مقال لن يقرأه شاكر النابلسي

اتصلت به عبر الهاتف حسب الموعد المحدد بيننا، فجاء صوت زوجته الفاضلة حزينا : شاكر في المستشفي وربما يطول shakerغيابه. شعرت بحشرجة منعتني من الرد حتي انقطع الخط. كان من المفترض أن نستكمل نقاشنا حول كتابه الجديد ” الجنسانية العربية : الجنس والحضارة (1) ومتعة الولدان وحب الغلمان (2) ” صدر عام 2013 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، وقد أهداني اياه،عبر الفنان والباحث عبدالوهاب الكيالي بجامعة جورج تاون، قريب ناشر معظم أعماله القدير ” ماهر الكيالي “.
شاكر النابلسي كما عرفته – وتتلمذت علي كتاباته – كان من الحفارين الكبار، وما كانت الليبرالية ( الجديدة ) التي رمي بها ( واستأنسها ) إلا عباءة تحميه من ( غبار الحفر العميق ) في تراثنا وواقعنا العربي والإسلامي، وهو لم يتردد أو يكل أو يضعف، رغم الهجوم الضاري والقاسي عليه من الدهماء والرعاع والمتعصبين، من ملامسة العصب العاري لتابوهات : الدين والجنس والسياسة، وان أخذت منه السياسة الكثير كأي مثقف عضوي يلتحم مع مشاكل مجتمعه وقضايا عصره إلي درجة الانصهار والذوبان!
النابلسي لم يكتب ( في الليبرالية ) أو ( عن الليبرالية ) – كما هو معروف – وإنما كتب ( بالليبرالية ) حتي لامس الجدار المكهرب، وهنا نكتشف التداخل بين السياسي والثقافي في معظم مؤلفاته ( أكثر من سبعين كتابا ) في نقد الشعر والرواية والقصة القصيرة والموسيقا والفن التشكيلي ( أكله الذئب .. السيرة الفنية للرسام ناجي العلي، 1999) ونقد الثقافة والتاريخ والتربية والفكر السياسي.
تأثر النابلسي – كمعظم أبناء جيله – بالمفكر والمناضل الايطالي ” انطونيو غرامشي ” خاصة كتابه ( دفاتر السجن ) يقول غرامشي : ” ليس هناك استيلاء علي السلطة السياسية ، دون استيلاء علي السلطة الثقافية ” وهذا هو سر اهتمامه ” بالشعر ” تحديدا في العديد من مؤلفاته وحتي كتابه الأخير الذي احتل فيه ” أبو نواس ” نصيب الأسد، ربما لأن الشعر دون سواه وكما قال الشاعر الفرنسي ” لويس أراغون ” : هو الكيان الذي ينقل المعرفة الي أبعد حدود امتلاكها”.
اهتم النابلسي – المثقف العضوي – بدراسة ” الجنسانية ” وليس ” الجنس ” باعتباره التابو المعرفي المحرم في العالم العربي والتابو السياسي للانظمة العربية والحركات النسائية اليوم، أي انه كان ( يحفر ) في الدوافع الاجتماعية والتاريخية والنفسية والاقتصادية والبيئية والمناخية والصحية والثقافية والفنية .. الخ، لفعل الجنس وممارسته في المجتمع العربي قبل الإسلام وبعده وإلي اليوم، وهي مهمة أصعب وأعقد بكثير.
ولا شك ان قراءة الجنس في كل أشعار العالم – لاسيما العالم العربي – تؤدي الي فهم افضل للجنس، ولم يثر أي شاعر أو رمز ثقافي عربي في الماضي أو في الحاضر ما أثاره ” أبو نواس ” من جدل ونقاش وبحث حول أسباب وبواعث ” شذوذه الجنسي ” وكان ذلك بمثابة الغني الثقافي العلمي، للنقد العربي عامة ” ( الجزء الثاني : ص – 260 ).
أبو نواس ( الشاعر الماجن ! ) هو ابن العصر العباسي الأول ( 750 – 861 م ) الذي كان يتلمس طريقة أخري للمتعة الجنسية، حيث كانت معظم المدن العربية في زمن ( ألف ليلة وليلة ) يمارس فيها الشذوذ الجنسي وكل أنواع القمع السياسي والاجتماعي وهو ما أثر في تحديد المفاهيم الجنسية سواء كانت طبيعية أم شاذة، وكتب أبو نواس نوعين من الغزل : غزل بالنساء وغزل بالغلمان، ومن هنا خصص النابلسي الجزء الثاني من كتابه لظاهرة الغلمان في شعر النواسي.
النابلسي كمثقف مهموم حتي النخاع بقضايا عالمنا العربي – الاسلامي يرينا علي امتداد صفحات كتابه الضخم ( 800 صفحة ) : متي كانت السلطات تتسامح مع الاقتصاد الجنسي وترفع شعار ” البغاء أفضل من الحجاب ” و” دعه ينكح، دعه ينشط ” وأن ” النكاح هو الحل “، ومتي كانت تستخدم نفس السلاح – من خلال فقهاء السلاطين – في قمع شعوبها والسيطرة علي أجسادهم وأنفاسهم ورغباتهم، وهي مفارقة نجح بإمتياز في كشف تناقضاتها بسلاسة وطلاوة يحسد عليها!
بقي أن أقول أن النابلسي كان عاكفا في أيامه الأخيرة علي تأليف موسوعة كبيرة حول ” جنيالوجيا القرآن الكريم ” – تقريبا أنجز الكثير منها – ولست في حل بعد رحيله أن أتحدث عن تفاصيلها، لكن يبقي لأسرته وحدها الحق في نشرها، وهي بلا شك إضافة كبيرة للمكتبة العربية.
لن أقول وداعا للحفار الكبير شاكر النابلسي، وإنما إلي لقاء ..
عصام عبدالله
[email protected]

المصدر ايلاف

About عصام عبدالله

د. عصام عبدالله كاتب يساري موقع ايلاف [email protected]
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.