تيران وصنافير‎

ماذا يعرف العرب عن أنفسهم وتاريخهم المعاصر بعيدا عن شعارات دروس التربية الوطنية التي علَّموها لنا في المدارس الإبتدائية المليئة بالأكاذيب .. بحجة إعلاء روحنا الوطنية ؟ وبعيدا عن الخطب الحماسية الرنانة لساستنا أجلهم الله , وبعيدا عن هرطقة الإعلام العربي التي صارت تتقاطع تماما مع حقيقة ما يجري على الأرض , وبعيدا عن ترهات بعض رجال الدين بكل طوائفهم ومللهم وهم يفتون فيما يجعل الناس تردد (( من لم يقل خيرا فليسكت )) . فتاوى في سفاسف أمور مضحكة مبكية يعتبرونها من صلب الدين وقلب الشريعة .. القصد منها إشغال فكر الأمة عن قضاياها المصيرية التي لم يتطرق لها أحد .. لا من قريب … ولا حتى من بعيد .

كيف ينظر العالم لنا ( كعرب ) و ( كشرق أوسطيين ) فالصورة التي يرانا العالم عليها , هي صورتنا التي لانعرف عنها شيئا .. وتلك هي أكبر كوارثنا على الإطلاق , ومسؤول عن تظليلنا جميع حكامنا الذين حكمونا بالكذب والخداع والتظليل .. من أجل أن لاتنكشف صورة عمالتهم هم ( جميعا وبلا إستثناء ) والتي حين سيكتشفها المواطن فيما بعد فلن يتوانى عن ترديد كل ما في جعبته من نعوت .. ليشفى غليله .

لتشخيص علة الوطن العربي اليوم , علينا أن نعود قليلا الى الخلف لنبدأ رحلتنا مع العرب من نقطة نهاية الحرب العالمية الأولى عند صدور قرار الإنتداب وتسلم بريطانيا وفرنسا الوصاية على الوطن العربي بعد تقسيمه الى دول , وتنصيب الملوك والرؤساء على تلك الدول كحكام شكليين يحركهم ( الحاكم العام ) البريطاني أو الفرنسي .

من أكثر الرسائل أهمية والتي تثير الدهشة بما تملكه من تخمين صارخ صحيح ورد فيها , عما سيؤول إليه الوضع في المنطقة العربية هي المذكرة التي كتبها الكولونيل ماينر تزهاجن السكرتير العسكري ل ( اللورد اللنبي الحاكم البريطاني العام على مصر ) إلى رئيس الوزراء لويد جورج عام 1920 والتي سأدونها كاملة لما لها من أهمية .

(( عزيزي رئيس الحكومة :

طلب مني أن أرسل إليكم مذكرة غير رسمية عن السيادة على سيناء . وهو موضوع له عندي أهمية خاصة ، ليس بالنسبة إلى الظروف الراهنة فحسب , بل بالنسبة إلى السنوات المقبلة أيضا . واسمحوا لي بتناول هذا الموضوع باسهاب لأننا يجب أن نتعامل بحكمة قصوى ، عند سماحنا لليهود ، بإنشاء وطنهم القومي في فلسطين .

لقد حررنا العرب من النير التركي ، لكننا لن نستطيع البقاء في مصر إلى الأبد ، أضف إلى ذلك أن اليهود رغم شتاتهم لكنهم يمتازون بولائهم ورقة شعورهم وعلمهم . كما أنهم قدموا لبريطانيا أحد رؤساء حكوماتها الممتازين .

سيتمسك العرب واليهود من الآن وإلى خمسين سنة مقبلة بقوميتهم , وسوف يزدهر الوطن القومي اليهودي إن عاجلا أو آجلا ، ويصل الى مرحلة السيادة . وإني أفهم أن بعض أعضاء حكومة جلالته ( ملك بريطانيا ) يتطلعون إلى هذه المرحلة .

كذلك ستتطور القومية العربية إلى مرحلة المناداة بالسيادة من المحيط إلى الخليج ، ومما لا شك فيه أن السيادة العربية واليهودية ستصطدمان . وإذا قدر لمشروع الهجرة اليهودية إلى فلسطين النجاح ، فإن الصهيونية ستتوسع على حساب العرب دون سواهم . وسيبذل العرب قصارى جهودهم للقضاء على قوة وعظمة فلسطين اليهودية ، وهذا سيعني سفك الدماء .

بريطانيا تتحكم الآن في الشرق الأوسط ، ونحن لا نستطيع أن نكون أصدقاء للعرب واليهود في آن واحد , وأني أقترح منح الصداقة البريطانية لليهود وحدهم بتقدير أنهم الشعب الذي سيكون صديقنا المخلص الموالي في المستقبل . إن اليهود مدينون لنا كثيرا ، وهم يحفظون لنا هذا الجميل وسيكونون ثروة لنا بعكس العرب ، الذين سيبقون سلبيين معنا برغم كل خدماتنا لهم .

فلسطين ستكون حجر الزاوية في الشرق الأوسط ، فبينما تحدها الصحراء من جهة ، يحدها البحر من جهة أخرى ، ولها ميناء طبيعي ممتاز ، هو أحسن ميناء على ساحل البحر الأبيض المتوسط الشرقي ، ثم أن اليهود برهنوا على كفاءتهم الحربية منذ احتل الرومان البلاد , في حين يمتاز العرب بقسوتهم في الحرب ، وحبهم للسلب والتدمير والقتل .

والآن دعني أتكلم عن فلسطين بالنسبة إلى مصر ، ففي حالة تواجد السلاح من طائرات ودبابات , سيكون الفصل في المعركة للسلاح الأحدث ، وللشجاعة وقوة الأعصاب والصبر ، ولذلك فإني أرى مصر هي العدوة المسلحة ضد اليهود .

بوصول القوميتين العربية واليهودية الى مرحلة السيادة ، وفي حالة خسارتنا قناة السويس فإن بريطانيا ستخسر مراكزها في الشرق الأوسط . لذلك ومن أجل تعزيز مواقعنا في مصر ، أقترح ضم سيناء إلى فلسطين .

قبل سنة 1906 لم تكن الحدود التركية المصرية ممتدة من رفح في الشمال إلى رأس خليج العقبة , وكان شرقي سيناء وجنوبيها قسما من الحجاز الخاضع للعثمانيين .

منذ تشرين الأول سنة 1906 فقط , منحت الدولة العثمانية الى مصر حق إدارة سيناء حتى الخط الممتد من رفح إلى رأس خليج العقبة. أما ملكية سيناء فبقيت لتركيا , وقد احتلها اللورد اللنبي بجيشه البريطاني , ودون أن يدافع عنها المصريون ( لأنها ليست أرضهم ) لذلك أصبح مصيرها منوطا بقرار من الحكومة البريطانية المحتلة وحدها .

في حالة ضم سيناء الى فلسطين نربح حدا طبيعيا فاصلا بين مصر وفلسطين ونثبت لبريطانيا مركزا قويا في الشرق الأوسط بين القوميتين : اليهودية والعربية , وشتان بينهما : فالأولى تمتاز بحيويتها ونشاطها , في حين تمتاز الثانية بكسلها وخمولها المكتسبين من الصحراء .

ضم سيناء الى فلسطين سيؤمن لنا اتصالاً سهلاً بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وقاعدة استراتيجية واسعة النطاق مع ميناء حيفا الممتاز الذي سنستعمله بموافقة اليهود .

ومن حسنات هذا الضم أنه سيحبط أية محاولة مصرية لاغلاق القناة في وجه ملاحتنا ، كما سيمكننا من حفر قناة ثانية تربط بين البحرين : الأبيض المتوسط والاحمر , ثم أن ضم سيناء لن يثير أية قضية قومية ضدنا ، إذ أن البدو الرحل المقيمين فيها لا يتجاوزون بضعة آلاف . )) 

إنتهى نص المذكرة الذي تتنبأ بأن مصر ستحارب إسرائيل , قبل 28 سنة من تأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين وقبل 36 سنة من وقوع أول حرب ( لمصر منفردة ) مع إسرائيل , وهي حرب السويس 1956 . فلماذا تحارب مصر إسرائيل ؟

قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نبحث في مكان آخر عن الماهية التي سيتم بها بلورة موقف عربي موحد أو شبه موحد من قضية ما … ونقصد بذلك ( الجامعة العربية ) . وللتعرف على مصداقية قرارات وحلول هذه الجامعة , يجب أن نسال أولا لماذا تأسست الجامعة , ومن الذي أسسها ؟ وكيف تحدد مسارها ؟

حين إنتهت الحرب العالمية الأولى ثم أعقبها الكساد العالمي الكبير وألقى بظلاله الكئيبة على جميع دول العالم , مما أدى الى إندلاع الحرب العالمية الثانية , أثناء فترة تلك الحرب فهم البريطانيون وبدون أدنى شك , أن الولايات المتحدة الأمريكية ستسعى الى وضع يدها على مناطق من الشرق الأوسط .. مما يعني خسارة للبريطانيين .

حتى لا يكون الصراع ( البريطاني _ الأمريكي ) مكشوفا , وإنما على شكل حرب بالنيابة , تحارب فيها ( بريطانيا بواسطة العرب ) _ ( اليهود الذين تدعمهم الولايات المتحدة الأمريكية ) . لذلك كان على بريطانيا أن تتصرف بذكاء مستغلة إحساس العرب أنهم أمة واحدة تسعى الى التوحد من جديد من أجل بلورة موقف موحد للعرب تقودهم من خلاله الى تلك الحرب . ولهذا حثت بريطانيا العرب على تأسيس الجامعة العربية .

ألقى أنتونى إيدن وزير خارجية بريطانيا خطابا في مايس 1941 قال فيه : (( إن العالم العربى قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية ( يقصد التقسيم ) التي وقعت عقب الحرب العالمية الأولى . يتمنى كثير من مفكرى العرب للشعوب العربية درجة من درجات الوحدة , أكبر مما تتمتع به الآن . وإن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف ولا ينبغى أن نغفل الرد على طلب أصدقائنا هذا , إذ يبدو أنه من الطبيعى ومن الحق أن تكون هنالك تقوية للروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية أيضاً … وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأى خطة تلقى موافقة عامة )) .

شباط 1943 عاد إيدن للتصريح في مجلس العموم البريطانى بأن الحكومة البريطانية : (( تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمى إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية )) .

بعد شهر من تصريح إيدن أمام مجلس العموم قام رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس بتأكيد استعداد الحكومة المصرية لاستطلاع آراء الحكومات العربية في موضوع ( شكل ) هذه الوحدة فدعا الى عقد مؤتمر لمناقشة الشكل المقترح .

وبعد عدة أشهر ، دعي كل من رئيس الوزراء السورى جميل مردم , ورئيس الكتلة الوطنية اللبنانية بشارة الخورى , للتباحث معهما في القاهرة حول موضوع إقامة ( جامعة عربية ) لتوحيد صف العرب .

بدأت بعدها سلسلة من المشاورات بين مصر من جانب وممثلى كل من العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية والأردن واليمن من جانب آخر .

في الفترة 25 من سبتمبر _ إلى 7 من أكتوبر 1944 توصلت المباحثات الى الإتفاق على شكل وحدة لا يمس استقلال الدول العربية وسيادتها أطلق عليه إسم : (( جامعة الدول العربية )) . ثم وضع بروتوكول الإسكندرية الذى يعتبر أول وثيقة تخص الجامعة وينص على المبادئ التالية :

# قيام جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة التى تقبل الانضمام الى الجامعة .

# يكون لها مجلس تمثل فيه الدول المشتركة في الجامعة على (( قدم المساواة )) .

# مهمة مجلس الجامعة هى : مراعاة تنفيذ ما تبرمه الدول الأعضاء فيما بينها من اتفاقيات وعقد اجتماعات دورية لتوثيق الصلات بينها والتنسيق بين خططها السياسية تحقيقاً للتعاون فيما بينها وصيانةً لإستقلالها وسيادتها من كل اعتداء بالوسائل السياسية الممكنة ، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية .

# قرارات المجلس ملزمة ( لمن يقبلها ) فيما عدا الأحوال التى يقع فيها خلاف بين دولتين من أعضاء الجامعة ويلجأ الطرفان إلى المجلس لفض النزاع بينهما . ففى هذه الأحوال تكون قرارات المجلس ( ملزمة ونافذة ) .

# لا يجوز الالتجاء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين من دول الجامعة كما لا يجوز اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية أو أية دولة من دولها .

# يجوز لكل دولة من الدول الأعضاء بالجامعة أن تعقد مع دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها اتفاقات خاصة لا تتعارض مع نصوص هذه الأحكام وروحها .

# الاعتراف بسيادة واستقلال الدول المُنْضَمّة إلى الجامعة بحدودها القائمة فعلاً .

# ضرورة احترام استقلال لبنان وسيادته .

# تعد فلسطين ركناً هاماً من أركان البلاد العربية وحقوق العرب فيها لا يمكن المساس بها من غير إضرار بالسلم والاستقلال في العالم العربى ، وعلى الدول العربية تأييد قضية عرب فلسطين بالعمل على تحقيق أمانيهم المشروعة وصون حقوقهم العادلة .

# تشكيل لجنة فرعية سياسية من أعضاء اللجنة التحضيرية للقيام بإعداد النظام الداخلي لمجلس الجامعة ، وبحث المسائل السياسية التى تبرم الإتفاقيات فيها بين الدول العربية .

وقّع على هذا جميع رؤساء الوفود المشاركة في اللجنة التحضيرية يوم 7 أكتوبر 1944 عدا السعودية واليمن اللتين وقعتاه في 3 يناير 1945 و 5 فبراير 1945 على التوالى بعد أن تم رفعه إلى كل من الملك عبد العزيز آل سعود , والإمام يحيى حميد الدين الذي يحكم اليمن .

بروتوكول الإسكندرية هو الوثيقة الرئيسية التى إنبثق عنها ميثاق جامعة الدول العربية الذي شارك في إعداده كل من : ( اللجنة السياسية الفرعية التى أوصى بروتوكول الإسكندرية بتشكيلها ) و ( مندوبى الدول العربية الموقعين على البروتوكول ) و ( مندوب عن كل من السعودية واليمن ) و ( مندوب الأحزاب الفلسطينية كمراقب ) .

أُقر الميثاق بقصر الزعفران بالقاهرة في 19 مارس 1945 وتعين المصري السيد (عبد الرحمن عزام ) الوزير المفوض بوزارة الخارجية المصرية كأول أمين عام للجامعة لمدة عامين .

22 مارس 1945 تم التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية من قبل مندوبى الدول العربية عدا السعودية واليمن اللتين وقعتا على الميثاق في وقت لاحق . وحضر جلسة التوقيع ممثل الأحزاب الفلسطينية وأصبح يوم 22 مارس من كل عام هو يوم الإحتفال بالعيد السنوى لجامعة الدول العربية .

رغم أن المد الأمريكي الى منطقة الشرق الأوسط سيكتسح النفوذين البريطاني والفرنسي , إلا أن الأطر والسياقات التي كانت معمولا بها والتي أسستها دول الإنتداب ( بريطانيا وفرنسا ) ظلت سارية . ومن هذه الأطر والسياقات نشير الى :

* الحدود التي تفصل أقطار الوطن العربي

* جامعة الدول العربية .

نعترف كلنا .. ( نحن ومستعمرونا ) على أن الحدود الفاصلة بين دولنا العربية هي حدود مصطنعة , ولكن لا ندري عبارة (( على قدم المساواة )) في الفقرة الثانية من بروتوكول الإسكندرية ماذا تعني !!؟؟ وفيما إذا كان العرب قد أوكلوا الى مصر أمر الوصاية عليهم أم لا ؟ .. فمنذ يوم التأسيس , تصرفت مصر مع الجامعة العربية .. بإعتبارها ( جامعة مصرية للعرب ) . فإلى أي حد من الممكن أن تصل إليه مناقشات أعضاء الجامعة … في الختام تكون موافقة الحكومة المصرية شرطا واجبا لإقرار أي قرار أو رفضه من قبل الجامعة .

كما أن الأمين العام للجامعة العربية ومنذ ذلك اليوم , وبلا أي جدال .. يجب أن يكون مصريا حتى لو كان أقل كفاءة من نظرائه العرب .

ولم يخرج مقر الجامعة العربية من مصر , مع أن تحريك موقع المقر في فترات دورية ( كل عشر سنوات مثلا ) من بلد الى آخر , من الممكن أن يكشف الكثير من الملفات التي تم ( طمرها ) لهذا السبب أو ذاك .

شذَّت عن كل ذلك , الفترة ( منذ توقيع السادات على معاهدة التطبيع المصرية الإسرائيلية ثم المقاطعة العربية لمصر , وسحب الجامعة العربية الى تونس وتعيين السيد الشاذلي القليبي أمينا عاما لها _ وحتى زيارة حسني مبارك للعراق نهاية الثمانينات , حيث إستقبله الرئيس صدام حسين بحفاوة بالغة وخلع عباءته وألقاها على كتف الرئيس حسني مبارك بمعنى إعادة مصر الى الصف العربي ) عندها عادت مقرات الجامعة الى القاهرة وعاد أمينها العام مصريا منذ ذلك الحين .

مصر من جانبها لم تدخر وسعا في خرق مواثيق الجامعة العربية , لن نتكلم عن مقدار الإنقلابات التي وقعت في الدول العربية بتدبير مصري , بل نتكلم عن الإجتياحات العسكرية التي قامت بها الحكومة المصرية للدول العربية , فقد إجتاحت اليمن وقسمته الى يمنين , وأرسلت قواتها الى الجزائر بحجة مناصرة الجزائريين في حربهم ضد الفرنسيين .. غير أن الحقيقة كانت أنها تفعل ذلك لمصلحة إستفراد الأمريكان بشمال إفريقيا , وإجتاحت ليبيا في زمن السادات , وكانت مسؤولة عن إشعال الحرب في لبنان , ثم إجتاحت السودان في منطقة حلايب , وأخيرا فقد شاركت الحلف الأمريكي لتغزو العراق عام 1991 . كل هذا وهي ممسكة ( بعصمة ) الجامعة العربية بقبضة قوية .

هل مصر وحدها التي تمارس مثل هذا الدور في المنطقة ؟ كلا طبعا .. الأمانة التاريخية تحتم علينا أن نشير الى أن الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية , شهدت صعود 6 دول تسعى الى زعامة المنطقة وكل لها مبرراتها وأساليبها .

# ايران : أريامهر الشاهنشاهية , وهي تعوم على بحر من البترول الذي تهدي أمواله الى أوربا والغرب على شكل هدايا وعطايا وهبات , متباهية بتاريخها الآريامهري الذي يمتد الى آلاف من السنين . ثم تحولها الى ايران الإسلامية التي تسعى الى تصدير زعامتها الى المنطقة عن طريق تصدير التشيع تحت مسمى ( تصدير الثورة الإسلامية ) .

# تركيا العلمانية : التي كانت الى ما قبل عقود ( دولة عثمانية ) تحتل الشرق الأوسط برمته وأجزاء من أوربا وهي تسعى الى إعادة مجدها القديم بشنها ( حرب مياه ) على جيرانها , وحرب تجارة .. وحرب أحلاف عسكرية .. وإلا ما معنى مناوراتها العسكرية المشتركة مع إسرائيل بين حين وآخر ؟

# العراق : بموقعه الحيوي في قلب المنطقة التي تتوسد المعبر القاري بين ثلاث قارات هي أسيا وأوربا وأفريقيا , وبما جلبته له ثروة النفط من عوائد . والحضارات الموغلة في القدم التي عاشت على أرضه , ووجود جثامين آل البيت الأطهار والحوزة العلمية في النجف وكربلاء , مؤهلات جعلت العراقيين , يرون أن من حقهم أن يحوزوا زعامة المنطقة , لذلك لم يدخر صدام حسين ( حارس البوابة الشرقية ) وسعا في إدخال العراق والعراقيين في العديد من المتاهات والحروب سعيا وراء تحقيق ذلك الهدف .

# السعودية : بما هبط عليها من ثروات خيالية خرجت من باطن الأرض فقلبت حياة أمرائها بين ليلة وضحاها من الضد الى الضد , ثم وديارهم تضم حرمي مكة والمدينة التي يؤمها الحجيج من كل بقاع الأرض تجد من حقها أن تمتلك زعامة المنطقة , وبدأت أيضا بالمناداة بتشددها الديني و ( وهابيتها ) التي ترى فيها معادلا موضوعيا لتصدير إيران للتشيع .

# مصر: التي ترى في موقعها الحيوي بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر وإمتلاكها لقناة السويس وكثافتها السكانية العالية وحضارتها الفرعونية و( إمتلاكها ) للجامعة العربية ما يؤهلها لزعامة المنطقة .

# واخيرا .. إسرائيل : الدولة العبرية التي يرى أهلها أنهم شعب الله المختار , المدعومون من الغرب بلا حدود ولا تحفظ . والذين يديرون أكبر رؤوس الأموال حول العالم , والذين سيجعلون القدس عاصمتهم مهما غلت التضحيات , لإحياء مجدهم المزعوم لداؤود وسليمان ( عليهما السلام ) . إسرائيل ترى من حقها أيضا أن تتزعم المنطقة .

ست دول تتصارع على هدف واحد في منطقة محدودة , وكل واحدة تطرح على الكل برامجها وآيديولوجياتها .. فهل يتصور أحد مقدار الخراب الثقافي والإجتماعي والقيمي , ماديا ومعنويا , الذي يوقعه ذلك على أفراد المجتمع الذي يعيش في كل المنطقة ؟

آخذين بنظر الإعتبار أن كل دول المنطقة لا تسير بآليات بعيدة الأجل , وإنما بخطط قصيرة الأمد سرعان ما تتغير .

زعامة العراق بدأت ( علمانية ) ثم فجأة أعلنت عن حملتها الإيمانية , مصر التي تحاول إثبات أنها ( قلب العروبة النابض ) تتخلى فجأة عن شعاراتها العربية وتبدلها بشعارات ( فرعونية ) . ايران الشاهنشاهية إنقلبت على نفسها تماما حين تحولت الى ايران الإسلامية . أما تركيا العلمانية فهي حائرة اليوم بين خيارين لا تدري أيهما أجدى لها : أن تركب موجة الإسلام وتبقى تراوح في مكانها , أم تواصل علمانيتها لتلحق بسباق الإتحاد الأوربي !!؟ حتى إسرائيل التي تدعي أنها ( مُحاربة ) من قبل كل العرب , صارت تحارب كل العرب وتسعى الى التوسع .

وبالمحصلة .. ما الذي يعكسه كل هذا من تذبذب على أساليب حياة البشر وتفكيرهم ؟ كان الله في عون مواطن المنطقة في كل أقطارها . 

من أقذر مظاهر الصراع بين هذه الدول على زعامة المنطقة .. هو الحرب اللبنانية . فبعد أن وقع السادات على معاهدة التطبيع مع إسرائيل , وتعهد لها بإيقاف العمل الفدائي المنطلق إتجاهها من غزة التي كانت تحت حكم مصر .. أوعز الى ( الجامعة العربية ) بتخويل سوريا حق إرسال قواتها الى لبنان بحجة ( حماية اللبنانيين من التعديات الإسرائيلية ) . لكن حقيقة التخويل كانت ( لطرد الفلسطينيين من لبنان التي نزحوا إليها بعد أن طردهم الملك حسين من الأردن ) ومصر في ذلك الوقت وعبر ( الجامعة العربية ) كانت تحمي إسرائيل من الهجمات الفدائية القادمة من لبنان .

أما دول الصراع فقد إستعملت لبنان ساحة رخيصة لقتالها , ايران ساندت الأحزاب الشيعية , والسعودية ساندت الأحزاب السنية , والعراق ساند الفلسطينيين , وقامت إسرائيل بدعم المليشيات المسيحية , فإشتعلت لبنان , قتل فيها اللبنانيون والفلسطينيون بجرائم يندى لها جبين حتى من لا شرف له .

القذارة الثانية .. كانت الحرب العراقية الإيرانية .. نعم عُلِّقتْ الحرب برقبة صدام .. لكن كل الدول المتصارعة على الزعامة كانت مسؤولة عنها .. مصر والسعودية ودول الخليج وحتى تركيا وإسرائيل , كل بطريقتها الخاصة وأسلوبها المبتكر .

ويجب أن نلاحظ أن كل دول الصراع ( عدا إسرائيل ) كانت .. ومازالت ترفع شعارات تحرير فلسطين ونصرة أهلها على كامل ترابهم … غير أن علينا ان لا ننسى أن كل ذلك مجرد ( شعارات ) من أجل إستهلاك مواطني المنطقة , يُبِرَّر به ما تقوم به كل جهة صراع من أفعال عدوانية إتجاه أية جهة ثانية , واضعين نصب أعيننا أن قضية فلسطين .. تاجر بها حتى أهلها من الفلسطينيين , دون أن تهمهم أرضهم ولا مواطنيهم , ولسان حالهم يقول : ( ليس بالإمكان .. أفضل مما كان ) .

أما واجهة الصراع الوطني الفلسطيني مع إسرائيل , ويقصد بها منظمة التحرير الفلسطينية , فيرجى البحث عن دور مصر في تأسيس هذه المنظمة من أجل إبقاء الصراع بين المنظمة وبين إسرائيل مشتعلا بما يخدم المصالح المصرية وليس الفلسطينية .. أما حين ( طبَّعت ) مصر مع إسرائيل من أجل إستعادة سيادتها على سيناء , فلم يكن أسهل على ( جامعتها ) العربية من أن تخول بضرب منظمة التحرير وكل الفصائل الفلسطينية على أرض لبنان .

هذه هي حقيقة الواقع العربي .. فهل يريد أحد النظر إليه من خلال فرقة ( مزيكة حسب الله ) المؤلفة من بوق الحاكم العربي وطبول أجهزة الإعلام ؟

نعود الى مذكرة الكولونيل ماينر تزهاجن التي نصح فيها حكومته أن تُلحق سيناء بفلسطين , ونلاحظ أن حكومته لم تلتزم بتلك النصيحة , فعلى الرغم من أن بريطانيا كانت قد أعطت الى اليهود وعد بلفور عام 1917 بتأسيس ( وطن قومي ) لهم في فلسطين .. إلا أنها لم تمنحهم وعدا بتأسيس ( دولة يهودية ) , ربما هناك تشابه في الألفاظ .. لكن المعنيين مختلفين تماما , فأن تسمح بريطانيا لليهود ( أن يقدموا للعيش في فلسطين تحت الحكم البريطاني ) شيء .. وأن ( يؤسسوا لهم دولة ذات حكومة مستقلة عن بريطانيا ) شيء آخر .

ورغم أن بريطانيا كانت تحكم فلسطين فعليا منذ عام 1918 إلا أنها لم تسمح لهجراتهم بتأسيس هذه ( الدولة اليهودية ) .

بريطانيا تعلم جيدا أن إلحاق سيناء بفلسطين قد يؤدي الى فقدان البريطانيين تنفذهم في البحر الأحمر عندما ستتأسس ( الدولة اليهودية ) بمعاضدة أمريكية , وبحكم كون البريطانيين كانوا واثقين من إحكام قبضتهم على مصر , لذلك كان من الأجدى لهم أن تلتحق سيناء بمصر .

قلنا إن الجامعة العربية تأسست في 22 مارس 1945 بناء على رغبة بريطانية تريد توحيد الصف العربي إستعدادا ( لإستعماله ) في قضية ستقع لاحقا .. وسرعان ما وقعت هذه القضية حين إنتهت الحرب العالمية الثانية التي أفضت عن تقاسم جديد لمناطق النفوذ حول العالم , منحت فيه الولايات المتحدة الأمريكية دعمها لليهود فتأسست ( الدولة اليهودية ) في فلسطين .

بعد قرار تقسيم فلسطين الذي صدر يوم 29 نوفمبر 1947 مباشرة عم العصيان والتمرد بين عرب فلسطين . دعمت بريطانيا العصيان بشكل غير مباشر , لأن قرار تقسيم فلسطين كان معناه أن تخرج بريطانيا منها ( خرجت من فلسطين تماما عام 1948 ) .

تحت قيادة جامعة الدول العربية قامت جيوش من دول الجامعة بالتوجه الى فلسطين ( لنصرة الفلسطينيين ) يستثنى من ذلك أن اليمن والسعودية لم ترسلا جيوشهما . حين قامت جيوش من مصر والعراق وسوريا ولبنان ومملكة شرق الأردن بالدخول في حرب مع إسرائيل .. نعم كانت تلك الجيوش تحارب بنخوتها العروبية , لكن الحقيقة هي أن بريطانيا كانت ( تستعمل ) هذه الجيوش للحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وواجهتها إسرائيل للمحافظة على المصالح البريطانية في فلسطين .

دول عربية كلها كانت واقعة تحت الإنتداب البريطاني أو الفرنسي .. من يسمح لها أن تدخل حربا .. إذا كانت الدول الوصية عليها لم تسمح بذلك ؟ إن لم تكن تلك الدول الوصية هي التي أمرت بالحرب ؟

تمخضت الحرب عن هزيمة الجيوش العربية , وبعد الحرب ضمَّت مملكة شرق الأردن الضفة الغربية الى أراضيها وتكونت من كل ذلك ( المملكة الأردنية الهاشمية ) .

فرنسا .. كانت دولة ( مقدور عليها ) , ولكن من يقدر على بريطانيا ( العظمى ) ؟

كان على إسرائيل والولايات المتحدة ( طرد ) البريطانيين من أقوى دولتين عربيتين في المنطقة ألا وهما مصر والعراق , حتى لا تشكل بريطانيا مصدر إزعاج دائم بتحريك عرب البلدين , حيث توجد الكثافة السكانية العالية التي تستطيع تجهيز جيوش كبيرة , لذلك أطيح بالملك فاروق ومعه الحاكم العام البريطاني على مصر عام 1952 , فيما أطيح بالملك فيصل الثاني ونفوذ السفارة البريطانية في العراق وكل القواعد العسكرية البريطانية عام 1958 .

تحولت مصر الى جمهورية , لكن القواعد العسكرية البريطانية بقيت على أراضيها , كما أن فرنسا كانت موجودة في قناة السويس , لذلك كان على الولايات المتحدة الأمريكية إستدراج جميع الأطراف الى حرب تحقق لها الإنفراد بحكم مصر والتأثير عليها .

لماذا وكيف وقعت حرب السويس عام 1956 ؟

قرار التقسيم الذي أدى الى تأسيس إسرائيل منح إسرائيل خطا ساحليا طوله 5 ميل على خليج العقبة , فقامت على الفور بتأسيس ميناء إيلات عليه . وكانت تبغي إستعمال ميناء إيلات من أجل تجارتها الصادرة والواردة مع دول آسيا وإفريقيا , دون أن تكون مضطرة الى تحمل الحاجة الى علاقة مجاملة مع المصريين , أو إضطرار دفع رسوم عبور قناة السويس لهم . ودون أن يكون على السفن القادمة أو المغادرة من والى إسرائيل قطع الطريق الطويل عبر مضيق جبل طارق ثم رأس الرجاء الصالح لهذه الغاية .

من أجل أن تجبر مصر الإسرائيليين على إستعمال قناة السويس , كان عليها أن تبطل لهم فاعلية ميناء إيلات , ولهذا فقد قامت بالتالي :

في النقطة التي يقارب فيها خليج العقبة على الإندماج مع البحر الأحمر نلاحظ وجود بروز في السواحل السعودية في منطقة تبوك يمتد الى مياه الخليج ويدعى ( راس الشيخ حْمَيِّد ) يقابله من جانب الساحل المصري في شبه جزيرة سيناء بروز آخر يدعى ( راس نصراني ) بحيث يشكل هذان الرأسان المتقابلان أضيق نقطة في خليج العقبة . وبين هذين الرأسين تقع جزيرتا ( تيران و صنافير ) قامت مصر بتأجيرهاتين الجزيرتين من السعودية حيث تعود ملكيتهما … متى وكيف وقع الإيجار ؟ لا أدري .. بحثت في كل ما وقع تحت يدي من مصادر ولم أجد تطرقا الى ذلك , فالمصادر العربية والأجنبية ترغب ( التعمية ) على الموضوع .

جزيرة تيران مساحتها ( 80 كم مربع ) والمشكلة ليست في الجزيرة نفسها ولكن في ( مضائقها ) وللحديث عن هذه المضائق سأضطر الى تسميتها بأسمائها الأجنبية التي منحت لها فيما بعد عند سحب السيطرة عنها من السعودية ( مالكتها ) , ومصر ( مؤجرتها ) ووضعها تحت الإدارة الدولية .

الساحل الشمالي الغربي لجزيرة تيران يدعى اليوم ( كورموران ) يخرج منه لسان صخري طويل يمتد الى الشمال يدعى ( نورث لاكونا ) , وآخر صغير يمتد الى الجنوب يدعى ( لاكونا ريف ) . بعد 65 متر الى الغرب من لاكونا ريف يظهر رأس صخري صغير يدعى ( جاكسون ريف ) وتحته بروز صخري طويل يمتد الى الجنوب الغربي يدعى ( وود هاوس ريف ) تفصله فتحة مائية عرضها 60 متر عن بروز صخري آخر يدعى ( توماس ريف ) وبعد حوالي 60 متر يظهر رأس صخري آخر يدعى ( جوردان ريف ) .

أما جزيرة صنافير فمساحتها ( 33 كم مربع ) وشكلها يشبه سمكة قرش عملاقة تسبح الى الجنوب الشرقي من جزيرة تيران .

بوجود مصر في سيناء من جهة , وسيطرتها على هاتين الجزيرتين اللتين تغلقان خليج العقبة بإعتبارهما مانعا طبيعيا لا يمكن إختراقه من جهة أخرى , فإنها بذلك تقفل على إسرائيل منفذها البحري الى أفريقيا وآسيا , وتنهي لها تماما قيمة ميناء إيلات , وتضطرها مرغمة الى إستعمال قناة السويس .

أضافت الحكومة المصرية الى ذلك تشجيعها الفدائيين الفلسطينيين على شن غارات على إسرائيل من قطاع غزة الواقع وقتها تحت سيطرة مصر , ثم قيام الحكومة المصرية بتأميم قناة السويس بحجة نيتها بناء السد العالي الذي ( يرفض ) البنك الدولي الأمريكي إقراضها المال لبنائه فأثارت حنق فرنسا الشديد لا على المصريين .. وإنما على الأمريكان الذين يحركونهم . خصوصا وأن فرنسا كانت ذلك الوقت تتكبد الأهوال على يد الأمريكان من أجل طردها من فيتنام في نفس الوقت , ناهيك عن أن الجنرال ديغول كان قد تعرض من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي الى ما يقرب من 100 مؤامرة ومحاولة إنقلاب ومحاولة إغتيال من أجل الإطاحة به لإنهاء نفوذه في شمال إفريقيا .

عندها تصعد الموقف الى إعلان الحرب عام 1956 من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر , فقامت اسرائيل بإحتلال شبه جزيرة سيناء بالفعل ورفضت إعادتها الى مصر , كما رفضت الولايات المتحدة دعم الجنية الإسترليني البريطاني الذي كان يعاني من وضع حرج في أسواق المال . مما إضطر بريطانيا الى الموافقة على إجلاء كامل قواتها عن مصر , من أجل الحصول على الدعم المالي الأمريكي , عندها قامت الأمم المتحدة بنشر قواتها على طول الحدود الفاصلة بين مصر وإسرائيل , فإنسحبت إسرائيل من سيناء .

وقد عدت حرب السويس نصرا على المستويين المصري والأمريكي , نظرا لأنها تمخضت عن طرد البريطانيين والفرنسيين من مصر . 

علينا أن نلاحظ أن الدول الستة المتصارعة على زعامة الشرق الأوسط جميعها , هي واجهات للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط , وأن السياسة الأمريكية هي التي تخطط وتدير الصراع بين هذه الدول من أجل إبقاء المنطقة تحت سيطرتها .

إذا نظرنا الى هذه الدول جميعا , سنجد إسرائيل هي الكيان الوحيد ( الدخيل ) على المنطقة . بينما بقية الدول جميعا ترتبط بعاملين من أشد العوامل التي تؤدي الى الوحدة لا الى الفرقة وهما : عامل الدين الإسلامي , وعامل القومية .

تم ضرب عامل الدين بالمذهبية ……. ولذلك تقرن تركيا بالعلمانية , وايران بالشيعية , والسعودية بالوهابية .

أقطار أخرى مثل العراق ولبنان , يتم اليوم شق عراها الوطنية بواسطة اللعب على هذا العامل .

بينما تلعب المذهبية لعبتها بطريقة اخرى في أقطار مثل سوريا التي تحكمها أقلية شيعية على أغلبية سنية , أو البحرين التي تحكمها حكومة سنية على أغلبية شيعية …

ولو عدنا وسألنا : من هم الشيعة أو السنة أو الوهابية أو حتى الترك العلمانية ؟

سنجدهم كلهم أمة واحدة مسلمة , الله ربها ومحمد نبيها والقرآن كتابها , قد يختلفون في الإجتهاد والتفسير , لكن ذلك ينبغي أن يكون ( عنصر تنوع ) يثري فكر الأمة في مواجهة متطلباتها , لكننا في الحقيقة سنلمس انه أصبح ( عنصر هدم ) يجهد الأمة بعوامل تزيد من فرقتها وضعفها .

اللعب على العامل القومي أدير بشكل مختلف . هناك عداء تاريخي مزمن بين الترك والفرس , لذلك لا داعي من القلق بشأن تقاربهما المستحيل .

وهناك كراهية مزمنة بين العرب والترك بحكم كون العرب عانوا لقرون من الإحتلال العثماني المقيت لهم لذلك لن يحصل بينهما أي تقارب .

منذ منتصف القرن الماضي تم اللعب على العلاقة العربية الفارسية , تمخض عن إحتلال ايران الفارسية لجزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى في سبعينات القرن الماضي , وكان رد الفعل هو إنهاء علاقة دول الخليج مع ايران .

توج هذا الإنهاء بإشعال الحرب العراقية الإيرانية , فعمت بين العرب والفرس حالات من العداء والشك … في حين أننا نجد وقبل حوالي 60 سنة , أيام كان العرب والفرس يخضعون للنفوذ البريطاني … شاه إيران كان متزوجا من فوزية أخت ملك مصر , وينادي الشاه بالملك فاروق ( ملكا على العرب والمسلمين ) إذن مالذي تغير ليقلب الموازين بهذا الشكل ؟

طبيعة الموقع على الأرض ستفصل لنا الصراع الشرق أوسطي الى دائرتين رئيسيتين : في الدائرة الأولى هناك مصر وإسرائيل وتركيا , وفي الدائرة الثانية هناك العراق والسعودية وإيران .

حين تتقارب اسرائيل مع تركيا فإن ذلك يزعج مصر , تماما كما تنزعج إسرائيل من أي إحتمال لتقارب تركي مصري , وبالضبط مثلما تنزعج السعودية عندما يتقارب العراق مع ايران أو تنزعج ايران عندما يتقارب العراق مع السعودية .

منتصف الستينات من القرن الماضي سعت إسرائيل الى التوسع , قام سفيرها في الولايات المتحدة الأمريكية ( أبا إيبان ) بالإجتماع مع الرئيس الأمريكي جونسون , وأخذ منه تعهدا بأن الولايات المتحدة لن تفرض على إسرائيل الإنسحاب من أي أرض عربية ستحتلها مثلما فعلت الولايات المتحدة .. عندما أجبرت إسرائيل على الإنسحاب من سيناء عام 1956 .

حشدت إسرائيل على حدود الجولان السورية التي تربطها معاهدة دفاع مشترك مع المصريين ,

وهكذا وجدت مصر نفسها وقد عادت الى التلويح بموقع تيران وصنافير المعيق لوصول إسرائيل الى أفريقيا وآسيا وتعطيل ميناء إيلات عن الحركة .

وكانت هذه هي الشرارة التي قدحت من جديد .. فأشعلت حرب حزيران عام 1967 . في ستة أيام كانت إسرائيل قد أعادت إحتلال شبه جزيرة سيناء بالكامل و ( قعدت ) للمصريين على الضفة الثانية من قناة السويس وأعاقت ملاحتهم البحرية فيها ( مثلما يعيقون ملاحتها في خليج العقبة ) , كما قامت بإحتلال مرتفعات الجولان السورية , والضفة الغربية التي كانت قد ألحقت بالأردن بعد حرب عام 1948 إضافة الى جزيرتي تيران وصنافير السعوديتين المؤجرتين الى مصر . 

يقال إن العاهل السعودي وبعد 11 شهر من إنتهاء حرب حزيران رفع مذكرة الى الأمم المتحدة يشكو فيها من تواجد إسرائيل على هاتين الجزيرتين , بعد التحقق تبين أن إسرائيل تحتلهما منذ 11 شهر وهو لا يدري . وقد بقيت إسرائيل في هذه الجزر الى عام 1979 حين وقع الرئيس السادات معاهدة التطبيع مع إسرائيل فأعيدت له سيناء .. بشرط أن تكون جزيرتا تيران وصنافير تحت الإدارة الدولية .. حتى لا تعمد مصر في أي وقت لاحق الى التهديد بقفل خليج العقبة بهما .

وفي حين قال الرئيس السادات في إحدى خطبه عن هاتين الجزيرتين : (( لا ياعم .. الجزر دول مش لينا ولاهما بتاعنا .. دول تبع أرض الحجاز )) فإن الحكومة السعودية تدعي بأن تيران وصنافير مجرد جزر مرجانية غير مهمة ولا مأهولة بالسكان , لذلك فليست لهما أية أهمية .

هذا الكلام غير صحيح بالطبع لأن حقيقة موقعهما الجغرافي تؤكد أهميتهما الكبيرة , التي تفوق أهمية جزر حنيش التي إستردتها اليمن من أرتيريا بتحكيم دولي , وتفوق أهمية جزر ( حوار ) التي تنازعت حولهما قطر والبحرين وإنتهتا الى تحكيم دولي . وتفوق أهمية طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى المتنازع عليها مع ايران .

ولو أن الجزر حين تضيع فإنها لا تسترد .. لأنها محض جزر مرجانية خالية من البشر والثروة المعدنية أوالبترولية !! فلماذا دخلت السعودية في نزاع مع اليمن على بعض جزر مرجانية صغيرة من نفس صنف جزيرتي تيران وصنافير , رغم كون هذه الجزر ومن ضمنها جزيرة ( فرسان ) لاتتمتع بالموقع الخطير مثل تيران وصنافير ؟؟

أما بالنسبة الى مصر , ففي حادثة مشابهة , كانت بريطانيا قد أجرت جزيرة هونك كونك من الصين لمدة 99 سنة . حين غزا اليابانيون هونك كونك أثناء الحرب العالمية الثانية , لم يدافع عنها البريطانيون وتركوها تحت الإحتلال الياباني مدة 3 سنوات و8 أشهر .

يشعر البريطانيون برغم صلفهم والى حد اليوم بالعار من موقفهم ذلك , ويحاولون بشتى الطرق محو هذه الحادثة بتقديم ما ينفع هونك كونك .. فماذا علينا أن نشعر نحن ( العرب المسلمين ) حين نسترخي على شرفة عالية في أحد منتجعات ( راس نصراني ) الباذخة .. ونرى جزيرتي تيران وصنافير تلوحان أمامنا سابحتين في البحر ؟؟

من الجدير بالذكر أن البحث عبر الإنترنت عن راس نصراني أو منتجعاته الباذخة .. لا يجوز أن يكون باللغة العربية لأن المكان برمته ليس مخصصا للعرب , بل هولإمتاع وخدمة الأجانب , والرجاء البحث عن الصور لأنها أبلغ من الكلمات .

رغم كل ما يعتري حياة الحكام العرب وحكوماتهم من نزاعات فردية أو شخصية , إلا أن هؤلاء الحكام والحكومات متواطئون متعاونون متضامنون على طمر الكثير من الأمور الدقيقة والحساسة والمهمة عن أن تصل الى مدارك المواطن العربي .. فهل نستطيع أن نستشف من ذلك .. نوع وشكل وحجم ما يمسكه ( بعضهم على بعضهم ) من أخطاء ومخالفات وتجاوزات .. يدعوهم جميعا الى السكوت ؟؟

ومن حقنا بعد ذلك أن نسال الجامعة العربية : على كم جدول من جداول أعمالها كانت قد أدرجت قضية تيران وصنافير ؟ وهل قضية تيران وصنافير هي وحدها القضية ( المطمورة ) أم أن هناك قضايا أخرى أكبر أو أصغر أو بنفس الحجم .. جرى طمرها لكي لا يعلم العربي شيئا عنها ؟؟ .. ليظل يرمى تبعات ما يحدث له يوميا بشكل إعتباطي عن يمينه وعن شماله ؟

والسؤال الأجدر الذي يوجه للجامعة العربية : هل هي جامعة مصرية للمصريين ضد العرب ؟ أم هي جامعة عربية للحكام العرب ضد شعوبهم ؟ أم هي جامعة للعرب ( كما تدعي ) …. وعليها أن تكون مرآتهم الصادقة ليس في حل مشاكلهم فقط .. وإنما في تنويرهم حتى عن القضايا التي إستفحلت ولم يعد بإمكان الجامعة أو غير الجامعة حلها ؟

(( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) ؟

رغم كل ما يعتري حياة العربي اليوم من ضعف وإختلال .. إلا أنني أومن بالإنسان العربي , فهو إنسان ذو ذكاء وفطنة ونخوة وغيرة وشهامة , والإسلام بتعاليمه السمحاء البعيدة تماما عن رخص وإبتذال بعض الفتاوى , هو العامل الراجح الذي بلور صفات العربي الى أرقى معانيها ..

لكن الحكام العرب جميعا , لاهون بتجميع ثرواتهم الشخصية وتوريث أبنائهم ..

والحكومات العربية لاهية بطموحاتها الخاصة وأجنداتها الإقليمية …

لذلك رَّبت مواطنها منذ عقود طويلة على الضعف , والحاجة , وقلة الحيلة , وتبعية الثقافة والفكر , ومتابعة أجهزة الأمن والمخابرات والإستخبارات .

متى تغير كل هذا ستعرفون من هو العربي .. يكفينا للحكم على ذلك أننا عشنا بين صنوف مختلفة من أجناس كل أهل الأرض , أتيحت لهم كل الفرص لكنهم لم يمتلكوا الوعي والفطنة ليفعلوا شيئا بكل ما يملكون .

من الجدير بالذكر .. أن الحال البائس الذي وصل إليه عرب اليوم .. هو وليد ( مسخ ) لتلك الأيام الخوالي , حين كانت حكوماتنا ترفع لنا شعارات وطنية براقة ما أنزل الله بها من سلطان فوق واقع بائس بمنتهى الهوان . وتلك الشعارات هي التي قادتنا الى أيامنا السود الحالية , والعربي الغيور على مصلحة أمته .. عليه أن يفتح ملف الوضع العربي المعاصر .. من أوله وليس من صفحاته الأخيرة .  ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

بهجت سليمان: أيوب الكربلائي!

صبحي حديدي : القدس العربي

 قبل أيام نشر المحامي الأردني محمد الشوملي شريط فيديو، على موقع ‘يوتيوب’، يصوّر قيام وفد من زملائه المحامين بزيارة بهجت سليمان، سفير النظام السوري في عمّان. اللقطات تُظهر المحامي سميح خريس يهدي سليمان عباءة عربية، ويخاطبه: ‘صمودك هذا، يعني حقيقة، الجبال تعدل صمودك، وصبرك، صبر أيوب دون صبر أبو المجد’، في إشارة إلى ابنه مجد سليمان، أحد ضباع النهب والفساد في سورية. اللقطات اللاحقة تنقلب إلى كوميديا، حين يتسلم سليمان العباءة ويحاول ارتداءها من فتحتَيْ الكمّين، فيفشل طبعاً، وينبهه الحاضرون إلى أنها تُلقى على الكتفين فقط!

وإذْ يصعب على المرء إدراك ذلك ‘الصبر’، الذي دفع خريس إلى مقارنة مع النبي أيوب؛ فإنّ إهداء هذه العباءة تحديداً يضيف بُعداً مشيخياً، وبالتالي مأساوياً، على المشهد الهزلي. وشيخ القومية العربية هذا، كما أوحت زيارة المحامين ‘القوميين’ ـ وهي صفتهم الشائعة في الأردن، لأسباب تتوسل التهكم أكثر من الإطراء ـ كان، قبل أيام قليلة فقط، قد أدلى بتصريح مذهبي بغيض، إلى جانب ركاكته اللفظية والتاريخية، يحضّ على شقاق الأمّة بدل اتحادها. لقد شبّه معركة بشار الأسد، ضدّ الشعب السوري، بـ’كربلاء العصر’، وأضاف في تصريح رسمي: ‘إما أن نهزم المؤامرة الصهيو ـ أطلسية ـ العثمانية ـ الوهابية، ونسحق جميع أدواتها، مهما كان الثمن. أو أنّ كربلاء العصر سوف تتكرر ثانية، لنكون شهداء، دفاعاً عن أرض بلاد الشام الطاهرة، ولينتصر الدم على السيف، مرّة أخرى’!

من جانبي أشهد أنّ البرهة ‘الألمعية’ القصوى في تاريخ سليمان جرت في شهر كانون الثاني (يناير) 1997، حين نشر مقالة بدت مفاجئة، ولكنها عند العارفين بأطوار النظام الحاكم كانت بمثابة كاشف بليغ حول أعراف، وأخلاقيات وخيارات، الآتي من أيام سورية. في المقابل، كان من حقّ القارىء البريء لتلك المقالة أن يهتف، ولا حرج عليه:

هل يعيش ‘الدكتور’ على كوكب آخر غير هذه الأرض المضطرمة العاصفة؟ ألا يدرك ما يدور من حوله هنا وهناك في العالم، ليس في أوروبا الشرقية وأفريقيا وأمريكا اللاتينية فحسب، بل على مبعدة كيلومترات معدودة من دمشق؟ وكيف كان لامرىء بريء أن يخرج بانطباع أقلّ دراماتيكية، إذا كانت مقالة الدكتور تبشّر السوريين بأن بشار، نجل حافظ الأسد، ليس خير خلف لخير سلف فقط؛ بل هو الخلف الوحيد، الأوحد، الجدير بوراثة قصر قاسيون ورئاسة الجمهورية. نظام جمهوري ـ وراثي هنا، تحديداً: في سورية ‘قلب العروبة النابض’، و’قلعة الصمود أمام مخططات الاستسلام’، و’الخندق الأخير في جبهة السلام العادل الشامل’، حسب تعبيرات سليمان نفسه؟

هذه، إذاً، واقعة جديدة للتذكير بأنّ ‘الدكتور’، لمن لا يعرفه بعدُ، ضابط محترف متقاعد، صعد نجمه أوائل الثمانينيات أثناء خدمته في قوّات ‘سرايا الدفاع’، حيث حظي برعاية خاصة من قائدها آنذاك رفعت الأسد (‘الدكتور’ في الفلسفة، بدوره!)، وكُلّف بمجلة ‘الفرسان’ الناطقة باسم السرايا. قبل ذلك المقال بسنوات قليلة، كان الرجل أوّل من تحدث بصراحة عن سجايا باسل الأسد في حمل رسالة أبيه، وألقى بهذا الصدد عشرات المحاضرات في سورية ولبنان. وحين توفي باسل في حادث سيارة مطلع عام 1994، وقبل أن يوارى الثرى، كتب سليمان مبشراً بأن بشار الأسد هو خير من يحمل السارية من أخيه.

وهكذا، بعدئذ، وكلما مرّت ذكرى وفاة باسل، تنطح ‘الدكتور’ لتذكير السوريين بالسبب ‘العميق’ الذي جعله يرى كلّ ذلك الوضوح المطلق، والبديهي، في مسألة وراثة الحكم: بشار الأسد هو المستجيب ‘لنداءات بني وطنه التي طالبته بحمل رسالة الباسل، وصون تراث القائد الكبير، والسير معه وبه صوب الألف الثالثة للميلاد، والدفاع عنه واستكمال مساره والتطور معه بما يتوافق مع روح العصر ومع إرهاصات المستقبل ومع تحديات القرن المقبل’. أسباب أخرى؟ هنا ثلاثة إضافية: ‘لأنه نجل حافظ الأسد أولاً، ولأنه شقيق باسل الأسد ثانياً، ولأنها [أي الجماهير] ترى فيه ضمانة ورمزاً منشودين لاستمرار واستقرار نهج حافظ الأسد ثالثاً’. ولم ينسَ ‘الدكتور’ اقتباس وراثة راجيف غاندي لأمّه أنديرا غاندي، مثالاً على سياق مماثل في رأيه!

طريف، إلى هذا ـ وهو أيضاً سلوك ثابت في علاقة ‘الحركة التصحيحية’ برجالاتها، خلال عهد الأسد الأب مثل الأسد الابن ـ أنّ سفارة سليمان في عمّان كانت بمثابة خاتمة متدنية لعزيز قوم ذلّ؛ بالنظر إلى أنّ ‘الدكتور’، قبل السفارة، كان يحتلّ موقع الرجل الأقوى في جهاز أمن الدولة، وكان ضمن ستة يشغلون ذروة هرم السلطة (الأسد نفسه، شقيقه ماهر، آصف شوكت، علي كنعان، سليمان، وعبد الحليم خدام). طريف، أيضاً، أنه حرص على الإيحاء بشخصية رجل الأمن ‘المثقف’، والمحبوب من كتّاب سورية وفنانيها؛ وكان، بالفعل، يقرّب إليه مجموعة منهم، انتهازية منافقة بالضرورة.

مضى ذلك الزمن، إذاً، وانقضى؛ فخُسف مقام اللواء سليمان إلى محض سفير، تحت العادة، طاشـــــت ذاكرته بعيداً عن مفردات الخطاب البعثي القومــوي والثوروي، فصار يستعين بلغة عاشورائية وكربلائية تتقرى ‘انتصار الدم على السيف’؛ ولم يتبقّ له، أغلب الظنّ، إلا أمثال سميح خريس، والعباءة المقصبة!

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

يا ظبية ً لطفتْ منّي منازِلُها،

يا ظبية  لطفتْ منّي منازِلُها، فالقَلبُ مِنهُنّ، وَالأحداقُ والكَبِدُ

حبّي لكِ، الناسُ طرّاً يشهدون به؛ وأنتِ شاهدة ٌإنْ يثنِهِمْ حسدُ

لَمْ يَعْزُبِ الوَصْلُ فِيما بَينَنا أبَداً، لَوْ كِنتِ وَاجِدَة ً مِثْلَ الذي أجِدُ

ابن زيدون – مفكر حر

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

ورثة إبليس

وجوهكم أقنعة بالغة المرونة

طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة 

صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه

“.وقال : ” إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه

ودارت الأدوار فوق أوجه قاسية، تعدلها من تحتكم ليونة ،

فكلما نام العدو بينكم رحتم تقرعونه ، 

لكنكم تجرون ألف قرعة لمن ينام دونه

وغاية الخشونة ،

أن تندبوا : ” قم يا صلاح الدين ، قم ” ، حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة ،

كم مرة في العام توقظونه ،

كم مرة على جدار الجبن تجلدونه ،

أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة ،

دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه ،

لأنه لو قام حقا بينكم فسوف تقتلونه   أحمد مطر (مفكر حر )؟‎

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

حق اللجوء للسفارة الفرنسية!

بينما يفتتح الدكتور زيد الفضيل مقالته بالقول: «فسّر العلماء لفظة شقائق في الحديث النبوي الصحيح، بنظائر وأمثال، وهذا يعني لي أن المرأة والرجل متناظران متماثلان في الخلق والتكوين والابتداء»، تجتهد الدكتورة نوال العيد، الأكاديمية والداعية الإسلامية، بالاستعانة بدراسة عن الغرب «الكافر الفاجر»، كي تحذّر نساء السعودية من دعوة المساواة بين الرجل والمرأة، وذلك في مقالتها «الكذبة الكبرى»، التي استشهدت فيها بمعلومات تؤكد أن أكثر من مليوني فرنسية يَصِحْنَ في الغرب: «مللنا المساواة، يا ليتنا نتزوج عرباً». وقد حاول الدكتور حمزة المزيني في مقالة له في صحيفة «الشرق» التأكد من هذه المعلومة، ولاسيما أن اسم المجلة الفرنسية التي قامت بهذا الاستفتاء ورد في المقالة باسم «ماري مكير»، وانتهى (المزيني) إلى أن خطأ المعلومات لم يتوقف عند اسم المجلة، الذي كان «ماري كلير» فأصبح «ماري مكير»، بل إلى منهج النقل، فلم ينقل مثلاً عن «مصدر إعلامي فرنسي»، بل اتبع منهجاً دعوياً يتمتع بخيال باهر في تأليف الحلّ الساحر، ويقوم على فلسفة ميكيافيللي الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»! ولأن فرنسا لا تعرف العربية، يمكننا أن نضع على لسان مجلتها التي تُعنى بجمال المرأة، قليلاً من الملح يزيد من سحرها، حين نجعل الفرنسيات حالمات بالتخلص من المساواة، وهذا لا يحدث إلا إذا تزوّجن من عربي يفهم نقصهن وعجزهن ورغبتهن الكامنة في التبعية والتنازل عن المسؤولية.

وقد وجد الدكتور المزيني أن منهج النقل عند الدكتورة نوال العيد كان مسلسلاً من «العنعنة»، أي نقلت عن موسى ذاكر الحربي، الذي نقل هو بدوره عن فؤاد العبدالكريم، الذي نقل عن عصام الحرستاني، الذي نقل النص حرفياً من مجلة «الاعتصام» الإخوانية المصرية العدد الـ12 في آب (أغسطس) 1977، ثم انقطع الأثر بالمزيني، لكننا على الأقل عرفنا أن جميع الناقلين لم يتنبهوا حتى إلى تصحيح اسم المجلة، فبقي في كل النقولات «ماري مكير»، وهذا يثبت أن الشرب من بئر لا تتجدد يؤدي إلى التسمم بالمعلومات الخاطئة.

لو عاد الأمر إليّ، لما احتجت لأن أبذل كل هذا الجهد الذي بذله الدكتور المزيني لأعرف أن هذه المعلومة ليست دقيقة، فأنا شخصياً أعرف نساء فرنسيات متزوجات من عرب، وهنّ اللاتي ينفقن عليهم، وفي الوقت الذي تركب فيه الفرنسية المترو وتذهب لعملها في منصب رفيع الشأن، يجلس الزوج العربي في المنزل يغسل الصحون، لأنه بلا عمل تقريباً، وربما هذا هو السبب الحقيقي الذي جعل الفرنسيات يطمحن إلى الزواج من عربي.

الغريب أيضاً هذا العدد الكبير لـ «عينة الاستفتاء»، فأي مطّلع على منهج البحث العلمي يعرف أنه لا يوجد إحصاء يتخذ من رقم كبير بلغ 2.5 مليون عينة له، فهذا جهد جبار لا تطيقه سوى وزارات الإحصاء السكاني، التي لا تهدف عادة إلى معرفة ما إذا كان نساء بلادها يفضلن الزواج من عربي أم لا. إلا أنني قررت بعد قراءة المقالة اللجوء إلى السفارة الفرنسية -هو لجوء معرفي طبعاً لا أكثر- كي أعرف إن كانت الفرنسيات بالفعل يعشن ظلم المساواة التي توفِّر لكل منهن حقها كإنسانة في أن تتعلم، وتعمل من دون موافقة ولي أمرها، ويدخل السجن من يتحرش بها، حتى ولو كان والدها، وتضمن لها الحكومة فرصة عمل تتوافق مع كفاءتها، لا وفق قرابتها من الوزير أو السفير، ولأعرف إن كانت المساواة أرهقتها حقاً حين وفّرت لها نقلاً عاماً تجلس فيه كريمة آمنة، وأثقلت عليها بحق أن تنتخب الرئيس، وتتزوج بمن تختار، وتكون شريكاً مسؤولاً في العائلة، لا داراً مستأجرة إن وقع فيها حائطٌ لم يَلزَم المستأجرَ أن يقيمه، فوالدها من يلزمه علاجها. وبما أن مجلة «الاعتصام» نقلت الخبر في العام 1977، فلا بد من أن حال الفرنسيات تفاقمت بسبب المساواة الظالمة، مع أننا لم نسمع بعدُ عن حافز للعاطلات الفرنسيات، ولا عن معلمات على بند الأجور، ولا عن خطط توفيرهن كعاملات في البيوت.

الأمر العجيب حقاً، هو كيف وُجد عدد كبير من الرجال لدينا، في الإعلام ومجلس الشورى والجامعات… يدافعون عن النساء وعن حقوقهن، في حين وُجد عدد غير يسير من الأكاديميات والداعيات يحاربن حقوقهن، ويطالبن بالمزيد من حجبهن، وتراجع حيّز وجودهن في الحياة؟!

الدكتورة نوال العيد تُدرّس وتنشر أفكارها في جامعة للفتيات، وفي محافل نسوية دعوية، فيزيد عدد الفتيات اللاتي يَحْذَرن المساواة، فيعتقدن بأنهن خلقن ناقصات، لا يبلغن سنّ الرشد أ‍بداً، بينما يدرّس الأساتذة المدافعون عن المرأة في جامعات الطلبة، فيزيد عدد الرجال المؤمنين بحق النساء، وهكذا يصبّ كل من الفريقين في جزر متفرقة، فيزداد الأمر غرابة وتعقيداً: رجل يدافع عن حق المرأة، وامرأة تنكر حقها وتطالب بعزلها وتؤكد نقصها وتطلب الوصاية عليها!!!

نقلاً عن صحيفة “الحياة”

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

تحول ديموغرافي في العالم الإسلامي

ثمة شيء مدهش يجري مجراه في العالم الإسلامي، ولست أعني بذلك الربيع العربي أو صعود الأصولية الإسلامية. فبحسب خبير سكاني بارز، يتسبب «تغيير جذري» في انخفاض حاد في معدلات الخصوبة بين شعوب العالم الإسلامي و«عزوف عن الزواج» بين السيدات العربيات.

وثق نيكولاس إبرستادت، وهو باحث بمعهد «إنتربرايز» الأميركي، هذه النتائج في ورقتين بحثيتين أخيرتين. وهما يوضحان حقيقة تتناقض مع الصورة الشائعة عن الانفجار السكاني المستمر في البلاد الإسلامية. إن تعداد السكان يزداد بالفعل، لكن في حالة استمرار الاتجاهات الحالية، فلن تستمر الزيادة لفترة طويلة.

حملت أول ورقة بحثية لإبرستادت عنوانا معبّرا هو «انخفاض الخصوبة في العالم الإسلامي: تغيير جذري حقيقي ومع ذلك غير ملحوظ». وبالاستعانة ببيانات من 49 دولة ومنطقة غالبية سكانها مسلمون، توصل إلى أن معدلات الخصوبة قد انخفضت بنسبة 41 في المائة في المتوسط في الفترة ما بين 1975 و1980، وفي الفترة ما بين 2005 و2010. وهو انخفاض أكثر حدة من الهبوط البالغة نسبته 33 % في العالم ككل.

هبطت معدلات الخصوبة بنسبة 50 % أو أكثر في 22 دولة ومنطقة إسلامية. سجلت إيران وعمان والإمارات العربية المتحدة والجزائر وبنغلاديش وتونس وليبيا وألبانيا وقطر والكويت، أكثر نسب الهبوط في معدل الخصوبة حدة، حيث سجلت جميعها انخفاضا نسبته 60 % أو أكثر على مدى ثلاثة عقود.

هبط معدل الخصوبة في إيران بنسبة 70 % خلال 30 عاما، وهو ما يصفه إبرستادت بأنه «أحد أسرع وأبرز حالات انخفاض معدل الخصوبة على مر تاريخ البشرية». بحلول عام 2000 هبط معدل الخصوبة في إيران إلى مولودين لكل سيدة، لينخفض عن المستوى اللازم لإحلال السكان الحاليين، بحسب إبرستادت والمؤلف المشارك في كتابة الورقة البحثية، أبورفا شاه.

وضع خبر نشر في صحيفة «فايننشيال تايمز» في يوليو (تموز) عام 2012 معدل الخصوبة في إيران في مرتبة أدنى، واستشهد بتقرير صادر عن الأمم المتحدة تحذر فيه من توقع بدء انخفاض تعداد السكان في إيران في خلال عقدين، ومن أنه سوف يهبط بنسبة تربو على 50 % بنهاية القرن، في حالة استمرار الاتجاهات الحالية.

لقد شهدت مدن كبرى في العالم الإسلامي حالات انخفاض حاد في معدل الخصوبة. ويشير إبرستادت إلى أن 6 ولايات فقط من الولايات المتحدة تشهد معدلات خصوبة أقل من اسطنبول. وفي طهران وأصفهان وإيران، تنخفض معدلات الخصوبة عنها في أي ولاية من الولايات المتحدة.

ويشير إبرستادت إلى أن انخفاض معدل الخصوبة ليس فقط مجرد نتيجة لزيادة الدخول والتنمية الاقتصادية، رغم أن هذين العاملين قد لعبا دورا بالفعل، «كان هبوط معدل الخصوبة على مدار الجيل الماضي أسرع في الدول العربية منه في أي مكان آخر على ظهر البسيطة».

يشير «وورلد فيس بوك» التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أن معدلات الخصوبة في البلدان الإسلامية جاءت أعلى نسبيا من تقديرات إبرستادت، لكنها بشكل عام كانت أقل منها في الكثير من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأميركا اللاتينية وآسيا.

يصاحب هذا الانخفاض في معدل الخصوبة ما يشير إليه إبرستادت باسم «العزوف عن الزواج»، الذي تحدث عنه في ورقة بحثية قدمها الشهر الماضي في الدوحة بقطر. وتشير بياناته إلى أنه في الكثير من مناطق العالم، يتزوج الرجال والنساء في سن متأخرة أو يظلون من دون زواج. علاوة على ذلك، تشهد نسب الطلاق ارتفاعا، خاصة في أوروبا، إلى جانب نسبة المواليد خارج مؤسسة الزواج.

إن انخفاض معدل الزواج في أوروبا حقيقة معروفة، ولكنها لا تزال مدهشة: انخفض معدل زواج الإناث في ألمانيا من 0.98 إلى 0.59 في الفترة من عام 1965 إلى 2000، وانخفض في فرنسا على مدار تلك الفترة من 0.99 إلى 0.61، وفي السويد من 0.98 إلى 0.49، وفي بريطانيا من 1 إلى 0.54.

كذلك، يهبط معدل الزواج في آسيا: في اليابان ارتفعت نسبة النساء غير المتزوجات في المرحلة العمرية ما بين سن الـ30 والـ34 من 7.2 % في عام 1970 إلى 26.6 % في عام 2000، وفي بورما ارتفعت النسبة من 9.3 إلى 25.9 %، وفي تايلاند من 8.1 % إلى 16.1 %، وفي كوريا الجنوبية من 1.4 إلى 10.7 %.

تعتبر معدلات الزواج في العالم العربي أعلى، لكنها تتحرك بسرعة في الاتجاه نفسه. ويقول إبرستادت في رسالة بريد إلكتروني يشرح فيها النتائج التي توصل إليها، إن الأمر «المدهش» هو أنه في العالم العربي، يعتبر هذا العزوف عن الزواج «مماثلا لما كان عليه الحال في أوروبا في ثمانينات القرن العشرين، ويحدث على مستوى أدنى من التطور من حالات العزوف عن الزواج المماثلة في أوروبا ودول شرق آسيا المتطورة.

يقول إبرستادت: «ثمة شيء أكبر يجري مجراه، وعمليا لم يلاحظه أحد، حتى في العالم العربي».

تعتبر تلك الدراسات بمثابة تذكرة بأن الاتجاهات الديموغرافية الكبيرة التي تشكل العالم غامضة، وعادة ما يتم تجاهلها. ربما يشهد العالم العربي زيادة هائلة في عدد الشباب، الذين يوقدون شرارة الثورات الشعبية في تونس ومصر والدول العربية الأخرى. لكن مثلما يشير إبرستادت، من المرجح على مدار الجيل القادم أن يحدث انخفاض في أعداد البالغين ممن هم في سن العمل وزيادة في أعداد المسنين.

إن الدول العربية تصارع الآن ما يشير إليه إبرستادت باسم «زلزال الشباب»، لكنه يشير إلى أن المعضلة المقبلة ستتمثل في «كيفية تلبية تلك المجتمعات احتياجات سكانها المسنين أو أصحاب الدخول المنخفضة نسبيا».

* خدمة «واشنطن بوست»- الشرق الاوسط

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

جمال البنّا: رحلة الفكر في أرض قاحلة (1/2)

بدور زكي محمد

كنت كلما أصغيت لحديث الراحل الكبير جمال البنا وتابعت أداءه الواثق، وهدوءه، واحتواءه لمقاطعات المستعجلين ممن يتحدّون عقلانيته بما يدّخرونه من منقول رواياتهم، ينتابني إحساس بأن العمر لن يخذله، ليقول الكثير مما نحتاج إليه في سفرنا الطويل، وحيرتنا بين إسلام يُلَوِح بالسيف ويغتال العقول، وآخر انبثق قبل قرون، باركت ولادته سيدة جليلة أسمها خديجة، وأعلنه الرسول (ص) بلغة السماء، فقال: {إقرأ}، أحبه المستضعفون والمستعبدون لأنه بشرهم بالرحمة.

ذلك الإحساس رافقني أيضاً حين كنت أقرأ للشهيد حسين مروة، والراحلة المتميزة في عطائها ومعاركها الفكرية مع المتعصبين، أمينة السعيد، رئيسة دار الهلال العريقة.

لم أصدّق يوماً إن الكلمة النيّرة ترحل مع الغياب المادي لصاحبها، حتى لو حاصرتها أمم الجهل المتكاثرة في أيامنا هذه.

جمال البنا بميراثه من المؤلفات والمقالات والمناظرات الفكرية، وبنزعته لتحكيم العقل، عصّي على النسيان، ظاهرة يصعب تكرارها، فهو من الكبار الذين أسسوا لفكر إسلامي متصالح مع الحداثة بقدر ما تعنيه من الإهتمام بالإنسان كقيمة عليا. ففي تقديمه لفكرة الإحياء الإسلامي التي دعا إليها كطريق للنهوض بالمسلمين والأخذ بيدهم على مشارف القرن الحادي والعشرين، يقول:

“إن الإسلام أراد الإنسان ولكن الفقهاء أرادوا الإسلام”، وما كان يعنيه هو العودة إلى البدايات الأولى لانطلاق الدعوة الإسلامية، التي رمت إلى تحرير الناس من بدائية المعتقدات وتقديس ما اتبعه آباؤهم وأجدادهم، ونشر قيم العدالة والخير. كان يؤرقه استشراء العنف المتسربل بالدين، لذلك دعا لنبذ كل إيمان لا ينطوي على احترام إرادة الإنسان، فهو يؤكد على ضرورة ” الإقلاع عن التأثر السلبي بالماضي، أو محاولة فرضه على الحاضر” مستشهداً بالآية الكريمة { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } (البقرة 141). وعن فكرته لإحياء الإسلام، يقول البنّا: ” إذا أريد لهذه الدعوة أن تكون جماهيرية، شعبية، يتجاوب معها عامة الناس فلابد أن تكون إسلامية، أما إذا كانت دعوة نخّب تعتمد على الفكر المجرد أو تستلهم التجارب والدعوات الأوربية، بصرف النظر عن المجتمع العربي.. فإن دعوتهم ستكون دعوة صالونات “، ذلك لأنه لاحظ تجذّر الدين في المجتمع المصري والعربي، وهذا ما نلحظه ربما بشكل أساسي لانتشار الأحزاب الإسلامية ورفدها بأموال طائلة.

فكرة الإحياء التي نادى بها الراحل الكبير كانت عميقة الجذور في وعيه وثمرة سنوات طويلة من البحث، قاربت الخمسين عاماً، وقد كان كتابه ” ديمقراطية جديدة ” الذي أصدره في العام 1946 هو نقطة البداية، لما تضمنه من رؤية تجديدية للدين. ولم يعلن دعوته للإحياء إلا بعد بلوغه الثمانين من عمره الحافل بالعطاء، وبعد أن صدر الجزء الثالث من كتابه ” نحو فقه جديد “، في مسعى منه لتجميع أفكاره في وحدة متناسقة، ترفد العقل الإسلامي، وتساعد في تطور المسلمين.

أكثر ما تميز به البنا هو تواضعه وثقته بجانب الصواب في توجهاته الفكرية، واستقلاليته، كان حراً غير مقتاد لجهة داعمة، أو لمصلحة حزبية، أو حكومية، وعلى الرغم من الإساءات التي لحقت به جرّاء صراحته ونبذه للنفاق الإجتماعي، كان مُهاباً من خصومه، يقابل تطاولاتهم بابتسامة ساخرة غافرة، ويعفّ عن الرد عليهم بما يستحقون، حتى لو كان محدثه مقدم برامج لا علم له بالدين، أو التاريخ، يطلق القول جزافاً أو نفاقاً. وفي تعليق له على انتقادات المتفيقهين لأفكاره، نقله الباحث المصري عمارعلي حسن ( الشرق الأوسط، السابع من فبراير 2013) يقول: ” ما ينسبونه إليّ لم أخترعه، فهو موجود في بطون كتب صفراء يحفظونها عن ظهر قلب، ويتلونها على أسماع الناس كما هي، وقد وصفهم زكي نجيب محمود بـ«الحفظة المتعالمين”.

اهتمامات الراحل تجاوزت همه الأكبر المتعلق بتجديد الإسلام، فقد ركّز على العمل النقابي واستغرق الكثير من مؤلفاته، بالإضافة إلى كتاباته في شؤون السياسة المختلفة وفي هذا الجانب كان له موقف يعبّر عن إباء وأنَفة لم يتحل بها كثيرون من العرب ممن يحملون أسماءً كبيرة في دنيا الأدب والصحافة والسياسة، فقد رفض العمل في العراق في العام 1979 عندما كان يشغل منصب مستشار في منظمة العمل العربية التي كان مقرها في القاهرة ونقلت إلى بغداد ضمن عدد من المنظمات التي انتقلت من مصر بعد توقيع اتفاقية كمب ديفيد، حينها أجاب من طلبوا منه الإنتقال بالتالي: ” لا يمكن أن أعيش مطلقاً في ظل طاغية ومجرم وسفاح مثل صدام حسين”. وفي العام 1990 وبعد غزو الكويت، لم تتغير نظرته لذلك الرجل، فقد أضاف: ” صدام 1990 هو صدام ما قبلها وما بعدها، لقد خاض حرباً عبثية مع إيران لمدة 8 سنوات، وأنا أعتقد أن الإعدام كان أقل ما يستحقه، ولو أنه قطع إرباً إرباً لما كفر ذلك عن جرائمه ” (من لقاء مع خالد الكيلاني نشر في موقع الحوار المتمدن في 21-02-2008). كان حريصاً على التوثيق السياسي فقد ألّف سبعة مجلدات بعنوان: وثائق الإخوان المسلمين المجهولة.

غير أن ما أحاول التركيز عليه هنا هو رؤيته النقدية لمواضيع حساسة تتعلق بمنظومة الأحكام التي اعتنقها معظم الفقهاء المسلمين وجعلوها بمثابة أحكام منزّلة أجبروا الناس عليها، فضيّعوا الحكمة وخلطوا التاريخ بالعبادات، والعقيدة الثابتة بمتغيرات الحياة والمجتمع. والحديث عن هذا الجانب يتطلب آلاف الصفحات، لذلك سأذكر أهم الأفكار التي تميز بها جمال البنا، على أن أعود لها في الجزء الثاني من مقالي، مع شيئ من التفصيل.

أولاً- الحجاب ليس فريضة، ولا يوجد في الإسلام ما يؤكد فرضه، فشعر المرأة ليس عورة، وإن ما طُلب منها تغطيته في النص القرآني هو فتحة الصدر، ولم تُؤمر النساء بلبس الخمار لأنهن كن يلبسنه اتّقاء الشمس والتراب.

ثانياً- النقاب وصمة عار لأنه يطمس شخصية المرأة وإنسانيتها.

ثالثاً- كما أن الزواج يكون بالتراضي بين الرجل والمرأة، فإن الطلاق لا يكون بإرادة منفردة.

رابعاً – الشهادة في الزواج للتوثيق فقط وليست شرطاً للإنعقاد.

خامساً- المرأة الأكثر علماً بالقرآن يحق لها أن تؤم الرجال في الصلاة.

سادساً- الإختلاط ضرورة والفصل بين الجنسين عملية وحشية.

سابعاً- مقولة الإسلام السياسي بأن الحكم لله، ضالة ومُضلة، لأن الآية القرآنية لا تتعلق بالدنيا، بل بالآخرة حين يحكم الله بين الناس.

ثامناً- الإسلام دين وأمة وليس دين ودولة. 

ومن معالم أفكاره التي تفسر نهجه في الإصلاح

الإسلامي، قوله: ( .. وقد آن للمسلمين أن يعلموا أن كل ما خرج عن إطار الاعتقاد دخل فى إطار الاجتهاد وما دمنا لا نتحدث عن الله تعالى أو طبيعته أو ذاته، وما دمنا لا نجحد الوحى والرسل واليوم الآخر فلا جناح علينا إذا أخضعنا الموضوعات الأخرى للاجتهاد وإذا كانت الدولة الإسلامية ترتبط فى أذهان البعض بذكريات مجيدة، فإنها تتضمن أيضا سوءات عديدة ).

ومن أبرز مؤلفاته غير ما ذكرت:

– المرأة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء

– الحجاب

– ختان البنات ليس سنّة ولا مكرمة ولكن جريمة

– الجهاد

– تثوير القرآن

– التعددية في مجتمع إسلامي

– الإسلام دين وأمة وليس دين ودولة

– مطلبنا الأول هو الحرية

– هل يمكن تطبيق الشريعة؟

– قضية الفقه الجديد

– موقفنا من العلمانية والقومية والإشتراكية

– تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي.

وللبنّا كذلك مئات من المقالات المهمة منها:

– مابعد السلفية 

متى يتعلم الأزهر إنه جامعة وليس كنيسة أو محمة تفتيش

– الإخوان المسلمون الظالمون والمظلومون

– معركة الفقه الجديد

– مرة أخرى نقول الحجاب ليس فريضة

– الجهاد المفترى عليه

– أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحملات الإستشهادية، الموت في سبيل الله أم الحياة في سبيل الله.

رحل جمال البنا العالم الجليل، ومُحال أن ترحل أفكاره إلى شاطئ النسيان، فالمستقبل لما تريده الإنسانية، لا لما يسعى إليه طغاة السياسة والفقه القديم.

bdourmohamed@ymail.com 

 المصدر ايلاف

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

اغتصاب حلال مدعوم بفقهاء الفتاوي

ايلاف

الاغتصاب الحلال:

 استوقفني عدد من العناوين الاخبارية التي ظهرت مؤخرا في موقع ايلاف ومقال للكاتبة السيدة احلام أكرم. القاسم المشترك بين العناوين والمقال هو موضوع الاغتصاب والانتهاك الصارخ للمرأة والطفلة. لننظر سريعا عل العناوين التي يمكن الرجوع لها وقراءتها في موقع ايلاف:

 شرطي لناجية من اغتصاب جماعي: “بتروحي التحرير ليه؟

 حالة اغتصاب في يوم واحد ومركز النديم يوثق ثلاث حالات

 اغتصاب أمّ في الستين في التحرير.. وشهادة إضافية لمتطوعة ضد التحرّش

 ناجية من اغتصاب جماعي: هذا ما فعلوه بي في التحرير

 طعن فتاة في المهبل بعد اغتصابها واستئصال رحم أخرى في ميدان التحرير

 داعية سلفي يبرر اغتصاب المصريات في التحرير: انهن صليبيات وارامل

 عندما تقرأ هذه العناوين والتفاصيل تشعر باشمئزاز وغضب شديدين على هذا الانتهاك الصارخ وتستنتج ان هناك سقوط وخلل أخلاقي كبير ومتجذر في المجتمعات العربية والثقافة الذكورية المتفشية في صفوف الشعوب الاسلامية التي تعتبر اغتصاب المرأة حقا من حقوق الرجل. والمؤلم ان بعض من يلتحفون بغطاء الاسلام يبررون الاغتصاب ويدافعون عنه ومن يتجرأ ان ينتقد هذا السلوك المشين الغير انساني يعتبروه عدوا للاسلام وكارها للاسلام والمسلمين. بعبارة اخرى عليك ان توافق على اغتصاب النساء لأنه حلال من وجهة نظر تجار الفتاوي والدعاة المنحرفين دماغيا واذا لم توافق وتنتقد فانك عدو للدين.

 مقالة السيدة أحلام أكرم:

 وهذا يجلبني لمقالة الاستاذة احلام أكرم تحت عنوان:

 “قوانين دينية برأت قاتل إبنته الطفله بعد إغتصابها” الخميس 7 فبراير

 جلب المقال العديد من التعليقات وغالبيتها تهاجم الكاتبة وتتهمها بالعداء للاسلام والمسلمين وكارهة للاسلام. هذا الاتهام باطل وغير صحيح بل هو ظلم وتجني على سيدة ناشطة في مجال حقوق الانسان وحقوق المرأة على الأخص. ولأنها تناولت الموضوع بصراحة وبجرأة تعرضت لهجوم من قبل البعض الذين اتهموها بالعداء للاسلام. الحقيقة ان الكاتبة ادانت السلوك الوحشي لرجل دين داعية انتهك ابنته الطفلة شر انتهاك. لو قام بهذا العمل المشين رجل أمي جاهل لقلنا ان جهله وانعدام ثقافته دعته لهذا السلوك الذي لا ترتكبه الحيوانات. ولكن عندما يأتي رجل دين منافق ويقوم بتنفيذ هذه الجريمة ويحاول التنصل من جريمته بالاستناد الى تفسيرات مشبوهة يرافقها تواطؤ من السلطات الحكومية المسؤولة فهذه هي الطامة الكبرى. والسؤال الهام ما العيب ان تأتي كاتبة وتفضح الدجل والكذب والنفاق والجريمة التي يرتكبها رجل دين بحق طفلة بريئة.

 علينا ان نتقدم بالشكر والتقدير للسيدة الكاتبة التي امتلكت الشجاعة للخوض في موضوع شائك لفضح نفاق سماسرة الفتاوي. السيدة أكرم لا تعادي الاسلام ولا تكره الاسلام بل هي ضد السلوك القبيح لبعض الاسلاميين المعاصرين. ولا يوجد أدنى شك ان هناك ملايين من المسلمين العقلانيين العلمانيين وغير العلمانيين يدينون بأقسى العبارات افعال واقوال تجار الفتاوي ودعاة الكره والتحريض من منابر الاعلام الفضائي او الانترنيت او المساجد. هؤلاء لا يمثلوا الاسلام الحقيقي بل الاسلام المعاصر المتطرف الذي يسمح لاغبياء وجهلة ان يتحدثوا باسم الاسلام ويشوهوا صورة الاسلام الحقيقية. في هذا العصر يستطيع كل من هب ودب ان يصدر فتاوي سخيفة وتحريضية وفاضحة لا تليق برجل دين.

 داعية يبرر اغتصاب النساء في ميدان التحرير:

 هل الداعية السلفي الذي يبرر اغتصاب المصريات في التحرير “انهن صليبيات أو وأرامل” يمثل الاسلام والمسلمين؟ هل هذا الكلام لا ئق برجل دين محسوب على الأمة الاسلامية.

 ولا يزال هذا النذل حر طليق ينشر سمومه على الملأ دون حساب او عقاب. لنقرأ التقرير التالي الذي ظهر في موقع ايلاف 8 فبراير:

 “انتشر على موقع يوتيوب مقطع فيديو للداعية السلفي أحمد محمود عبدالله، الشهير بـ”أبو إسلام”، مالك قناة “الأمة” الخاصة، يبرر فيه اغتصاب النساء في ميدان التحرير بأنهن إما “صليبيات” أو “أرامل”.

 وأضاف: “تسعة أعشارهن صليبيات، والعشر “روتاري” و”ليونز” وأرامل ما لهمش حد يلمهم أو يخافوا منه أو يختشوا”. ووجه “أبو إسلام” نقدًا لاذعًا للناشطات السياسيات اللواتي يتواجدن في ميدان التحرير مطالبات برحيل النظام بأنهن يذهبن للتحرير لكي يتم اغتصابهن متنازلات عن أنوثتهن.

 وقال إنهن نساء عاريات سافرات “رايحين علشان يُغتصبوا”، ووصفهن حين يتكلمن بأنهن يصبحن كالـ”الغول”، يتكلمن “من دون حياء أو أدب أو خوف ولا حتى أنوثة”. وأضاف قائلاً إن المرأة منهن دائماً تكون “ناكشة شعرها مثل الشيطانة”، ووصفهن بأنهن “شياطين اسمهن نساء”.

 مشكلة الاسلام الحقيقية:

 اين ادانات الأزهر وقادة الاخوان المسلمون؟ لماذ تسكت الدولة على المحرضين للعنف والكراهية باسم الدين؟

 بربكم هل هذه لغة رجل دين يمثل دين المحبة والتسامح والسلام وقبول الآخر والتعايش مع الآخر ام انها لغة ابله حاقد وجاهل ومحرض ومريض نفسيا؟ أين الاسلام الذي كرم المرأة؟ الاسلام ليس المشكلة بل زمرة المعتوهين المعاصرين هم المشكلة ويجب التصدي لهم وفضحهم.

 المحزن والمبكي ان الساحة العربية تعج بالجهلة والكذبة وعباقرة الغباء اللامحدود حيث تتضارب الفتاوي السخيفة مثل مضاجعة الزوجة الميتة وتفخيذ الطفلة وتبرير الاغتصاب والتحريض على الارهاب وقصص كثيرة لا مجال للخوض فيها في مقال واحد. هذه الخزعبلات السخيفة يتبادلها وعاظ وقصاصين يتاجروا بالخرافات وتجعل المسلمين موضع السخرية والتهكم في العالم. لذا لا غرابة ان معظم الناس ينفرون من الفتاوي ولا يأخذوها على محمل الجد. لسنا بحاجة الى رسوم دنماركية او افلام يوتيوب لتبث مواد مسيئة للاسلام. نحن نفعل ذلك بأنفسنا مجانا من خلال نشاطات اصحاب الفتاوي البائسة.

 لندن

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

ألاَ فَامْلَ لِي كَاسَاتِ خَمْـرٍ وَغَنِّنِـي

ألاَ فَامْلَ لِي كَاسَاتِ خَمْـرٍ وَغَنِّنِـي … بِذِكْـرِ سُلَيْمَـى وَالرَّبَـابِ وَتَنَعّمِ

وَإيَّـاكَ ذِكْـرَ العَـامِـرِيَّـةِ إِنَّنِـي … أَغَـارُ عَلَيْـهَا مِـنْ فَـمِ المُتَكَلِّـمِ

أَغَـارُ عَلَـى أَعْطَافِهَـا مِنْ ثِيَابِهَـا … إذَا لَبَسَتْـهَا فَـوقَ جِسْـمٍ مَنَعَّـمِ

وَأَحْسُـدُ كَاسَـاتٍ تُقَبِّـلُ ثَغْرَهَـا … إِذَا وَضَعَتْهَا مَوْضِعَ اللَّثْـمِ فِي الفَـمِ

يزيد بن معاوية القرشي: مفكر حر

 

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

هل نحن محظوظون بسقوط الإخوان…؟

ناصر الصرامي

نعم، نعم نحن محظوظون جداً بسقوط الإخوان – وأحزاب الإسلام السياسي – السريع لأكثر من سبب، وأولها أن يصبح ما سمي بالربيع العربي، ربيعا للإنسان العربي وليس شتاء طويل أو خريف دائم.

من تونس إلى مصر، وحتى حركي الداخل في اطارها-، اثبتت جماعة الإسلام السياسي، وفي مقدمتهم الإخوان، إنهم وجبات سياسية سريعة وعسرة وسيئة الهضم، بعد سنوات من العمل السري والصفقات والمناورات، وادخل العنف للضغط السياسي، نجح الإخوان في الوصول إلى السلطة، والإمساك بها من القمة بعد أن اختطفوا الثورات العربية، مقتنصين فرصتهم التاريخية للقبض على السلطة بكل السبل الممكنة واللا ممكنة.

لكنهم في ذات الوقت – وهذا لحسن الحظ طبعاً- أخفقوا بسرعة مذهلة، وخلال أشهرسقطوا في كل اختبارات السياسة والإدارة والاقتصاد والأمن، الحقيقة أنهم فشلوا في إدارة كافة الملفات، والأزمات الصغيرة والكبيرة، في سقوط كبير على كافة الأصعدة دون استثناء.

وأقول إنه من حسن الحظ جداً أن انكشفت ورقة التوت عن خرافة التنظيم الإخواني، والذي كان يقدم بطريقة الأساطير، لكن تاريخ صلاحيتها قصير جداً، كل ما احتاجته – أسطورة الإخوان – هو النزول من التنظير، أو المعارضة التامة والعامة إلى الواقع.

والحقيقة أن لا أحد من المراقبين كان يتوقع لهذه الجماعة أن تنجح في إدارة دولة أو دول، لكن لم يكن أحد من مناصريها أو الرافضين لها أو المعترضين عليها، أو حتى الحانقين عليها يتوقع أن تخفق بهذه السرعة المثيرة، والسعيدة أيضاً.

والحكم لا يحتاج للكثير من التحليل، بل جولة سريعة على الأخبار والأحداث والاحتجاجات والفوضى في تونس ومصر، وبشكل أقل ومختلف حول الأداء السياسي والاقتصادي في ليبيا، تؤكد وتبرهن أن الجماعة أخفقت في أول اختباراتها في كل الدول العربية التي وصلت فيها للسلطة أو جزء منها.

هذا طبعاً لا يعني الخروج من اللعبة السياسية، لكنه الكشف المبكر عن إمكانياتها الفكرية والإدارية بعيداً عن الشعارات الخيالية، والتفرد بالحكم.

وسقط معها شعارها الخادع “الإسلام هو الحل”، لنكتشف أن الجماعة هي المشكلة، وهي من يقود أكثر من بلد عربي نحو الفوضى والإعاقة، وفي نفس الوقت تمارس دور الضحية، إنها -الجماعة- أم المشاكل دون منازع.

وسقط معها التفويض باسم الإسلام كله، وإدارة الشعوب والدول بطريقة قديمة، تمنح نفسها تفويضاً غير قابل للمعارضة أو الحوار والنقد أو الرفض، من هنا ومن طبيعة فكر الجماعة والتنظيم السري والعالمي، وتركيبتها الإدارية وبرمزية المرشد، ولأسباب أخرى، نفرح بإخفاق الإخوان، وفشلهم في تصدر المشهد السياسي والتفرد به.

فالتجربة الإخوانية التي كانت تتجه إلى محاكاة نموذج الثورة الإسلامية في إيران، وحاولت استنساخها وتعريبها سياسياً. لم تدرك أن الوقت تغير والأدوات اختلفت، كم نحن فعلا محظوظون ببداية النهاية السعيدة لسقوط الإخوان. وعودة الساحـة السياسية إلى بداية ووضع تعددي طبيعي، يضع كل تيار في إطاره السياسي المستحق وتحت الضوء..

* نقلا عن صحيفة “الجزيرة” السعودية

Posted in فكر حر | 1 Comment