4 المَمْلكَةُ المَنْحوسَة

كانَ الملكُ صَفْوُ الأثيرِ مشهوراً بين رعيَّته بقوَّةِ الريحِ المركَّزَةِ التي يُطْلِقُها بشكلٍ مستمرٍّ و بصمتٍ كاملٍٍ لدرجةِ أنّ صاحبَ kusedالسموِ الملكيِّ لا يعرفُ أنّهُ هوَ مصدرُها .
رائحةٌ كريهةٌ عابقة تَسْقُطُ من قُوَّتِها طيورُ الشجرْ و تَذْبُلُ لِفَظاعَتِها غُصونُ الزَّهر، مما انعَكَسَ على سِماتِ وَجْهِهِ فهو دائماً عديمُ الابتسام، مُكْفَهِرُّ الوجه.
لذا فقد اعتادَتْ حاشيَتَهُ الكريمةُ و رعيتهُ المصونة على تحويلِ أيِّ لقاءٍ بهِ الى احتفالٍ و ابتهاجٍ بِحِكْمَتِهِ و قوَّتِهِ ، عطَاآتِهِ و بركاتِه، فيبدؤون بالغناءِ و الرَّقْصِ هاتفينَ بحياتهِ ، فرحينَ ومُتَجاهِلينَ الرّائحةَ المقيتة القادمةَ من اتِّجاهِهِ مُسْبِغينَ وجْوههم بضحكاتٍ كاذبةٍ و ابتساماتٍ متملقةٍ.
فَهُمْ و في محاولةٍ يائسةٍ للتغلبِ على تلكَ الرائحةِ الكريهةِ، يُبْقونَ مسافةً مِنْهُ بِحِجَّةِ التبجيلِ و الاحترامِ بينما يقومونَ برمي موكِبِهِ بكلِّ ما ضاعَتْ منه رائحةٌ ذكيّة و عَبُقَ فيه شذى أخّاذْ من عُطورٍ و بُخُورْ، ورودٍ و رياحين ، حَبّات حَبَقٍ و أوراق غارْ.
أمّا المَلِكْ ، فَيَمُرُّ مُحَيِّياً بابتسامةٍ متبادلة لا تَقِلُّ نفاقاً عن ابتساماتِهِم محاولاً إخفاءَ اشمئذاذه من تلك الرائحة الشَّنيعة و المتركزة حوله باستمرار، فأنفُهُ الحسّاسُ هو الاقربُ باستمرار لمصدر تلك الرّيحِ الصّامِتَةِ النَّتِنَة .
ها هو الملكُ صَفْوُ الأثيرِ يجتازُ جموعَ الشَّعْبِ بِسُرْعَةٍ للتخلُّصِ من مصدرِ تلكَ الرائحةِ العفنة فهي لا بُدَّ آتيةً من جموعِ عامةِ الشعبِ، خاصَّةً الفُقَراء و المُشَرَّدين بثيابِهِم الرثَّةِ القذرة و اجسادِهِم الوَسِخَة .
لقد كانَت تلكَ الرائحةِِ المُقَزِّزَة تُعَكِّرُ صفوَ الملكِ و تسلُبُ نَشْوَتَهُ مُسَبِّبَةً لهُ وَجَعَ رأسٍ مستمرّ.
أمَرَ الملكُ بعقدِ اجتماعٍ عاجِلٍ للحاشيةِ لمناقشةِ الأمرِ، وها هم كلُّ مُسْتَشاريْهِِ من أصحابِ السموِّ و الرِّفْعَةِ و بكلِّ تملُّقٍ ونفاق يشاطرونَهُ الرأي حول سَبَبِ تِلْكَ الرّائحَةِ المُسْتَديمَة فلا أحد يجرؤ على مجابهته بالحقيقة و التي هنا ليسَتْ مُرَّةً ، بَل كانت كريهة حيث الكُلُّ يؤيِّدُ جلالتهُ بضرورةِ غسلِ و تنظيفِ الطبقةِ العامةِ منَ الشعب .
بعدَ عِدَّةِ مداخلاتٍ و سماعِ الكثيرِ من الاقتراحات ، أصْدَرَ الملكُ قراراً يقضي بوجوبِ الاستحمامِ اليوميِّ لعامةِ الشَّعْبِ مرتينِ يومياً، قبيل شروقِ الشَّمْسِ و عندَ جُنوحِ الظلام كما أمَرَ ببناءِ حَمّاماتٍ في كلِّ بقاعِ المملكة ، و مُصادَرَةِ كُلِّ الثيابِ الملوَّثةِ الوَسِخَة و استبدالِها بثيابٍ جديدةٍ تُوَزَّعُ على عامةِ الشعبِ .
بَعْدَ أن أبدى أصحابُ السُّموِّ من أركانِ البلاطِ الملكيِّ ارتياحَهُم و إعجابَهُم بقراراتِ المَلِكِِ الحكيمة، قاموا بتنفيذِ أوامرِ الملكِ بعد إسباغها بطابع العناية الفائقة و الود الكبير الذي يكنُّه جلالتُهُ للشعب، فأعلنوا للملأِ أنَّ تلك الحَمّاماتِ إنّما هيَ مِن أجلِ صِحَّتِهِم و عافيَتِهِم فهي تَدْحَرُ الامراضَ و الأوبئةَ أمّا الملابس فهي من عطاآت الملك المباركة لشعبه الكريم.
و مع تنفيذ تلك الإجراآت الجهنَّميّةِ، فمازال مَلِكُنا الجليلُ يُبْخِرُ تلك الرائحة المقيتة بٍصَمْتٍ فتواكبه أينما حَلَّ، فباتَتْ تُؤَرِّقُهُ و بدأت تُفْقِدُهُ صَبّْرَه، مُسَبِّبَةً له هاجساً مستمراً فهو دائم التساؤل عن مَصْدَرِ تِلْكَ الرائحة الكريهة، و عمّا يُمْكِنُهُ أن يَفْعَلَ أكثر ممّا فَعَل للخلاصِ منها.
عندما جابه حاشيته بفشلِ القراراتِ السابقة و التي أثنوا له فيها على حنكته و رشْدِه، أبدى مستشاره الخاص رأيه بأن الرائحةَ لا بُدَّ مُعَشْعِشَةٌ بالقصرِ و جُدرانِهِ فهوَ قَصْرٌ عامرٌ لكنَّهُ قديمٌ و مُزَيَّنٌ بالعديدِ من النوافذِ الكبيرةِ و التي على مرِّ السّنينِ سَمَحَتْ للرائحةِ القادمةِ من الشعبِ بالانتشارِ و التسرُّبِ إلى باطنِ الجدرانِ و التغلغلِ فيها.
اقتنع الملك صَفوُ الأثيرِ بالأمرِ، فأصدَرَ أمراً ببناء قصرٍ منيفٍ بأعلى الجبلِ المطلِّ على المملكة، بعيدٍ عن القصرِ القديمِ و طَلَبَ أن يكون خاليَ النوافذِ و الشرُفات.
سُخِّرَتْ كلُّ قدراتِ المملكة لبناء القصرِ الجديدِ فاستَنْفَرَ للعمل فيه أغلبُ الرعيّةِ بكلِّ حبٍّ و تفانٍ خاصَّةً بعد أن أخذ الملك برأي أحدِ مستشاريهِ فأسماهُ قصرَ الرعيّة.
و ما بين ليلةٍ و ضحاها، إذ بصرحٍ حجريٍ هائلٍ بدون نوافذ يُطِلُّ من فوقِ الجبل ، كَفيلٍ ماردٍ كسولٍ بدونِ عيونٍ ، أما خرطومَهُ الطويل فكان طريقاً مُلْتَوياً يَصٍلُ بوّابَة القصْرِ بالمملكة .
ها هو الملكُ صَفْوُّ الأثيرِ يجمعُ كلَّ أملاكِهِ و أموالِه، صكوكَِ المملكةِ و أختامِها، تيجانَهُ و وصولجاناتِه، عَرْشَهُ المُبَرَّجْ و كراسيه المخمليَّة، يُحَمِّلُها على عرباتِهِ و خيولِه و يزحف بها بكلِّ خِلسَةٍ و تأنّية مع سوادِ الليلِ إلى قصرِ الرعيَّةِ، فالملك قرَّرَ أن يكون انتقاله خفيّاً فهو يريد القصرَ الجديدَ أن يكونَ خالياً من دَنَس شَعْبه و مشبعاً بالهواءِ العليلِ الذي تَنْشَرِحُ له الصُّدور و الذي لَمْ يَعْرِفْهُ مُنْذُ وقتٍ طويل .
تَمَّ للملكِ ما أراد، و مع وُصولِ مَوْكِبِهِ إلى مدخلِ القَصْرِ، علا وَجْهَهُ ابتسامةٌ عفويةٌ مُريحة نَسيَها مُنذُ زَمَنٍ بعيدٍ بينما تَبِعَه خلفهُ مَوكِبُهُ و حاشيَتَه، فهوَ يَمْشي مُتَطَلِّعاً لهواءٍ نقيٍ بعيد ما أمْكَن عن نَتَنِ و وَسَخِ الأهالي .
غير أن تلك الابتسامةِ و للأسفِ لَمْ تَدُمْ سوى بِضْعُ خُطواتٍ ، فقد أُصيْبَ المَلِكُ الجَليلُ بإحباطٍ كبيرٍ عندما فتحَ رئتيهِ على مصراعيهما و أخَذَ نفساً عميقاً داخلَ القَصْرِ، و إذْ بِتِلْكَ الرّائحَةِ المشؤومة ما بَرِحَتْ تُداهِمُهُ مَرَّةً أُخرى.
تَوَقَّفَ الملكُ لِبُرْهَةٍ و نَظَرَ خَلْفَهُ ، فإذ بوجوهِ كلِّ الحاشيةِ المرافقة و قد بدا عليها منظرُ الاشمئزازِ و الغثيان.
عندها استدار الملك غاضباً و صاحَ بمستشاره الخاص موبخاً : لقد كان اقتراحك ببناءِ القصرِ بعيداً عن مصدر الرائحة الكريهة صائباً، لكنك أخطأتَ التنفيذِ فَقَد جَلَبْتَ أبناءَ الرعيةِ أنفسَهُم لبنائِهِ بأجسادِهِم القذرةِ و التي أُشْبِعَتْ عَرَقاً كريهاً فاضَ بسببِ كَدِّهِم الشاقِّ بنقلِ و رَصْفِ حِجارةِ القَصْرِ .
كانَ عليكَ أن تَجْلُبَ أُناساً مِن ممالِكَ أُخْرى لبِناءِ القصرِ بدلاً من الأهالي ذوي الرائحةِ النتنة.
ضاقَ صَدْرُ الملك صَفو الأثير و فقدَ صبره بعد أن حاولَ بكلِّ الوسائلِ التَخَلُّصَ من هذا الشؤمِ الذي لَبِسَه ، و ما زالَ يُطارِدَهُ قادماً من هذا الشعب المقزز الرائحة.
سارَعَ المَلِكُ خُطواته مُبْتَعِداً عَن كلا القَصْرَين تاركاً وَراءَهْ مَمْلَكَتَهُ و شعبهُ و لاحظَ أنَّه كُلَّما أسْرَعَ خَطَواته ، كُلَّما خَفَّتْ الرائحةُ اللاحقةُ بِه، فبدأ يعدو سريعاً مسروراً صائِحاً بِمَوْكِبِهِ من ورائهِ بضرورةِ تركِ قصر الرعيّة الجديد فهو الآخَرُ منحوسٌ ، هلُمُّوا هيّا اتبعوني بالمسيرِ مع جناحِ اللَّيلِ عَلَّه مع قُدومِ الصَّباحِ نلتقي شعباً زكيَّ الرائحةِ خاليَ القذارَةِ، أُغْدِقُ عليهِ أموالي و بركاتي فيُبايُعُني مَلِكاً عليه فأنا أستحِقُّ شَعْباً أفضلَ من هذا الشعبِ البائس، فطالما هو حَولي سَتَظَلُّ تِلْكَ الرائِحَةِ اللَّعينَة تُطارِدُني.

الأرقش

آب / 2012 /

About الأرقش

كاتب وطيبيب سوري يعيش بأميركا
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.