بحتري الشعر

بحتريَّ الشعر أحلامك شهـــدٌ =وشعاعٌ فوق أثواب البشائـــرْ
مركبٌ يأوي إلى وهج الخيـالاتِ =يصوغ الشعر في زهو المنابـرْ
كيف ترجو الوهم والحق سماواتٌ =وأحلامٌ بها تسمو الذخائــــرْ
***
بحتريَّ الشعر هذا واقـــــعٌ =مسرفٌ في غيِّهِ والظلم قاهــرْ
كم تنفست به من قبلُ حتــــى =أظلم القلب وأرهقتَ المشاعــرْ
كل ما فيه خداعٌ وأســـــى =ويضيع العدلُ في غفلةِ خائــرْ
***
بحتريَّ الشعر أحلامك تخبـــو =وبريق الشعر لا يرقى كطائــرْ
كيف أسرجت جواداً مستنيـــراً =ودفنت النبض في عمق المقابـرْ
لو تضوَّعت ـ مع الضيم ـ نهوراً =لرأيت الضيم في الأسمال حائــرْ

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

ناقلة النفط غرقت والكثير من الغموض بقي من دون اجابات؟!

بقلم: المحامي عبد المجيد محمد
Abl.majeed.m@gmail.com

اصطدمت سفينة شحن صينية تدعى كريستال مع ناقلة نفط إيرانية تدعى سانتشى فى المياه الساحلية حول ميناء شانغهاي بالصين، الامر الذي اصبح عنوان الصحف في الايام العشرة الماضية في الكثير من وسائل الاعلام وبخاصة وسائل الاعلام الإيرانية. ووفقا لما نشر في وسائل الإعلام الإيرانية، فإن الخبر هو كما يلي:
تحمل ناقلة النفط الإيرانية 136 الف طن من الغاز الإيراني المكثف والمصدّر الى كوريا الجنوبية في عصرالسادس من كانون الثاني / يناير وبعد ان اصطدمت هذه الناقله بسفينة شحن اصبحت عرضة للحريق والغرق.
احتوت سفينة الشحن “سي إف كريستال”، المسجلة في هونغ كونغ، المملوكة لشركة لوجستية فى مقاطعة (جه جيانغ) الصينية، على 64 الف طن من الحبوب وكانت قادمة من الولايات المتحدة الى مقاطعة (غوانغ دونغ) جنوب الصين وفي طريقها لهناك اصطدمت مع ناقلة النفط الإيرانية
(سانتشي Sanchi)
المملوكة لشركة برايت من إيران.

تسبب الحادث فى انفجار وحرائق في ناقلة النفط، ومن بين ركابها الـ 32 يوجد 30 إيرانيا و 2 منهم بنغلاديشيين لم ترد اي اخبارعنهم. وبطبيعة الحال، وبعد يوم واحد، عثر على جثة أحد أعضاء الطاقم الإيراني على بعد ثلاثة أميال من موقع الحادث، وعثر بعدها على جثة اثنين اخرين من افراد الطاقم الإيراني ايضا.
واستنادا إلى آخر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي ارسلت من شنغهاي في الصين، فان ناقلة النفط الإيرانية قد غرقت تماما. يظهر من مقطع الفيديو أن سطح الناقلة لا يظهرعلى سطح الماء ابدا، ولا يمكن رؤية سوى الدخان والنارمن بقايا ناقلة النفط سانتشي.
وبصرف النظر عن الأنباء، فإن الاصطدام بين السفينتين ترك الكثير من الغموض بالنسبة للأسر والناجين من ضحايا هذه الحادثة المؤسفة؛ ومن وجه نظر تقنية وتجريبية على حد سواء. فقد أدلى خبير إيراني متخصص في الشؤون البحرية والنقل البحري بملاحظات لافته للنظر حول هذا الاصطدام والمسائل التقنية ذات الصلة. حيث كتب على صفحته على الفيسبوك:
قد تكون أخبار تصادم السفينتين قابلة للتصديق بالنسبة لأولئك الذين ليسوا على دراية بناقلات النفط وأنظمة السلامة الخاصة بهم، ولكن بالنسبة لأولئك الذين هم على دراية بأنظمة سلامة ناقلات النفط لا يمكن أن يمر هذا الخبرعليهم بسهولة. ويضيف هذا الخبير:
1- النقطة التى اصطدمت فيها السفينة الصينية بناقلة النفط تبعد على الأقل 50 إلى 80 مترا بعيدا عن غرفة المحرك وسكن الناقلة النفطية.
2- تكتشف أنظمة الملاحة البحرية وراداراتها على السفن وجود أي جسم معدني ثابت أو متحرك على مسافات لا تقل عن 80 كيلومترا. لذلك هنا السؤال كيف يمكن لأي من هذه السفن العملاقة ألا تكتشف احداهما الاخرى وهما في مسار واحد؟
3- صممت جميع الناقلات وصنعت لعدم السماح للغاز بالدخول إلى غرفة المحرك ومهاجع السكن، وبمجرد أن تكتشف أجهزة استشعار الكشف عن الغاز وجود الغاز في الهواء الداخل، يتم إغلاق الصمامات وفتحات الهواء؛ وأجهزة التنفس متوفرة وبكثرة على متن السفينة.
4- وقد تم تجهيز قاربي نجاة على كل من طرفي ناقلات النفط في اقرب نقطة من مهاجع السكن، حيث لا توجد حاجة للكهرباء لاطلاق هذه القوارب فوق الماء.
هذه القوارب منيعة تماما ولا يمكن اختراقها حتى انها قادرة على العبور وسط النيران. بالإضافة إلى القوارب الاثنين على كل من طرفي السفينة، يتم تثبيت عدد كبير من القوارب القابلة للنفخ في أجزاء مختلفة من السفينة، حيث يستطيع الطاقم طرحها في الماء وانقاذ حياتهم.
5- هناك العشرات من ستر النجاة في أماكن مختلفة والتي يمكن ارتداؤها والقاء الفرد نفسه في الماء بعد ارتدائها.
6- سرعة السفن نادرا ما تصل إلى 30 كيلومترا في الساعة، أ لم يكن هناك فرصة لتغيير الطريق وتجنب هذا الاصطدام حقا؟
ونتيجة لذلك، ومع أخذ النقاط التجريبية والفنية المذكورة أعلاه بعين الاعتبار وبالنظر إلى الامكانات المتوفرة في البلدان القريبة من الحادث، بما في ذلك بلدان الصين واليابان، التي كانت قادرة على مساعدة الناقلة النفطية المصابة، يبقى أن نرى لماذا السلطات المسؤولة في النظام الإيراني لم تستخدم كل قدراتها الحكومية والدولية لإنقاذ حياة عمال ناقلة النفط الإيرانية سانتشي؟
أليس هذا المثال هوأفضل دليل على عدم وجود قيمة للحياة البشرية في بلد ولي الفقية الحاكم؟

ونظرا لسرية وعدم وضوح النظام الإيراني إزاء هذا الحادث الرهيب والمؤسف، فمن الضروري جدا إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة من قبل هيئات دولية ومحايدة ذات الصلة بشأن سفينة سانتشي وضحاياها البحارة.
الشعب الإيراني ليس لديه شك في طبيعة النظام الحاكم في إيران المعادية للشعب الإيراني. على مدى 40 عاما، لمس الشعب الإيراني طباع ومزاج هذا النظام الفاسد والمعادي للشعب الإيراني بشحمه ولحمه وهم يدركون طبيعة هذا النظام بشكل جيد.
وبالمثل، فإن شعب طهران المروع اثناء احتراق وانهيار مبنى بلاسكو في 19 يناير عام 2017 قد شهد تقاعس نظام الملالي عن انقاذ الأبرياء الذي فقدوا حياتهم ولم تصل صرخاتهم الى اي مكان، وبالمثل أيضا في الزلزال الأخير في محافظة كرمنشاه في غرب إيران والذي أدى الى تشريد آلاف الأسر في برد الشتاء القارس وفي الصحراء والقيافي، ولم يصل صراخهم إلى أي مكان.
ولهذا السبب، هذه هي الطبيعة المعادية للإنسانية لنظام الشر وولاية الفقيه، والذي اتحد الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية من اجل الإطاحة بهذا النظام بأسره واستبداله بنظام شعبي.
لقد قرر الشعب الإيراني إسقاط هذا النظام برمته واستبداله بحكومة ديمقراطية بدلا عنه. الآن كل أسباب الإطاحة بنظام حكم الفقيه متوفرة. ومن المناسب أن تعترف جميع الحكومات والدول، ولا سيما الدول العربية، بالمقاومة الإيرانية بشكل رسمي، وأن توفرالوسائل والطرق كافة للإطاحة بالنظام الاستبدادي في إيران.

Posted in فكر حر | Leave a comment

نحن والإيمان

يرتبط الإنجاز بثبات العزم
ويرتبط النجاح بالإرادة الجادة
لكي نتمكن من استعمال الفلزات والمعادن المتوفره في الطبيعه فيجب أن تمر في مجموعه من الإجراءات التقنيه مثل التصفيه والتشذيب بغض النظر عما إذا كانت هذه الإجراءات تحدث في الطبيعه أو هي من صنع البشر
إجراءات مثل التسخين والتبريد والتهدئه والتنقيه التي تقع على المعادن والفلزات , تشبه الى حد بعيد ما يجب أن يقع على حياتنا كبشر , في الواقع أن أهم ما يمكن صقله وتنقيته هو الطبيعة البشرية

للطبيعه البشريه العديد من الأشكال , بعض الناس يملكون القابلية والرغبه للتعامل مع جميع أنواع التحديات . لديهم المرونه والقدره على التعايش مع جميع الأوضاع الحياتيه , بينما غيرهم من البشر لا يمتلكون هذه القابليه ولا الرغبه ويفتقرون الى ما يحفزهم لكي يفعلوا . علينا القيام بما يجب لبناء قوة شخصياتنا بالصدق والتقوى والبر والرحمة والود , لكي نسمو ونصبح بشراً حقيقيين

كل الأديان التي يتعبد بها البشر تشير إلى رعاية إلهية تكشف إمكانات البشر الهائلة في الحكمة نتيجة الإيمان والإستيقاظ التام من كل الجهالات
من دون المرور بالعديد من المصاعب والمحن ، كيف يمكن الكشف عن الطبيعة الحقيقية للفرد ؟
من المهم عدم الشعور بالخوف من التحديات والإيمان بالخالق لأن هذا الإيمان هو جزء من الطريق نحو حياة ناجحة

د. ميسون البياتي

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

بنيامين كارسون .. قصة حقيقية

في ديترويت ولد الطفل اﻷسود الفقير بنيامين كارسون، في 1951/9/18، وعاش مع والدته في ظل فقر مدقع ، والتي كانت تعمل بجد وجهد كبير لتأمين حياة متواضعة ﻹبنها، ولم تكن تعتمد على ما توفره الحكومة من رعاية اجتماعية ؟

يقول عنها ابنها بن كارسون في سيرته الذاتية: لقد كانت تعمل كثيرا، وفي بعض اﻷحيان كنا حتى لا نراها طوال أسبوع كامل، كانت تغادر المنزل عند الساعة الخامسة صباحا وتعود عند الساعة الحادية عشر ليلا أو في منتصف الليل متنقلة من وظيفة ﻷخرى ، فقد كانت مصممة على ألا تكون واحدة من أولئك اﻷمهات اللواتي يعتمدن على الرعاية الاجتماعية ؟

في ظل انشعالها بالكفاح المتواصل من أجل صغيرها ، فإنها لم تتمكن من متابعة تحصيله الدراسي ، وصدمت عندما علمت أن ابنها هو اﻷسوأ واﻷغبى في صفه الدراسي ؟

وكانت قد لاحظت من خلال عملها في منازل اﻷثرياء أن أولادهم كانوا يقضون ساعات ما بعد المدرسة وهم يقرؤون الكتب بنهم شديد ، بينما كان ابنها يضيع وقته في اللعب ومشاهدة البرامج التلفزيونية ؟

ولذلك قررت اﻷم أن تخطط ﻷمر معين ، كانت تدرك في أعماقها أنه سيحدث تغيير في حياة صغيرها ؟

حين عادت إلى المنزل أخبرت ابنها بقرارها فقالت له كما يحكي “بن” سوف تبدأ بمطالعة الكتب بمعدل كتابين أسبوعيا ، وسوف تطفئ جهاز التلفزيون السخيف ، ولكي أتأكد من أنك تقرأ جيدا ستزودني بتقارير عن الكتب التي تقرأها أسبوعيا ؟

يقول “بن” عن والدته كانت شديدة وحازمة في تنفيذ قرارها رغم معارضتي لذلك في بداية اﻷمر، لكن أمام اصرارها وحتى لا تحرمني من اللعب ومشاهدة التلفاز رضخت لقرارها ؟

كان “بن” يستعير كتابين في اﻷسبوع من المكتبة العامة ، ويكتب عنهما ملخص لوالدته ، التي أخبرته بأنها ستقوم بمراجعة التقارير بدقة على الرغم من أنها لم تحصل إلا على شهادة الصف الثالث الابتدائي ؟

يقول “بن” فيما بعد وحين قام بتطبيق قرار والدته الحَكِيْم ، وصلت إلى نقطة بحيث إنه إذا توافرت لي خمس دقائق كنت أطالع كتابا ، لا يهم المكان الذي أكون فيه سواء كنت أنتظر الحافلة ، أو حول مائدة العشاء ، والدتي التي كانت دائما تحثني على القراءة أصبحت تزجرني “بن ضع الكتاب جانبا وتناول طعامك” ؟

فيما بعد أصبح “بن” اﻷول على صفه الدراسي تخرج من المدرسة الثانوية بتفوق ، اﻷمر الذي مكنه من الحصول على منحة للالتحاق بالجامعة ؟

كان حلمه أن يكون طبيبا ، وفعلا سجل بكلية الطب ، وتميز فيها ، تدرب وعمل في عدة مستشفيات ذات مكانة عالية في بلاده ؟

عندما بلغ من العمر (33) عاما ، أصبح رئيس قسم جراحة أعصاب اﻷطفال ، وكان في الواقع الطبيب الجراح الوحيد في مستشفى “جونز هوبكنز” ؟

أظهر “بن” براعة عالية في إجراء العمليات الجراحية حصل بسببها على عدة ترقيات متتالية في عمَلُه ، وهو أول طبيب جراح في العالم يقوم بفصل التوأم السيامي الملتصق بالرأس ، وقد ألف أكثر من (90) مؤلفا طبيا ؟

وصفت مكتبة الكونجرس اﻷمريكية في عام 2001م “بن” بأنه أحد اﻷساطير الحية ال89 ، وفي عام 2009م منحه الرئيس جورج بوش الميدالية الرئاسية للحرية ، وهي أعلى تكريم تمنحه الحكومة اﻷمريكية للمدنيين ؟

وجاء الاعتراف الشعبي بعبقرية “بن” مع عرض الفيلم التلفزيوني يدان موهوبتان “قصة بن كارسون” في 2009م حول حياته وإنجازاته الاستثنائية ؟

وأخيرا … ؟
إذا كانت أم مكافحة بسيطة لم تحصل إلا شهادة الصف الثالث اﻹبتدائي ، وعت وأدركت أن القراءة سوف تؤثر بهذا الشكل المثير للدهشة في مسيرة علمية بأكملها لطفلها الفقير، فهل نعي وندرك نحن كآباء وأمهات ومربين ومجتمع أهمية القراءة في حياة أبنائنا ، وهل سندرك أثر توجيه الأبوين الصحيح في تصحيح مسار الأبناء؟

الشعوب التي تعجز عن جعل المعرفة أسلوب حياة لها ، تبقى الى ألابد على هامش التاريخ ، سلام ؟

Posted in فكر حر | Leave a comment

طبق اليوم: مفركة كوسا من سوريا

المقادير
كيلو لحم عجل مفروم ناعم
ثلاث بصلات متوسطات الحجم
كيلو كوسا
ملح وفلفل أسود
ملعقه سمن أو زيت

العمل
تنظف الكوسا وتقطع الى أنصاف دوائر . يسخن الزيت في مقلاة كبيره غيره قابله للصق وتقلى الكوسا مدة 10 دقائق ثم ترفع من على النار

يفرم البصل ناعماً ويخلط مع اللحم في مقلاة كبيره ترفع على النار مع التقليب حوالي نصف ساعه الى أن ينضج اللحم تماماً

تضاف الكوسه والملح والفلفل ويقلب الخليط حوالي 5 دقائق ثم يفرغ في طبق التقديم ويرش الوجه بقليل من الفلفل الأسود , تقدم المفركه الى جانب الرز .. شهيه طيبه

Posted in طبق اليوم \د. ميسون البياتي | Leave a comment

ما قاله علي عن المسيح … فمن صاحب الدين الصحيح

ما كما وصلتني من أخ شيعي متنور ..؟

ما قاله عليٌ عن .. المسيح

كان سراجه في الليل .. القمر
وظلاله في الشتاء .. مشارق ألارض ومغاربها

ولم تكن له زوجة .. تفتنه
ولا ولد .. يحزنه
وما مال .. يلفته
ولا طمع .. يذله

كانت دابته .. رجلاه
وخادمه ألامين .. يداه

إنه إبن الطهر البتول .. مريم
فمن إهتدى به ربح
وأنار ألله له الطريق .. مدى الحياة ؟

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

شاهد.. غواصون يعثرون على أكبر كهف تحت الماء

شاهد.. غواصون يعثرون على أكبر كهف تحت الماء الذي يبلغ طوله 347 كيلومترا اكتشف بولاية كوينتانا رو في شبه جزيرة يوكاتان. فيديو: عثر الغواصون في المكسيك في إطار مشروع  لدراسة الكهوف على أدلة تثبت ارتباط كهفي “ساك أكتون” و”دوس أوخوس” ما يجعلهما كهفا واحدا بطول 347 كم يعادل المسافة بين دمشق وحلب تقريبا.: 

Posted in الأدب والفن, يوتيوب | Leave a comment

ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

تخيلوا ولو للحظة أنه كان يوجد إنترنت وفيديو وفضائيات في عصر كارل ماركس. بل تخيلوا لو أن هذه الثورة المعلوماتية التي غيرت وجه الكون كانت موجودة في عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو. كنا سنراهم عندئذ بالصوت والصورة وهم يتمشون ويتحاورون في شوارع أثينا… بل تخيلوا لو أننا نرى المتنبي بكل شخصيته الفذة حيا وهو يلقي قصائده في حضرة سيف الدولة من خلال اليوتيوب؟ كيف كان زعيم الشعر العربي يترنم بشعره وقوافيه؟ شيء مذهل. شيء يدوخ العقل. ولكن للأسف كل هذه الأشياء نحن محرومون منها إلى الأبد. ولم يبق لنا منهم إلا مؤلفاتهم المكتوبة بلا صوت ولا صورة ولا حياة ولا من يحزنون. بحياتنا كلها لن نراهم ولن نعرف صور وجوههم ولا نبرات أصواتهم. أما عباقرة هذا الزمن من أمثالنا فسيراهم الناس بعد مليون سنة بصورهم الشخصية كما كانوا. سوف يرونهم بكل ضحكاتهم وابتساماتهم وتكشيراتهم إلخ… ويا له من كنز لا يقدر بثمن وتحسدنا عليه كل الأجيال السابقة من اليونان إلى العرب إلى حكماء الهند والصين والغرب أجمعين. ولهذا السبب أقول: أكبر حظ في التاريخ أننا لم نمت قبل ظهور الإنترنت والإيميل وكل الثورة المعلوماتية الحالية.

ولكن هذا لا يمنعنا من التخيل. فالخيال يعوض عن الواقع الحقيقي إلى حد ما. وفي كل الأحوال لم تعد لدينا وسيلة أخرى لاستنطاق عظماء الماضي واستمزاج رأيهم فيما يحصل حاليا. وهذا ما فعله المفكر الفرنسي المرموق هنري بينا – رويز. وهو فيلسوف وأستاذ جامعي وأحد كبار منظري العلمانية في فرنسا. وقد أصدر مؤخرا كتابا ضخما بعنوان: قاموس عاشق للعلمانية. ويا ليته يترجم إلى العربية. ماذا فعل هذا الباحث؟ لقد أعاد كارل ماركس إلى الحياة مرة أخرى وحاوره وأجرى معه عدة مقابلات متواصلة شكلت كتابا ممتعا في نهاية المطاف بنحو المائتي صفحة إلا قليلا. وكانت أسئلته من نوع: ما رأي كارل ماركس بحاله وتجربته ومساره الفكري والنضالي إبان القرن التاسع عشر؟ بل ما رأيه بأحوال العالم اليوم لو أنه بعث حيا في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين؟ وكذلك ما رأيه بكبار مفكري عصره وبالأخص أستاذه الكبير هيغل؟ ثم ما رأيه بأشياء أخرى كثيرة لا عد لها ولا حصر؟ هذا ما تجدونه في هذا الكتاب الخيالي الممتع الفريد من نوعه. وهو يشبه محاورات أندريه ميكيل مع أكبر خليفة مثقف في تاريخ العرب والإسلام: عنيت المأمون.

ولكن منعا لكل التباس تقتضي مني الأمانة منذ البداية أن أقول للقارئ ما يلي: في حياتي كلها لم أكن معجبا بماركس ناهيك بالماركسية والشيوعية وذلك لسبب بسيط: هي أنها مادية محضة أي تركز على العوامل المادية بشكل مسرف. وهو شيء يزعجني وينفرني منها. لهذا السبب لم يكن ماركس إحدى مرجعياتي الفكرية يوما ما. وذلك على عكس فولتير أو كانط أو بالأخص جان جاك روسو. فهؤلاء مثاليون روحانيون أكثر مما هم ماديون بكثير. وهذا ما يعجبني ويريحني فيهم. ولكن بما أن المؤلف مقتنع بما يقول فلماذا لا أعطيه حق الكلام والإعجاب بماركس. أقول ذلك وبخاصة أن هنري بينا – رويز شخص محترم ومفكر حقيقي لا يستهان به. أليست الديمقراطية تعني إفساح المجال لمن يختلفون معنا في الرأي والتحليل؟ يضاف إلى ذلك أنه يحب ماركس ويكره الماركسية. وهذا شيء يعجبني جدا فيه. إنه يكره الماركسية كعقيدة مغلقة أو متكلسة متحنطة متحجرة تلغي العقل والإبداع. ضمن هذا المنظور أقدم هذا الكتاب. في المقدمة التي تستهل الكتاب يقول لنا المؤلف ما معناه: هذا المحاورات التي ستقرأونها لم تحصل أبدا. فكارل ماركس مات قبل أن أولد أنا بأكثر من ستين سنة. ومع ذلك فهي حقيقية ولم أخترع شيئا من عندي. لم أكذب عليه ولم أرد تقويله ما لم يقله. الأسئلة الواردة هنا فقط مني. أما الأجوبة فهي مستمدة كليا من كتب كارل ماركس ومقالاته الكثيرة. ولذا أستطيع القول إن هذه المقابلات الخيالية مع شخص مات عام 1883 أي قبل قرن ونصف تقريبا ليست وهمية ولا خيالية على الإطلاق. وقد أردت من خلالها التسهيل على القارئ للدخول إلى فكر كارل ماركس الصعب والمعقد أحيانا. وهو فكر غير معروف جيدا على عكس ما نتوهم. وذلك لأنه مطمور تحت ركام من الأحكام المسبقة والأفكار الشائعة والشعارات الديماغوغية الخاطئة.

ثم يضيف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن فكر كارل ماركس أبعد ما يكون عن تلك الصورة المشوهة التي قدمها ستالين والستالينيون الشيوعيون عنه. إنه شخص آخر. ويمكن القول بأن كارل ماركس هو شخص رؤيوي يرى إلى البعيد وبعيد البعيد. نعم لقد تنبأ ماركس بالعولمة الرأسمالية المجنونة السائدة حاليا والمهيمنة على العالم. لقد رآها بأم عينيه وعرف أنها قادمة لا محالة. وهي عولمة تزيد الغني غنى والفقير فقرا. ولهذا السبب ساءلته عن عبادة المال في عصرنا، وعن العذاب البشري لمعظم الشعوب المحرومة من ثمار العولمة، وعن الدين، وعن الاستغلال، وعن التضامن مع الفقراء والمحتاجين، إلخ… لقد أردت أن أعرف رأيه في كل هذا. وعن ذلك نتج هذا الكتاب.

ولكن ماذا يقول بعض معاصرينا عنه؟ إنهم يتهمونه بالمسؤولية عن الغولاغ الستاليني المرعب. وهذا ظلم ما بعده ظلم. فهل يسوع المسيح مسؤول عن محاكم التفتيش السيئة الذكر؟ هناك المبادئ المثالية الرائعة وهناك التطبيقات السيئة أو المنحرفة الضالة. وبالتالي فرجاء لا تخلطوا هذه بتلك. ولا تظلموا ماركس أكثر مما يجب. فقد كان فيلسوف التحرير لا القمع. لقد ناضل طيلة حياته كلها من أجل تحرر الناس والشعوب. وأكبر دليل على ذلك مساندته لأبراهام لنكولن في معركته الهادفة إلى تحرير الزنوج في أميركا. وهي معركة دفع ثمنها الرئيس الأميركي العظيم غاليا لأن غلاة البيض المتطرفين قتلوه كما هو معروف. لقد اغتالوه بطلقة مسدس من وراء ظهره وهو يجلس في قاعة السينما منهمكا بمشاهدة أحد الأفلام. ودافع ماركس أيضا عن حرية الصحافة ضد الرقابة البروسية القمعية. ودافع بالطبع عن طبقة العمال المسحوقين المستغلين من قبل الرأسماليين الشرهين.

ولكن ماركس كما يقول المؤلف لم يشهد إلا المرحلة الأولى من الرأسمالية: أي رأسمالية القرن التاسع عشر. وهي ما يمكن أن ندعوه بالرأسمالية البدائية. ومعلوم أنها كانت بلا إيمان ولا قانون إلا قانون الربح السريع على ظهور العمال البائسين الذين يشتغلون أكثر من عشر ساعات في اليوم بأجور زهيدة جدا ودون ضمان صحي ولا تأمينات اجتماعية ولا أي أمان من أي نوع كان. ولكن بعد هذه الرأسمالية الأولى المتوحشة واللاإنسانية بالمرة حلت الرأسمالية الثانية في القرن العشرين. وقد لعبت تنظيرات ماركس وإنغلز دورا كبيرا في تخفيف وطأتها على الطبقة العاملة. فقد وجهت هذه التحليلات والتنظيرات المضيئة نضالات الطبقة العاملة وجعلتها تفرض على الرأسماليين بعض التسويات والتنازلات لصالحها. وهكذا حصل العامل في أوروبا على الضمان الاجتماعي والصحي وتقليص ساعات العمل وزيادة الأجور. وهكذا أصبح العامل يمتلك البراد والغسالة والسيارة. ودخل حياة الاستهلاك والاستمتاع بالحياة إلى حد ما. ويرى المؤلف أنه لولا تنظيرات ماركس المضيئة التي قادت النضالات العمالية والنقابية لما تحقق كل ذلك. وبالتالي فمن يقول إن الفكر مجرد كلام في كلام لا معنى له ولا قيمة مخطئ. الفكر أقوى من الرصاصة إذا كان فكرا حقيقيا مضيئا.

ثم انتقلنا الآن إلى المرحلة الثالثة من مراحل الرأسمالية. وهي ما يمكن أن ندعوه بالعولمة الرأسمالية المصرفية. ويرى المؤلف أن هذه المرحلة الثالثة تتميز بهيمنة الفلوس التي أصبحت معبودة كالعجل الذهبي. فأصحاب المليارات يتحكمون بالعالم ويستعرضون عضلاتهم، أي فلوسهم دون أي خجل أو حياء في بحر من الفقر المدقع. ولا يوجد عندهم أي إحساس ولا ضمير ولا أي ذرة من النزعة الإنسانية. هنا تكمن أصولية الغرب المتوحشة والباردة والصقيعية. وهذه المرحلة الثالثة كان كارل ماركس قد تنبأ بها في كتاب الرأسمال الشهير وبالأخص في الفصل المكرس لتحليل عبادة السلعة وتقديسها، وكذلك عبادة المال، والرأسمال المؤدي إلى المزيد من المال عن طريق الفوائد الناتجة عنه.كل هذا تنبأ به كارل ماركس. بل وتنبأ بالانحرافات الخطيرة التي طرأت على الرأسمالية مؤخرا وأدت إلى المضاربات المصرفية في البورصات العالمية. وهي مضاربات أدت إلى الأزمة العالمية الشهيرة عام 2008 حيث حصلت أكبر عملية سطو على مدخرات الناس العاديين في البنوك. ولا ننسى الأضرار التي طرأت على البيئة بسبب هوس الرأسماليين المجنون بالإنتاج وزيادة الإنتاج غير عابئين بمصلحة الأرض والطبيعة ناهيك بالإنسان. كل هذا ندفع ثمنه غاليا الآن بسبب شراهة الرأسمالية الغربية المتوحشة واللإنسانية. فالتلوث أصبح يملأ الأجواء والاضطرابات المناخية أصبحت تهدد مصير الجنس البشري كله.

– كيف قابل المؤلف كارل ماركس؟

إليكم هذا السيناريو الطوباوي الخيالي: بما أنه أصبح معجبا كل الإعجاب بروائع ماركس الخالدة والمجهولة على حد قوله، فإنه قرر السفر إلى لندن لمقابلته هناك حيث يقيم. وقد التقاه في أواخر حياته لا بداياتها. التقاه في بيته عام 1882 بعد أن فقد زوجته وحبيبة قلبه جني ماركس عام 1881. التقاه بعد أن أنهكه المرض والحزن ولم تبق له إلا سنة واحدة لكي يعيش. فهذه الزوجة رافقته طيلة حياته كلها ولم تتركه على الرغم من الفقر المدقع والحرمان المادي الرهيب. ومعلوم أنها ولدت في عائلة غنية وشبعانة لا تعرف الجوع ولا الحرمان. فكيف صبرت على تلك الحياة البائسة مع شخص عاطل عن العمل ولا يدخر شيئا تقريبا؟ لقد أقنعها بفكره وبذلك الحلم الرائع الهادف إلى تحرير البشرية وتحقيق الجنة على هذه الأرض. ثم إن الحب أعمى كما يقال. لحسن الحظ فإن الصديق الغني إنغلز موجود، وهو الذي أنقذ العائلة من شر مستطير. ومعلوم أن ماركس وزوجته فقدا ثلاثة أطفال بسبب الجوع والحرمان وعدم القدرة على معالجتهم طبيا. ولكن ذلك كان قبل التعرف على إنغلز.

ثم يقول المؤلف إن صحة كارل ماركس تدهورت كثيرا في الفترة السابقة على الرغم من أن عمره لم يتجاوز الثالثة والستين. ولكن الحياة البائسة التي عاشها والآلام الجسدية والمعنوية قضت على صحته. يضاف إلى ذلك أن رحيل زوجته الغالية دمر ما تبقى… وكل الذين قابلوه في الآونة الأخيرة قالوا بأنه منهك تماما. ومع ذلك فلا يزال يواصل العمل على كتابه الأساسي: الرأسمال. وهو رائعته الفكرية التي لم يستطع إنجازها كليا. وقد استقبله في مكتبه المليء بالأوراق والمراجع والجرائد وكل الفوضى العارمة لمفكر من حجم كارل ماركس. وكانت إلى جانبه صورة إنغلز رفيق دربه في النضال والكفاح من أجل عالم أكثر عدلا أو أقل ظلما. لقد ناضلا فكرا وممارسة من أجل تجاوز هذا العالم الرأسمالي الظالم واستهلال عالم آخر جديد. ولم تذهب نضالاتهما سدى. فقد تحسنت أوضاع الطبقة العاملة كما ذكرنا حيث نالت بعض حقوقها في عهد الرأسمالية الثانية.

*نقلا عن “الشرق الأوسط”.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

سؤال جريء 521: متى ولد المسيح؟

هل ولد المسيح في ال 25 من ديسمبر؟ هل هذا العيد كان عيدا وثنيا وجعله المسيحيون ذكرى ميلاد المسيح؟ أم ولد المسيح في الصيف كما تقول الرواية القرآنية بناء على قصة النخل والتمر؟ هل الرعاة فعلا لا يستطيعون أن يكونوا في الحقول خارج المدينة في فصل الشتاء؟ لماذا يحتفل بعض المسيحيين بميلاد المسيح في ال 25 ديسمبر والبعض الآخر في السابع من شهر واحد؟ ألا يعد اختلاف المسيحيين دليلا على أن الاحتفال باطل من أساسه؟ الأخ رشيد

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, يوتيوب | 1 Comment

خيارات تركيا في سورية كلّها مجازفات بلا ضمانات

عبد الوهاب بدرخان
تقف تركيا حالياً أمام منعطفات تقودها جميعاً إلى مأزق شامل في تعاطيها مع الملف السوري وتداعياته عليها داخلياً. فكلّ خطر حاولت إبعاده أو تجنّبه ما لبث أن ارتسم وتأكّد. وفي حين استطاع جميع اللاعبين في سورية ترتيب مصالحهم، موقتاً، يغلب على حسابات تركيا السعي هاجس الحدّ من الخسائر. وفيما تقاسمت الولايات المتحدة وروسيا «الانتصار على داعش» وتبنيان عليه، وشاركهما فيه النظام السوري وإيران ليبنيا عليه أيضاً، حاولت تركيا إبراز عملية «درع الفرات» كمساهمة ناجحة ضد «داعش»، إلا أن الآخرين يواصلون تحميلها مسؤولية أساسية في تدفّق المقاتلين الأجانب، وتتضافر جهودهم لفرملتها وإبقاء مكاسبها محدودة، خصوصاً لعدم تمكينها من استثمار الدور الذي منحتها إياه روسيا في تحجيم قوة أكراد سورية الذين استفادوا أولاً من تعاونهم مع نظام بشار الأسد والإيرانيين، ثم ظفروا بدعم أميركي متعاظم وسعي روسي دائب لاحتضانهم.

تمرّ العلاقات التاريخية بين تركيا والولايات المتحدة بأسوأ مرحلة على الإطلاق، وعلى رغم صلابتها المزمنة وبعدها الاستراتيجي المؤكّد إلا أنها لم تصمد أمام «الإغراء الكردي» الذي تعلّقت به واشنطن ولم تبالِ بأخطاره على دولة حليفة كتركيا ولم تحرص على طمأنتها أو على توثيق أي ضمانات لتهدئة مخاوفها على وحدة جغرافيتها. فالمقاتلون الأكراد لم يكونوا فقط أداة فاعلة في يد أميركا لمحاربة «داعش» بل أشعروها للمرّة الأولى بأن لديها «مصالح» في سورية، لذلك فهي تعمل لبقاء مديد في الشريط الشمالي أسوة ببقاء روسيا المديد لإدارة مصالحها في عموم سورية. ومع أن أنقرة اندفعت في علاقة متقدّمة مع موسكو، واستحصلت منها على دور في سورية، إلا أن تعاونهما لم يرقَ إلى مستوى الشراكة التواطؤية بين روسيا وإيران، فظلّت الشريك الثالث الطارئ الذي يعوّلان عليه لاستكمال ضعضعة المعارضة العسكرية وإدارة هزيمتها الميدانية. وحتى عندما حصل فجأة تنسيق بين تركيا وإيران تصدّياً لولادة دولة كردية مستقلة منفصلة عن العراق، ظل تقاربهما محدوداً بسبب خلافهما على مصير الأسد ونظامه، وفيما خسرت تركيا جانباً مهمّاً من استثماراتها مع كردستان العراق تنفرد إيران حالياً بإعادة هندسة العلاقة بين بغداد وأربيل.

يجمع خبراء ومراقبون على أن تركيا راكمت الأخطاء في الأعوام الأولى للأزمة، سواء مرغمةً أو بإرادتها وتردّدها، إذ أضاعت وقتاً طويلاً في البحث عن تفويض أميركي أو أطلسي في سورية وتبيّنت باكراً أنها لن تحصل عليه فأحجمت عن التدخّل المباشر عندما كان متاحاً، حتى ولو في شكل محدود. وحين فضّلت الحرب بالوكالة، عبر دعم فصائل المعارضة، أخطأت أيضاً في «أدلجة» خياراتها بإعطاء أولوية للإسلاميين بدلاً من التركيز على «الجيش السوري الحرّ» الذي كان واضحاً أن النظام والإيرانيين يعتبرونه عدوّهم الأول والأخطر، وما لبث الروس بعد تدخّلهم أن جعلوا إضعافه إحدى أولوياتهم لإنقاذ النظام.

كانت خسارة المعارضة وفصائلها فادحة نتيجة التدخّل الروسي، لكنها لحقت أيضاً بالدول التي دعمتها، كما وضعت أي دور لتركيا على محكٍ تسارعت صعوباته، ليس فقط بتداعيات إسقاط طائرة «السوخوي» بل أيضاً في نأي «الناتو» بنفسه عن أي مواجهة مع روسيا. ثم تراكمت الصعوبات في العلاقة مع الولايات المتحدة، من مفاوضات شاقة على اتفاق إتاحة قواعد تركية للطائرات المشاركة في «الحرب على داعش»، إلى الملف الشائك المتعلق بتسليح الأميركيين أكرادَ سورية ودخول أكراد تركيا على الخطّ، وصولاً إلى المحاولة الانقلابية (15/07/2016) التي تتهم أنقرة واشنطن بدعمها.

شكّلت هذه المحاولة نقطة تحوّل في تفكير الطاقم الحاكم، لذا كانت زيارة رجب طيّب أردوغان الخارجية الأولى بعدها إلى روسيا، وفي أواخر آب (أغسطس) 2016 أطلقت تركيا عملية «درع الفرات» لطرد «داعش» من غرب النهر إلى شرقه. وهي عملية أجازها فلاديمير بوتين ليدعم أردوغان ويظهره كمَن بدأ يحقق لتركيا طموحاتها في سورية، وأيضاً ليجتذبه إلى مقاربة مختلفة للملف السوري، إذ كانت معركة حلب محتدمة وقتذاك ولم تُحسم إلا بعد ثلاثة شهور وبعدما استكملت روسيا تدميرها المنهجي شرقَ المدينة، وعندذاك انخرط الروس والأتراك في تفاوض على ترتيبات انسحاب مَن تبقى من مقاتلين ومدنيين في المدينة. كان ذلك تدشيناً لدور تركي في مراحل تالية بوشرت بإنشاء «الثلاثي الضامن» لوقف النار الذي لم يطبّق ويُلتزَم إلا في مناطق المعارضة، أما قوات النظام والميليشيات الإيرانية فتابعت قضم مناطق هنا وهناك، خصوصاً في محيط دمشق. وتطوّر هذا التعاون مع اجتماعات آستانة وصولاً إلى الاتفاق على المناطق الأربع لـ «خفض التوتّر» التي استمرّ الطيران الروسي يقصفها باستثناء تلك الواقعة جنوب غربي سورية والخاضعة لاتفاق خاص بين روسيا وأميركا والأردن (وإسرائيل ضمنياً).

بعد مرور ثماني شهور على هذا الاتفاق لم تتمكّن الدول الثلاث «الضامنة» من تفعيل آليات مراقبة لـ «خفض التوتّر» أو إشراك دول أخرى في تلك الآليات، كما تعهّدت، بل إن ثلاثي روسيا وإيران والنظام دفع خلال تلك الفترة بمزيد من النازحين المرحّلين قسراً من منطقتَي «خفض توتّر» إلى منطقة أخرى هي محافظة ادلب حيث تجمّع خليط من فصائل مصنّفة «معتدلة» (الجيش الحرّ) وأخرى «متطرّفة» (أبرزها «هيئة تحرير الشام»/ «جبهة النصرة» سابقاً). وإذ طلبت تركيا تولّي ترتيب الأوضاع في إدلب فقد نالت من الشريكين موافقةً ملتبسةً. وقبل ذلك كانت عملية «درع الفرات» اصطدمت بخطّين أحمرين: أولاً، لم يسمح الأميركيون لتركيا بالوصول إلى منبج، حتى أنهم عطّلوا نظام «جي بي إس» لشلّ حركة قواتها، ثم أرسلوا قوة مراقبة رافعة العلم الأميركي لمنع قوات النظام وإيران من دخول المدينة ولإبقاء سكانها العرب تحت سيطرة كردية لا يريدونها. وثانياً، هبطت فجأةً قوة روسية في منطقة عفرين لتجعلها تحت حمايتها… إذاً، كان هناك اتفاق روسي – أميركي على إحباط استخدام تركيا دورها في سورية ضد الأكراد. وكما حال الأميركيون دون أي مشاركة لها في معركة الرقّة، على رغم إلحاحها، كذلك لم يوافق الروس على طلبها إخراج المقاتلين الأكراد من عفرين كشرط لتنفيذ مهمّتها في إدلب.

انطوت التصريحات الأخيرة لأردوغان، قبل استدعاء الخارجية التركية السفيرين الروسي والإيراني والقائم بالأعمال الأميركي وبعده، على ثلاث دلالات: 1) إن تركيا بلغت مفترقاً خطيراً، فمن جهة أخفقت في ثني الأميركيين عن تسليح الأكراد ودعمهم لإنشاء كيان خاص بهم في شمال سورية وضمّ مناطق عربية إليه، ومن جهة أخرى لم تستطع إقناع روسيا بتوجّساتها الكردية بل إن موسكو تراهن على التعاون مع الأكراد على المدى الطويل. 2) إن شريكي اتفاقات آستانة، الروسي والإيراني، لم يتخلّيا عن هدف السيطرة على كامل سورية بل إنهما عهدا إليها في سياق هذا الهدف بمهمة تصفية المجموعات المتطرّفة في إدلب إمّا بمهاجمتها مباشرة أو باستخدام الفصائل ضد بعضها بعضاً، وعندما أصرّت على خطط استخبارية لاختراق المنطقة وعزل «النصرة» أطلقا مع النظام هجمات واسعة جنوب شرقي إدلب في تهميشٍ واضح للدور التركي. 3) إن عدم استكمال عملية «درع الفرات»، بتوسيعها إلى منبج وتحييد عفرين وإخراج المقاتلين الأكراد منها كحدٍّ أدنى، يجعل «مناطقها» في شمال سورية عرضة للتأكّل بهجمات أسدية – إيرانية يغطّيها الروس جوّاً، بالتالي فإن تركيا قد تضطر لاحقاً لاستقبال ما لا يقلّ عن مليوني نازح إضافي.

أخطر ما في مأزق تركيا أن إخفاقاتها استراتيجية ويصعب تصحيحها أو تعويضها، فالشريكان الروسي والإيراني وحتى الحليف الأميركي ربطوا مصير دورها بمصير فصائل المعارضة التي يريدون جميعاً تصفيتها. ويعزو بعــــض المراقبين إلى الغضب التركي عــــودة الفصائل السورية إلى القتال وتحقيقها نتائج مفاجئة في إدلب وحرستا ضد قوات النظام وإيران. وإذا كان بوتين فضّل استبعاد مسؤولية تركيا عن الهجمات بطائرات مسيّرة (درون) على قاعدتي حميميم وطرطوس، فلأنه يريد حالياً استمرار دورها في إدلب وينتظر أن تضغط على المعارضة لتشارك في مؤتمر «الحوار السوري» في سوتشي، لكن أنقرة تتوقع ثمناً لذلك في عفرين وتلوّح بانتزاعه بالقوة. وفي المقابل تقدّم الأميركيون خطوات جديدة بـ «ترسيم» حدود «الكيان الكردي» والبدء بتشكيل قوة لحراسة حدوده، في ما يعدّ استفزازاً لا تملك أنقرة أي ردّ عليه.

*نقلا عن صحيفة “الحياة”.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment