نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى 7\16

مقتل الملك غازي

أولاً:بريطانيا ونوري السعيد وعبد الإله يتآمرون على الملك غازي:

لم تكن بريطانيا راضية عن تولي [الملك غازي] المُلك بعد وفاة والده الملك فيصل الأول، فقد أصيبت بخيبة أمل كبيرة منه أثناء توليه منصب [ نائب الملك] ،بحكم كونه ولياً للعهد، أثناء غياب والده عن البلاد، والأسلوب الذي اتبعه في معالجة قضية ثورة لآشوريين بقيادة المار يوسف].

كما أن بريطانيا كانت تراقب العلاقات المتنامية بين الملك غازي ودكتاتور ألمانيا [ أودولف هتلر] بشئ كبير من الشك والريبة، خوفاً من أن تحصل ألمانيا على موطئ قدم لها في العراق، ومنطقة الخليج الغنية بالنفط .

كما كانت محاولة الملك غازي احتلال الكويت بالقوة أثناء غياب رئيس الوزراء نوري السعيد، والذي كان قد سافر إلى لندن لحضور مؤتمر حول القضية الفلسطينية، في 7 شباط 1939، حيث كان قد استدعى رئيس أركان الجيش الفريق [حسين فوزي ] عند منتصف الليل،وكلفه باحتلال الكويت فوراً، كما اتصل بمتصرف البصرة، داعيا إياه إلى تقديم كل التسهيلات اللازمة للجيش العراقي للعبور إلى الكويت واحتلالها.(1)

وهكذا تجمعت كل تلك العوامل لتفعل فعلها في تصميم بريطانيا على التخلص من الملك غازي بأسرع ما يمكن، وكان رجل مهماتها الكبرى [نوري السعيد] ،الذي حاول بكل جهده منع الملك غازي من تولي العرش بعد وفاة والده الملك فيصل، واستبداله بالأمير[ زيد] عم الملك غازي على كامل الاستعداد لتنفيذ مهمة التخلص من الملك غازي بالتعاون مع[عبد الإله] وشقيقته [ الملكة عالية ] زوجة غازي التي كان قد هجرها دون أن يطلقها بصورة رسمية.

كانت هناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى النية للتخلص من الملك ، فقد ذكر السفير البريطاني [ باترسن ] في كتابه

Both sides of Curtain

 حول تصرفات غازي ما يلي :

{ لقد أصبح واضحا للعيان أن الملك غازي إما يجب أن يُسيطر عليه، أو أن ُيخلع من العرش، وقد ألمحت إلى ذلك، وبهذا المقدار في زيارتي الوداعية للأمير عبد الإله }!!. (2)

أما العقيد صلاح الدين الصباغ فيذكر في مذكراته [ فرسان العروبة] أن نوري السعيد الذي كان يقيم في القاهرة كان قد أرسل إليه، والى العقيد فهمي سعيد، ولده صباح، بعد مقتل بكر صدقي بأسبوعين ليستفسر منهما عما إذا كانا يريان قتل الملك غازي، وإلحاقه ببكر صدقي، وتخليص البلاد من عبثه أمرٌ ممكن !!.

وقد رد عليه فهمي سعيد بصوت جهوري قائلاً:

{ لا يا صباح لن يحدث هذا أبداً}.

أما صلاح الدين الصباغ فقد رد عليه قائلاً:

{ أما بصد اغتيال الملك غازي، فنحن أبعد الناس إلى التطرق لمثل هذا العمل، ولا نسمح بأن يذكر أمامنا، ونصيحتي لكَ أن لا تكرر ما قلته لي وأن لا تفاتح به أحد بعد اليوم}. (3)

وجم صباح السعيد وتلعثم، وأدرك خطورة ما تفوه به أمام الصباغ وفهمي سعيد عن أفكار والده نوري السعيد.

وتطرق توفيق السويدي إلى نفس الموضع في مذكراته المعنونة [ نصف قرن من تاريخ العراق، والقضية العربية] قائلاً:

{أتذكر بهذا الصدد أنني عندما كنت في لندن،والتقيت بالمستر[ بتلر] وكيل وزير خارجية بريطانيا الدائم، وقد أبدى لي شكوى عنيفة من تصرفات الملك غازي فيما يتعلق بالدعاية الموجهة ضد الكويت من إذاعة قصر الزهور، وقال لي بصراحة:

{إن الملك غازي لا يملك القدرة على تقدير مواقفه لبساطة تفكيره، واندفاعه وراء توجيهات تأتيه من أشخاص مدسوسين عليه، إن الملك بعمله هذا يلعب بالنار، وأخشى أن يحرق أصابعه يوماً ما}. (4)

كما استدعى الملك غازي صباح اليوم التالي نائب رئيس الوزراء [ناجي شوكت] بحضور وزير الدفاع، ووكيل رئيس أركان الجيش، ورئيس الديوان الملكي، وأبلغهم قراره باحتلال الكويت، لكن ناجي شوكت نصحه بالتريث، ولاسيما وأن رئيس الوزراء ما زال في لندن، وأبلغه أن العملية سوف تثير للعراق مشاكل جمة مع بريطانيا، والمملكة العربية السعودية وإيران، واستطاع ناجي شوكت أن يؤثر على قرار الملك غازي، وتم إرجاء تنفيذ عملية احتلال الكويت. (5)

فلما عاد نوري السعيد إلى بغداد، وعلم الأمر، سارع بالاتصال بالسفير البريطاني، وتداول معه عن خطط الملك غازي، فكان قرار الاثنان التخلص من الملك بأسرع وقت ممكن، وهذا ما صار بعد مدة وجيزة ،حيث جرى تدبير خطة لقتل الملك والتخلص منه، والمجيء بعبد الإله وصياً على العرش، نظراً لصغر سن ولده الوحيد [فيصل الثاني] الذي كان عمره لا يتجاوز الخمس سنوات آنذاك. (6)

ثانياً : مقتل الملك غازي :

في صباح يوم الخامس من نيسان 1939 فوجئ الشعب العراقي ببيان رسمي صادر عن الحكومة نقلته إذاعة بغداد جاء فيه :

{ بمزيد من الحزن والألم، ينعي مجلس الوزراء إلى الأمة العراقية انتقال المغفور له سيد شباب البلاد [جلالة الملك غازي] الأول إلى جوار ربه، على اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة [نهر الخر]،بالقرب من [قصر الحارثية] في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس.

وفي الوقت الذي يقدم فيه التعازي الخالصة إلى العائلة المالكة على هذه الكارثة العظمى التي حلت بالبلاد يدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ للمملكة نجله الأوحد جلالة الملك فيصل الثاني، ويلهم الشعب العراقي الكريم الصبر الجميل، وإننا إلى الله وإننا إليه راجعون}. (7)

بغداد في 4 نيسان 1939

لم يكد خبر مقتل الملك غازي يصل إلى أسماع الشعب حتى هبت الجماهير الغاضبة في مظاهرات صاخبة اتجهت نحو السفارة البريطانية وهتافات التنديد بالإمبريالية البريطانية ورجل مهماتها الكبرى [نوري السعيد] تشق عنان السماء، وامتدت المظاهرات الشعبية الهادرة إلى سائر المدن العراقية من أقصاه إلى أقصاه، وظهرت المنشورات التي وزعتها الجماهير، والتي تقول أن الملك لم يصطدم بالسيارة كما تدعي حكومة نوري السعيد، وإنما قتل بعملية اغتيال دبرتها الإمبريالية البريطانية ورجالها، وعلى رأسهم نوري السعيد بالذات، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري السعيد في تلك اللحظات لفتكت فيه ومزقته إرباً، ولذلك فقد هرب نوري السعيد، بعد إتمام مراسيم دفن الملك غازي في المقبرة الملكية في الاعظمية، حيث استقل زورقاً بخارياً من المقبرة إلى داره في جانب الكرخ.

حاول الإنكليز إبعاد التهمة عنهم، وادعوا أن الدعاية الألمانية هي التي تروج مثل هذه الدعاية ضد بريطانيا، كما ادعوا أن موظفي السفارة الألمانية، والأساتذة الجامعيين، هم الذين يحرضون جماهير الشعب ضد بريطانيا، وضد حكومة نوري السعيد.

كان رد فعل الجماهير الشعبية في الموصل شديداً جداً، حيث خرجت مظاهرة ضخمة، وتوجهت نحو القنصلية البريطانية وهاجمتها، وقتلت القنصل البريطاني في الموصل، المستر [مونك ميسن ]، وكانت الجماهير تهتف بسقوط الاستعمار البريطاني، وحكومة نوري السعيد ، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري لمزقته.

لكن ما يؤسف له هو قيام الجماهير الغضبة بمهاجمة الحي اليهودي في بغداد والموصل، ووقوع عمليات النهب، وحرق مساكن اليهود.

استغل نوري السعيد الأحكام العرفية التي كانت قد أعلنت في البلاد قبل شهر من مقتل الملك، وقام بنشر أعداد كثيفة من قوات الشرطة لقمع المظاهرات، وجرى اعتقال الكثير من المتظاهرين. ولتغطية جريمة الاغتيال سارعت حكومة نوري السعيد إلى إصدار بيان رسمي يتضمن تقريراً طبياَ صادراَ عن هيئة من الأطباء عن سبب وفاة الملك غازي، وجاء في البيان ما يلي :

{ ننعي بمزيد من الأسف وفاة صاحب الجلالة الملك غازي الأول، في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين من ليلة 3 / 4 نيسان 1939 متأثراً من كسر شديد للغاية في عظام الجمجمة، وتمزق واسع في المخ، وقد حصلت هذه الجروح نتيجة أصطدم سيارة صاحب الجلالة عندما كان يسوقها بنفسه بعمود كهرباء بالقرب من قصر الزهور في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، وفقد الملك شعوره مباشرة بعد الاصطدام ولم يسترجع وعيه حتى اللحظة الأخيرة}. (8)

3 /4 نيسان 1939

الدكتور جلال حمدي الدكتور صبيح وهبي الدكتور سندرسن

الدكتور صائب شوكت الدكتور أبراهام

وعلى اثر إعلان وفاة الملك غازي، تولى مجلس الوزراء حقوق الملك الدستورية، وفقاً للمادة 22 من الدستور، وجرى الإعلان عن تولى الملك فيصل الثاني الملك،على أن يسمى وصياً عليه، نظراً لصغر سنه، بعد دعوة مجلس النواب الذي سبق أن صدرت الإرادة الملكية بحله، وقرر مجلس الوزراء تعين الأمير عبد الإله وصياً على العرش، وادعى نوري السعيد أن ذلك القرار كان بموجب وصية الملك غازي نفسه،غير أنه لم يثبت أن هناك أي وصية من هذا القبيل، وكان معروفاً آنذاك أن الملك غازي كان يكره عبد الإله كرهاً شديداً، ولذلك فلا يعقل أن يوصي بالوصاية لعبد الإله ويأتمنه على طفله، كما أن الملك غازي كان حسبما ورد في التقرير الطبي قد فقد شعوره فوراً ولم يسترجعه حتى وفاته.

والحقيقة أن وصاية عبد الإله قد رتبت من قبل السفارة البريطانية وحكومة نوري السعيد. (9)

كما أن أحداً لم يقتنع بما أذاعته الحكومة عن اصطدام سيارة الملك ومقتله في الحادث، وهناك شواهد عديدة على أن الملك قد قتل نتيجة تدبير مؤامرة حبكتها السفارة البريطانية، وجرى تنفيذها من قبل نوري السعيد وعبد الإله، وأهم الشواهد على ذلك ما يلي:

‍1 ـ قبل مقتل الملك بتسعة أشهر، وبالتحديد في 18 حزيران 1938، وُجد خادم الملك غازي الشخصي مقتولاً داخل القصر، وجاء تقرير خبير التحريات الجنائية البريطاني أن القتل كان نتيجة إطلاق النار بالصدفة من مسدس القتيل نفسه ‍‍‍‍‍‍‍‍!!.

سبّب قتل الخادم رعباً في نفس الملك غازي لازمه لأيام، وبدأت الشكوك تنتابه حول مؤامرة لقتله فيما بعد، وكان شكّ الملك يحوم حول عبد الإله ونوري السعيد، وزوجته الملكة عالية ـ شقيقة عبد الإله ـ المنفصل عنها بصورة غير رسمية، وكانت تضمر له الكراهية والحقد. (10)

2ـ إن أي حادث لسيارة يؤدي إلى الوفاة،لابد أن تكون إصابة السيارة شديدة وكبيرة، إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً، فقد كانت الأضرار التي لحقت بالسيارة طفيفة جداً، وهذا ما يثير الشكوك حول حقيقة مقتل الملك.

3ـ كان بمعية الملك في السيارة كل من خادمه، وهو شقيق الخادم السابق القتيل، وعامل اللاسلكي، جالسين في المقعد الخلفي بالسيارة، ولكنهما اختفيا في ظروف غامضة، ولم يعرف أحد عن مصيرهما نهائياً، وقد أثارت عملية اختفائهما شكوكاً كبيرة حول مقتل الملك، وحول صدقيه حادث الاصطدام، واستمرت تلك الشكوك تحوم حول عبد الإله ونوري السعيد والسفارة البريطانية.

فقد ذكر الفريق نور الدين محمود، الذي كان قد شغل منصب رئيس أركان الجيش ثم رئيساً للوزراء عام 1952 حول حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:

{ إنه اصطدام غامض وعويص، لا يسع الإنسان مهما كان بسيطاً في ملاحظته إلا أن يكذّب زعم الحكومة وهو يقارنه بالأدلة التي يراها في مكان الحادث}. (11)

أما العقيد صلاح الدين الصباغ فيقول في مذكراته:

{ قضت المصالح البريطانية اغتيال الملك غازي، فتم في ليلة 3 / 4 نيسان 1939 وهو في السابعة والعشرين من عمره}. (12)

ويقول الأستاذ [ جان ولف ] في كتابه [ يقظة العالم العربي ] :

{ مات الملك غازي على أثر حادث غريب، فقد اصطدمت سيارته دونما سبب وجيه، بينما كان يقودها بسرعة معقولة، فتعالى الهمس في بغداد بين أبناء الشعب متهمين بعض الجهات بتدبير الحادث}. (13)

وقال الأستاذ [كارتاكوز ] في كتابه [ ثورة العراق ] ما يلي :

{ لعل مأثرته الرئيسية ـ يقصد الملك غازي ـ انه قد لاقى حتفه بشكل عنيف في حادث سيارة يٌعتقد أن البريطانيين وأعوانهم من العراقيين هم الذين فعلوه}. (14)

وجاء الدليل القاطع بعد سنوات طويلة، عندما التقى الأستاذ [عبد الرزاق الحسني] مؤلف تاريخ الوزارات العراقية في 8 نيسان 1975 بالدكتور [صائب شوكت ] طبيب الملك غازي الخاص، وأول من قام بفحصه قبل وفاته، وسأله عن حقيقة مقتله فأجابه بما يلي:

{ كنت أول من فحص الملك غازي بناء على طلب السيدين [نوري السعيد] و[رستم حيدر] لمعرفة درجة الخطر الذي يحيق بحياته، وأن نوري السعيد طلب إليّ أن أقول في تقريري أن الحادث كان نتيجة اصطدام سيارة الملك بعمود الكهرباء. وأنا أعتقد أنه قد قتل نتيجة ضربة على أم رأسه بقضيب حديدي بشدة، وربما استُخدم شقيق الخادم الذي قُتل في القصر، والذي كان معه في السيارة لتنفيذ عملية الاغتيال.

فقد جيء بالخادم فور وقوع العملية إليّ وكان مصاباً بخلع في ذراعه، وقمت بإعادته إلى وضعه الطبيعي، ثم اختفي الخادم ومعه عامل اللاسلكي منذ ذلك ليوم وإلى الأبد، ولا أحد يعرف عن مصيرهما حتى اليوم. (15)

كما التقى السيد عبد الرزاق الحسني بالسيد [ ناجي شوكت ] الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك وسأله عن حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:

{ لقد احتفظت بسر دفين لسنين طويلة، وها قد جاء الآن الوقت لإفشائه، كانت آثار البشر والمسرة طافحة على وجوه نوري السعيد، و رستم حيدر، ورشيد عالي الكيلاني، وطه الهاشمي، بعد أن تأكدوا وفاة الملك، وكان هؤلاء الأربعة قد تضرروا من انقلاب بكر صدقي، واتهموا الملك غازي بأنه كان على علم بالانقلاب، وأنا أعتقد أن لعبد الإله ونوري السعيد مساهمة فعلية في فاجعة الملك غازي}. (16)

وهكذا أسدل الستار على مقتل الملك غازي، وتم نقل جثمانه إلى المقبرة الملكية في الأعظمية، في الساعة الثامنة من صباح يوم الخامس من نيسان على عربة مدفع، وسط موجة من الهياج اجتاحت جماهير بغداد الغاضبة، والمنددة بالاستعمار البريطاني وأعوانه القتلة، وانهمك المتآمرون بعد دفنه، بترتيب الأمور لتنصيب عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد.

ثالثاً: فيصل الثاني ملكاً، وعبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد:

كان مقتل الملك غازي هو الجانب الأول من مؤامرة نوري السعيد وأسياده الإنكليز، وكان الجانب الثاني يتمثل بتنصيب عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد. فمنذ الساعات الأولى لمقتل الملك غازي عمل نوري السعيد جاهداً ليقنع مجلسا النواب والأعيان، والشعب العراق بما ادعاه بوصية مزعومة للملك غازي بتكليف عبد الإله بالوصاية على العرش فيما إذا حصل له أي مكروه له.

إلا أن[ طه الهاشمي] قال في مذكراته:

{أن الوصية التي عزاها نوري السعيد إلى الملك غازي كانت مزيفة دون شك }. (17)

أما وزير الدولة السيد [ علي الشرقي ] فيقول في كتابه [الأحلام ] ما يلي: { أوعز نوري السعيد إلى الملكة عالية أن ترفع كتاباً إلى مجلس الوزراء المنعقد للنظر في إقامة وصي على العرش تشهد فيه أن الملك غازي قد أوصاها أن يكون عبد الإله وصياً على العرش إذا ما حدث له أي مكره}. (18)

وقال السفير البريطاني [ سندرسن ] في كتابه

[Both Side of Curtain]:

{ كان معروفاً أيضاً أن الإنكليز كانوا يميلون إلى عبد الإله أكثر من ميلهم إلى الملك غازي }. (19)

ويقول الدكتور [ صائب شوكت ] طبيب الملك غازي الخاص ما يلي:.

إنه عندما تأكد من وفاة الملك غازي، كان عبد الإله وتحسين قدري بالقرب مني. دنا تحسين قدري مني وهمس في آذني أن الأمير عبد الإله يرجوك بأن تقول بأن الملك أوصاك قبل وفاته بأن يكون عبد الإله وصياً على ولده الصغير فيصل، ولكني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً قائلاً له:

إن الملك غازي كان فاقداً الوعي فور وقوع الحادث وحتى وفاته}.(20)

ويقول طبيب الملك البريطاني [ سندرسن ] في كتابه المعنون:

[Thousand and One Night] حول مقتل الملك :

{ في خلال 20 دقيقة من وفاة الملك غازي طلب إليّ[ رستم حيدر] أن أعلن أن الملك غازي قبل أن يموت قد عّبر عن رغبته بأن يتولى عبد الإله السلطة كوصي على العرش،غير أني رفضت أن أفعل ذلك، لأن الملك لم يستعيد وعيه لحظة واحدة، وحتى لو ارتكبت جريمة مثل هذا الإدعاء الكاذب فلابد أن يكون هناك الكثير من المستعدين لتكذيبه}. (21)

ورغم كل ذلك فقد اجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قراره بتولي عبد الإله الوصاية على العرش وولاية العهد، ودعا نوري السعيد مجلسا النواب والأعيان إلى عقد جلسة مشتركة في يوم الخميس المصادف 6 نيسان 1939، وكان عدد الحاضرين 122عضواً فقط من مجموع المجلسين، وكلهم من مؤيدي نوري السعيد، حيث قاطع الجلسة عدد كبير من النواب والأعيان لكي لا يكونوا شاهدي زور على جريمة الاغتيال، وقد عرض عليهم نوري السعيد قرار مجلس الوزراء، وتمت الموافقة عليه بإجماع الحاضرين، وبذلك تم تنصيب عبد الإله وصياً على العرش ،وولياً للعهد.

رابعاً: نوري السعيد يقدم استقالة حكومته،وتكليفه من جديد

على اثر انتخاب عبد الإله وصياً على العرش، قدم نوري السعيد استقالة حكومته في 6 نيسان 1939، وتم قبول الاستقالة، وعلى الفور كلف عبد الإله نوري السعيد من جديد بتأليف الوزارة التي جاءت على الشكل التالي:

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية .

2 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للداخلية.

3 ـ رستم حيدر ـ وزيراً للمالية .

4 ـ محمود صبحي الدفتري ـ وزيراً للعدلية .

5 ـ طه الهاشمي ـ وزيراً للدفاع .

6 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات .

7 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمعارف .

وهكذا جاءت الوزارة من نفس الأعضاء السابقين باستثناء إضافة ناجي شوكت لوزارة الداخلية، حيث استوزره نوري السعيد لكونه شقيق طبيب الملك غازي الخاص[ صائب شوكت] لكي يأمن من عدم فضح صائب شوكت لدوره في مقتل الملك غازي، وفرض عبد الإله وصياً على العرش بأساليب الكذب والافتراء. (22)

خامساً: السعيد يحل البرلمان ويجري انتخابات جديدة:

كانت أولى المهام التي أخذ نوري السعيد على عاتقه تحقيقها هي إجراء انتخابات جديدة. فقد سبق أن حصل إرادة ملكية بحل البرلمان في أواخر أيام الملك غازي، لكي يؤمن لوزارته الأغلبية المطلقة، ويصبح طليق اليدين للمهمات الخطيرة التالية، والتي كان على رأسها مشروعه للتآمر على سوريا، ومحاولة ضمها إلى العراق. وبعد أن تم له ما أراد وأجرى الانتخابات في 29 نيسان 1939 بأسلوبه المعروف في التزوير والممارسات غير المشروعة، وجاء بالمجلس كما يريده، عقد المجس أولى جلساته في 12 حزيران بحضور عبد الإله، الذي ألقى خطاب العرش لأول مرة، ودافع في ذلك الخطاب عن إجراءات نوري السعيد ضد حكمت سليمان، والضباط الموالين للفريق بكر صدقي، بدعوى وجود المؤامرة السالفة الذكر. كما برر إعلان الأحكام العرفية في الموصل، إثر مقتل القنصل البريطاني فيها، بعد إعلان مقتل الملك غازي، وإحالة أعداد كبيرة من المواطنين الموصليين إلى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم الأحكام الجائرة والقاسية، والتي وصلت إلى حد الحكم بالإعدام على بعضهم. كما برر عبد الإله لجوء نوري السعيد إلى حل المجلس النيابي، وإجراء انتخابات جديدة.

سادساً:السعيد وعبد الإله يتآمران على سوريا لضمها للعراق

بعد أن انتهى نوري السعيد من الانتخابات، وأمّن له الأغلبية المطلقة في المجلس أنصرف إلى المهمة الأساسية والخطيرة، إلا وهي مشروعه للتآمر على سوريا ومحاولة ضمها إلى العراق بالقوة.

كان باكورة مشروعه تكليف وزير الداخلية[ ناجي شوكت] بالسفر إلى تركيا، واستطلاع موقفها من مشروعه، وبالفعل غادر ناجي شوكت إلى تركيا، وأجرى محادثات مع أركان الحكومة التركية حول المشروع، ولم تعارض الحكومة التركية رغبة نوري السعيد بضم سوريا، بعد أن ضمنت لنفسها ضم لواء الاسكندرون السوري إليها. (23)

وفي الوقت الذي كان ناجي شوكت في تركيا يجري مباحثاته مع الحكومة التركية،أجرى نوري السعيد تعديلاً على وزارته، أخرج بموجبه ناجي شوكت من وزارة الداخلية وأسندها لنفسه، كما أسند وزارة الخارجية التي كانت بعهدته إلى [علي جودت الأيوبي ]، وهكذا تخلص نوري السعيد من ناجي شوكت، ولما يمضي على تشكيل الوزارة سوى أيام قلائل، وهذا ما يؤكد كون نوري السعيد استوزر[ ناجي شوكت] حينذاك لغرض في نفسه. (24)

وفي 10 تموز من ذلك العام قُتل مدير الشرطة العام [ هاشم العلوي ] في الرطبة،عندما كان في طريقه إلى لبنان، وأحيط مقتله بظروف غامضة، حيث قالت الحكومة أنه انتحر، ولكن الحقيقة التي كان يتداولها العارفون ببواطن الأمور آنذاك يقولون أن هاشم العلوي كان يعرف أسرار مقتل الملك غازي، وأراد نوري السعيد أن يتخلص منه بأسرع وقت خوفاً من أن يقوم بإفشاء تلك الأسرار لدى وصوله إلى لبنان، نظراً لكونه كان يشغل أعلى منصب أمني في البلاد، وانه كان مطلعاً على كل شيء. (25)

حامد الحمداني – مفكر حر

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى 8\16

الحرب العالمية الثانية وحركة الكيلاني ومواقف نوري السعيد

أولا: نوري السعيد والموقف من الحرب العالمية الثانية:

لم تكد بريطانيا تعلن الحرب على ألمانيا، واشتعال لهيب الحرب في أنحاء أوربا، حتى بادر السفير البريطاني للاتصال بنوري السعيد على الفور طالباً منه تطبيق معاهدة التحالف المبرمة بين البلدين في 30 حزيران 1930، وإعلان الحرب على ألمانيا، وقد طمأن نوري السعيد السفير البريطاني، ووعده بقطع العلاقات مع ألمانيا، وإعلان الحرب عليها بأسرع وقت. (1)

وعلى الفور أبلغ نوري السعيد الوصي عبد الإله برغبة بريطانيا بإعلان الحرب على ألمانيا، وتقرر عقد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد الإله في 5 أيلول 1939، وطرح نوري السعيد أمام مجلس الوزراء الطلب البريطاني، لكن خلافاً حاداً حدث داخل مجلس الوزراء، فقد رفض وزير الدفاع [طه الهاشمي ] ووزير العدل [ محمود صبحي الدفتري ] فكرة إعلان الحرب على ألمانيا، طالبين الاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية معها، وأعلنا أنهما سيقدمان استقالتهما إذا ما أصر نوري السعيد على إعلان الحرب. (2)

وإزاء ذلك الموقف اضطر نوري السعيد للتراجع مؤقتاً، والاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية، وسارع بالطلب من السفير الألماني [الدكتور كروبا] بمغادرة البلاد تحت حراسة الشرطة نحو سوريا، كما قام نوري السعيد باعتقال كافة الرعايا الألمان، وسلمهم للقوات البريطانية المتواجدة في قاعدة الحبانية، ثم جرى تسفيرهم إلى الهند كأسرى حرب.

أما عبد الإله فقد سارع إلى إرسال برقية إلى الملك جورج، ملك بريطانيا، يبلغه أن العراق سوف يلتزم تماماً بمعاهدة الصداقة والتحالف المعقودة مع بريطانيا عام 1930، وسوف يقدم العراق كل ما تتطلبه المعاهدة. (3)

كما أذاع نوري السعيد بياناً للحكومة في 17 أيلول أعلن فيه التزام العراق بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، واستعداد الحكومة للقيام بما تمليه تلك المعاهدة من واجبات تجاه الحليفة بريطانيا.

سبب موقف نوري السعيد وحكومته موجة من السخط العارم على تلك السياسة المتعارضة مع المصلحة الوطنية، والتي تهدف إلى زج العراق في الحرب الإمبريالية. أما نوري السعيد فقد أقدم على تعطيل مجلس النواب الذي نظمت وزارته انتخابه قبل مدة وجيزة، ولجأ إلى إصدار المراسيم المخالفة للدستور، والهادفة إلى قمع كل معارضة لسياسته الموالية لبريطانيا، وكان من بين تلك المراسيم مرسوم مراقبة النشر رقم 54 لسنة 1939، ومرسوم الطوارئ رقم 57 لسنة 1939، منتهكاً بذلك الحقوق والحريات التي كفلها الدستور للشعب. (4)

وتطبيقاً لمعاهدة 1930، فتح نوري السعيد الباب على مصراعيه للقوات البريطانية لكي تحتل العراق من جديد، وليصبح العراق طرفاً في حرب استعمارية لا ناقة له فيها ولا جمل كما يقول المثل.

لم تترك الحرب العالمية الثانية بعد أن أمتد لهيبها ليشمل أوربا وأسيا وأفريقيا بلداً إلا وكان لها تأثير كبير عليه، سواء كان عسكرياً أم اقتصادياً، أم اجتماعياً، وكان العراق غارقاً في خضم تلك الحرب بعد أن احتلته القوات البريطانية احتلالاً كاملاً لمنع القوات الألمانية من الوصول إليه، حيث يمتلك العراق مصادر الطاقة [النفط] التي كانت ألمانيا بأمس الحاجة لها لإدامة آلتها الحربية.

لقد عانى الشعب العراقي الأمرّين من تلك الحرب حيث أفتقد المواد الغذائية،والملابس، وغيرها من الحاجات المادية الأخرى، وأصبحت تلبية تلك الحاجات أمراً صعباً للغاية، واضطرت الحكومة إلى تطبيق نظام الحصص[الكوبونات] لكي تحصل الأُسر العراقية على حاجتها من المواد الغذائية والأقمشة لصنع الملابس، واشتهرت تلك الأيام بـ[ أيام الخبز الأسود] بسبب النقص الخطير في الحبوب، ورداءة نوعية الطحين.

كما أن حكومة نوري السعيد كانت قد سخرت موارد البلاد لخدمة الإمبريالية البريطانية وحربها، مما أثار غضب الشعب العراقي وحقده على الإنكليز، والنظام الملكي. وفي تلك الأيام جرى اغتيال وزير المالية [ رستم حيدر] في 18 كانون الثاني 1940،على يد مفوض الشرطة [حسين فوزي توفيق] في مكتبه بالوزارة، وقد تم اعتقال القاتل.

حاول نوري السعيد أن يستغل الحادث لتوجيه تهمة التحريض على القتل لعدد من الشخصيات السياسية المعارضة، حيث أقدم على اعتقال كل من الوزيرين السابقين[ صبيح نجيب ] و[إبراهيم كمال ]، والمحاميين المعروفين [ نجيب الراوي ] و[شفيق السعيدي] موجهاً لهم تهمة التحريض على قتل الوزير. وقام نوري السعيد بمقابلة القاتل في السجن وضغط عليه، ووعده بالتخفيف عنه لكي يعترف بأن صبيح نجيب، وإبراهيم كمال قد حرضاه على قتل [رستم حيدر]. (5)

أثار تصرف نوري السعيد هذا حفيظة العديد من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين، بالإضافة إلى وزير الداخلية في حكومة السعيد [ناجي شوكت] حيث وجدوا أن نوري السعيد يريد استخدام حادث القتل لتصفية عدد من خصومه السياسيين، ولذلك فقد لجئوا إلى الوصي عبد الإله، مستنكرين أعمال نوري السعيد بزج أسماء أولئك الذين اتهمهم بالتحريض على قتله، وكان من بين أولئك الذين قابلوا الوصي، وشكوه من تصرفات نوري السعيد كل من ناجي السويدي، وجميل المدفعي، وتوفيق السويدي، وكلهم من رؤساء الوزارات السابقين. (6)

ورغم كل تلك الاحتجاجات حاول نوري السعيد إحالة هؤلاء المعتقلين إلى المجلس العرفي العسكري لمحاكمتهم بتهمة التحريض، إلا أن وزير الخارجية[ علي جودت الأيوبي ]، ووزير المواصلات والأشغال[ جلال بابان] عارضا بشدة محاولة نوري السعيد، وطالبا بإحالة القضية إلى محكمة مدنية.

كما هدد وزير العدل [محمود صبحي الدفتري ] بالاستقالة إذا ما مضى السعيد بخططه، وقد أيد موقف الوزير اثنان آخران من الوزراء، وبذلك فشلت خطط نوري السعيد، وأصبح من المتعذر عليه الاستمرار في الحكم بتلك التشكيلة الوزارية، فتوجه باستقالة حكومته إلى الوصي في 18 شباط 1940. (6)

استقالة وزارة نوري السعيد:

قبل أن يقدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الوصي، دعا مساء يوم 14 شباط القادة العسكريين الذين كان يتوكأ عليهم، وهم العقداء [ صلاح الدين الصباغ ] و[ فهمي سعيد ] و [محمود سلمان ] و[ كامل شبيب ] و[ سعيد يحيى ] و [إسماعيل نامق ] إلى العشاء معه في داره، وفي أثناء المأدبة فاتحهم بموضوع وزارته وأوضاعها، بعد مقتل [رستم حيدر] معرباً عن رغبته في الاستقالة، وأبلغهم أنه اتفق مع [ طه الهاشمي ] على إسناد رئاسة الوزارة إلى [رشيد عالي الكيلاني]، وقد عبر قادة الجيش عن معارضتهم لاستقالة نوري السعيد ودعمهم له.

لكن نوري السعيد عاد بعد يومين إلى فكرة الاستقالة، وفي الوقت نفسه قام وزير الدفاع [ طه الهاشمي ] بجمع قادة الجيش في 18 شباط وشرح لهم ضرورة استقالة الحكومة، وتأليف حكومة جديدة قوية

ولما بلغ أسماع رئيس أركان الجيش [الفريق حسين فوزي] تلك التحركات، أستدعى أولئك القادة العسكريين، وأبلغهم أن في نية نوري السعيد الاستقالة، وتكليف[رشيد عالي الكيلاني] بتشكيل الوزارة الجديدة على أن يشغل نوري السعيد وزارة الخارجية، و[طه الهاشمي ] وزارة الدفاع ،وأبدى رئيس أركان الجيش الفريق[حسين فوزي]، وقائد الفرقة الأولى اللواء [أمين العمري] رغبتيهما في عدم إشراك هذين القطبين اللذين استخدما الجيش في المسائل السياسية، وضرورة إبعاد الجيش عن السياسة. (7)

ولما علم نوري السعيد بتحركات الفريق حسين فوزي والفريق أمين العمري قرر سحب استقالة حكومته، وأصدر قراراً بإحالة كل من [حسين فوزي] و[أمين العمري] و[عزيز ياملكي] على التقاعد في الوقت الذي كان هؤلاء يخططون لعمل ضد حكومته، لكن السعيد كان أسرع منهم حيث وجه لهم ضربته، وعاد يمتلك السلطة والقوة من جديد حيث كلفه عبد الإله بتأليف الوزارة الجديدة. (8)

ثانياً: نوري السعيد يؤلف الوزارة من جديد:

حاول عبد الإله في بادئ الأمر تشكيل وزارة محايدة برئاسة الشيخ [محمد الصدر] رئيس مجلس الأعيان، إلا أن الصدر اعتذر عن هذه المهمة بسبب ضغوط العسكريين الموالين لنوري السعيد، كما اعتذر [رشيد عالي الكيلاني] عن المهمة لنفس السبب.

أما نوري السعيد فقد ذهب لمقابلة الوصي عبد الإله وأبلغه أن الجيش معه، فلم يجد الوصي سبيلاً سوى تكليف نوري السعيد من جديد في 22 شباط 1940، وتم تشكيل وزارته الخامسة بنفس اليوم، لكن هذه الوزارة كانت قصيرة العمر، حيث لم تمكث في الحكم سوى خمسة أسابيع،عمل خلالها نوري السعيد جاهداً على إدانة المتهمين بالتحريض على قتل [رستم حيدر] لكنه لم يوفق في ذلك بعد أن طلبت منه الحكومة البريطانية إجراء محاكمة مدنية لهم . (9)

واضطر نوري السعيد إلى سحب الدعوة من المجلس العرفي، وأحالها إلى المحاكم المدنية التي نظرت في الدعوة، وقررت براءتهم من التهمة الموجه لهم، إلا أنها حكمت على وزير الدفاع السابق [ صبيح نجيب] بالسجن لمدة سنة واحدة بسبب تهجمه على حكومة نوري السعيد، حيث اعتبرت المحكمة ذلك التهجم إثارة للرأي العام ضد الحكومة.

أما القاتل فقد حكم علية بالإعدام، ونفذ الحكم به فجر يوم الأربعاء 27 آذار 1940، وقد تفوه القاتل قبيل تنفيذ الحكم بعبارات تثير الشكوك في أن يكون لنوري السعيد يد في تدبير اغتيال رستم حيدر، وبإعدامه أسدل الستار على هذه القضية التي أراد نوري السعيد استخدامها وسيلة للتنكيل بخصومه السياسيين، وأصبحت حكومة نوري السعيد في موقف ضعيف جداً بعد افتضاح اللعبة التي لعبها مما اضطره ذلك إلى تقديم استقالة حكومته إلى الوصي في 31 آذار 1940، حيث تم قبول الاستقالة في نفس اليوم، وباشر الوصي مشاوراته لتأليف وزارة جديدة حيث دعا رؤساء الوزارات السابقين السادة [علي جودت الأيوبي] و[توفيق السويدي] و[ناجي السويدي] و[جميل المدفعي] و[نوري السعيد] و[رشيد عالي الكيلاني] و[ناجي شوكت] وتباحث معهم في أمر تأليف وزارة ائتلافية تضم جميع الأطراف، وتستطيع مجابهة الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، حيث استقر الرأي على تكليف [ رشيد عالي الكيلاني]، وقيل آنذاك أن السفير البريطاني هو الذي أشار على الوصي بتأليف وزارة قومية تضم جميع الأطراف والتكتلات. (10)

ثالثاً: رشيد عالي الكيلاني يؤلف وزارة جديدة:

في 31 آذار 1940 صدرت الإرادة الملكية بتكليف رشيد عالي الكيلاني الذي كان يشغل منصب رئيس الديوان الملكي آنذاك بتأليف الوزارة الجديدة، واحتفظ الكيلاني بوزارة الداخلية، وأصبح نوري السعيد وزيراً للخارجية، وطه الهاشمي وزيراً للدفاع، فيما شغل ناجي السويدي وزارة المالية، وناجي شوكت وزارة العدل.

وهكذا جاءت الوزارة الكيلانية الجديدة وهي تضم أربعة من رؤساء الوزارات السابقين، ومختلف الكتل، وحاولت تحسين صورتها أمام الرأي العام العراقي، فأقدمت على إلغاء الأحكام العرفية في الموصل وبغداد، وأطلقت سراح العديد من المعتقلين السياسيين الذين أدانتهم المجالس العرفية.

لكن الحكومة بدأت باكورة أعمالها بإصدار مرسوم [ صيانة الأمن العام وسلامة الدولة] في 30 أيار 1940، وجاء هذا المرسوم أشد وطأة من المرسوم الذي أصدره نوري السعيد، والذي رفضته المحكمة العليا فيما بعد لمخالفته أحكام الدستور، في 11 أيلول 1939، حيث خول المرسوم الجديد صلاحية اعتقال الأشخاص المشتبه بكونهم يمثلون خطراً على الأمن العام ونفيهم، أو سجنهم لمدد تصل إلى 5 سنوات، وفرض المرسوم قيوداً جديدة على الصحف، وكافة وسائل النشر ومراقبة الرسائل البريدية، والتلفون، والبرقيات، ومراقبة المطبوعات والمطابع، وصلاحية غلقها، ومنع الاجتماعات والتجمعات، وتفريقها بالقوة، وغلق النوادي والجمعيات، ومنع التجول، وتفتيش الأشخاص والمساكن والمحلات، وغيرها من الإجراءات الأخرى المخالفة للدستور، وخول المرسوم وزير الداخلية صلاحية اتخاذ كل ما يلزم لتنفيذ هذا المرسوم، واعتبر هذا المرسوم لطخة سوداء في تاريخ الوزارة الكيلانية.

لم تكد تمضي سوى مدة شهرين على تشكيل الوزارة الكيلانية حتى دبت الخلافات بين أركانها بسبب الموقف من إيطاليا التي أعلنت الحرب على بريطانيا وفرنسا في 10 حزيران 1940 ، ودخلت الحرب إلى جانب ألمانيا.

فقد سارع السفير البريطاني إلى الاجتماع بنوري السعيدـ وزير الخارجية ـ وطلب منه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وطلب منه أيضا أن يصله جواب الحكومة قبل الساعة الثانية عشرة من ظهر ذلك اليوم. (11)

وعلى الفور قام نوري السعيد بإبلاغ رئيس الوزراء بطلب السفير البريطاني، وتقرر أن يجتمع مجلس الوزراء فوراً برئاسة الوصي عبد الإله لدراسة الطلب البريطاني، واتخاذا قرار بشأنه.

وخلال النقاش الذي أجراه مجلس الوزراء ظهر انقسام شديد بين أعضائه، فقد انقسم المجلس إلى تيارين، التيار الأول دعا إلى إعلان قطع العلاقات مع إيطاليا فوراً، تنفيذاً لطلب بريطانيا وتزعم هذا التيار [نوري السعيد] وضم [محمد أمين زكي] و[صادق البصام] و[رؤوف البحراني] و[عمر نظمي] .

أما التيار الثاني والأقوى بزعامة رئيس الوزراء[ رشيد عالي الكيلاني] وضم [ طه الهاشمي ] و[ناجي شوكت] و[ناجي السويدي] فقد دعا إلى التريث، وعدم التسرع في اتخاذ أي قرار، ولاسيما وأن الحرب قد اتخذت لها مساراً خطيراً، بعد أن استطاعت ألمانيا اجتياح معظم البلدان الأوربية، مؤكدين على ضرورة أن تراعي الحكومة مصلحة البلاد، وتراقب أوضاع الحرب وتطوراتها لكي لا تنعكس سلباً على العراق.

تأزمت الخلافات داخل مجلس الوزراء بين التيارين، وهدد الوزير [محمد أمين زكي] بالاستقالة إذا لم تقرر الوزارة الاستجابة لطلب بريطانيا.

غير أن مجلس الوزراء لم يتوصل إلى أي قرار، وتم الاتفاق على عقد جلسة أخرى مساء اليوم نفسه، وفي مقر مجلس الوزراء.

وتم عقد الاجتماع في الموعد المقرر، وواصل مناقشة الموضوع، واتخذت الحكومة قرارها بالتريث في مسألة قطع العلاقات مع إيطاليا، مع الإقرار بتمسك الحكومة بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، واستعدادها للقيام بما تمليه عليها معاهدة 1930 المعقودة مع بريطانيا.

أثار قرار الحكومة غضب السفير البريطاني الذي أسرع لمقابلة رئيس الوزراء في 12 حزيران، وعبر له عن دهشة، وقلق بريطانيا من القرار، وتردد الحكومة في قطع العلاقات مع إيطاليا، وأبلغه بأن هذا الموقف من جانب الحكومة يؤثر تأثيراً بالغاً على صدقيه الحكومة في تنفيذ بنود معاهدة

التحالف الموقعة عام 193.

لكن الكيلاني أجابه على الفور أن الحكومة تقرر ما تراه موافقاً لمصلحة البلاد، فكان أن سأله السفير فيما إذا كان هذا الموقف يمثل رأيه الشخصي أم رأي الحكومة ؟ وقد رد عليه الكيلاني أن القرار قد اتخذته الحكومة، وأنا أرى شخصياً أن لا يورط العراق نفسه في عمل من شأنه أن يؤثر على حاضره ومستقبله، ويقلق الرأي العام العراقي.

أثار تصرف رئيس الوزراء الكيلاني هذا غضب المستر [تشرشل ] رئيس الوزراء البريطاني حيث صرح قائلاً :

{إن حكومة الكيلاني تتصرف بروح استقلالية لم يسبق لأي رئيس وزارة عراقية أن تصرف بمثلها من قبل }. (12)

وحاولت الحكومة البريطانية الضغط على حكومة العراق بأساليبها العسكرية، فقد أبلغت السفارة البريطانية وزارة الخارجية العراقية بكتابها المرقم 284 في 21 حزيران 1940أن الحكومة البريطانية قررت إنزال قواتها العسكرية في البصرة، لغرض التوجه إلى حيفا، وطلبت أن تسمح الحكومة للقوات الجوية البريطانية بتأسيس معسكرات للاستراحة في البصرة وبغداد والموصل، وتأسيس خطوط مواصلات عبر الصحراء بين بغداد وحيفا،وقد أجابت الحكومة العراقية بالموافقة على الطلب البريطاني في 22 تموز،عملاً ببنود معاهدة 1930، وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبته حكومة الكيلاني، فقد كان الهدف الحقيقي من جلب القوات البريطانية لغرض فرض الهيمنة البريطانية المطلقة على العراق، وإسقاط حكومته، كما سنرى فيما بعد.

رابعاً: تطورات العلاقة العراقية الألمانية والعراقية البريطانية

لم يمضِ سوى أسبوع واحد على دخول إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا حتى استطاعت الأخيرة دحر القوات الفرنسية، واحتلال العاصمة الفرنسية باريس.

وفي تلك الأيام وصل إلى العراق [الحاج أمين الحسيني ] مفتي فلسطين هرباً من ملاحقة القوات البريطانية له، وكان معروفاً عنه أنه كان على علاقة جيدة مع ألمانيا غريمة بريطانيا، وقد نصح الحسيني الكيلاني بأن يجري اتصالاً مع السفير الألماني في تركيا [فون بابن ] للوقوف على وجهة نظر ألمانيا تجاه مستقبل البلاد العربية، وسوريا على وجه الخصوص، حيث كانت تحت الانتداب الفرنسي. (13)

جرى الاتفاق بين الكيلاني والحسيني أن ترسل الحكومة وفداً مؤلفاً من وزير الخارجية[نوري السعيد] ووزير العدل [ ناجي شوكت] إلى تركيا بحجة التباحث مع الحكومة التركية حول مستقبل سوريا بعد انهيار فرنسا،على أن يقوم ناجي شوكت بعد انتهاء المباحثات وعودة نوري السعيد بزيارة إلى [اسطنبول] لبضعة أيام بدعوى الراحة والاستجمام لغرض الالتقاء مع السفير الألماني [فون بابن] دون علم نوري السعيد لعدم ثقة الكيلاني به، وقد زود أمين الحسيني السيد ناجي شوكت برسالة إلى السفير [فون بابن ] الذي تربطه به علاقات وثيقة. وبعد سفر الوفد إلى تركيا أجرى محادثات مع الحكومة التركية حول مستقبل سوريا، بعد انهيار فرنسا، وقد عاد نوري السعيد إلى بغداد بعد انتهاء المباحثات، فيما توجه ناجي شوكت إلى اسطنبول، بحجه قضاء بضعة أيام فيها للراحة والاستجمام، والتقى بالسفير الألماني هناك وبحث معه موقف ألمانيا من البلاد العربية، وأبلغه أن العرب يطمحون إلى التخلص من الاستعمار البريطاني والفرنسي ، وهو يود معرفة موقف ألمانيا من الأماني العربية، وناشده أن تصدر ألمانيا وإيطاليا بياناً حول الموضوع، وقد وعده السفير الألماني بنقل ما دار في اللقاء إلى حكومته، وأن يبذل جهده لحمل الحكومة الألمانية على تحقيق الأماني العربية.

وفي ختام اللقاء ترك إلى السفير العراقي [كامل الكيلاني] مهمة مواصلة اللقاءات مع السفير الألماني، وعاد إلى بغداد في 12 تموز، واطلع رفاقه الكيلاني، والهاشمي، وناجي السويدي على ما دار في ذلك اللقاء. (14)

أما السفير[ فون بابن ] فقد توجه بعد اللقاء إلى ألمانيا ليجري اتصالاته مع الحكومة حول لقائه مع الوزير العراقي، واستطاع أن يقنع الحكومة بأن تصدر بياناً ألمانياً إيطالياً مشتركاً حول موقف دول المحور من البلاد العربية، ومستقبلها. ثم عاد إلى اسطنبول وأبلغ السفير العراقي كامل الكيلاني، شقيق رئيس الوزراء، بقرار الحكومة الألمانية، وقام السفير بدوره بإبلاغ أخيه بالأمر.

وبناء على ذلك قرر رشيد عالي الكيلاني إرسال ناجي شوكت إلى اسطنبول مرة أخرى بحجة الراحة والاستجمام للقاء السفير[ فون بابن] وتقديم مسودة بالأسس التي تود الحكومة العراقية أن يتضمنها البيان، وكان في مقدمتها الاعتراف الصريح من جانب ألمانيا وإيطاليا باستقلال البلاد العربية، وحق العرب في إقامة وحدتهم القومية، ورفض إقامة كيان صهيوني في فلسطين.

غادر ناجي شوكت إلى اسطنبول في 2 آب 1940، حيث التقى بالسفير الألماني، وسلمه مسودة البيان الذي تقترحه الحكومة العراقية، وطلب منه إرساله إلى حكومته، وأبلغه أن الحكومة العراقية بانتظار صدور البيان الألماني الإيطالي المنتظر، الذي يتضمن هذه الأسس التي نقلها إليه. وفي 23 تشرين الأول 1940 أذيع من راديو برلين وراديو روما البيان الموعود، لكن البيان جاء بعبارات عمومية لم تتضمن الأسس التي جاءت بها المسودة التي نقلها الوزير العراقي للسفير الألماني[ فون بابن] الذي أعلم السفير العراقي أن هذا البيان هو مجرد بداية !!. (15)

تدهور العلاقات العراقية البريطانية :

على اثر قرار حكومة الكيلاني بالتريث في قطع العلاقات مع إيطاليا رغم إلحاح السفير البريطاني، بدأت العلاقات العراقية البريطانية تأخذ بالتأزم، ولاسيما بعد أن وصل إلى علم الحكومة البريطانية الاتصالات التي أجراها ناجي شوكت مع السفير الألماني في تركيا [ فون بابن ].

لقد أدرك السفير البريطاني صعوبة التعاون مع حكومة الكيلاني، وأخذ يتحين الفرصة لإسقاطها، وبالمقابل أخذت حكومة الكيلاني تضيق على تحركات الإنكليز، ووسائل دعاياتهم ضد دول المحور متذرعة بعدم رغبة الحكومة بخلق مشاكل لها مع هذه الدول .

وازدادت الأزمة تصاعداً عندما رفضت بريطانيا تزويد الجيش العراقي بالأسلحة التي كان بأمس الحاجة لها، حيث قيدت معاهدة 1930 العراق بشراء الأسلحة البريطانية فقط ، فلما وجدت حكومة الكيلاني أن الباب موصود أمامها للحصول على السلاح البريطاني لجأت إلى إيطاليا واليابان لشراء الأسلحة منهما، وكان رد الفعل البريطاني على خطوة حكومة الكيلاني أن امتنعت الحكومة البريطانية عن شراء القطن العراقي رغم تدني أسعاره، مما دفع بحكومة الكيلاني إلى عقد اتفاقية مع اليابان باعت بموجبها جميع محصول القطن، ومحصول التمور لها، مما أثار غضب الحكومة البريطانية إلى أقصى الحدود، ولاسيما وأن اليابان كانت قد دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا.

ومن جانب آخر أقدمت حكومة الكيلاني على إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي، مما أوصل العلاقات بين العراق وبريطانيا إلى أقصى درجات التأزم، بحيث أبلغ السفير البريطاني نوري السعيد بأن الحكومة البريطانية لم تعد تثق بحكومة الكيلاني، وأن على العراق أن يختار بين الاحتفاظ بحكومة الكيلاني أو الاحتفاظ بصداقة بريطانيا العظمى. (15)

وهكذا بدأ الصراع المكشوف بين الحكومة البريطانية والسفير البريطاني وسارع الكيلاني إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء لبحث التدخل البريطاني السافر بشؤون العراق الداخلية، وتقرر تقديم احتجاج رسمي إلى الحكومة البريطانية على تصرفات سفيرها في بغداد. (16)

ولممارسة المزيد من الضغوط على حكومة الكيلاني لجأت بريطانيا إلى الولايات المتحدة داعية إياها للضغط على حكومة الكيلاني، حيث اتصل السفير الأمريكي بالكيلاني، وطلب منه التعاون مع الحكومة البريطانية، ومنع دعاية الكراهية لبريطانيا بين صفوف الشعب العراقي.

وقد أكد الكيلاني للسفير الأمريكي أن الحكومة لا تنوي الإضرار بالمصالح البريطانية، وأنها حريصة على تطبيق بنود معاهدة 1930 لكن شائعات سرت بعد بضعة أيام تقول أن الحكومة العراقية تنوي إعادة العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا.

لم يستطع نوري السعيد تحمل سياسة الكيلاني، وهو المتحمس إلى أبعد الحدود لتشديد ارتباط العراق بالعجلة البريطانية، فكتب مذكرة إلى الكيلاني، وبعث بنسخة منها إلى الوصي عبد الإله، وإلى السفير البريطاني ينتقد فيها سياسة الحكومة تجاه بريطانيا العظمى، ويتحدث عن فقدان الانسجام والتعاون بين أعضاء الوزارة، ويحذر من مغبة السير بهذا الطريق، ويدعو الحكومة إلى إعادة النظر في مجمل سياساتها. (17)

أما الوصي عبد الإله فقد دعا لعقد جلسة لمجلس الوزراء برئاسته في البلاط، في 17 كانون الأول، لمناقشة مذكرة نوري السعيد، وسياسة الحكومة. وخلال الاجتماع بدت على الوصي علامات الانفعال من سياسة الكيلاني،حيث تحدث إليه قائلاً:{ إنني ألاحظ أن التآزر بين أعضاء الوزارة القائمة مفقود، والاختلافات بين أركانها في تزايد مستمر، ولاسيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وعلاقات بلادنا بالحليفة بريطانيا العظمى}. (18)

وقد رد السيد ناجي السويدي قائلاً أن ليس هناك من خلافات خطيرة تستوجب ذلك.

لكن نوري السعيد أصر على موقفه من وجود الخلافات، وانتهى الاجتماع مع الوصي دون حدوث أي تغير. ولم يكد أعضاء مجلس الوزراء يغادرون البلاط الملكي حتى لحق رئيس الديوان الملكي السيد عبد القادر الكيلاني برشيد عالي الكيلاني ليطلب منه تقديم استقالته بناء على رغبة الوصي، حرصا على عدم إحراجه مع الإنكليز، وكان هذا التصرف من جانب الوصي بناء على طلب الحكومة البريطانية. وهكذا بدأت الأزمة بين حكومة الكيلاني والوصي عبد الإله، وقرر مجلس الوزراء إرسال وفد لمقابلة الوصي برئاسة رئيس الوزراء الكيلاني وعضوية كل من وزير الدفاع

[طه الهاشمي] و ناجي شوكت ـ وزير المالية .

وخلال اللقاء أبلغ الوفد الوصي أن طلب استقالة الوزارة عمل غير دستوري، وأن ليس من حقه بموجب الدستور أن يقيل الوزارة. (19)

كان رشيد عالي الكيلاني في ذلك الوقت قد أمّن وقوف قادة الجيش العقداء الأربعة[ صلاح الدين الصباغ ] و[فهمي سعيد] و[محمود سلمان] و[كامل شبيب] إضافة إلى مفتي فلسطين الذي يتمتع بنفوذ كبير لدى الضباط القوميين.

وفي 21 كانون الأول 1940، أعلن الكيلاني أمام مجلس النواب أن العراق دولة مستقلة، وعليه أن ينشد في كل تصرفاته مصالحه الوطنية، وأمانيه القومية، وينبغي أن لا ينجرف وراء ما لا يتلاءم مع هذه المصالح والأماني، وان الحكومة حريصة على عدم القيام بأي عمل يجر العراق إلى شرور الحرب والمساس بسلامة البلاد.

وعلى أثر ذلك قطع السفير البريطاني أي صلة له بالحكومة ورئيسها وأخذت صلاته تجري مع الوصي بصورة مباشرة، متخطيا الحكومة الشرعية ورئيسها.اشتدت الأزمة داخل مجلس الوزراء، ولاسيما بين نوري السعيد المتحمس للإنكليز، وناجي شوكت المعارض لهم، واقترح طه الهاشمي لحل الأزمة أن يستقيل نوري السعيد وناجي شوكت من الوزارة، وبالفعل قدم نوري السعيد استقالته من الوزارة في 19 كانون الأول فيما قدم ناجي شوكت استقالته في 25 منه.

لكن الوصي رفض التوقيع على الاستقالة مطالباً رشيد عالي الكيلاني بتقديم استقالة وزارته، غير أن تدخل العقداء الأربعة أجبر عبد الإله على توقيع استقالة الوزيرين، وأسندت وزارتيهما إلى ناجي السويدي، وعمر نظمي وكالة. (20)

لم يرضِ هذا الإجراء السفير البريطاني الذي كان يلح على استقالة الوزارة، مشدداً ضغطه على الوصي عبد الإله، الذي أخذ يمتنع عن توقيع الإرادات الملكية والقوانين والمراسيم والأنظمة. وأخيراً أخذ يحرض الوزراء على الاستقالة من الحكومة، واستمر الوصي في ضغطه على الكيلاني بأن أرسل بطلب الوزير عمر نظمي في 25 كانون الأول 1940، وطلب منه إبلاغ الكيلاني بأنه سيستقيل من الوصاية إذا لم تقدم وزارة الكيلاني استقالتها حتى ظهر يوم الغد. (21)

أما مجلس الوزراء فقد عقد اجتماعاً في اليوم التالي 26 كانون الأول لمناقشة الأزمة، ولم يحضر الوزيران المستقيلان، وخلال الاجتماع فاجأ الوزراء جميعاً رئيس الوزراء بتقديم استقالاتهم من الوزارة، ما عدا رؤوف البحراني، مما تسبب في إحراج الكيلاني الذي حاول جاهداً تثنيهم

عن الاستقالة. (22)

خامساً:أزمة خطيرة بين الوصي والكيلاني واستقالة الوزارة:

تصاعدت الأزمة بين الوصي عبد الإله ورئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني بعد أن قدم الوزراء استقالاتهم، وحاول الوصي إرغام الكيلاني على تقديم استقالته عن طريق اللجوء إلى القوة العسكرية، حيث بادر لاستدعاء رئيس أركان الجيش، ومدير الشرطة العام، وطلب إليهم عدم إطاعة رئيس الوزراء، وأبلغهم أن الوزارة أصبحت غير شرعية.

لكن الكيلاني لجأ إلى قادة الجيش [العقداء الأربعة] الذين قرروا إرسال مندوب عنهم إلى الوصي ليبلغه أن الجيش يريد بقاء الكيلاني على رأس الحكومة، وبالفعل قابل العقيد[محمود سلمان ] أحد العقداء الأربعة الوصي وأبلغه بالأمر.

ورغم محاولات الوصي ثني قادة الجيش عن موقفهم لكنه فشل في إقناعهم، فقد قابل العقيد محمود سلمان الوصي للمرة الثانية بحضور الشيخ [محمد الصدر] رئيس مجلس الأعيان، وأبلغه بقرار قادة الجيش وقد نصح الشيخ الصدر الوصي بالرضوخ للأمر الواقع تجنياً لما قد لا يحمد عقباه، إذا ما أصر على موقفه من الكيلاني. (23)

وهكذا تراجع الوصي ولو مؤقتاً، وأصدر إرادة ملكية بتعين [يونس السبعاوي] وزيراً للاقتصاد و[علي محمود الشيخ علي] وزيراً للعدلية في 28 كانون الثاني بناء على طلب الكيلاني وقادة الجيش. وفي اليوم التالي قدم ناجي السويدي استقالته من الوزارة،وأسرع الكيلاني إلى تعين [موسى الشابندر] وزيراً للخارجية والمحامي [ محمد علي محمود] وزيراً للمالية، واستصدر إرادة ملكية بتعيينهم في نفس اليوم المصادف 29 كانون الثاني 1941.

حاول الكيلاني أن يوطد مركز حكومته باللجوء إلى حل البرلمان وأجراء انتخابات جديدة، وتوجه إلى عبد الإله طالباً منه التوقيع على الإرادة الملكية بحله. (24)

طلب الوصي إمهاله حتى المساء لدراسة الأمر، وغادر الكيلاني البلاط على أمل أن يوقع على حل البرلمان، لكنه بدلاً من ذلك غادر الوصي بغداد سراً بعد خروج الكيلاني، وتوجه إلى الديوانية، حيث حاول استعداء قائد الفرقة الرابعة اللواء الركن [إبراهيم الراوي ] على حكومة الكيلاني.

كما اتصل من هناك بقائد الفرقة الثانية في كركوك [ قاسم مقصود] لنفس الغرض، بالإضافة إلى مجموعة من السياسيين والوزراء السابقين وعدد من متصرفي الألوية الذين طلب منهم الوصي عدم إطاعة أوامر الكيلاني

والعمل على إسقاط حكومته.

كما فرَّ نوري السعيد إلى المحمودية، واختفى في مزرعة شقيق قرينته هادي العسكري جرياً على عادته أن يفعل ذلك عند حدوث أي أزمة يشم منها رائحة الخطر. (25)

كاد الأمر أن يؤدي إلى حرب أهلية طرفاها الجيش لولا موقف القائدين الراوي ومقصود المتعقل، حيث أبلغا الوصي أنهما لا يودان زج الجيش في المشاكل السياسية، وأنهما كعسكريين يتلقيان الأوامر من رئيس أركان الجيش.

أما الكيلاني فقد دعا مجلس الوزراء إلى عقد اجتماع عاجل لبحث الأزمة بعد هروب الوصي، وقد حضر الاجتماع قادة الجيش، وأمين الحسيني، ويونس السبعاوي، ومحمد أمين زكي، وتقرر في الاجتماع مواجهة الوزارة لمجلس النواب، وانتزاع الثقة بالوزارة منه، وقد دعا الحاضرون إلى صمود الوزارة بوجه محاولات الوصي، والسفير البريطاني لإسقاطها. وفي أثناء الاجتماع حضر كل من الشيخ [محمد الصدر] و[طه الهاشمي] وطلبا من الكيلاني معالجة الأمور قبل استفحالها، والحيلولة دون وزج الجيش في حرب أهلية، وتمكنا من إقناع الكيلاني لتقديم استقالة حكومته. (26)

وبالفعل قدم الكيلاني استقالته في 31 كانون الثاني 1941 في برقية بعث بها إلى الوصي في الديوانية .

بادر الوصي فور استلام البرقية إلى قبول الاستقالة، ودعا عدد من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين، ورئيس مجلس الأعيان للبحث في تشكيل وزارة جديدة. وفي بغداد،عقد المدعوين للاجتماع بالوصي اجتماعاً فيما بينهم وتباحثوا في الأمر، وقد استقر رأيهم على أن يذهب كل من الشيخ [محمد الصدر] و[صادق البصام ] إلى الديوانية لمقابلة الوصي والوقوف على ما يريد. وبالفعل استقل الاثنان طائرة عسكرية نقلتهم إلى الديوانية، وتباحثا مع الوصي في سبل حل الأزمة، ثم اختلى الشيخ الصدر بالوصي، وأجرى معه نقاشاً حول خطورة الأزمة، وقد أقترح الشيخ محمد الصدر على الوصي تكليف [ طه الهاشمي ] بتأليف الوزارة الجديدة إذا ما أراد الخروج من الأزمة، وتجنب وقوع الحرب الأهلية. (27)

سادساً:الوصي يكلف طه الهاشمي بتأليف الوزارة:

على أثر اللقاء الذي تم بين الوصي والشيخ الصدر، استدعى الوصي السيد طه الهاشمي بحضور صادق البصام، وكلفه بتأليف الوزارة الجديدة،على الرغم من عدم اقتناعه به، ورضاه عنه، لكن الظروف الدقيقة والخطيرة ونصيحة الشيخ الصدر هي التي جعلته يكلف الهاشمي. وقد حاول الوصي أن يشهّد البصام على تعهد الهاشمي بتشتيت شمل قادة الجيش [ العقداء الأربعة ]، وحذره من المتصيدين في الماء العكر، والإيقاع مجدداً بينه وبينهم، ووعد الوصي بأنه سوف يسعى إلى لقاء القادة الأربعة به لتقديم الولاء والطاعة، لكن ذلك لم يتم بسبب نصيحة السفير البريطاني لعبد الإله بعدم استقبالهم. (28)

تم تأليف الوزارة الجديدة في 31 كانون الثاني 1941،وعبّر السفير البريطاني في برقيته إلى وزارة الخارجية البريطانية عن سروره لإخراج الكيلاني من الحكم، ولكنه أعرب عن عدم اطمئنانه لطه الهاشمي، ووعد بأن يكون عمر الوزارة قصيراً، وأشاد السفير بدور نوري السعيد،والجميل الذي أسداه لبريطانيا،غير أنه قد فقد نفوذه في الآونة الأخيرة، ورأى أن يكون بعيداً عن الأنظار حالياً. (29)

كان همْ السفارة البريطانية بعد استقالة حكومة الكيلاني هو التخلص من العقداء الأربعة بأي طريقة كانت لكي يستقر الوضع لصالح بريطانيا.

أما الوصي فقد طلبت منه حكومة الهاشمي العودة إلى بغداد، وأرسلت لمرافقته كل من عمر نظمي،وزير الداخلية، ووكيل رئيس أركان الجيش،أمين زكي، إلا أن الوصي تردد في العودة خوفاً من وجود مؤامرة لقتله، مما اضطر الهاشمي إلى السفر إلى الديوانية وإقناعه بالعودة، وعاد الوصي بصحبة الهاشمي في 3 شباط 1941.

سابعاً: حركة الكيلاني الانقلابية وموقف نوري السعيد:

بدا الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما إلى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي. لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقود، كما كانت الثقة بين الكيلاني ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش وبين الوصي قد تلاشت.

وكان الوصي ومن ورائه السفارة البريطانية يعمل في الخفاء من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم ومن الكيلاني، ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك. ونتيجة لتلك الضغوط أقدم الهاشمي بصفته وزيراً للدفاع وكالة بتاريخ 26 آذار 1941 على نقل العقيد [ كامل شبيب] إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، ليحل مكانه صديق الوصي الذي أواه في الديوانية اللواء الركن [إبراهيم الراوي ] . كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد [صلاح الدين الصباغ ] من بغداد إلى جلولاء. (30)

كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه، واتخاذ التدابير السريعة والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية.

ففي مساء يوم 1 نيسان 1941، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد، وتم إبلاغها بما ينوون القيام به حتى إذا انتصف الليل، نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد، كدوائر البرق والبريد والهاتف والجسور ومداخل الطرق الرئيسية، وجميع المرافق العامة في بغداد، وتوجه العقيد [ فهمي سعيد ] وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [محمد أمين زكي ] إلى دار رئيس الوزراء السيد [ طه الهاشمي ] وأجبروه على الاستقالة.

واضطر الهاشمي إلى تحرير كتاب استقالة حكومته إلى الوصي وسلمها لهما حرصاً على عدم إراقة الدماء. (31)

أما الوصي فقد أيقضه الخدم من النوم، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر، وأن الجيش متواجد في المنطقة، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش، ولجأ إلى السفارة الأمريكية بعد أن تعذر عليه الوصول إلى السفارة البريطانية، وقامت السفارة الأمريكية بنقله إلى قاعدة الحبانية، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية إلى البصرة حيث نقل إلى البارجة الحربية البريطانية [ كوك شبير] الراسية قرب البصرة، وكان برفقته كل من [ علي جودت الأيوبي ] ومرافقه العسكري [عبيد عبد الله المضايفي ] ثم لحق بهم [ جميل المدفعي ]. (32)

وحاولت السفارة البريطانية الاتصال بأعضاء وزارة طه الهاشمي ،في محاولة لنقلهم إلى البصرة للالتحاق بالوصي، لكن العقداء الأربعة حالوا دون خروجهم . كما نصبت القوات البريطانية للوصي إذاعة لاسلكية حيث قام بتوجيه خطاب إلى الشعب في الرابع من نيسان .

وقامت الإذاعة البريطانية في لندن بإعادة إذاعة الخطاب مرة أخرى، وقد هاجم الوصي في خطابه الكيلاني والعقداء الأربعة، واتهمهم بالاعتداء على الدستور، والخروج على النظام العام واغتصاب السلطة.

كما أخذ الوصي يحرض قائد الفرقة الرابعة في الديوانية [إبراهيم الراوي] وقائد حامية البصرة العقيد[رشيد جودت] وعدد من شيوخ العشائر الموالين للبلاط والإنكليز للتمرد على الكيلاني وقادة الجيش، والزحف على بغداد، لكن الراوي وجودت رفضا السير مع الوصي بهذا الطريق الذي لو تم لوقعت حرب أهلية لا أحد يعرف مداها.

بادر العقداء الأربعة بعد هروب الوصي إلى تشكيل مجلس الدفاع الوطني، وتم اختيار[ رشيد عالي الكيلاني] رئيساً للمجلس ليقوم مقام مجلس الوزراء.

وفي أول اجتماع لمجلس الدفاع الوطني قرر المجلس إرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تحذرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية، وتقديم الدعم والمساندة للوصي عبد الإله.

كما قرر المجلس إرسال قوات عسكرية إلى البصرة لمنع أي تحرك ضد مجلس الدفاع الوطني، وتم اعتقال متصرف البصرة [ صالح جبر ] الذي قطع صلاته ببغداد تضامناً مع الوصي، وتم تسفيره إلى بغداد. (33)

ثامناً:عزل عبد الإله وتعين شريف شرف وصياً على العرش

رداً على تحركات الوصي الرامية إلى إسقاط حكومة الدفاع الوطني وهروبه من العاصمة، وتعاونه مع المحتلين البريطانيين في هذا السبيل فقد وجهت حكومة الدفاع الوطني إنذاراً له بالعودة إلى بغداد فوراً وإلا فإنها ستضطر إلى عزله من الوصاية وتعين وصي جديد على العرش بدلا منه.

ولما لم يستجب عبد الإله للإنذار قررت حكومة الدفاع الوطني عزله من الوصاية، وتعيين [ الشريف شرف ] وصياً على العرش بدلاً عنه، وقد صادق البرلمان على هذا الإجراء في جلسته المنعقدة في 16 نيسان 1941. (34)

وبعد أن تم تعيين [الشريف شرف] وصياً على العرش، قدم مجلس الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني استقالته إلى الوصي الجديد في 12 نيسان 1941 لغرض تشكيل حكومة مدنية جديدة، وقد كلف الوصي السيد الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة في اليوم نفسه، وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي :

1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .

2ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية .

3 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للدفاع.

4 ـ موسى الشابندر ـ وزيراً للخارجية .

5 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

6 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للعدلية .

7ـ يونس السبعاوي ـ وزيراً للاقتصاد .

8 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

9 ـ محمد حسن سلمان ـ وزيراً للمعارف .

وفور تشكيل الوزارة أعلن الكيلاني عن عزم الحكومة على عدم توريط العراق في الحرب مع الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، والتمسك بالتعهدات الدولية.

وقد لاقت حكومة الكيلاني تأييداً كاسحاً من أبناء الشعب الحانقين على الاستعمار البريطاني وعملائه.

تاسعاً: بريطانيا تسقط حكومة الكيلاني،وتعيد عبد الإله:

تسارعت التطورات في البلاد بعد أحكام سيطرة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم، ولاسيما وأن الحركة قد لاقت تأييداً واسعاً من أبناء الشعب عامة الذين كانوا يحدوهم الأمل في التخلص من الاستعمار البريطاني الذي أذاقهم الأمرّين، وهكذا أصبحت الأمور صعبة للغاية بالنسبة لبريطانيا وتنذر بمخاطر كبيرة .

وبناء على ذلك طّير السفير البريطاني [كورنوليس] برقية إلى [المستر تشرشل] رئيس الوزراء جاء فيها :

{ إما أن ترسلوا جيشاً كافيا إلى العراق أو انتظروا لتروا البلاد في أيدي الألمان}.

فلما اطلع تشرشل على البرقية أسرع بالإبراق إلى وزير الهند لإرسال قوات عسكرية، وإنزالها في البصرة على عجل. (36)

كانت الحكومة البريطانية قد أبلغت العراق قبل وقوع الانقلاب أنها عازمة على إنزال قوات في البصرة لنقلها عبر العراق إلى حيفا في فلسطين حيث تقتضي ضرورات الحرب.

وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية يحق لبريطانيا ذلك، بعد إبلاغ ملك العراق بذلك، ولذلك فقد اتصل القنصل العام البريطاني في البصرة بوكيل المتصرف يوم 10 نيسان، وأبلغه أن فرقة من الجيش الهندي على ظهر ثلاث بواخر حربية، وبحراسة طرادين حربيين، وثلاث طائرات سوف تدخل المياه الإقليمية العراقية خلال 48 ساعة، وطلب منه إبلاغ حكومته بذلك للموافقة على نزول تلك القوات في البصرة.

كما قام مستشار وزارة الداخلية المستر [ ادمونس ] في بغداد بزيارة رئيس الوزراء الكيلاني وابلغه بنفس الأمر. (37)

وعلى الفور أجتمع مجلس الوزراء، وبحث الأمر، وبعد مناقشة مستفيضة اتخذ قرارا بالسماح للقوات البريطانية بالنزول، وفق الشروط التي اتفق عليها في 21 حزيران 1940، والتي نصت على نزول القوات لواء بعد لواء،على أن يبقى اللواء مدة معقولة وهو في طريقه إلى فلسطين، ثم يليه نزول اللواء التالي، بعد أن يكون اللواء السابق قد غادر الأراضي العراقية، وعلى الحكومة البريطانية أن تشعر الحكومة العراقية بعدد القوات المراد إنزالها.

كما قررت الحكومة العراقي إيفاد اللواء الركن [ إبراهيم الراوي] إلى البصرة لاستقبال القوات البريطانية كبادرة حسن نية من الحكومة.

لكن بريطانيا كانت قد قررت غزو العراق،وإسقاط حكومة الكيلاني بالقوة وإعادة عبد الإله وصياً على عرش العراق.

وكانت تعليمات القيادة البريطانية تقضي باحتلال [منطقة الشعيبة ] في البصرة واتخاذها رأس جسر لإنزال قواتها هناك، والانطلاق بعد ذلك إلى بغداد، ففي يومي 17 و 18 نيسان 1941 نزلت القوات البريطانية في البصرة، وعلى الفور أبرق رئيس الوزراء البريطاني تشرشل إلى الجنرال [ ايمسي ] في رئاسة الأركان البريطانية يأمره بالإسراع بإنزال 3 ألوية عسكرية في البصرة. وقد بدا واضحاً من تصرف تلك القوات أنها لن تغادر العراق، كما هو متفق عليه، بل لتبقى هناك حيث قامت بحفر الخنادق وإقامة الاستحكامات، وترتيب بقائها لمدة طويلة .

وفي 28 نيسان 1941 أبلغ مستشار السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية العراقية بنية بريطانيا إنزال قوة أخرى قوامها 3500 جندي وضابط في 29 نيسان، وقبل رحيل القوات التي نزلت في البصرة قبلها. عند ذلك أدركت حكومة الكيلاني أن بريطانيا تضمر للعراق شراً، وأنها لا تنوي إخراج قواتها كما جرى عليه الاتفاق من قبل، بل لتستخدمها لاحتلال العراق من جديد، وعليه اتخذت قرارها بعدم السماح لنزول قوات بريطانية جديدة في البصرة قبل مغادرة القوات التي وصلت إليها من قبل.

كما طلبت الحكومة العراقية من السفير البريطاني تقديم أوراق اعتماد حكومته كدليل على اعتراف بريطانيا بالوضع الجديد في العراق. وفي الوقت نفسه قررت الحكومة العراقية القيام بإجراءات عسكرية احترازية لحماية العراق، وأصدرت بياناً إلى الشعب بهذا الخصوص، وقد أشار البيان إلى إخلال بريطانيا بنصوص معاهدة التحالف، وأن الحكومة قد قدمت احتجاجاً رسميا إلى الحكومة البريطانية. كما أشار البيان إلى عزم الحكومة على التمسك بحقوق العراق وسيادته واستقلاله.

لكن الحكومة البريطانية تجاهلت مواقف الحكومة العراقية واحتجاجاتها وأنزلت قوات جديدة في البصر في 30 نيسان، وحاولت تلك القوات قطع الطريق على القوات العراقية المتواجدة هناك، لكن القوات العراقية استطاعت الانسحاب إلى المسيب، مقرها الدائم .

وهكذا أيقنت حكومة الكيلاني أن الصِدام بين الجيشين العراقي والبريطاني قد أصبح أمرا حتمياً، وقررت اتخاذ عدد من الإجراءات العسكرية لحماية بغداد. (38)

فقد أرسلت عدداً من قطعاتها العسكرية إلى المنطقة القريبة من [الحبانية] حيث توجد قاعدة جوية بريطانية كبيرة.

لكن ثلاث أسراب من الطائرات البريطانية قامت على الفور بقصف تلك القوات المتمركزة في [ سن الذبان ] بجوار بحيرة الحبانية وذلك صباح يوم الجمعة المصادف 2 أيار 1941، وبذلك اشتعلت الحرب بين العراق وبريطانيا، وقام على الأثر السفير البريطاني بإصدار بيان موجه إلى الشعب العراقي كان قد أعده سلفاً، وهاجم فيه بشدة حكومة الكيلاني، واتهمها بشتى التهم، وبذلك كشف البيان عن جوهر السياسة البريطانية وأهدافها الاستعمارية العدوانية تجاه العراق.

وفي اليوم نفسه قدم السفير البريطاني إنذاراً للحكومة العراقية بسحب قواتها من أطراف الحبانية، وهدد باتخاذ أشد الإجراءات العسكرية ضدها. (39)

وعلى اثر تلك التطورات والأحداث المتسارعة أجتمع مجلس الوزراء واتخذ قرارات هامة للدفاع عن العراق كان منها:

1ـ إعادة العلاقات مع ألمانيا، والطلب بإرسال ممثلها السياسي على الفور، وطلب المساعدة منها.

2 ـ إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي فوراً.

3ـ نشر بيان صادر من رئيس الوزراء حول العدوان البريطاني على القوات العراقي.

4 ـ إرسال مذكرة احتجاج إلى الحكومة البريطانية على تصرفاتها تجاه العراق. (40)

وعلى الأثر قام الوزير العراقي المفوض في تركيا بمقابلة السفير الألماني [فون بابن ] وطلب منه تقديم كل مساعدة ممكنة للصمود بوجه القوات البريطانية، وقد أبلغه السفير الألماني أن تقديم المساعدة يتطلب مدة من الزمن، وسأله كم من الزمن تستطيع القوات العراقية الصمود أمام القوات البريطانية، وأخيراً تم الاتفاق على إرسال عدد من الأسراب من الطائرات الحربية الألمانية للدفاع عن مدن العراق التي أخذت تتعرض لقصف الطائرات البريطانية، ريثما يتمكن الألمان من تقديم مساعدة فعالة للحكومة

العراقية.

وفي الوقت نفسه تلقى العراق كميات من الأسلحة عن طريق سوريا حيث كانت ألمانيا وإيطاليا قد استولت على تلك الأسلحة بعد انهيار فرنسا.

ورداً على سحب موجودات البنوك أعلن الكيلاني انسحاب العراق من منطقة الإسترليني، وحاول تغير العملة بالتعاون مع ألمانيا، لكن الزمن لم يمهله لتنفيذ ذلك، فقد تصاعدت الأزمة بعد أن فتحت القوات البريطانية النار على القوات العراقية المتواجدة في البصرة، واستطاع الفوج العراقي الموجود هناك الانسحاب من المنطقة في 2 أيار 1941.

أدى تصرف القوات البريطاني إلى هياج عام في صفوف الشعب العراقي، وتوالت فتاوى رجال الدين تدعو للجهاد ضد المحتلين البريطانيين، وكان على رأسهم المرجع الديني الأكبر لطائفة الشيعة [أبو الحسن الموسوي الأصفهاني ] والإمام [محمد حسين آل كاشف الغطاء] اللذان دعيا الشعب العراقي للجهاد ضد المحتلين البريطانيين، كما ناصرت الشعوب العربية شعب العراق في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني.

بعد أن عززت القوات البريطانية وجودها في البصرة، بدأت بالزحف بقواتها الآلية نحو [العشار] فجر يوم الأربعاء المصادف 7 أيار 1941 وتمكنت من احتلال جميع المرافق الحساسة، والجسور بعد معارك دامية مع الأهالي سقط خلالها عدد كبير من الشهداء والجرحى في معركة غير متكافئة مع جيش كبير ومنظم، وعلى أثر ذلك أمرت الحكومة موظفيها في البصرة بالانسحاب والعودة إلى بغداد.

كما قررت في 9 أيار إنهاء خدمات الضباط البريطانيين في الجيش العراقي، وفي 11 منه قررت الاستغناء عن خدمات جميع الموظفين والمستخدمين البريطانيين، كما قررت في 13 أيار تخويل رئيس الوزراء صلاحية عقد اتفاقات لشراء الأسلحة من الدول الأجنبية.

استمرت المعارك مع القوات البريطانية حول [الحبانية]، لكنها لم تكن متكافئة على الإطلاق، ففي الوقت الذي كان الجيش العراقي يمتلك الإرادة الشجاعة للدفاع عن الوطن، كان يعوزه السلاح والعتاد، في حين كانت القوات البريطانية تمتلك كل أنواع الأسلحة والطائرات، والخبرة القتالية، فقد أخذت الطائرات البريطانية تقصف القطعات العسكرية العراقية حول [سن الذبان ] منذ صباح يوم 2 أيار، كما أرسلت القيادة البريطانية في فلسطين قوة عسكرية أخرى تتألف من لواء خيالة وعدة كتائب مختلفة مجهزة بالآليات والمدفعية مع قوة أخرى من رجال الفرقة العربية التي كان يقودها القائد البريطاني [كلوب باشا] في شرق الأردن.

وفي 19 أيار بدأ الجيش البريطاني هجوماً واسعاً تحت غطاء جوي كثيف من الطائرات الحربية ضد الجيش العراقي، وخاض الطرفان معركة غير متكافئة استطاعت خلالها القوات البريطانية دحر القوات العراقية، وأسرت 320 جندياً و23 ضابطاً، وانسحبت بقية القوات باتجاه بغداد، وبذلك استطاعت القوات البريطانية احتلال [المفلوجة ]الواقعة على مقربة من بغداد في 20 أيار 1941.

وفي اليوم التالي شنت القوات العراقية هجوماً معاكساً في محاولة لاستعادة الفلوجة، وكانت تلك القوات تتألف من فوجين ومعززة بثمانية دبابات، لكنها فشلت في هجومها بعد أن استشهد 273 جنديا و11 ضابطاً، وتدمير7 دبابات .

بعد اندحار القوات العراقية في معركة الفلوجة بدأت الحكومة تنظيم دفاعاتها حول بغداد، حيث أصبحت القوات البريطانية على بعد 60 كيلومتر من العاصمة، لكن القوات البريطانية عاجلتها بهجوم كبير على ثلاثة محاور من منطلقةً من الفلوجة يوم 27 أيار، ومهدت القوات البريطانية هجومها بقصف مركز بالطائرات على مدينة بغداد لأحداث أكبر تأثير نفسي على قوات الجيش العراقي والحكومة وأبناء الشعب، وبدا في تلك الساعات أن الأمر قد أفلت من أيدي الكيلاني والعقداء الأربعة حيث أصبح احتلال بغداد مسألة وقت لا غير، ولذلك فقد قرر الكيلاني والعقداء الأربعة الهروب ومغادرة بغداد، والنجاة بأرواحهم تاركين البلاد والشعب تحت رحمة المحتلين، حيث رحل العقداء الأربعة إلى إيران مساء يوم 29 أيار 1941، ثم تبعهم رشيد عالي الكيلاني وأمين الحسيني، وشريف شرف، ومحمد أمين زكي، ويونس السبعاوي.

وبدأت لجنة شكلت في بغداد برئاسة [أرشد العمري] مفاوضات مع السفارة البريطانية في بغداد على شروط وقف إطلاق النار، وإعلان الهدنة تمهيداً لدخول القوات البريطانية إلى بغداد، وعودة الأمير عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد.

وفي 30 أيار توقف القتال بصورة نهائية، وعاد الوصي إلى بغداد في 1 حزيران 1941 تحت حراب المحتلين البريطانيين، وكان برفقته كل من نوري السعيد، وعلي جودت الأيوبي، وداؤد الحيدري، وهكذا تخلص البريطانيون وعبد الإله من العقداء الأربعة والكيلاني، الذين لعبوا دور كبيراً في الحياة السياسية في البلاد، وتم إحكام الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد.

لم يهدأ لبريطانيا والوصي عبد الإله بال إلا بعد أن تم اعتقال العقداء الأربعة فقد بدأت المخابرات البريطانية تتابعهم حتى تسنى لها القبض عليهم واعتقالهم في إيران، كما تم اعتقال يونس السبعاوي، وصديق شنشل، مدير الدعاية العام الذي عينه الانقلابيون، وتم إحالة العقداء الأربعة إلى المجلس العرفي العسكري، الذي سبق أن حكم عليهم بالإعدام . كما حكم المجلس العرفي العسكري على يونس السبعاوي بالإعدام أيضاً، وعلى صديق شنشل بالسجن لمدة 5 سنوات.

و جرى إعدام العقداء الأربعة في 6 كانون 1942 ،وبذلك تخلص الوصي من نفوذهما إلى الأبد .

أما رشيد عالي الكيلاني، فقد تمكن من الوصول إلى تركيا، واستطاع السفير الألماني [فون بابن] أن ينقله مع أمين الحسيني إلى ألمانيا، حيث مكث فيها إلى أن أوشكت الحرب على نهايتها، وبات اندحار ألمانيا أمر حتمي، حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية.

تم إدارة البلاد إدارة عسكرية صرفه، وتم تشكيل المحكمة العرفية العسكرية برئاسة العقيد [ مصطفى راغب ]، وقامت الحكومة بحملة اعتقالات واسعة جداً شملت كل من كانت له علاقة بالنظام السابق، أو أيّد حكومة الكيلاني، وقد بلغ عدد المعتقلين أكثر من 20 ألفاً، بحيث عجزت السجون، ومراكز الشرطة عن استيعابهم، وبدأت المحكمة العرفية تصدر الأحكام الجائرة، وترسل بآلاف المواطنين إلى غياهب السجون، واستمرت الأحكام العرفية سارية المفعول حتى شهر آذار من عام 1946 .

كما قامت الحكومة بإلغاء امتيازات الصحف التي كانت تصدر على عهد حكومة الكيلاني، ومنحت امتيازات جديدة لصحفيين طارئين كانت مهمتهم التشنيع بحكومة الكيلاني والعقداء الأربعة، ومداهنة الإنكليز، وفرضت الرقابة الصارمة على المطبوعات، ومنعت أي إشارة أو دعاية ضد البريطانيين، ومنعت التجمع لأكثر من أربعة أشخاص، ولجأت الحكومة إلى إصدار المراسيم بدلا من الرجوع إلى مجلس الأمة الذي حاول الكيلاني حله ورفض الوصي ذلك فقد أصدرت الحكومة منذ 2 حزيران وحتى 7 تشرين الأول 1941 أحد عشر مرسوماً، كان من بينهم مرسوم تعديل مرسوم الإدارة العرفية الذي سمح بموجبه بمحاكمة القائمين بحركة الكيلاني، ومرسوم يقضي بفصل المشتركين والمساندين لحركة الكيلاني من مناصبهم، ومرسوم ثالث يقضي بإعادة الضباط الكبار الذين سبق لحكومة الكيلاني إحالتهم على التقاعد، إلى الخدمة وغيرها من المراسيم الأخرى.

كما قامت الحكومة بإحالة عدد كبير من ضباط الجيش الذين كان لهم دور في دعم وإسناد حكومة الكيلاني، أو المشكوك في ولائهم للإنكليز والوصي على التقاعد. وفي المقابل قررت الحكومة إعادة الضباط والمستشارين الإنكليز الذين طردتهم حكومة الكيلاني إلى مراكزهم السابقة، كما أعادت الموظفين والمستخدمين الإنكليز إلى أعمالهم السابقة أيضاً .

أما المحتلين فقد حولوا مدينة بغداد إلى معسكر كبير لقواتهم، فقد تم نقل ما يزيد على 100 ألف جندي إليها، وسمحت الحكومة ببقاء تلك القوات حتى نهاية الحرب، كما سمحت الحكومة للمحتلين أن يشاركوا في إدارة ميناء البصرة، وبذلك أصبح المحتلون هم الحكام الحقيقيون في لبلاد، وصارت الحكومة ألعوبة في أيديهم تنفذ لهم كل ما يطلبون. وفي ظل تلك الظروف القاسية تدهورت الأحوال المعيشية لأبناء الشعب حيث ارتفعت الأسعار، وفقدت السلع والحاجيات الضرورية، والمواد الغذائية، وبات تدبير أمور المعيشة لسائر الطبقات الفقيرة والمتوسطة أمر صعب للغاية.

ومع كل تلك الخدمات التي قدمتها حكومة المدفعي للمحتلين، إلا أن السفارة البريطانية لم تكن راضية عن إجراءاتها بحق الذين ساندوا حكومة الكيلاني ودعموه، ورأت أن المدفعي لا يمارس القمع المطلوب ضد المعارضين للاحتلال البريطاني الجديد للبلاد، وتدل البرقية التي طيرتها السفارة إلى وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 8 آذار 1941 على الموقف الحقيقي للسفارة من حكومة المدفعي، ورغبتها في إبداله والمجيء بنوري السعيد، رجل بريطانيا المعتمد عليه كل الاعتماد، فقد جاء في تلك البرقية ما يلي:

{لقد تصرفت حكومة المدفعي الخامسة وكأن أحداث أيار شبيهة بأي انقلاب حكومي آخر، حيث تذهب حكومة وتأتي حكومة أخرى، وهو أمر أصبح مألوفاً بعد وفاة الملك فيصل الأول، وينظر المدفعي إلى أحداث أيار 1941 وكأنها فصل آخر من مسرحية مؤسفة، فيدعو إلى إسدال الستار عليها بوحي من الشهامة والكرامة، حتى أصبح الموظفون يتقاعسون عن أداء واجباتهم حين يرون الوزراء يتوسطون لأشد المعادين لبريطانيا، وعلاوة على ذلك فقد حدّ المدفعي من تدخل السفارة العلني في أمور العراق الداخلية، واستمر في غض النظر عن توصياتها الملحة في ضرورة تشديد القبضة على جميع العناصر المناوئة للإنكليز، وتطهير الجيش منهم، مما حمل السفارة على العمل على إسقاط الحكومة من الداخل، عن طريق إحداث خلاف بين أعضائها، وإثارة المشاكل أمامها، مما يودي إلى إضعافها، وبالتالي إسقاطها}. (41)

بهذا الأسلوب سعت السفارة البريطانية إلى إسقاط حكومة المدفعي باختلاق الخلافات بين أعضائها، وخاصة الوزير[إبراهيم كمال] الذي اتهم المدفعي بالتهاون إزاء الانقلابيين، ودخل في مهاترات معه، مما دفع المدفعي إلى التوجه إلى الوصي باستقالة حكومته في 21 أيلول 1941، وتم قبول الاستقالة، وطلبت السفارة البريطانية من الوصي تكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة الجديدة، فقد حان الوقت ليعود نوري السعيد إلى المسرح السياسي من جديد، ويؤدي الدور الموكول له في قمع الحركة الوطنية، والتنكيل بكل خصوم الإنكليز الذين وقفوا إلى جانب الكيلاني وساندوه، وتصفية كل العناصر الوطنية المناهضة للاحتلال في صفوف الجيش.حامد الحمداني – مفكر حر

التوثيق

(1) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 315 ـ 316

(2) الأسرار الخفية في حركة مايس 1941 ـ ص58 ـ عبد الرزاق الحسني

(3)نفس المصدر ـ ص 143

(4) المصدر السابق ـ ص108

(5) فرسان العروبة ـ ص 14 ـ صلاح الدين الصباغ .

(6) تاريخ الوزارات العراقيةـ الجزء الخامس ـ ص 109 ـ عبد الرزاق الحسني .

(7) نوري السعيد ودورة في السياسة العراقية ـ ص89 ـ سعاد رؤوف

(8) مذكرات طه الهاشمي ـ الجزء الأول ـ ص330 ـ 331

(9) نفس المصدر ـ ص240

(10) مذكرات ناجي شوكت ـ سيرة وذكريات ثمانين عاماً ـ ص 403

(11) مذكرات طه الهاشمي ت ص343 .

(12) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص158 ـ عبد الرزاق الحسني .

(13) المصدر السابق ـ ح5 ـ ص 159

(14) مذكرات ناجي شوكت ـ ص 290 .

(15) محاكماتنا الوجاهية ـ ص 124 الوزير علي محمود الشيخ علي .

(16) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 170 ـ الحسني .

(17) نفس المصدر ـ ص171

(18) المصدر السابق ـ ص 176 ـ الحسني .

(19) خطاب الوصي في 14 تموز 1941 ـ ص 6 .

(20) مذكرات ناجي شوكت ـ سيرة وذكريات 80 عاماً ـ ص426 .

(21) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 185ـ الحسني

(22)الأسرار الخفية في حركة 2 مايس 1941 ـ ص82 ـ الحسني

(23) مذكرات صلاح الدين الصباغ ـ ص 177 .

(24) خطاب الوصي ـ ص 12 في 14تموز 1941 .

(25) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 189 ـ الحسني .

(26) مذكرات ناجي شوكت ـ ص 429 .

(27) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 332 .

(28) مذكرات طه الهاشمي ـ الجزء الأول ـ ص 389 .

(29) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 197 ـ الحسني .

(30) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 337 ـ 338 .

(31) نفس المصدر ـ ص418 .

(32) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 213 ـ الحسني .

(33) فرسان العروبة ـ ص225 ـ 226 ـ صلاح الدين الصباغ .

(34) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 236 .

(35 ) نفس المصدر .

(36) الحرب العالمية الثانية ـ ص 226 ـ ونستن تشرشل .

(37) البيان الرسمي العراقي ـ صحيفة الزمان ـ العدد 1094 ـ 23 نيسان 1941 .

(38) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص254 . الحسني .

(39 ) الكتاب الأبيض ـ البريطاني ـ ص27 .

(40) نفس المصدر ـ ص 28 ـ 29 .

(41) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 389 .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

قراءة في مقال -الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل- لجمال البنا.

يستهل الكاتب مقاله بالقول: “عندما نقول الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي فنحن لا نعني حزبًا بعينه، ولكن نتمثل حزبًا يضم المكونات الرئيسية لشعب مصر، بحيث يكون هو الحل، كما يمكن القول إن هذا التركيب سيحل قضية “المواطن ” الشائكة والحساسة والملتبسة.”

وبما أن الكاتب يقول: ” فنحن لا نعني حزبًا بعينه” فمن المنتظر أن نتوقع منه تقديم وصفة لمعايير حياة حزبية مفتوحة تحظى بإجماع واسع مثلما هو الحال في المجتمعات المتمدنة كما سنرى. بينما حصر المكونات الرئيسية لشعب مصر في الديمقراطية والاشتراكية والإسلام، ضمن خلطة لا مثيل لها في الحياة الحزبية العصرية اليوم هي بمثابة صب الزيت على النار. قد نتذكر هنا أحزاب الديمقراطية المسيحية في أوربا حين روج بعضها لاشتراكية مسيحية في القرن التاسع عشر، ولكن تطور الأحداث تجاوزها وأبرز مدى تهافتها خاصة وأن ارتباطها بالمسيحية ترافق مع العداء للعلمانية والماركسية وحتى اللبرالية وهو ما جعلها لا تصمد أمام إلحاح مطالب الحداثة. لهذا فإن تأسيس حزب ديمقراطي اشتراكي إسلامي يأتي كمحاولة لبعث الحياة في شعار “الإسلام هو الحل” الذي يعرف انحسارا في الثقة خاصة عند الجماهير التي ابتليت به في إيران والسودان والجزائر وغزة فلم تجن إلا الخيبات المصحوبة بالإرهاب؟

كذلك فإن ربط هذا الحزب بادعاء “حل قضية “المواطنة” الشائكة والحساسة والملتبسة”، ربط غريب في مجتمع كمصر حيث توجد أقلية مسيحية هامة تقدر بالملايين من المواطنين لا بد أنهم سينظرون إلى هكذا حزب نظرة مريبة. وهو ما سوف يزيد من زرع الأشواك في طريق المواطنة كما يزيدها حساسية والتباسا.

ويواصل الكاتب هذا التعتيم فيقول: “ولابد أن نعلم أن “الحكم السليم” لا يمكن أن يكون محددًا معلوم الأبعاد كما لو كان ثوبًا يمكن أن تلبسه أي دولة فينطبق عليها، لأنه يتوقف على عدد من العوامل يختلف بعضها عن بعض في الدول”.

ألا يعني تشكيكا غير معقول في إمكانية وجود إجماع وطني على مجموعة من القيم أو المبادئ أو الآليات يلتزم بها الجميع من أجل ضمان التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع الواحد من طبقات وأديان وطوائف وأعراق؟ وهو حكم غير صحيح مادام قد تحقق في مجتمعات كثيرة.

طبعا خلطة الكاتب هذه بين الديمقراطية والاشتراكية والإسلام هي خلطة عويصة، فعلا قد يتمكن حاكم مستبد من فرضها لمدة معينة، وقد حدث فعلا مع أنظمة حكوماتنا القومية التي رفعت شعارات الديمقراطية والاشتراكية والإسلام كبديل لما اعتبرته ديمقراطية برجوازية في العهود الملكية أو حتى الاستعمارية وكانت النتيجة أسوأ مما كان الحال قبل هذه “الثورات التقدمية” وهي ماثلة أمامنا حتى أن صار البعض يترحم على عهود الملكية والدكتاتورية وصار من المشكوك فيه في أوساط الناس عندنا تحقيق إجماع حول الديمقراطية بالذات، فمابالك بالاشتراكية والإسلام بسبب عمق الخيبات المترسبة.

الواقع أن البلاد التي تعرف الآن استقرارا وتنمية مستدامة وتداولا سلميا عل السلطة هي تلك التي استقر فيها إجماع مقبول استطاع الصمود أمام كل التحديات والخضات ولمدد زمنية معتبرة. هذا الإجماع لا نجد فيه إشارة للدين ولا للاشتراكية ولا للرأسمالية في دساتيرها ومواثيقها. أهم عناصر هذا الإجماع تتمثل في الديمقراطية والعلمانية والحريات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والفكرية. أما الاشتراكية وبعد أن فشلت تجربتها التي أرادت فرضها بسلطة الدولة وهيمنة الحزب الواحد فهي اليوم تعرف تحولات عميقة في استراتيجيات أحزابها. الأحزاب الاشتراكية وخاصة الشيوعية في أوربا مثلا لم تعد تهدد هذا الإجماع بعد أن تخلصت من فكرة دكتاتورية البروليتاريا ومن تصور لنظام اقتصاد لا يقبل التعايش مع غيره وقبلت بآلية التداول على السلطة ومختلف الآليات الأخرى مثل اقتصاد السوق ومختلف الحريات.

فكيف يتعامل الكاتب مع هذه الحقائق والوقائق؟

يقدم الكاتب نموذجه للحكم السليم فيقول: “وبصفة عامة فيمكن القول إن الحكم السليم، هو الذي:

“(1) يحقق التجاوب مع خصوصيات الدولة فكل دولة لها خصوصيات تعود إلى تاريخها وموقعها وجغرافيتها.. الخ، لا يمكنها أن تنفك عنها ولابد لنظام الحكم أن يتجاوب معها بحيث يحول دون أن يطمس النظام هذه الخصوصية وفي الوقت نفسه لا يجوز لهذه الخصوصية أن تطمس بقية العوامل”. انتهى.

هذا القول لا تؤيده التجربة الحزبية الديمقراطية اللبرالية. الخصوصيات الوطنية هي التي تأقلمت مع مطالب الديمقراطية والعلمانية وليس العكس. الممارسة الديمقراطية هي هي في جميعها، في أهم خصائصها: الاحتكام الدوري للشعب، الأغلبية تحكم والأقلية تراقب وتتطلع للحكم، التداول سلمي، نزاهة الانتخابات وشفافيتها، حريات واسعة، علمانية محققة بما تعنيه من إبعاد الدين ورجاله عن لعب أي دور مهيمن ومباشر خارج مجالهم الديني.

ومع ذلك عمل السيد البنا على طمس بعض خصوصيات الدولة المصرية التي “تعود إلى تاريخها وموقعها وجغرافيتها.. الخ.” حسب تعبيره، عندما ركز على الإسلام فقط كخصوصية مصرية في قوله: “عندما أتمسك بصفة “الإسلامي” فهذا يعود إلى …(أن) منطقتنا منطقة إيمانية، كانت إيمانية من أيام قدماء المصريين وكان الدين محور حياتها”.

يقول هذا وكأن هذه الحقيقة اختص بها الشعب المصري وحده دون سائر شعوب المعمورة وبالتالي فطريقه نحو الخلاص لا بد أن يكون فريدا من نوعه ثابتا ثبات الجبال. ثم هو بهذا لا يرى الدين إلا في الإسلام، تأييدا لحكم القرآن “الدين عند الله الإسلام”.

وطبعا كل حزب يمارس هذا التمييز هو حزب عنصري في الصميم وخارج عن الإجماع المنشود لأنه سيقصي من صفوفه جانبا هاما من المواطنين عبر الحط من خصوصياتهم لصالح خصوصية مهيمنة لا يرونها تعبر عن هويتهم وطبعا أية دولة حديثة تحترم كرامة مواطنيها وتسهر على الوئام المدني بين ربوعها لا بد أن تمنع قيام هكذا حزب. وحتى له أضاف الكاتب أية خصوصية دينية أخرى فلن يزيد الوضع إلا تأزما لاستحالة التوفيق بين الأديان كسياسة دولة ولهذا كانت العلمانية ضرورة حضارية وعنصرا هاما من عناصر الإجماع المطلوب.

ولهذا فقوله بأن الحكم السليم لكي “يحقق المعاصرة فلابد .. أن يعيش في عصره خاصة وأن العالم الآن أصبح عالمًا واحدًا ولا يمكن لدولة أن تتحرر من الضرورات التي تفرض نفسها على الدول، وأي نظام حكم لا يلحظ ذلك فسيكون متخلفاً”. هو قول غريب، فكيف يتحدث عن المعاصرة بينما يعود بنا أربعة عشر قرنا إلى الوراء ليستمد من مرحلة تاريخية بائدة خصوصية دينية تجاوزتها الدولة المعاصرة. ثم ما الفائدة من القول بأن العالم أصبح واحدا إذا كان يدعونا إلى مزيد من الانغلاق ضمن خصوصية لم تعد تحظى بالإجماع حتى في وطن واحد يهيمن عليه مذهب واحد كما هو الحال في بلدان شمال أفريقيا (المذهب السني المالكي).

ثم يعود ليضع مزيدا من الأشواك في طريق الحكم السليم الذي عليه أن “يطبق قدر الطاقة القيم الموضوعية التي يقوم عليها الحكم الرشيد، مثل العدل والحرية والمساواة والمعرفة ويتوصل إلى إيمان الفرد بها وخير الطرق هو الدين بالدرجة الأولى لأن إيمانه أعمق الإيمانات”.

فنحن نعرف من خلال نصوص الإسلام وتطبيقاته أنه يخلو مما يمكن الاعتداد به في مجال العدل والحرية والمساواة كما نفهمها اليوم حيث لم يعد مقبولا التمييز بين المسلم وغير المسلم وبين المرأة والرجل وبين السني والشيعي والبهائي والإباضي والدرزي وغيرهم رغم أن هذا التمييز من صميم الدين الإسلامي …. أما في مجال المعرفة فرجال الدين غير مستعدين للتخلي عن احتكارهم للمعرفة باعتبار أديانهم المصدر الأوحد والأصح لها، واضطهاد العلماء ونفيهم وحرق كتبهم لم يسلم منه أي تاريخ ومازالت مؤسساتنا الدينية تمارس هذه الحرفة. والقرآن نفسه يزخر بكم هائل من الشواهد التي تقمع حرية الفكر والحق في الاختلاف وإبداء الشك كما يخلو من أي ضبط دقيق لمعرفة يمكن اعتبارها علمية دقيقة. هذا تسبب قديما في خلافات فلسفية وكلامية ومذهبية بعضها كان مثمرا لكنها جميعا كانت تعتمد في دحض مواقف خصومها على نصوص الكتاب والسنة وسيرة السلف (الصالح)، لكن أغلب الخلافات كانت تنتهي بتصفية الخصوم.

ثم يقول الكاتب كلاما جميلا لا اعتراض عليه مثل: “وإذا قلنا إن هذا الحزب “ديمقراطي” وبدأنا بهذه الصفة فهذا لأننا نأخذ من الديمقراطية ما نراه أفضل وأهم خصائصها ألا وهو الحرية في الفكر والتعبير والمساهمة الفعلية للجماهير في إقامة وتسيير الدولة. فضلاً عن أنها تحقق المعاصرة، فالعالم كله يأخذ بالديمقراطية”.

ومثل “ونحن نؤمن بالحرية إيماناً تامًا لا يخالجه أقل شك ونرى أنها باب التقدم ومناخه، وأنها للمجتمع مثل الهواء للإنسان، فإذا امتنع الهواء مات الإنسان وإذا امتنعت الحرية اختنق النظام، ونحن نرفض كل التعلات والأسباب التي يقدمها أعداء الحرية، لأن الحرية تصلح نفسها بنفسها، كما أن المشاركة الجماهيرية هي الميزة العملية التي حققتها الديمقراطية بكفاحها الطويل ضد الملوك الذين كانوا يحكمون بحق إلهي”.انتهى

رغم ذلك فيمكن تصنيف دعوته إلى إقامة حزب إسلامي ولو طعّمه بالديمقراطية والاشتراكية، ضمن مبدأ الحق الإلهي الذي يرفضه. ونقطة الضعف في هذا المطلب هو أن رجال الدين عملوا دائما على تطويع الأديان لتبرير الاستبداد، لأن الأديان تقبل هذا التطويع بسبب قابلية نصوصها للتأويل الواسع ومطاطيتها من جهة وكون الكتب السماوية، بما فيها القرآن، لم تول المسألة السياسية أهمية تذكر رغم خطورتها في حياة المجتمعات. فمن بين 6236 آية قرآنية لا نجد إلا آيتين أو بالأحرى مقطعين في آيتين، يمكن الاعتداد بهما في مجال إدارة السلطة وظلتا نسيا منسيا حتى العصر الحديث عندما نفض الإسلاميون عنهما الغبار لاستثمارهما في حربهم على نظام الحكم الحديث: “وأمرهم شورى بينهم”، “وشاورهم في الأمر”. أما الحديث عن معنى الشورى وكيفية ممارستها وما هي آليات هذه الممارسة، فهو حديث خرافة في تاريخنا خاصة عندما نتذكر أن فقهاء الإسلام لم يكونوا يرون في هذه الشورى رغم ضبابيتها لازمة من لوازم الحكم إلا في شكل جماعة الحل والعقد الذين يختص الحاكم بتعيينهم دون أن يكون ملزما بمشورتهم ولا بالأخذ برأيهم على رأي عمر في النساء “شاوروهن وخالفوهن”.

النتيجة أن هذا الإسلام الذي يدعونا إلى حشره في الحياة الحزبية لبلداننا ا ليس هو إسلام الكتاب والسنة ولا هو إسلام الحركة الإسلامية الراهنة ولا هو الإسلام المعتدل الذي يدعو إليه البعض.

السيد جمال البنا يدعو كذلك إلى ديمقراطية أجاد وصفها، وهذا في حد ذاته نقلة هامة في الفكر الإسلامي عنده بعد عشرات السنين من العداء لها من طرف إخوانه المسلمين ابتداء من أخيه الأكبر حسن البنا إلى القرضاوي وتكفيرها ومعارضتها بالشورى أحيانا وبالحكم الإلهي في أغلب الأحيان (إن الحكم إلا لله) وليس للشعب. ومع ذلك لا يريد الكاتب أن يتخلص من التحفظات عليها التي تنسف كل دفاعه عنها. نقرأ له: “ولكن تحليلنا للديمقراطية المعاصرة أدى بنا للاعتقاد أن الديمقراطية المعاصرة ليست إلا الوجه السياسي للرأسمالية وأنها نقلت كل خصائص الرأسمالية الحسنة والسيئة. فهي تقوم على الفرد وتتمسك بحرية العمل، وهي محايدة بالنسبة للقيم وتتجاهل العدل، كما أننا نرى أن نقطة الضعف التي تؤتى منها الديمقراطية هي آلياتها مثل الأحزاب، والانتخابات القائمة على أساس دوائر جغرافية، والظن أن صندوق الأصوات هو الممثل لإرادة الشعب حيث أن التجربة العملية أثبتت وجود ثغرات جسيمة في هذه الآليات تنعكس على أدائها بحيث لا تحقق الغرض المطلوب، ولا يمكن الاقتصار عليها والتسليم بها”.

ويقول: “ومع أن إيماننا بالديمقراطية إنما جاء لأنها توفر الحرية، فإن استقراء التاريخ يوضح لنا أنها يمكن أن تعصف بالحرية، وأن الديمقراطية الأثينية قد حكمت عن طريق قضائها الشعبي على سقراط بالموت، وفي مواجهة هذه الظاهرة التي تتكرر، فإننا في ديمقراطيتنا نتمسك بحرية الفكر والتعبير، وأنه لا يجوز حتى للأغلبية المساس بها، لأن الحرية أصل رئيسي في الديمقراطية”.

لنفكك هذه التحفظات ومدى معقوليتها:

يتحفظ الكاتب على الديمقراطية عندما يقول: ” ولكن تحليلنا للديمقراطية المعاصرة أدى بنا للاعتقاد أن الديمقراطية المعاصرة ليست إلا الوجه السياسي للرأسمالية”. رأيي أن الكاتب يغفل حقيقتين: أولاهما أن مجتمعاتنا ما زالت لم تحقق النزر اليسير مما حققته البلدان التي سادت فيها الديمقراطية المعاصرة (الرأسمالية) في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية وخاصة العلمية، تمكنها من إطلاق طاقات الإبداع والاختراع والاكتشاف والفتوحات العلمية التي تدين كل البشرية لها. وحبذا لو شاركنا ولو بقدر ضئيل فيها ليكون من حقنا المشاركة في التفكير في بدائل أخرى لها. وبالتالي فنحن مطالبون بالتواضع الشديد والاعتراف بالجميل والنهل من هذه الخبرة العالمية المذهلة حتى نكون أهلا لنقدها والتحفظ على بعض جوانبها السلبية، وهي موجودة فعلا باعتراف أهلها. موقف الكاتب وغيره بمن فيهم بعض اليساريين في العداء للديمقراطية اللبرالية يخدم الاستبداد أكثر ويحرف نضالات الجماهير.

وثانيهما، أن الديمقراطية إنجاز برجوازي بامتياز، بعد أن تمكنت هذه الطبقة الخلاقة الحديثة النشأة من اختصار مراحل تاريخية وحققت في قرنين فتوحات مذهلة في جميع الميادين لم تتحقق في عشرات القرون من الحكم الديني والقبلي والعبودي والإقطاعي.

والتحفظ الثاني للكاتب نلمسه من قوله: “فهي (يقصد الديمقراطية بوصفها الوجه السياسي للرأسمالية) تقوم على الفرد وتتمسك بحرية العمل، وهي محايدة بالنسبة للقيم وتتجاهل العدل، كما أننا نرى أن نقطة الضعف التي تؤتى منها الديمقراطية هي آلياتها مثل الأحزاب، والانتخابات القائمة على أساس دوائر جغرافية، والظن أن صندوق الأصوات هو الممثل لإرادة الشعب حيث أن التجربة العملية أثبتت وجود ثغرات جسيمة في هذه الآليات تنعكس على أدائها بحيث لا تحقق الغرض المطلوب، ولا يمكن الاقتصار عليها والتسليم بها”.

ورأيي أن ما يراه الكاتب نقاط ضعف هي في الحقيقة نقاط قوة في هذه الديمقراطية (الرأسمالية)، بعد أن قهرت المؤسسات الاستبدادية والدينية القروسطية ذات المنحى الاستتباعي وألغت احتكار المؤسسات الدينية للمعرفة والسياسة وحررت قوى الإبداع الكامنة، فقبل ذلك لم يكن للفرد اعتبار إلا كتابع للقبيلة أو العشيرة أو الإقطاعية أو الملة أو الطائفة الدينية على رأي الشاعر العربي القديم (وما أنا إلا من غزية إن غزت … أغز وإن ترشد غزية أرشد). هذه الديمقراطية حققت المواطنة التي تقوم على الفردية، أي على قيام الفرد كذات مسئولة عن نفسها أمام الدولة وليس كتابع مغمور لمؤسسة تقليدية مهيمنة تمثله كقاصر أبدي. وكلنا نعرف أن الثورة الصناعية بدأها أفراد وجماعات مهمشة مغضوب عليها في مدن هامشية على أطراف الإقطاعات بمهن كانت محتقرة مثل الحدادة والنجارة والنساجة وغيرها ومنها حدثت النقلة النوعية.

ثم ما العيب في كون هذه الديمقراطية (الرأسمالية) محايدة بالنسبة للقيم؟ هل هي دعوة ضمنية للكاتب للاستمرار في وصاية الدولة على الأخلاق وعلى ممارسة الناس لحرياتهم عند تناقضها مع قيم فرضتها العادات والتقاليد والأديان وشرّعت لها عقوبات الرجم والجلد والنفي والحرمان من الغفران والخلود في نار جنهم؟

أما أن يقول الكاتب بأن هذه الديمقراطية (الرأسمالية) “تتجاهل العدل”، فهو قول يغفل أن كل المحاولات الدينية وغير الدينية لنشر العدل قد باءت بالفشل، وأفضل المجتمعات التي تتمتع حاليا بقدر محترم من العدل والكرامة الإنسانية هي بالذات المجتمعات التي تسود فيها هذه (الديمقراطية الرأسمالية). لماذا؟

الكاتب، مثلا، أشار، في مقال سابق، إلى عدالة عمر بن الخطاب كنموذج يدعونا الإسلاميون إلى احتذائه، ورغم تحفظي على هذه العدالة الوهمية في عصر كان يبيح الرق، ومجاراة مني لهذا الزعم، أتساءل: لماذا تعثرت هذه (العدالة العمرية)؟ لماذا أمكن للملك العضوض، كما يقول الكاتب، أن ينجح في أغلب فترات الحكم الإسلامي؟ أليس أهم سبب هو قيام السياسة في تلك المجتمعات على الحكم الاستبدادي المستند إلى العصبية القبلية والعرقية والدينية المنتفعة منه والمستندة على الغلبة والقهر وعلى المشاركة الحرة لمجتمعات تتشكل من أفراد أحرار وليس من شعوب وقبائل كما يقول القرآن؟

يتبع عبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

قراءة في مانيفستو المسلم المعاصر لجمال البنا (تابع)

يقول السيد جمال البنا: “إن الصورة النمطية لشخصية المسلم التي تتسم عادة بالسلبية والماضوية والتركيز على الطقوس والشعائر ليست هي صورة المسلم أيام الرسول، ويعود هذا الاختلاف إلى أن قصر مدة الرسالة النبوية والخلافة الراشدة (30 سنة)، لم تكن كافية لتعميق جذور الشخصية الإسلامية، ثم جاء الملك العضوض، وتدهور الخلافة وسد باب الاجتهاد لأكثر من ألف عام، وغلبة الجهالة والاستبداد.. الخ، وتمخض هذا كله عن الصورة المعروفة اليوم والتي تتقبلها وتبقي عليها المؤسسات الدينية والنظم الحاكمة لأسباب بالقصور، أو الإبقاء على المصالح المكتسبة”.

فما هي، سيدي، صورة المسلم أيام الرسول التي لم تكن تتسم بالسلبية والماضوية؟ بل هل وجدت فعلا في تاريخنا وفي تاريخ الشعوب القديمة صورة إيجابية يمكن الاعتداد بها اليوم ومفاضلتها مع منجزات الحداثة وحقوق الإنسان؟ في الواقع هناك صورتان لذلك المسلم أيام الرسول. صورة يروجها رجال الدين وتستبد بعقول الناس البسطاء عن فردوس مفقود كله محبة وإيثار وتعاون وعدل ومساواة ظلت القصص الخرافية عن ذلك العهد تنسجها وتجمّلها. وهناك صورة أخرى لذلك المسلم الإيجابي في نظر الكاتب الذي كان مستعدا لتلبية نداء الرسول فيمتشق سيفه ويمتطي صهوة فرسه ويسير نحو غاية رسمها له النبي هي غالبا من أجل القيام بغزوة دافعها الأول الاحتلال والاغتصاب والسبي قبل دافع محاربة الكفر وتوحيد الله.

وأنا كمسلم بالوراثة عايشت الشخصيتين: شخصية المجتمع الجزائري عندما كان الناس يمارسون دينا طقوسيا فيه الكثير من السذاجة الممزوجة بالطيبة والمكر والإيمان بإسلام كله إيجابيات ثم عايشت مجتمعا جزائريا تمت أسلمته من جديد فصار أكثر تطرفا وتشددا تجاه بعضه حتى تسببت في حرب أهلية دامية بين الإخوة والجيران وأبناء الوطن الواحد وسالت الدماء غزيرة.

أحب هنا أن أدعو القارئ إلى قراءة الفقرة السابقة للكاتب على ضوء قول القرضاوي التالي:

قال القرضاوي: ((والشهيد سيد قطب (رحمه الله) رغم شدته على التاريخ الإسلامي، بعد عصر الراشدين، وحملته القاسية على بني أمية في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” لم يسعه إلا أن يعترف بأن الإسلام ظل راسخ البناء، مرفوع اللواء، منفردا بالفتوى والقضاء والتشريع للأمة الإسلامية، في كل شئونها، اثنى عشر قرنا من الزمان)).

ثم أكد القرضاوي رأي سيد قطب قائلا: ((من الظلم البيّن لحقائق التاريخ أن نطلق الحكم على جميع خلفاء بني أمية، وبني العباس، وآل عثمان، وسلاطين المماليك في مصر والشام، وملوك المرابطين، والموحدين، وغيرهم في المغرب، وسلاطين المغول في الهند، وغيرهم: بأنهم كانوا ـ جميعا ـ ظلمة وفجرة، ومنحرفين عن عدل الإسلام، ونهج الإسلام. فالواقع أن هذا ليس من الإنصاف في شيء، فقد كان من هؤلاء كثيرون، اتصفوا بكثير من العدل والفضل وحسن السيرة، ولا سيما إذا قورنوا بغيرهم من حكام العالم في زمنهم)).

فما الموقف الإسلامي الصحيح؟ وهل طبق المسلمون طوال تاريخهم الطويل هذه الشريعة فلم تزدهم إلا انحرافا واستبدادا وتخلفا وانحطاطا أم لم يطبقوها حسب السيد البنا فسادهم “الملك العضوض، وتدهور الخلافة وسد باب الاجتهاد لأكثر من ألف عام، وغلبة الجهالة والاستبداد”؟

القرضاوي يستنجد بمفكر آخر، غير إسلامي، هو محمد عابد الجابري حين يقول: “أنا لست من رجال القانون، ولكن اهتمامي بالتراث يجعلني أشعر بالقلق والانزعاج، عندما أسمع من يقول: إن الإسلام أو الشريعة الإسلامية ـ بالتحديد ـ لم تطبق منذ عصر الخلفاء الراشدين، يقلقني هذا القول بأن شريعة “لم تطبق” طوال أربعة عشر قرنا الماضية، ويدفعني إلى التساؤل: وهل يمكن تطبيقها في المستقبل؟ وكيف؟ إن هذا القول يؤدي إلى عدمية مخيفة. فأين سنضع آلاف وعشرات الآلاف من الفقهاء، الذين عرفهم تاريخ الإسلام؟! أين سنضع كتب الفقه والاجتهادات والفتاوى؟! على كل حال فأنا مسلم، ويقلقني القول أن الإسلام أو الشريعة الإسلامية لم تطبق منذ عهد الراشدين، لأنني في هذه الحالة أجدني أتساءل عن حقيقة إسلام أجدادي وأسلافي: ألم يكونوا مسلمين؟! ألم يطبقوا الشريعة في عباداتهم وعقود زواجهم وكثير من معاملاتهم؟! أعتقد أنه يجب الحرص على النظر إلى التراث، إلى الشريعة، والفقه وغيرهما، نظرة تاريخية، وإلا سقطنا في العدمية، نحن نقول: الإسلام دين ودولة، نعم، وقد كان ذلك بالفعل، أما إذا قلنا: إن الشريعة لم تطبق منذ الرسول، أو منذ الخلفاء الراشدين، فمعنى ذلك أن الإسلام لم يكن دينا مطبقا، ولا كان دولة طوال أربعة عشر قرنا، وهذا غير صحيح تاريخيا، وغير مقبول منطقيا، إنه قول يجر إلى عدمية مخيفة، تتركنا بدون هوية، بدون تاريخ، وبالتالي بدون حاضر، وبدون مستقبل، فهل نقبل بهذا؟!”

http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=804&version=1&template_id=90&parent_id=1

السيد جمال البنا يقول: لا لم يعملوا بها إلا مدة قصيرة (عهد النبوة والخلافة (الراشدة)، بينما سيد قطب ويوسف القرضاوي والجابري يقولون: نعم عملوا بها، وأنا أؤيدهم فأقول، أيضا، نعم طبقوها فغزوا واحتلوا وتوسعوا وحكموا الأرض ومن عليها بالإسلام وشريعته وبنوا حضارة لها ما لها وعليها ما عليها ولكنها حضارة بشرية استندت إلى نصوص بشرية وعرفت انحرافات بشرية مهما ادعت لها من العصمة والقداسة. ثم دارت على بلاد الإسلام الدوائر وابتليت بالتفسخ الداخلي شأن غيرها ثم الغزو الخارجي والتردي في انحطاط طويل مازال رابضا على صدرونا حتى اليوم لسبب بسيط وهو أننا مازلنا نشرب نفس الدواء الذي تعاطاه أسلافنا طوال قرون بلا جدوى وحان الوقت لمصارحة بعضنا حول فشل هذا الدواء أي فشل الحلول التي ابتكرها الأسلاف استجابة لعصرهم وبناء على مستوى المعرفة عندهم وهي عاجزة عن هدايتنا اليوم.

الإسلام طبق وبلغ حدوده وأي زعم آخر لن يساهم إلا في نشر الأوهام بين الناس وتعطيل فهم الناس للحداثة ومنجزاتها والسير على هداها.

ثم يكتب السيد جمال البنا: “لما كان القرآن قد جعل مبرر سجود الملائكة لآدم هو تملكه لمفاتيح المعرفة التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات، والتي تنقذه من الخرافة، فيفترض أن تكون المعرفة هدفا رئيسيا للمسلمين وما يتبع هذا من استخدام العقـــــل، وما يثمره من علم وحكمة ويجب على كل نظام إسلامي أن يشيع الثقافة والمعرفة، ويفتح النوافذ عليها، ويهيئ كل السبل التي تيسر للجماهير معارف ومهارات العصر.”

هل بيئتنا الحاضرة جاهزة مثلا لتسمع رأيا آخر حول كون المعرفة التي بين أيدينا الآن قد راكمها الإنسان على مدى عشرات الآلاف من السنين بجهده وكده لا غير، فكيف يعقل أن يتملك آدم مفاتيح المعرفة ثم ينساها أبناؤه بينما يقول لنا تاريخ البشرية بأن المعرفة ظلت تتراكم كما ونوعا وليس العكس. لنأخذ اللغة كمثال. في العالم الآن تقدر بعض الإحصاءات عدد اللغات المتكلَّم بها بأكثر من 6500 لغة. بعضها متقاربة تعود إلى جذر واحد وبعضها متباعدة جدا لا يمكن أن نتصور أن بينها أية قرابة. فما كانت لغة آدم إذن؟ كذلك فإن علماء اللسانيات يتفقون على أن اللغات تطورت عبر العصور من مجرد أصوات تحاكي أصوات الحيوانات والطبيعة إلى ما نعرفه اليوم من تنوع شديد وثراء مدهش. ولا يصدق عالم لغة واحد أن الإنسان الأول ظهر فجأة بلغة واحدة كاملة مكتملة ثم نسيها وبدأ من الصفر.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، بوسعنا أن نسأل الكاتب: ما منع المسلمين طوال قرون من تطوير معارفهم حتى صاروا اليوم في مؤخرة الركب؟ ألا يتحمل الإسلام مسؤولية ما، في هذا، كونه كان ومازال المصدر المهيمن للثقافة وللحقيقة وكونه قد رسخ في أتباعه عقلية اكتفائية لم تعد ترى بعدها أنها في حاجة إلى التعلم والابتكار والتفتح على الغير. فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كما ظل يردد رجال الدين لمواجهة كل نزعة تجديدية، حتى صارت البدعة ترادف الإبداع؟ كيف لا وقد ترك النبي لنا أمرين، كما يزعمون، لن نضل ما تمسكنا بهما: كتاب الله وسنة نبيه؟

وعندما يقول الكاتب: “نؤمن بحرية الفكر، وأنها أساس كل تقدم، وأنه لا يجوز أن يقف في سبيلها شيء، ويكون الرد على ما يخالف ثوابت العقيدة بالكلمة لا بالمصادرة أو الإرهاب أو التكفير وليس هناك تعارض بين حرية الفكر المطلقة والدين لأن الدين يقوم على إيمان، ولا إيمان بدون اقتناع وإرادة ولا إرادة أو اقتناع إلا في بيئة تسمح بالدراسة الحرة، والإرادة الطوعية والنظر الدقيق، وفي القرآن الكريم قرابة مائة آية تقرر حرية العقيدة بصفة مطلقة وأن مردها إلى الفرد نفسه ولا دخل للنظام العام فيها مثل “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، “فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ”، “وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”، و”وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”، و”أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”.

فإذا كان إيمان الكاتب “بحرية الفكر، وأنها أساس كل تقدم، وأنه لا يجوز أن يقف في سبيلها شيء، ويكون الرد على ما يخالف ثوابت العقيدة بالكلمة لا بالمصادرة أو الإرهاب أو التكفير وليس هناك تعارض بين حرية الفكر المطلقة والدين… الخ.” هو إيمان اكتسبه من قناعة شخصية مستمدة من تأثره بالفكر الإنساني الحديث وما أفرزه من فلسفات ومذاهب ومواثيق دولية مجدت الحرية، فبها ونعمت، ويستحق كل الاعتراف. أما إذا كان يعتقد ويريد أن نعتقد معه أن هذا الإيمان هو من صميم الإسلام فهذا في رأيي مغالطة مرفوضة. ولا يكفيه سرد بعض الآيات لنوافقه على ذلك. ذلك أنه بوسعنا أن نجد عددا آخر من الآيات تنسخها، يوازي عددها أو يتجاوز عدد آياته، وتثبت لنا العكس: أي عداء الإسلام لحرية الفكر وأنها ليست من ثوابت العقيدة وأن هناك تعارض بين حرية الفكر المطلقة والدين: ” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا”.

فها هي هذه الآية تكفر وترهب وتصادر حق وحرية كل من يخالف ثوابت العقيدة. أليس ما قضى الله ورسوله من ثوابت العقيدة؟

وعندما يقول الكاتب “ولا توجد الحرية إلا بتقرير حرية إصدار الصحف والمطبوعات وتكوين الأحزاب والهيئات والنقابات وبقية مؤسسات المجتمع، وحرية هذه الهيئات في العمل لتطبيق أهدافها ما دام ذلك يتم بطرق سلمية. ونحن نرفض تماما دعاوى التكفير والردة، ونكلها إلى الله تعالى يفصل فيها يوم القيامة، كما قرر القرآن ذلك وطبقته ممارسات الرسول”.

فهل قرر القرآن ذلك وهل طبقته ممارسات الرسول؟ لماذا إذن لم يكن المسلمون هم المبادرون إلى هذه الممارسات تنفيذا لقرار الله واهتداء بسنة نبيه؟ بل لماذا مازالوا يعارضونها حتى الآن؟ رأيي أن العكس هو الصحيح. فيد الله مع الجماعة والخروج عليها كفر بواح، والإجماع هو أحد مصادر التشريع الإسلامي والخروج عنه ممقوت كان يؤدي دائما إلى الإقصاء، ثم كيف نفهم آية ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ))، وآية (إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ(.

ومع ذلك فـ “تقرير حرية إصدار الصحف والمطبوعات وتكوين الأحزاب والهيئات والنقابات وبقية مؤسسات المجتمع، وحرية هذه الهيئات في العمل لتطبيق أهدافها ما دام ذلك يتم بطرق سليمة”. (لعل الكاتب يريد أن يقول “سلمية” وهو الأقرب في رأيي) هو من صميم حكمة الغرب. ومن حكمة هذا الغرب المبدع أيضا ما يقوله الكاتب: ” يجب أن يكون العدل أساس التعامل بين الحكام والمحكومين، الرؤساء والمرؤوسين، الرأسماليين والعمال، الرجال والنساء..الخ، لأن كل ما يمت إلى عالم العمل والعلاقات لا يمكن أن يستقر إلى على أساس العدل ولا يجوز إعطاء فئات.. سلطات تمكنها من أن تحيف على حقوق فئات أخرى، إن هذا نوع من الظلم الذي يماثل الكفر، ويجب أن لا يسمح به”.

لكن الكاتب يأنف من الاعتراف لهم بهذا الفضل فيقول: “إن الإيمان وحده هو الذي يولد الطاقة المجانية اللازمة ويوظفها لدفع التنمية وتجاوز المعوقات دون حاجة للاستثمارات التي تفسح المجال للتبعية والسير في مسار وإسار الدول الكبرى. وأي محاولة لتنمية تستسلم لادعاءات البنك الدولي أو تقلد النماذج الأوربية والأمريكية لن تسفر إلا عن مزيد من التخلف والفاقة والتخبط”.

وهو موقف فيه الكثير من المكابرة التي أضاعتنا وجعلتنا لا نريد أن نجلس مهذبين لنتعلم ممن عنده العلم كما فعلت شعوب آسيا في بلاد الليفانت. هل يجوز هذا الخلط بين منجزات الحداثة في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وبين حرصنا على إقامة علاقات متكافئة مع الغرب تحفظ مصالح الجميع المتبادلة. هل يعقل أن نتصرف وكأننا نسير في طريق مجهول غير مطروق وغير مجرب، فنضرب عرض الحائط كل المنجزات الحديثة بحجة أن لنا في تراثنا ما يغنينا، وبما أننا لا نملك في تراثنا ما يغنينا، نلجأ إلى السطو على منجزات الغير ونسبتها إلينا وتحميل التراث ما لا يحتمل مثلما نفهمه من قول الكاتب: “إن كل ما جاءت به الشريعة من أحكام كانت تحقق المصلحة والعدالة، فإذا جاوز التطور النص أو جعله لا يحقق المصلحة والعدل، فيجب تغييره بما يحقق المقصد الذي أنزل من أجله، واجتهادات عمر بن الخطاب معروفة، وقامت على هذا الأساس”.

هل فعلا أن “ما جاءت به الشريعة من أحكام كانت تحقق المصلحة والعدالة” ولو في فترة ضيقة من تاريخ المسلمين المبكر؟ التاريخ لا يؤكد هذا الزعم بل ويؤكد عكسه خاصة عندما نقارنه بما تحقق اليوم في مجتمعات العالم المتمدن من فتوحات عظيمة في مجال الحقوق والواجبات وإدارة السلطة والصراعات الاجتماعية بطرق سلمية. لماذا يجب أن نستمر في المكابرة إرضاء لعزة نفس زائفة وعدم التحلي بالتواضع المطلوب؟ لماذا علينا أن نواصل إلى الأبد تطويع ما لا يقبل التطويع، ولا نستنتج بكل شجاعة أن لجوء عمر بن الخطاب مثلا إلى تجاوز بعض النصوص هو حجة على الإسلام وليس له كون شريعته (الربانية) لم تقو على الصمود أمام المتغيرات بعد عشرين أو ثلاثين سنة من (نزولها) فقط؟

لهذا يجب أن نرفض نصيحة الكاتب وهو يقول: “إن التحدي العملي الذي يجابه الدول الإسلامية اليوم هو التخلف اقتصاديا وعسكريا وسياسيا واجتماعيا، ولا يمكن وقف هذا التخلف إلا بجعل “التنمية” معركة حضارية تتم تحت لواء الإسلام باعتبارها النمط المطلوب من “الجهاد”… إن الإيمان وحده هو الذي يولد الطاقة المجانية اللازمة ويوظفها لدفع التنمية وتجاوز المعوقات دون حاجة للاستثمارات التي تفسح المجال للتبعية والسير في مسار وإسار الدول الكبرى. وأي محاولة لتنمية تستسلم لادعاءات البنك الدولي أو تقلد النماذج الأوربية والأمريكية لن تسفر إلا عن مزيد من التخلف والفاقة والتخبط”.

نرفض هذا لأننا نرفض أن يضعنا الإسلاميون بين خيارين لا ثالث لهما: إما السير تحت لواء الإسلام أو قبول تهمة التبعية للغرب عند تبني مشروع حضاري ديمقراطي علماني حداثي ندافع عنه.

بعد هذا الخلط يقول الكاتب: “هناك حقيقة تصل إلى مستوى البدائه، وإن أخفتها الغشاوات الكثيفة، تلك هي أن على كل جيل أن يعيش عصره دون الإخــلال بالقيم العظمى للإسلام، لأن هذا علامة صحة وتطبيق لعالمية الإسلام وموضوعيته وصلاحيته لكل زمان ومكان..”.

فكيف يعيش جيلنا عصره إذا كان يكابر ويستنكف من التعامل مع الحضارة العالمية الحديثة ولا يقبل منجزاتها إلا إذا أخضعها ومررها على غربال الدين وشريعته و(دون الإخــلال بالقيم العظمى للإسلام) عبر مواصلة الاعتقاد بعالميته وموضوعيته وصلاحيته لكل زمان ومكان وغير ذلك من الأوهام.

ولا يكفي أن يقول الكاتب: “إن الإسلام لا يحتكر ـ وحده ـ الحكمة، ولكنه ينشدها أنا وجدها، وهو يتقبل كل الخبرات ـ كما أنه يقدم خبراته “فإما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” من هنا فإن النزعة الماضوية الانعزالية واتخاذ نمط المجتمع الذي كان موجودا من قبل باعتباره النمط الأمثل، والضيق بكل مستجدات العصر من فنون وآداب، والنظرة المتخلفة للمرأة وحبسها وراء الأسوار، كل هذا يخالف جوهر الإسلام، وعالميته وصلاحيته لكل زمان”.

لا يكفي هذا الكلام لأنه غير صحيح مطلقا مادام الكاتب يضع شرط عدم (الإخــلال بالقيم العظمى للإسلام) التي لا يكاد يتفق عليها الإسلاميون كما رأينا من أقوال سيد قطب والقرضاوي وجمال البنا. فما يصفه بالنظرة (المتخلفة للمرأة وحبسها وراء الأسوار)، هو من صميم الإسلام ولا يخالف جوهره، كما يزعم. وهذا فيض من غيض من تعاليم الإسلام يجب تجاوزها بل وإحداث القطيعة معها لأنها لم تكن أبدا إنسانية ولا هي اليوم صالحة. هذه القطيعة لا أمل في تحقيقها ما لم نقتنع بجدوى العلمانية وبضرورة جعل الدين مسألة فردية خاصة لا شأن لها بالدولة وبالسياسة وبحريات الناس.عبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي .. 121

القصة:

التهت وسائل الاعلام العربية و الغربية و كل شبكات حقوق الانسان و المؤسسات المهتمة باحصاء عدد الشهداء الي عم يسقطو يوميا, لحد ما صار الخبر اللي بيتصدر صفحات كل الجرايد و المجلات و نشرات الاخبار عبارة عن خبر عابر بالكتير القارئ أو المستمع بيقول ” حسبي الله و نعم الوكيل” و بيقلب عصفجة الرياضة بعدين..

الموضوع التاني كان محل اهتمام الحكومات و الدول و اللي استغلتو سياسيا و ماديا بطريقة مقززة للنفس هوة موضوع اللاجئين السوريين لدول الجوار..

الاردن عم يشحد علينا..

لبنان عم يكفر بالساعة اللي دخلنا فيها..

أما الموضوع اللي ما بيقل خطورة عن الموضوعين السابقين هوة النزوح الداخلي و المعاناة اللي عم يعانيها أهلنا ليشوفو مكان يآويهون… و قصص النزوح الداخلي ما بتخلص, و حبيت اليوم ضوّي عالموضوع لأهميتو و لتداعياتو بالمستقبل..

طلع أهل الخالدية بحمص متلهون متل كل أهاليهون بباقي المدينة عالشوارع ليطالبو بشكل سلمي باسقاط النظام و برحيل بشار الاسد مع عيلتو..

كل يوم أقعد بعد الضهر و اتفرج و أنا عم اتحسر من اللادقية المحتلة على منظر اهلي الحماصنة كيف عم يتظاهرو و عم يبدعو باللافتات و بالشعارات و بخفة الدم المشهودة عند أهل هالمدينة..

ما اتحمّل النظام هالمشهد, و لا قدر يضبط أعصابو و هوة عم يشوف كل طبقات المجتمع الحمصي خرجت عن ارادتو و قررت تصرخ للغلط غلط بعينك..

فقرر الحل الامني بالبداية و اللي استشهد من خلالو اللآلاف من أهلنا بحمص و تم اعتقال عشرات اللآلاف, و مع ذلك الحمصي ما اتراجع و لا قبل يجيبها واطية و استمر عالرغم من كل الاخطار أنو يستمر بالتظاهر السلمي..

هون لجأ النظام للحل العسكري الفتّاك..

و بدي بقصف حمص من كل الجهات, من البر و من الجو, مستخدم كل آلتو القمعية لسحق الثورة بحمص , لادراكو بأهمية هالمدينة جغرافيا و سكانيا..

الحمصي اللي قدر يطلع على لبنان و كان ألو حدا هونيك ما قصّر و ضب عيلتو و هرب من موت حتمي, و الحمصي الدرويش اللي ما الو غير وجه رب العالمين أخد واحد من قرارين: اما يبقى بحمص أو ينزح لشي مدينة سورية مجاورة..

فاروق و زوجتو فاطمة مع بناتهون الستة قرروا يحملو اللي بيقدرو عليه و يهربو عالشام..

الدنيا آخر الشهر و الراتب منتهي من عشرين يوم, و تحت عتمة ليل حمص و تحت القصف الهمجي, بيقرر فاروق يوقف سيارة عابرة و يطلب منّو مقابل هالخمسمية ليرة اللي معو يوصلّو مع عيلتو على الشام..

اكبر بنت من بناتو عمرها 14 سنة, و الكل على ريق بطنهون لما بتمشي البيك آب اللي حاملتهون بنص الليل و بتاخود طريق الشام..

كل الطريق صافن فاروق, بس يوصلو عالشام شو رح يعملو و وين رح يروحو, و تاني يوم من وين بدو يجيب مصاري ليشتريلهون أكل لأولادو و حليب اطفال للرضيعة سوسن اللي معو..

كلها اسئلة خطرت عبال فاروق بدون ما يشوف أي جواب على أي سؤال..

ما بيقطع سلسلة أفكارو الا صوت شوفير البيك آب اللي عم يقلو الحمدالله عسلامتكون هيدي الشام..

الساعة اربعة الصبح, و الدنيا ظلام و هالمسكين فاروق حامل بنتو الصغيرة اللي غافية على صدرو, و مرتو عم تجر بناتها الخمسة اللي ما عرفانين اللي ناطرهون بعاصمة الياسيمين..

بيسألو للشوفير قبل ما يمشي: شو اسمها هالمنطقة معلم؟؟

هيدي حرستا يا ابو البنات, الله يكون بعونكون و ترجعو سالمين على حمص..

بيتطلع المسكين حواليه بهالظلام, ما بيشوف شي الا هالبنايات المسكّرة و الجوامع اللي بعدها ما آذنت لصلاة الصبح..

و هوة عم يتطلع حواليه, بيشوف جنينة صغيرة… جنينة فيها كم شجرة و زنزوقة للأطفال, فبيقرر يقضي الليلة فيها..

من التعب و الارهاق, فاروق و مرتو و بناتهون الستة نامو متل القتلى..

بيصحو الصبح على اصوات تلات شباب عم يصرخو فيهون:

ولك هنت وهية فيقو؟؟ شو عامليلكن فندق هون؟؟؟

بيفتح عيونو فاروق و من خوفو على بناتو بيضمها لسوسن اللي بديت تبكي و بيقلو:

و الله يا معلم مبارح بالليل وصلنا من حمص و ما عرفانين وين بدنا نروح..

بيشيل هالشب المدني و بيحط سلاحو على كتفو و بيحكي بجهاز اللاسلكي, و ما في شوي بتجي سيارة بيجو ستيشن فيها عنصرين..

شفناهون يا سيدي هون نايمين و قالو انهن جايين من حمص الخاينة..

بيحشروهون بالسيارة و بياخدوهون على فرع المخابرات الجوية بحرستا..

الكل هونيك بيتفاجأ , أنو شو عم تعمل رضيعة من الصبح جوا الفرع؟؟

بس مجرد العناصر هونيك عرفوهون من حمص, و بلشت الاهانات و المسبات..

مسكين فاروق عالبهدلة و الاهانة اللي اتعرضلها قدام بناتو, و على كم الكفوف اللي صار ياكلهون بس لمجرد كونو من حمص..

بعد التفتيش و تسليم هويات الاب و الام, و بعد كم الاهانات اللي اتعرضولو و بعد تهديدو باغتصاب بناتو قدامو, اجا الطلب:

ولك حيوان, هلق بدها تجي الكاميرا و بدها تحكي معك و مع عيلتك, و بدك اتقلهون أنو العصابات المسلحة حاولت تغتصب بناتك و هنت هربت فيهون برّا حمص و جيت لعندنا لهون عالشام..

فهمان يا حيوان؟؟

بس يا سيدي داخل على عرضك, و الله باتبهدل بكل حمص..الله يوفقك يا سيدي..

ولك جحش.. ليش معتقد أنو رح يضل شي اسمو حمص!!!! نحنا خونة ما عندنا, ايه و الامام و علي لحتى نهدها فوق راس أهلها..

و بالفعل بتجي كاميرا الدنيا و بتعمول مقابلة معو بعد ما علموه شو لازم يحكي هوة و مرتو و بيخلص اللقاء..

بآخر النهار, بيجي مساعد حميروني من حمص نفسها و بيقلو لفاروق: رح نعطي مرتك هويتها و تروح تنقلع, و هنت رح اتضل عندنا..

بس يا سيدي شو عملت أنا؟؟ و مين اللي رح يدير بالو على بناتي و مرتي و هنن قسما بالله ما معهون ليرة سوري..

بيدبرو حالهن هاليومين لبين ما تطلع..

شهر كامل و فاروق محجوز عندهون بدون تهمة, و فاطمة مرتو أخدت الاولاد و رجعت على ضيعة بحمص تتآوى مع بناتها..

بيتحول فاروق عالمحكمة بتهمة صادمة..

تهمة : التشرد في أماكن عامة..

الحكمة :

الله بلانا بعيلة من ورا التاريخ استلمت القيادة ..

خلّا الشعب اللي عمل التاريخ متّهم بالشحادة..زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

هنيئا لكم ايها المفقودين العراقيين

في العوراق العظيم أكثر من 16 الف عراقي فقدوا منذ دخول القوات الاميركية للبلاد في العام 2003، وترجح وزارة حقوق الانسان أن يكون هؤلاء قتلوا على ايدي “المليشيات المتنكرة بزي الشرطة”.

هؤلاء المفقودون سعداء جدا فهم اختاروا سبيل المثل القائل” لاعين تشوف ولا قلب يحزن”، فهم مثلا لايهمهم ان يعرفوا ماهي وزارة حقوق الانسان في العوراق كما لايهمهم ان يكتشفوا حصيلة الانجازات الرهيبة التي قامت بها وكم عدد بيانات الاستنكار والشجب التي قامت باصدارها.

لماذا؟

لانهم يعرفون تماما ان حقوق الانسان تضيع اذا ارتبطت باي سلطة من سلطات الشرق الاوسط.

فليس من المعقول ان تقوم وزارة مهمتها صيانة حقوق الانسان بالتصدي لاستهانة الحكومة بحقوق الافراد وهي مرتبطة بها بمرسوم وزاري،اكيد سيكون الوزير من جماعة “لايهش ولا ينش”.

ويقول واحد يشتغل رئيس قسم الشؤون الإنسانية في وزارة حقوق الإنسان اسمه أركان ثامر صالح في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية إن “العديد من العراقيين تم سوقهم عنوة تحت أنظار أهلهم، فيما اختفى عدد أخر بظروف غامضة ولم يعرف شيء عن مصيرهم منذ عشر سنوات على بدء الغزو الاميركي على العراق”.

كلام جميل ويثلج الصدر خصوصا اذا عرفنا ان ملاك هذه الوزارة استلموا ملايين الدنانير كرواتب دون ان يفعلوا شيئا.

ويعتقد العديد من المراقبين والمقربين ان سبب هذا الاهمال هو ان هذه الوزارة ليس بها “محصول يستاهل” ولا مشاريع تدر بالربح الوفير والعمولات المغرية حتى ان الشيطان، كما يؤكدون ، لم يوسوس لهم منذ اكثر من عقد من الزمان.

ولم يستح صالح حين يقول: أن “العدد الحقيقي للمفقودين قد يكون اعلى من هذا الرقم بكثير، إذ لم تسجل جميع حالات الاختفاء،وأن “الالاف من ذوي المفقودين يخشون بأن يكون أولادهم قتلوا أو ما يزالون محتجزين في سجون سرية”.

لو اضفنا لهذا العدد اكثر من مليون شهيد في الحرب العراقية الايرانية المجنونة مع نصف مليون في غزو الكويت مضافا اليه نصف مليون معاق مع مليونين مشرد داخل العراق سنعرف حجم الكارثة التي تواجه هذا الشعب واولها قضم وجوده ثم دولاراته ثم حدوده ثم تاريخه.

واذا بقى الحال كما هو عليه الان وظل الشعب ياكل القيمة وينتظر مناسبات ركض الضاحية فسيكون من الملائم ان نفتح مجلسا للعزاء في الكويت او قطر ونطلق عليه عزاء “الانقراض العراقي”.

واذا نجت تشكوسلفاكيا من الانقراض واكتفت بتقسيمها الى 9 دول فمثل الفرصة قد لا تمر على العراق لانه يعج بالديكتاتوريين واللصوص واصحاب الضمير الغائب وحاملي نكتة الموسم عن المواطنة والولاء للوطن.

ويظهر لنا حاكم الزاملي عضو لجنة الدفاع النيابية من “فوك”السياج ليقول انه يعتزم تشكيل لجنة لتحقق في الخروقات الامنية.

الناس تموت والاخ يعتزم تشكيل لجنة.

لا والالعن من هذا يكول الاخ ان لجنة الامن والدفاع ستشكل لجنة للخروقات الامنية وستحيل توصياتها الى القائد العام للقوات المسلحة للحد من الافتراءات والكذب بعد اعلان بعض القيادات الامنية بانهم قتلوا الارهابيين الذين اقتحموا مبنى وزارة العدل مضيفا “اننا لسنا مغفلين ونعلم من هو الضابط المهني ومن هو المفسد “.

فاصل حزين: اضاف الصدريون يوما جديدا في السنة اسموه “يوم المظلوم العالمي” ولاندري هل سيكون عطلة رسمية ام لا؟.تواصل مع محمد الرديني فيسبوك

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

خطوات حقيقية لسوريا ما بعد الأسد

بدأت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما والمعارضة السورية في التعامل الجاد مع المشكلة الأساسية التي تواجه سوريا، وهي كيفية الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد من دون خلق فراغ سياسي يمكن أن يصب في مصلحة الإرهابيين وأباطرة الحروب وأنصار نظام الأسد.

وحذر مسؤول بارز في البيت الأبيض من أنه من الضروري تجنب وصول سوريا إلى «مشكلة بريمر»، والتي يعني بها الفوضى التي تفشت في العراق في أعقاب قرار الولايات المتحدة عام 2003 بحل الجيش العراقي واجتثاث جذور المؤسسات الحكومية، إلا أنه من الظلم أن نلقي بتبعية الاضطرابات التي تلت ذلك على بول بريمر الذي قاد المرحلة الانتقالية في العراق، ولكن البيت الأبيض محق في قلقه من الفوضى التي يمكن أن تحدث عقب تغيير النظام.

وقال المسؤول: «كنا واضحين مع المعارضة بأن الحل لا يكمن في اجتثاث جذور حزب البعث أو حل الجيش». وأكد المسؤول ضرورة وجود عملية تحول تضمن الإبقاء على عناصر الجيش السوري وعدم المساس بالإدارة المدنية.

في الحقيقة، من السهل الحديث عن فكرة المرحلة الانتقالية، ولكن من الصعب تطبيقها على أرض الواقع، ولا سيما أن سوريا باتت تعاني من حالة من الانقسام الشديد جراء الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد منذ عامين. ومع ذلك، بدأت المعارضة وحلفاؤها في اتخاذ خطوات حقيقية لتعزيز الأمن والحكم بعد الإطاحة بالأسد.

وتكمن أولى هذه الخطوات في تشكيل حكومة مؤقتة، ويريد بعض أعضاء ائتلاف المعارضة السورية اتخاذ هذه الخطوة بسرعة وأن تكون هي ممثل الشعب السوري في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن رئيس التحالف الشيخ أحمد معاذ الخطيب انسحب من الاجتماع الذي كان مقررا انعقاده خلال الأسبوع الحالي للإعلان عن رئيس وزراء مؤقت ومجلس الوزراء، مشيرا إلى أن مثل هذه الخطوة المفاجئة قد تؤدي إلى انقسام المعارضة وزيادة الفوضى الداخلية.

ويرى الخطيب أنه يجب تشكيل «سلطة تنفيذية» مصغرة من المعارضة، بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، على أن يكون لهذه السلطة مقعد لدى جامعة الدول العربية على الفور، حتى يمكن بناء المؤسسات الحكومية الجديدة في المناطق التي يتم تحريرها من النظام. وعلاوة على ذلك، يريد الخطيب أن يؤكد على دور الجيش السوري والإدارة المدنية في مرحلة ما بعد الأسد.

وقام العميد سليم إدريس، رئيس هيئة أركان الجيش السوري الحر، بوضع خطة مفصلة تقدم عفوا تاما عن «الضباط الكبار في جيش الأسد» الذين سيتواصلون عن طريق البريد الإلكتروني أو «سكايب» خلال الشهر المقبل لكي يبدوا استعدادهم للتعاون، أما أولئك الذين يرفضون هذا العرض فسيتم وضع أسمائهم على «القائمة السوداء» ويحاكمون بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

ويقول إدريس، المنشق عن الجيش: «نحن بحاجة إلى مهاراتكم وخبرتكم في الأسلحة». وفي مسودة خطته للمصالحة، يخبر أفراد الطائفة العلوية: «كونوا على يقين من أننا لا نسعى إلى الانتقام»، ويعرض عليهم العفو عن أي جندي أو ضابط علوي أجبر على طاعة الأمر بالقتل.

لكن ماذا عن الوقت الراهن، على الأرض؟ حرر الثوار السوريون مناطق واسعة بالفعل من شمال سوريا، ووفق أحد التقييمات فإن أكثر من 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يخضع في الوقت الراهن لسيطرة المعارضة. كانت سوريا في السابق دولة مركزية بشكل كبير، لكن التشرذم ولا مركزية السلطة قد بدآ. والتحدي الذي يواجه المعارضة السورية وحلفاءها هو ملء هذه المساحة المحررة بحكومة فاعلة وأمن جيد بدلا من أمراء الحرب.

تحركت الولايات المتحدة أخيرا لمساعدة المعارضة في بناء سوريا جديدة في المناطق التي تحررت حديثا، كما هو الحال في بعض محافظات إدلب وحلب ودير الزور. وقد وافق وزير الخارجية جون كيري مؤخرا على تقديم 60 مليون دولار لمشروعات الإدارة المحلية تشمل تدريب الشرطة وإدارة المجالس المحلية وتطهير مياه الشرب وإصلاح البنية التحتية المحطمة.

في الوقت ذاته، تفكر الولايات المتحدة جديا في وسائل لحماية المناطق المحررة الخاضعة لحكم ذاتي من الضربات الجوية، وتقدم دول عربية بعض الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة بمباركة الولايات المتحدة.

ورغم هذه الجهود لتعزيز الاستقرار، فإن ما يثير الأسى هو أن سوريا لا تزال ماضية في طريقها لكي تكون دولة فاشلة. هذه الحقيقة تشير إلى بعض البراغماتية داخل المعارضة للتأكيد أن سوريا ستكون بحاجة إلى حكومة عسكرية انتقالية، نسخة أكثر شبها بالجنرالات الذين حكموا مصر بعد الثورة ثم سلموا السلطة إلى حكومة منتخبة. والآمال معلقه في أن يتمتع النظام المؤقت بوجه مدني.

لنكن صرحاء، عندما يرحل الأسد وتعيد سوريا بناء دولتها، فسوف تكون بحاجة إلى مساعدات اقتصادية وعسكرية أجنبية هائلة، ربما تشمل قوات حفظ سلام من الجامعة العربية أو حتى إحدى دول الناتو مثل تركيا. والبديل سيكون فراغا أمنيا يمكن من خلاله للإرهابيين أن يؤكدوا وجودهم في قلب الشرق الأوسط.

* خدمة «واشنطن بوست»

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

The Islamic Dilemma – 07 – The Status of Women in Islam – Ep2


(The Dilemma of Equality) A general discussion on the status of women as taught primarily by the Quran, along with Hadith, and Sharia. The focus is on marriage, child marriage, divorce, and remarriage. Statistical study on equality and overall status of women in Islam’s foundational sources. Are women evil or the source of evil? watch this interesting episode to decide for yourself.

Posted in English, يوتيوب | Leave a comment

الحل الوحيد ليعيش العراق بخير وسلام

الحل الوحيد ليعيش العراق بخير وسلام

هو

.

.

.

.

.

 

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | 1 Comment

سياف الزهور – لا تأخذ حلوى من غريب

كنت أعرف أطال الزمن أو قصر ، سأعود إلى الكتابة كما يعود القاتل إلى مكان الجريمة . لقد راجعت كل مكاتب الاستخدام في العالم ، فأبلغوني بأن يديّ لا تصلحان إلا للقيود.

***

ولكن على الرغم مما وفّرته الحضارة الحديثة للإنسان المعاصر، من وسائل الراحة والمتعة في المأكل والمشرب والملبس، والتهوية والتكييف والتبريد، ووسائل الطباعة والنشر والسفر والتنصت والاتصالات، فإنني ما زلت أحنّ إلى الماضي البعيد، بكل ما فيه من خشونة وفراغ وشظف عيش. مثلي مثل أي انسان ما عدا الحكام، فهم لا يذكرونه ولا يريدون لأحد أن يذكّرهم به تحت طائلة القانون.

ولكن هذا لا يمنع من أنني أتجاوب وأتقبّل كل ما هو جديد ومعاصر بكل لهفة ورحابة صدر، ما عدا دفاتر الكتابة الحديثة، فعلى الرغم من روعة تصميمها، ونعومة ملمسها، وتنوّع أشكالها ومقاساتها، وجمال الطيور والأزهار ، والأطفال السعداء المكتنزين على أغلفتها، فإنني ما زلت أحنّ إلى الدفاتر المدرسية القديمة بكل بساطتها وتقشفها، وخاصة تلك التي على غلافها الأخير صورة جدول الضرب، وعلى الغلاف الأول صورة الكشّاف أو الطالب المجدّ بكتابه المرفوع في الهواء، وخطواته الثابتة الواثقة وقد كُتب تحتها:

إلى الأمام…

لا إلى : مدريد .. وأوسلو .. وواشنطن.. وتل أبيب!!

***

إنه مجرد حنين رومانسي لا أكثر ولا أقل، لأننا في الوقت الحاضر، لو وضعنا أمام النابغة الذبياني دفتراً على غلافه الأول صورة “الجوارح” وابن الوهاج برمحه ومهابته، وعلى غلافه الأخير صورة “الكواسر” وشقيف بجديلته ودبوسه، وبرؤية جديدة للجوارح ماذا يمكن أن يكتب أو يقول؟

***

فلكي تكتب، وتقرأ ، وتسمع، وتهتف، وتتظاهر، وتلوّح بقبضتك كما تريد يجب أن تكون حراً.

ولكي تكون حراً، يجب أن تكون قوياً.

ولكي تكون قوياً، يجب أن تكون منتجاً.

ولكي تكون منتجاً، يجب أن تكون مستقراً.

ولا يمكن أن تكون مستقراً في منطقة غير مستقرة.

وهذه المنطقة لن تعرف الاستقرار، مادام الصراع العربي – الاسرائيلي يستنزف كل طاقاتها. أكان صراع وجود لا حدود، أم مياه وسدود.

ولا يمكن إيجاد حل لهذه المشكلة ، إذا لم يكن هناك حد أدنى من توازن القوى بين طرفي الصراع.

ولا يمكن أن يكون هناك حد أدنى من هذا التوازن، ما دامت أميركا تمسك عن العرب وتمنع عنهم كل شيء. وتسمح لإسرائيل وتعطيها كل شيء، حتى من الحبوب العربية نفسها.

ولا يمكن تعديل هذا الموقف إلا إذا أصبح مصير العرب وقدراتهم ومقدراتهم بأيديهم.

ولا يمكن أن يكون مصير العرب وقدراتهم ومقدراتهم بأيديهم، إذا كان مصير الاتحاد السوفيتي سابقاً أو لاحقاً نصير العرب الأول، وقدراته ومقدراته لم تعد بيده.

ولا يمكن القيام بأي خطوة للخروج من هذا الطريق المسدود مالم يعترف الأوصياء الرئيسيون على الحق العربي والحق الفلسطيني بهذه الوقائع والمتغيرات الجديدة، ويؤمنوا إيماناً راسخاً بأن مواجهتها تتطلب عقليات ورؤى وأساليب عمل جديدة.

وكيف يمكن لهؤلاء أن يعترفوا بهذه المتغيرات والمعطيات الجديدة، وأن يؤمنوا بأية عقليات أو رؤى أو أساليب عمل جديدة إذا كان نصفهم لا يؤمنون حتى الآن بكروية الأرض!

***

إذن قبل تحرير فلسطين، يجب تحرير العقل العربي. ومع أن هذه المهمة أكثر صعوبة من تحرير فلسطين نفسها. فلنفترض أن الجميع آمنوا بها وبضرورة العمل على تحقيقها. فمن أين نبدأ وبأية وسائل؟

بالسيف أم بالقلم؟

بحرية التفكير أم بحرية التكفير؟

بالولاء للنظام أم للموهبة؟

باستلهام الماضي أم باستقراء المستقبل؟

بزيادة الانتاج أم بالاضراب عن العمل؟

بالتظاهرات والمسيرات في الشوارع، أم بالاعتصام بالمكاتب والكهوف والمغاور؟

بوحدة الصف الفلسطيني؟ أم الصف العربي؟ أم الصف الاسلامي وبأيها نبدأ؟

وعند الاتفاق على أي خطوة لتحقيق هذا الهدف، هل نراعي ما في المنطقة من تيارات قومية، وقطرية، وشعوبية، وأصولية، وميليشيات عسكرية وفكرية، وأطماع إقليمية، ومصالح دولية؟ أم نصطدم معها؟

وفي هذه الحالة، لكي تكتب في أي مجال، وفي أي اتجاه فأنت بحاجة إلى:

غطاء فلسطيني.

وغطاء عربي.

وغطاء إقليمي.

وغطاء دولي.

وغطاء طائفي.

وقبل كل شيء غطاء سياسي من النظام الذي يقيم أودك، ويستر عريك وآخرتك!

فهل أنا كاتب أم منجّد؟

***

ومع ذلك سأكتب وأكتب عارياً حتى وسطي كالعبد المساق إلى ساحة الجلد ولا شيء يحميني من المحيط إلى الخليج سوى الغطاء الجوي للكرة الأرضية.

‎محمد الماغوط (مفكر حر )؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment