طلال عبدالله الخوري 12\1\2012
هذه مقالتنا الثالثة حول موضوع سياسات أوباما البائسة كرئيس للولايات المتحدة الأميركية, وهي الدولة السوبر الوحيدة في العالم, والتي تحتاج الى رئيس سوبر وسياسة سوبر, وصانع قرار سوبر, وليس لصانع قرار على مستوى رئيس دولة من دول العالم الثالث؟
في مقالنا الاول “أوباما يدق أول مسمار في نعش عظمة اميركا السوبر” بينا أن قرارت اوباما الاقتصادية لم تكن بمستوى دولة السوبر, واوضحنا أن قرارت اوباما الاقتصادية وضعت اميركا في اول طريق للتحول الى الاقتصد الحكومي والذى ادى الى انهيار المنظومة الاشتراكية, وفي مقالنا الثاني ” أوباما يدق أول مسمار في نعش عظمة اميركا السوبر 2 ” بينا كيف ان اوباما قسم المجتمع الاميركي الى قسمين: الاول يريد المحافظة على سياسة الحلم الأميركي والتي جعلت من اميركا دولة عظمى باستخدام الاقتصاد التنافسي, وقسم ثاني يحب الكسل والاعتماد على المساعدات الحكومية والتي تؤدي الى اقتصاد غير تنافسي وهو ذاته الذي اودى الى انهيار المنظومة الاشتراكية.
في هذه المقالة سنبين كيف ان اوباما قوض صفتين اساسيتين من صفات الدولة السوبر وهما التحلي بالقيم الرفيعة, والسياسة الشفافة.
من صفات الدولة السوبر هو التحلي بالقيم المجتمعية الرفيعة مثل المحافظة على حقوق الانسان, و حقوق الاقليات, حقوق المرأة, وحقوق الطفل, حرية العقيدة, المساواة بين الناس وعدم التسامح مع التمييز العنصري, ويجب على دولة السوبر المحافظة على هذه القيم داخلياً وخارجياُ أيضاُ, حيث تكون المحافظة على هذه القيم داخلياُ عن طريق سن القوانين اللازمة لكي تخيم مبادئ القيم الرفيعة في المجتمع, أما خارجيا فتكون عن طريق فضح وإدانة الدول التي لا تلتزم بالقيم المجتمعية الرفيعة, وقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها, والأكثر من هذا تقوم بحماية الشعوب الاخرى عسكرياُ فيما إذا تعرضت الى محن تنتج عن عدم التزام حكوماتهم بالقيم الرفيعة مثل ممارسة التمييز العنصري والابادة الجماعية.
من استقرائنا للتاريخ, نلاحظ بأن الولايات المتحدة الاميركية, التزمت بمعايير القيم المجتمعية الرفيعة داخلياُ, ولكن أثناء الحرب الباردة مع منظومة المعسكر الاشتراكي كانت تتساهل بهذه المعايير خارجياُ, وذلك من اجل كسب الولاءات الخارجية لها في صراعها مع المعسكر الاشتراكي, فعلى سبيل المثال كانت تتساهل بموضوع حقوق الانسان في دول الشرق الاوسط وخاصة في المملكة العربية السعودية من اجل المحافظة على الاستقرار بهذه المنطقة واستمرار تدفق النفط الرخيص من هذه المنطقة, والذي تحتاجه أميركا من اجل التنمية الاقتصادية في مواجهة المعسكر الاشتراكي, و كانت اميركا ايضاً تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الانسان في البلدان الموالية للمعسكر الاشتراكي مثل سورية, وذلك لكي تبقي الحرب بين المعسكرين باردة وعدم جعلها تسير للمنحى الساخن.
ولكن بعد انهاء الحرب الباردة بالاتفاق التاريخي الذي تم بين ميخائيل جورباتشيوف وجورج بوش سينيور, وبعد انهيار المنظومة الشيوعية, اصبح العالم احادي القطبية واصبحت اميركا دولة السوبر الوحيدة في العالم, فرفعت الولايات المتحدة الاميركية من مستوى حرصها على القيم المجتمعية الرفيعة في البلدان الخارجية التي تنتهك حقوق الانسان فيها, فعلى سبيل المثال أدانت انتهاكات حقوق الانسان في الصين وفي البلدان ذات الحكم الشمولي, وتدخلت حتى عسكرياُ في تحرير المسلمين في البوسنة من الابادة العرقية, وتدخلت عسكريا في الصومال ضد انتهاكات المجاهدين هناك ضد عمليات الاغاثة, التي كانت تقودها الامم المتحدة, وخاضت حرب تحرير الكويت, وحرب ضد ارهاب طالبان والقاعدة في افعانستان, وحرب لتحرير العراق من وحشية الطاغية صدام حسين.
في الحقيقة بالرغم من ان اميركا دولة سوبر, ولكن حرصها على القيم الرفيعة خارجياُ ومعقاطعة البلدان التي تجري فيها انتهاكات لحقوق الانسان في الشؤون الاقتصادية, وخوض حروب تحرير ضد القوى الخارجية التي تمارس الارهاب, كان له كلفه عالية على الاقتصاد الاميركي, مما ادى الى ارتفاع نسبة البطالة في اميركا وهذا بدوره أدى الى سقوط رؤساء في الانتخابات مثل سقوط الرئيس الجمهوري جورج بوش سينيور على يد الديمقراطي بيل كلينتون, والذي اغمض عينية عن حقوق الانسان في الخارج وخاصة في الصين والشرق الاوسط, مما أدى الى حصول الشركات الاميركية على عقود تسيل لها اللعاب في كل من الصين والشرق الاوسط, فتقلصت البطالة وارتفع دخل المواطن الاميركي, فارتفعت شعبية بيل كلينتون عند غالبية الشعب الاميركي, وأصبح الرئيس الاميركي بيل كلينتون الرئيس المفضل لدى الطغاة العرب والحكم الشمولي في الصين, ولكن هذه السياسة كانت ضربة موجعة لتطلعات الشعوب من اجل الحصول على الحرية وحقوق الانسان ومنها الشعوب العربية.
ومن الامثلة التي نوردها على تساهل بيل كلينتون في حقوق الانسان من اجل الحصول على فوائد اقتصادية هو السماح للشركات الاميركية بتوقيع عقود نفطية في السودان الذي كان يدير حرب ابادة عرقية في دارفور, قبل ان تحظرها حكومة جورج بوش جينيور الجمهورية.
نلاحظ بأن الرئيس باراك اوباما يسير على خطى سلفه بيل كلينتون الديمقراطي, في التساهل بحقوق الانسان خارجيا, والتملص من التدخل العسكري خارجياُ لمساعدة الشعوب المقهورة, والاكثر من هذا نرى بأن باراك اوباما خطى في هذا الاتجاه بعيداُ, وخير دليل على هذا هو قيادته لاسقاط الطاغية معمر القذافي من الخلف, وتخلفه سنتين حتى الآن في مساعدة الشعب السوري الأبي في ثورته من اجل الكرامة ضد اسوء طاغية في العالم وهو الديكتاتور بشار الاسد.
من هنا نرى بأن تساهل الرئيس الاميركي باراك اوباما في مناصرة القيم الرفيعة في دول العالم الخارجي, والتهرب من مناصرة الشعوب المقهورة في نيل حريتها عسكرياُ لهو مسمار في نعش عظمة اميركا الدولة السوبر ونحن نتسآل ما الفرق بينها وبين دول العالم الثالث اذا لم تناصر قيمها وتحافظ عليها مع الشعوب الاخرى؟
اما في موضوع الشفافية, فإن دولة السوبر تكون كل سياساتها علنية, ويتم عرضها على مجلس النواب لكي يتم البت فيها والموافقة عليها بالعلن, على عكس الدول الاستبدادية ومنها الدول العربية والتي يكون لها سياستان, سياسة علنية كاذبة وليس لها علاقة بالواقع تستخدم فقط لخداع الشعب, وسياسة سرية يتم تنفيذها عملياً تحت جنح الظلام ومن خلال اجهزة المخابرات.
نلاحظ بأن الرئيس اوباما في سياساته الخارجية ينهج سياسة التدخل الباطني في عمليات سرية تقودها وكالة الاستخبارات المركزية ودوائر خاصة في البيت الأبيض سوية مع وزارات تعنى بالأمن الوطني وكذلك وزارة المالية. وبموازاة ذلك، تعتمد وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، سياسة ظاهرية ترفض التدخل العسكري المباشر الواسع النطاق وتنخرط في ديبلوماسية إيجاد المخرج, حيث تكمن مساوئ وخطورة هذه الإستراتيجية في تشجّع الطغاة العرب في دول الشرق الأوسط على تبني سياسات قوامها العلاقات الاستخبارية والشراكة العسكرية السرية مع الولايات المتحدة، بدلاً من اعتماد الشفافية.
أن نهج اوباما الى السياسات السرية الغير شفافة وابرام اتفاقيات سرية مع الحكام وعلى حساب الشعوب ستثير الكراهية على اميركا لدى شعوبنا الطامحة الى الحرية والكرامة والتي اشعلتها ثورات الربيع العربي.
أن هذا النهج من اوباما هو نهج رخيص, حيث سيجد حلول غير حقيقية لمشكلاته الرئاسية وخاصة الاقتصادية منها في الوقت الحالي, ولكن سيصعب من السياسة الاميركية الخارجية على المدى البعيد, وسيقوض سياسة نشر الحرية والديمقراطية في بلدان الشرق الوسط والتي وضعتها كونداليزا رايس اثناء فترة حكم جورج بوش جينيور..
إن اختيار اوباما لتشاك هايغل للدفاع وجون برينن للاستخبارات من اجل تعزيز سياساته الغير شفافة وتعزيز ما يسمى بـ “عمليات خاصة” سرية, لكي تحتل موقعاً مركزياً أقوى وأوسع في عهد إدارة أوباما الثانية, مثل الاغتيالات السرية والقتل السري – مباشرة أو غير مباشر, والتي كانت ممنوعة في اميركا قبل احداث سبتمبر الارهابية, وكذلك الاكثار من استخدام الطائرات بلا طيار الذي وضعه برنامج درون.
ان هذه السياسة الغير شفافة لباراك اوباما تدق او مسمار في نعش عظمة اميركا دولة السوبر الوحيدة في العالم فما الفرق بين سياساته الغير شفافة هذه وسياسة ديكتاتور رخيص مثل بشار الاسد؟
طبعا اوباما يحتاج الى شركاء بالعالم يشاطرونه نفس المبادئ مثل المجرم بشار الاسد, ونحن لدينا الكثير من الاسباب لتجعلنا بأن نعزي احد اسباب الخطاب البائس الذي القاه مؤخرا المجرم بشار الاسد في دار الاوبرا بدمشق هو نتيجة لقرائته المستقبلة لسياسات اوباما البائسة, حيث انه من المعروف بأن عائلة الاسد ابلت بلائا منقطع النظير في العمليات المخابراتية السرية وربما يعتبر نفسه شريكا مهما لباراك اوباما؟
هوامش
أوباما يدق أول مسمار في نعش عظمة اميركا السوبر
أوباما يدق أول مسمار في نعش عظمة اميركا السوبر 2


