قصة و حكمة من زياد الصوفي..8

القصة:

خمس و اربعين يوم و انا قاعد بسجن فرع التحقيق العسكري بالشام بتهمة رشوة ضابط ,لدرجة انو اعتقدت اني بحياتي ما رح اطلع من الزنزانة رقم 12, لحد ما اجا اليوم و حولوني لسجن الشرطة العسكرية بالقابون تلات ايام تانية بانتظار تحويلي للمحكمة العسكرية في حمص..

وصلت حمص بالليل و الدنيا عم تتلج, ما شفت وين أخدوني, اللي سمعتو جوا أنو اسم السجن ” البولوني” اللي ما بيعرف هالسجن رح قلو انو هوة عبارة عن اسطبل للاحصنة و البغال اتشيد ايام الحرب العالمية التانية و كان تابع لكتيبة بولونية مقيمة في حمص.. اسطبل حيوانات تحول في عهد الاسد لسجن عسكري.. اربعة ايام ما بعرف فيهون الليل من النهار, برد بالخارج و شوب فظيع جو الزنزانة و بدون اكل و لا شرب, و سيغارة الحمرا بتكلفك 100 ليرة و تشعيلها 50 ليرة.. يوم اللي طلع اسمي من اجل نقلي الى سجن تدمر, ما صدقت ,انو ايه دخيلكون تدمر تدمر, بس ما تتركوني بهالزريبة هون..

اربع شهور بتدمر العسكري, و فقط للتذكير ما زلت لم اخضع للمحاكمة..

و للتذكير التهمة شو: رشوة ضابط بالجيش للتفييش

اتحولت للمحكمة و اتقابلت مع المحامي و سألتو شو استاذ شو لازم احكي؟؟

ابتسامتو فاجأتني و انا بمصيبة ما بيعرف فيها غير الله و أمي..

قلي المحامي و هوة عم يبتسم: شو تهمتك يا زياد؟؟ قلتلو رشوة..

اتطلع فيني و قلي و ما رح تطلع منها الا برشوة القاضي.. ما تاكول هم اليوم اخلاء سبيل..

الحكمة:

شو ما كانت جريمتك بسوريا الاسد.. فالحل بسيط: حل كيسك…و اتفرج كيف بتصير قائم مقام المحكمة..زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

نادين البدير: لا تنام أو أنام

الراي

 أريد امرأة تغفر أخطائي الكثيرة.

وتنساني اذا ما غبت كثيرا ثم تهواني إذا ما عدت قليلاً.

وتغني لي وتبكي وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة.

لي رفيق قديم يقرأ دائماً هذه الأبيات (أعتقد أنها للشاعر سميح قاسم) وكنت أسمعه فأستشيط غضباً، لأني سيدة لا تغفر خطايا عبدها. فليلق الشاعر بأمانيه عرض البحر. ولأني سيدة لا تتذكر من ينساها. أنا لست كاللواتي ينتظرن ببلادة عودة البطل من شطحاته ورحلاته. ولست أصرف عمري على أناني يفترض وفاته قبلي لأكون من يبكي وحيدة.

أردته قبالتي دائماً.. أناديه فيهب بلمح البصر ليكون بقربي، أوقظه ليلاً فيفاجئني سهره، يداعب خصلاتي ولا ينام حتى أنام، أهاتفه فيترك دنياه ويأتي لي بانتظار بعض من كلماتي. وأردته مسؤولاً. سيد ورجل قوي أعتمد عليه حين الحاجة.

حقيقة. كنت أريد كائناً مصمماً لهواي ولأوقات مزاجي. لأني في العمل لا أعود أذكره، وحين أتهامس مع الوطن أخون حبيبي كثيراً. وعندما أسافر أدخل في عزلة ونسيان وأهيم وحيدة. أهيم طويلاً بين سكون وضجيج حتى ترتد لي روحي نقية خالصة من عبث المدنية وشوائبها.

لكني حين أعود من رحلاتي وشطحاتي. أهواه عطوفاً.

يسامحني دون عتاب، ويعود ليداعب خصلاتي ولا ينام حتى أنام.. أنا بطلة تلك الأبيات وليس أحد غيري.

ثم حدثت أمور، وتبددت ظروف، فانقلبت وسئمت وأصابني الملل. لم أعد أريده منتظراً وحيداً، وصرت أرفض من تعجبه ساديتي كما لم تعد تثيرني الطبقية التي بيننا. كيف أشرح الأبيات من جديد؟ هل أسمح له بالبطولة؟ أم أقبله شريكاً في الحكم؟ وماذا ستقول عني رفيقاتي بدرب النسوية والاستبداد؟

لست مزاجية لكني اكتشفت سرالخلود بيني وبينه. اكتشفت أني لا أحبه ساكناً. أريده مخلصاً ماجناً مثلي تماماً. فعكس المجون يعني أننا عقلاء. والعقلاء لا ينحرفون. لا ينتجون. لا يبدعون.

ماذا لو أقترح عليك أن يكون كلانا بطلين لأبيات حب تنتج ابداعا ولا تقتل؟ تغيب وأغيب. تنسى وأنسى ونعود لنتذاكر بعضنا من جديد كأنها المرة الأولى. هل نحلم بأكثر من هذه الأبدية؟

لِمَ تجبرنا التقاليد على التلاصق حد الفراق؟ لم لا تتركنا نحدد مسارات علاقاتنا بشكل ينقذها لأطول مدى؟

لا تسأل عني. اتركني أغيب عن ناظريك لتهواني أكثر. وأفلت بدوري لجامك ليطول صهيلك في حقول الحرية أكثر وأحبك أكثر.

في حالتنا النادرة سأغفر. وسأستعيد ذنوبك فلا أتذكر منها شيئا وتسأل عن ذنوبي المجنونة فتتحول الخطايا حسنات. في حالتنا تصبح أبيات الشاعر أكثر عدلاً ومنطقية. كنت صغيرة وأريد حبيباً بشروط العرب التقليدية، والعرب لا يبدعون، آخر انتاجاتهم كانت منذ سبعين سنة أو أكثر. سنخالف معايير البشر دون خجل. ونفترق منحرفين بكل الاتجاهات تحمينا بوصلتنا دون خوف.

أجمل ما بيننا أننا عازبون تشغلنا المعارك. أصدق اخلاصنا أن أحدنا لا يعرف الآخر. ورغم ذلك لا تنام أو أنام. فابق لأجلي مجهولاً ولا تدعني أراك. وسنستمع لشدونا وبكائنا وسنطرب للغناء ونحن نلفظ أنفاسنا الأخيرة.نادين البدير – مفكر حر؟‎

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 1 Comment

عنائيَ غانيةٌ غرَّها

عنائيَ غانيةٌ غرَّها صباها وأَنّي بها مغرَمُ

تَراني فتبسم من صفرَتي وأحسن بها حينَما تبسم

لقد كنت يا هذه طفلة تردُّ العداة وما ترجم

إلى اللَه أشكو هواكِ فقد تيبَّس منهُ بجسمي الدم

ذريني أكابد مضيض الجوى وخلِّي عيوني وما تسجم

أَطَعت الهَوى فيك مستسلماً ومن شام عينيك يَستَسلِم

إذا غال نفسي هواكِ غداً فإن فؤادك قد يندم

سَتَدرُس بعدي صروح الهَوى وَتَبقى المَعالِم والأرسم

هبي القلب منك لنا راحما فإن عيونكِ لا ترحم

‎جميل صدقي الزهاوي (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

جمال البنا: الفنون إلهام من الله والإفتاء فيها سفسطة

القاهرة: سامح سامي

تعليقا على فتوى مفتي مصر بتحريم اقتناء التماثيل بالمنازل، قال المفكر الإسلامي جمال البنا إن الفنون والآداب حرث من حرث الدنيا، وقد حسم الله تعالى هذه القضية حين قال: من يرد حرث الدنيا نؤته منها ومن يرد حرث الآخرة نؤته منها، فمن هنا لا يمكن معالجة تلك القضايا بمعايير إسلامية لأنها من حرث الدنيا وثمرة من ثمرات النفس الإنسانية لأنه سبحانه جيلها على الفجور والتقوى.

إن الفنون “كالرسم والنحت.. إلخ إلهام من الله وخارج إطار المعايير الدينية، فليس للدين أن يتدخل في هذا المجال. أما إذا كانت هناك أحاديث قد وردت في هذه الموضوعات، فذلك لأن العرب كانوا أهل أوثان وشرك وحديثي عهد بهذا الشرك فأراد الإسلام أن يغلق هذا الباب، فهو إجراء مرحلي فضلا عن القاعدة الأصولية التي أسلفتها. وبهذا ننفض أيدينا من قضايا الفنون والآداب كمسلمين وندعها لمن يعتنون بها، ونفتي نحن في قضايا العقيدة والشريعة والدين “حرث الآخرة” ولكن لا نفتي في حرث الدنيا لأنها من ثمار النفس البشرية وهذا هو الحل الحقيقي للقضية وما عداه سفسطة.جمال البنا – مفكر حر

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

سياف الزهور – نصوص العار

 1 

نحن ماسحو الرعاف والسوائل الأنفية بالجدران وجذوع الأشجار

المستحمون عراة أو بثياب الخروج مع الخيول والبهائم في

المستنقعات ومياه الشرب.

أحفاد حطين واليرموك والقادسية

وذي قار، وذات الصواري، وذات الرئة.

بزفير الحمّى نشعل لفائفنا

وعلى سعالنا المتقطّع

تحدد ساعة الصفر

في أكثر الجيوش دماراً ووحشية

فنحن لسنا مرضى عاديين

بل مرضى متفوقون

من يجرؤ على مناقشتنا أو علاجنا وجهاً لوجه؟

أو تفريقنا عندما نجتمع.

أو تجميعنا عندما نفترق؟

يكتشف العالم دواء ناجعاً لمرض خطير

فنكتشف له ألف مرض أكثر خطورة، لا علاج له ولا شفاء منه

***

ثم مهما كانت حال أمعائنا وحناجرنا وصدورنا ووظائف الكبد

فينا أو مجال الرؤية عندنا .

لا أحد مخولاً بالرثاء لنا أو التعاطف معنا .

أسمالنا ضرب من الاحتيال .

وأضلاعنا البارزة

لإحباط الضواري

وإثارة كيد الجوارح وبزاة الطير.

وقروحنا تراجع مؤقت

وشجاعة أُجهضت في شهرها التاسع.

***

كما لا نريد لآلامنا أن تبرأ، أو تتناقص

ولا لجراحنا العميقة أن تلتئم، ويعود الجلد إلى سابق عهده …

بل وبدون أقنعة واقية من الغازات

أو معاطف واقية من خراطيم المياه

أو كرامة ضد وابل السخرية والإهانات

سنقوم بمظاهرات دورية ضد مبادئ الإسعاف الأولية.

والصليب الأحمر، وأطباء بلا حدود…

***

وها هي سهراتنا تدوم وتدوم

حول اللهب المغّذي بكل ما هو أخضر أو يابس من خيرات الوطن

وأظافرنا تطول وتطول، حتى تكاد أن تبلغ الدول المجاورة

دون أن يعترضها أو يقف في وجهها أحد

إنها وديعة الأمة فينا

متى طلَبَتها وجدتْها

ناشبة في وجهها وعنقها وعينيها !!

***

2

نحن المصطافين في الحدائق العامة ، وعلى سطوح منازلهم

وقريباً على أعمدة الهاتف والكهرباء

والمداخن والهوائيات المختلفة “وخاصة أسلاك الاستشعار عن بعد”

صحيح أن هناك البزاة وجوارح الطير

ولكنها أرحم من مناقير الأطباء في هذه الأيام

ومن الأسنان المكشّرة

حول كل قصيدة وثدي ، وناي، وبكارة …

*** 

في الحقيقة ليس هذا هو موضوعنا

فلا الشعر، ولا الجنس، ولا الهواء النقي، أو النسيم العليل

يعنينا بقليل أو كثير

فأمامنا هدف واحد ومحدد بأقلام الرصاص

على كل بقعة من بقاع الأرض:

على بعضنا، أو أحدنا، أن ينجو بأية وسيلة

من أية مشاجرة، أو عراك

أو لغم أرضي، أو انفجار طائرة

من أي وباء

أو طوفان

أو زلزال

أو بركان

أو ضربة شمس

أو لدغة أفعى

أو عضة كلب

إننا قلقون جداً…

نحن في مأزق

فالضباب يبقى ونحن نتلاشى

3

ولذلك لن أنام بعد الآن

في مكان واحد مرتين متتاليتين

وكالطغاة أو الأنبياء المستهدفين

سأضع شبيهاً لي

في أماكن متعددة ، في وقت واحد

لا لتضليل الوشاة والمخبرين، فقد صاروا آخر اهتماماتنا…

ولكن لتضليل القدر…

***

وإنني بهذه المناسبة

أنصح هذا الوطن العجوز الخرف

أن يقوم بنفس الشيء

ولا ينام في “خارطته” ليلتين متواليتين.

‎محمد الماغوط (مفكر حر )؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

مستبد قليلا مستنير بلا حدود

في سبيل ذاته، يجب أن يكون الحاكم خبيثا، نصح نيكولو ماكيافيللي، أشهر منظّر للأنانية. الشعوب في حاجة إلى حاكم قاس يحتفظ لنفسه بكل السلطات والقرارات. قال عبد الرحمن بن خلدون، أحد أهم علماء البلدان والعصور. «الحاكم هو الشخص الأول في الدولة، ولذا يجب أن يأخذ مكافأة مادية كبرى، من أجل أن يحافظ على كرامة المنصب، شرط أن يعمل بكل قواه من أجل خير الدولة»، كتب الألماني فريدريك الأكبر، عام 1752.

سوف يؤسس فريدريك الأكبر لما سوف يصبح فيما بعد، ألمانيا. وقبل أن يدرك أنه يضع الحجر الأساسي لإحدى أهم دول أوروبا، قال: «لا يمكن أن تكون عندي أي مصالح ليست في الوقت نفسه مصالح شعبي. وإذا ما تعارضت، فالأفضلية دائما لمصلحة وتقدم البلاد». ثم راح يطبق القاعدة على نفسه أولا، وأمر ببناء فيللا صغيرة في بوتسدام (قرب برلين) كان فيها خزانة واحدة، ولم ير في التاج سوى أنه «قبعة يسهل منها دخول الأمطار».

فريدريك الأكبر هو الذي بدأ فكرة «المستنير»، وليس «المستبد العادل» كما شاعت خطأ، لأن لا عدل في الاستبداد. وفي حين كان يرفع هرم الدولة، كان السلطان في إسطنبول يوسع جناح الجواري إلى 500 غرفة، بينما أخذ فريدريك في توسيع بروسيا، وبدأت الإمبراطورية العثمانية في التقلص. يومها قال جملته الشهيرة – أو الرهيبة – وهو يتطلع إلى جارته بولندا: هذا بلد يجب أن يؤكل مثل الأرضي – شوكي (الخرشوف)، ورقة ورقة! استبد في الخارج وانفتح في الداخل. أعطى الحرية للصحف ولم يتمسك حتى باللغة الألمانية. كان يكتب بالفرنسية ويتحدث بها ويقول إنه لا يستخدم الألمانية إلا لمخاطبة حصانه. وفتح الباب واسعا أمام المهاجرين والأديان. وكثرت في ظله نوادي الحوار وجمعيات القراءة والتجمعات الأدبية. وظهر يومها أعظم فلاسفة القرن الثامن عشر، عمانوئيل كانط، صاحب «نقد العقل المجرد»، الذي سوف يصبح في القرن الماضي «نقد العقل العربي» عند محمد عابد الجابري، ومن ثم «نقد نقد العقل» عند ناقده جورج طرابيشي الذي أهدر عمرا في استنهاض شيء منبوذ، ثم الاتفاق على تسميته العقل.

مثل ملكه، كان كانط متقشفا ودقيقا وصارما. وتطلع فريدريك فقط إلى عقل كانط وقال إنه من أعظم معالم وقراءات اللغة الألمانية، بينما انتقده الأخفّاء وقالوا إنه ليس سوى حفيد رجل أسكوتلندي من صناع أسرجة الخيول. الأهمية لم تكن في وقع الحافر، بل في أثر العقل على الفكر الأوروبي والغربي وصولا إلى مفكري النخبة العربية. فريدريك الأكبر أرسى الانفتاح والحرية والعقل، وأدولف هتلر أرسى العمى الفكري والإنساني، ووضع العرق الآري الألماني فوق الجميع، وما التفت إلى كلام شاعر البلاد من عصر النور، فريدريك شيللر: «إنني أكتب كمواطن من العالم. الناس هي كل شيء عندي. هاجسي وسيادتي وصديقي. أنتمي إليها وحدها. وأمام محكمتها فقط أمثل».

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

أفغانستان كحاضنة إرهاب‎

الكل يتذكر أن أفغانستان كانت منذ منتصف الستينات وبداية السبعينات محجة لرحلات جماعية من أفواج شباب أوربا الهيبيز والباحثين عن الحياة البوهيمية في أحضان طبيعتها الخلابة , الباحثين عن رخص ورواج مخدراتها التي يستعملها الشباب الأوربيون في أفغانستان دون حسيب أو رقيب .

إذن : كيف تحولت أفغانستان الى دولة حاضنة للارهاب ؟

منذ العام 1978 وحتى نهاية العام 2001 كان هذا البلد الآسيوي الوعر الفقير قد دمرته الحرب ، مات فيها الملايين أو تعوقوا ، وتحول ملايين آخرون الى لاجئين ، كما خربت الطرق الرئيسة ونظم الري والمدارس والخدمات الصحية . 

وخلال فترات العنف تعلم الأطفال إستعمال السلاح حتى قبل تعلمهم القراءة والكتابة …. هل اختار الأفغان بأنفسهم هذا القدر السيء ؟

لا…. هذا القدر السيء كان مفروضا عليهم بحكم كونهم الحلقة الأضعف أو الجار الأضعف بين عدة قوى متناحرة لم تكن تريد القتال على أرضها فاختارت أفغانستان لتكون ساحة رخيصة لذلك القتال ….

ولم تكن صراعات الأفغان فيما بينهم نتيجة حاجات ذاتية ملحة للشعب الأفغاني ، بل كانت صراعات أفواج جائعة من شعب فقير يتم إطعامه من قبل جيران متناحرين .

الجيران المتناحرون كانوا ثلاثة :

( الهند ) وهي الجارة الاولى التي هي ولحد اليوم أرض للنفوذ البريطاني والأمريكي رغما عن أنف غاندي وأنف عنزته التي شرب الكثير من حليبها على طريق استقلال الهند بالمقاومة السلمية .

( الباكستان ) وهي الجارة الثانية التي عند فصلها عن الهند بعد مؤتمر يالطا , صارت أرضا للنفوذ الأمريكي ، رغم كل عناوين الاستقلال .

( الإتحاد السوفييتي ) وهو الجارالسيء الثالث الذي يمارس شيوعية لينينة بلشفية متخليا بذلك عن قواعد ماركسية ما كان له أن يتخلى عنها … لكن ذلك مباح له وهو دولة استعمارية قديمة لكنها تعمل بشعارات جديدة .

ولا تنسوا … لحد اليوم حين نقول : المعسكر الغربي ، فنحن لا نعني به غير العروة الوثقى البريطانية – الأمريكية .

بسبب هذه العروة أسس الأوربيون إتحادهم الأوربي لإثبات ( هوية أوربية ) من دول إستعمارية قديمة مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال , بإتحادها مع دول أوربية صناعية مثل بلجيكا وألمانيا , ودول رعوية مثل النرويج والدنمارك وفنلندا والسويد . 

و تذكروا جيدا أن ديغول حرم إنضمام بريطانيا الى الإتحاد الأوربي منذ تأسيس الإتحاد الأوربي في ستينات القرن الماضي . في حين أن بريطانيا صارت فيما بعد زعيمة للإتحاد الأوربي … فهل يدرك من ذلك مدى شراسة الصراع حول العالم ؟

الحرب في أفغانستان لم تكن حربا طويلة بين طرفين متنازعين لكنها كانت سلسلة من الحروب المتعاقبة التي تغير فيها الاحزاب المتقاتلة تحالفاتها في كل مرة .

( الحرب الاولى ) كانت عام 1978 – 1979 : وقعت بين أنصار الحكومة الأفغانية الشيوعيون ومواطنيهم أصحاب النفوذ والأموال الذين حاربوا الشيوعيين بآسم

الإسلام .

( الحرب الثانية ) إمتدت من عام 1979- 1989 : حين أرسل الإتحاد السوفيتي قواته وأسلحته الى أفغانستان لمناصرة الأفغان الشيوعيين . في نفس الوقت الذي قامت فيه الولايات المتحدة وحليفتها أو ( مستعمرتها على الأصح ) الباكستان بتقديم الدعم اللامحدود الى الجماعات الاسلامية المقاتلة والتي دعي أفرادها بالمجاهدين .

( الحرب الثالثة ) إمتدت من عام 1989- 1992 : وقعت بعد إنسحاب الإتحاد السوفيتي , بين الأفغان الشيوعيين والأفغان المجاهدين … وانتهت بهزيمة الشيوعيين , بسبب تفكك الإتحاد السوفيتي وتوقف دعمه لهم .

( الحرب الرابعة ) إستمرت من عام 1992 – 1996 : وقعت بين المجاهدين أنفسهم في الإقتتال للإستيلاء على السلطة .

( الحرب الخامسة ) قامت بها جماعة طالبان المدعومة أمريكيا فقاتلت بين الاعوام 1994- 1998 : وحازت السيطرة على معظم أرض البلاد بمساعدة عرب متطوعين للقتال معها عرفوا بإسم : العرب الأفغان .

( الحرب السادسة ) شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على جميع المجاهدين الأفغان تحت شعار ( الحرب على الإرهاب) ، مع أنه لولا سياسة الولايات المتحدة ودعمها لهؤلاء المجاهدين لما كانوا بالصورة التي هم عليها .

قلنا إن أفغانستان بلد فقير به تخلف كبير حتى عن أقرب جيرانه ، طمع به الإتحاد السوفيتي كموقع نفوذ بين النفوذين البريطاني والأمريكي , فمد يده الى حكومة الأفغان الشيوعية من أجل القيام بتحديث البلد ، فاعتبرت الولايات المتحدة ذلك بمثابة تحدي لها .

رجال الدين المسلمون في هذا البلد هم في نفس الوقت إقطاعيون يملكون الأرض ويملكون رؤوس الأموال الكبرى ، تطبيق الإصلاح معناه تأميم أجزاء من ثرواتهم وأراضيهم لذلك رفضوا الإصلاح وتحججوا أنهم لا يريدون حداثة الدولة لآن ذلك حسب قولهم يتنافى مع تعاليم الإسلام .

وفسروا مساواة المرأة بالحقوق وكأنه دعوة للفجور , وربطوا الإصلاح بالدولة الكافرة ( الإتحاد السوفيتي ) ، مستمدين الدعم المادي والمعنوي من الولايات المتحدة الأمريكية الذي كانت توصله لهم بواسطة المخابرات الباكستانية .

يتكون المجتمع الأفغاني من جماعات عرقية مختلفة كل لها مليشيتها ، وصارت هذه المليشيات تتقاتل بينها بعد أن صعدت الصراعات الخفية القديمة الى السطح نتيجة قسوة الحرب وطول مدتها , وجزالة الدفع الأمريكي .

مع حلول عام 1978 كان تعداد السكان عشرين مليون نسمة يعيشون حياة فقيرة معتمدة على الزراعة .

مدن أفغانستان الرئيسة الكبرى هي أربعة : كابول وقندهار وحيرات ومزاري شريف , كما أنها تضم أربعة طوائف عرقية كبرى : البشتون والطاجيك والأوزبك والهزارا وعدد آخر من طوائف أقلية .

كل هذه الطوائف من المسلمين السنة , عدا عن الهزارا فهم من الشيعة .

أشكال متعددة من الخلافات ظهرت بين الجماعات العرقية المختلفة … وكل جماعة سمت مليشيتها : ( مجاهدين ) ودفعتهم للقتال .

بعض هذه الجماعات كانت أكثر أصولية من غيرها ، فمثلا حزب الإسلام الذي كان يقوده قلب الدين حكمتيار , وهو بشتوني ، أكثر أصولية من حزب جماعة الإسلام الذي قاده إثنان من الطاجيك هما برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود .

الحرب الباردة بين الغرب والإتحاد السوفيتي دفعت أمراء الحرب الأفغان لليقين أنهم إذا قاتلوا ضد الشيوعية فان ذلك سيفتح عليهم خزائن الغرب لذلك لم يدخروا وسعا لعمل كل شيء وأي شيء .

الرئيس الأفغاني داؤود خان ، وخلال خمس سنوات من حكمه قام ببعض الخطوات الإصلاحية البطيئة ساعيا الى تحديث البلد دون إثارة حفيظة أحد .. فثار عليه البلد كله . 

ثار عليه الشيوعيون بسبب بطئه , وثار عليه أصحاب المصالح باعتبار أن التحديث يتعارض مع تعاليم الاسلام , عندها وقع انقلاب عام 1978 أطيح بداؤود خان من قبل أحد الأحزاب الشيوعية الأفغانية هو

حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني ، الذي باشر خطوات واسعة للاصلاح وبدعم من الحكومة السوفيتية .

وخلال عام واحد صارت المعارضة التي ( تتلبس إسم الدين ) ضد هذه الحكومة الجديدة قوية جدا .

من ناحية ثانية ظهرت الخلافات حتى بين الشيوعيين أنفسهم . ( حزب خلق ) مثلا التي يقوده نور محمد تراقي وحفظ الله أمين كان شيوعيا متطرفا , في حين أن ( حزب البارشام ) الذي يقوده بابراك كارمال كان أكثر اعتدالا .

حين وصلت حدة المعارضة مداها .. نصح حزب البارشام الحكومة بتخفيض سرعة العمل بالإصلاح , لكن حزب خلق الذي كان على سدة الحكم , عارض تخفيض السرعة , عوضا عنه سعى الى زيادة سرعته في تعديل حقوق ملكية الارض ومساواة الجنسين فزاد غضب وعدد المعارضين .

في أواخر 1978 قامت جماعة من المجاهدين بالتمرد في إقليم نورستان وبعد سنة تمكنت مجموعة منهم تحت قيادة إسماعيل خان من السيطرة على( إقليم حيرات ) ثالث أكبر أقاليم البلد …. عدة آلاف من البشر قتلوا قبل أن تتمكن الحكومة من إعادة السيطرة على الإقليم .

وبإنتهاء هذه المأساة قام حفظ الله أمين وهو في الحكم باعتقال وقتل كل من جرؤ على معارضته , بضمن ذلك عدد كبير من الشيوعيين … ولم يسلم منه حتى رفيقه نور محمد تراقي ، الذي بعد قتله إنفرد حفظ الله أمين بالسلطة وعامل الأفغان بوحشية وكان ذلك إيذانا ببداية الحرب الأهلية .

حدة الوضع في أفغانستان وضعت السوفييت في ظرف لايحسدون عليه .. رغبوا مد يد العون الى الأفغان الشيوعيين .. لكنهم في نفس الوقت رغبوا لو أن الحرب الأهلية أسقطت حفظ الله أمين .. وفي نفس الوقت كانوا مدركين أن سقوط حكومة شيوعية حتى لو كانت حكومة أمين .. هي خسارة لهم ، لذلك وفي 12 ديسمبر عام 1979 وفي لقاء للقادة السوفييت تقرر أن التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان شيء ضروري لحفظ الحكومة الشيوعية الأفغانية من نزاعات قادتها .. ولحفظها أيضا من أعدائها الآخرين .

كانت الخطة أن تحتل القوات السوفيتية الطرق الرئيسية الأفغانية لتمنع المجاهدين من الحركة داخل البلد وتساعد الحكومة على فرض الإصلاحات بالقوة وإعطائها الوقت الكافي لزرع العقيدة الشيوعية بين الناس .

في نفس ذلك الشهر تحركت الدبابات الروسية على طول الحدود بين البلدين . وتم قتل حفظ الله امين وتنصيب بابراك كارمال محله .

وتمكنت القوات السوفيتية من السيطرة على النقاط الرئيسة في جميع أنحاء أفغانستان .

نجاح الإنزال السوفيتي , دعا القادة السوفييت الى الإستهانة بالمقاومة التي سيلقاها ذلك الإنزال من داخل أفغانستان وخارجها .

الولايات المتحدة وحلفاؤها أدانوا الإنزال , لكن محادثات نزع الأسلحة النووية بين القوتين العظميين إستمرت رغم ذلك ، غير أن الولايات المتحدة قاطعت دورة 1980 للألعاب الأولمبية التي عقدت في العاصمة السوفيتية موسكو .

قامت لجنة أمريكية خاصة رأسها الرئيس جيمي كارتر بتقديم مساعدات خيالية للمجاهدين .

اما خلال العشر سنوات التالية فقد إستلم المجاهدون 4 مليار دولار من الإدارة الأمريكية , ليس لآن الحكومة الامريكية داعمة للإسلام ، ولكن لأنها تستخدمهم ضد السوفييت …

كان الأمريكان يريدون تركيع السوفييت الى الأرض في حرب خاسرة النتائج , مكلفة للخزينة السوفيتية الى حد الدمار .

الولايات المتحدة وحلفاؤها منحوا أغلب دعمهم للأحزاب الإسلامية الأكثر تشددا أصوليا لأنهم عرفوا أن هذه الاحزاب هي التي ستسبب أشمل الدمار لعدوهم السوفيتي .

كما عقد الأمريكان معاهدة سرية مع باكستان بمنحها دعما ماديا ومعنويا خياليا اذا هي قامت بدور الوسيط في نقل المساعدات الأمريكية الى الحلفاء الأفغان .

الدول الإسلامية والعربية كالمملكة العربية السعودية ومصر وايران أرادت التخلص من مواطنيها الاسلاميين فدفعت بهم الى قتال الكفار السوفييت في أفغانستان وعززتهم بالمال ، لذلك أعداد مهولة منهم صارت تصل الى أفغانستان من جميع العالم الإسلامي والعربي متطلعة للقتال من أجل المال .. تحت تسمية الجهاد ضد الكفار السوفييت .

الأرض الأفغانية شديدة الوعورة , لذلك حين كانت القوات السوفيتية الجوية تسيطر عليها نهارا , كان المجاهدون يعودون لإحتلال نفس المواقع عندما يأتي الليل , وبسبب هذا القتال الضروس تنامت الكراهية بين المقاتلين الروس والأفغان .

عام 1986 تسلم المجاهدون أولى دفعات الصواريخ والاسلحة المضادة للجو , الأمريكية , وبها صاروا يتصدون وبقسوة للطلعات الجوية السوفيتية … عندها صار جليا أن السوفييت لا يملكون إلا أملا ضعيفا بالنصر .

في منتصف الثمانينات خسرت أفغانستان 50 ألفا من رجالها على الأقل فيما خسر الروس ما لا يقل عن 20 ألف ، أما عدد المدنيين الذين أصيبوا أو قتلوا بالمدفعية والقنابل والصواريخ والقذائف فانه لا يعد ويزيد كثيرا على مئات الآلاف .

كل شيء في البلاد كان قد تدمر وأكثر نواحي وقصبات أفغانستان كان قد تحول الى دويلات صغيرة مستقلة يحكمها أمراء الحرب بإسم الإسلام ، وفيها أقاموا حكوماتهم , وحكموا بين الناس , وجبوا الضرائب , وحاولوا حماية دويلاتهم من العدوان الخارجي .

الوضع في المدن الكبرى كان مختلفا .. برنامج الحكومة الإصلاحي ظل يملك فاعليته ومناصريه وصار الكثيرمن سكان هذه المدن يخشون الأصوليين الإسلاميين أكثر من خشيتهم من تعميم الشيوعية .

أما الشرطة السرية الأفغانية فقد كانت تعمل بالضبط مثل ( الكي جي بي ) الروسية ومشهورة بالكفاءة العالية والهمجية .

أكثر الدول تأثرا بالأوضاع في أفغانستان هما باكستان وايران وهما بلدان إسلاميان منحا اللجوء لكل أفغاني غادر بسبب الحرب .

في نهاية الثمانينات كان هناك ما يزيد على ستة ملايين لاجيء يعيشون في مخيمات البلدين ويشكلون عبئا اقتصاديا عليها ، هذا العبء الذي منح الحق لكلا البلدين للتدخل في شؤون أفغانستان الداخلية .

ايران كبلد مسلم شيعي أكدت على دعم الأفغان الشيعة من الهزارا .. وأسست منهم ما يعرف بإسم ( جيش الوحدات ) الذي كان يقاتل داخل أفغانستان . بينما باكستان التي فر إليها غالبية البشتون منحت دعمها لقلب الدين حكمتيار زعيم الجماعات البشتونية ، وفيما بعد كانت باكستان هي الحاضنة الأولى التي وبدعم أمريكي تأسست فيها حركة طالبان التي قادها الملا أحمد عمر .

في بداية الثمانينات لم تكن الحكومة السوفيتية تسمح لمواطنيها بالإحتجاج على شيء , لكن ذلك تغير عندما وصل ميخائيل غورباتشوف الى الحكم , وقد كان جزء من خطة عمله هو الاصلاح ( برستوريكا ) كما انه شجع الانفتاح ( جلاسنوست ) ، وهذا ما سمح للمواطنين السوفييت التعبير عن إعتراضهم على الحرب التي كان غورباتشوف نفسه غير مقتنع بها . لذلك حاول تغيير الأوضاع .

قام بتغيير الرئيس الأفغاني بابراك كارمال , ووضع بدله الرئيس نجيب الله , وأمره بتطبيق سياسات أكثر اعتدالا ، وأعطى الجنرالات السوفييت مدة عامين للسيطرة الكاملة على الأوضاع في أفغانستان ، ولكن بحلول عام 1987 صار واضحا تماما أن نجيب الله والجنرالات السوفييت قد فشلوا تماما في تحقيق ما أمرهم به .

ولذلك ففي شباط عام 1988 أعلن غورباتشوف أن القوات السوفيتية ستنسحب من أفغانستان … وبعد عام واحد كانت قد أكملت إنسحابها .

رغم الإنسحاب لم يتوقف الدعم المادي والمعنوي والعسكري السوفييتي الى حكومة نجيب الله .

في نفس الوقت الذي أمدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية المجاهدين بدعم لا محدود ، تضاعف أكثر في عهد الرئيس بوش الأب ، لذلك استمر قتال المجاهدين لحكومة نجيب الله .

أعداد كبيرة من المجاهدين توجهت بعد الإنسحاب السوفيتي الى مدينة جلال آباد للسيطرة عليها , لكن العلاقات والإتصالات بين هذه الجماعات , كانت ضعيفة , اضافة الى أن بعض هذه الجماعات , لم تتم إستشارتها بشأن عملية السيطرة على جلال اباد اصلا .. لذلك حين فشلت العملية لام الجميع بعضهم البعض .

حين إنحل الإتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991 , توقف الدعم الذي كان يقدم الى نجيب الله , فسقطت حكومته في نيسان عام 1992 وسيطرت حكومة المجاهدين .

بسبب الخلافات العرقية للمجاهدين تجدد القتال بينهم مرة أخرى ، وخلال الأربع سنوات التالية حاولت الاطراف أدناه السيطرة على كابول :

# حزب الإسلام الذي يتكون من البشتون ويتزعمه قلب الدين حكمتيار

# حزب جماعة الإسلام الذي يتكون من الطاجيك ويتزعمه برهان الدين رباني واحمد شاه مسعود

# المليشيا الاوزبكية التي يقودها عبد الرشيد دوستم

# ميليشيا الوحدات التي أسستها ايران من الأفغان الشيعة اللاجئين الى أراضيها بقيادة عبد العلي مزاري

وفي منتصف التسعينات كانت أفغانستان قد حولتها الحروب المتواصلة الى أطلال ونموذج حي لمعنى وصف دولة ساقطة . إذ لم تكن هناك إشارة واحدة تدل على أن الحكومة تتابع القانون أو أمور المواطنين .

العاصمة كابول تقسمت بين العديد من أمراء الحرب الذين تحكمهم علاقات عدم الثقة والامتعاض والكراهية القديمة , التي تناسوها وتوحدوا لقتال السوفيت لكنها عادت من جديد بعد زوال المحتل السوفيتي .

البشتون يحكمون أفغانستان بسبب كونهم الأكثرية , لكن الطاجيك والأوزبك والهزارا الذين قاتلوا السوفييت أيضا ، صاروا يطمحون الى تقاسم الحكم مع البشتون …

كل شيء تهدم في أفغانستان عدا شيء واحد , كان قد ازدهر بقوة … وهو زراعة المخدرات .

قلنا إن الولايات المتحدة كانت تقدم الدعم للأفغان عن طريق الباكستان ، لذلك سنجد أن حركة طالبان نشأت أولا في باكستان ، وتكونت من البشتون طلبة المدارس الدينية وهم أفغان يدرسون في الباكستان , وبضمنهم قائدهم الملا أحمد عمر ، إضافة الى عدد قليل من الباكستانيين ، يضاف اليهم أعداد مؤثرة من العرب وجميع هذه الفئات هم من أهل السنة الاصوليين .

قامت باكستان بمد حركة طالبان بالتدريب العالي والغذاء والدعم وكانت الولايات المتحدة تبغي من ذلك جعل الطالبان حكومة مركزية قوية .

إستغرقت الطالبان أربع سنوات لتسيطرعلى أجزاء كبيرة من أفغانستان : قندهار 1994 ، حيرات 1995 ، كابول 1996 . عندما سقطت كابول بيد الطالبان البشتونية , قامت الاحزاب المهزومة من الطاجيك والأوزبك والهزارا بتشكيل حلف أسموه : الإتحاد الوطني الإسلامي لجبهة إنقاذ أفغانستان ، وأصبح هذا الحلف يعرف بإسم التحالف الشمالي .

عندما سيطر الطالبان على الحكم أقروا قوانين صارمة مستمدة من الشريعة وعاقبوا بشدة كل من خالفهم ، أوقفوا البث التلفزيوني ودمروا مرسلاته ، سمحوا بعمل الإذاعة , ولكن فقط لبث الأخبار والأذان للصلاة , وحرموا الموسيقى ، وقد لا تصدق أنهم منعوا الأطفال من اللعب بالطيارات الورقية ، منعوا التصوير ، ودمروا المتحف الوطني في كابول ، ثم عمدوا الى تدمير تماثيل بوذا في مدينة باميان ، أما الأذى الأكبر فقد وقع على النساء .

أسامة بن لادن قضى وقتا خلال الثمانينات في أفغانستان , يعمل على تنظيم وصول المتطوعين العرب والتبرعات للمجاهدين ، وخلال تلك الفترة عمل على تأسيس تنظيم القاعدة , لتدريب المتطوعين العرب الواصلين على القتال . وفي عام 1990 أي بعد مغادرة السوفييت أفغانستان , إنتهى عمله , فعاد الى السعودية وعومل فيها معاملة الأبطال والفاتحين .

عندما إجتاح العراق أرض الكويت 1990 ، مباشرة عرض بن لادن أن يقوم المجاهدون ( الذين صاروا الان بلا عمل ) على تحرير الكويت من العراقيين , في حرب عصابات يعلم الله كم ستطول ،، وحين أهمل طلبه وقدمت الأساطيل الأمريكية الى الخليج ….. رفع هو وأنصاره شعار المجندات الأمريكيات اللواتي سيدنسن أرض الحرم .

بسبب أن حكومات مصر والجزائر واليمن والسعودية التي صارت تشتكي من متطوعيها العرب العائدين من أفغانستان وهم عاطلون عن العمل ويملكون خبرات قتالية عالية يمكن أن تقلب وضعية الأمن في بلدانهم , قررت الولايات المتحدة سحبهم من بلدانهم لإشغالهم بمشاكل القرن الأفريقي .

عندها ذهب بن لادن الى السودان لتنظيم عملية سحب هؤلاء المجاهدين وبقي فيها أربع سنوات .

المسرحية الأمريكيه بتفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام 1998 عملية ضرورية ولابد منها , لوضع الضغط على الحكومات الأفريقية وزعماء القبائل الأفريقية , بعدم إيواء المجاهدين أو حمايتهم , لأنهم منذ ذلك الإنفجار أعلنوا أعداء لأمريكا من أجل التأسيس للحرب على الإرهاب .

بن لادن كان قد غادر السودان منذ 1996 وعاد الى أفغانستان ، وأطلق على الملا أحمد عمر لقب ( أمير المؤمنين ) ووعد حكومة طالبان بالمساعدة المالية والعسكرية – بالمقابل قاموا بمنحة الحماية والملجأ على أرض أفغانستان .

إتهمت الولايات المتحدة على لسان رئيسها بيل كلنتون تنظيم القاعدة , أنه المسؤول عن تفجير السفارتين ولهذا أمر كلنتون بشن هجوم بصواريخ كروز ضد معسكر تدريب القاعدة في أفغانستان ، وحين رفض الأفغان تسليم بن لادن فرض الأمريكان حصارا إقتصاديا عليهم .

في العام التالي جددت منظمة الأمم المتحدة التأكيد على المزاعم الأمريكية وأضافت فقرات حصار جديدة على أفغانستان .

وبسبب إيواء حكومة طالبان بن لادن , تغيرت علاقتها مع الولايات المتحدة , من التعاون الى النبذ والكراهية … أو هكذا يبدو , الى أن يتم إلقاء القبض على الملا أحمد عمر , وذلك حسب ظني إحتمال بعيد لأن أمريكا لا تريد ذلك .

اذا أخذنا بالرواية الفرنسية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر فيمكن القول إن مخطط تفجير برجي مركز التجارة العالمي قد تم بتدبير أمريكي , وأيادي مجاهدين عرب , كي يعطي الولايات المتحدة مبررا صارخا لشن هجومها على العالم بحجة الحرب على الإرهاب وهي حرب سيترتب عليها إعادة تقسيم العالم حسب رؤية النظام العالمي الجديد .

جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق الشرقية اصبحت اليوم من دول الكومنولث وهي : روسيا ، روسيا البيضاء ، أوكرانيا ، مولدافيا ، أرمينيا ، أذربيجان ، جورجيا ، كازاخستان ، أوزبكستان ، تركمانستان ، طاجيكستان ، قيرغيزستان . بمعنى أن سياستها الداخلية والخارجية صارت محكومة بسعر الباون الإسترليني , غير أنه من المتوقع خلال العشر سنوات المقبلة حل الصين الى ما لا يقل عن خمسة وعشرين دولة ترتبط سياساتها الداخلية والخارجية مباشرة بالولايات المتحدة , والصين معتمدة في إقتصادها ومكننتها على الولايات المتحدة الأمريكية منذ أيام ماو تسي تونغ , وبذلك تصبح آسيا برمتها حكرا على النفوذين الأمريكي والبريطاني .

بعد وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر أدان مجلس الأمن الدولي المهاجمين وأولئك المسؤولين عن دعمهم .

وبعد أربعة أيام قام الرئيس بوش الإبن بإعلان إتهام بن لادن , وطالب حكومة طالبان بتسليمه , وفي حالة عدم القيام بذلك فان الولايات المتحدة ستهاجم أفغانستان عسكريا . 

قال الافغان : إنه حتى في حالة ثبوت إدانة بن لادن إلا أنه لايوجد أفغاني واحد قد شارك في عمليات التفجير أو يرتبط بشكل مباشر بتلك الاحداث فكيف يهاجمونها عسكريا ؟

أمرت الولايات المتحدة باكستان بوقف أي شكل من أشكال دعمها للأفغان .

وفي 7 اكتوبر2001 شنت الولايات المتحدة وبريطانيا هجوما على أفغانستان بصواريخ كروز , كما إستخدمت القوة الجوية لقصف أهدافها داخل أفغانستان .

أما الحرب البرية فلم يشارك فيها ولا جندي أمريكي واحد بل قام بها أفراد التحالف الشمالي من قوات الطاجيك والأوزبك والهزارا والذين تأسس حلفهم عند سيطرة الطالبان على كابول 1996 كما ذكرنا سابقا … الان أصبحوا حلفاء الأمريكان ضد مواطنيهم البشتون .

دمرت صواريخ كروز القوة الجوية الأفغانية وبعد ثلاثة اسابيع من القتال لم تعد طالبان قادرة على الوقوف بوجه الذين يقاتلونها من مواطنيها قوات التحالف الشمالي ، سقطت مزاري شريف وبعد أربعة ايام سقطت كابول ، وبعد شهر سقطت قندهار ومعها حكومة طالبان ، وعاد أمراء الحرب الطاجيك والأوزبك والهزارا مجددا الى العاصمة كابول .

لم يتم إلقاء القبض على الملا أحمد عمر ، والكثير من الأفغان الآن يكرهون الولايات المتحدة أكثر من كرههم لطالبان … فعشرات الآلاف منهم قتلوا بالقصف الأمريكي مثل مئات آلاف آخرين قتلوا في الحروب القبلية التي تدعمها امريكا ….. وجميعهم لا يعلمون الى اين سيؤدي كل هذا … ولا الى من سيباعون من جديد .

عندما سقطت حكومة طالبان , ولتشكيل الحكومة التي ستعقبها , دعت الأ مم المتحدة في نوفمبر 2001 قادة من أغلب أحزاب الأفغان الى مؤتمر يعقد في بون بألمانيا ، لانتخاب حكومة مؤقتة .

اعتمد الإنتخاب والترشيح على ( المحاصصة الطائفية ) في التشكيلة الحكومية :

# البشتون حازوا 11 مقعدا

# الطاجيك 8 مقاعد

# الهزارا 5 مقاعد

# الأوزبك 3مقاعد

# متفرقات 3مقاعد

تضم هذه الحكومة ثلاث سيدات ..

لايجوز لنا حسن الظن بهذه المحاصصة الطائفية … ربما من حاصص هذه الطوائف أجمع ، يبغي مخالفتها حكوميا ..على أسس إختلافها الطائفي أو العرقي , لكنه يرغب أن يبدو كمن يعطي لكل ذي حق حقه .

انتخب هؤلاء حامد قرضاي البشتوني من أحد الأحزاب الإسلامية المعتدلة ليكون رئيسا لأفغانستان .

إستلمت الحكومة الجديدة مناصبها في كابول 22 ديسمبر 2001 في وقت بدا فيه كل شيء خارج عن نطاق السيطرة .. السياسة والاقتصاد .. والوضع الإجتماعي .

القوات الأمريكية والبريطانية تبحث عن أي شكل من أشكال المقاومة المتبقية لحكومة طالبان أو قوات القاعدة ، لتدميره … أو إعتقاله في قاعدة غوانتناموا لكنها لم تأسر حليفها الأصغر الملا احمد عمر الذي لم يتيقن أحد لحد اليوم فيما اذا كان شخصية حقيقة .. أم هو شخصية من نسج الخيال .

منظمة الأمم المتحدة ، مأمورة كالعادة ، جهزت قوة عسكرية صغيرة لحفظ الأمن في كابول من قواتها متعددة الجنسية .

العديد تم إلقاء القبض عليهم … وأرسلوا الى سجن غوانتاناموا في كوبا ، ولم تتم معاملتهم على أنهم أسرى حرب .. بل مجرمون خطرون تأسرهم الولايات المتحدة .

هكذا تحولت أفغانستان الى حاضنة للإرهاب من أجل أن تمنح للولايات المتحدة الفرصة الأكبر لغزو العالم بحجة الحرب على الإرهاب .ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 2 Comments

صبحي حديدي :نداء أوجلان…. صائب وتاريخي حتى تقول الجبال كلمتها!

صبحي حديدي : القدس العربي

هي ‘دعوة تاريخية’ حقاً، تلك التي أطلقها عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لـ’حزب العمال الكردستاني’، من سجنه في جزيرة إمرالي، أمس؛ وتُليت أمام عشرات الآلاف من الأكراد والأتراك الذين غصّ بهم منتزه نوروز، في مدينة دياربكر، ذات القيمة التاريخية والديمغرافية الكبرى لأكراد تركيا. هي كذلك، وكما شاء لها صاحبها، دعوة إلى الأكراد في كلّ مكان، وإلى شعوب الشرق الأوسط، والعالم بأسره في المحصلة، لاعتبار أوّل بسيط بقدر ما هو جوهري: أنّ شرق أوسط جديداً يولد، ويتنامى، كلّ يوم منذ تباشير انتفاضات العرب؛ والمسألة الكردية تشكّل أحد أركان معادلات هذه الولادة، ليس في تركيا وحدها، بل في سورية والعراق وإيران، والمحيط الإقليمي عموماً.

‘فلتسكت المدافع، ولتنطق الأفكار’، قال أوجلان في رسالته أمس، مدركاً أنّ بلاغة السلام هذه ـ التي سبق للـ

PKK

أن اعتمدها أربع مرّات، على الأقلّ، في سوابق الحوار مع السلطات التركية ـ اكتسبت اليوم الكثير من عناصر القوّة المادية الكفيلة بتحويلها من حيّز القول والأمنية، إلى ميدان الفعل والتنفيذ. وليس خافياً أن حسابات سورية الآتية، حيث يتوجب أن ينعتق الأكراد السوريون، وتُرفع عنهم المظالم كافة، وتُعطى لهم سلسلة الحقوق السياسية والثقافية التي حُرموا منها طيلة أحقاب طويلة؛ كانت في قلب حسابات تركيا، أسوة بالـ

 PKK،

 حين تمخضت مفاوضات جزيرة إمرالي عن خريطة طريق تتلمس حلّ المسألة الكردية في تركيا. ولولا هذا الاعتبار الحاسم، فإنّ التوصل إلى تدابير تاريخية (بينها إلقاء السلاح، وانسحاب قرابة 2000 مقاتل للـPKK من تركيا إلى جبال قنديل في شمال العراق، وإحقاق حقوق الأكراد على نحو ملموس ونوعي وغير مسبوق…) كان سيرورة عسيرة في حدّ ذاتها، فكيف بتنفيذها على مدى زمني قصير، لا يتجاوز نهاية العام الحالي؟

وللمرء أن يستعيد برهة أخرى في حياة ‘حزب العمال الكردستاني’، وزعيمه أوجلان شخصياً؛ حين رضخ نظام حافظ الأسد للضغوط التركية، وأبعد أوجلان خارج سورية، سنة 1998، بعد إقامة في كنف النظام امتدت على 18 سنة. كان الـ’آبو’، لقب أوجلان الأثير لدى أنصاره، قد غادر إلى موسكو، قبيل الذهاب بمحض إرادته إلى العاصمة الإيطالية روما؛ وهناك أطلق تصريحه الشهير التالي: ‘الـ PKK

 حزب وُلد في تركيا، وتحوّل إلى منظمة في سورية، وهو في طريقه لمغادرة موسكو… من أجل تأسيس دولة’! ولقد بدا، يومذاك، أنّ هذا الكردي الفريد ـ الزعيم الحالم، الثائر، اللينيني، الغيفاري، و’يسوع الأكراد’ كما أسمته صحيفة ‘لوموند’ الفرنسية ذات مرّة ـ تناسى أنّ الحكمة الكردية الأعرق هي تلك التي تقول إنّ الجبال وحدها صديقة الكردي؛ وأنّ تلك الجبال تنفكّ بين الحين والآخر عن هذه الصداقة، فتنقلب إلى مقابر جماعية للأكراد، القتلى على أيدي أعدائهم، أو جيرانهم، أو أبناء بلدهم، أو أبناء عمومتهم… سواء بسواء.

تناسى أوجلان فقط، كما خُيّل إليّ، ولم ينسَ؛ لأنه في الواقع ممنوع من النسيان، بالتعريف، شاء أم أبى، مثله مثل أيّ كردي ينتمي إلى أقلّية هي الأكبر على وجه البسيطة؛ كانت، وما تزال، محرومة من وطن قومي، في العالم القديم والحديث، في أزمنة انقسام العالم إلى إمبراطوريات مثل أزمنة اختزال العالم إلى قرية واحدة صغيرة، وفي عقود الحرب الباردة مثل عقد السلام البارد، أيّام المعسكر الإمبريالي والمعسكر الإشتراكي مثل المعسكر الواحد المُعَوْلَم. وحين تمكنت الاستخبارات التركية من الإيقاع به، في نيروبي، فإنها لم تنجح في المسعى لولا مساعدة مباشرة من الاستخبارات الإسرائيلية، واستخبارات غربية وشرقية وأفريقية أخرى؛ وكأنّ الرجل عدوّ شعوب المعمورة، وطريد البشرية جمعاء!

ولقد اشتغلوا، على نحو منهجي خبيث، لتأثيم صورته في المخيال الشعبي العريض، على نطاق ‘العالم المتمدن’، فقُدّم في هيئة ‘قاتل أطفال’، و’إرهابي’ سفك دماء 30 ألف تركي، أو ‘تسبّب’ في مقتل هذا العدد، لأنّ السلطات التركية كانت تحتسب في عداد ضحايا أوجلان ليس أفراد الجيش التركي الذين قُتلوا في عمليات الحرب ضد مقاتلي الحزب، فحسب؛ بل، كذلك، عناصر الـ

PKK

أنفسهم، والمدنيين الأكراد الذين قُتلوا على يد الجيش التركي أثناء تلك العمليات! المنهج الخبيث ذاته اقتضى نقل البطل الكردي من حيّز الأمثولة الكفاحية الثورية، إلى حيّز الأسطورة الحكائية الحزينة؛ هذه التي يحفل بها الوجدان الكردي منذ أقدم العصور، أو لعلّه لا يقيم ذاكرته الجَمْعية على أرشيفات أخرى سواها.

وحين اعتُقل أوجلان، كان ‘العالم المتمدن’ ذاته ينخرط في عمليات نفض اليد من ‘القضية الكردية’، وأخذت تندثر تدريجياً تلك المراثي التراجيدية التي دبّجها الغرب في صالح الأكراد العراقيين عام 1991، ضد صدّام حسين بوصفه تجسيد الشرّ الأعظم. سفر ‘الخروج’ الكردي، كما أسماه بعض المعلّقين الغربيين آنذاك، صار سفر ‘الشتات’ الكردي، ‘دياسبورا’ هنا وهناك في عواصم الغرب. وفي جدل تفاعل الروابط السياسية والثقافية والسيكولوجية بين ‘الخروج’ و’الشتات’، لم تتغيّر كثيراً احتقانات علاقة الكردي بالغرب الذي خانه، مراراً وتكراراً؛ ولا بـ’عالم متمدّن’ تاجر بآلام الأكراد لتصفية حسابات أخرى إقليمية. وفي الحالتين، كان الجرح الكردي يُنكأ، ويتسع أكثر، وينزف أشدّ؛ ولكنه لا يُعالج!

ولقد بدا ثابتاً أيضاً، وعلى الصعيد التركي في الأقلّ، أنّ ملفات قضية الأكراد في تركيا لن تُغلق بإغلاق ملفّ رجل كردي واحد يدعى أوجلان، سواء مكث على صورة ‘تشي غيفارا كردستان’، أو تنامت صورته الأخرى كـ’يسوع الأكراد’. كان ثمة عشرات الآلاف من الأكراد الذين قضوا جرّاء التعنّت التركي، وآلاف القرى التي أُحرقت في إطار سياسة محو الهويّة الكردية، وعشرات البرلمانيين الأكراد ـ الأتراك الذين انتُخبوا ديمقراطياً واعتُقلوا عرفياً لمجرّد أنهم خاضوا في شؤون المواطنين الذين انتخبوهم، والألعاب الأمريكية ـ التي لم تكن تتوقف، إلا لكي تبدأ من جديد ـ في الملفات الكردية شمال العراق… كلّ ذلك، وسواه، كان كفيلاً بإبقاء قضية الأكراد الأتراك مفتوحة على فراغ سياسي وتنظيمي ومطلبي وكفاحي، سوف يسارع إلى ملئه أكثر من أوجلان واحد، طال الزمن أم قصر.

وحين تقاطر آلاف الأكراد إلى روما للإعراب عن التضامن مع أوجلان، طريد كلّ أرض آنذاك، كانوا في الآن ذاته أشبه بكورس إغريقي غير عادي؛ احتشد لكي يعترض على القَدَر، ولم يكن يقوم بمهمّة أخرى سوى تلك المناطة بأيّ كورس إغريقي:

الانحناء أمام جبروت القدر. فوق هذا، كانت مفردات ذلك الجبروت تتجاوز صفقات الآلهة مع البشر، إلى صفقات الحكومات والأجهزة بين بعضها البعض أولاً؛ وبينها، تالياً، وضدّ ما تبقّى من أحلام الكردي الذي تقرّى شخصية ‘المخلّص’ في شخصية القائد السياسي، المنفيّ والمحاصَر والمساق صاغراً إلى أقدار صاغرة. وكيف للكرديّ أن يتحاشى ذلك الانسياق الرهيب نحو المأساة، إذا كان كرد آخرون، أبناء عمومة ونسب وقربى، هم الذين تصدروا لائحة السماسرة المشتغلين عند الكبار، عاقدي الصفقات!

وفي الأساس، يتوجب التذكير بأنّ تاريخ ‘حزب العمال الكردستاني’ هو، من وجهة أخرى، خلاصة الحصاد الممتاز لانعطافة حاسمة في التفكير التركي التقليدي إزاء المسألة الكردية، نجمت أساساً عن المخيّلة المكيافيللية التي تحلّى بها الرئيس التركي الأسبق تركوت أوزال؛ خلال مفصل مثالي من ديناميات تلك الحقبة، حين اغتنم مناخات ما بعد ‘عاصفة الصحراء’، والملاذ الآمن’، وانتقال أبصار العالم إلى المثلث الكردي على الحدود العراقية ـ التركية. لقد عبر أوزال نهر الروبيكون، واتخذ ثلاثة قرارات اجرائية غير عادية: إبطال قانون ‘اللغة الأم’، الذي كان يحظر اللغة الكردية حظراً يبلغ حد الإلغاء التام، والاجتماع مع ممثلي الأكراد العراقيين، وإصدار عفو جزئي شمل العديد من الشخصيات الكردية البارزة.

ولأن أجواء تلك الحقبة كانت توحي بإمكانية تحويل العراق إلى نسخة بالكربون عن الرجل العثماني المريض في أوائل القرن، بل كانت تنذر بالكثير من الآمال العريضة (التي انهارت واحدة تلو الأخرى، بسرعة قياسية)؛ فإن أوجلان لم يختلف كثيراً عن مسعود البرزاني أو جلال الطالباني، أو حتى عن المطرب الشعبي الذائع الصيت رحمي سالتوك، في التهليل لمبادرة أوزال، والاستبشار بما ستحمله للكرد من مغانم سياسية وثقافية وإنسانية. لقد بدت إذعاناً من الحكومة التركية لمتطلبات النظام الدولي الجديد، ولاح في تلك الفترة أن أوجلان يثق بشيء آخر سوى الجبال والكلاشنيكوف والماركسية ـ اللينينية، بدليل تصريحه الدالّ: ‘الحقّ أنني لم أكن أتوقع أن يبدي أوزال هذا القدر من الشجاعة. لقد أخجلنا جميعاً، واتخذ الخطوة الهامة التي تبطل 67 عاماً من حالة العبث الإيديولوجي’.

غير أن الإيديولوجيا في مستوى الحلم، وليس الإيديولوجيا في مستوى العبث، كانت محرّك البرنامج السياسي الشهير ‘درب الثورة الكردية’، الذي وقّعه أوجلان وتضمن سلسلة مقولات راديكالية، بينها واحدة رأت أنّ كردستان المبعثرة والغائبة هي نتاج سياسات آثمة نفذتها أربع دول (إيران والعراق وتركيا وسورية)؛ وأنّ إحياء كردستان يمرّ عبر درب وحيد هو الثورة الكردية الشاملة في هذه الدول. أما الـ’آبو’ نفسه، ولكن في مطلع الثمانينيات، فإنه القائل بخوض حرب التحرير على ثلاث مراحل: الدفاع الستراتيجي، وتوازن القوى، والهجوم الستراتيجي. وتلك اللعثمة التقنية في توصيف أغراض كانت بسيطة واضحة، إنما نبعت من حقائق الأرض وحسابات القوى المضيفة والقوى المطارِدة والحزب المطارَد، على حدّ سواء.

ويبقى أنّ لجوء أوجلان إلى روما، سنة 1998، كان إشارة أولى إلى ميل الحزب للتعاطي السياسي مع الحكومة التركية، على خلفية صيغة ما من حكم ذاتي يمنح أكراد تركيا بعض الحقوق السياسية والثقافية والإدارية؛ مقابل التخلّي النهائي عن ‘حرب التحرير’، وعن الانفصال وتشكيل دولة مستقلة. فهل احتاج التاريخ إلى 15 سنة لكي يبدو نداء أوجلان التاريخي وكأنه، اليوم، يستعيد تلك البرهة السياسية الضائعة؟ ربما، مع فارق أنّ متغيّرت المنطقة لا تحصّن الفرصة الراهنة وتضاعف احتمالات نجاحها، فحسب؛ بل لعلها لا تترك أمام الفرقاء أي خيار آخر سوى اغتنام الرياح التي تهبّ على المنطقة.

‘نضالنا لم يكن ضدّ أيّ عرق أو دين أو جماعة. نضالنا كان ضدّ كلّ أنواع الضغط والقهر. ونحن اليوم نستفيق على شرق أوسط جديد، وتركيا جديدة، ومستقبل جديد’؛ قال أوجلان في ندائه التاريخي، مؤذناً بإسكات المدافع، وإطلاق الأفكار الكفيلة بإحقاق الحقوق.

.. كما للمرء أن يأمل، وكما يتوجب أن تشهد الجبال… أخلص أصدقاء الكردي!

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

النظام السوري ينشق عن «علمانيته»

 الحياة – الجمعة ٢٢ مارس ٢٠١٣ كتبت سلمى إدلبي *

«صدر عن مجلس الإفتاء الأعلى في الجمهورية العربية السورية البيان التالي: «باسم الله الرحمن الرحيم. قال تعالى: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)…»

الفيديو هذا لم يسرّبه الجيش الحرّ، ولا حتى النشطاء المدنيون، ولا حتى جبهة النصرة، لقد بثته الفضائية السورية نقلاً عن المفتي العام للجمهورية العربية السورية أحمد بدر حسّون. هل انشق حسّون؟ كلا لم ينشق. النظام «العلماني» يدعو أبناءه إلى الجهاد في سبيل الله. الشارع «السلفي» و «الإرهابي» لم يسمع قبل الآن بأن ثمة مجلساً أعلى للإفتاء في سورية!

المذيع الشاب يرتدي بدلة رسمية وربطة عنق داكنتين وقميصاً أبيضَ. يلقي البيان بصوت رخيم وواثق، بالطريقة ذاتها التي كان يلقي فيها هو وزملاؤه المذيعون بياناً يندّد بالحركات الإسلامية أو بتسمية يوم جمعة بيوم الجهاد.

أسفل الشاشة، يمتد مستطيل أحمر كتب فيه: بيان مجلس الإفتاء الأعلى في الجمهورية العربية السورية وضرورة القيام بالواجب الشرعي في الدفاع عن الوطن ووحدته.

في الشريط المتحرك أيضاً أسفل الشاشة نقرأ: الرئيس الأسد يصدر مرسوماً بمنح الفنان الراحل ياسين بقوش وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة.. وعائلة الفنان الشهيد تعبّر عن شكرها وتقديرها للّفتة الكريمة من جانب الرئيس الأسد..

إطلالة المذيع بصوته المدروس، المستطيل الأحمر وما كتب في داخله، الشريط الإخباري وتكريم «ياسينو» بعد استشهاده، كلها أمور ترسم مشهداً يصعب وصفه أو الحديث عنه. مشهد مكرّر إلى حدّ الضجر. التكرار، تلك المفردة المعقدة، يشتغل عليها البعض فتصبح سحراً، بينما تتحول لدى البعض إلى مشهد يثير الضحك والبكاء، وربما الغثيان. أذكر عندما سرّبت أجهزة أمنية إمكان استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل، ثم صرّح الصديق الحميم السابق أحمد داود أوغلو في الثالث من كانون الأول (ديسمبر) 2009 «أن أنقرة تسعى إلى استئناف مفاوضات السلام غير المباشرة بين سورية وإسرائيل التي توقفت جراء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة». أذكر ردود الفعل الخائفة. أذكر كيف تدلّى الغبن من أعين الكثيرين. عندما تفقد الأثمان الباهظة التي يدفعها الإنسان، قيمتها، يفقد الإنسان قيمته أيضاً. تصبح كرامته مجرد مفردة فارغة، مثلها مثل مفردات كثيرة متراصة بعضها إلى جانب بعض في خطاب رسمي. الشعب السوري يعرف أكثر من غيره المعنى الفعلي للمقاومة التي روّج لها النظام طوال عقود. الشعب السوري لم يتفاجأ عندما بدأت إسرائيل قبل أسابيع بناء جدار عازل على حدودها مع سورية. وربما شعر بغمرة سعادة عابرة. إنها الكرامة المهدورة تستعاد يوماً بعد يوم. نعم، في لحظة معينة، يبدو أن الشعب الذي استعاد جزءاً من حريته بات يخيف إسرائيل أكثر بكثير مما يخيفها (نظام الممانعة). أول نظام يعلن الحرب على عدوّ عدوّه! ومخيّم اليرموك يشهد على ذلك.

تكرار. عندما يكرَّم ياسين بقوش بعد موته، يعبر ذاكرتي سرب من الصور. ألم يكرَّم معظم المبدعين السوريين بعد موتهم؟ على مبدأ «الحي أبقى من الميت»، فيكون التكريم لأهل الراحل وليس له. ردود الفعل الشعبية التي أحاطت «ياسينو» بعد استشهاده، كانت لتساوي في قلبه ما يغمر وسام الاستحقاق وما يطوف عنه.

تكرار. عندما يسمح النظام للشيخ الفلاني أن يسرح ويمرح في مسجده وأن يستقبل طلاباً من بلدان عربية مختلفة ليتخرجوا بعدها «أصوليين» و «جهاديين»، ثم يغلق الجامع ويمنع دروس الدين للأجانب لأن ذلك يمسّ تاريخه العلماني. عندما يسمح للبوطي بساعة أو ساعتين أسبوعياً، يطلّ من الشاشة الصغيرة ليهدي الناس ويعلّمهم أصول الدين بلغة تحذيرية قاتمة كالنقاب، قاسية كالحطب، في حين يمنع أي معارض أو مثقف علماني من أن يطأ عتبة مبنى الإذاعة والتلفزيون أو تمنع مجموعة من الأصدقاء من تأسيس جمعية تدعم «العلمانية»، بحجة أن الأحزاب ممنوعة.

إنها الدعوة إلى الجهاد إذاً! التكرار الأحمق. بعض من يقاتل ضد قوات الجيش النظامي الآن هو نفسه من أرسله نظام «الممانعة العلماني» إلى العراق للجهاد في سبيل الله ضد القوات الأميركية والبريطانية. النظام العلماني، لم يقف في وجه موجة التشيّع التي غزت الساحل السوري قبل سنوات قليلة. النظام العلماني أمر بتسريح نحو 1200 معلمة منقبة من السلك التربوي للحفاظ على العمل «العلماني الممنهج» ثم تراجع عن قراره بعد أسابيع قليلة. النظام العلماني دعم حركة «القبيسيات» السريّة مع العلم أن العمل السرّي ممنوع. النظام العلماني أعطى محمد سعيد رمضان البوطي ترخيصاً لمحطة دينية، بعد أيام قليلة على بدء الثورة. النظام العلماني شوّش على بث كل الأقنية «المعادية» و «العميلة»، من «الجزيرة» إلى «العربية» و»الأورينت» وغيرها، باستثناء قناة واحدة فقط هي «الصفا»، التي يطلّ من خلالها العرعور. النظام العلماني اعتقل من معارضيه العلمانيين أكثر بكثير مما فعل مع معارضيه الإسلاميين.

يبقى السؤال: من هي الشريحة التي يخاطبها البيان تحديداً؟ أذكر أول سنة من الثورة، عندما كان النظام يستعرض عضلاته ويجمع العشرات في مسيرات مؤيدة تخرج كل يوم تقريباً. أذكر كيف كانت كاميرا التلفزيون الرسمي تجول بين الصبايا الموالين واللقطة تكون موجهة على الشعر والصدر المكشوف تحت كنزات ضيقة ومثيرة. نعم. «انظر أيها العالم المتحضر إلى الفرق بين من تسمّيهم بالشبيحة والمنحبكجية وبين المندسين أو الإرهابيين. في الوقت الذي لا نلمح فيه سوى قلة من النساء في التظاهرات المعارضة، تكاد تكون المسيرات المؤيدة نسائية بالكامل. وليس أي نوع من النساء. نساء «علمانيات» منفتحات، سافرات، متحضرات». 

من هي الشريحة التي يخاطبها البيان تحديداً؟ إذا كان المسيحي مستثنى من هذا النداء بطبيعة الحال، والعلوي أيضاً كونه لا يؤمن على حدّ علمي وحتى هذه اللحظة على الأقل، بالجهاد في سبيل الله! من إذاً؟ الدرزي؟ الكردي؟ السنّي؟ النظام «العلماني» الذي ينبذ الطائفية ويحذر منها منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة، يدعو إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، في بلدٍ تشكل المعارضة السنّية فيه الأكثرية. هل هي دعوى للسلفيين والمرتزقة؟ هل يستنجد النظام بأعدائه؟ ثم يقول البيان ما معناه أن الدفاع عن سورية الموحدة هو فرض عين ليس فقط على الشعب السوري وإنما على الدول العربية والإسلامية أيضاً!! بالتالي، الدعوة لا تشمل إيران مع أنها تمهّد في الخفاء لـ «شرعنة» وجود قوات إيرانية على أراضيها. وئام وهاب صرّح على قناة «المنار» قبل أيام أن 500 ألف جندي سيأتون من طهران إلى الأراضي السورية. إضافة إلى أنها محاولة لـ «شرعنة» عمل اللجان الشعبية. من يبقى إذاً؟ المملكة العربية السعودية وقطر؟ أم مصر وليبيا وتونس والأردن؟ أم من؟

«أبناء سورية الأبيّة، أبناء أمّتنا العربية والإسلامية، في ظل الأوضاع التي تشهدها الجمهورية العربية السورية من حرب شنّت على الوطن (….) ومن خلال استهدافهم لمواقف سورية الداعمة لحرية القرار الوطني والكرامة الإنسانية! واليوم شعبنا يقدّم خيرة أبنائه للدفاع عن سورية…».

تلك الجملة الأخيرة قادرة وحدها على إشعال ثورة جديدة. الشعب يقدّم خيرة أبنائه فعلاً. إلى أين سيهرب النظام من صراخ الأمهات، وأمهات الساحل الموالي لا يقلّ وجعهنّ عن غيرهن، بخاصة أن شهداء المعارضة اختاروا الخروج من بيوتهم إلى الشارع طوعاً، تدفعهم قضية لا تقدّر بثمن، والموت بالنسبة إليهم ليس سوى أبخس الأثمان. بينما يموت شباب الساحل دفاعاً عن شخص واحد. وهل سيطول صمت أمهاتهم؟ شباب الساحل الذين تبنى في ضيعهم، إلى جانب بيوتهم المتواضعة، وأسطح عماراتهم المتداعية، قصور فارهة لضباط فاسدين. أعرف كيف ابتلعت تلك القصور البحر وحرمت أهل البيوت المحاذية من متعة النظر إليه. أعرف كيف تقطع الكهرباء في ليالي الصيف الحارة والرطبة، بينما تدور محركات تلك القصور وتختلط أصواتها بهدير المكيفات. كيف يبعق أحد العساكر بوجه أطفال الضيعة وهم يدورون حول سيارات «المعلم» الكبيرة والجديدة، يلمسونها كتحفة نادرة.

اللافت، هو أن جزءاً لا بأس به من أهل الساحل الموالين الآن، كان معارضاً ومتمرداً، لا يخشى شتم صاحب القصر و«معلّمه» الأكبر منه. بينما كان المجاهدون الذين استعان بهم النظام للتسلل إلى العراق، والذين يقاتلون ضدّه اليوم، موالين له إلى حد كبير.

* كاتبة سورية

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

ادوار حشوة : من محمد عمران الى محمد البوطي كفاكم ذبحا

كلنا شركاء  

من التجربة هناك قاعدة يعمل عليها النظام فحين تكون الشبكة العسكرية الحاكمة تواجه تفككا فان ما يجب فعله لكي

تعود الى وحدتها وتدعم النظام هو ضرورة ان تشعر بالخوف من الآخر الديني . 

عندما قام النظام باغتيال اللواء محمد عمران في طربلس على يد مجموعة من مخابرات امن الدولة بقيادة نزيه زرير

تعرضت الكتلة الى تفكك كبير لان اللواء عمران من العلوين الذين يعيشون في المخرم شرقي حمص والذي 

كان من ابرز ضباط حركة 8 آذاروهو عضو في اللجنة العسكرية التي قادت الانقلاب والمكونة من صلاح جديد

وحافظ الاسد وعبد الكريم الجندي وسليم حاطوم ومحمد عمران وتصفيته خلقت حالة احتجاج في اوساط الجيش 

فما كان من المخابرات الا ان خططت ومولت ودفعت الى تنشيط الموالد الاسلامية فانتشرت فجأة الاعلام

والتظاهرات الدينية التي كانت ممنوعة ولا حظنا في حمص خاصة ان امن الدولة تشجع علنا على ذلك . 

كان الهدف هو تخويف العلوين من قدوم مد ديني فيتماسكون بعد تفكك ويتناسون مقتل محمد عمران وفعلا

حدث ذلك وتحقق وفي الاعوام التالية لم يسمح لا بالموالد ولا بأي مظاهر لان قائدا علويا آخؤ لم يقتل بعد. 

الآن ومع صحة الاخبار عن انتفاضة في الاحياء العلوية الشرقية وفي الجبل بصورة أقل شهدنا ردا سلطويا

هو التالي :

1-نشر اشاعات في الاحياء العلوية بحمص ان هناك 6 سيارات مفخخة دخلت الاحياء وخوفا من تفجيرها دعوا

اهل الاحياء الى البقاء في بيوتهم وخوفوهم كثيرا وذلك ريثما يتم اكتشاف هذه السيارات وتفكيكها وكثيرون من 

البسطاء صدقوا ذلك وانتشر الخوف مع ان الامر لايعدو اكذوبة لان الاحياء محاصرة من قوى النظام باحكام

شديد و من قبل عناصر امنية من الاحياء.

الهدف من هذه الاشاعات هو كالهدف بعد مقتل الواء عمران هو اعادة الوحدة الى الكتلة ومنع تصاعد 

الانتفاضة التي يقودها شباب من الداخل باتجاه الانضمام الى الشعب. ولكن وحتى لو فجر النظام سيارة ا

او أكثر مضحيا بارواح الاهل فان احدا لن يصدق ذلك لان المرء لايلدغ من جحر مرتين .

2- قيام النظام بوضع عبوة ناسفة داخل مسجد الايمان حيث الشيخ الموالي محمد سعيد البوطي يلقي دروسه 

اسبوعيا في اطار حراسة مشددة وفي منطقة تضم مراكز عسكرية وحزبية وادارية محمية بشكل كبير لايمكن

اختراقه مضحيا بالبوطي وبالعشرات من اتباعه لكي يثير في دمشق حالة احتجاج ديني ضد الثوار لان 

الناس سيصدقون انهم فعلوا ذلك ما دام المقتول هو من انصار النظام وبالتالي فان دمشق التجار ورجال

الدين الموالين سوف يلتحمون اكثر بالنظام بعد ان تبين ان قاعدة النظام في اسواق دمشق تعاني من 

حالة تفكك وكذلك الشبكة الدينية الموالية وبالتالي فان حدثا كهذا قد يوقف تدهور الوضع في داخل دمشق

التي لم يغبق التجار اسواقها يوما واحدا رغم مجازر النظام لمدة سنتين وذلك بفعل تحالف كبار تجار الشام 

العشرة المعروفين مع تحالف رجال دين موالين والمطلو ب استمرار ذلك ولو تم تضحية بشخص مهم مثل

الشيخ البوطي الذي رغم الاختلاف معه بالموقف السياسي هو علامة بارز سيخلق قتله ردودا احتجاجية يوجهها النظام ضد الثورة التي لم تقصف مسجدا ولا كنيسة بل الذي فعل ذلك هو النظام وحده . 

ان هذا الانفجار المخطط له مخابراتيا يجب ان لا يؤدي الى ما يريده ا لنظام وآن الاوان لكي نفهم

ان الشبكة العسكرية تريد خلط الاوراق في الساحة لاضعاف الثورة وقديما قالوا اذهب الى 

الحقيقة بذكائك لتعرفها وبقلبك لتحبها وبارادتك لتنفذها والحقيقة صارت مكشوفة لمن يتمتع بحد

ادنى من الذكاء فخيطوا بغير هذه المسلة كفاكم ذبحا .

22-3-2013

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment