قصة و حكمة من زياد الصوفي.. 98

الحلقة الثامنة و التسعين..

القصة:

بعد فضيحة و كارثة بيع الجولان، و الاسترداد المهين لجزء من أراضي القنيطرة.. أهالي هالمدينة اللي اتسمو نازحين بوقتها، اتشردو أكتر بعد ما رجعت هالمدينة و لا حدا فيهون أخد حقو بحجة أنو البيوت المهدمة لازم اتضل شاهد على إجرام اسرائيل، أما الحقيقة فهية الاتفاق الأمني بين نظام الأسد و اسرائيل على تفريغ هالمنطقة من السكان..

عيلة من هالعيل النازحة من آل بيطار، متلهون متل كل باقي العيل اللي اتشردت داخل و خارج البلد..

أبو عمار واحد من هالعيل اللي قررت تقعود بالشام و ما تطلع برا سوريا على الرغم من كل تسهيلات السفر اللي قدمها النطام لعائلات القنيطرة منشان يخلص من همهون..

سنة 81 و اثناء مجازر حماة و حلب، و بليلة ما فيها ضو قمر، بيندق الباب بنص الليل على بيت أبو عمار المؤقت بالشام، و من بين أولادو الخمسة و زوجتو أخدوه لمصير مجهول متلو متل آلاف السوريين بهداك الوقت..

أم عمار هالزوجة الصابرة، فاقت الصبح لتشوف حالها مع خمس أفواه صغيرة مفتوحة للسما و ما بتعرف تشكي همها و قصة زوجها لمين..

بتحمول حالها و بتروح لعند أخوات زوجها عم تشكي اللي صار معها.. الشباب ما تركو مسؤول بالبلد ما طرقو بابو، من علي دوبا لأصغر موظف بالدولة، و ما حدا قدر يفيدهون و لا حتى يتدخل بمعرفة وين و بأي جهة أبو عمار معتقل..

والله نحنا ما النا علاقة..

دخيلكون ما اتدخلونا بهيك قصص..

المعتقل ما موجود عندنا ..

هيدي نوعية الأجوبة اللي ضلو يسمعوها خمس سنين من بعد الاعتقال و لا حدا عم يطلع معو يجيب خبرو لأبو عمار..

بعد كل هالوقت اللي مر، و بعد ما بديت أم عمار تيأس من إمكانية ملاقاة زوجها، بيجيها خبر من أحد صديقاتها بالشام أنو في وحدة بتكون أمو لمدير السجن مستعدة لتأمنلك زيارة لزوجك مقابل قطعة دهب بست آلاف ليرة..

هالمسكينة أم عمار لو بتبيع اللي فوقها و اللي تحتها ما بيطلع معها هالمبلغ، فراحت عند أخوات زوجها و خبرتهون أنو أمو لمدير السجن عم اتأمن زيارات لسجن تدمر مقابل قطعة دهب..

خلص ولك أم عمار كبري عقلك، إذا علي دوبا ما طلع بأيدو هالشي، رح تقوليلنا أنو أم مدير السجن هالختيارة بيطلع بأيدها تعملك زيارة!!!

بالسر عن أولاد حماها بتروح أم عمار بتبيع عفش بيتها اللي نزحت ألو و بتركب بنص الليل بهوب هوب اللادقية و بوجهها على ضيعة الهنادي..

حتى تستدل على بيت ابن الغانم مدير سجن تدمر ما كانت مشكلة أبدا، لحقت طوابير النسوان اللي حاملين دهباتهون و رايحين يقابلو أم سليمان..

لما بيوصل دورها بعد نظرة تلات ساعات، بتكتبلها على ورقة صغيرة بعد معاينة قطعة الدهب:

يسمح لحامل الورقة بزيارة السجين فلان بيطار..

يكتر خيرك يا أم سليمان، و لا ننحرم من كرمك أبدا و اتضلي تاج على راس هالفقرا المعترين..

ايه خلص بقا حاجتك أكل خرا، لولا زوجك حيوان خاين ما كنت اضطريت حتى شوف هالخلقة النسة.. روحي انقلعي من هون..

بتحمول أم عمار هالورقة الممهورة من صاحبة المعالي أم سليمان و بنفس الهوب هوب خط كل المحافظات – أم سليمان بتركب و بوجهها عالشام..

أكلت بهدلة المسكينة من أخوات أبو عمار أنو هيدي وحدة نصابة و ضحكت عليكي و خلتك مع أولادك الخمسة بدون عفش تسترو حالكون فيه..

ما بترد أم عمار على هالحكي و بتحمول حالها تاني نهار و بتاخود تاني هوب هوب خط أم سليمان- سجن تدمر..

طوابير الزوار بتشوف أولها ما بتقدر اتشوف آخرها، و بعد ما قطع نص النهار، بيطلع شرطي من جوا و بيصرخ :

خلصت الزيارات اليوم، يللا روحو انقلعو من هون و بكرة ارجعو..

على ريق بطنها أم عمار، بتسند حيط صوب السجن و معها ميات النسوان اللي متلها بانتظار تاني نهار يطلع لتشوف زوجها و تتطمن عليه..

خمس دقايق و من ورا قفص حديد، بتلمح أبو عمار و بتحكي معو و باتطمنو على أولادو و بترجع عالشام حاملة دموعها و شوية أفكار كيف رح اتدبر تاني قطعة دهب لتعطيها لأم سليمان منشان زيارة تانية..

الحكمة:

باع سوريا و أراضيها أبو سليمان..

ابتزت نسوان المعتقلين أم سليمان..

شو فرقتو يا ولاد الصرماية عن اللي لاحقين نجمة سليمان..

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي..97

القصة:

حكيت من فترة عن تحول شكل الشبيحة بسوريا بعد ما إجا بشار الأسد عالحكم..من شبيحة دخان و تهريب سلاح و قرف، لتشبيح البزنس..

شلحو البلوز السود و حطو سلاحهون بالدرج ، و لبسو قمصان بيض و حطو غرافاتات..

البلد متل ما هية الهون، و بدون مبالغة متل ما عم احكي..بكل خيراتها الهون، بكل مصادر رزقها الهون..

و حكاية اليوم رح تفرجيكون شو قصدي..

كمال الأسد ابن عم بشار .. أبوه إسماعيل الأخ غير الشقيق لحافظ..

شغل منصب رئيس غرفة تجارة اللادقية و وكيل لشركة ألمانية لصناعة مكنات الغزل و النسيج..حامل لدكتورا مجهولة المصدر..عندو تلات ولاد : سامر و أيهم و علي…

الكل بيتذكر لما هبت عاصفة نادرة على اللادقية، و كيف هالهوا قبع الشجر و لوحات الإعلان و هدم بعض البيوت العتيقة..

و من بين ضحايا هالاعصار، كان معمل نسيج اللادقية..

قررت الدولة تجديد المعمل، طبعا و بدون نقاش و مناقصات و هالتفاهات، رسيت على كمال الأسد مد هالمعمل بكل الالات و التجهيزات اللازمة…

بس السؤال: مين كان عم يدير هالمعمل؟؟

سامر كمال الأسد كان مدير معمل النسيج باللادقية، الشب اللي ما بيحمول أي مؤهل علمي لإدارة هيك منشأة و بهيك ضخامة..

طلب الابن سامر من الأب كمال تزويد المعمل بتجهيزات جديدة بعد ما الهوا كسر القديمة..

و طبعا و بدون أي مناقصة، كمال بيجيب آلات بقيمة 200 مليون دولار بعقد بين الأب و الابن..

ما حدا من موظفين المعمل قبل يوقع على استلام الالات نتيجة عدم موافقتها لمواصفات طلب الشراء، و بعد ما اكتشفو فروق هائلة بمعايير الأبنية، فتم نقلهون تعسفيا لمعمل نسيج حماة.. و تم الاستلام و التسليم بين كمال الوكيل و سامر مدير المعمل..

بعد توقيع محضر التسليم، ظهرت مشكلة جديدة.. مشكلة توقف دفع المستحقات المالية للشركة الألمانية، و السبب من عدم الدفع هوة طمع كمال الأسد و مطالبتو بمبلغ اضافي عالعمولة المتفق عليها مسبقا..

لما اشتكو الألمان لوزارة الصناعة السورية، وصلت الشكوى للوزير عصام الزعيم.. فأمر بصرف مستحقات الألمان من الوزراة نتيجة التزام الألمان بكل شروط العقد..

هالحكي ما عجبو لكمال أبدا، و وصلها لبشار الأسد شخصيا اللي أمرو لرئيس الحكومة يومها ( مصطفى ميرو ) بحجز أموال وزير الصناعة و فتح ملف فساد بحقو و اتهام الوزير بقبض رشوة من الألمان..

الوزير الزعيم ما كان قليل، و حط كل الأوراق و الملفات و المستندات اللازمة قدام القضاء، و اللي بتثبت تورط كمال و ابنو سامر و معهون بشار بهالقضية …ألغيت الدعوة مباشرة من قبل القضاء و أعيد الزعيم على رأس الوزارة..

أما سامر الأسد الغير مؤهل لإدارة مؤسسة كلفت الشعب السوري مليارات لينهبها و يعلن إفلاسها بالجرايد الرسمية بعد فترة قصيرة من استلامها..

و كان سبب إعلان أفلاس هالمعمل صفقات تصدير خيوط المعمل إلى قبرص و بيعه بأقل الأسعار بحجة تأمين قطع أجنبي للبلد…

ولكن الحقيقة مو هيك…

الحقيقة أنو هالخيوط كانت عم تتصدر لشركة أوروبية مقرها قبرص بيمتلكها أيهم كمال الأسد، الابن التاني لكمال و زوج كندا مخلوف أختو لرامي..

الأب بيجيب الالات للمعمل اللي بيديرو الابن البكر، بينتج هالمعمل خيوط بتنباع للأبن الأوسط بأسعار الكلفة..

إفلاس هالمعمل أثار دهشة الشعب و الاقتصاديين كون معمل غزل اللادقية و من تاريخ إنشاؤو يعتبر منشأة رابحة مية بالمية، بس من وقت ما دارها هالحرامي ابن الحرامي أخو الحرامي، شهدنا نحنا اللوادقة على إعلان إفلاسها بالجرايد الرسمية..

عرفتو هلأ شو معناة شبيحة الغرافاتات!!!

الحكمة:

قصة هالمعمل و غيرها اتسكرو بطي الكتمان..

أديه اليوم لازملنا هالمعمل، لنعمل من خيوطو أكفان..

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

لن أزور اليابان

محمد سلماوي – مصر

 في كل مرة أزور اليابان أعاهد نفسي علي ألا أعود ثانية إلي تلك البلاد، التي لابد أن تصيب كل مصري بالأسي، لما بها من تقدم ونظافة ونظام وأدب جم، وهي كلها بالطبع أشياء لا لزوم لها كما نعرف في مصر، بل هي مضيعة للوقت، فنحن مشغولون هنا بالتخلف والقذارة والهرجلة وقلة الأدب، ولا وقت لدينا لتلك التوافه اليابانية التي عفي عليها الدهر والتي أقلعنا عنها منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان.

ولقد كان علي أن أستقل أسرع قطار في العالم وهو «قطار الطلقة»

 Bullet train

، الذي تشبه سرعته سرعة طلقة الرصاص، ما بين طوكيو والعاصمة القديمة كيوتو، حيث كنت سألقي محاضرة عن الأدب المصري الحديث في جامعتها.

وما إن وقفت علي رصيف القطار حتي تذكرت نفس هذا الموقف في صيف عام ١٩٩٩، حين كنت في زيارة مماثلة لبلاد الشمس المشرقة، كما يسمونها، وكنت أستعد لركوب نفس القطار.

كانت تذكرتي تشير إلي أن مقعدي سيكون في العربة الخضراء، فهم يطلقون الألوان علي درجات القطار، فلا يقولون عربة الدرجة الأولي أو الثانية أو الثالثة وإنما العربة الخضراء والحمراء والصفراء، وأشار إلي مرافقي الياباني أن أقف في المكان المخصص علي الرصيف لباب العربة الخضراء، وفي الموعد المحدد بالضبط وصل القطار وجاء باب العربة الخضراء في المكان المحدد له مع فارق بضعة سنتيمترات من حيث أقف.

وأردت أن أعبر عن حنقي كمصري من هذا الانضباط الذي كان يملؤني حزنا علي حالنا، فقلت مداعبا مرافقي، بعد أن تأكدت أنه لم يزر مصر: ما هذا؟ إن باب العربة الخضراء جاء علي يميني بعدة سنتيمترات وليس أمامي تماما، كيف يسمح بتلك الفوضي؟!

لكن الشاب الياباني لم يفهم دعابتي الثقيلة وكست وجهه حمرة الخجل، وأخذ يتأسف لما حدث، مؤكدا أن هذا لا يحدث إلا نادرا، ووعدني بأنه سيخطر المسؤولين حتي لا يتكرر ذلك ثانية، فقلت له: أرجو ذلك، فمثل هذا التسبب يسيء إلي بلادكم أبلغ إساءة.

وضحكت في وجه مرافقي الياباني حتي أخفف من حدة الموقف الذي انقلب جدا بسرعة لم أتوقعها، وضحك هو معي تأدبا، لكنه ظل طوال الرحلة التي استغرقت أقل من ٣ ساعات يذهب ويجيء في القطار ويتحدث مع بعض العاملين، الذين كانوا يأتون معه واحدا وراء الآخر، إلي حيث أجلس، ليعتذروا إلي عما حدث، وحين وصلنا إلي كيوتو وجدت مدير المحطة ينتظرني بنفسه علي الرصيف، ليقدم لي هو الآخر اعتذاره عما حدث في محطة طوكيو، ومؤكدا أن ذلك لن يحدث ثانية.

وخشيت أن تستمر تلك الاعتذارات طوال فترة وجودي باليابان فتفسد علي رحلتي، فصارحت مرافقي بأنني لم أكن أقصد إلا المزاح وأكدت له أنني لا أمانع علي الإطلاق إن وقفت العربة الخضراء أمامي تماماً، أو علي يميني ببضعة سنتيمترات، ورجوته ألا يسمعني في الفترة المتبقية لي في اليابان أي اعتذارات في هذا الموضوع منه أو من غيره.

وفغر مرافقي الياباني فاه في دهشة وهو يقول: لماذا؟ قلت: لأن تلك مسألة عادية جدا بمقاييسنا، وهي يمكن أن تحدث في أي مكان! قال: ولكنها لا تحدث في اليابان، فقلت له: إن اليابان ليست وحدها في هذا العالم، وهناك دول أخري لن أسميها لك، لا تحدد أماكن وقوف العربات علي الإطلاق، وما إن يصل القطار حتي يتدافع جميع

الركاب إلي جميع الأبواب بأمتعتهم كي يسدوا الطريق علي بقية الركاب في فوضي خلاقة ربما تحسدنا عليها الولايات المتحدة، فلم يبد علي مرافقي أنه فهم شيئاً، فقلت: إنها حرية شخصية، وكل دولة لديها الحق في تطبيق النظام الذي يعجبها!

وفي رحلتي الأخيرة تذكرت ذلك الموقف وأنا أقف أمام المكان المخصص للعربة الخضراء علي رصيف محطة كيوتو، وقلت إنني لن أعلق علي الإطلاق هذه المرة لو أن العربة وقفت أمامي تماماً أو علي بعد سنتيمترات مني، حتي لا أفسد إقامتي هذه المرة بسلسلة الاعتذارات التي توالت علي في الزيارة السابقة.

لكن ما إن وصل القطار في موعده، بالثانية طبعا، حتي وجدت أمامي مباشرة باب العربة الخضراء، مما أفسد علي زيارتي أيضا لأني ظللت أتحسر علي حال بعض الدول الأخري العزيزة علي، إلي أن أصبت بحالة إحباط مرضي، جعلتني أقسم أنني لن أزور اليابان ثانية!

(نقلاً عن الأهرام)

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ

إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ، غالبةٌ، خابَ ذلك الغَلَبُ

خابيةُ الرّاح ناقةٌ حفَلَت، ليس لها، غيرَ باطلٍ، حلَبُ

أشأمُ من ناقةِ البَسوس على النا سِ، وإن يُنَلْ عندها الطلب

يا صالِ، خَفْ إن حلَبت دِرّتها، أن يترامى بدائِها حَلَبُ

أفضلُ مما تضمُّ أكؤسُها، ما ضُمّنتَه العِساسُ والعُلَبُ

أبو العلاء المعري (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

إصلاح الإسلام 1 …. تعقيباً على الأستاذ العفيف الأخضر

نشر الأستاذ العفيف الأخضر بموقع الحوار المتمدن مقابلة عن إصلاح الإسلام تتكون من ست حلقات، أجراها معه السيدان ناصر بن رجب ولحسن وريغ. وليس هناك من شك أن الإسلام في أمس الحاجة إلى الإصلاح والتغيير لأن ما لا يتغيّر ويتلاءم مع بيئته وزمانه، سوف ينقرض وينتهي نهاية الديناصورات وغيرها من الحيوانات التي لم تستطع أن تتأقلم وتتطور فماتت. ولا ينحصر شرط التغيير والتأقلم على الحيوانات فقط بل يشمل الحضارات والأديان وحتى اللغات. فكم من حضارة عريقة مثل حضارة الإغريق والرومان قد تآكلت من داخلها وماتت لأنها لم تتأقلم مع المستجدات من حولها، واليوم نجد اليونان وإيطاليا من أضعف الدول الأوربية حضارياً ومادياً، ولغتاهما القديمتان واللتان سيطرتا على عالم الفكر عدة قرون، قد ماتا واندثر أثرهما.

ولكن السؤال الجوهري هو: هل يملك رجال الدين الإسلامي الوسائل الضرورية لإصلاح الإسلام؟ أهم هذه الوسائل هو وجود سلطة مركزية يخضع لها جميع المنتمين إلى ذلك الدين، سواء أكانوا من العامة أو من رجال الدين أنفسهم. وخير مثال لذلك هو الفاتيكان والبابا الذي يسيطر على الكنيسة الكاثوليكية، والذي تسري أحكامه على الجميع، بينما في الكنيسة الإنجليكية، كما في الإسلام، لا توجد قوة مركزية يمكنها أن تتحدث باسم جميع الكنائس الإنجليكية أو جميع المذاهب الإسلامية. وهذه عقبة كأداء في طريق إصلاح الإسلام

أنا أتفق مع السيد العفيف الأخضر في جل ما ذهب إليه، فالعفيف الأخضر باحث إسلامي معترف به، ومن الذين يملكون زمام اللغة والتاريخ الإسلامي، ولكني، حتماً، أختلف معه في بعض النقاط وفي طريقة إصلاح الإسلام، إذا كان من الممكن إصلاحة.

يقول السيد الأخضر في الحلقة الأولى من المقابلة: (سبب الأسباب لتخلّفنا أو بما هو أدقّ لتخبّطنا الطويل في أزمة الحداثة ، التي نجتازها وعدم خروجنا منها سالمين حتّى الآن ، هو سوء صناعة القرار الذي مازال في تسعة على عشرة على الأقل من البلدان العربية لا تصنعه المؤسَّسات صناعةً علمية يكون الكمبيوتر أوّل صانع له. بل تصنعه نزوات وهذيانات الحاكم الفرد. واحد من بين عشرات الأمثلة، صدّام حسين الذي افتخر بأنّ القرار الكارثي عليه وعلى العراق وربّما على الشرق الأوسط كلّه، أعني قرار ضمّ الكويت، اتّخذه بناء على حلم رآه في المنام مُضيفا، إعتمادا على حديث محمّدي، بأن الحلم الصادق جزء من أربعين جزء من النبوّة. لكن الملاك الذي أوحى اليه بالحلم نسي أن يوصيه بطرح السؤال المركزي الذي توجبه صناعة القرار “وماذا في صباح اليوم التالي؟”.وهو السؤال الذي لم يطرحه قبله جمال عبد الناصر عندما طرد القوات الدولية المرابطة على الحدود المصرية الاسرائيلية في مايو1967 ) انتهى. وهنا مربط الفرس. فالإسلام لم يعرف في تاريخه الطويل أي ممارسات ديمقراطية تأخذ رأي الأغلبية في الاعتبار عند اتخاذ القرارات. القلة من أهل العقد والحل هم الذين يتخذون القرار نيابةً عن الكل، كما حدث في اختيار الخلفاء الراشدين. ومنذ ولادة الدولة الأموية أصبح القرار بيد الحاكم الأوحد المتسلط على شعبه، من سلالة قريش (أموي، عباسي، شيعي، فاطمي، علوي، الخ). وفي العصر الحديث تمركز القرار في رئيس الحزب الواحد –صدام، وحافظ الأسد- أو في الحاكم العسكري- حسني مبارك، البشير. والقرارات في مجملها، ومنذ بداية الإسلام كانت مبنية على تفسير الأحلام. حتى قرارات محمد نفسه بُني أغلبها على أحلام سماها هو وحياً، مثل رحلة الإسراء والمعراج التي جزمت عائشة أن محمداً لم يغادر سريرها طوال ليلة الإسراء، ولكن حُلم محمد أصبح حقيقة دينية تاريخية، رغم تعارضها مع العقل والمنطق، واستحالتها من الناحية العلمية، وبنى فقهاء الإسلام أحكاماً على هذه الرحلة الحُلمية. ونفس التخبط يحدث في إصدار الأحكام الشرعية في الإسلام. يُحكى أن البخاري كان يسمع عشرات الأحاديث في اليوم، ثم يصلي صلاة الاستخارة وينام، وفي الصباح يختار بضع أحاديث رآها في منامه من التي يُعتد بها، فيضعها في صحيحه. وجاء فقهاء الإسلام وأصدروا أحكاماً شريعة بناءً على تلك الأحاديث. فالمنظومة الإسلامية كلها تفتقر إلى وسائل اتخاذ القرار، وليست القرارات السياسية وحدها كما جاء في مقابلة الأستاذ العفيف الأخضر. وبغياب وسائل اتخاذ القرار الديني يصبح إصلاح الإسلام حُلماً غير قابل للتطبيق بعكس أحلام محمد والبخاري وصدام. وربما نضيف جورج دبليو بوش الذي قال في شرم الشيخ إن غزو العراق مهمة إلهية أوكلها الله له في خُلم رآه في منامه. فالهوس الديني عندما يسيطر على العقول يصنع المستحيلات

عندما سأل المحاور السيد العفيف عن نقاط الضعف في الحالة الإسلامية التي يمكن علاجها بالإصلاح الديني، أجاب (ما زال الإسلام لم يرفع حتى الآن تحدّي عوائقه الثلاثة التي شخّصها رينان

Renan

 في القرن التاسع عشر : احتقار العلم الوضعي

Le dédain de la science

 ورفض البحث العقلاني

la négation de la recherche rationnel

 في نصوصه بما هي كلام الله المُنزّه عن المساءلة العلمية وفي رموزه بما هم فوق البحث والمساءلة، والخلط بين الروحي والزمن La confusion entre le spirituel et le temporel.

 وهي عوائق دينية وذهنية ونفسية تحالفت على كبت الإبداع الديني والسياسي والإقتصادي والعلمي والأدبي والفني؛ مثلا الرسم والنحت والموسيقى مازالت محرّمة في الإسلام. اليهودية التي أخذنا عنها هذه المحرمات الهستيرية تناستها لحسن حظ اليهود. ونحن مازلنا متسمرين فيها. تناست أيضا حد الرجم الدموي الذي أخذناه عنها. بالرغم من عدم وجوده في القرآن وتهافت الروايات عن رجم النبي لزناة… إيران والسعودية و”شباب الشريعة” في الصومال مازالوا يرجمون) انتهى

ولا شك أن رينان قد شخص أسباب تخلف الإسلام والمسلمين تشخيصاً دقيقاً ولكنه نسي أو تجاهل أحد الأسباب الرئيسية، ألا وهو فقه الولاء والبراء الذي جعل المسلمين يحجمون عن تبني أي فكرة أتتهم من الغرب لأنها تجعلهم كمن يتشبه بالكفار. وهذه عقبة كبيرة في طريق إصلاح الإسلام لأن شيوخ الإسلام يعتبرون الديمقراطية وحقوق الإنسان منجزات غربية تجعل من يتبناها متشبهاً بالكفار، ومن تشبه بقوم فهو منهم. وبدون الديمقراطية ومساءلة الحكام، لا يمكننا أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام

وقد أحسن السيد العفيف الأخضر الجواب عندما سأله المحاور عن أسباب الجمود في عالم الإسلام، فقال (هو تحريم السؤال وفرض الأجوبة الجاهزة الصالحة للجميع ولجميع الأزمنة وجميع الأمكنة، هو اليقين الجامد والتفكير الساذج وايمان العجائز. ايمان العجائز يصلح للعجائز ولكنه لا يصلح للباحثين. هو العجز عن التطور وإنتاج الأفكار المجددة. وهو في الوقت نفسه محاربة القلة المجددة التي تظهر من حين لآخر مثل الشيخ نجم الدين الطوفي الحنبلي الذي سُجن وأُتلفت كتبه ، الفلاسفة والمتصوفة الذين راموا إصلاح الإسلام في عصرهم وكلفهم ذلك أحيانا حياتهم مثل السهروردي والحلاج. ومحمد عبده الذي رفض الأزهر لنصف يوم صلاة الجنازة عليه والطاهر الحداد الذي شيع جنازته بضعة أصدقاء) انتهى.

جميع هذه الأسباب التي عددها الأستاذ العفيف الأخصر، أسباب صحيحة، ولكني أود أن أضيف إليها أن محاربة التجديد التي ذكرها السيد العفيف، وخوف المسلمين الفوبي من فكرة التجديد، هو وصف كل محاولة للإصلاح بأنها بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كما يقول الحديث المروي عن محمد. يقول رجل دين سعودي اسمه سمير بن خليل المالكي الحسني المكي، في كتاب عنوانه “نصيحة للعلماء” ما يلي: (وقد اتفق السلف رحمهم الله على مجانبة أهل البدع وهجرهم والنهي عن مجالستهم والدخول عليهم إلا للإنكار عليهم وإقامة الحجة عليهم وموقفهم من غيلان الدمشقي ومعبد الجهني وبشر المريسي والجعد {بن درهم} والجهم والحلاج وغيرهم مشهور) انتهى.

ويضيف نفس رجل الدين ((وجاء إنسان إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام، فقال ابن عمر: (إنه بلغني أنه أحدث حدثاً {بدعة}، فإن كان كذلك فلا تقرأ عليه مني السلام)) انتهى. إلى هذه الدرجة وصل خوف المسلمين من التجديد – البدعة- فهل يمكن إصلاح دين يفكر فقهاؤه بهذا المنطق الأعرج ويرفض رد السلام على من قال بشيء مخالف؟ هذا ما يجعلني أجزم أن إصلاح الإسلام سوف يظل حلماً يراودنا إلى نهاية الحياة على هذا الكوكب

سأل المحاور السؤال الآتي: قلتَ في مقال يتيم عن إصلاح الإسلام أنّ إصلاحه يمرّ بالإنتقال من مدرسة اللامعقول الديني إلى مدرسة المعقول الديني. فماذا تقصد بذلك؟

وأجاب الأستاذ العفيف بالآتي: (الإصلاح حقيقي هو إعادة تأسيس، هو ابتكار لنموذج جديد من العقلانية الدينية التي لا تعترف من الدين خاصة في المعاملات إلا بما يقبله العقل. كل إصلاح ديني يمر بقتلٍ رمزي للأب. في موضوعنا يمر بالقطيعة مع لامعقول التراث، وبحلّ مشكلة تنفيذ الجديد بالأدوات القديمة. كلا العمليتين تتطلّبان إصلاح التعليم والإعلام والخطاب الديني جُملةً. لا، بل أن إصلاح الإسلام لن يتحقّق إلاّ بالإنتقال من مدرسة اللامعقول الديني المُستمرّة منذ قرون إلى مدرسة المعقول الديني المنشودة الوحيدة المؤهّلة لعقلنة التعليم والخطاب الديني بما فيه الخطاب الديني الإعلامي. الإنتقال من مدرسة اللامعقول الديني إلى مدرسة المعقول الديني يعني الإنتقال من القراءة الحَرفيّة للقرآن خاصة المدني السائدة إلى اليوم تقريبا في كل مكان من أرض الإسلام إلى القراءات الأخرى المنافسة لها والتي همّشتها أو كفّرتها كالقراءة التأويليّة والمقاصديّة والرمزيّة والتاريخيّة التي مارسها القرآن نفسه بالناسخ والمنسوخ أي نسخ الآيات التي لم تعد متكيّفة مع مستجدّات التاريخ. واصل الخلفاء الراشدون وبعض الفقهاء هذه القراءة الناسخة للأحكام التي لم تعد تستجيب للواقع المعيش. هذه القراءة الأولى للنّص المُؤسِّس التي مارسها الراشدون ضرورية لنا جدّا اليوم) انتهى.

ولا شك أن قراءة الإسلام عامةً، وقراءة القرآن بالأخص، قراءة عقلانية هو المطلوب إذا أردنا تحديث أو إصلاح الإسلام. ولكن المشكلة الرئيسية هي إذا قرآنا القرآن قراءة عقلانية، فسوف نُلغي أكثر من نصفه لأنه يتعارض مع العقل كليةً، مثل إرسال الملكين إلى بابل ليعلما الناس السحر، ومثل مغيب الشمس في عين حمئة، ومثل أن النجوم رجومٌ للشياطين، ومثل للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك شهادة المرأة نصف شهادة الرجل. وبما أن المسلم يعتقد جازماً أن القرآن هو كلام الله الذي نطق به جبريل، فإن إلغاء آية واحدة يُعتبر هدماً للدين. وتأتي المشكلة الأخرى وهي عدم وجود مركزية إسلامية يمكنها فرض رأيها على الآخرين. فمن هو رجل الدين الشجاع الذي يستطيع إلغاء آية من القرآن كما فعل عمر بن الخطاب؟ بل هل يستطيع الأزهر أو قم أو كربلاء فعل ذلك دون أن تحدث حرب فعلية بين السنة والشيعة؟ الأزهر عجز حتى الآن عن مراجعة صحيح البخاري، وهو كتاب بشري جمعه رجل غير عربي، وبعد أكثر من مائتين سنة من موت محمد، ومع ذلك يرتجف شيوخ الأزهر من فكرة مراجعته، فهل يمكن لمثل هؤلاء الشيوخ أن يراجعوا القرآن ويلغوا بعض آياته غير العقلية أو حتى يقرؤونها قراءة عقلية تخرج عن تفاسير السلف الصالح؟

في اعتقادي الشخصي أن إصلاح الإسلام من داخله أمر مستحيل لعدم وجود الميكانيزم التي تسمح لرجال الدين بفعل ذلك. ورجال الدين في عصرنا هذا همهم الأول هو المتاجرة بالدين وجمع أكبر مبلغ من المال ممكن وبناء أفخم القصور، ثم إيجاد الوسيلة التي يتمكن بها رجل الدين من الوصول إلى الحاكم للتعاون معه لتجنب غضبه، وبالتالي قطع الرزق. وعليه لا يمكن إصلاح الإسلام إلا بالوسيلة التي يتعامل بها الإسلام نفسه مع الغير، وأعني الديكتاتورية وفرض الرأي على الآخر. ولذلك يلزمنا ديكتاتور متنور مثل كمال أتاتورك أو الحبيب بورقيبة لأزاحة رجال الدين من منصة الدولة وفرض الإصلاحات المطلوبة على الكل، ولن يتجرأ وقتها أحد على الاعتراض، كما حدث في خلافة المأمون والمعتصم والواثق عندما فرضوا خلق القرآن على الجميع وقبل به جميع شيوخ الإسلام ماعدا أحمد بن حنبل، الذي يقول مؤرخو الإسلام إن الرسول بشره بالجنة على ذلك (ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للإمام الشافعي في الرؤيا: بشر أحمد بالجنة على بلوى تصيبه في خلق القرآن. فأرسل الشافعي لأحمد كتاباً ببغداد يخبره فيه برؤياه، فلما قرأه الإمام أحمد بكى، ودفع للرسول قميصه الذي يلي جسده، وكان عليه قميصان، فلما دفع للشافعي غسله وادهن بمائه). هذا أنواع الروايات التي يؤمن بها شيوخ الإسلام ويدرسونها لطلبة الأزهر، فهل يُعقل أن تتفتح عقول مثل هذه وتقبل أن تقرأ القرآن قراءة عقلية؟ أشك في ذلك كثيراً..

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

لعنة آل سعود

قبل اكتشاف النفط في مملكة الوهابية، كانت إنكلترا قد تعاقدت مع الملك سعود على دفع راتب له بمبلغ 5000 جنيه سترليني شهرياً، مقابل أن يكون ممثل مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. وكان العميل الإنكليزي فيلبي هو الذي يقوم بدفع المبلغ للملك

(The Devil’s Game, Robert Dreyfuss, p 42).

 وبالطبع كانت المملكة حديثة التكوين عبارة عن صحراء يقطن أغلب سكانها في الخيام السوداء حول الواحات ولم تكن حكومة الملك سعود تقدم لهم أي خدمات لأن مبلغ الخمسة آلاف جنيه كانت لاحتياجات الملك وأسرته. وحتى بعد اكتشاف النفط في ثلاثينات القرن المنصرم، كان أغلب مدخول النفط يذهب للشركات الأمريكية ممثلة في شركة أرامكو بالظهران، والتي كانت تدفع للملك جزءاً بسيطاً من الدخل كل عام. وفي هذا الأثناء كان شعب المملكة يعتمد بشكل كبير على البواخر التي كانت تأتي من مصر والسودان محملة بالبضائع والخراف. وحتى كسوة الكعبة كانت تاتيهم سنوياً من سلطنة دارفور في غرب السودان، ثم تولت مصر الكسوة بعد ذلك. وتدريجياً ازداد مدخول المملكة من واردات النفط مع ازدياد اعداد الآبار النفطية الجديدة. ولسوء حظ العالم العربي ظهر في الخمسينات نجم الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي دعا إلى القومية العربية وإنهاء عهد الملوك في الشرق الأوسط، مما أثار سُخط آل سعود

انصب هم آل سعود في تلك الفترة على إنهاء حكم عبد الناصر عن طريق تمويل الجماعات الإسلامية في مصر وفي بقية البلاد العربية، فاحتضنوا أفراد الإخوان المسلمين الذين كانوا قد هربوا من مصر بعد محاولة إغتيال جمال عبد الناصر عام 1954. أغدق آل سعود المال والوظائف الجامعية على جماعة الإخوان المسلمين بينما كانت أجزاء كبيرة من الشعب السعودي ما زالت تعيش في الخيام ولا تعرف الصرف الصحي، ولا الطرق المعبدة ولا المياه النقية.

بعد موت عبد الناصر في عام 1970 واعتلاء أنور السادات، الرئيس المؤمن، سدة الحكم وانفتاح مصر على السوق الحرة لاغتيال اشتراكية عبد الناصر، رجع الإخوان المسلمون من السعودية محملين بالبترودولارات لنشر الفكر الديني في ربوع مصر وغيرها، كخير وسيلة للحفاظ على نظام آل سعود، ولتعبيد الطريق لتمكين الإخوان من حكم مصر حتى تكون مصر سنداً لآل سعود.

وكتطبيق عملي لهذه النظرية تفتق ذهن الأمير محمد الفيصل، ابن الملك فيصل، عن فكرة إنشاء البنوك الإسلامية، واستعان بشخصيات دينية إخوانية في مصر منهم مفتي الجمهورية، والسيد عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق، وعثمان أحمد عثمان، والشيخ يوسف القرضاوي، ويوسف ندا، والشيخ عمر عبد الرحمن مؤسس الجماعة الإسلامية، والمسجون حالياً في أمريكا بعد إدانته في تفجيرات مركز التجارة العالمي في نيويورك، فأنشأ بنك فيصل الإسلامي في مصر في عام 1976 بعد موافقة السادات على شروط معينة منها: ضمان عدم تأميم البنك مستقبلاً، وعدم خضوع البنك الإسلامي لقوانين البنوك في مصر، وعلى أن يعمل البنك في سرية كاملة دون الخضوع لمراجعة حساباته، وأن يُعفى من الضرائب المصرية (نفس المرجع أعلاه، ص 165).

كان جميع المتنفذين في بنك فيصل الإسلامي من الإخوان المسلمين الذين استفادوا من تمويل البنك في ترشيح وفوز أعضاء البرلمان المتعاطفين مع الإخوان، وإنشاء مؤسسات وصحف إسلامية تنشر أفكار الوهابية والإخوان في مصر. وعندما زاد ثراء الإخوان في مصر بعد أن كانوا قبل ذلك يعتمدون فقط على الاشتراكات من أعضاء الجماعة نفسها، بدءوا نشر البنوك الإسلامية الإخوانية في الأردن، والكويت، والسودان وتركيا. وبذا استطاعت مملكة آل سعود من نشر نفوذها الوهابي في تلك البلاد، بل تعدتها إلى البلاد الإسلامية الفقيرة مثل بالكستان وأفغانستان. فأغدق آل سعود عن طريق البنوك الإسلامية الصرف على الحكام الديكتاتوريين مثل الجنرال ضياء الحق ومولى عمر لنقل تلك البلاد إلى المذهب الوهابي المتعصب.

أما في الكويت التي كانت دولة منفتحة على القرن العشرين وكان نساؤها لا يعرفن الحجاب، وجامعاتها مختلطة، خشي آل الصباح من التأثير الناصري على شبابهم، بالإضافة إلى تخوفهم من الأعداد الغفيرة من الفلسطينيين العاملين في الكويت في ذلك الوقت والذين كانوا يميلون إلى الإشتراكية والشيوعية، فاستعان أمير الكويت بجماعة الإخوان المسلمين الأردنية التي كانت مساندة للملك حسين في حرب سبتمبر ضد حركة فتح في الأردن، وكذلك استعان بحركة الإخوان المسلمين الكويتية الصغيرة في ذلك الوقت، وكانت تُعرف باسم “حركة الإصلاح”، فنصحوه بحل البرلمان وإنشاء بنك التمويل الكويتي في عام 1977 تحت سيطرة الإخوان. وكما في مصر، فقد منحت العائلة المالكة هذا البنك نفس الشروط التي حصل عليها بنك فيصل في مصر، منها الأعفاء الكامل من مراقبة البنك المركزي، والعمل في سرية تامة، واحتكار سوق الاستثمار الإسلامي إذ منعت الحكومة إنشاء أي بنك إسلامي آخر في الكويت. واستطاع بنك التمويل الكويتي أن يصبح بين ليلة وضحاها ثاني أكبر بنك في الكويت، وبدأ باستقطاب القبائل البدوية والصرف عليهم وإدماجهم في حياة المدينة حتى يكونوا الوقاء العاذل للعائلة المالكة من أهل المدينة الذين كان أغلبهم من الأثرياء الكارهين لآل الصباح. وبالطبع أحضر البدو معهم إلى المدينة كل القيم الصحراوية المحافظة على التراث والعادات الجاهلية-الإسلامية. وفي وقت قصير جداً أصبحت مدينة الكويت مدينة محافظة حسب النظرة الإسلامية، ومنعت مدارسها تعليم الموسيقى واختلاط التعليم، وتحجبت نساؤها، وصعد نجم الإخوان في البرلمان الكويتي، الذي أصبح يشغل جل وقته في جلسات تدين من تجرأ وشتم الصحابة أو تحدث عن زوجات الرسول، أو رسم كاريكاتور لنبي الإسلام. وأجاز برلمان الكويت مصادرة الكتب والمجلات والصحف وحتى أفكار الناس. وانتهت كويت الستينات التي كانت تصدر مجلة العربي وحل مكانها أصدار كتب الحديث التي تعج بقصص عذاب القبر ونار جهنم. والآن انقلب السحر على الساحر وأصبح نواب الإخوان في البرلمان شوكة في خاصرة العائلة الحاكمة وأصبح عملهم الرئيسي مساءلة الوزراء من آل الصباح في البرلمان وإسقاط الحكومة تلو الأخرى بهدف إضعاف المؤسسة البرلمانية وربما الإيعاز إلى ضباطهم بالجيش لعمل انقلاب عسكري إخواني على طريقة البشير والترابي في السودان.

وفي السودان افتتح بنك فيصل الإسلامي فرعاً له في الخرطوم وحصر التوظيف بالبنك على المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك التسليف كان لا يُمنح إلا للأعضاء المسجلين مع الجماعة. وفي فترة وجيزة نمت طبقة من الأثرياء الإخوانيين الذين استعملوا ثروتهم الجديدة في تدعيم أسس الوهابية من بناء المساجد وإنشاء الصحف والمجلات المؤيدة للنشاط الإسلامي، وفرضوا على المرأة السودانية ارتداء الزي الإسلامي السعودي، المعروف بالعباءة. وانتشرت مدارس تحفيظ القرآن والقنوات الفضائية ومحطات الراديو التي تُدعّم مكانة الإسلاميين. وفي ظرف وجيز أُنشئت بنوك إسلامية أخرى بلغت في مجملها خمسة بنوك. وازداد فقر السودانيين غير المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وتقهقر وضع المرأة السودانية التي كانت من أوائل النساء العربيات اللاتي سُمح لهن بالتصويت ودخول البرلمان كعضو فاعل. واختفى، أو كاد صوتها في الحياة العامة، إلا صراخها عندما تُجلد في الميادين العامة لارتدائها البنطال بدل العباءة.

أما في الجزائر فقد كانت جبهة الإنقاذ الجزائرية على علاقة وطيدة بآل سعود الذين قدموا لها البترودولارات بسخاء

(Algeria, the Next Fundamentalist State, Graham Fuller, p xx)

. وقد أُنشئت جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، والتي ولدت لنا جبهة الإنقاذ، بواسطة جماعة الإخوان المسلمين المصرية بتمويل سعودي كامل. فقد أرسلت مصر الشيخ محمد الغزالي ومجموعة من المحاضرين الإسلاميين للتدريس بجامعة الجزائر فأنشأوا ونشروا فكر جماعة الإخوان. وبالطبع لم يرمش جفن لآل سعود عندما يئست جبهة الإنقاذ من تولي السلطة بعد أن استلمها الجيش وألغى نتائج الانتخابات التي كانت سوف تأتي بالإسلاميين إلى الحكم، فبدءوا حربهم الغاشمة ضد المواطنين الجزائريين، وسرقوا البنوك واغتصبوا النساء وفجروا الرجال في الأسواق والأماكن العامة. كل ذلك يهون في سبيل حفاظ آل سعود على ملكهم وإحاطته بدول إسلامية تدعمه.

أيادي آل سعود الطويلة قد طالت الأردن الذي كانت تمده السعودية بالنفط مجاناً عن طريق أنابيب شركة التابلاين التابعة لشركة أرامكو، وبالتالي كان استمرار حكم الملك حسين يعتمد على إرضاء آل سعود والأمريكان. ولذلك فرضت السعودية على الملك حسين الاعتراف بحزب الإخوان المسلمين في الأردن وحل جميع الأحزاب الأخرى. ونسبةً لسوء علاقة سوريا وحزب البعث مع مملكة آل سعود، فقد أوعز الأخيرون للملك حسين باستعمال إخوان الأردن في مؤامرة مع إسرائيل وبعض أعضاء جماعة الإخوان السوريين الذين كانوا يتدربون في معسكرات الكتائب السرية في لبنان تحت إشراف إسرائيل، بشن تفجيرات في سوريا في عام 1981 لزعزعة النظام وتمكين الإخوان من السيطرة على الحكم. وقد اعترف الملك حسين بعد أربعة سنوات بتلك المؤامرة ضد سوريا وأعتذر من حكومة حافظ الأسد (جريدة التاايمز اللندنية، 12 نوفمبر 1985).

ظل البترودولار هو الملك الرئيسي في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ثم تعداها إلى غيرها. وبنهاية القرن العشرين أصبحت البنوك الإسلامية البيضة التي تبيض ذهباً للإسلاميين، وتُفرّخ لنا الوهابية من تلك البيضات الذهبية. فبنهاية العام 2004 كان هناك 270 بنك إسلامي، رأس مالها 260 بليون دولار

(The General Council of Islamic Banks and Financial Institutions, Agence France Presse, April 25, 2004،

 نقلاً عن روبرت درايفوس، لعبة الشيطان) . كل هذا المال الإسلامي كان وراءه الأمير محمد الفيصل وصالح بن عبد الله كامل، أخو زوجة الملك فهد. وقد أنشأ الأخير بنك البركة في جدة، وكان أهم أعضائه الشيخ يوسف القرضاوي. وقد باض بنك البركة في جدة بيضة جديدة فقست في جزر البهاما تحت مسمى “بنك التقوى” الذي أنشأه يوسف ندا، عضو الإخوان المسلمين.

ولما لم يكن لبنك البركة في جدة، أو بنك التقوى في البهاما أي حاجة لنشر الوهابية، عمل البنكان في تمويل الإرهاب الإسلامي ممثلاً في القاعدة. ولما كانت عائلة آل سعود قد اعتمدت اعتماداً كلياً على المؤسسة الدينية الوهابية ومنحتها حق تنظيم مناهج التعليم في المملكة، وكثر عدد الخريجين الذين لا يؤهلهم تعليمهم الديني لأداء أي وظيفة حكومية، وزاد عدد الشباب العاطلين وبدأ الفراغ يلعب بعقولهم مما جعل آل سعود يخافون من اشتعال نار الثورات عليهم، وخاصةً بعد أحداث الحرم المكي في عام 1979التي قادها جهيمان العتيبي، وأدت إلى قصف المسجد الحرام بواسطة مدفعية الجنود السعوديين (في غياب الطير الأبابيل)، تفتقت ذهنية آل سعود ومستشاريهم من الأمريكان عن وسيلة تشغل الشباب المتشددين وتصرف أنظارهم بعيدا عما يدور في مملكة الوهابية من فساد، فوجدوا في أفغانستان ضالتهم فقاموا بتمويل وإرسال الآلاف من الشباب السعوديين لمساعدة المجاهدين الأفغان في قتالهم ضد الروس. ثم قاموا بإنشاء المدارس الدينية الوهابية في مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان، وهي نفس المدارس التي تعلم فيها قادة وجنود طالبان.

ولما ازداد الطلب على تمويل الإرهابيين في كل أنحاء العالم، جند آل سعود حلفاءهم الخليجيين لفتح بنك التجارة والتسليف العالمي Bank of Credit and Commerce International

 في لندن تحت إدارة باكستانية. وقد اشتهر البنك بتمويل الإرهاب وغسيل الأموال والمتاجرة بالمخدرات حتى أصبح اسمه غير الرسمي

Bank of Crooks and Criminals International.

 وقد انهار ذلك البنك في عام 1988، ووضعت أمريكا بنك التقوى في البهاما على قائمة المنظمات التي تمول الإرهاب ومنعت التعامل معه.

ثم أنشأت مملكة آل سعود منظمة المؤتمر الإسلامي والرابطة الإسلامية بتمويل من بنك التنمية الإسلامي في جدة

Islamic Development Bank،

 وأصبحت هتان المنظمتان رأس الرمح الذي اخترق جسد الدول الإسلامية بواسطة البترودولارات التي تضخانها في تلك الدول لنشر الفكر الوهابي وتخلف المجتمعات تحت اسم التنمية. ثم زادت المملكة على ذلك بأن ضاعفت عدد الجمعيات الخيرية التي كانت تجمع التبرعات من رجال الأعمال لدعم نشاط القاعدة. وبلغت التحويلات من الجمعيات الخيرية السعودية والخليجية إلى القاعدة في أفغانستان، بين عامي 1979 و 1989 ستمائة مليون دولار ، كما تقول مجلة “الوطن العربي”. وقد انفقت السعودية في العقدين الأخيرين مبلع 87 بليون دولار لنشر المذهب الوهابي في جميع ربوع العالم، حسب شهادة أحد الخبراء أمام الكونجرس الأمريكي في 26 يونيو 2003.

ولم يكتف آل سعود بذلك، بل فتحوا مدارس التعليم الوهابي في جميع البلاد الإسلامية وفي أوربا والأمريكتين لأدلجة الأطفال المسلمين وتعليمهم الوهابية التي تحث أتباعها على كراهية غير المسلم، وإضمار العداء للمخالف، حسب الفتاوى السعودية التي تمثل الجزء الأكبر من مقررات تلك المدارس، كما أثبت البحث الذي قام به الكونجرس الأمريكي حديثاً. في تقرير مجلس الوزراء السعودي السنوي، (أوضح الدكتور صالح العايد، الأمين العام للمجلس أن التقرير السنوي احتوى على مساعدات مالية أكثر من 84 مليون ريال استفاد منها 150 جهة إسلامية في 55 دولة، كما كان من أبرز إنجازات المجلس المساعدة في إنشاء 22 جامعاً و 16 مركزاً إسلامياً في قارات العالم المختلفة) (الشرق الأوسط، 6/7/2009). هذه الدول الفقيرة التي يموت مواطنوها من الأمراض المزمنة ومن الجوع، تتبرع لها المملكة الوهابية لبناء الجوامع والمراكز الإسلامية لتخرج لها المؤدلجين بالوهابية، بدلاً من تخريج ممرضين ومسعفين طبيين لمساعدة المرضى.

ورغم كل هذا البذخ في تمويل الأدلجة والإرهاب، ما زال مواطنو السعودية يعيشون في الفقر ويعاني شبابها من الجنسين من البطالة. وقد أكدت دراسات متعددة نفذتها وزارة الشؤون الاجتماعية حول الفقر في مدينة الرياض، أنه (شكلت الأمية والبطالة وارتفاع نسبة الإعالة في الأسرة السعودية وانخفاض الدخل لدى رب الأسرة العامل أو انعدامه لغير العامل والحوادث الشخصية كوفاة الزوج أو هجره لأسرته أو دخوله السجن أو فصله من العمل وعدم الوعي الاجتماعي للأسر الفقيرة أبرز مسببات الفقر في مدينة الرياض) (الشرق الأوسط، 31/7/2005). وما زالت شوارع الرياض والدمام والخبر تعج بالنساء المتسولات. فبدل إنشاء نظام ضمان اجتماعي يعتني بالأسر الفقيرة وباليتامى والمطلقات وذوي العاهات، تصرف المملكة مليارات الدولار على نشر الوهابية والإرهاب في ربوع العالم. وما يعنينا هنا أن الأموال الضخمة التي منحتها المملكة للإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين سوف تمكن هؤلاء من إغتيال الثورات العربية الحديثة ومحاولة إقامة أنظمة ديمقراطية في تلك البلاد لأن الإسلاميين هم الوحيدون الذين يملكون المال لشراء أصوات الفقراء الأميين وبذلك يفوزون في تكوين حكومات ما بعد ، ويصبحون الساعد الأيمن لآل سعود واستمرار حكمهم العائلي الثورات الفاسد.

والآن نرى أن الأخطبوط الوهابي يحاول توسيع الرقعة الحامية له بضم الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون الخليجي لزيادة عدد الملوك في المجلس، وحتى يتسني للأخطبوط قمع محاولات التغيير الديمقراطي في تلك البلاد بإرسال جيوش مجلس التعاون لقتل المتظاهرين، كما فعلوا في البحرين. فليس هناك أي هدف آخر من ضم المغرب الذي لا تربطه بالخليج أي رابطة غير نظام الحكم الملكي العائلي. وتلك لعمري لعنة فرعونية لا تقاربها أي لعنة أخرى.

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 1 Comment

قراءة في -مانيفستو المسلم المعاصر- لجمال البنا

يقول المفكر الإسلامي الكبير جمال البنا في هذا البيان: ((إن كرامة الإنسان يجب أن تكون في أصل كل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويجب أن تحرّم تحريما باتا كل ما يهدر كرامة الإنسان جسدًا ونفسًا)). كما يقول: ((إن الإنسان هو الغاية، والأديان هي الوسيلة)). كما يقول أشياء جميلة أخرى لها المعنى ذاته، ولا داعي لذكرها تحاشيا للتكرار الممل.

وهذا كلام جميل لولا أن الكاتب ظل يلتف عليه ويتنكر له في على طول المقال وعرضه تطغى ضمن مواقف تصطبغ بصبغة دينية إسلامية منغلقة. ولهذا فأنا أعتبر هذا المانفستو بعيدا جدا عن التسامح والتنوير والتفتح التي قد ينخدع بها القارئ لمثل الفقرات السالفة الذكر.

يستهل الكاتب بيانه بالقول: ((نؤمن بالله. إنه محور الوجود ورمز الكمال والعقل والغائية، وما ينبثق عنها من قيم، وبدونه يصبح الوجود عبثا، والكون تحت رحمة الصدفة الشرود والإنسان حيوانا متطورا أو “سوبر حيوان”)).

طبعا لا اعتراض على من يؤمن بالله وأنه محور الوجود ورمز الكمال والعقل والغائية.. الخ. إذا كان الإيمان بهذا رياضة ذاتية يلتزم بها العبد تجاه معبوده في علاقة حميمية خاصة، لكن عندما يقدم هذا الإيمان في مانفستو، أي في بيان ديني سياسي أيديولوجي الهدف منه، شأن كل البيانات، دعوة الناس أو بالأحرى دعوة مواطني البلد الواحد مثل مصر، بلد الكاتب، إلى الأخذ ببديل وحلول لمشاكلهم الدنيوية السياسية والاجتماعية والاقتصادية فهذا هو الخطر، خاصة عندما يتقدم للناس باسم قوى مطلقة مقدسة معصومة، فيوهمهم أن هذا البديل هو وحده الكفيل بإخراجهم مما هم فيه من مآزق ودفعهم إلى تبني مواقف تتعارض مع التسامح والتفتح والحرية والديمقراطية.

أليس هذا ما نفهمه من قوله: (( وبدونه (أي بدون الله) يصبح الوجود عبثا، والكون تحت رحمة الصدفة الشرود والإنسان حيوانا متطورا أو “سوبر حيوان”))؟ فلا معنى لهذا الكلام إلا أن غير المؤمن بهذا الله، سواء أكان ملحدا أم كان من أتباع الديانات التي تعتبرها الديانة الإسلامية وثنية مثلما هو شأن الهندوسية والبوذية، هو إنسان (الوجود (عنده) عبثا)). وهذا غير صحيح لأن غير المؤمنين على الطريقة الشرق أوسطية لا يعتبرون الوجود عبثا فلهم في فلسفاتهم وفي معتقداتها ما يجعلهم يعيشون في وفاق مع الطبيعة أو مع آلهتهم ومعتقداتهم، بالإضافة إلى أنه شتيمة في حق بشر آخرين لا يتقاسم معهم الكاتب دينه ولأن الدولة الحديثة مطالبة بالتفتح على الجميع والتعامل معهم بدون تمييز ولنا عبرة في البلاد العلمانية التي تمكنت من استيعاب الجميع كمواطنين لهم نفس الحقوق والواجبات بغض النظر عما يدينون به، بل تمكنت من ذلك بعد إبعاد المعتقدات الدينية كمعايير للمفاصلة وللتمييز بين الناس. أما القول ((والكون تحت رحمة الصدفة الشرود والإنسان حيوانا متطورا أو “سوبر حيوان”))، فهو قول غير علمي ومنغلق يضرب عرض الحائط كل الحقائق العلمية الأخرى حول الكون غير تلك التي لها صلة بنظرية الخلق الدينية الشرق أوسطية التي تعتبر هي الأضعف والأكثر تهافتا مقارنة مع نظرية النشوء والارتقاء، التي يتبناها حاليا أغلب علماء العالم ومثقفيه وأي تمييز ضدها هو العودة بالناس قرونا إلى الوراء. فالكون فعلا كان ومازال وسيستمر ((تحت رحمة الصدفة الشرود))، بالإضافة إلى دور الضرورة طبعا التي تجاهلها الكاتب (نظرية المصادفة والضرورة). وعليه فورود موقف مثل هذا في بيان ينشد الإصلاح والتقارب بين الناس مهما اختلفت قناعاتهم الدينية والعلمية هو موقف غير موفق بتاتا.

أما قوله: ((والإيمان بالله الذي يكون قوة ملهمة هو ما يغرسه في النفس تصوير القرآن الكريم لله تعالى)). فهو قول لا يستقيم مع مطلب المواطنة التامة في الوطن الواحد حيث تتعدد التصورات الإيمانية بتعدد المذاهب والأديان. وعليه فهذا المانفستو مضر بالتصور العصري للمواطنة في بلد متعدد الأديان كمصر مثلا، وفي أغلب البلاد الإسلامية، بوصفها أوطانا ذات تعددية دينية ومذهبية وفلسفية يهيمن عليها الإسلام السني ويتسبب في تشجيع تجاوزات كثيرة في حق الآخرين ويجب العمل على رفع كل أنواع الحيف والغبن التي تسبب فيها لملايين الناس بينما لا يعكس مقال الكاتب هذا المطلب الحضاري. وعليه فحصر الكاتب الإيمان بالله في القرآن هو بالأحرى مانفستو للإقصاء لا مكان فيه لمواطنة عصرية لم تعد ترضى بمجرد تسامح تحقيري هو أقرب إلى المن والتفضل التصدق من طرف المسلمين.

ويقول: ((الأنبياء هم القادة الحقيقيون للبشرية، ويجب جعلهم المـُثل في القيادة)). فعن أية بشرية يتحدث جمال البنا؟ هل يجب أن نخرج أتباع الديانات الأخرى من البشرية وغيرهم من الوثنيين والملحدين واللادينيين واللاأدريين وكل من لا يشارك الكاتب في تصوره؟ ما هو وضع إنسان لا ينتمي لبشرية البنا في دولة البنا هذه؟ ألا يكفي قرونا من التيه والحروب والمآسي نتيجة جعل هؤلاء الأنبياء قادة ومثل في القيادة؟

وعندما يقول جمال البنا: ((ونحن نؤمن أن الإسلام قد قدم الصورة المثلى لله والرسول. على أننا نتفهم الصور التي قدمتها الأديان الأخرى، لأن الدين أصلا واحد، ولكن الشرائع متعددة، ونحن نؤمن بالرسل جميعا، وأن الله تعالى أراد التعدد والتنوع “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً”، وأن الفصل في هذا التعدد هو إلى الله تعالى يوم القيامة)).

فهو هنا أيضا يمارس تمييزا وإقصاء غير خافيين ضد الأديان الأخرى في بيان يفترض أنه موجه لإدارة شؤون دولة حديثة أهم خصائصها المواطنة الكاملة. ولا أرى في كلام الكاتب ما يطمئنني حول هذا المطلب الرئيسي لأي دولة حديثة حقيقية. عبارة مثل ((ونحن نؤمن أن الإسلام قد قدم الصورة المثلى لله والرسول. على أننا نتفهم الصور التي قدمتها الأديان الأخرى))، لا تكاد تخفي انحياز الكاتب للإسلام الذي “قدم الصورة المثلى لله والرسول” على حساب المسيحية مثلا دين ملايين المواطنين المصريين، ولو أنه تنازل وتَفَهَّمَ “الصور التي قدمتها الأديان الأخرى” التي هي غير مثلى أو أقل مثالية كما يجب أن نفهم إذا قرأنا بين السطور.

وفي قوله: “ونؤمن أن الدين هو المقوم الأعظم للمجتمع العربي، وأنه يمثل التاريخ والحضارة والضمير، وأن تجاهله يقطع التواصل مع الشعب، ولا ينفي هذه الحقيقة أن تكون الفلسفة والآداب والفنون قد حلت محل الدين في المجتمع الأوربي فلكل مجتمع طبيعته الخاصة وقدره الذي لا يمكن التمرد عليه أو التنكر له، وفي الوقت نفسه ـ فإنه لا يحول دون تلاقح الأفكار وتحاور الحضارات، وتقارب الديانات لأن الحكمة ضالة المؤمن”.

فماذا يعني الكاتب بتجاهل الدين؟ هل المطالبة بالعلمانية هو تجاهل للدين سيفضي حتما إلى القطيعة مع الشعب؟ أليس هذا كلاما أقرب إلى التكفير؟ هل تَعَلْمُنُ المجتمعات الأوربية أدى إلى ذلك وهل هذا هو قدرها بينما قدرنا هو استمرار الهيمنة الدينية على مجتمعاتنا ولا مهرب لنا منه؟ ما هو المصير الذي يخصصه الكاتب لمن لا يشاركه هذه القناعة لو “قدر الله” وأمكن لهذا المانفسو أن يوضع موضع التنفيذ؟ ثم ما هو الدين الذي يعتبره الكاتب مقوما أعظم للمجتمع العربي؟

هل نصدقه عندما يقول: “نؤمن بكرامة الإنسان، وأن الله تعالى هو الذي أضفاها على بني آدم جميعا، فلا تملك قوة أن تحرمهم منها، وهي تعم الجنس البشري من رجال ونساء، بيض وسود، أغنياء، وفقراء.. الخ، وقد رمز القرآن لهذه الكرامة بسجود الملائكة لآدم، وتسخير قوى الطبيعة له. إن كرامة الإنسان يجب أن تكون في أصل كل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويجب أن تحرم تحريما باتا كل ما يهدر كرامة الإنسان جسدًا ونفسًا”؟

ما سبق يجعلني لا أفهم هذه الكرامة إلا ضمن الحدود التي رسمها الإسلام للناس. ونحن نعرف هذه الحدود في الميدان عندما كان للإسلام اليد الطولى على أتباعه وعلى المختلفين معه في القرون الطويلة التي تحكم فيها على رقاب الناس. النصوص التي تحط من شأن المرأة والذمي والوثني لا مجال لنكرانها. فإذا كان يستطيع أن يغض الطرف عنها اليوم فلماذا لا يذهب حتى النهاية فيطالب بالعلمانية ورفض تدخل الدين أصلا في السياسة حتى يبقى الدين لله والوطن للجميع؟

لا أعتقد أن الكاتب على استعداد لذلك وهو القائل مباشرة بعد هذا الكلام: “ولما كان الإسلام قد جاوز ـ كمًّا ونوعا ـ الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان، فإن أقل ما يجب أن يتم هو التطبيق الفوري لهذه الاتفاقيات”. فهل يوجد أغرب من هذا الكلام عندما يدعو الكاتب إلى “التطبيق الفوري لهذه الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان” ولا يدعو إلى تطبيق الإسلام مادام قد “جاوز ـ كمًّا ونوعا ـ الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان”؟

هذا الكلام أعتبره بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. هل يعقل أن نصدق أن “الإسلام قد جاوز ـ كمًّا ونوعا ـ الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان”؟ هل لـ”جاوز” معنى آخر غير ما فهمته أنا؟

هلا حدثنا الكاتب الإسلامي عما جاوز فيه الإسلام “الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان”؟ أهي في إباحته للعبودية، أم في جعل المرأة ناقصة عقل ودين أم في تشريعه للغزو والاحتلال وأسواق النخاسة ومصانع الخصيان أم في انتصاره للنقل على العقل أم في تقريره أن لا اجتهاد مع النص أم في التخلف الذي تعاني منه حقوق الإنسان في كل البلاد الإسلامية بسبب احتكام مجتمعاتنا إلى هذا الدين؟

يتبع

عبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

هل تصح المقارنة بين الشريعة الإسلامية وتجارب البشر؟

هذه هي المقالة الثانية والعشرون من قراءتي النقدية لكتاب الدكتور يوسف القرضاوي ((الإسلام والعلمانية، وجها لوجه)). الكتاب في الرابط:

http://www.scribd.com/doc/28242163

يقول د. القرضاوي في مستهل هذا الفصل ص 153-172- تحت عنوان ((الشريعة وتجارب البشر: التجارب التاريخية للتطبيق الإسلامي)):

((ويقول العلمانيون: إنكم يا دعاة الحل الإسلامي، وأنصار تطبيق الشريعة، تدعوننا إلى إسلام مثالي، لا يوجد إلا في بطون الكتب نظريات ومبادئ، ولم يطبق في الواقع إلا فترة قصيرة هي فترة النبوة، ثم فترة الخلفاء الراشدين. بل يقول د. فؤاد زكريا: “أما التجارب التاريخية، فلم تكن إلا سلسلة طويلة من الفشل، إذ كان الاستبداد هو القاعدة، والظلم هو أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والعدل والإحسان والشورى، وغيرها من مبادئ الشريعة لا تعدو أن تكون كلاما يقال لتبرير أفعال حاكم يتجاهل كل ما له صلة بهذه المبادئ السامية. ولا جدال في أن لجوء أنصار تطبيق الشريعة، مهما اختلفت آراؤهم في الأمور التفصيلية، إلى الاستشهاد الدائم بعهد الخلفاء الراشدين، وبعمر بن الخطاب بوجه خاص، هو ـ في ذاته ـ دليل على أنهم لم يجدوا ما يستشهدون به طوال التاريخ التالي، الذي ظل الحكم فيه يمارس باسم الشريعة، أي أن التطبيق، الذي دام ما يقرب من ثلاثة عشر قرنا، كان في واقع الأمر نكرانا لأصول الشريعة، وخروجا عنها. إن أنصار تطبيق الشريعة يركزون جهودهم، كما قلنا، على الاستشهاد بأحداث ووقائع تنتمي إلى عصر الخلفاء الراشدين، ولا سيما عمر بن الخطاب، ولكن ألا يعلم هؤلاء الدعاة الأفاضل أن عمر بن الخطاب شخصية فذة فريدة، ظهرت مرة واحدة، ولن تتكرر؟! وإذا كانت تجارب القرون العديدة، وكذلك تجارب العصر الحاضر، قد أخفقت كلها في الإتيان بحاكم يداني عمر بن الخطاب، فلماذا يداعبون أتباعهم بالأمل المستحيل في عودة عصر عمر بن الخطاب؟! وإذا كان الخط البياني للحق والعدل والخير، قد ازداد هبوطا على مر التاريخ، وبلغ الحضيض، في التجارب المعاصرة لتطبيق الشريعة، فعلى أي أساس يأمل هؤلاء في أن تكون التجربة المقبلة، التي يدعون إليها في مصر، هي وحدها التجربة التي ستنجح فيما أخفقت فيه الأنظمة الإسلامية على مر القرون؟!)). انتهى.

قبل أن أواصل مع القرضاوي، هذه القراءة النقدية، بودي أن أبدي بعض التحفظات على مثل هذه المواقف غير العلمانية التي عبر عنها فؤاد زكريا وغيره من العلمانيين. ولقد تعرضت في المقالات السابقة لما رأيته أنه تنازلات تقدم للإسلاميين لأسباب عدة أبرزها، حسب رأيي، غياب أجواء الحرية في بيئاتنا العربية لإسلامية التي مازالت تهيمن عليها مجموعة من الطابوهات الممنوعة من التداول والنقد خاصة ما تعلق منها بالدين والتاريخ والسياسة والمرأة.

إن موقف العلمانيين كما عبر عنه القرضاوي: (( إنكم يا دعاة الحل الإسلامي، وأنصار تطبيق الشريعة، تدعوننا إلى إسلام مثالي، لا يوجد إلا في بطون الكتب: نظريات ومبادئ، ولم يطبق في الواقع إلا فترة قصيرة هي فترة النبوة، ثم فترة الخلفاء الراشدين))، هو موقف لا يرضي الإسلاميين رغم ما فيه من تنازلات نراهم يستغلونها حتى النخاع، وهي أخطاء ظل يقع فيها علمانيونا منذ بداية النهضة العربية بسبب الخوف من التكفير. فليس هناك في نظري إسلام مثالي سواء في عهد النبي محمد أم بعده، بأفكار وحلول وسياسات مثالية خارقة تتجاوز في سموها وحصافتها مستوى ما أبدعه البشر خارج التعاليم الدينية التي زعمت لنفسها مصادر ربانية متعالية. أجواء القمع والحصار فرضت على ثقافتنا العالمة والشعبية على السواء اعتقادات خرافية حول العصر الإسلامي الأول صُوِّرَ لنا عصرا مثاليا خارقا بلغت فيه الممارسات الأخلاقية والسياسية والحربية مستويات لا تداني من العدل والإنصاف والرشاد والإنسانية. هذا غير صحيح. وغير صحيح أيضا التصديق بفكرة أن الإسلام ((لم يطبق في الواقع إلا فترة قصيرة هي فترة النبوة، ثم فترة الخلفاء الراشدين)). فحتى هذه الفترة لم تكن قمة المثالية: نحن نعرف كل التجاوزات التي كان يرتكبها المؤسسون الأول للإسلام في حق بعضهم البعض وفي حق المهزومين الذين لم يكن أغلبهم يناصب العداء للمسلمين، سواء في فجر الإسلام أم طوال القرون.

ولقد حاول المتكلمون قديما خاصة المعتزلة القيام بدراسة نصوص الإسلام وتطبيقاتها باعتبارها أقرب إلى التجارب البشرية التي ينطبق عليها حكم الخطأ والصواب على الضد من رجال الدين الذين كانوا يرون الحكمة الإلهية وراء الخطأ ووراء الصواب بنفس القدر وبالتالي اعتبروا من قبيل الزندقة مناقشة هذه القضايا؛ فعارضوا بل دعوا إلى قمع مثيري مسائل مثل خلق القرآن وحرية الاختيار والعدل الإلهي والمسؤولية.

كان تبني فكرة خلق القرآن مثلا، موقفا علمانيا في الصميم، فالله حسب هذا الموقف أنزل القرآن تلبية لحاجات أملتها مناسبات محددة، ولهذا كان يتراجع فينسخها عندما تتغير الحاجات، وبما أن الحاجات تواصل تغيرها على مر الزمن أثناء نزول الوحي وبعد وفاة محمد فإن النسخ أو بالأحرى تجاوز التشريع بالتعديل والإلغاء يجب أن يتواصل تلبية لما يستجد من الحاجات. هذا ما جعل رجال الدين يشعرون بخطر حقيقي على مصدر رزقهم ونفوذهم فيتصدون لهذا الفكر. فكرة العدل الإلهي عند المعتزلة تفترض هي الأخرى تجاوز النصوص التي تعبر عن نقاء هذا العدل مثل قكرة القضاء والقدر التي تفترض القبول بالظلم الذي لا يتفق والتنزيه الواجب تجاه الله.

وعليه فلم يكن الإسلام نقلة نوعية خارقة في تاريخ البشرية كما يتوهم المسلمون من غير المطلعين بكفاية عليه. العلمانيون بتسليمهم بصحة هذه الخرافة يساهمون في جلب المياه إلى طاحونة الإسلاميين لتبقى تدور وتدور دون طحين. تلك التجربة كانت بشرية في الصميم بإنجازاتها وإخفاقاتها، بانحرافاتها ومغامراتها وحروبها الدموية التي طالت القاصي والداني من الشعوب. كما سنرى عما قريب عندما نتعرض للتجارب الإسلامية في تطبيق الشريعة كما يصفها القرضاوي ويدافع عنها ويقدم لنا منها أمثلة.

وعندما يقول فؤاد زكريا ((إن أنصار تطبيق الشريعة يركزون جهودهم.. على الاستشهاد بأحداث ووقائع تنتمي إلى عصر الخلفاء الراشدين، ولا سيما عمر بن الخطاب، ولكن ألا يعلم هؤلاء الدعاة الأفاضل أن عمر بن الخطاب شخصية فذة فريدة، ظهرت مرة واحدة، ولن تتكرر؟! وإذا كانت تجارب القرون العديدة، وكذلك تجارب العصر الحاضر، قد أخفقت كلها في الإتيان بحاكم يداني عمر بن الخطاب، فلماذا يداعبون أتباعهم بالأمل المستحيل في عودة عصر عمر بن الخطاب؟!)). عندما يقول هذا فهو بنظري يقدم تنازلات ويبعث في الناس أوهاما لا تستند إلى حقائق التاريخ. هل كان ((عمر بن الخطاب شخصية فذة فريدة، ظهرت مرة واحدة، ولن تتكرر؟!)). قد يكون عمر بن الخطاب موزعا عادلا للغنائم، ولكن عندما نعرف أن ما كان يوزعه كان في معظمه ثروات وخيرات انتزعت من أفواه المهزومين ليجوعوا حتى يشبع المسلمون الغالبون، كما كان يوزع سبايا وعبيدا كان يتم تحويلهم من أوطانهم مكبلين في الأغلال من طرف الغزاة المسلمين نحو عاصمة الدولة بعد كل غزوة في شكل مغانم (أفاء الله بها على المسلمين) بعد أن انتزعوهم بالغصب والاحتلال وفرض شروط مجحفة على المغلوبين في العراق والشام ومصر قبل أن يواصل الخلفاء بعده هذه (الفتوحات) في بلاد واسعة أخرى غزاها المسلمون ظلما وعدوانا شأنهم في ذلك شأن كل الغزاة.

نعم قد يعترض معترض فيقول بأن هذا كان السلوك العام في العالم يومئذ وهذا ما فعله القرضاوي في هذا الفصل عندما حاول إبراز نقائص التجارب الاشتراكية والديمقراطية مع التستر طبعا على أنها تجارب بشرية لم يدع لها مؤسسوها العصمة والقداسة ولهذا أمكن تجاوزها أو تعديلها وإلغاؤها وهذا ما لا يقبله مع الإسلام الذي ظل يُقَدَّمَ إلينا، نصوصا وتجارب، على أنها مثاليات خارقة لتطبيقات شريعة ربانية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويطالبوننا بتصديقها والالتزام بها والامتناع عن نقدها رغم وقائعها المخزية التي تفقأ العيون.

لننتقل الآن إلى نقد القرضاوي لمواقف العلمانيين من تطبيق الشريعة. فبعد هذا الكلام ينطلق في مساجلة طويلة دافع فيها عن كل التاريخ الإسلامي حتى جعل الانحراف في الحكم استثناء والاستقامة قاعدة. يلخصها قول سيد قطب كما أورده القرضاوي: ((والشهيد سيد قطب (رحمه الله) رغم شدته على التاريخ الإسلامي، بعد عصر الراشدين، وحملته القاسية على بني أمية في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” لم يسعه إلا أن يعترف بأن الإسلام ظل راسخ البناء، مرفوع اللواء، منفردا بالفتوى والقضاء والتشريع للأمة الإسلامية، في كل شئونها، اثنى عشر قرنا من الزمان)).

بناء على هذا القول يكتب القرضاوي منتقدا فؤاد زكريا على موقفه السابق باعتباره ((ينطوي على أغلاط أو مغالطات شتى))، يذكر منها ثلاثا:

((أول هذه الأغلاط أو المغالطات، هو اختزال عهد الراشدين كله إلى عهد عمر وحده، متجاهلين عهد أبي بكر (رضي الله عنه)، وما فيه من إنجازات هائلة، رغم قصره، حتى قال د. محمد حسين هيكل، في كتابه “الصديق أبو بكر”: أليست هذه بعض معجزات التاريخ؟! في سنتين وثلاثة أشهر، تطمئن أمم ثائرة، وتصبح أمة متحدة قوية، مرهوبة الكلمة، عزيزة الجانب، حتى لتغزو الامبراطوريتين العظيمتين، اللتين تحكمان العالم، وتوجهان حضارته، لتنهض بعبء الحضارة في العالم قرونا بعد ذلك)).

قبل أن أواصل ألفت نظر القارئ إلى أنه وبينما يجري اليوم إدانة الاستعمار وحتى الكنيسة المسيحية على أخطاء الماضي، ويسعى الأحفاد إلى تقديم الاعتذار على ما اقترفه الأسلاف في حق الشعوب، لا يزال القرضاوي يعتبر الغزو والاستعمار من ((معجزات التاريخ))، وكأن غزوات المسلمين كانت تستهدف فقط تحرير الشعوب من تلك الأمبراطوريتين العظيمتين.

ويقول ((ومتجاهلين ـ كذلك ـ السنوات الأولى في عهد عثمان (رضي الله عنه) وما حققت من رخاء ورفاهية في الداخل، وفتوحات وانتصارات في الخارج، كما يشهد بذلك التاريخ.))

مرة أخرى يفتخر القرضاوي بالفتوحات والانتصارات في الخارج، ولا يأبه لما كانت تحدثه من استرقاق واحتلال ودمار وطرد للشعوب من أوطانها.

((ومتجاهلين ـ كذلك ـ ما أرساه علي (رضي الله عنه وكرم الله وجهه) من مبادئ في سياسة الحكم، وسياسة المال، ومعاملة البغاة والخارجين على الإمام، برغم الصراع، الذي وقع بينه وبين الأطراف الأخرى)).

فهل الحروب الأهلية التي دارت رحاها بين الصحابة في خلافة علي، وكان بعضهم من المبشرين بالجنة، كانت مجرد صراع عاد. ونحن نعرف أنها كانت مذابح حقيقية لا تختلف عن غيرها من المذابح طوال تاريخ البشرية بالنظر إلى مستوى وبساطة وسائل الإبادة يومئذ.

(( والغلط الثاني أو المغالطة الثانية، هي الإدعاء بأن عمر كان فلتة لا تتكرر، فهو قول يكذبه الواقع التاريخي، فقد رأينا النموذج العمري يتكرر في صور مختلفة، وفي عصور مختلفة)).

والغلط الثالث أو المغالطة الثالثة، أن من الظلم البين لحقائق التاريخ أن نطلق الحكم على جميع خلفاء بني أمية، وبني العباس، وآل عثمان، وسلاطين المماليك في مصر والشام، وملوك المرابطين، والموحدين، وغيرهم في المغرب، وسلاطين المغول في الهند، وغيرهم: بأنهم كانوا ـ جميعا ـ ظلمة وفجرة، ومنحرفين عن عدل الإسلام، ونهج الإسلام)).

((فالواقع أن هذا ليس من الإنصاف في شيء، فقد كان من هؤلاء كثيرون، اتصفوا بكثير من العدل والفضل وحسن السيرة، ولا سيما إذا قورنوا بغيرهم من حكام العالم في زمنهم)).

بغض النظر عن هذه المغالطات الفادحة في حق التاريخ، فهل يجوز إسلاميا أن نقارن الحكام الإسلاميين بغيره من حكام العالم في زمانهم؟ طبعا لا، كيف يمكن مقارنة العاملين على هدي شريعة ربانية يصفها أصحابها بأنها جامعة مانعة شاملة بأفكار وسياسات بشرية ضعيفة حسبهم؟ ولعل هذا المأزق هو ما جعل القرضاوي وغيره يستميتون في الدفاع عنها ولو عبر تزوير حقائق التاريخ. فليس من المعقول أن تبتعد أمة يزعمون أنها لا تجتمع على ضلالة عن شريعتها الربانية. وعندما يتحدى العلمانيون الحظر المضروب ويكشفون للناس، اعتمادا على المصادر نفسها التي ينهل منها الإسلاميون، كل ذلك الكم الهائل من نماذج الحكم الإسلامية الاستبدادية السيئة، يقول القرضاوي: ((ولكننا كثيرا ما نأخذ أخبار تاريخنا من مصادر غير موثقة، وروايات غير ثابتة، لو عمل فيها مبضع “الجرح والتعديل” لم تقم لها قائمة)).

ثم يقول: ((فإذا نظرنا إلى رجل مثل هارون الرشيد، نجد الإخباريين والقصاصين صوروه، وكأنه رجل خلاعة وفجور، لا علاقة له بالعلم، ولا بالعمل، ولا بالعبادة، ولا بالجهاد، ولا بالعدل، ولا بالفضل. والواقع أن الوقائع الثابتة من سيرة الرجل، الذي بلغت الحضارة الإسلامية في عهده أوجها، والذي كان يغزو عاما، ويحج عاما، تكذب هذه الأقاويل المصنوعة، وقد دافع عنه ابن خلدون في مقدمته دفاعا علميا رصينا، يرد به على المتقولين والخراصين، وإن كانت حياته، لا تخلو من هنات غفر الله لنا وله)).

يقول القرضاوي ((هنات غفر الله لنا وله)) عن حاكم يغزو عاما ويحج عاما وكأن الغزو والاحتلال والسبي والاسترقاق وكل ما كان يساهم في مزيد من ذلك الترف الخيالي الذي كان يحياه الخلفاء وحاشيتهم ومتملقيهم. لنعتمد على ابن خلدون مثلما اعتمد القرضاوي عليه لنتعرف على حقيقة دواعي الجهاد وإلى أين كانت تذهب غنائم الغزو كما نعرف أن التصرف فيها ليس من قبيل الهنات أي الأخطاء البسيطة. كتب ابن خلدون في المقدمة ص 216-217: ((وانظر ما نقله المسعودي والطبري وغيرهما في أعراس المأمون (ابن هارون الرشيد) ببوران بنت الحسن بن سهل، وما بذل أبوها لحاشية المأمون حين وافاه في خطبتها إلى داره بفم الصلح، وركب إليها في السفين، وما أنفق في أملاكها، وما نحلها المأمون وأنفق في عرسها، تقف من ذلك على العجب. فمنه أن الحسن بن سهل نثر يوم الأملاك في الصنيع الذي حضره حاشية المأمون، فنثر على الطبقة الأولى منهم بنادق المسك ملثوثةً على الرقاع بالضياع والعقار، مسوغةً لمن حصلت في يده، يقع لكل واحدٍ منهم ما أداه إليه الاتفاق والبخت؛ وفرق على الطبقة الثانية بدر الدنانير في كل بدرة عشرة آلافٍ؛ وفرق على الطبقة الثالثة بدر الدراهم كذلك؛ بعد أن أنفق في مقامة المأمون بداره أضعاف ذلك. ومنه أن المأمون أعطاها في مهرها ليلة زفافها ألف حصاةٍ من الياقوت، وأوقد شموع العنبر في كل واحدةٍ مائة من وهو رطل وثلثان وبسط لها فرشاً كان الحصير منها منسوجاً بالذهب مكللاً بالدر والياقوت. وقال المأمون حين رآه: “قاتل الله أبا نواسٍ، كأنه أبصر هذا حيث يقول في صفة الخمر:

كَأنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَوَاقِعهَا حصباء در على أرض من الذهب

وأعد بدار الطبخ من الحطب لليلة الوليمة نقل مائةٍ وأربعين بغلاً مدة عامٍ كاملٍ ثلاث مراتٍ كل يومٍ. وفني الحطب لليلتين، وأوقدوا الجريد يصبون عليه الزيت. وأوعز إلى النواتية بإحضار السفن لإجازة الخواص من الناس بدجلة من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة، فكانت الحراقات المعدة لذلك ثلاثين ألفاً، أجازوا الناس فيها أخريات نهارهم… (حتى ينتهى ابن خلدون إلى القول): (( وعلى قدر عظم الدولة يكون شأنها في الحضارة؛ إذ أمور الحضارة من توابع الترف، والترف من توابع الثروة والنعمة، والثروة والنعمة من توابع الملك، ومقدار ما يستولي عليه أهل الدولة. فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله)).

هذا نموذج لحكم الشريعة الإسلامية في أعز مجد الإسلام. وبما أن القرضاوي استشهد بابن خلدون فمن المفروض ألا تكون مقدمته ((مصادر غير موثقة، وروايات غير ثابتة))، حسب القرضاوي، خاصة وابن خلدون يدافع عن الخليفة المأمون رافضا بعض ما كان يروى عنه مما يمكن اعتباره خدشا (في دينه وعلمه واقتفائه سنن الخلفاء الراشدين من آبائه، وأخذه بسير الخلفاء الأربعة أركان الملة ومناظرته للعلماء وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته وأحكامه)). (المقدمة أيضا ص 27). فكيف كانت حال غيره؟

ابن خلدون، على الأقل، اعتبر هذا الترف أمرا طبيعيا من توابع الملك ولم يكن يراه خروجا عن الشريعة الإسلامية، أما القرضاوي وسيد قطب وغيرهم من الإسلاميين المعاصرين فيتسترون عليه، ولا يهمهم من تاريخ الإسلام إلا تطبيق الشريعة التي كان يشرف عليها رجال الدين فيحققون من هذه المهنة جاها وثراء على حساب عامة الناس المسحوقين والمخدوعين ولعل هذا ما يطمحون إليه اليوم وهم يؤيدون حكومات الاستبداد التي تطبق الشريعة الإسلامية أو تلك التي تتقاسم معهم بعض النفوذ على العامة فيتولى رجال الدين وازع القرآن كرديف لوازع السلطان الذي يتولاه الحكام.

إلا أن القرضاوي يضطر إلى التنازل حد الوقوع في تناقضات صارخة عندما ينقل عن صديقه محمد الغزالي وهو يجيب عن السؤال: ((بم تفسر النكسات التي أصابت الأمة الإسلامية، بدءا من الخلاف الداخلي بين علي ومعاوية، حتى يومنا هذا)).

فها نحن أمام نكسات تواصلت منذ الصراع بين علي ومعاوية إلى يومنا هذا !!!

أجاب الغزالي ((أجمع أولو الألباب من عدو وصديق، على أن الإسلام عقائد وشرائع، وعبادات ومعاملات، وأخلاق ونظم، وتراتيب إدارية وتقاليد اجتماعية، وأنه يكلف أتباعه بتطويع الشئون العادية لخدمة ذلك كله. وكنا في أثناء دراستنا الإسلامية، نعرف الفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي، وبين الإسلام والحكم الإسلامي، الإسلام وحي معصوم، لا ريب فيه أما الفكر الإسلامي، فهو عمل الفكر البشري في فهمه، والحكم الإسلامي هو عمل السلطة البشرية في تنفيذه، وكلاهما لا عصمة له. ومن هذا التقديم يظهر أنه لا غرابة في وجود أخطاء في تاريخنا الثقافي والسياسي، وإنما الغرابة في التستر على هذه الأخطاء، أو الاستحماق في معالجتها، والتعفية على آثارها.

وجمهور المسلمين يعلم أن سلفنا الأول شغله قتال الاستعمارين الروماني والمجوسي، ولعله أشرف قتال عرفته الدنيا، ولكنه يشعر بغضاضة وألم، لما أعقب ذلك من قتال داخلي بين المسلمين أنفسهم، كانت له آثار بعيدة المدى، على حاضرهم ومستقبلهم. وجمهور الفقهاء والمؤرخين والدعاة يؤكد على أن علي بن أبي طالب “الخليفة الرابع” كان إمام حق، وأن معاوية بن أبي سفيان كان يمثل نفسه وعصبيته، في خروجه على “علي”. وشاء الله أن يكسب معاوية هذه المعارك، ومن ثم تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض في بني أمية)). انتهى.

وهذا كان رأي فؤاد زكريا وفرج فوده في تحفظهما على دعوات تطبيق الشريعة باعتبار التطبيق عملا بشريا يخطئ ويصيب، فلماذا اتهمهما القرضاوي بالكفر ووقف مع قتلة فوده ؟ فمن يتستر على الأخطاء ومن يستحمق في معالجتها ومن يقف حجر عثرة ضد كل محاولات الخروج من الاستبداد السياسي الذي يتخذ الإسلام درعا ضد التجديد والحريات والديمقراطية والعلمانية؟

يتبع

عبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

إعصروا مختار العصر

في زمن البعث المقبور, كانوا يخرجون الموظفين بمظاهرات لاتعرف لها سبب أو هدف أو مناسبه. في أحد المرات أخرجوهم كالعاده, وكان بين المتظاهرين فراشة مدرسه, انسانه أميه بسيطه طلبوا منها أن تهتف وتقول, مكاسب وانتصارات, فلما وصلت لموقع المظاهره نسيت الأولى فهتفت, مكانس وانتصارات!!

الان بعد أن سمحت لنا الديمقراطيه الطائفيه باختيار دكتاتور ومعه شلة حراميه بكامل عدتهم, من سبح الى عمايم وجبب, تتكرر أفلام البعث بأخراج جديد, ليبقى المحتوى نفسه, لأن حقوق الطبع والنشر محفوظه لصاحبها, شعب العراق الغافي

يخرج المناصرين لحزب رئيس الوزراء وهم يرددون شعار, انصروا مختار العصر!!

أحد اللوكيه, توّه جاي من الجاره الشقيقه إيران, وبعده الحشيش الأيراني ضارب براسه ومكعده وزن!! صاح بعد أن تجشأ وبسمل وحبق وحوقل: إعصروا مختار العصر!!

بعده سوده عليّه مشتهي بيك عصريه!! ولوما الصلاة تمنع عن الفحشاء والمنكر, جان لطله ربع ساده على الريك.

بس الحمد لله, وللمراجع العظام وهي رميم, الصلاة ماتمنع عن الحشيش والترياك وإلا جان انلاصت

نرجع لموضوعنا, مختار العصر, اللي يريد مو بس يطبكها ولايتين ويحكم الظهر والعصر!! لازم ياخذ ولاية العشه والمغرب وياهن!!

يعني مايفاركنه ولا يعوف رئاسة الوزاره الى أن يبيض المطي

ياناس تدرون يمكن أسوء مخلوقات الله هو الأنسان, وأسوء البشر هم العربان, وأسوء العربان إحنه العراقيين, وأسوء العراقيين أني, واللي يشتغلون سياسيين!! آني مو مهم لأن سئ على نفسي

لكن السياسيين العراقيين, هذوله بمزبلة جهنم ماتلكه أوسخ ولا أحقر منهم. وأقصد الكل لاأستثني منهم أحدا

شوفوا صدام, ماكفاه الحروب والقتل وإفلاس العراق والحصار والجوع والألم والتشرد اللي دمر العراقيين, كل هذا ما كفاه الى ان حرق العراق بالكامل وسلمه لأمريكا وإيران

وهسه مختار العصر نفس الفلم, البرلمان يقر قانون بتحديد ولاية رئيس الوزراء بمرتين فقط.

عدا إن البلد على فوهة بركان وحالة الأحتقان تهدد بتمزيق العراق الى ألف قطعه

يصرح جنابه بأنه سيحاول جاهدا الغاء هذا القرار!! الأنانيه المطلقه فوق كل شئ, الناس والبلد والتاريخ ومستقبل الأجيال القادمه, كلها الى الجحيم!!المهم يبقى بالسلطه.

لذلك راح اسوي حملة جمع تبرعات!! حتى نشوفله مرأه جديده ونزوجه, بلكي يحل عن طيـ…. كولة الأخوه السوريين!!

وإذا ماقبلت تحل عنا, تره والعباس العراقيين يعصروك ويطلعون دهنك, مثل ماكال صاحبك!!

‎سرمد علي الجراح (مفكر حر)؟‎

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

البابا المستقيل و«علامات الأزمنة»

الشرق الاوسط

أجرى الفيلسوف البارز يورغن هابرماس، حوارا مع الكاردينال جوزيف راتسينغر عام 2004 عن الإيمان والعقل. وفي عام 2005 وعلى أثر وفاة البابا يوحنا بولس الثاني، انتخب مجمع الكرادلة راتسينغر خلفا له فسمّى نفسه: بنديكتوس السادس عشر. وأشهر الذين سُمُّوا بهذا الاسم في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية كاهنان: بنديكتوس مؤسِّس الرهبانية البندكتية في القرن الثاني عشر الميلادي، وهي طائفةٌ شديدة التقشف – وبنديكتوس الخامس عشر، الذي كان بابا روما في الحرب العالمية الأولى، واشتهر بإعطاء كلّ ما تملك الكنيسة لخدمة فقراء ومُصابي تلك الحرب.

وقد سأل بيتر سيفالد، كاتب سيرة البابا الجديد وصديقه الفيلسوف هابرماس عن الفروق بين شخصيتي الرجلين: بنديكتوس ويوحنا بولس من وجهة نظره، فقال بعد تردُّد: أمّا راتسينغر فتشغله مسألة الإيمان، واستعادة «روح الكنيسة» من طريق الالتزام بالتقاليد المسيحية العريقة، وأما يوحنا بولس فإنه يريد تغيير العالم! وعلى اختلاف شخصيتيهما؛ فإنّ يوحنا بولس الثاني، عندما أراد الانطلاق لتغيير العالم (من بولندا وحركة التضامُن، وشعار: الإيمان والحرية)، عيّن الكاردينال الألماني راتسينغر رئيسا لمجمع الإيمان، أي أنه ائتمنه على «استقامة العقيدة» في الكنيسة، وانصرف هو لهدم الشيوعية بالاشتراك مع رونالد ريغان والولايات المتحدة والإنجيليات الجديدة.

وفعل البابا بنديكتوس عكس ذلك تماما: انكمش على نفسه، وانصرف إلى جمع «الخراف الضالة»، واعتبر أنّ خلاص الكنيسة من الدنيوية الهائلة والمتصاعدة، والعلمانيات، وإنجيليات البروتستانت، وتكاثر أعداد المسلمين، إنما يحصل بالعودة إلى الذات وتحقيقها، والابتعاد عن التفسيرات الاجتماعية والسياسية للدين. وما استجاب لأي من مطالب شبان العالم، وشبان الكاثوليكية: من تكهين النساء، وإلى زواج المثليين، وإلى الإجهاض، فإلى لاهوت التحرير. وهكذا فقد ظلَّ مصرا على القيام بالمهمة التي كلّفه بها صديقه يوحنا بولس منذ عام 1981 حين عينه رئيسا لمجمع الإيمان، أي العمل على تجديد شباب المسيحية في اعتقاده من طريق بعث حرارة الإيمان في قلوب المؤمنين، واستعادة «التقاليد» التي استقرت عليها الكنيسة منذ قرون، حين اضطرّت إلى مُغادرة الطموحات الإمبراطورية إنما بعد فوات الأوان، أي بعد أن صارت المسيحية مسيحيتين، وقامت الدول الوطنية العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، وأعملت الثورة الفرنسية سيوفها في أعناق الكهنة، وفصلت الدين عن الدولة فصلا عنيفا!

هل كان البابا بنديكتوس «رجعيا»، لأنه ما أصغى لعلامات الأزمنة ومتغيراتها؟ هو لا يعتقد ذلك. لقد عمل طوال حياته – كما قال – على وعي المسيحية الصحيحة (أي الكاثوليكية) باعتبارها حارسةً للإيمان بالله من خلال خدمة الناس، وعمل الخير، وإنتاج الأخلاق الصالحة، بعيدا عن مطامح وجبروت التشبُّث بالدنيا وزينتها. وهذه «البساطة» الظاهرة، ليست آتيةً من ثقافته البسيطة؛ فهو أحد أكبر أساتذة اللاهوت الكاثوليكي في القرن العشرين. وهو ما كان ليُنكر على العلمانية جبروتَها المتمثّل في ثقافة وعقلية الإنكار، والاقتناع الأعمى بالاستغناء عن الله، لو أنّ ذلك اقتصر على الاستئثار بإدارة الدول والسلطات. وإنما أنكر عليها محاولتَها – في أزمنة الحداثة – إخراج الدين من المجتمع. وكيف يمكن أن تستمر المجتمعات البشرية، ويستتبَّ السلام، ويتقاسم الناسُ خيرات العالم بالرحمة والصبر، إذا خرج الإيمان، وخرجت «الثقة» التي تنشرها أخلاقيات الدين الحقّ بين الناس؟

هكذا فقد اعتبر أنّ مشكلات الكنيسة (بل وسائر الأديان) آتيةٌ من أمرين اثنين: اعتقاد الاستغناء بالعقل (العملي) عن الدين وأخلاقياته، وشهوة التملُّك والسلطة والسلطان. والمخرجُ من هذين المأزقين يكونُ ببثِّ نور الإيمان في عوالم العقل، والتسديد على طريق الخير والحق والحقيقة من خلال «التقليد» الموروث. وقد قال له هابرماس: لكنّ التقليد لا يمكن تجديده من داخله؟ فأجاب: إنّ هذا هو البلاءُ الذي نزل بالبروتستانت؛ إذ لدى شبانهم تلك الجذوة المشتعلة، والإرادة الطيبة، لكنّ تنكُّرهم للطريق ومعالمه (أي للتقليد أو للكنيسة) هو الذي جعلهم في كل وادٍ يهيمون. أمّا مشكلةُ المسلمين فهي في استيلاء شهوة التملُّك والسلطة والسلطان على أجيالهم الجديدة، مغترين بالأعداد المتكاثرة، ومعتبرين أنّ ذلك من مقتضيات الدين وأخلاقه وشريعته، رغم أنّ «التصوف» كان جزءًا أصيلا من تجربتهم التاريخية. ولا يختلف الأمر مع اليهود؛ إضافة إلى أنّ قلّة الأعداد نمّت إحساسا لديهم بالخصوصية والتفوق! ولذلك ورغم التأكيد المستمر من جانب البابا بنديكتوس على النية الطيبة والإرادة الطيبة تجاه جميع البشر وعلى اختلاف أديانهم؛ فإنه أثار غضب المتحررين والعلمانيين، والإنجيليين واليهود والمسلمين. وبعد كلّ أزمةٍ، كان البابا يسارع للاعتذار بأنه لم يقصد هذا الأمر أو ذاك أو هذا المعنى أو ذاك. وما حظي برضاه وإعجابه غير الكنيستين الأرثوذكسيتين في روسيا واليونان: «لرقة القلوب وشفافيتها وللمعاناة الطويلة في التاريخ والحاضر، وكيف تستقيم أخلاقُ الدين والثقة دون مُعاناة؟».

استقال البابا إذن، ففعل ما لم يفعلُه بابا آخر منذ القرن الخامس عشر. لكنّ بابا القرن الخامس عشر الذي استقال كان مرغما على ذلك، لإنهاء الانقسام بداخل الكنيسة والناجم عن وجود اثنين يتنازعان شرعية المنصب: فهل استقال بنديكتوس مرغما أيضا؟ هو يقول إنه استقال بسبب تقدمه في السن، وعدم قدرته الذهنية والجسدية، نتيجة ذلك، على القيام بمهامّ منصبه على الوجه الأفضل. والذين يعرفون البابا يقولون إنه صادقٌ ونزيهٌ في القرار الذي توصَّل إليه. لكنه يضيف في كلمته: إنّ التحديات تكاثرت، وتحتاج إلى من هو أقوى منه لمواجهتها. ورغم أنّ الكنيسة الكاثوليكية ما تزال تنمو بقوة خارج أوروبا بحيث زادت أعداد الكاثوليك على المليار؛ فلا شكّ أنّ القضايا والمسائل غير المحلولة تتزايد وتتكاثر: ومن عزوبية الكهنة واعتداء مئات منهم على الأطفال خلال العقود الماضية، إلى التنظيم الهرمي والعقدي المتشدّد للكنيسة، والفساد الإداري والمالي في جسدها العريق والهشّ في الآن نفسه. وقد اعتقد البابا أنّ النهج الذي سار عليه مع يوحنا بولس (الاعتصام بالداخل، والانطلاق الظاهري باتجاه العالم) ولعدة عقود قد نجح، بدليل عدم تفكك الكنيسة، وعدم ظهور «إحيائيات» فيها، شأن الأديان الأُخرى جميعا. بيد أنّ استمرار النبي سليمان في «الاتكاء» شاخصا على كرسيه، لم يحُلْ دون موته!

هذه العبارة ذكرها لي زميل البابا وخصمه البروفسور هانز كينغ، الكاثوليكي الليبرالي المعروف. فقد قال لي إنه صالح البابا بعد انقطاع الكلام بينهما منذ السبعينات من القرن الماضي، وعندما سألتُه: هل سبب ذلك خوفك وقد شِخْتَ أيضا أن تموت خارج الكنيسة؟ فلم يضحك بل أجاب بعد تفكُّر: بل يا مستر سيّد لأنني اكتشفت أنّ الإيمان لا حلاوة له دون الاعتصام بتقليدٍ عريق! وهكذا فقد تكون المفارقة أنّ كينغ الليبرالي الراديكالي، اكتشف أهمية «التقليد»، وأن بنديكتوس المحافظ، اكتشف أنّ «التقليد» ما عاد يمكن تجديده من داخله!

عرفت البابا المستقيل أستاذا للاهوت الكاثوليكي في مطلع السبعينات من القرن الماضي بجامعة توبنغن، واستمعتُ لبعض دروسه، ثم غادرته إلى كينغ. وما رأيت عنده كاريزما كينغ، ولا الكاريزما التي عرفناها من بعد لدى يوحنا بولس الثاني. وأنا أزعُمُ على قصر مدة الدراسة عليه، أنه شديد الصدق مع نفسه، ويملك ما يشبه «الإحساس الطهوري» المعروف عن البروتستانت وليس الكاثوليك في العادة. فاستقالتُهُ تشبه شخصيته، وشخصيات ألمان كثيرين، يتوقفون طويلا أمام «علامات الأزمنة» فإما أن يكسروها، وإما أن تكسرهم!

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment