرج عن ذكورية المجتمع المشرقي، يقارنه بالمجتمع الغربي (في النص الليبرالي) ودائمًا تحت لواء الحب العذري وبعد أن يؤكد نفي المجتمع المشرقي لعقل المرأة القائم على نفي الحب يطالب بإعطائها حق المساواة مع الرجل كما هو عليه في المجتمع الغربي. 7- يعجب هذا المقطع الحبيبة المفترضة. 8- يواصل الحبيب المفترض مداخلته ضد الحب كسيطرة للرجل ومع الحب العذري. 9- ينصت المحاضر بلا مقاطعة أو إضافة ملاحظات بل يجلس مشدوهًا وكأنه طالب أمام أستاذه البارع. 10- يسر الحبيبة المفترضة عرض حبيبها المفترض، وتعتبر الأمر موجهًا إليها، ويفاجئها بتعبير عبثية الحب العذري. 11- يتوج كلامه بقصة عن العاشقين العذريين وكيف رائحة أنثى الحيوان تغدو أكثر من دال عن الحب بل دعوة ذكر الحيوان إلى ممارسته. 12- يختتم القصة بالجملة القصوى: إلا أنتم معشر الرجال مصابون بالزكام! والكلمة الجوهرية: الزكام، عنوان القصة. 13- يضحك الكل. 14- تتعمد الحبيبة المفترضة التحرش بالحبيب المفترض. 15- أمام التناقض الظاهر بين القول والفعل لديه تطرح عليه السؤال الجوهري “هل أنت مصاب بالزكام؟” نهايةً للسرد، لنلاحظ من هذه الوحدات الدلالية أن التطور البنيوي ذو حدين، تطور مرجعي حدثي (الانتقال من شخصية إلى أخرى)، وتطور مرجعي مفهومي (موضوعة الحب تحت كافة وجوهها وبشكل عام لا الحب العذري فقط)، وأن البعد المرجعي في خدمة البعدين الانفعالي (ردود فعل الأنا) والتعبيري (لغة ردود الفعل) واللذين يحبلان بالفكاهي، بالساخر، متمثلاً بالانقلاب الفجائي، أقصى ما يصل إليه التطوير السردي، المعبر عنه في الجملة الأخيرة التي قالتها الحبيبة لرجلها ليفهم كما تفهم الحيوانات النبيهة أنها تحبه “هل أنت مصاب بالزكام؟” وليبتسم القارئ، فينجح نبيل عودة مرتين، حتى النجاح لديه مزدوج، عندما قدم نصًا خفيفًا في شكله ومضمونه لا يمكن إلا ليد العارف المتمرس كتابته، وعندما أثبت كما هو دأب القصاصين الكبار بلزاك موباسان إدريس كويلو أن في الموضوع والشكل الخفيفين جسامة لا تصدق.
باريس
*مفكر وأديب وأكاديمي متقاعد من السوربون

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

أنطرد اللبنانيين؟!

turkildekhilتركي الدخيل

مشكلة السعودية ليست مع اللبنانيين، بل مع فئةٍ قليلة ارتهنت لإيران، وأعلنت حرباً وعدواناً على دول الخليج، بل على العرب.

تاريخ الود والعيش بين الشعبين لايمكن نسيانه أو اختصاره. الزميل، الدكتور أحمد العرفج كتب مقالةً متطرفة حول هذا الموضوع، عنوانها الصارخ:”ترحيل اللبنانيين، رحمة للعالمين”! صبّ فيها جام غضبه على اللبنانيين من دون تفريق أو تميز، جعل الكل حاملاً جريرة القلّة، وكأن البلد المتنوّع الذي يضم طوائف متعددة، مسؤول بأكمله عن فئةٍ باغية، اختطفت الدولة والأرض!

ربما كان دافع العرفج ما يمارسه بعض الإعلام اللبناني من حديثٍ مبالغ فيه، يصل حد العهر أحيانا، حول مستوى الإسهام بتنمية الدول الخليجية والتعليم، بدليل تذكيره بدورٍ مهم لاغبار عليه للفلسطينيين والسودانيين والأردنيين والمصريين بالتعليم منذ بدايات تأسيسه، معتبراً المجيء اللبناني إلى البلدان تمّ بعد أن استوى على سوقه، ولم يبق إلا “جني الأرباح”!

الخلاف السياسي مع الإرهابيين في لبنان لا يعني ممارسة حال الاستئصال المتطرفة، وممارسة التحقير والإيغال في ردة فعلٍ متعمدة على أطيافٍ لم تناصبنا العداء، بل لم نر منها إلا الخير والمحبة.

الصلابة والحسم في التعامل مع الخارجين على الدولة اللبنانية، إلى حضن إيران وعلى المؤسسات إلى حضن الميليشيا المسلحة، فقط!

لن نتمنى طرد أهلنا اللبنانيين الكرام في الخليج والسعودية، بل هم منا ونحن منهم، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

*نقلا عن “عكاظ”

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

جولة سريعة على سور وأبواب حلب القديمة

mapalepo6-3-2016
قد يكون من المساعد على تقديم صورة مختصرة للقارئ الكريم عن بنية المدينة القديمة بأحيائها التي تقع داخل السور وأحيائها خارج السور (الأسوار)، أن نعرّف القارئ الكريم بشكل سريع بهذه الأسوار. تشغل المدينة القديمة حوالي أربعة كيلومترات مربعة كما هو موضح في الخريطة أدناه المأخوذة من مجموعة خرائط وثقها حديثاً الصديق الدكتور ناهد كوسا.

وبدلاً من السرد الممل سأقوم بجولة سياحية تعريفية تخيلية، جرت أوائل عام 2011 أي قبل الأحداث الأليمة، على الشوارع الملاصقة للأسور من الخارج أشرح فيها لسائح أجنبي اسمه الدكتور برايان، أعرّفه على تلك الأسوار. نتخيل أني والصديق الدكتور برايان واقفان امام باب انطاكية. أسترجع فيما يلي ما سبق وشرحته له:
تعتبر الأسوار والأبواب مملوكية العهد بشكل عام، من وجهة نظر أواخر العهود التي تم فيها التجديد والصيانة. يعتبر هذا الباب الجميل المدخل الغربي لأسواق المدينة التي تبدأ خلف هذا الباب بسوق الهوا (سوق الصباغين-تسمى بدايته سوق باب انطاكية) وتنتهي شرقاً بسوق الزرب عند خندق القلعة….إذا مشينا شمالاً سيصبح السور على يميننا والذي يظهر خلفه حي العقبة. وعلى يسارنا منطقة من المدينة القديمة تم هدمها في ستينيات القرن الماضي لإنشاء محطة إنطلاق الباصات وبعض الأبنية الحديثة البرجية. كانت تلك الأحياء جزءاً من تجمع أحياء المشارقة التي يحق لنا أن نسميها تجمع أحياء “خارج باب انطاكية” أو “خارج باب جنان”. وقبل أن نصل إلى باب جنان الذي سنراه بعد قليل مررنا ببرجين جميلين. وللأسف لم يبق من باب جنان (جنين) سوى برج تم تحويله إلى جامع.
وقد سمي باب جنين لأنه يفضي إلى نهر قويق والبساتين التي تقع على ضفافه. يذكر انه وفي منتصف القرن الماضي تم تحويل مجرى النهر ليصبح مستقيماً بين نقطة مخرجه من الحديقة العامة ومنتصف سوق الهال. وبذا تم إبعاد النهر عن السور.
سنتحرك الآن بين باب جنين وباب الفرج على مسار وهمي ذلك أنه تم هدم هذا الجزء من السور. وبوصولنا إلى باب الفرج فوجئ برايان بعدم وجود باب الفرج…لكنني أشرت له إلى برج من أبراجه المتبقية مستخدم حالياً كدكان كبيرة عند مدخل بحسيتا. وغرب ساحة باب الفرج يقع بستان كليب الذي لايمتد عمره لأكثر من مئة وثلاثين عاماً حيث تحول من بستان إلى منطقة فنادق وملاهي وفعاليات تجارية.
انظر يابرايان إلى فندق الشيراتون، حيث يعتقد أنه يشغل الزاوية الغربية لسور المدينة وكان يقع عليه باب الفراديس. ولتأكيد كلامي تفضل معي لأريك أساسات السور والبرج أمام ذلك الفندق التي ظهرت أثناء حفر أساسات الفندق وبالتالي فرضت الدولة على الشركة المالكة للفندق المحافظة على تلك الأساسات بشكل يسهل رؤيته للماشي قرب الفندق.
وللأسف يا برايان فإن مجمل السور الشمالي للمدينة القديمة غير ظاهر ويمكنك اعتبار العمائر على الضفة الجنوبية، لمجمل شارع جادة الخدق وشارع باب النصر والحوار، تركب على ذلك السور. ولم يبق من ذلك السور سوى برج باب النصر وبرج باب الحديد. ولحسن الحظ أنه كان السور في أحد مواقعه على شكل جرف صخري (حواري) لم يستطيعوا إزالته. يقع ذلك الجرف تحت مقبرة الجبيلة عند منطقة الحوار. وشمال ذلك السور تقع الضاحية الشمالية: التي تشمل تجمعاً كبيراً من الأحياء المختلطة: مسيحية-مسلمة، يطلق على أهم قسمين منها اسم “الجديدة” والعريان. يقع البيت العربي الذي اتخذته مكتباً لي في حي الهزازة الواقع في أقصى الشمال الغربي من تجمع أحياء الجديدة. أما داخل ذلك السور فتقع عدة أحياء أهمها البندرة و”داخل باب النصر” والجبيلة و”داخل باب الحديد”. وخارج باب الجديد تتموضع ضاحية بانقوسا التي تحوي العديد من أحياء خارج السور، أهمها حي قاضي عسكر الذي يتواجد فيه بيتي.
وبين باب الحديد وباب النيرب مروراً بباب الأحمر، المهدومين أوائل فترة الانتداب الفرنسي، يفترض وجود السور الشرقي للمدينة الذي لم يبق منه سوى بعض الرموز. ولحسن الحظ أنه كان السور في موقعين من مواقعه على شكل جرف صخري (حواري) لم يستطيعوا إزالته. يقع الجرف الأول قرب باب الحديد تحت حي الكلتاوية. أما الجرف الثاني فيقع تحت حي أوغليبك بين باب الأحمر والحائط الشرقي لجامع ألتونبوغا. من الغرائب أن حائط هذا الجامع هو جزء من السور. يسمى خندق السور الواقع بين باب الأحمر وباب النيرب بـ “خندق الروم” وقد ردم إبان الانتداب الفرنسي. يضم السور الشرقي للمدينة العديد من الأحياء مثل: الكلتاوية والبياضة وداخل باب الأحمر (أوغليبك) وساحة الملح والدحديلة وحارة البستان. لهذا السور يا برايان أهمية خاصة لي ذلك أنه يقترب في أحد مواقعه إلى أقل من مئة متر من مسقط رأسي في تم حارة البستان وكذا يقترب في مكان آخر إلى أقل من سبعين متراً من مسقط رأس جدي ووالدتي أمام باب جامع ألتونبوغا. أما خارج ذلك السور فتقع أحياء: حارة الباشا، البكرجي، جب قرمان والضوضو وتجمع أحياء ضاحية خارج باب النيرب: تلعرن، الصفصافة، حارة البكارة…
وبين باب النيرب وباب المقام تظهر معالم قليلة من السور الجنوبي, الذي يضم عدة أحياء مثل: القصيلة والحوارنة وداخل باب المقام وساحة بزة. تقع أحياء المعادي و المقامات وأحياء أخرى والعديد من المقابر خارج هذا الباب.
أما السور الواقع بين باب المقام وباب قنسرين فلم يسبق لي أن مررت قربه سواءً من الداخل أو من الخارج. وكل ما أعرفه أنه يضم من الداخل حي قلعة الشريف ومن الخارج حي المغاير ومجموعة مقابر ومساكن غير نظامية ضمن المغائر. يعتبر باب قنسرين من أكبر الأبواب حجماً وأقربها للسلامة. وصفه أحدهم بأنه قلعة. يضم الباب حي “داخل باب قنسرين” الذي يعتبر مسكن أثرياء التجار.
أما السور الواقع بين باب قنسرين وساحة جامع جمال عبد الناصر في الكلاسة فسليم بنسبة لابأس بها ويظهر منه برجان بشكل جيد. والجميل فيه أنه لم يتم ردم خندقه.
أما السور الواقع بين ساحة جامع جمال عبد الناصر والدرج المسمى خراق الجلوم فمهدوم ويضم حي الجلوم. أعتقد أن السور الواقع بين خراق الجلوم وباب انطاكية بحالة جيدة لكنه مستور بسلسلة من الخانات والدكاكين ويضم حي الجلوم. أما خارجه فمنطقة بساتين وسوق الهال. تم بناء خانات وأبنية مخالفة في تلك المنطقة يعمل معظمها في مجال مواد البناء.
يذكر أن منطقة خارج باب انطاكة هي منطقة تجمع العمال العاملين بالمياومة (الفعول)، خصوصاً في مجال العمارة وإصلاح البيوت. أستغل هذه الفرصة لرواية الحادثة التالية:
احتجت منذ حوالي عشرين عاماً إلى عامل ينظف لي ردمية في قبو في مكتبي ويعبئها في أكياس استعداداً لجلب من يرحلها من المكتب. نزلت بالسيارة العسكرية المخصصة لي إلى باب انطاكية لجلب عامل لتنفيذ ذلك. وقفت على رصيف هناك فهجم عدة عمال علي يعرضون القيام بالعمل. وبينما كنت أتحدث معهم لاختيار أحدهم اقترب مني أحدهم بشكل هادئ وقال لي أنه يريد أن يتحدث معي على انفراد. رافقته إلى مكان منفرد فقال لي:
-أنا زميلك…أنا مساعد أول في سلاح الرادار ونظام خدمتنا يومين دوام كامل مقابل يوم عطلة…وفي يوم العطلة أنزل إلى باب انطاكية بحثاً عن عمل كي أدعم به راتبي لأسد رمق أولادي.
كدت أبكي من هذا الموقف وأخذته معي للعمل حيث قام به على أكمل وجه وأنا لم أقصر في الأجر والإكرامية. ساهمت أمثال هذه الوقائع في تفكك الكثير من القطعات العسكرية إبان حرب السنوات الخمس الماضية.

وبعد أن أنهيت الشرح للدكتور برايان أتقدم الآن بالمقترحات التالية للجنة إعادة إعمار المدينة القديمة الموحدة الافتراضية:
• إظهار الجروف الصخرية التي تشكل أجزاءً من سور المدينة.
• عدم إعادة إعمار البنايات الطابقية التي هدمت بالقصف وتحويل أراضيها إلى حدائق ومستوصفات ونماذج من البيوت العربية الجميلة ومراكز فعاليات حكومية.
• إظهار سور المدينة الواقع بين خراق الجلوم وباب أنطاكية.
• إعادة إظهار خندق الروم لأن الشارع الذي ظهر نتيجة ردمه ضعيف الاستخدام ويوجد شوارع بديلة له.
• إعادة إعمار باب النيرب وباب الأحمر خصوصاً وأنه يوجد صور لهما.
• إظهار برج باب الفرج.
• إظهار ماتبقى من السور الواقع بين باب المقام وباب قنسرين وإظهار المغائر التي استخدمت للسكن العشوائي قبل الحرب.
• إعادة إعمار الأبنية ذات الأهمية الرمزية التي هدمت مثل مئذنة الجامع الأموي والمدرسة الخسرفية، خصوصاً وأنها موثقة معمارياً بشكل كامل.
بالمختصر أنا أعتقد أن حلب يمكن أن تعود أجمل من شكلها قبل الحرب.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

إتصال الحرة وسام مع الشيخ راشد الغنوشي وحقيقة تصريحاته حول حزب الله

إتصال الحرة وسام مع الشيخ راشد الغنوشي وحقيقة تصريحاته حول حزب الله
obezyan

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور, يوتيوب | Leave a comment

هل صدفة أن تكون الرقة عاصمة داعش … وعين العرب عاصمة (البي كيكي) !!!؟؟

Abdulrazakeidحول استفتاء إن كان حزب الله عميلا ارهابيا لإيران أم حزبا مقاوما !!!

تحدثنا في الحلقة الأولى من مقالنا عن ارهابية حزب الله وعمالته الإيرانية المشار له في المقالة السابقة، عن ظروف نشر هذا المقال في السفير وليس في النهار، مما أوقع المخابرات السورية في الحيرة والارتباك ليسالوني (كم أقبض من جريدة السفير الصهيونية !!! ) مقابل هذه المقالات العميلة لإسرائيل ، وذلك من قبل رئيس مخابرات أمن الدولة الذي اختطفني في حلب ..
.
تحدثنا عن موقف السلطة الأسدية المعادية لنا في موقفنا من حزب الله الإيراني الإرهابي ، بينما الآن سنتحدث عن سياقات موقف المعارضة (الشيوعية الرياض التركية والأخوانية المتحالفة معا في إعلان دمشق..) …

فاالشيوعية الرياض تركية والجورج صبرية ، حملوا علينا بذات الصيغة التي أعلنها المثقفون الطائفيون العلويون لمعلمهم (علي مملوك ) وهم ( نيوف ونعيسة والدكتورة وفاء سلطان !!! ) الذين قالوا بأني أعتبر كل النساء العلويات ( شراميط ) …حيث أني في مؤتمر بروكسل الذي انتخبت به رئيسا للمجلس الوطني لإعلان دمشق دون طلبي، بل باقتراح من أطياف من المجلس (الاسلامية والكردية) ، ووجهت بالرفض الشرس من القوميين اليساريين (جماعة جديد وجماعة الترك ) ، إذ دعوا للخروج منسحبين من المؤتمر لأني وصفت جماعة حزب الله، بانهم (حزب اللات الإيراني ) ..

.لكن الداعين للانسحاب لم يؤيدهم أحد من أعضاء المؤتمر، فعادوا مخذولين لكن ليشاغبوا على المؤتمر، وخاصة من كبير (العائلة الفلسفية الرقاوية ) الطبيب الذي حمل قميص الترك كقميص عثمان، مولولا بأن الترك قد أهين مظلوما ولا بد من الأخذ بثأره بتنظيف إعلان دمشق من عبد الرزاق عيد لأن ذلك تم في المؤتمر بحضوري ورعايتي ….فنقم الرجل العجوز الزهايمري (الترك) بهذا التحريض الرخيص من هذا البدوي الطبيب الرقاوي كبير عائلة فلاسفة الرقة، الذين كان قد قصدهم النبي بقوله (والأعراب أشد كفرا ونفاقا )، ولعل ذلك هو الذي يفسر لنا أن تكون الرقة هي عاصمة داعش حتى الآن !!!، كما وأن تكون عين العرب (كوباني) عاصمة البي كيكي … حيث البنيتان العشائريتان ( العربية اليسارية والكردية البيككية ) في هذه المنطقة هما وجهان لعملة واحدة سوسيولوجيا وثقافيا وفكريا ….في منظومة روابطهما العضوية القبلية : عربية كانت أم كوردية … يسارية أم يمينية ……….!!!!

بعد شهور كنت على قناة البيبي سي اللندنية، فتحدثت عن مشاركة واضحة وعلنية لحزب اللات الإيراني الارهابي في القتال بالأراضي السورية مع قوات النظام الأسدي ضد الثوار، فتصدى لي حينها المرتزق (المتعدد الجنسيات الفلسطيني عطوان )، بان الجيش السوري الضخم ليس بحاجة لمعونة حزب الله … وبعد أسابيع أعلن المرشد العام للأخوان المسلمين السوريين حينها، بانه لم يثبت لهم اية مشاركة لحزب الله في القتال في الأراضي السوري … فظهرت –والأمر كذلك- أنا الكاذب، وان المرشد وعطوان هما الصادقان …!!!

والغريب حتى الآن .. فإن الأخوان يجتنبوني وكأني أنا الكاذب وليس مرشدهم العام !!! ….والشيوعيون ( التركيون -الصبريون) لم يدافعوا عن حزب الله فحسب، بل ويناشد زعيمهم (صبرة )، لزعيم أمل الطائفي( بري) أن يعفوا عن مقاتلينا المعادين له وللمقاومة والممانعة في حمص وضواحيها …بل ويراهن (صبرة) على الحكمة ( الأرثوذكسية الكنسية – الشيوعية الستالينية السوفيتية عند بوتين ) أن تعفو عنه كرمى عيون الشيوعية الستالينية والأرثوذكسية الروسية لرفيقهم صبرا وحزبه الستاليني التركي) …

هذا هو الجزء الثاني من مقالنا منذ عشر سنوات الذ تحدثنا فيه عن العمالة الارهابية لحزب الله تجاه إيران ، قبل الاستفتاء الروسي ، وقبل الكثيرين الذين يعلنون أنهم كانوا مبكرين باكتشاف ارهابية حزب الله سنة 1911 …بعد قيام الثورة ،ولكن ليس قبل عشر سنوات التي كان يكلف فيها هذا القول اختطافا في الشارع واعتقالا وتهديدا حتى درجة الخروج منفيين مع أهلنا من البلاد ……!!!!

http://m.ahewar.org/s.asp?aid=87230&r=650&cid=0&u&i=789&q

Posted in فكر حر | Leave a comment

المرأة في عيدها

سيدة تضع مولودها في حوض للماء محاطة بالاقرباء

سيدة تضع مولودها في حوض للماء محاطة بالاقرباء

زهير دعيم

لا شكَّ أنّ المرأة هي أجمل مخلوق خلقه الله على وجه البسيطة، فهي كُتلة من الجمال والمشاعر النبيلة والذوق الرفيع ، تمشي على قدميْن، بل هي كما قال أحد الشعراء الفرنسيين :”أجمل زهرة تُعطِّر حقل حياتنا وتُلوّنه “.
انّها الزوجةُ والامّ والابنة والأخت والحبيبة .
انّها مُلهمة الشُّعراء على مدى التاريخ .
انّها الاحساس المُرهف ونبع العطاء الذي لا ينضب.
فهل نقف حِيالها صامتين ونحن نراها تئنّ وتتوجّع ؟
وهل نرضى ونحن في الألفية الثالثة أن نستمرّ في هضم حقوقها وتكبيل معصميها بالاستعباد ؟!
انّ شرقنا كان وما زال يعشق المرأة ، يعشقها على طريقته الخاصّة ، فيخنقها ويخنق حُريتها ؛ يخنقها بالحيْرة والغيْرة والرواسب والعادات المُهترئة ، فيمنع أريجها من أن يصلَ الى اُنوفنا ، وان وصل وَجَدَها مزكومة ..رحم الله شوقي القائل في رائعته مجنون ليلى :
وما ضَرَّ الورودُ وما عليها
اذا المزكومُ لم يَطْعَمْ شذاها
انّ رجولتنا نحن الشرقيين تتأذّى كثيرًا إن نحن ساوينا المرأة بنا ، فأعطيناها حقّها ، فهذا المجتمع ألذكوري يأبى أن يتنازل .
انَّ مصيبتنا في الشرق هي النظرة الخاطئة الى المرأة ، وكأنها هي عنوان الشرّ وملعقة الشيطان، وأصل كلّ الشّرور والآثام ، فلذلك يجب أن تبقى في حِجر صحيّ ، فلا لقاء بينها وبين الشّاب في المدرسة ،ولا تلاقٍ في المَسبَح ،وليس من حقّها ان تسوق السّيّارة في بعض البلدان، ولا تواصل في الحياة …انّها “بُعبع” ليس إلا ، وَجَبَ الابتعاد عنه ومنه ، وأحيانًا من المُفضّل وضعه في قُمقُم .
ولكن الصحيح هو في التغيير . تغيير نظرتنا الى المرأة ، وتغيير مفاهيمنا ومناهجنا وسلوكنا؛ مناهجنا في التعليم والحياة والمجتمع ، تغيير عقليتنا وفكرنا ،وهذا التغيير صعبٌ ولا يأتي هكذا بالمجّان ، وانما بالتربية الصحيحة المبنيّة على العدل وعلى الاعتراف بأنها هي العُنصر الجميل والذكي والخلّاق ، والمُبدِع المُكمّل لنا ، وهي الإلهام الذي يستدرّ الشِّعر والموسيقى ، وإننا الرجال يجب من منطلق الجمالية أن ندور كعَبّاد الشمس حولها!!
فالطائر لا يطير إلا بجناحيه ، وإذا كان احد الجناحين مكسورًا , فما اظنّ انَّ هذا الطائر سيقوى على التحليق والانطلاق والوصول الى القمّة ، لذلك قارئي العزيز نرى ونلمس اليوم اننا في هذا الشرق نقبع في حضيض سُلّم الحضارة .
وكيف لا يكون هذا ونحن لا نتورّع أحيانًا من قتل المرأة ، إن هي تجرّأت وأحبت على ذوقها ، وخِلافًا لرأينا … وكيف لا يكون هذا ونحن نمنعها من التصويت وترشيح نفسها للمناصب السياسية والقيادية في كثير من دولنا العربية والشرقية!!.
آن لنا حقًّا أن نضع حدًّا لهذه المهزلة ، مهزلة استعباد المرأة ، ومسألة الفصل بينها وبين الرجل ، ومسألة النظر إليها من فوق ،وكأنها خُلِقت فقط للذُلّ والمُتعة .
دعونا نعطي للمجتمع أن يُصفّق بيديه الاثنتين ، ودعونا نحذف من قاموسنا كلمات ومصطلحات مثل “نجاسة المرأة ” و “عوْرة المرأة “وعندها فقط قد نطير ونُحلّق مع موكب الأيام الى حيث الطُمأنينة والسعادة .
فإليك يا أختاه في كلّ مكان وفي عيدكِ ، عيد المرأة العالمي ، اليك أحرّ الأمنيات بغدٍ مُشرقٍ ، تكسرين فيه القيد ، وتنعمين بحياة رغيدة ملؤها الحُرّية والمُساواة.

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

تركيا وايران (هل اينعت الرؤوس)

abdelqaderomarصراع النفوذ بين تركيا وايران على هذه المنطقة والمناطق المجاورة ليس وليد هذه الحقبة من التاريخ فهو يمتد بعمق التاريخ منذ وجود الامبراطورتين الفارسية والعثمانية .وكلما اشتد الصراع ووصل الى مرحلة الازمة ودق طبول الحرب وخوض المعارك الطاحنة بين الجانبين وفي احيان كثيرة كانت تتم التسويات بينهما على حساب شعوب المنطقة وخاصة الشعب الكردي الذي كان له نصيب الاسد في صراعهم هذا من حيث التضحية به من الجانبين لتحقيق مآربهم وغاياتهم.
ما نشهده الان لا يخرج عن نطاق صراع النفوذ بين الدولتين على حساب الشعوب والدول الاخرى ضمن لوحة عالمية جديدة معقدة من حيث عدد اللاعبين على نفس الرقعة ولكن مازال دورهم محوري وخاصة في سوريا فكل منهما يملك اوراق لا يستهان بها في الساحة السورية فايران موجودة بحرسها الثوري وباسيجها وحلفائها من النظام الى حزب الله اللبناني الى العمال الكردستاني بالاضافة الى الميليشيات الشيعية من كل حد وصوب.اما تركيا فلها حدود جغرافية بطول 850 كم ولديها اكثر من مليوني مهجر سوري وتملك قرار المعارضة السورية من الطائفة السنية المتمثلة بالجماعات والاحزاب الاسلاموية وتتحكم الى حد كبير بتمويلها وتسليحها وهي ممر استراتيجي لدخول الافراد والاسلحة وبعض المعونات الانسانية الداخلة الى سوريا رغم ان الدخول الروسي المباشر في سوريا قد ضيق على تدخلها المباشر والحد من اللعب بشكل منفرد على المنطقة الحدودية وكذلك تجاوز العمال الكردستاني لبعض الخطوط الحمراء التي وضعتها تركيا بمساعدة روسيا والنظام ومن خلفهم ايران لذلك جاءت زيارة رئيس الوزراء السيد داود اوغلو الى ايران لجس النبض ومدى استعداد ايران للتضحية بدور العمال الكردستاني في سوريا مقابل تنازلات تقدمها تركيا في موضوع المعارضة السورية المرتبطة بها ومن ثم امكانية الاتفاق على حلول مرضية للطرفين .ومن هنا يتضح ان تركيا قد باتت مستعدة وجاهزة للتضحية ببعض اوراقها سواء بقطع الدعم او انهاء دور بعض الفصائل من المعارضة او القبول والاتفاق على شكل النظام بما يناسب مصالح طهران وبذلك ستدفع المعارضة ثمن ارتماءها في حضن دولة اقليمية كبيرة لها مطامع ونفوذ داخل سوريا وكان على المعارضة ان تعرف منذ البداية ان الدول ليست جمعيات خيرية مهما كانت طبيعة الانظمة الحاكمة لا يمكن ان تسمح لاحد بتجاوز نفوذها.واذا كان التدخل الروسي وما يقوم به العمال الكردستاني من مسك للحدود قد سارع من الخطوات التركية باتجاه ايران.
واذا كانت ايران بحاجة الان لتفكيك الجبهة المعادية لها وابعاد او تحييد الدور التركي في هذه المرحلة فيجب عليها ان تلبي المطلب التركي الوحيد الذي لا يمكن ان تتجاوزه تركيا والمتمثل بتحيد دور العمال الكردستاني وقطع الدعم عنه وانهاء دوره من على حدودها الجنوبية فهل طهران جاهزة الان ومستعدة ان تضحي باحد اهم اوراقه في سوريا والعراق وفي الداخل التركي نفسه.وهل ما تقدمه تركيا يعادل ما تطالب به من ايران وخاصة بعد التدخل الروسي الذي اصبح كابوس بالنسبة الى تركيا .مع العلم ان اي دور للعمال الكردستاني في شمال سوريا وانشاء اي نوع من سلطة ذاتية قد لا يناسب طهران ايضا على المدى الطويل ولكن في ظل الصراع المحتدم الان كل شيء ممكن وخاصة اذا كانت طهران تفكر بربط لبنان وسوريا المفيدة وبغداد مع طهران.
ومن هنا يجب على المعارضة السورية ان تفكر مليا بمجرد ذهاب السيد داود اوغلو رئيس الوزراء الى طهران الان فان بعض الرؤوس قد اينعت وحان وقت قطافها ووضعها على المائدة سواء اليوم او غد وانها مجرد ورقة على طاولة المصالح والنفوذ وتنتظر دورها لتحترق ومصيرها بعد ذلك مزبلة التاريخ طالما عملت من اجل مصالح شخصية او مصالح دول على حساب وطنها والامثلة كثيرة في التاريخ يجب اخذ العبر منها ولن ينفع الندم بعد فوات الاوان.
وما ينطبق على المعارضة السورية ينطبق على العمال الكردستاني الذي يسير بين حقل من الالغام لا يمكن الخروج منه فغيرهم كان لا يقل شطارة منهم.اللعب مع الاعداء ليست نزهة وخاصة اذا لم تكن محمي من الشعب الكردي في سوريا وتعمل بالضد من ارادته فالشعب الكردي لا يمكن ان يكون الى جانب نظام البعث بعد عقود من الظلم والحرمان .قد نكون مختلفين مع شركاءنا في الوطن على الكثير من المسائل نتيجة للظلم الذي عانيناه ونيجة افعال وتصرفات المعارضة التي لا تقل في بعض جوانبها عن تصرفات النظام وافعاله المشينة وفشلها الى الان في ايجاد خطاب جامع لكل مكونات الشعب السوري سواء القومية او الدينية او الطائفية وارتماء هذه المعارضة في احضان دول اقليمية وابتعادها عن مبادىء واهداف الثورة السورية التي هب الشعب السوري من اجلها من درعا الى ادلب ومن بانياس الى ديريك وعامودا والى السويداء ورغم ذلك لا يمكن للشعب الكردي الا ان يكون الى جانب الشعب السوري فهو جزء اساسي من الثورة السورية على النظام الدكتاتوري وعلى اي نظام طائفي قادم سواء أكان علوي او سني سنناضل من اجل نظام من اجل كل السوريين ولكل السوريين بغض النظر عن قومياتهم او اديانهم او طوائفهم .
اما ثقافة البعث والبعثيين الذي تربوا على انكار ومحاربة الآخر وثقافة التآمر والدناءة فلا مكان لهم في مستقبل سوريا رغم تسللهم الى صفوف المعارضة الاقليمية الهزيلة في غفلة من الزمن فهؤلاء كانوا نكرة وسيبقون نكرة في مسيرة الشعب السوري وكفاحه من اجل الحرية والكرامة .
عبدالقادر عمر
06.03.2016
a.kadir-1959@hotmail.com

Posted in فكر حر | Leave a comment

هل شارفت الرأسمالية على نهايتها؟ 12-13 حوار سعید رهنما مع مایکل ليوبوفيتش*

machellopovitcn

مایکل ليوبوفيتش

سعید رهنما: على الرغم من التكاليف والتضحيات الجمّة، فقد أصاب الفشل كلاً من الستراتيجيات الثورية والستراتيجيات الاصلاحية التي اتبعها الاشتراكيون في مختلف بقاع العالم. وغالباً ما اضطر هؤلاء إلى تغيير مسارهم صوب السير على طريق الرأسمالية. من وجهة نظركم إلى أي حد يتحمل الاشتراكيون انفسهم وزر هذا الفشل، وما هي الدروس المستخلصة من هذه التجارب؟
مایکل ليوبوفيتش: لقد اخفقت التجارب الثورية والإصلاحية لاسباب مختلفة. لو جرى الحديث عن التجارب الإصلاحية للحكومات الاشتراكية الديمقراطية، فلا يمكن أن نضع هذه التجارب على مستوى واحد مع التجارب الثورية. والسبب يعود إلى أن خصوصيات الاشتراكية الديمقراطية تكمن في القبول بضرورة الرأسمال ومنطقه. لقد بدأت الاشتراكية الديمقراطية بالهجوم على الرأسمالية، إلاّ أنها استسلمت وبشكل تدريجي في النهاية لهذا المنطق. واتبعت الاشتراكية الديمقراطية نهجاً أطلق عليه ماركس التيار الذي يقبل بإملاءات الرأسمال باعتبارها قوانين طبيعية بديهية. من الممكن القول أن الاشتراكية الديمقراطية قامت ببعض الإنجازات، ولكن ما أن تحدث الأزمة، حتى تستسلم من بين كل الخيارات إلى منطق الرأسمال أو أن تتجاوزه. فالاشتراكية الديمقراطية تميل إلى الاستسلام، لأنها لم تضع منطق الرأسمال على الرف. وعلى هذا الأساس جرى التوصل في النهاية إلى خلق ما سميت بالرأسمالية ذات الوجه الإنساني،وهو شبيه للغاية بسيريزا. إن هذا المنطق يختلف كلياً عن وجهة النظر الثورية. لقد لوحتم إلى موضوعة الإطاحة بالأنظمة الموجودة بوسيلة العنف، مثل ما حدث في الاتحاد السوفييتي والصين وكوبا. ولكن يجب التمييز بين ما بدأت به هذه العملية وبين ما آلت إليه. فهذه العملية يمكن أن تتم عبر الإطاحة بالنظام بوسيلة العنف أو بالانتصار في الانتخابات، ولكن ما يرتدي أهمية هو ما سيحدث بعد ذلك.
في السؤال، أشرتم إلى أي حد يتحمل الاشتراكيون وزر هذا الاخفاق، بالنسبة لكلا التيارين، سواء أؤلئك الذين لجأوا إلى العنف أم أؤلئك الذي خاضوا الانتخابات من أجل استلام السلطة، فكلاهما تجاهلا شيئاً أطلقت عليه تعبير” العملية الثانية”. فقد تجاهلوا النقطة المركزية التي طرحها ماركس في ميدان التطبيق الثوري، أي أن يجري تغيير أنفسنا مع تغيير الظروف والنشاط الإنساني؛ أي مع تغيير الظروف يجب أن نشرع بتغيير أنفسنا. لقد تجاهل الاشتراكيون في القرن العشرين موضوعة تغيير الأنفس، ولم يدركوا أي مجتمع هذا الذي يجري بناؤه على أساس اتخاذ القرارات الفوقية. ففي حالة تجاهل ونسيان العملية الثانية، فإننا بذلك سوف ننسى أساليب تنمية قدرات الإنسان. فالقضية وما فيها إن النظام الجديد استلم السلطة في إطار نظر الطليعة وضرورة العمل السريع لنيل الهدف، دون أن نسمح للطبقة العاملة بأن ترتكب أي خطأ، فماذا سيحدث بعدئذ.
سعید رهنما: إشارتكم حول الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي استلمت السلطة في أوربا صحيحة. ولكنني أشير إلى الإصلاحية كوجهة نظر تهدف إلى الاشتراكية، فعلى الرغم من أنها انخرطت في النشاط في ظل الرأسمالية، فلماذا لم تتمكن من أن تضع نهاية للرأسمالية، ولا تقبل بمنطق وضرورة الرأسمالية. إن قسم من هذا التراجع التدريجي يتعلق إلى حدود معينة بالأخطاء التي أشرت إليها، وتعني عدم الانتباه إلى “التنمية البشرية”. إنني أعتقد أن العملية تستغرق فترة طويلة، ومن الواضح أنها يجب أن تبدأ قبل استقرار النظام الاشتراكي وبعده. وعلاوة على ذلك، هناك نقطة مهمة وردت في كتابكم المعنون “يجب أن نبدأ بالبناء الآن”، حيث أشرتم إلى أن اشتراكية القرن العشرين قد ركزت على تنمية القوى المنتجة ووسائل الانتاج، ولكنها أهملت العلاقات الاجتماعية التي يحياها الإنسان. أود أن تشرحوا لنا أكثر هذه النقطة.
مایکل ليوبوفيتش: حول النقطة الأولى، أكدتم على طول المدة والأعمال الكثيرة التي يجب أن نتداركها والتي أثارت لديّ القلق. يمكن لهذه العملية أن تبدأ بإسقاط النظام الموجود عبر عملية ثورية عنفية. وهذه العملية التي تشرع بها وتقودها أقلية، لا تستلزم فترة طويلة للاستعداد لها. فعندما يتم الإمساك بزمام الأمور في بلد ما، فإنكم ستستفيدون من هذه السلطة وتقررون ما يجب عمله في تلك اللحطة. في الاتحاد السوفييتي بعد ثورة اكتوبر، حصل العمال على سلطة واسعة في محيط العمل. ولكن ما حصل هو أن هذه السلطة قد سلبت منهم، خوفاً من أن يتحول العمال إلى مستبدين. ولجأوا إلى إلغاء الرقابة العمالية ومنعوا العمال من توسيع سلطاتهم. فماذا كان عليهم أن يفعلوا؟ وإنهم لو بنوا العلاقات الاجتماعية للإدارة العمالية في المؤسسات، فماذا كان سيحصل؟ هذه الأسئلة التي طرحتها الكسندرا كولنتاي**في عام 1929، فبدلاً من التنمية الداخلية للجماهير، فقد جرت عملية

الكسندرا كولنتاي
التنمية الداخلية للبيروقراطية. ولذا فإن التأكيد على طول العملية من أجل الاستعداد لبناء المجتمع الجديد هو الخطأ بعينه. إذ يجب على الثوريين أن لا يسعوا إلى الاستيلاء على الدولة القديمة فحسب، بل الاستفادة من قدرات الشعب بحيث يصبح بالإمكان تطوير النضالات المحلية كي يستطيع الثوريون اتخاذ القرارات المناسبة وأن يحظوا بالاحترام.
سعید رهنما: هنا يطرح سؤال مهم نفسه، كيف يتم ذلك؟ كيف تستطيع الطبقة العاملة والشعب استلام السلطة؟ فكل الثورات التي أشرت إليها حدثت خلال الحروب وخلال الحركات التحررية، ومنذ البداية كان عليها خوض الحرب ضد الأعداء في الداخل والخارج، دون أن يكون الشعب مستعداً لهذه المواجهة، مما اضطروا إلى اللجوء إلى العنف من أجل استقرار حكم آخر.
مایکل ليوبوفيتش: قبل كل شيء، لا أريد الخوض والتمييز في تعريف الثورة، وهل أن الثورات يجب أن يقتصر تعريفها على أساس اللجوء إلى العنف أم لا. فكما تعرفون أنه يجري الحديث عن الثورة البوليفية التي جرى استلام السلطة فيها عن طريق الانتخابات. الثورة لا تعرّف على أساس شكل استلام السلطة، بل على أساس المواقف التي تتخذها من أجل تغيير الأوضاع. نحن نعلم بوجود الأعداء، وسيسعى هؤلاء الأعداء إلى مختلف السبل من أجل الإجهاز على كل شيء. ولكن القضية وما فيها هي ماذا سنفعل عندما يحين الوقت. على سبيل المثال نأخذ تجربة إيران خلال الثورة، فقد تم اللجوء إلى الإدارة العمالية وحركة المجالس. ولكن ماذا كان مصيرها ولماذا جرى محوها؟ هذا السؤال أطرحه عليكم. إن البناء على أساس هذه الآليات في محيط العمل وعلى المستويات الاجتماعية من شأنه أن يوفر القوة للشعب كي يتفادى تداعي المشروع الثوري.
سعید رهنما: قصة المجالس( السوفيتات) في إيران هي قصة طويلة كتبت عنها عدداً من المقالات. ولكنني أتحدث باختصار، فإن حركة المجالس في إيران تعد واحدة من أعاجيب الثورة الإيرانية في عام 1979، إلاّ أنها كانت محكومة بالفشل. فالمجالس المحلية في محل العمل قد أسست من قبل اليساريين وكانت إداراتها تحت نفوذهم، في حين أن النظام الجديد كان تحت سيطرة الإسلاميين، وقد عارضوا المجالس لأنها لم تكن تحت سيطرتهم. وفي الصناعات الستراتيجية الكبيرة التي أصبحت مقر أهم مجالس العمال/ الموظفين، كان النشطاء اليساريين منتمين إلى منظمات وأحزاب يسارية مختلفة، ويتبنون سياسات متعارضة تجاه النظام السياسي الحاكم. ولوحظت وقتها فوضى نظرية حول المفاهيم المتعلقة بالرقابة العمالية والمجالس. وتولت قيادة المجالس من حيث الأساس الطبقة المتوسطة الجديدة الثورية، فالعمال لوحدهم لم يشغلوا أية مكانة بدون مساعدة المهندسين والفنيين وموظفي الإدارة التقدميين الذين يديرون هذه المؤسسات العملاقة. وكانت تلك المؤسسات تعتمد على دعم الدولة وتابعة من حيث التكنولوجيا والأدوات الاحتياطية إلى الشركات المتعددة الجنسيات. ومع احتلال السفارة الأمريكية وحجز الرهائن الأمريكان، والحرب العراقية الإيرانية، عزز النظام مواقعه، وأزاح المجالس الحقيقية للعمال/الموظفين، واستبدلها بـ”المجالس الإسلامية” الصفراء.
مایکل ليوبوفيتش: نعم، التجربة الإيرانية كانت مريرة. وقد أشرت إلى أمثلة مشابهة كمثال فنزويلا، فالقضية لا تحل إلاّ عبر الصراع الطبقي. ولا يوجد أي شيء محكوم بالفشل: ففي الصراع الطبقي لا توجد ضمانة، ولا توجد ضرورة. بالطبع في الصناعات الكبيرة، لا يستطيع العمال مطلقاً أن يتخذوا قرارات عملية مهمة مباشرة. وهو أمر بديهي، ولكن القضية هي كيف يجري تهيئتهم على القيام بذلك حيت تحين ساعة استلام السلطة؟ وما هي الأساليب التي تعزز من قدراتهم؟ هذه الإجراءات لم تتخذ في التجربة اليوغسلافية، رغم أن المجالس العمالية كانت تتمتع بالسلطة القانونية في الصناعات الخاضعة للملكية الاجتماعية طوال سنوات مديدة.
سعید رهنما: الآن، لنبحث في وجهات نظركم حول التمييز بين التأكيد على تنمية القوى المنتجة وبين التأكيد على علاقات الانتاج.
مایکل ليوبوفيتش: هذا الأمر يتعلق بمسألة التنمية البشرية وضرورة التركيز على الناتج الثاني، أي الناتج الإنساني. فعند التأكيد على النشاط الإنساني، لا يمكن تجاهل العلاقات الاجتماعية. ولكن ما هي الرابطة بين التنمية البشرية وبين القوى المنتجة؟ بالاستناد إلى التفسير غير السليم للماركسيين الذين أعقبوا لينين، فقد كان الاستدلال هو أننا بحاجة إلى تنمية واسعة للقوى المنتجة، وفي الوقت الذي نصل إلى مرحلة معينة، نستطيع مباشرة تنفيذ كل وعودنا. إن وجهة النظر هذه تتجاهل بشكل كلي الإنسان وتنمية القدرات البشرية التي أشرت إليها آنفاً.
سعید رهنما: لننتقل إلى سؤال آخر. تقوم الثورة الاجتماعية الماركسية على “الحركة المستقلة الواعية للأكثرية الساحقة” التي تعد عملية طويلة الأمد، في مقابل الثورة البلانكية القائمة على أقلية تقود الجماهير غير المستعدة. من وجهة نظركم كيف يمكن بلوغ هذا الهدف وما هي مستلزمات هذه العملية؟
مایکل ليوبوفيتش: لقد جرى البحث في البيان الشيوعي حول التغيير الثوري، وفي جانب منه يتعلق هذا البحث في قضية ” إحراز النصر في معركة الديمقراطية” ضمن التطرق إلى عملية المواجهة المستمرة مع منطق الرأسمال والنضال ضده. وهذا لا يعني أن الحركة ومنذ البداية، يجب أن تتمتع بحركة واعية ساحقة. فالقضية هي كيف ينشأ هذا الوعي الذاتي؟ فهذه العملية هي حلبة صراع، يحسمها الوعي. لقد أكد ماركس على ضرورة تنظيم الطبقة العاملة، وهذا هو وجه التمايز مع البلانكيين في سعيهم للاستيلاء على السلطة عبر المؤامرة. لقد خاض البلاشفة صراعاً حول التنظيم قبل ثورة أكتوبر بالتحديد. ومن الواضح أن الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان خاضوا هم أيضاً الصراع حول التنظيم. ولكن ذلك لا يعني أنهم كانوا مع فكرة وعي الأكثرية الساحقة. وإذا ما قبلنا بموضوعة أن الثورة الاشتراكية تستلزم الحركة الواعية للاكثرية الساحقة، فعندئذ ما كان من الواجب أن تحدث ثورة أكتوبر.
سعید رهنما: هنا المناقشة لا تعني أنها يجب أن تطرح أو لا تطرح، علماً أنني على قناعة بأن ثورة شباط كان من الممكن لها أن تشق مساراً آخراً يخرج عن إطار نقاشنا. إن أحد أسباب فشل البلاشفة هو استقرار حكم استبدادي، مما أفقد الثورة ميزتها.
مایکل ليوبوفيتش: نعم وبدون شك، فمثل هذه القضايا كان لها تأثير على مصير الثورة، ولكن الحديث يدور هل أن ذلك جاء نتيجة لمستوى التطور في البلاد أم أنه بسبب عدم قدرة الشعب؟
سعید رهنما: اعتبر ماركس ” أن العنف يجب أن يكون عتلة الثورة”، إلاّ أنه استثنى من ذلك الدول التي يتمتع مواطنوها “بحق الاقتراع العام”، حيث يستطيع ” العمال تحقيق أهدافهم بالطرق السلمية”. الآن تتمتع أكثرية بلدان العالم بحق الاقتراع العام، فإلى أي حد وفي ظل أية ظروف يمكن للأشتراكية أن تتحقق بالطرق السلمية؟.
مایکل ليوبوفيتش: لا يمكن أن نصاب بالوهم حول حق الاقتراع العام. فنحن نشهد في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى كثيرة تطبيقات مبدأ حق الاقتراع العام، وكيف يتم خداع الشعب. إن حق الاقتراع العام موجود، ولكن في نفس الوقت توجد سلطة الرأسمال على جميع وسائل الإعلام وعلى الشرطة وعلى النظام القضائي وغيرها من المرافق. إن حق الاقتراع العام بحد ذاته، لا يستطيع أن يصبح طريقاً للحل، فهو طرف في هذه العملية. لقد تحدث ماركس مراراً عن إمكانية الطبقة العاملة أن تستلم السلطة في بعض البلدان بالطريق السلمي وليس بالطريق الثوري، لكنه لم يقل أنه الطريق الوحيد.
سعید رهنما: لا توجد أية أوهام حول الأنظمة الديمقراطية الحالية. ولكن الدافع وراء هذا السؤال هو تركيز غالبية الماركسيين على الاستيلاء الثوري على السلطة، أما ماركس فقد أخذ بنظر الاعتبار خيار طريق الانتخابات أيضاُ، وإن هناك إمكانية للطبقة العاملة في تحويل المؤسسات الديمقراطية البرجوازية من “أداة خداع” إلى “أداة تحرر”. إنني أميل بشكل خاص إلى أن أسألكم عن الاقتراع العام وعملية الانتخابات باعتباركم مناصراً لبوليفاري شافيز. لقد أوردتم في مؤلفكم المعنون “ضرورة الاشتراكية” ثلاث وجهات نظر حول الديمقراطية، ويمكن أن يرتدي البحث في هذا الموضوع أهمية خاصة.
مایکل ليوبوفيتش: إن الهدف من البحث في ثلاث وجهات نظر حول الديمقراطية، هو قبل كل شيء نفي وجهة النظر السائدة في المجتمع الرأسمالي، أي وجهة النظر التي تتحدث عن حق المستهلك في المفهوم الديمقراطي وأن الجميع أحراراً في أن ينتخبوا ممثليهم بحرية. لقد أشرت في الكتاب إن هذه الديمقراطية غير حقيقية، ووضعت أمامها وجهتي نظر أخرتين. ففي وجهة النظر هذه، استفدت من معيار انتخاب قائد الأوركسترا في إشارة إلى مجتمع يقف الطلائع على رأس من يتخذ القرارات، حيث تنتقل هذه القرارات عن طريق الأحزمة الناقلة إلى الأسفل. إن وجهة النظر هذه حول الديمقراطية هي بمثابة فرصة يستطيع الآخرون أن يبدوا وجهة نظرهم حول القرارات التي اتخذت في القمة فقط، دون أن يكون بإمكانهم توسيع قدراتهم. إن تركيزي على هذه النقطة يتعلق بنوع أفراد الشعب الذي تمسهم هذه القرارات. لقد أوردت مثال كوبا، حيث يستطيع الشعب وعلى نطاق واسع أن يناقش الاقتراحات الواردة من القمة، ولكن هناك فرص ضئيلة جداً للآراء التي تأتي من الأسفل. وفي النهاية وضعت وجهتي النظر الأولى والثانية في مقابل وجهة النظر الثالثة التي أتبناها؛ أي وجهة النظر الداعية إلى التنمية البشرية وتوفير الأدوات والوسائل والأشكال التي يستطيع الشعب بواسطتها إن ينمّي نفسه. هو ذا المفهوم الخاص للديمقراطية التي يجري البحث عنها في موضوعة اشتراكية القرن الحادي والعشرين في أمريكا اللاتينية.
سعید رهنما: هل أن عملية التنمية الإنسانية التي أكدتم عليها بشكل سليم تجري في مرحلة الرأسمالية، أو ما بعدها، أو في كلتا المرحلتين؟ إنني أشير بشكل خاص إلى المرحلة التي تسبق المجتمع الذي يعقب الرأسمالية.
مایکل ليوبوفيتش: هذه العملية مستمرة تبدأ قبل المجتمع الذي يعقب الرأسمالية وما بعدها. في كتابي المعنون “ضرورة الاشتراكية” أشرت إلى مستقبل الاشتراكية والدولة، وفي الفصل الأخير من هذا البحث تحدثت عن ضرورة إعادة بناء الدولة من الأسفل، بمعنى أن نبني أسس قادرة على التنمية البشرية. ويجب أن يتحقق ذلك من قبل، وإذا لم يتم ذلك قبل نهاية الرأسمالية، فيجب أن يتحقق بعدئذ. ففي فنزويلا على سبيل المثال، حيث قضيت عدة سنوات هناك، كانت توجد قبل حكومة شافيز مناهج ومنظمات محلية كثيرة مهمتمها توسيع قدرات الشعب، وقد خرج شافيز من قلب هذه المؤسسات والأفكار والنضالات المحلية. وتمحور القانون الأساسي الجديد حول المشاركة وتنمية الشخصية لاعتبارهما الطريق الوحيد لتنمية قدرات الشعب، الفردية أو الجماعية. وقد جرت المصادقة على الدستور الذي أكد على دور المنظمات المحلية التي تبنت موضوعة التنمية البشرية وأصبحت ميداناً تجريبياً لاتخاذ قرارات محلية أكثر. وأدت هذه التجارب إلى خلق مجالس المحلات التي اتخذت لاحقاً شكلاً قانونياً وأصبحت ملهمة لمناطق البلاد التي لم تجرب هذه المجالس. وقد لعبت هذه التجارب دوراً هاماً في تنمية قدرات أفراد الشعب. لقد أكد شافيز على أهمية هذه المجالس، ووصف هذه المجالس بمثابة خلايا الدولة الاشتراكية الجديدة. ومن الواضح أنه من الضروري أن تكون هذه المجالس على صلة بعضها ببعض، مما يخلق كياناً أكبر يشكل مفهوم الكومونة. لقد هدفت هذه التدابير إلى التنسيق، ولكن في القواعد. وفي نهاية المطاف سأل شافيز في أحدى خطبه لماذا لا يقوم بعض الوزراء بمركزة الكومونات. ففي جلسة لمجلس الوزراء نقلت مباشرة على شاشات التلفزيون، خاطب شافيز نيكولاس مادرو قائلاً “إنني أئتمنك على حياتي وعلى الكومونات وعلى الحركات الكبرى، وأقول بأننا بدون الكومونات لا نساوي شيئاً”. لقد أثار حديث شافيز اهتماماً واسعاً بالكومونات والحركات الكبرى في القواعد، والتي لم تشر إليها وسائل الإعلام الخارجية. إذن ليس من الضروري أن تتحقق التنمية البشرية لأفراد الشعب بالكامل قبل التغيير الأساسي للمجتمع. فمن الواضح إننا بحاجة إلى الدولة القديمة؛ ولهذا طرحت فكرة “الاشتراكية القائمة على دولة مزدوجة”. فما دامت الدولة الجديدة لم توسّع من قدراتها في تسخير الدولة، فإن الدولة القديمة ستكون مشغولة بسياسات النضال ضد الرأسمالية ومتابعة الشؤون المحلية والعلاقات الدولية. إن ما أفرزته التجربة الفنزويلية هو الدور الذي يلعبه البناء الفوقي كمحرك وكمحفز في توفير الشروط لخلق قواعد للدولة الجديدة. ومن الضروري أن نفهم ذلك بمثابة ديالكتيك بين الدولة القديمة والجديدة.
سعید رهنما: إن وجهة نظركم حول ” الدولة المزدوجة” ذات “السلطة المزدوجة” هو مفهوم رائع أرجو أن تفصّله. وأود كذلك أن تشرحوا بتفصيل أكثر وجهات النظر الثلاث حول الديمقراطية التي أشرتم إليها. لقد انتقدتم بشكل سليم العلاقات بين الزعيم واتباعه. ولكنكم في الوقت نفسه لا تنكرون ضرورة التنسيق وخاصة في المنظمات الكبيرة أفقياً وعمودياً ومن القمة إلى القاعدة. إن بعض المفاهيم التي يطرحها من اصطلح عليهم بالمستقلين ( الأوتونوميست) وبعض الفوضويين، مثل ” الأفقيين” أو المنظمات التي لا تتبنى سلسلة المراتب وتتخذ مواقف مثالية للغاية وبعيدة عن الواقع. فمن غير الممكن وجود منظمات كبيرة بدون تقسيم العمل العمودي. دعنا ننتقل إلى سؤال آخر. مع العولمة المتزايدة وأممية كل عجلات الرأسمال، فما هي الفرص والموانع الجديدة التي تواجه المدافعين عن الاشتراكية؟ وفي عصر العولمة، هل يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد على انفراد؟
مایکل ليوبوفيتش: توجد الآن فرص أكثر، لماذا؟ لأن الشعوب في مختلف بقاع العالم هي على وعي بالقضايا المشتركة وبالنضالات المشتركة. وهذه هي بعض الخصوصيات التي أفرزتها العولمة. ولا شك أن هناك موانع وصعوبات وتعقيدات أمام بناء الاشتراكية كهروب الرساميل وهجرة الأدمغة ومثيلاتها. وبقدر ما يتعلق الأمر بإمكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد، فهذه العملية لها علاقة بما هو المقصود من الاشتراكية. هل تعني الشروع بالحركة والتقدم صوب الاشتراكية أم تحقيقها بالكامل؟ بالطبع إن التقدم صوب الاشتراكية هو أمر ممكن. ولكن من أجل تحقيقها بالكامل كما أراد شافيز ذلك عبر ما أطلق عليه اسم ثلاثيته البدائية صوب الاشتراكية ( الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج والانتاج الاجتماعي المنظم بيد العمال وتأمين حاجات المجتمع)، فهذا غير ممكن التحقيق، لأنه مادام هناك عدم مساواة عميقة في عالم اليوم، فلا يمكننا أن نتمتع بنظام اشتراكي كامل الاستقرار. ولكن يمكننا الشروع به.
سعید رهنما: لا شك أنه من الممكن الشروع بهذه العملية، ويجب الشروع بها في كل مكان. أظن أن في الإشارة التي وردت في كتابكم الأخير، هناك نقطة مهمة في الرسالة التي أرسلها شافيز واستلمتها عبر مارتا هارنكر، حين تناقشون فيها وجهة نظر “مزاروش”، فإذا ما كانت الرأسمالية نظام منسجم ومترابط، فمن أين نشرع باسقاطها. إنني أضيف على هذا السؤال وأقول ليست الرأسمالية نظاماً منسجماً ومترابطاً فحسب، بل هو ذلك النظام الأممي والعالمي الذي جعل من إمكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد وتحقيقه بالكامل عملية أكثر تعقيداً بشكل متزايد. لدينا الآن مؤسسات دولية مالية مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمات أخرى ذات مكانة تنظم سلطة الرأسمال على المستوى العالمي، وهي تثير المشاكل الجدية بوجه أية دولة تقدمية تحاول تطبيق سياسات لصالح العمال.
مایکل ليوبوفيتش: لا شك، فالعالم يواجه هذه الحالة. فلو قامت سيريزا بتحدي الاتحاد الأوربي والبنوك وصندوق النقد الدولي فستثار أمامها المشاكل تلو المشاكل، ولكن ذلك قد يثير عدداً من الدول الأوربية كاسبانيا والبرتغال وايرلندا والبلدان المحيطة بالقارة الأوربية. فبإمكان أية دولة تخوض النضال أن تشجع الآخريات. ولكن بدون شك ستبرز مشاكل عديدة.
سعید رهنما: من وجهة نظركم ما هي خصائص ومؤشرات ” المرحلة الأولى” للمجتمع الذي يلي الرأسمالية، الاشتراكية، وكيف نقارنها بما حدث في تجربتي الاتحاد السوفييتي والصين؟ فمن وجهة نظركم وقراءتكم لـ”نقد برنامج غوته”، انتم على اختلاف مع مرحلة الاشتراكية وتعتقدون بأن على الاشتراكيين أن يتحلوا بالوعي والبدء في اللحظة التي يتحركون فيها صوب الهدف النهائي الشيوعية. ولكنني أود أن تشرح لنا بتفصيل أكثر حول هذه الموضوع.
مایکل ليوبوفيتش: كما تعلمون إنني لا أتفق مع فكرة المرحلة أو الدورة “الأولى” أو “الدنيا” للمجتمع الذي يلي الرأسمالية الموسوم بالاشتراكية والمرحلة العليا الموسومة بالشيوعية. وأظن أن ذلك إنعكاس تفسير خاطىء لـمؤلف ماركس “نقد برنامج غوته”، والذي طرحه لينين قبل الثورة في الظروف التي كان يعمل فيها. ففي تلك الفترة كان البلاشفة يتعرضون للهجوم بتهمة ” الحالمين الطوباويين” الذين يسعون إلى مجتمع يطبق منذ البداية مبدأ ” لكل حسب حاجته”. وقد قال لينين نحن نعرف إننا لا نستطيع مباشرة تحقيق ذلك، وهناك مرحلتان. ففي المرحلة الأولى نعمل على بناء القوى المنتجة على نطاق واسع كي يجري الانتقال إلى مرحلة أعلى في غاية الوفرة حيث من الممكن تأمين حاجات الجميع. إنني أفهم السبب الذي دفع لينين إلى هذا القول. ولكن البلاشفة والشيوعيون في مختلف أرجاء العامل اعتبروا ما تحدث به لينين آيات إلهية. إننا لو دققنا في مطالعة “نقد برنامج غوته” لوجدنا أن ماركس لم يشر إلى هذا التمايز؛ أي التمايز القائم على الاعتراف الرسمي بحق عدم المساواة بين فرد ذي قدرة ومهارة أكثر أن يحصل على مكافئة أكثر من فرد يفتقد هذه المهارة والقدرة. إن ماركس أكد منذ البداية على المساواة في تأمين حاجات الجميع.
سعید رهنما: ولكن ماركس في “نقد برنامج غوته” كان مع هذا التمييز على أساس القدرة والحاجة في كلتا المرحلتين. بالطبع يمكننا القول، بغض النظر عن من قال ذلك، إن التمايز في المجتمع الذي يعقب الرأسمالية سيستمر كظاهرة انعدام المساواة. إن سؤالي ليس عن ذلك، فسؤالي الأصلي هو كيف تتجه القوى الاشتراكية ومنذ البداية صوب تأمين حاجات الجميع. أليس هذه ضرب من المثالية المفرطة؟
مایکل ليوبوفيتش: قبل كل شيء، إن مفهوم الوفرة هو مفهوم برجوازي خاطىء. فقد أشار ماركس إلى إننا لا نتحدث عن الثروة والفقر كما يتحدث الاقتصاديون البرجوازيون، بل نحن نتحدث عن الإنسان الغني والإنسان الفقير وحاجات الإنسان الغني وحاجات الإنسان الفقير. فالإنسان الغني يبالغ في قدرته وفي حاجاته. كما يتحدث ماركس في ” گروندریسه”*** عن أناس متعددي الأوجه والقدرات. وإذا ما بدأنا بآفاق التنمية البشرية، فالجواب على سؤالكم “كيف” هو المساعدة على تنمية قدرة الشعب. وبستدل من ذلك الحاجة إلى تنمية القوى المنتجة مما يعد انحرافاً عن وجهة نظر ماركس. لنضرب مثلاً على ذلك. إننا إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما قاله ماركس لفيرا زاسوليتش**** حول إمكانية الثورة في روسيا،

فيرا زاسوليتش
فإننا سنرى أن ماركس لم يتحدث عن هذه الإمكانية بالاستناد إلى الثورة في الخارج. فهو يتحدث بصراحة عن “الكومونة الريفية” متجاوزاً تشكيلة الانتاج الرأسمالي التي جرّبها الغرب، وتحدث عن إمكانية البناء على طراز الكومونة. وتركّز هذه النظرة بالدرجة الأولى على العلاقات الاجتماعية. وبعد ذلك يتحدث ماركس عن القوى المنتجة، وهو ما تناوله لينين في النهاية عندما تحدث في مؤلفه ” حول التعاون” “. فقد تحدث لينين إننا عندما نريد تطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة ( النيب)، فإننا سنرتكب خطأ في حالة عدم تركيزنا على التعاونيات. وقد أكد على أنه في حالة شروع الاتحاد السوفيتي بتأسيس التعاونيات، فسنستطيع منذ اليوم الأول بناء الاشتراكية. لذا يجب تشجيع أفراد الشعب على التحرك صوب التعاونيات وتوفير كل الإمكانيات اللازمة لها. وفي هذا الإطار تصبح القضية الأولى هي بناء العلاقات الاجتماعية، وهذا هو جوهر محتوى ما جاء في “نقد برنامج غوته”.
سعید رهنما: ليس لديّ أية مشكلة عند التركيز على العلاقات الانتاجية، خاصة وإن غالبية بلدان العالم، ومن ضمنها بلدنا إيران، هي بلدان رأسمالية. المسألة الأساسية هي الانتقال إلى الاشتراكية والاستعداد لذلك. لدينا تجربة ثورية مريرة عندما أصبحت القوى الشعبوية الرجعية تتمتع باليد الطولى في إدارة الأمور، وذهبت مع الريح نضالات قوى اليسار والتقدم خلال عقود مديدة، وأصبحنا الآن أكثر تخلفاً من ذلك الزمان. إن التنمية البشرية، كما أشرتم، هي بحاجة بحق إلى تعبئة تنظيمية وتنويرية طويلة الأمد. لقد تحدثتم عن الانتقال، ومما له أهمية بالنسبة لي، أنكم أشرتم إلى ضرورة الاستعانة بالشركات الرأسمالية والقطاع الخاص خلال مرحلة الانتقال لأن بيدهم التكنولوجيا والعلوم الفنية التي نحتاج إليها، بالطبع تحت الرقابة.
أما السؤال أو النقطة الأخرى فهي أن القسم الأعظم التي جرى التركيز عليه في مؤلفاتكم هي الإدارة التي لم يولي الاشتراكيون لها أية أهمية في القرن العشرين سواء أكانوا إصلاحيين أم ثوريين. فسؤالي يتعلق بمحدودية هذا الفهم. إن الرقابة العمالية الكاملة يمكن تطبيقها فقط في المؤسسات المحلية الصغيرة، ولا يمكن أن تطبق في الشركات والمؤسسات الكبرى الوطنية. وعلى عمال هذه المؤسسات الستراتيجية الكبرى السعي وبأشكال مختلفة من حيث الأساس إلى المشاركة في اتخاذ قرارات الشركات، بدلاً من فرض الرقابة العمالية. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع عمال المنظومة الوطنية للحمل والنقل أن يتخذوا قرارات لوحدهم حول تغيير ساعات العمل، لأن ذلك سيؤدي مباشرة إلى التأثير على حركة الناس وعلى عمل سائر الصناعات.
مایکل ليوبوفيتش: لقد أوليت اهتماماً خاصاً إلى الإدارة العمالية طوال سنوات. وهنا يجب الإشارة إلى عدة نقاط. بدون الإدارة العمالية لا يمكن تنمية قدرات الشعب. فعندما يتغلب الشعب على التفاوت بين الفكر والعمل، فسيكون بمستطاعه تنمية قدراته والغلبة على ما أسماه ماركس بالتقسيم الرأسمالي للعمل. هذا هو الجانب الإيجابي من الإدارة العمالية، التي يمكن أن نشاهدها في التجربة اليوغسلافية والفنزويلية. أما الجانب السلبي فهو أن الشعب الذي ترعرع في المجتمع الرأسمالي لا يركز إلا على المصلحة والمنفعة الشخصية. ولهذه المنفعة الشخصية عواقب سلبية حتى على مصلحة الإدارة الذاتية. ويتحلى هذا بمصداقية في التجربة اليوغسلافية. إن جوهر هذا النضال يتسم بطبيعة مزدوجة. فمن ناحية نريد أن نطمئن على وجود إمكانية توسيع قدرات الشعب كي يتاح لهم أن يفهموا أكثر. ومن ناحية أخرى، يجب النضال ضد نزعات المنفعة والمصالح الشخصية.
سعید رهنما: حول النضال ضد المنفعة الشخصية فإن الحق معكم، ولكن سؤالي يتعلق بالقضية التنظيمية، فمن غير الممكن تطبيق مبدأ الإدارة العمالية في الصناعات والمؤسسات الكبرى، وضربت مثالاً على ذلك مؤسسة السكك الحديدية. وينطبق الشيء نفسه على الصناعة النفطية، فلا يمكن للإدارة العمالية تحديد حجم الانتاج ولا سعر برميل النفط. وكذا الحال بالنسبة إلى صناعة الفولاذ والبتركيمياويات، وبشكل عام كل الصناعات التي يوجد فيها منتفعين مختلفين من الضروري إشراكهم وبأشكال متفاوتة في عملية اتخاذ القرارات الأساسية. وهناك قضية تنظيمية أخرى. فكما تعلمون، إن الصناعات الكبرى لا تستقر اليوم في مكان واحد كصناعة السيارات وعلى شكل مصنع واحد كمصانع فورد، الذي لا يعمل في بقعة واحدة، فالعملية تجري في شبكة من الوحدات الصغيرة المستقرة في أماكن مختلفة، ويتوزع كل قسم ينتج قطعات المنتوج النهائي في أماكن مختلفة. ولا أظن أن المؤسسات التي تعقب الرأسمالية ستقوم بالضرورة بتغيير هذا البناء. ولا يمكن اتخاذ القرارات في مثل هذه المؤسسات من قبل عمال كل وحدة على انفراد، لأن هناك رابطة على شكل سلسلة بين كل عمليات الانتاج، فبدلاُ عن الإدارة الذاتية في مفهومها المطلق في كل وحدة، من الممكن اشتراك ممثلي العمال والموظفين في كل وحدة ذات الصلة وعلى جميع المستويات في اتخاذ القرارات في أعلى المستويات. ولقد تطورت اليوم النظرية والتصميم التنظيمي إلى حد كبير في هذا الميدان، فإذا ما إلغينا رقابة وسلطة الرأسمالية، فمن الممكن عندها الاستفادة من نماذج الإدارة الذاتية ومشاركة العمال.
مایکل ليوبوفيتش: في معرض وجهة نظركم، اقترح أن لا يكون العمال محوراً لصورة أكبر. وأضرب لكم مثلاً على ذلك عن أكبر النقابات العمالية في فنزويلا، وهي نقابة عمال الكهرباء التي عملتُ معها عن قرب. ففي الوقت الذي تأخذ هذه النقابة بنظر الاعتبار مصالح أعضائها، فإنها في الوقت نفسه قلقة من مستقبل الصناعة والبلاد، وكانت النقابة مدركة بحال توزيع الطاقة الكهربائية، وتمارس الضغط على الحكومة على الدوام من أجل تحسين أداء الطاقة الكهربائية.
سعید رهنما: من جديد البحث، يدور حول عمال كل وحدة الذين هم على صلة بعضهم ببعض، وهم على علم بما يجري في وحدتهم ، وهم بالضرورة ليسوا على معرفة وعلى إطلاع بما يجري في الوحدات الأخرى، ويحتاجون إلى مشاركة ممثلي عمال الوحدات الأخرى ذات الصلة عند اتخاذ القرارات. إنني على اطمئنان بأنكم سوف لا تصابون بخيبة الأمل إذا ما لجأنا إلى مارتا هارنكر. ففي كتابها الجديد المعنون “العالم الذي يجب أن نشيّده”، تتحدث مارتا هارنكر بشكل مباشر عن إنه من المحتمل، وبسبب محدودية الديمقراطية، أن لا يصبح بالإمكان استخدام هذه الديمقراطية في المؤسسات الكبرى، وفي مدينة كبيرة على سبيل المثال، مما يستدعي البحث عن أشكال أخرى للمشاركة الديمقراطية. وبقدر ما يتعلق الأمر بالمصانع، فإنها تؤكد على تشكيل محالس في كل مصنع وفي كل فرع من فروع الصناعة، إضافة إلى مجالس العمال في الورشات.
مایکل ليوبوفيتش: من الواضح أنه هناك ضرورة في مساهمة للعمال من مختلف الاقسام في اتخاذ القرارات، كي يتبلور إدراك كامل عند الجميع. وليس لديّ أي شك في ذلك. ولكن القضية تكمن في كيفية بلوغ هذا الهدف. أضرب مثلاً آخراً عن فينزويلا. كانت هناك عملية مهمة في البلاد شجعت شافيزعلى تطبيق برنامجه. ففي ناحية صناعية تسمى ” گویانا”، توجد عدة مصانع لانتاج الفولاذ والألومنيوم ومصانع أخرى تابعة للدولة. وسارع العمال إلى إقامة إدارة عمالية في شركة الألومنيوم، ولكنهم فشلوا في ذلك، والسبب الأساسي يعود إلى معارضة البيروقراطية لهذا الإجراء. وفي عام 2009، بدأ نضال واسع في أحد مصانع انتاج الفولاذ الذي تعرّض للخصخصة. وطالب العمال بإعادة تأميم الشركة بسبب عدم توفر الأمن الصناعي والخلاف على الأجور ومطاليب أخرى لم يجر ايجاد حلولاً لها. وفي النهاية تدخّل شافيز وأعلن تأميم الشركة. وبمجرد أن أتخذ هذا الإجراء، شرع العمال في صناعة الفولاذ بتنظيم العمل مع عمال الشركات الأخرى، ورفعوا شعار “البرنامج الاشتراكي في سائر أنحاء گویانا”، بتأييد من شافيز. وتجمع العمال من أجل تنسيق نشاطاتهم. وقاموا بفتح مكاتب لهم من أجل العمل على جذب ممثلين من الأقسام الأخرى من أجل التداول في موضوعة عقلانية الانتاج، بحيث تتطابق مع كفاءة كل الشركات. هذه العملية بدأت في القواعد وواجهت حرباً من قبل البيروقراطيين، ولكن شافيز عبّر عن تأييده للعمال. إذن هناك حاجة إلى التنسيق الذي أشرتم إليه، ولكنه يحتاج إلى توفر الوعي لدى العمال المنخرطين في هذا النشاط.
سعید رهنما:لديّ سؤال آخر، أية طبقة أو طبقات تلك التي تعتبر القوة المحركة للثورة الاشتراكية؟ ففي مراحل تاريخية سابقة، جرى التركيز على الطبقة العاملة، ولكن ممّ تتشكل هذه الطبقة، وهل تشمل العمال من ذوي الياقات البيض والطبقات المتوسطة الجديدة؟
مایکل ليوبوفيتش: كما جرى البحث في مكان آخر، عند الحديث عن الطبقة العاملة، فإننا نتحدث عن كل القوى التي تبيع عملها من أجل بقائها على قيد الحياة، بصرف النظر عن الشكل الذي تتم فيها هذه الصفقة، باعتبار ذلك جزءاً من الدورة الرأسمالية للبضاعة الرأسمالية. إنني أنظر إليهم كعمال سواؤ أكانوا في مصنع أم في مؤسسة أو في متجر أو في الشارع. فالطبقة العاملة هي ليست كليشة من عمال الصناعة، إذ هي تشمل كل النساء والرجال الذين يبيعون عملهم. إنني لا اعتبر العاملين في قسم التوزيع جزءاً من الطبقة المتوسطة، بل أدرجهم ضمن صفوف الطبقة العاملة.
سعید رهنما: إنكم تدرجون كل المحرومين من العمل والذين لا يتعرضون إلى الاستغلال ضمن مفهوم الاستغلال الذي تتعرض له الطبقة العاملة.
مایکل ليوبوفيتش: بالضبط.
سعید رهنما: وهكذا فإننا أمام تعريف واسع للطبقة العاملة، بحيث أصبح مفهوم الطبقة معادلاً لمفهوم الشعب
(People ).
وفي هذه الحالة، هل نحن بحاجة إلى نظرية جديدة حول الطبقة، نظرية غير قائمة على الانتاج وعلى خلق القيمة، بل تشمل كل من يتعرض للأضرار بشكل مباشر أو غير مباشر من الرأسمالية؟
مایکل ليوبوفيتش: نعم ليس لديّ أية مشكلة في درج المُستغَلّين وأؤلئك الذين على وشك الاستغلال في هذه المقولة. ولا أدري لماذا لا ندرج كل مجاميع الشغيلة أو العاطلين عن العمل في هذه الطبقة.
سعید رهنما: صحيح أن الأكثرية الساحقة من الشعب تعاني الأمرين من الرأسمالية وتتعرض إلى الأضرار، وهذا يشكل نقاط مشتركة للكثير من أفراد الشعب. ولكن المشكلة الرئيسية هي أن هذه الطبقة غير منسجمة ومبعثرة، فكيف يمكن تنظيمها. لقد كانت الطبقة االعاملة في عهد ماركس ولينين أقل تبعثراً وهناك قدر يسير من عدم الانسجام، وكانت تتمركز في المصانع الكبرى أو في “قلاع البروليتاريا”.
مایکل ليوبوفيتش: لقد تحدث ماركس عن النقابات العمالية واعتبرها أدوات أساسية بيد الطبقة العاملة. ونرى الآن وجود أدوات أخرى أيضاُ. فمع كل التغييرات التي طرأت والتي أشرتم إليها، وانتهاء الفوردية***** وشبيهاتها، يجب أن تكون لدينا أساليب مختلفة في التنظيم. وبدلاً من أن نتوجه إلى المصنع فقط، فيمكننا التوجه إلى أماكن أخرى. في فنزويلا جرى تأسيس مجالس المحلة كي يستطيع العمال النشاط في محلاتهم أيضاً. وحالف النجاح النقابات بسبب مشاركة العمال في نشاط المجالس المحلية. فإنكم إذا قمتم بتنظيم مجموعة قومية، فستقوم هذه المجموعة بمد جسور الصلة مع المجاميع القومية المشابهة وتتوسع. أما فيما يتعلق بعدم انسجام الطبقة العاملة، وعدم انسجام أفراد الشعب ذي المنافع والميول المختلفة، فالحق معكم. ولذا نحن بحاجة إلى حزب اشتراكي على ما أظن. فغياب حزب يستطيع جمع كل هذه المجاميع حول أهداف مشتركة، والدفاع عن حق كل أفراد الشعب بتنمية قدراتهم ويمركزها، وإلاّ فإننا سوف نواجه حركات عفوية غير قادرة على مواجهة الرأسمال.
سعید رهنما: ما هي الخطوات التي يخطوها المدافعون عن الاشتراكية للاقتراب من البديل المطلوب للنظام الرأسمالي العالمي الراهن؟
مایکل ليوبوفيتش:يجب أن نتعلم السير على قدمين. يجب أن يكون لدينا حزب هدفه استلام السلطة من الرأسمال والنضال ضده ونوضح أن الدولة الرأسمالية هي أداة بيد الرأسمال. إن أحد أهداف النضال هو أن نفضح عدم عقلانية الملكية الرأسمالية على وسائل الانتاج والتي تؤدي إلى تخريب البيئة والبشر على حد سواء. أما الهدف الآخر فهو بناء قدرات الشعب عبر النضال من أجل خلق اشكال جديدة من التنظيم والمؤسسات الجديدة. وإنني أؤكد على المجالس الكومونية والمجالس العمالية والمؤسسات المحلية.
كما أود أن أضيف إلى ذلك الأهمية المطلقة في النضال من أجل الشفافية. لقد دققت أخيراً في سياسات الحزب الديمقراطي الجديد في كندا
(N.D.P.)
في كولومبيا البريطانية، حين كنت مسؤول المكتب السياسي للحزب، وعرضت على مارتا هارنكر السياسة التي طرحها الحزب أثناء الانتخابات وفاز فيها، هذه السياسة التي طرحت تحت عنوان ” فضح الدفاتر المالية” للشركات والمؤسسات. وعبّر هذا الفضح عن طرح سياسة هجومية فائقة الأهمية وضعت الرأسمال والشركات والبيروقراطية في حالة دفاع. فعندما أعلن هؤلاء أنهم غير قادرين على الكشف عن دفاتر حساباتهم، فهذا يعني أنهم يخفون شيئاً عن الشعب والعمال وعن الدولة؟
سعید رهنما: شكراً
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*مایکل لبوفيتش هو منظر بارز في الاشتراكية، واستاذ متقاعد في مادة الاقتصاد في جامعة سان سيمون فريزر في فانكوفر – كندا. تولى إدارة برنامج التحول والتوسع الإنساني في مركز ميراندا في كراكاس –فينزويلا. صاحب العديد من المؤلفات، ومنها مؤلف تحت عنوان “الاقتصاد السياسي لماركس” و ” تناقضات الاشتراكية القائمة” و “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”. (ع.ح.)
** ألكساندرا دومونتوفتش كوانتاي (1872-1952) شيوعية ثورية روسية ومن أبرز نساء الحركة الشيوعية الروسية. ولدت لأب يعمل كعقيد في الجيش الروسي بمدينة سان بطرسبرغ، وتزوجت المهندس فلاديمير كولونتاي وغادرت روسيا إلى ألمانيا، حيث درست الاقتصاد السياسي في زيوريخ، وأسهمت في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، وتوثقت صلاتها بأبرز قادتها، وبخاصة روزا لكسمبورغ وكلارا زيتكين. أما على صعيد السياسة الثورية الروسية، فقد وقفت كولونتاي إلى جانب المناشفة خلال انشقاق الحزب عام1903 ، ولم تنضم إلى البلاشفة إلا خلال الحرب العالمية الأولى. وهي أول امرأة في العالم تشغل منصب وزير عندما جرى تعيينها على رأس وزارة الشؤون الاجتماعية في أول حكومة بلشفية برئاسة لينين. وقد توفيت كولنتاي في موسكو عام 1952 عن عمر ناهز الثمانين.(ع.ح.)
*** كتبت “غرونديسه” في الفترة بين عام 1857 و1858، ويعد أول مشروع تمهيدي لماركس في نقد الاقتصاد السياسي. وتتضمن وجهات نظر ماركس حول مواضيع متنوعة لم يتناولها ماركس في مؤلفات أخرى. وهي جزء من مشروع واسع سياسي-اقتصادي.(ع.ح.)
**** فيرا ابفانوفا زاسوليتش ( 1849- 1919)، مناضلة وكاتبة ثورية شيوعية روسية. أحد مؤسسي مجموعة ” تحرير العمال” مع بليخانوف في سويسرا. وقد قامت المجموعة بترجمة العديد من المؤلفات الماركسية ومن ضمنها البيان الشيوعي لأول مرة في روسيا. إنها من الجيل القديم من الحركة الديمقراطية الاشتراكية الروسية، وعملت مع لينين على أصدار صحيفة “الايسكرا”. على اثر الخلافات داخل الاشتراكيين الديمقراطيين الروس، التحقت بالمناشفة.
***** الفوردية ،
Fordism
هو مبدأ عمل أو تنظيم للإنتاج ظهر عام 1908 على يد هنري فورد (1863-1947) مؤسس شركة فورد عندما بدأ تصنيع سيارته فورد. وقد نقل أكثر مبادئه عن نظرية الإدارة العلمية وهي فلسفة اقتصادية تشير الي انه يمكن تحقيق الرفاهية من خلال خفض تكلفة الانتاج والتوسع في التسويق وجني مزيد من الارباح للعمال.(ح.ع.)

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, مواضيع عامة | Leave a comment

«داعش» وتاريخنا: هي منّا.. ونحن منها

daiishneckbomb

توفيق شومان: السفير
في فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس»، الذي أدى بطولته الفنان عادل إمام، والمأخوذ عن كتاب «حوار وراء الأسوار» للكاتب الصحافي المصري جلال الدين الحمامصي، يأمر السجان مسجونيه، مرة، بأن يعووا مثل كلب، ويمشوا مثل امرأة حامل في مرة ثانية، ويرقصوا مثل قرد في مرة ثالثة.
هذا الفيلم، الذي يعيد المشاهد العربي إلى حقبة الستينيات المصرية، يُظهر كيفية انهيار الرابط الإنساني بين الجلاد والضحية، وتمحور الذات الأولى حول شغفها ووحدانيتها إلى حدود إخراج الآخر/ الضحية من شبهها البشري، فالضحية لا تماثلها ولا تشبهها، ولذلك يتفنن الجلاد بتعذيبها لإرضاء أناه العليا والمتفردة.
بطبيعة الحال، من قداسة المحظورات، نقد تلك المرحلة من مراحل وحقبات السياسة العربية، وهي قداسة تصل إلى إسباغ نفسها على تاريخ كامل عمره عشرات القرون، مقرون مرة بالإسلام، ومقرون مرة بالعروبة.
في كتاب «من تاريخ التعذيب في الإسلام»، وهو كتاب لم يأخذ حقه في الشيوع، يقول المفكر العراقي، هادي العلوي، إن الحجاج بن يوسف (660 ـ 714 م)، كان يستمني كلما قتل أو أعدم أو سحل، في حين أن المعتمد بن عباد (1040 ـ 1095 م)، أقام مزرعة من الرؤوس البشرية المقطوعة في إحدى حدائق قصره في إشبيليا.
ويروي المؤرخ البلاذري (توفي 892 م) في كتابه (أنساب الأشراف) أن مسلم بن عقبة، القائد العسكري المعروف خلال ولاية يزيد بن معاوية، استباح المدينة المنورة لثلاثة أيام، نهباً واغتصاباً وقطعاً للرؤوس، وأن آلافاً من الولادات حصلت جراء «جهاد الاغتصاب»، ومع ذلك، حين قارب مسلم بن عقبة الموت، أشهد الله على إيمانه قائلاً: أللهم إنك تعلم أني لم أشاق خليفة، ولم أفارق جماعة، ولم أعص إماما».
وفي المأثور التاريخي الإسلامي، أن الحجاج بن يوسف، قتل وأحرق وصلب وذبح ما يتجاوز مئة ألف شخص، لكن سابقه، زياد بن أبيه (ت ـ 673 م) تعداه في الإثم والعدوان، عددا وأمثولات جهادية، ومن مشهورات أفعاله، كما يرويها المؤرخ الطبري (ت ـ 924 م) أنه كان يدفن معارضيه أحياء، ويفقأ عيونهم، ويحرقهم على نار هادئة ثم يجز رؤوسهم، وكانت تأخذ منه نشوات القهقهة مأخذا، حين يُطلق كلابه الجائعة على مسجونيه. ويعزى إليه، أولية إنزال عقوبة قطع اللسان في الدولة الأموية المتغلبة. فقد قطع لسان رشيد الهجري، ثم صلبه، لخلاف في العقيدة، وبحسب المرويات التاريخية أن زياد بن أبيه، أول من أباح قطع الرأس وحمله على السيف، وكان ذلك الرأس لعمرو بن الحمق، فجرت بعده العادة، كأنها ذهبت مثلا.
وإذا كان الحرق، غير مألوف ومعروف في الجاهلية الأولى ولا في الإسلام الأول، فالخليـفة الأمـوي هشام بن عبد الملك (690 ـ 744 م)، أباحه واستكثر منه، مضيفا إليه قطع الأطراف، مثلما فعل مع غيلان الدمشقي، أو كما فعل عامله على العراق خالد القسري، مع الجعد بن درهم، حيث تم ذبحه وحرقه، وهو المصير نفسه الذي حل بالمغيرة بن سعيد وأتباعه، والحارث بن سريج وأنصاره، على ما يقول الطبري ويروي.
وحين استحكم العباسيون وأصبحوا من ذوي الشوكة والغلبة، قتل أبو مسلم الخراساني (ت ـ 755 م) مئات الآلاف، وقيل إن آلاف المذبوحين غطوا بقاع الشام والعراق، ويروي أبو فرج الأصفـهاني أن أبا جعفر المنصور (ت ـ 776م) أوغل في الشناعة، فكان يدفن معارضيه أحياء حتى الموت، وبعـدما كـان تقـطيع الأوصال يجري دفعة واحدة، غدا في عهد الخليفة هارون الرشيد (ت ـ 810 م) أربع عشرة دفعة، وهذا بالضبط ما فعله الخليفة الرشيد ببشير بن الليث وفقا لرواية الطبري، وتشعبت أسباب الذبح والقتل من ولاية متغلبة إلى أخرى، وتراوحت بين سبب سياسي أو عقيدي، أو هروب من الجيوش، أو انعدام القدرة على دفع الخراج، أو لوشايات يصعب حصرها. وأبدع العباسيون والسلاجقة والمماليك والعثمانيون في فن التلذذ بضحاياهم، ومن أمثلة ذلك:
ـ التشميس: ويعني ترك الضحية لمصيره تحت شمس حارقة.
ـ المسمرة: ويعني دق المسامير في أيدي الضحية على جذوع الأشجار حتى يلقى حتفه.
ـ الحشو: حشو أنف الضحية وعينيه وفمه بالتبن، حتى تخرج روحه من خلفه، إذ كان الاعتقاد سائدا، أن الروح تخرج من الفم، وبهذه الطريقة يسدون منافذ الروح التقليدية على ما يزعمون.
ـ السلخ: ويعني سلخ جلود البشر، وقد أورد ابن الأثير، أن الخليفة العباسي المعتضد بالله، (ت ـ 904 م) سلخ جلد معارضه محمد بن عبادة، وكذلك فعل السلاجقة بقيادة محمد بن ملكشاه، مع أحمد بن العطاش وأصحابه ممن وقعوا في الأسر.
في العصر العباسي، شاعت طريقة سمل عيون الخلفاء لإسقاط خلافتهم شرعا، فالأعمى لا يحوز الولاية، وعلى ذلك، تم تعطيل أهلية القاهر بالله، بسمل عينيه من قبل ابن أخيه الراضي بن المقتدر، ومثل ذلك جرى مع المتقي لله، حيث سمل عينيه ابن عمه المستكفي، ولا يخرج عن السياق، الخليفة العباسي المتوكل (ت ـ 861 م) فقد ذبحه إبنه المنتصر، وكان ولي عهده، وقال فيه البحتري شعرا:
أكان ولي العهد أضمر غدرة؟ / فمن عجب أن ولي العهد غادره
السلطان العثماني مراد الأول (1326 م)، سمل عيني ابنه، صاروجي، بعدما نازعه الملك، على ما يقول محمد فريد بك المحامي، صاحب الكتاب المعروف «تاريخ الدولة العلية العثمانية»، فيما فاتح مدينة القسطنطينية (1453 م)، محمد الثاني، قتل أخاه الرضيع أحمد، في حين أن السلطان سليم الأول دس السم لوالده بايزيد الثاني واستولى على الحكم في العام 1512م، ثم قتل خمسة من أولاد إخوته، ولاحق أخويه أحمد وكركود فقتلهما في العام 1513. وفي معركة «غالديران» العام 1514 مع الشاه الصفوي إسماعيل، سُبيت زوجة الأخير، فأهداها السلطان سليم الأول لكاتبه، تبعا لما يقول محمد فريد بك المحامي.
لم يخرج السلاطين العثمانيون، كما يقول المؤرخ خليل إينالجيك، في كتابه «تاريخ السلطنة العثمانية» (ترجمة محمد الأرناؤوط)، عما هو معروف بـ«قانون ناما» الذي وضعه محمد الفاتح، بعدما استحصل على «فتاوى شرعية» أجازت قتل الإخوة والأشقاء والأقارب حفاظاً على مصلحة السلطنة العليا، ويرد في القانون: «يمكن لأي من أبنائي، الذي سيهبه الله السلطنة، أن يتخلـص من إخـوته، وهو ما تقره غالبية العلماء»، ووفقاً لهـذا القانون، حيث يقرر الله مصير الممالك والملوك، فسليمان الأول قتل ولديه، مصطفى (1553) وبايزيد (1561)، وخنق مراد الثالث خمسة من إخوته، ومحمد الثالث (1595 ـ 1603) أعدم تسعة عشر من إخوتـه، وعثمان الثاني (ت ـ 1622) حـاز «فتـوى» مباشرة بقـتل شقيـقه الأكـبر محمد، واعتمد السلاطين العثمانيون حبس أشقائهم في غرف خاصة في القصور، وقد غدت تُعرف لا حقاً بـ«الأقفاص» وتمتد لسنوات. ولما دُعي سليمان الثاني للحكم، كان قضى أربعين سنة في «القفص»، إلى جوار الخصيان والجواري والعبيد، وبطبيعة الحال، بعد أن تؤول السلطة لسلطان السلطنة الجديد، يزور ضريح الصحابي أبي ايوب الأنصاري، ويؤم المصلين جماعة في أول يوم جمعة، يلي إعلان سلطانه.
من نافل القول، إنه من الصعب حصر السير الشخصية للولاة المتغلبين أو إيجاز تاريخ تداولهم السياسة وإدارة الأمر، ولكن السؤال الذي يبهظ الحاضر، يكمن في الحيز المسموح والمطلوب لفصل القداسـة عن التاريـخ، ذاك التاريـخ الذي أعيـد إحياؤه ممـثلا بـ«داعـش» وخلافتها وشرائعـها القائمة على السبي والذبح والقتل باسم الشريعة وأحكامها.

Posted in فكر حر | Leave a comment