النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/
8
علي الكاش
6. من اين استقى الفرس مثالب العرب؟
قاله الثعالبي” يحكى أن رجلا يتهم بالدعوة قال لأبي عبيدة لما أتهم بكتاب المثالب: أتسب العرب جميعا؟ قال: ما يضرك أنت من ذلك؟ ـ يعني أنه ليس منهم ـ فإذا إدعى النسب في هاشم وهو دعي قالوا: هو إبن عم النبي من الدلدل وهي بغلته، قرابة ما بينهما كقرابة ما بين النبي وبين البغلة، وفي ذلك يقول أبو سعد دوست:
فديتك ما أنت من هاشــــم وما أنت من أحمد المرسل
فإن قلت إني إبن عم النبي فأنت إبن عم من الدلدل (النهاية في الكناية/115).
تُستمد المثالب غالبا من فن الهجاء في الشعر والنثر والخطب وبعض النوادر الواردة في التأريخ العربي والإسلامي، وهي رغم استهجانها من قبل العلماء المسلمين، لكنها تعد فن قائم بحد ذاته ولا يمكن إنكار هذا الجزء من تأريخ الأمة بغض النظر عن ماهيته وسلبياته، وقد أسهب الكثير من الرواة في ذكر مثالب العرب المسلمين، والكثير منها تجاوز الحقيقة، وكان الغرض منه التجريح بالمقابل بعض النظر عن شخصية القالب والمثلوب. قال الجاحظ” أن ثمة مخبرين كذا بين يصنعون الأخبار أو يولدونها أو يحرفونها لأسباب مذهبية أو دينية أو سياسية أو عنصرية من هؤلاء أبو مخنف والشرقي بن القطامي، والكلبي، وابن الكلبي، ولقيط المحاربي، وشوكر وعطاء الملط، وابن دأب، وأبو الحسن المدائني، وحماد الذي قال عنه يونس بن حبيب: يا عجبا للناس كيف يكتبون عن حماد وهو يصحف ويكذب ويلحن ويكسر”. (البغال/11).
غالبا ما لا تعبر المثالب عن جوهر الذي تعرض اليها، قال الجاحظ” بكى عبد الله بن جدعان من بيت لخداش بن زهير. وما زال يهجوه من غير أن يكون رآه، ولو كان رآه ورأى جماله وبهاءه ونبله والذي يقع في النفوس من تفضيله ومحبته ومن إجلاله والرقة عليه أمسك”. (كتاب الحيوان1/243). قال ابو حيان التوحيدي” بكت العرب من وقع الهِجاء كما تبكي الثَّكْلى من النساء، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخوَّن جمالها ويعيب فعالها”.( أخلاق الوزيرين/90). وأضاف” قيل لعقيل بن عُلَّفة: لم تهجِ قومك؟ فقال: إن الشاة إذا وردت الماء فلم يُصفر لها لم تشرب، أي إذا لم يُحرِّضوا على المكارم لم يفعلوها”. (أخلاق الوزيرين/265).
كما قال الجاحظ” أسباب عداوات النّاس ضروب: منها المشاكلة في الصناعة، ومنها التقارب في الجوار، ومنها التقارب في النّسب، والكثرة من أسباب التّقاطع في العشيرة والقبيلة، والسّاكن عدو للمسكن، والفقير عدوّ للغني وكذلك الماشي والراكب، وكذلك الفحل والخصيّ، و بغضاء السّوق موصولة بالملوك، وكذلك والموصي له بالمال الرغيب، وكذلك الوارث والموروث، ولجميع هذا تفسير”. (كتاب الحيوان7/59). لذا هناك عدة دوافع تقف وراء المثالب منها سنفصلها بدقة:
بكل أسف في الوقت الذي قام الفردوسي وغيره من المؤرخين والشعراء الفرس بتجاوز سلبيات ملوكهم ورجالهم وإغفالها وأتجاهلها أو طمسها، حيث إنهم ركزوا على إيجابياتهم وبالغوا بها بشكل أقرب منه للأساطير والمعاجز، على سبيل المثال، قال الحميري” تزعم الفرس أن فيلاً من فيلة كسرى اغتلم فأقبل نحو الناس، فلم يقم له شيء حتى دنا من مجلس كسرى، فأقشع عنه جنوده وأسلمه صنائعه، وقصد إلى كسرى ولم يبق معه إلا رجل واحد من فرسانه، كان أخصهم به حالاً، فلما رأى قربه من الملك شد عليه بطبرزين كان في يده فضرب جبهته به ضربة غاب جميع حديده بها في جبهته، فصدف عنه وارتدع، وأبى كسرى أن يزول من مكانه، فلما أيقن بالسلامة قال لذلك الرجل: ما أنا بما وهب الله تعالى لي من الحياة على يديك بأشد سروراً مني بما رأيت من هذا الجلد والوفاء والظفر (3) في رجل من صنائعي وحين لم تخطئ فراستي، فهل رأيت أحداً قط أشد منك؟
قال: نعم! قال: فحدثني عنه! قال: على أن تؤمنني، فأمنه، فحدثه عن بهرام جوبين بحديث شق على الملك إذ كان عدوه بتلك الصفة”. (الروض المعطار/550).








