قصة و حكمة من زياد الصوفي..11

القصة:

ما بعرف سنتها شو خطر عبالي!! رحت فتحت كافيه انترنت بمنتجع الشاطىء الأزرق..

الدنيا صيف و مافي شبيح بالعالم -الله يرحم جدو – إلا و كان يصيف بهالاوتيل..

بيجيني الصبح مرافقة فراس طلاس و بيحجزو المحل كلو بالليل منشان ولاد المعلم يجو يتسلو بالليل حرام..

حجزتلهون كل المحل يومها، كمان حرام الأستاذ فراس لازم نعطيه شوية وقت يرتاح من هم الوطن و المواطن.. شوي يا جماعة و بيجي مرافقة كمال الأسد بدهون يحجزو المحل بالليل لاحفاد المعلم ، قلتلهون والله يا شباب مافي مجال اليوم المحل محجوز بالليل لولاد فراس طلاس..

ايه و شو هالخرة يعني!! بتلغي حجزون و بتقلون أحفاد الأستاذ كمال جايين..

أمركون يا خيي.. نحنا بأمركون..

إجا الليل و أجو هالاولاد مع رفقاتون يلعبو.. المرافقة شي قاعد برا المحل و شي جوا..

شوي و بيدخلو اتنين شباب و معهون تلات ولاد..

مرحبا معلم.. يللا طلعلنا العالم و فضيلنا المحل منشان ولاد المعلم يلعبو، ما بيحبو الضجة..

قلتلهون والله يا معلم الشباب أحفاد الأستاذ كمال و ما فيني طالعهون..

اتطلع فيني بنظرة استجحاش و قرب على داني و وشوشني: ايه هادول أحفاد القائد..

والله حملت حالي و قلتلو لكبير مرافقي أحفاد الأستاذ: والله يا شباب أحفاد القائد هادول.. دخلكون مين أهم؟؟ كمال أو القائد؟؟؟

الله وكيلكون أحفاد كمال خلال ثواني صارو بتخوتون لأنو عالاغلب إجا وقت النوم..

الحكمة:

قاضي الشبيحة شنق حالو…زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

العلمانية مفهوم للترك أم للتبني؟ 2

أنهيت مقالي السابق تحت نفس العنوان بالتساؤل: “هل إن الثورات العربية يمكن أن تضع مجتمعاتنا في مأمن من عودة أي نوع من الاستبداد، خاصة الاستبداد الديني، حتى لو وصل الإسلاميون عن طريق الانتخابات إلى السلطة؟”

ولا يخلو مقال الكاتب منصف المرزوقي من مواقف تتعرض لهذه الإشكالية وإن بتردد وتخبط مؤسفين. فهو نفسه يطرح سؤالا هاما تحت عنوان: ((كيف يمكن منع المستبدين باسم الدين من التمكن من الدولة ومصادرتها لمصالحهم الخاصة وتكليف المجتمع ما يكلفه كل نظام استبدادي من آلام عبثية؟)).

ويجيب: ((الردّ التجريبي الخصوصي (اللائكية الفرنسية): بفصل الدين عن الدولة. تُرجِم بمنع البابا والأحبار من التدخل في السياسة الفرنسية عبر أحزاب ومؤسسات دينية ومنع تمويل نشاطها من المال العمومي وخاصة الاستئثار بالتعليم العام لقطع دابر كل تأثير على عقول وقلوب الأجيال المتتالية)).

ثم يسأل ((ما الحلّ الخصوصي عربيا بما أنه لا بابا نمنعه من التدخل في شؤون الدولة ولا كنيسة إسلامية نستطيع عزلها ولا مجال لمنع تدريس التربية الإسلامية في مناهجنا وهي جزء من تراثنا الثقافي وهويتنا… علما وأننا نحن أيضا نواجه الإشكالية العامة. والاستبداد باسم الدين قوام تاريخنا والعمود الفقري لأكثر من دولة عربية إسلامية ناهيك عن خطر تجدده والموجة الإسلامية تكتسح مجتمعاتنا)).

المرزوقي هنا يعطي لنفسه حقا منعه عن العلمانيين وهو يتهم المستبدين باسم الإسلام كإمكانية حقيقية، وليس مجرد تهمة كما رأينا في المقال السابق. لكنه، ويا للمفارقة! يتبنى نفس خطاب الإسلاميين عندما يقدمون حججهم للناس على رفضهم للعلمانية التي لها مبررها في الغرب بسبب وجود البابا والكنيسة وليس في الشرق ما يقابل هذه المؤسسة الدينية القوية. لنقرأ ما كتبه القرضاوي بهذا الصدد:

((والعلمانية عندهم، لم تَمْحُ سلطة الدين ورجاله، وإنما فصلت بين السلطتين: الروحية والزمنية، وتركت لكل منهما مجالها ونفوذها وحرية تحركها، وقد بقيت هناك سلطة الكنيسة، تمارس نشاطها بما تملك من مال ورجال وسلطان… أما نحن، فليس لنا سلطة دينية مستقلة مقتدرة، فالعلمانية ـ عندنا ـ تعني تصفية الوجود الإسلامي، بحيث لا يبقى له قدرة ولا سلطان ولا حرية، ما لم يكن خادما للسلطة السياسية القائمة)).

القرضاوي يقول هذا وكأن الدين الإسلامي لم يكن دائما خادما للسلطة السياسية، وفي أحسن الأحوال كان شريكا رسميا يتقاسم معها السلطة، عندما تتخلى له عن جزء من نفوذها على العامة، ليقوم بوازع القرآن ما تعجز السلطة عن القيام به بوازع السلطان. والقرضاوي يقول هذا لكي لا يطالب بفصل الدين عن الدولة عن طريق دعوة الدولة إلى رفع يدها عن الدين والتدخل في توجيهه في كل صغيرة وكبيرة ابتداء من الإشراف على رؤية هلال رمضان إلى إلزام أئمة الجمعة بخطب تأتيهم من الهيئات الإدارية المشرفة أو على الأقل توجيههم إلى ما يجب أن يقولوه وما لا يجب.

ثم ما الفرق بين القرضاوي وبابا روما، ألا يرأس مؤسسات إسلامية لها من النفوذ ومن المال لا يحسدها عليها البابا. ولقد سبق لي في المقال السابق الإشارة إلى وجود مؤسسات إسلامية كثيرة في بلداننا لا تقل نفوذا عن الفاتيكان، من بينها أداة الدولة المسخرة لخدمة الدين بل الدين المذهبي.

السبب في رأيي ليس حرص رجال الدين على سلامة دينهم، بل حرصهم على تقاسم النفوذ مع الحكام عبر استغلال رصيدهم الديني ونفوذهم على العامة. في الجزائر كانت جمعية العلماء المسلمين قبل الاستقلال تطالب بفصل الدين عن الدولة، لأن فرنسا كانت تتدخل في الشؤون الدينية؛ تراقب الحركة الوطنية بما فيها رجال الدين الإصلاحيين وتضيّق الخناق على الصحف والمدارس الحرة وخطب المساجد، بل إن ابن باديس رائد الإصلاح الديني كان من المؤيدين لكمال أتاتورك في فصله الدين عن الدولة وإلغاء الخلافة وتجريد شيوخ الإسلام من نفوذهم. الآن جمعية العلماء المسلمين تقف ضد العلمانية وضد فصل الدين عن الدولة ومع إدراج الشريعة مصدرا رئيسيا للتشريع. لماذا؟ هل للمسألة علاقة بالدين؟ يعني هل فصل الدين عن الدولة بما يعنيه من رفع الدولة وصايتها على المؤسسات الدينية وإلزام هذه الأخيرة بعدم التدخل في شؤون الدولة والحياة السياسية والحزبية واحترام الحريات سوف يضعف الدين في قلوب الناس؟ كيف إذن واصل الناس طوال قرون التمسك بهذه الدين حتى في فترات غياب الدولة تماما وفي فترات الاستعمار (النصراني).

يجيب المروزقي بعد هذا التردد: ((أليس الحل بكل بساطة الديمقراطية التي فيها كل الضمانات ضد الاستبداد بالدين ناهيك عن الاستبداد بالدولة، للأسف هي مشلولة تجاه الاستبداد بالمال)).

وبما أن من أهم الأسس الديمقراطية تساوي الفرص بين جميع الفرقاء، فأنا لا أفهم كيف أن مفكرا (علمانيا) ديمقراطيا يكتب: ((ولا مجال لمنع تدريس التربية الإسلامية في مناهجنا وهي جزء من تراثنا الثقافي وهويتنا…)). فهل اطلع المرزوقي فعلا على مناهج التربية الدينية في مدارسنا حتى يتبنى هذه الفكرة الخطيرة على نزاهة الممارسة الديمقراطية؟ ألا يدرك أنه من غير العدل بين الأحزاب والشخصيات المتنافسة سياسيا أن تستفيد الأحزاب الإسلامية من دعاية مجانية لبرامجها في المؤسسات التربوية تبلغ حد تكفير الخصوم بوصفهم أعداء للإسلام إذا وقفوا ضد تطبيق الشريعة الإسلامية التي توصف بأن حلولها ربانية تسمو على كل فكر وضعي؟ فعن أية ديمقراطية يتحدث المرزوقي؟

ثم ينسى حكمه السابق (((علما وأننا نحن أيضا نواجه الإشكالية العامة والاستبداد باسم الدين قوام تاريخنا والعمود الفقري لأكثر من دولة عربية إسلامية ناهيك عن خطر تجدده والموجة الإسلامية تكتسح مجتمعاتنا))، فماذا يعني الاستبداد باسم الدين إذا لم يَعْنِ محاربة الديمقراطية باسم الشورى ورفض التداول على السلطة لأن “البيعة مرة واحدة” في الفقه الإسلامي ومحاربة القوانين الوضعية العلمانية باسم أسبقية الشريعة ومحاربة الحريات باسم الأخلاق الإسلامية التي تسمو على ما سواها؟ ويكتب ((أضف لهذا أنه لا معنى فيها (الديمقراطية) لفصل الدين عن الدولة، هذا البعبع النظري الذي يجعل الشرر يتطاير من عيون الإسلاميين. فداخل النظام الديمقراطي يمكن لأي حزب ولو كان دينيا –انظر التاريخ الطويل في إيطاليا للمسيحيين الديمقراطيين- أن يستلم السلطة وأن يمارسها طالما احترم قواعد وأسس الديمقراطية التي أوصلته إليها. كما يمكن لحزب غير ديني أن يمارس السلطة بنفس الشروط لكن لا دينيته هذه لا تمنعه من احترام مشاعر وطقوس المتدينين ومواصلة الإنفاق على مؤسساتهم. أليست أغلب الديمقراطيات الغربية في تواصل مع دين الأغلبية ولم تسقط فريسة استبداد الدينيين؟)).

الكاتب يتعمد التعتيم على الحقائق. فبالنسبة لـ ((التاريخ الطويل في إيطاليا للمسيحيين الديمقراطيين))، لا بد أن نذكر أن الديمقراطية المسيحية تدرجت في تطورها حتى تبنت الديمقراطية والعلمانية بعد أن حاربتهما طويلا فتحالفت مع الكنيسة ومع الفاشية ومع المافيا، وعارضت حقوق الإنسان باسم عدم المساس بالتعاليم المسيحية. أفلا يجب أن نعتبر بهذا التاريخ ونختصر علينا المسافات، خاصة ونحن نعاني من تأخر كبير، للحاق بهم والوصول بسرعة إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي بلغوه بفضل العلمانية؟

لكن الكاتب يصر على هذا التخبط. لنقرأ: ((ما الفائدة إذن من هذه الزائدة الدودية المسماة علمانية؟ نعم لماذا المحافظة عندنا على مفهوم لا يضيف شيئا والخط الفاصل في الحرب على الاستبداد ليس بين الإسلاميين والعلمانيين وإنما بين الديمقراطيين أيا كانت خلفياتهم العقائدية وبين الاستبداديين أيا كانت الأقنعة الأيديولوجية التي يلبسون)).

فهل يمكن أن يكون الشخص ديمقراطيا إذا كانت خلفيته العقائدية والأيديولوجية غير ديمقراطية مثلما هو حال الإسلاميين جميعا يشتركون في ذلك مع الأحزاب القومية اليسارية التي استولت على الحكم واحتكرته عشرات السنين وتسببت في ركود عام لجميع مناحي الحياة في بلداننا؟

لكنه مباشرة بعد هذا الكلام يستدرك فيكتب: ((للصراحة، كانت النية مبيتة للدعوة إلى إهمال مفهوم العلمانية ليسقط بالتقادم، لكن متى اختفت المفاهيم بأمر من هذا أو ذاك؟ ثم أليس وجودها دليلا على ضرورتها في لحظة ما من التاريخ؟)).

فهل مجتمعاتنا يا سيدي تعيش هذه اللحظة من لحظات التاريخ أم تجاوزتها؟

ثم يقول: ((نحن نعايش انهيارا بطيئا للمستبدين. للإسراع برحيلهم إلى حيث هرّبوا أموالهم، يجب أن تتوحد كل قوى المعارضة)).

وبما أن المقال كتب قبل بداية اندلاع هذه الثورات العربية بحوالي ستة أشهر، فلا بد أن نشير هنا أن هروب الاستبداديين لم يتم كما تصوره الكاتب، فلا هم سقطوا على يد تحالف المعارضة ولا هم ذهبوا حيث أودعوا أموالهم، وليس على الكاتب ألا يصيب فلا أحد توقع هذه الثورات ومآلاتها. لكن تصنيف الإسلاميين ضمن قوى المعارضة ليس إلا شكليا. لأن مضمون معارضة القوى الديمقراطية يختلف حد التناقض عن مضمون معارضة القوى الإسلامية، بل إن المضايقات والملاحقات والتهديدات التي تعاني منها قوى المعارضة الديمقراطية والعلمانية لا تأتيها فقط من الأنظمة الحاكمة بل أيضا من الإسلاميين.

والكاتب لا يجهل هذا، ومع ذلك يقول: ((لكن أكبر عنصر في هذه المعارضة هو الإسلامي، جزء منه جزء من الداء وجزء منه جزء من الدواء. فداخل التيار هناك طرف معاد بكل وضوح للديمقراطية ويستعد لجولة استبدادية أخرى قناعها الإسلام ستشكل الفشل الرابع لنظامنا السياسي بعد فشل الاستبداديين باسم الوطنية والقومية والاشتراكية. مثلما هناك طرف قبل مبدئيا بالديمقراطية ويمكن أن يساهم في نواة صلبة لقوة تاريخية تبني النظام الديمقراطي في إطار احترام ثوابت الهوية وقيم الأمة ومقدساتها)).

فهل يوجد فعلا طرف إسلامي ((قبل مبدئيا بالديمقراطية ويمكن أن يساهم في نواة صلبة لقوة تاريخية تبني النظام الديمقراطي)) لو لم يتنازل الديمقراطيون عن أهم أسس الديمقراطية كما فعل المرزوقي عندما وافق على عبارة كهذه ((في إطار احترام ثوابت الهوية وقيم الأمة ومقدساتها)). هذا ما سأتناوله في مقال لاحق حول فكر وموقف راشد الغنوشي الذي يجري تصنيفه خطأ ضمن (الدواء) و(الاعتدال)، لكن المرزوقي قدم لنا في هذه الفقرة السابقة ما نسميه في الجزائر ((مسمار جحا)، يلعب عليه الإسلاميون ويسقط في حبائله (الديمقراطيون) أمثاله. الإسلاميون فعلا يسعدهم كثيرا أن تكون الديمقراطية ((في إطار احترام ثوابت الهوية وقيم الأمة ومقدساتها)). وهي عبارة شديدة المطاطية والزئبقية وأنا أعتبرها تنازلا خطيرا إن لم يكن مجرما للإسلاميين كونها حصان طروادة وخديعة يمررون من خلالها ويعرقلون كل مشروع حضاري. ألا نراهم يستغلون حتى النخاع المادة الثانية من الدستور التي نجدها في كل الدساتير العربية ((الإسلام دين الدولة))؟

راشد الغنوشي نفسه شريك المرزوقي في هذه الديمقراطية العرجاء، يقول سنفعّل هذه المادة. كيف؟ الراجح أنه لن يتم هذا التفعيل إلا على جثة الديمقراطية طبعا وفي أحسن الأحوال تعطيل أي إصلاح ديمقراطي يفتح الأبواب واسعة لممارسة الحريات والمواطنة كاملة غير منقوصة. والغنوشي معه حق عندما لا يرى فرقا بين شعارهم (الإسلام هو الحل) وبين (الإسلام دين الدولة).

ما يحير أكثر أن يقول الكاتب في النهاية كلاما صحيحا ومغلوطا في آن واحد يجعلني أندهش من هذه القدرة على جمع المتناقضات: ((ثمة إذن تحديان: الأول مواجهة الجزء الاستبدادي من الإسلاميين وهم خطر داهم قد يعيدنا لوضع نتحسّر فيه على “طيبة” من عرفنا (يقصد الحكام المستبدين). في مواجهته يجب أن تكون العلمانية النواة الصلبة لخيار لا حياد عنه وهو أن مصدر السلطة الشعب لا إرادة إلهية مزعومة لا يعرفها إلا فقهاء يخلطون بين مصالحهم ومصالح الدين (المطلق الوهمي))). ويقول: ((التحدي الثاني بناء الجبهة التاريخية مع الإسلاميين الديمقراطيين. المشكلة أن الديمقراطية بالنسبة لبعضهم مرحلة تكتيكية. يتصورونها انتخابات شعبوية تحملهم للسلطة وبعدها باسم إرادة القوائم الانتخابية التي يتصورون أنها إرادة الشعب، يمكنهم سن ما يشاؤون من القوانين)).

أليس قبول الإسلاميين كشركاء (ديمقراطيين) إذن مغامرة غير محمودة العواقب؟ وهل يصح أن نقول إسلاميين ديمقراطيين على وزن مسيحيين ديمقراطيين، هل يمكن أن يكون المرء إسلاميا وديمقراطيا في نفس الوقت إذا كان مفهوم إسلامي (وليس مسلما) يعني من يتخذ الإسلام برنامجا سياسيا واجتماعيا وثقافيا ويعمل على أسلمة المجتمع والدولة والاقتصاد والثقافة؟.

فلو تناولنا هذا الموقف على مستوى لغوي فقط، فإن مصطلح (إسلاميين) لا يقابل مصطلح (مسيحيين) بل يجب أن يقابل هذا الأخير (مسلمين). لأن (إسلاميين)، والأصح (إسلامويين) أو (أصوليين)، مصطلح دخيل في مفهومه الجديد على اللغة العربية وفد إليها كترجمة لـ

(intégristes)

 أو

(fondamentalistes))

، وهي هنا لا تقابل “مسيحيين”

(chrétiens)

. الإسلاموية تعبر عن مذهب يتخذ من الإسلام أيديولوجيا حكم، وهذا ما لا تتبناه أحزاب الديمقراطية المسيحية

 démocratie chrétienne

 خاصة حاليا بالنسبة للمسيحية، بعد أن أنجزت تحولها النهائي الديمقراطي العلماني، رغم علاقتها السابقة بالأصولية المسيحية fondamentalisme.

قول الكاتب الآنف الذكر يجعلنا نحكم على العملية الديمقراطية مع الإسلاميين على أنها مغامرة محفوفة بكل المخاطر. هل الديمقراطيون مجبرون على الدخول في هذه المخاطرة أو المقامرة؟ ويمكن أن نعالج المسألة بشكل آخر: من يتحمل المسؤولية لو وصل الإسلاميون إلى السلطة وراحوا يلاحقون الديمقراطيين ويضيقون على الحريات ويلجئون النخب العلمية والفنية والسياسية التي لا ترضى العيش في مناخهم إلى المنافي في أحسن الأحوال، وهذا حصل في الجزائر وتسبب في نزيف مؤلم، وفي أسوئها إلزامهم صمت القبور أو إلزامهم القبور الحقيقية خاصة أولئك الذين يتحلون بقدر محترم من الشجاعة ويترجمون معارضتهم في مواقف صريحة قولا وفعلا وتعبيرا؟ هناك من يقول دع الشعوب تجرب حتى تتعلم وتتعرف على أعدائها الحقيقيين. لكن من يقول هذا في نظري مخطئ لو أنه قبل الإسلاميين كشركاء موثوق فيهم ولم ينبه الناس إلى خطرهم، وأوهم الناخبين أن الديمقراطية هي الانتخابات فقط.

لماذا لا يكون الموقف السليم هو رفض الدخول في أي تحالفات معهم وانتخابات ما لم تتوفر ضمانات كافية يشهد عليها الشعب والعالم والسلطة المشرفة على الانتخابات أو الجيش. هذه الضمانات يجب أن تنص عليها بنود دستورية واضحة لا مجال فيها لأي منفذ للإسلاميين مثل الإسلام دين الدولة ومثل الشريعة الإسلامية مصدر التشريع ومثلما يقول المرزوفي هنا ((في إطار احترام ثوابت الهوية وقيم الأمة ومقدساتها)). ويقول البرادعي شيئا من هذا القبيل في:

ثم يزداد تخبط الكاتب ((في مواجهة هؤلاء الديمقراطيين التكتيكيين يجب على الديمقراطيين فقط أن يذكروا دوما أن الديمقراطية كل لا يتجزأ، وأن الأغلبية البرلمانية لا تعطي الحق في المس بالثوابت الديمقراطية. وداخل هذه الصلابة العامة، يجب أن تكون العلمانية الجزء النشط المنتبه الحذر من الفكر الديمقراطي لرفض أي مساومة في كل برنامج معارضة أو حكم حول المساواة التامة أمام القانون بين المسلم وغير المسلم، بين المؤمن وغير المؤمن، حول تحييد المساجد في المعارك السياسية، أو حول تقدم الأحزاب مكشوفة الوجه على برامج سياسية لا على ادعاء تمثيلها لله)).

الكاتب هنا يعود إلى تبني علمانية قوية كان قد انتقد غيره على تبنيها. ومع ذلك يبقى خطابه مشوب بنقاط مظلمة كثيرة. فهل يكفي القول (يجب على الديمقراطيين فقط أن يذكروا دوما أن الديمقراطية كل لا يتجزأ، وأن الأغلبية البرلمانية لا تعطي الحق في المس بالثوابت الديمقراطية)؟ لنفرض أنهم ظلوا يذكّرون في أدبياتهم وتدخلاتهم طوال الحملة الانتخابية بهذه الثوابت مثل (رفض أي مساومة في كل برنامج معارضة أو حكم حول المساواة التامة أمام القانون بين المسلم وغير المسلم، بين المؤمن وغير المؤمن، حول تحييد المساجد في المعارك السياسية، أو حول تقدم الأحزاب مكشوفة الوجه على برامج سياسية لا على ادعاء تمثيلها لله) ولكن الإسلاميين غير مجبرين بالالتزام بها، ولماذا يلتزمون مادام الديمقراطيون من السذاجة بحيث دخلوا معهم في حملة انتخابية قبل إبرام أي عقد اجتماعي وسياسي دقيق يدوّن في شكل مواد دستورية تنعكس في قوانين الأحزاب والانتخابات، ويمنع أي حزب إسلاموي من الاعتماد وبالتالي من المشاركة إذا لم يوقع على هذا العقد.

ثم ما هي الثوابت الديمقراطية التي يجب الاتفاق حولها؟ هل دساتيرنا الحالية تتضمنها وتضمنها؟ كلا. فأهم ثابت في الديمقراطية وهي المساواة التامة بين المواطنين بغض النظر عن معتقدهم ومذهبهم وجنسهم لا نعثر عليه في دساتيرنا الحالية، لأن مجرد نص الدستور على أن الإسلام دين الدولة وأن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع وأن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلما هو خرق فاضح لهذا الثابت. وسيكون من حق الإسلاميين أن يفعّلوا، كما قال الغنوشي، مادة (الإسلام دين الدولة وأن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع). ومن حقهم، فما جدوى هذه المادة في الدستور؟ هلى هي فقط بخور للتبرك؟

وأخيرا يقول: ((بديهي أنه إذا قبل الإسلاميون (الديمقراطيون) بهذه المواقف فإنهم يصبحون إسلاميين علمانيين. لم لا وأي عيب في هذا؟)). وهو خطأ أخير يرتكبه الكاتب، فالإسلاميون لا يصبحون بعد هذا التحول إسلاميين علمانيين، بل يتوقفون عن يكونوا إسلاميين وكفى ويمكن أن يكونوا مجرد مسلمين علمانيين والفارق بين المصطلحين كبير. فهل عندنا عينات من الأحزاب الإسلامية تسير في هذا الاتجاه؟ طبعا لا. ولماذا يفعلون وهم الأعلون ولماذا يتخلون عن إسلاميتهم وهي تدر عليهم هذه المكاسب؟

ألم ير الكاتب كيف أجبر (الإسلاميون) الأتراك على التعديل في مواقفهم عشرات السنين قبل أن يسمح لهم بالمشاركة؟ ألم تتعرض أحزابهم للحل عدة مرات حتى قبلوا نهائيا بالعلمانية وأحدثوا فرزا حقيقيا في صفوفهم، وهم لا يفوّتون أي فرصة لتأكيد التزامهم بالديمقراطية والعلمانية؟ ومع ذلك فالديمقراطية ليست مكسب لا يمكن الرجوع عنه حتى في أكثر البلدان عراقة في الديمقراطية لأن الماضي البغيض هي مثل الإسفنكس الذي يبعث من الرماد.

رفض الإسلاميين كشركاء (ديمقراطيين) هو الآخر يضعنا أماما خيار عويص. التهمة الأولى الموجهة للديمقراطيين العلمانيين هي أن هذا الموقف يخدم الاستبداد الجاثم على صدورنا منذ مئات السنين. رأيي أنه لا يجب أن نضع أنفسنا بين خيارين لا ثالث لهما إما الدولة القومية الاستبدادية أو الدولة الدينية. لأن الدولة الاستبدادية الجمهورية أو الملكية هي التي خلقت الخطر الأصولي من جهة كونها خنقت كل الحريات الكفيلة برفع مستوى الناس ولم تترك لهم غير ملاذ الدين، ولأنها تستغل البعبع الديني لتخويفنا حتى نرضى بها كأهون الشَرَّيْن. أما المطالبة بالسكوت عن الإسلاميين حتى الفراغ من هزيمة الأنظمة المستبدة فهو يشبه ما كانت ترفعه الثورات سابقا ((لا صوت يعلو فوق صوت الثورة)، وأدى إلى خنق أي نقد والحيلولة دون أية إمكانية لتصحيح الأخطاء في الوقت المناسب قبل أن تتعفن.

حاليا “قطعت جهيزة قول كل خطيب” كما يقول المثل العربي القديم. فالجماهير أخذت المبادرة، وطردت بعض المستبدين والبعض في الطريق، دون يعني ذلك أن الاستبداد قد سقط. وقد تفضي هذه الثورات إلى نتائج وخيمة في صالح الإسلاميين أو في صالح تقاسمهم الكعكة مع المستبدين السابقين، ولكن على الجماهير أن تتحمل مسؤوليتها فهي التي أوكت وهي التي نفخت. وعلى الديمقراطيين أن يشاركوا فيها ولكن عليهم ألا يتوقفوا عن دق نواقيس الخطر حول كل الاحتمالات الممكنة والمطالبة بالضمانات، ويرفضوا الدخول في أي تحالف مع الإسلاميين إلا تحت هذه الضمانات ويرفضوا المشاركة في أية انتخابات قد تفضي إلى استبداد أقبح.

يتبععبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

العلمانية: مفهوم للترك أم للتبني؟

قالي هو قراءة لمقال كتبه السيد منصف المرزوقي التونسي، الغني عن التعريف طبعا، بفضل نضاله الطويل ضد الاستبداد ونهجه السلمي من أجل توطيد أركان الحكم الديمقراطي في تونس وفي غيرها من بلادنا المنكوبة بالاستبداد. المقال محل قراءتي يمكن الاطلاع عليه كاملا في:

http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=8877

ولقد تعمدت الاحتفاظ بنفس العنوان لأنني شخصيا لم أجد إجابة شافية منه على السؤال الذي تصدر مقاله كعنوان (العلمانية: مفهوم للترك أم للتبني؟). مآخذ كثيرة على مواقفه حول قضايا كثيرة في هذا المقال ظلت تلح عليّ حتى عبرت عنها هنا. ورغم أن المقال يعود إلى 2010، فقد قررت القيام بقراءة نقدية له ولو جاءت متأخرة، بعد أن اطلعت على تدخلات كثيرة حديثة للكاتب، ولم أجد مواقفه تغيرت عما كانت عليه قبل انتصار الثورة في تونس التي أطاحت باستبداد بن علي، خاصة في هذا المقال موضوع قراءتي.

يصف السيد منصف المرزوقي نفسه في هذا المقال ((كديمقراطي حقوقي علماني)). رغم ذلك يقول مباشرة بعد هذا الوصف بـ ((أن العلمانية بالنسبة للإسلاميين مرادفة للإلحاد. وأنه ليس لي أنا نفسي عنها غير بعض الأفكار السطحية تتلخص في أن المفهوم ترجمة غير موفقة للمصطلح الإنجليزي secularism، وللفرنسي laïcité، أن بعض أصحابه يخفون وراءه عداء بدائيا للإسلاميين وحتى للإسلام، ويخفي بعض أعدائه عداء لا يقل بدائية للديمقراطيين والديمقراطية. خاصة أنه يختزل في الشعار المبتذل: فصل الدين عن الدولة)).

هذا كلام لحقوقي وسياسي تونسي يصف نفسه بأنه ((ديمقراطي حقوقي علماني))، وقضى شطرا كبيرا من حياته في الدفاع عن حقوق الإنسان تسبب له في المضايقات والملاحقات والسجن والمنفي. اعتباره شعار فصل الدين عن الدولة شعارا مبتذلا موقف غريب في نظري خاصة بعد أن سبق ووصف نفسه بأنه ديمقراطي حقوقي علماني. كيف ذلك؟

يقول: ((كل ما توصلت إليه (حول العلمانية) لخّص في كتاب نشر بالفرنسية سنة 2004 عنوانه Le mal arabe الداء العربي ، وكنت أتوقع له بعض النجاح. لكن “ربها واحد” والبشر يتصرفون بنفس الكيفية في كل عصر ومكان: إن لم تسمعهم ما يريدون سماعه، هددوا بقطع لسانك كما يفعل “المتخلفون”، أو تجاهلوك كما يفضل “المتقدّمون”)).

ولست أدري كيف يسوي الكاتب بين قطع اللسان (الراجح أنه يقصد الإسلاميين) ومجرد التجاهل (العلمانيين).

طبعا، فموقف ملتبس مثل هذا لا يرضي أحدا، وليس أمامنا إلا أن نصدقه عندما يقول بـ ((..أنه ليس لي أنا نفسي عنها (أي العلمانية) غير بعض الأفكار السطحية تتلخص في أن المفهوم ترجمة غير موفقة للمصطلح الإنجليزي secularism، وللفرنسي laïcité)).

ورغم هذا بذل الكاتب كنوزا من الحيل للجمع والتوفيق بين المتناقضات كمحاولة الجمع بين الماء والنار والإسلام والعلمانية وحقوق الإنسان العالمية ولاحقوق الإنسان الإسلامية والأحزاب الإسلامية والأحزاب الديمقراطية، ولكنه مع ذلك يظل غير مرتاح لهذا الموقف وهو ما يجعله يغرق في تخبطات محيرة.

أن يقول الكاتب بعد هذا الرفض للعلمانية على أنها شعار مبتذل عندما تنادي بالفصل بين الدين والدولة لا بد أن يقود الكاتب إلى تبني هذا التنازل للإسلاميين: ((لكن الإسلام كان في تاريخنا ولا يزال راية الثوار ضد الفساد والظلم)).

السبب في هذا الرفض لرفع شعار العلمانية عند الكاتب هو ((أن الطلاق الذي حصل بين الدين والدولة في فرنسا كان ممكنا لوجود جسمين مهيكلين أي الكنيسة والدولة. لكن عندنا لا وجود لكنيسة، فبين من ومن يقع الطلاق؟)).

قبل مناقشة هذا الرأي بودي أن أنبه أن المسألة ليست مسألة مصطلحات “علمانية، ديمقراطية، فصل الدين عن الدولة…” ولا حتى مؤسسات دينية “الكنيسة، المسجد، الفاتيكان، الأزهر، الحوزات الشيعية…”، بل هي مسألة مضامين لأفكار تهيمن على حياة الناس بغض النظر عن مروجيها والمؤسسات المدافعة عنها والمصطلحات التي تحملها. فماذا يهمنا نحن في البلاد الإسلامية حتى لو سلمنا مع الكتب بغياب المؤسسات الشبيهة بالكنيسة الكاثوليكية بينما يطغى نفوذ الدين بواسطة مؤسسات أخرى “الدولة، المسجد، وزارات الشؤون الدينية، الزوايا الطرقية، الحوزات…”، وتمكنت بشتى الوسائل من تعطيل الانتقال إلى مجتمع الحرية والديمقراطية والعلمانية بحجة أن لنا في ديننا ما يغنينا عن ذلك؟

ومن جهة أخرى، لو جارينا الكاتب في قوله ((الإسلام كان في تاريخنا ولا يزال راية الثوار ضد الفساد والظلم)) ووافقنا على أنه لعب دورا إيجابيا، فلابد أن نلاحظ أن الإسلام لم يكن وحيدا بين الأديان في القيام بهذا الدور، المسيحية البروتستاتنية أيضا لعبت دورا عظيما في التحولات السياسية والاجتماعية بل وحتى الاقتصادية في أوربا وكذلك المسيحية الكاثوليكية عبر لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية هي الأخرى لعبت أدوارا أكثر تقدمية مقارنة مع الحركات السياسية الإسلامية، بل على الضد، إذا قارناها بحركات الإسلام السياسي وحتى بالثورة الإيرانية بقيادة الملالي، ومع ذلك ساهمت الأفكار الإصلاحية البروتستانتية والكاثوليكية في التمهيد للعلمانية، بينما عادتها الحركات الإسلامية. فلماذا نقبل فصل الدين عن الدولة في البلاد المسيحية ولا نقبله في البلاد الإسلامية؟

لهذا أرى من المعيب أن يتبنى الكاتب فكرة مغلوطة وهو يقول بـ ((أن الطلاق الذي حصل بين الدين والدولة في فرنسا كان ممكنا لوجود جسمين مهيكلين أي الكنيسة والدولة. لكن عندنا لا وجود لكنيسة، فبين من ومن يقع الطلاق)) ولا أرى أن مجتمعاتنا تختلف عن المجتمعات الأوربية التي بادرت إلى العلمانية؟ وأرى عكس ما يزعمه الكاتب في أنه لا يوجد عندنا ما يقابل الكنيسة؟ بل توجد عندنا مؤسسات دينية تبدأ من تنصيب الدولة نفسها كحامية للدين وحارسة على تطبيقه في كثير من المجالات خاصة مجالات الأسرة والأخلاق، وهي أهم المجالات في حياة الإنسان لعلاقتها بالحق في المواطنة التامة، بل أرى أن الإسلام كسياسة دولة يهيمن على حياة الناس كلها في بعض البلدان الإسلامية بما فيها رفض حقوق الناس في المشاركة في حياة بلدانهم وتقرير مصيرها السياسي والاقتصادي وغيرهما؟ وتوجد مؤسسات أخرى لها من القوة والنفوذ لا يقل عن الفاتيكان والكنيسة، مثل الأزهر والزيتونة والقرويين والزوايا الطرقية والحوزات الشيعية وغيرها من العتبات المقدسة في النجف وقم وغيرها كما سبق أن ذكرت بالإضافة إلى تكفل الدولة بفرض نوع من الدين المذهبي كمصدر تشريع دون سواه، بعد أن تقمع كل المذاهب الأخرى أو تهمشها. بل، إحقاقا للحق، لابد من التنويه بموقف الكنائس المسيحية التي تطورت نحو قبول التعايش السلمي مع الدولة العلمانية والديمقراطية عكس مؤسساتنا الدينية.

قلت، هذا يحدث في كل بلد إسلامي تتعدد فيه المذاهب وتتصارع وتستخدم آلة القمع الحكومية للانتصار لطرف على آخر. لكن أغلب المذاهب الإسلامية المتصارعة بما فيها المستضعفة تتفق مع دولها على اضطهاد المختلف دينا ومذهبا كما تتفق على رفض حرية الاعتقاد، وتتفق على اضطهاد المرأة وإخضاعها لقوانين مهينة بالدفاع عن تطبيق شريعة ظالمة تجعل منها كائنا قاصرا من المهد إلى اللحد.

ألا يبرر هذا تبنينا لعلمانية مناضلة شأن العلمانية الفرنسية تبعد الدين عن الدولة وتحصره في مجال الحريات الخاصة حتى تتحقق المواطنة الكاملة لجميع سكان البلد الواحد؟

ومنه، أفلا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان الإسلام في تاريخنا فعلا وبالمفهوم العصري ((راية الثوار ضد الفساد والظلم))، على ماذا ثار الإسلام وحقق إنجازا يعتد به في ميزان الفكر التحرري المعاصر؟ وما هو الفكر الذي يمكن أن ينعت بالثورية في هذا الإسلام؟ بحيث يمكن الاعتداد بما أنتجه هؤلاء الثوار من أفكار تغنينا عن المطالبة بالعلمانية وما تقتضيه من تبنينا لكامل حقوق الإنسان كما صاغتها المواثيق الدولية؟ ليس بين أيدينا أمثلة حية، ولم يقدم لنا المرزوقي أمثلة تؤيد رأيه. الصحيح أن الثورات القومية العربية كانت قد وجدت نفسها تكافح على جبهتين: جبهة الصراع ضد الاستعمار وجبهة الصرع ضد القوى التقليدية المتمترسة بالدين، وأما استثمارها لعامل الدين كعنصر لتحريك الجماهير، فهو لا يخفي خلفيتها الأيديولوجية التي استمدتها من الأفكار القومية الأوربية التي لا مقابل لها في موروثنا الروحي، ولعل هذا سبب في فشلها لاحقا لأنها لم تحدث القطيعة الضرورية مع الفكر الرجعي عموما، ولأنها، وهذا هو الأهم، تعاملت مع الشعوب مثلما نتعامل مع القُصًّر أو المعتوهين الذين نخفي عنهم بعض الحقائق ونحجر عليهم ونمنعهم من التصرف الحر بحجة أنهم غير ناضجين لذلك. هذا حدث مثلا مع ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962)، وهي ثورة غير إسلامية، بل هي أقرب في برامجها وطروحاتها وإدارتها للحرب إلى النهج العلماني كون أغلب قادتها قد تكوّنوا في المدارس الفرنسية العلمانية وتعلموا النضال في النقابات والأحزاب الفرنسية العلمانية أو على الأقل تأثروا بأساليبها في العمل السياسي والجمعوي، ولكن الشباب الذين صاغوا بيانها الأول أضافوا (إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الاسلامية). ولقد اكتسب هذا البيان على مر الأيام طابعا مقدسا تعالى على التجاوز، كما ظلت شبه الجملة (في إطار المبادئ الإسلامية) بمثابة مسمار جحا أو حصان طروادة تستغله القوى الرجعية كلما اتخذت الدولة قرارات تقدمية، حتى بعد أن قال أحد محرريه، الرئيس المغتال محمد بوضياف، إنه هو وصحبه لم يكونوا يقصدون به الدولة الإسلامية ولا تطبيق الشريعة، بل كانوا متأثرين بشعار (الدين لله والوطن للجميع).

المرزوقي يقدم لنا المطالبة بالديمقراطية بديلا عن المطالبة بالعلمانية. لأنها حسب رأيه: (( تضمن كل الحريات، ناهيك عن كونها أرضية تتلاقى عليها كل الثقافات بدل اللائكية التي تبقى خاصية ثقافية فرنسية لم تستطع تصديرها حتى لأوروبا)).

القول بأن العلمانية بقت “خاصية ثقافية فرنسية لم تستطع تصديرها حتى لأوربا” قول جريء جدا على الحقيقة. ومن النادر أن نجد من ينكر أثر أفكار الثورة الفرنسية العلمانية في أوربا بأسرها، بل حتى في إعطاء إشارة الانطلاق للنهضة العربية.

سنرى كيف يتمكن الكاتب الخروج من هذا المأزق، بعد أن جرد الديمقراطية من أهم عناصرها الحيوية وخاصة العلمانية وحقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة. أقول “جرد” متعمدا، لأن كل القوى السياسية اليوم تنادي بالديمقراطية بما فيها الإسلاميون الذين كانوا بالأمس القريب يكفرونها، ولكنها يجردونها من أهم ركائزها مثل العلمانية وحقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة.

دعونا إذن نواصل قراءة أفكار المرزوقي. كتب: ((حصل القذف من الأعماق المجهولة يوم سألني صحفي عن موقف اللجنة العربية لحقوق الإنسان من مشروع قانون فرنسي يمنع الحجاب، فرددت أن موقف حركة حقوق الإنسان عربيا ودوليا كان وسيبقى إدانة فرض لبسه بالقوة كما يفعل النظام الإيراني، وإدانة نزعه بالعنف كما يفعل النظام التونسي)).

طبعا لا بد أن القارئ النابه يكون قد انتبه إلى هذا التشويه للمواقف ووضع الجميع في سلة واحدة رغم الفارق الحضاري الكبير. فإذا كنا مثلا نعرف أن الحجاب فُرِضَ وعُمِّمَ على جميع النساء بقوة القانون والقمع في إيران والأمر كذلك في السعودية منذ تأسيس الدولة، وهو أيضا كان يجابه بقوة القمع في تونس فإن ما يتعمد المرزوقي إغفاله أو لا ينتبه إليه على الأقل هو أن ظاهرة الحجاب في تونس وفي كل البلاد الإسلامية ظاهرة سياسية غير محايدة وليست مجرد اختيار حر من المرأة، فمؤيدوها يعلنون لمن يريد أن يسمع ومن لا يريد عن نيتهم في السعي تعميم هذه الظاهرة على جميع النساء، وإلى الإطاحة بحكوماتنا المستبدة ليس لأنها مستبدة سياسيا بل لأنها في نظرهم علمانية لا تحتكم إلى شرع الله، وهم يدعون لإقامة الدولة الإسلامية التي لا تختلف في استبدادها عن الدولة القومية التي يعملون على الإطاحة بها. الحجاب إذن هو شعار سياسي يتم فرضه في كثير من الأحيان على المرأة في الاسرة وفي الشارع وفي المؤسسات التربوية عبر التخويف والترهيب والتكفير. ولا أخال الكاتب يجهل ما تتعرض له الفتيات من ضغط من طرف أو أطراف مختلفة تبدأ من الأخ الإخواني مرورا بالمعلم والإمام إلى غاية رجل الشارع الذي ينصب نفسه حارسا للأخلاق إلى الدولة الموافقة أو المتواطئة، ويبلغ الضغط حدا لا يطاق أحيانا. وفي الجزائر لجأ النشطاء الإسلاميون إلى شتى الاعتداءات من شتم وحصار وصب الحامض ثم القتل خلال حربهم الجهادية. فأين نحن من حرية الاختيار التي تدخل في إطار حقوق الإنسان المقدسة، والتي يجب أن نحترمها ونوفر لكل شخص الحماية المطلوبة لممارسة حقه في التعبير عما يعتقد، بما فيها عن طريق الكلمة واللباس. كما لا يجب أن نتجاهل هذا الكم الهائل من النفاق الذي لجأ إليه الناس خوفا من الإسلاميين في لباسهم وكلامهم وجباههم. نفاق لوّث تصرفات الناس في الأسرة والسوق والإدارة وفي كل مكان دون أن تستفيد منه الأخلاق، عكس ما يدعيه الإسلاميون، بل ازدادت تدهورا.

في الجزائر، وبما أن الكاتب تعرض بالنقد للقائد السياسي العلماني سعيد سعدي، فإن الحجاب التقليدي لم يكن أبدا يثير أية مشكلة، ولا كان يقابل بالاستهجان من طرف الناس مهما اختلفت مواقفهم الفكرية والسياسية. كانت النساء عندنا ترتدين أنواعا مختلفة من الأحجبة منها الملاءة السوداء التي تستر كامل الجسم وحتى الوجه يختفي وراء العجار (البرقع)، ومنها “الحيك” الأبيض الذي تلبسه الشابات وتحرصن على إظهار بعض مفاتن الجسم كأن يكشفن عن جانب من الساق أو بعض خصلات الشعر مع ستر الوجه، مثلا، ومنها حجاب نسميه بوعين تستر به المرأة كامل جسمها وتبقى ممسكة به بيد على مستوى وجهها فلا تترك إلا عينا واحدة للنظر وكانت هذه اأحجبة تتعايش في سلام مع اللباس العصري الوافد إلينا مع الفرنسيين بما فيها الميني جيب والجِين، وكثيرا ما يشاهد المرء تعايش جميع الأنماط في أسرة واحدة، أما نساء الأرياف فلم يكن يتحجبن خاصة في الحقول والبساتين.

المفارقة أن الملاءة هذه تعرضت للنقد من طرف شاعر جمعية العلماء المسلمين في أربعينات القرن الماضي، محمد الصالح خبشاش:

تـركـوكِ بـيـن عبـاءةٍ وشقـــــاءِ ++++_مكؤوبةً فـي اللـيلة اللـــــــــــــيْلاءِ

مسجـونةٌ مزْجـورةٌ محـــرومةٌ ++++ محفـوفةٌ بـمـلاءةٍ ســــــــــــــوداء

ثم يتساءل الكاتب: ((… ما “وقود” المعركة بين أنصار المفهوم وأعدائه؟)) ويجيب: (( تاريخيا لم يعلن اللائكيون الفرنسيون “جهادهم” ضد الكاثوليكيين إلا للانتقام من استبدادهم القديم وخوفا من تجدده. نفس الشيء عن تعلق بعض العلمانيين في المغرب العربي بالمفهوم وهم يرون فيه السدّ المانع أمام اكتساح الإسلاميين المتهمين بالإعداد للاستبداد)).

أين الخطأ هنا في موقف اللائكيين الفرنسيين والعلمانيين في المغرب العربي؟ ألم تمارس المؤسسات الكنسية في أوربا قمعا تواصل لقرون من الزمن ضد الشعوب، ضد المختلفين، ضد المفكرين، وحتى ضد العجائز بتهمة السحر فأقامت للجميع المشانق والمحارق. وعليه فقمع العلمانيين تجاههم هو جزء ضئيل من بضاعتهم ردت إليهم أما في المغرب العربي فالشر بدأ من الإسلاميين الذين راحوا، أمام مسمع ومرأى الجميع، يشحذون الخناجر والحناجر للفتك بكل المعترضين على مشروعهم الإسلامي. لكن عندما يكتب المرزوقي ((الإسلاميين المتهمين بالإعداد للاستبداد))، فكأني به لا يصدق أن الإسلاميين ظلوا دائما يعدون للاستبداد، وحيثما وصلوا إلى الحكم مارسوه (إيران، السودان، طالبان، الصومال، السعودية..)، وبالتالي فكلمة “متهمين” ليس في محلها لأن الأمر ليس مجرد اتهام بلا دليل بل إن الإسلاميين يصرحون دائما عن نواياهم في إقامة الدولة الإسلامية. ولم توجد دولة دينية غير فاشية ماضيا وحاضرا.

رغم نقدي لهذه المواقف فهناك سؤال سأتعرض للإجابة عنه في المقال اللاحق، وهو : هل إن الثورات العربية قد وضعت مجتمعاتنا في مأمن من عودة أي نوع من الاستبداد، خاصة الاستبداد الديني، حتى لو وصل الإسلاميون عن طريق الانتخابات إلى السلطة؟

يتبععبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى 10\16

نوري السعيد يعود للحكم من جديد ويؤلف وزارته التاسعة

أولاً: الظروف التي مهدت لعودة السعيد للحكم:

عندما شكل السيد [ أرشد العمري] وزارته في 1 حزيران 1946، بدعوى إجراء انتخاب مجلس النواب، كان قد وضع نصب عينيه تحجيم نشاط الأحزاب السياسية التي سمحت وزارة السويدي بقيامها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، مختلقاً شتى الأعذار لذلك، مما أدى إلى تصادم تلك الأحزاب مع الحكومة، وخاصة عندما حاولت هذه الأحزاب إثارة القضية الفلسطينية،على اثر إعلان مقررات اللجنة البريطانية الأمريكية حول القضية، والتي دعت إلى تقسيم فلسطين.

وكانت الأحزاب السياسية العراقية المعارضة قد اتخذت قراراً بالعمل على مساندة الشعب الفلسطيني، وتقديم كل ما يمكن من المساعدات المادية التي تمكنه من الصمود أمام محاولات الإمبرياليين والصهاينة ،وشكلوا لجنة للعمل معاً من أجل نصرة القضية الفلسطينية، ولجمع التبرعات من أبناء الشعب لهذا الغرض.

إلا أن حكومة [أرشد العمري] منعت تلك الأحزاب من القيام بهذه المهمة بحجة أن هناك لجنة حكومية تقوم بهذا العمل.

أدى موقف الحكومة هذا إلى وقوع أزمة خطيرة بينها وبين أحزاب المعارضة الخمسة التي سارعت إلى تقديم مذكرة احتجاج إلى الحكومة وأعلنت إيقاف نشاط اللجنة بسبب عدم توفر الظروف الملائمة لاستمرار عملها، وقد جاء في تلك المذكرة ما يلي :

{ تألفت لجنة الأحزاب العراقية للدفاع عن فلسطين على اثر صدور تقرير لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية، وقد كانت باكورة أعمالها إعلان الإضراب العام في كافة أنحاء المملكة، ذلك الإضراب الذي دل بشموله وهدوئه على مقدار الوعي والنضج الذين أظهرهما هذا الشعب، ومنذُ أن تألفت الوزارة الحاضرة، وجدت لجنة الأحزاب نفسها في وضع لا تستطيع معه القيام بأي عمل جدي مثمر لنصرة الشعب الفلسطيني في محنته الحاضرة، بالنظر إلى خطة الحكومة التعسفية التي لم تقتصر على الأحزاب ونشاطها السياسي، بل تعدته إلى موضوع فلسطين بالذات وكان الظن أن الحكومات المتعاقبة مهما اختلفت وجهات نظرها فإنها تتفق في مثل هذا الموضوع الخطير، حتى أن اللجنة لم يسمح لها بالقيام بالاكتتاب العام لمساعدة شعب فلسطين.

لذلك فإن لجنة الأحزاب العراقية، بالنظر إلى موقف الوزارة الحاضرة، وبالنظر لعدم توصلها إلى اتخاذ خطة موحدة لمجابهة الموقف، لا يسعها مع شديد الأسف إلا أن تحل نفسها حتى تتهيأ لها الظروف وإمكانيات العمل، وسوف يستقل كل حزب في عمله السياسي لمعالجة قضية فلسطين في ضوء خطته}. (1)

بغداد في 14 آب 1946

وقد ردت الحكومة على الأحزاب ببيان حاولت فيه تبرير عملها بذرائع غير مقبولة، وكان واضحاً أنها أرادت منع الأحزاب من القيام بأي نشاط فيما يخص القضية الفلسطينية.

ورداً على سياسة حكومة [أرشد العمري] تجاه القضية الفلسطينية، وموقفها من الأحزاب السياسية المعارضة، أُعلن الإضراب العام في البلاد، واندلعت المظاهرة الصاخبة في بغداد، في 28 حزيران 1946 احتجاجاً على الجرائم التي اُرتكبت بحق الفلسطينيين من قبل العصابات الصهيونية، وعلى سياسة الحكومتين العراقية والبريطانية وقوات احتلالها في فلسطين.

وكانت قوات الشرطة السيارة التي أعدت وُدربت لقمع المظاهرات بانتظارها، حيث اصطدمت معها مستخدمة الرصاص لتفريقها، وقد وقعت معركة غير متكافئة بين متظاهرين عزل من أي سلاح، وتلك القوات المدججة بالسلاح مما أدى إلى استشهاد خمسة متظاهرين وجرح عدد كبير منهم، كما اعتقلت الشرطة عدد كبيراً آخر من المواطنين. (2)

حاولت حكومة العمري التقليل من عدد القتلى والجرحى، وتبرير فعلتها النكراء، متهمة المتظاهرين بالإخلال بالأمن، وغيرها من الادعاءات التي لا يمكن قبولها. لقد أحدث إقدام السلطة على استخدام السلاح ضد المتظاهرين غلياناً شعبياً، واحتجاجات واسعة على سياسة القمع وسارعت الأحزاب السياسية المعارضة إلى تقديم مذكرة احتجاج شديدة اللهجة للحكومة، وحملتها مسؤولية الأحداث. وقد قام قادة الأحزاب المذكورة بمقابلة نائب الوصي، الأمير زيد لتقديم احتجاج أحزابهم على سياسة الحكومة. (3)

وجاء إضراب عمال شركة نفط كركوك في 3 تموز 946 بعد أن فشلت مساعيهم في تحقيق مطالبهم المتعلقة بتحسين أوضاعهم المعيشية ومطالبين بزيادة أجورهم، وتهيئة دور سكن لعوائلهم، أو منحهم بدل إيجار، وتخصيص سيارات لنقلهم إلى مقر عملهم في الشركة، ومنحهم إكرامية

الحرب أسوة بعمال حيفا وعبدان، وأخيراً تطبيق قانون العمال.

ولما يئس العمال من استجابة الشركة إلى مطالبهم، لجئوا إلى الإضراب عن العمل إلى حين تحقيق هذه المطالب.

وقد مارست الحكومة على العمال كل وسائل الضغط والإرهاب لإجبارهم على العودة إلى أعمالهم، متجاهلة كل مطالبهم المشروعة، لكنها لم تفلح في ثنيهم عن الإضراب، وأصروا على تلبية مطالبهم العادلة.

وفي 7 تموز حضر وزير الاقتصاد إلى كركوك في محاولة للضغط على العمال المضربين، مستخدماً أساليب التهديد والوعيد، وقد قابله العمال المضربين بتجمع جماهيري واسع في حديقة[ كاور باغي] وألقيت خلال ذلك التجمع الكلمات التي عبرت عن حقوق العمال ومطالبهم المشروعة.

لكن الحكومة كانت قد بيتت لهم مذبحة جديدة، حيث أحاطت بهم قوات من الشرطة تتألف من فوجين، وبدأت بإطلاق النار على التجمع لتفريقه وأدى ذلك العمل الإجرامي إلى استشهاد 16 عاملاً، فيما جرح أكثر من 30 عاملا آخر. (4)

ولم تكتفِ الحكومة بتلك الإجراءات الوحشية، بل سارعت إلى إنزال قوات الجيش إلى شوارع كركوك بدباباتها ومدرعاتها، وأصدرت أمراً بمنع التجول في المدينة خوفاً من ردة فعل الشعب على تلك الجريمة النكراء، وهكذا لطخت حكومة أرشد العمري أيديها مرة أخرى بدماء عمال نفط كركوك، وأضافت جريمة أخرى إلى جرائمها بحق الشعب.

لقد أشعلت [ مذبحة كاور باغي ] معركة الشعب وقواه السياسية الوطنية ضد الحكومة، واستنكرت الأحزاب تلك الجريمة المروعة، وأدانت الحكومة، واعتبرتها مسؤولة عما حدث، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عن المذبحة.

ورغم أن الحكومة أعلنت تحت ضغط الرأي العام العراقي، والأحزاب السياسية الوطنية،عن تقديم المسؤولين عن المجزرة للمحكمة، إلا أن الحكومة لم تكن جادة في ذلك، بل أرادت امتصاص غضب الشعب وثورته، وتهدئة الأوضاع. فلم تكن المحاكمة سوى مهزلة،حيث جرت محاكمة المتهمين الرئيسيين الثلاثة في محكمة جزاء كركوك، التي أصدرت قرارها ببراءتهم، وأطلقت سراحهم، مما دفع بوزير الداخلية [عبد الله القصاب] إلى تقديم استقالته من الحكومة في 17 آب 1946، وقد أكد الوزير القصاب للسيد عبد الرزاق الحسني،مؤلف تاريخ الوزارات العراقية، بعد قيام ثورة 14 تموز وسقوط النظام الملكي، أن السفارة البريطانية هي التي أمرت الحكومة بعدم إدانة المتهمين، بل وزادت في ذلك فطلبت عدم سحب المتهمين من وظائفهم في كركوك أو نقلهم إلى أي مكان آخر، وطلبت كذلك عدم منح أي تعويض لذوي الشهداء والجرحى، و كانت الحكومة قد قررت ذلك من قبل لكنها تراجعت عن قرارها إذعاناً لطلب السفارة البريطانية. (5)

كانت ردة الفعل على تلك المجزرة الرهيبة، وعلى سياسة حكومة أرشد العمري المعادية للشعب وحقوقه المشروعة، شديدةً جداً تتناسب وتلك الجريمة النكراء، فقد أخذت الأحزاب تهاجم الحكومة بعنف،عبر صحافتها، فاضحة إجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن، وتدعوا الجماهير الشعبية للتظاهر ضدها، ودعت إلى إسقاطها.

وقد ردت الحكومة بتعطيل معظم الصحف، وخاصة الصحف الحزبية، وساقت مدرائها المسؤولين ومحرريها إلى المحاكم بتهمة التحريض ضد السلطة، وكانت تعيد الكرة بعد كل محاكمة لتوجه اتهامات جديدة وتجري المحاكمات الجديدة لهم، وزجت بالعديد منهم في السجن.

وبسبب تلك الإجراءات غير الدستورية، دعت الأحزاب الوطنية الثلاثة حزب الاتحاد الوطني، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، في 30 آب 1946 إلى عقد اجتماع عام حضره جمع غفير من أبناء الشعب جاوز 5000 مواطن، حيث ألقيت الخطب المنددة بالحكومة والمعبرة عن سخط الشعب وقواه السياسية الوطنية من سياستها، والجرائم التي اقترفتها بحق الشعب، وسلبها لحقوقه الدستورية، وتجاوزها على الأحزاب وصحافتها.

وفي ختام الاجتماع تم الاتفاق على رفع مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى الحكومة، والى الوصي على العرش [عبد الإله] وجاء في المذكرة: (6)

{إن الجموع الغفيرة المجتمعة بدعوة من حزب الاتحاد الوطني، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، لمناقشة الموقف السياسي الراهن هالها موقف الوزارة الحاضرة، بمكافحة الأحزاب السياسية ومحاولة شل نشاطها، وغلق صحفها، وإحالة رؤساء تحريرها إلى المحاكم، وسجن بعض أعضاء هذه الأحزاب لمجرد إبداء آرائهم في السياسة العامة، وهو حق من حقوق كل مواطن في بلد له دستور يحترم حرية الرأي، ويأخذ بنظام الحكم الديمقراطي.

غير أن الوزارة الحاضرة تجنبت الحكم الديمقراطي، واتجهت بحكم البلاد اتجاهاً استبدادياً مخالفا لأحكام القانون الأساسي، وهي تتعمد إهماله ولا تحترم ما فيه من نصوص عن حقوق الشعب وحرياته الديمقراطية، وقد وقع في عهدها من الأحداث الجسام ما روع العراقيين كافة، وما أنذرهم به من خطر جسيم يهدد كيان الشعب ومستقبله، وما أصبح معه العراقيون غير آمنين ولا مطمئنين على حقوقهم وحرياتهم بل وحياتهم .

بالإضافة إلى ذلك لم تستطع أن تصون سيادة العراق وكيانه الدولي، ففي عهدها نزلت القوات البريطانية في البصرة، في الوقت الذي يطالب به الشعب العراقي بالجلاء، ولم تستطع الوقوف الموقف الصحيح لمعالجة مشكلة خطيرة تتعلق بكيان الشعب العربي الفلسطيني، بل بكيان ومصالح البلاد العربية كافة، وذلك بعرض القضية على مجلس الأمن الدولي، وهو مطلب الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية بصورة عامة، فهي بأعمالها التي أفصحت عن استهانتها بحقوق الشعب وحرياته وقانونه الأساسي،غير جديرة بتحمل مسؤولية الحكم، ولا القيام بالمهمة التي أعلنت أنها تتولى الحكم لإتمامها، وهي مهمة انتقالية حيادية تتلخص بإجراء انتخابات حرة لمجلس جديد، فنحن نطالب بتنحي هذه الوزارة، وإقامة وزارة دستورية يرتضي الشعب سياستها}.

ويقول السيد عبد الرزاق الحسني في وصفه لتلك الاحتجاجات:{إننا لو أردنا نشر كافة الاحتجاجات ضد حكومة أرشد العمري لتطلب ذلك مجلدات}.

ونتيجة لتطورات الأوضاع وخطورتها، والضغوط التي تعرضت لها حكومة العمري،اضطرت الوزارة إلى تقديم استقالتها في 16 تشرين الأول 1946، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم، ودون أن تستطيع إجراء الانتخابات العامة.

ونتيجة لتدهور الأوضاع السياسية في البلاد، وخطورة الموقف سارع وزير الخارجية البريطانية المستر [ بيفن ] إلى إرسال برقية إلى الوصي عبد الإله تسلمها بعد منتصف الليل يطلب فيها بتكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة لمعالجة الأوضاع الخطيرة التي سببتها سياسة حكومة أرشد العمري، والتي اتسمت بالرعونة والاستهانة بالشعب. (7)

ثانياً: نوري السعيد يؤلف وزارته التاسعة:

وهكذا تم ما أراده [ بيفن ]،وصدرت الإرادة الملكية بتكليف نوري السعيد بتأليف وزارته التاسعة في 21 تشرين الثاني 1946، فقد أراد الإنكليز أن يمهّد نوري السعيد الأجواء لتنفيذ المهمة الخطيرة والمتضمنة تهيئة الأجواء لتجديد المعاهدة العراقية البريطانية التي كانت معاهدة عام 1930 التي وقعها نوري السعيد آنذاك قد أوشكت على نهايتها.

أراد نوري السعيد تهدئة الأوضاع المتأزمة التي سببتها الوزارة السابقة فأجرى اتصالات مع الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الأحرار، داعياً إياهما للاشتراك في الحكومة، محاولاً خلق شعبية لوزارته وبالفعل تمكن من إقناع الحزبين بمشاركة عضو عن كل منهما في الوزارة، وفق الشروط التي حدداها بكون الوزارة انتقالية تهدف إلى إجراء انتخابات حرة لمجلس النواب، مع ضمان إطلاق حرية الأحزاب والصحافة وضمان حق المواطنين في انتخاب العناصر التي يثقون فيها دون تدخل الإدارات المحلية في عملية الانتخاب، والسماح بفتح فروع لهما في الألوية، وممارسة حقهما في الدعاية الانتخابية بكل حرية، وقد رد نوري السعيد على الحزبين بالإيجاب، وتم تشكيل الوزارة، ودخلها عن الحزب الوطني الديمقراطي السيد [ محمد حديد] وعن حزب الأحرار السيد[علي ممتاز الدفتري] وجاءت الوزارة على الشكل التالي :

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيرا للداخلية

2ـ عمر نظمي ـ وزيراً للعدلية .

3ـ صالح جبر ـ وزيراً للمالية .

4 ـ صادق البصام ـ وزيراً للمعارف .

5 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

6 ـ فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .

7 ـ بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للاقتصاد .

8 ـ جميل عبد الوهاب ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

9 ـ محمد حديد ـ وزيراً للتموين .

10 ـ شاكر الوادي ـ وزيراً للدفاع

ثالثاًً: السعيد يمهد الأجواء لمعاهدة جديدة مع بريطانيا:

حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات مزيفة جديدة :

كانت باكورة أعمال الوزارة السعيدية إقدامها على حل مجلس النواب تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة، حيث صدرت الإرادة الملكية بحله في 21 تشرين الثاني 1946، وبوشر بالإجراءات اللازمة لانتخاب المجلس الجديد قبل أن يتم فتح فروع للأحزاب السياسية في الألوية، والتي تعتبر مهمة جداً لهما للقيام بالدعاية الانتخابية.

ولدى البدء في إجراء انتخاب المنتخبين الثانويين، ورغم تعهد نوري السعيد بأن تكون انتخابات حرة ونزيهة، فقد قام تكتل في الوزارة يقوده [صالح جبر] وزير المالية بتدخل سافر في تلك الانتخابات، مما دفع الحزبين المشاركين في الوزارة بالاحتجاج لدى رئيس الوزراء الذي حاول طمأنتهما. لكن التدخلات استمرت وتصاعدت، فلم يرَ الحزبان المذكوران بداً من سحب ممثليهما من الوزارة، وتقدم [محمد حديد] ممثل الحزب الوطني الديمقراطي و[ممتاز الدفتري ] ممثل حزب الأحرار باستقالتهما من الوزارة، وصدر الإرادة الملكية بقبولهما في 31 كانون الأول 1946.

استمرت الحكومة بخططها لإكمال الانتخابات وفق مقاسها هادفة إلى إنجاح مرشحيها، وكانت التدخلات تجري بشكل سافر مما أجبر بعض الأحزاب الوطنية إلى مقاطعة الانتخابات. (8)

ولما وجد الوصي عبد الإله أن تلك التدخلات بلغت حداً لا يمكن السكوت عنه، استدعى متصرفي الألوية [ المحافظين]، متجاوزاً الحكومة، وطلب إليهم إنجاح المرشحين الذين يختارهم البلاط الملكي، وهكذا دخل الوصي على الخط ليكون له النصيب الأوفر في نتائج الانتخابات متجاهلا إرادة الشعب وحقوقه التي ضمنها الدستور. (9)

ورغم أن الحزب الوطني الديمقراطي لم يقاطع الانتخابات، واستمر فيها إلى النهاية، وفاز بخمسة مقاعد، إلا أنه قرر بعد الانتخابات سحب نوابه الخمسة من المجلس احتجاجاً على التدخلات السافرة من قبل الحكومة والوصي عبد الإله.

وقد أكد الحزب في بيانه الذي أعلن بموجبه سحب النواب انه إنما استمر في خوض الانتخابات لكي يكون قريباً منها، وليفضح التدخلات التي مارستها الحكومة وأجهزتها الإدارية، والتي كان من نتائجها أن النواب جرى تعينهم سلفاً، وان تلك العملية الانتخابية لم تكن إلا لذر الرماد في العيون، ومحاولة خداع الشعب وقواه السياسية الوطنية، ودعا بيان الحزب في النهاية أبناء الشعب إلى مواصلة الكفاح من اجل حقوقهم الدستورية.

رابعاً:الأحزاب تصدر بياناً يندد بالحكومة، وبعملية الانتخاب:

لم تلبث الأحزاب السياسية الخمسة أن دعت بعد الانتخابات إلى لقاء لممثليها في 24آذار 1947 للتداول في الأوضاع السياسية للبلاد، وما آلت إليه الانتخابات المزعومة من نتائج.

وقد تم في ذلك اللقاء تقيم دقيق للموقف، وأصدرت في نهاية الاجتماع بياناً شديد اللهجة اتهم الحكومة بتزييف إرادة الشعب، وسلبه حقوقه وحرياته، والإتيان بمجلس لا يمثله على الإطلاق، بل جرى تعينه سلفاً وأعلن البيان عدم اعترافه بشرعية نتائج الانتخاب، ودعت إلى حل المجلس، وتشكيل حكومة محايدة تجري انتخابات حرة ونزيهة وشريفة يقول فيه الشعب العراقي كلمته بكل حرية في من يمثله صدقاً وحقاً، ومحذرة من أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه ينذر بعواقب وخيمة. (10)

خامساً: استقالة حكومة نوري السعيد،وتكليف صالح جبر:

بعد أن أكمل نوري السعيد المهمة التي جاء من أجلها، وهيأ الأجواء لصعود صالح جبر إلى قمة مجلس الوزراء ،بناء على رغبة الإنكليز، وتوصية المخابرات البريطانية. (11)

قدم استقالة حكومته إلى الوصي عبد الإله في 11آذار 1947، وتم قبول الاستقالة بعد 16 يوماً، لغرض الفراغ من تأليف الوزارة الجديدة. وتم الإعلان عن قبول الاستقالة في 29 منه، وعهد الوصي إلى [ صالح جبر] بتأليف الوزارة الجديدة التي احتفظ فيها جبر بوزارة الداخلية وأسند وزارة الخارجية للسيد[ فاضل الجمالي] ووزارة الدفاع للسيد [شاكر الوادي ] وقد جاءت هذه الوزارة بأمر من الإنكليز، وتم وضع منهاجها بالاشتراك مع أقطاب السفارة البريطانية وبوحي من وزارة الخارجية البريطانية. (12)

وكان في مقدمة أهداف الوزارة تحقيق ما يأتي :

1 ـ تجديد المعاهدة العراقية البريطانية [ معاهدة 1930].

2 ـ مكافحة الشيوعية، أو ما سمته الحكومة [المبادئ الهدامة].

3 ـ تنفيذ المخطط البريطاني ـ الأمريكي حول القضية الفلسطينية .

4 ـ تقوية وتوسيع جهازي الأمن والشرطة وتدريب منتسبيهما. (13)

وقد غلفت الحكومة منهجها هذا بجملة مشاريع وهمية لا تعدو عن كونها وسيلة لتغطية المخطط الذي جاءت لتنفيذه، والذي قال عنه السيد توفيق السويدي :{ أن المنهاج أحتوى على آمال وخيالات لا يتسنى للبلد تحقيقها إلا بنصف قرن، وأضاف انه لو تسنى تحقيق عشر ما جاء به منهاج هذه الوزارة لتحول العراق إلى جنة عدن، لكن المنهاج لم يكن سوى حبراً على ورق}. (14)

سادسا: محاولة فرض معاهدة بورتسموث،ودور السعيد:

على الرغم من أن نوري السعيد لم يشترك في وزارة [صالح جبر] حيث صدرت إرادة ملكية بتعينه رئيساً لمجلس الأعيان بعد استقالة وزارته، إلا أنه كان قد تولى أمر المفاوضات مع البريطانيين في واقع الأمر، فقد عبر الوصي عبد الإله عندما كان في لندن لرئيس الوزراء [صالح جبر] عن رغبته في أن يصطحب معه كل من [ نوري ا لسعيد ] و[ توفيق السويدي ] وقد تقبل السيد صالح جبر الأمر بكل سرور. (15)

كان نوري السعيد آنذاك يراقب الوضع السياسي المضطرب، والذي كان ينذر بأحداث جسيمة بسبب الوضع المعيشي الصعب الذي كان يمر به الشعب العراقي والغلاء الفاحش الذي سبب ارتفاع الأسعار بشكل رهيب جاوز الخمسين ضعفاً للعديد من السلع،وافتقدت الأسواق الكثير منها وبلغ التضخم درجات عالية جداً مما عمق الأزمة الاقتصادية الخانقة وقد اشتهرت تلك الفترة العصيبة في حياة الشعب العراقي بفترة[الخبز الأسود] لكثرة الشوائب فيه، وندرته، وصعوبة الحصول عليه حيث كان يتجمع الألوف من الناس أمام المخابز لساعات طوال للحصول على بضعة أرغفة من ذلك الخبز الأسود .

وجاءت قضية اغتصاب معظم أجزاء فلسطين من قبل الصهيونية العالمية نتيجة المؤامرة البريطانية الأمريكية، وخيانة الحكام العرب المشتركين في تلك المؤامرة، ومهزلة ما سمي بالحرب العربية الإسرائيلية التي لم تكن في واقع الأمر سوى تمثيلية مفتعلة أراد الحكام العرب منها تبرئة ذمتهم من تلك الجريمة التي لا زال العالم العربي بوجه عام والشعب الفلسطيني بوجه خاص يعاني من آثارها الخطيرة حتى يومنا هذا على أيدي حكام إسرائيل وحماتهم الأمريكان والبريطانيين.

ولقد أدرك نوري السعيد خطورة الأوضاع، وما يمكن أن تؤدي إليه فاقترح على الوصي عبد الإله تأجيل تعديل المعاهدة في ذلك الوقت لعدم ملائمة الأوضاع الداخلية والعربية.

إلا أن الوصي أصرَّ على رأيه، وقد اقترح السعيد عليه استقالة الوزارة وتأليف وزارة جديدة تضم الأطراف الأخرى من المعارضين لحكومة صالح جبر، لكن الوصي رفض الاقتراح، وأصر على مشاركة السعيد في المفاوضات الجارية في بريطانيا. (16)

فقد ذكر توفيق السويدي في مذكراته أن حكومة صالح جبر حكومة ضعيفة لا تقوى على احتمال مسؤولية المفاوضات التي تستلزم جهوداً واستعدادات واسعة فيجب أن تكون لدينا حكومة مفاوضات قادرة على إنجاز هذه المهمة الخطيرة، ويضيف السويدي أن الوصي قد ألح عليه أن يرافق صالح جبر ونوري السعيد إلى لندن ليكون مراقباً لسير المفاوضات نيابة عنه. وعليه فقد امتثل لرغبة الوصي واشترك مع نوري السعيد وصالح جبر في المفاوضات. (17)

وعلى أثر تسرب الأخبار عن اجتماع قصر الرحاب ومعرفة الأحزاب السياسية بالأمر قررت الاحتجاج على ذلك، وأصدرت البيانات المنددة بالمعاهدة والقائمين بها، فقد أصدر كل من حزب الاستقلال،وحزب الأحرار، والحزب الوطني الديمقراطي بيانات شديدة اللهجة منددة بالحكومة ووفدها المفاوض، ومحذرة إياهم من مغبة الإقدام على توقيع المعاهدة التي دعيت بـ[ معاهدة بورتسموث] نسبة إلى المدينة التي جرت المفاوضات فيها. (18)

وكانت قد تسربت أنباء عن وصول وفد بريطاني بصورة سرية لأجراء مفاوضات مع حكومة صالح جبر لوضع مسودة معاهدة جديدة تحل محل معاهدة 1930، وضم الوفد البريطاني نائب مارشال الجو السير [ بريان بيكر ] والبريكادير[كيرتس] ونائب مارشال الجو [ كراي ]، والمستر [بسك ]،والميجر [رنتن ]، والميجر [برتواك ] فيما كان الوفد العراقي قد تألف من [صالح جبر ] و [شاكر الوادي ] و [ صالح صائب الجبوري ] رئيس أركان الجيش، وقد تبين أن المفاوضات بين الطرفين كانت قد بدأت في 8 مايس1947 واستمرت حتى 17 منه بصورة سرية ،وتم إجراء المفاوضات في قصر الرحاب،تحت أشراف الوصي عبد الإله الشخصي . (19)

كما سافر عبد الإله إلى لندن في 15 تموز، وأجرى مباحثات مع المستر [بيفن ] استكمالاً للمحادثات التي بدأت في بغداد، وبعد عودة الوصي إلى العراق استأنفت المباحثات بين الطرفين في 22 تشرين الثاني ،واستمرت حتى 4 كانون الأول، وكان الجانب البريطاني يتقدم بمسودات متعددة للمعاهدة الجديدة، وسافر[ نوري السعيد ] و[ فاضل الجمالي ] وزير الخارجية إلى لندن، وأجريا لقاءات متعددة في وزارة الخارجية البريطانية، حيث قدم لهما مساعد وزير الخارجية مسودة جديدة للمعاهدة، وقد اتصل نوري السعيد برئيس الوزراء [صالح جبر] داعيا إياه إلى الحضور إلى لندن لاستكمال المباحثات حول مسودة المعاهدة، وقد لبى صالح جبر الدعوة، وغادر إلى لندن وبصحبته وزير الدفاع [ شاكر الوادي ] و[ توفيق السويدي] بعد الاجتماعين الذين تمم عقدهما في قصر الرحاب برئاسة عبد الإله، وكان الاجتماع الأول قد عقد في قصر الرحاب في 28 كانون الأول، وضم ذلك الاجتماع 7 رؤساء وزارات سابقين و12 وزيراً بالإضافة إلى رئيس الديوان الملكي السيد [أحمد مختار بابان ].

ثم تلاه الاجتماع الثاني في 3 كانون الثاني 1948، وضم كل من [الوصي عبد الإله] و[ صالح جبر] و[ نوري السعيد ] و[ توفيق السويدي ] و[ أحمد مختار بابان ] رئيس الديوان الملكي، وقد تحدث الوصي إلى الحاضرين ونوقشت فيه النقاط الأساسية التي سيتم التفاوض بشأنها، والأسس التي ينبغي أن تؤخذ في نظر الاعتبار في المفاوضات.

ويقول السيد توفيق السويدي في مذكراته أن صالح جبر كان قد وزع على الحاضرين مسودة المعاهدة باللغة الإنكليزية، وعندما طالبته بنسخة عربية أجابني أنه لم يتسنى لنا ترجمتها إلى العربية، ويضيف السويدي قائلا بأنه لم يجد ما يستوجب الاعتراض من الجانب السياسي، ولكن وجدت الجانب العسكري عليه الكثير من الاعتراضات، وقد رد عليّ صالح جبر بان هذا الأمر مدروس من قَبلْ ومتفق عليه بهذا الشكل، وليس فيه ما يستوجب الاعتراض، الأمر الذي دل بوضوح على أن المعاهدة قد وضعت واتُفق على موادها سلفاً، وإن الوصي أراد إضفاء الشرعية عليها، وفي نهاية الاجتماع تم تخويل الوفد برئاسة[ صالح جبر] صلاحية التوقيع على المعاهدة. (20)

وعندما سرت أنباء اجتماعات قصر الرحاب سارعت الأحزاب الوطنية إلى الاحتجاج عليها بسبب استبعاد الشخصيات الوطنية منها، وأصدرت بيانات تندد بالحكومة، وتستنكر سعيها لربط العراق بمعاهدة جديدة اشد وطأة، وتمتهن سيادة واستقلال البلاد، مستهترة بإرادة الشعب وحقوقه المشروعة، وظهرت تلك البيانات في الصحف في اليوم التالي.

لكن الحكومة مضت في خططها لإتمام الصفقة مع المحتلين البريطانيين متحدية إرادة الشعب، حيث أعلن عن سفر الوفد العراقي إلى لندن في 5 كانون الثاني 1948. وجاءت تصريحات وزير الخارجية فاضل الجمالي والتي أشاد فيها بالمعاهدة العراقية البريطانية الموقعة في حزيران 1930، وبجهود الحكومة لعقدها مع الحليفة بريطانيا، وأهمية وضرورة عقدها، لتشعل أول شرارات وثبة كانون الثاني 1948، فقد كانت تصريحات الجمالي استفزازية وقحة دفعت طلاب الكليات إلى الخروج في مظاهرات صاخبة تستنكر سعي الحكومة لعقد المعاهدة الجديدة، وقام طلاب كلية الحقوق بدور بارز في تلك المظاهرات.

لكن الحكومة سارعت إلى دفع قوات الشرطة للتصدي للمظاهرات مستخدمة أساليبها القمعية المعروفة لتفريقها، وقد أصيب عدد من الطلاب في الصدام، واعتقل البعض الأخر، وأقدمت الحكومة على تعطيل الدراسة في كلية الحقوق في 5 كانون الثاني، وقد احتج أساتذة الكلية على إجراءات الحكومة وأساليبها القمعية في تعاملها مع الطلاب المتظاهرين، لكن الحكومة ردت باعتقال عدد من أساتذة الكليات والطلاب واتهمتهم بحمل المبادئ الهدامة. (21)

ونتيجة لسلوك الحكومة هذا إزاء الطلاب وأساتذة الكليات أعلن طلاب الكليات والمعاهد العالية إضرابهم عن الدراسة، وخرجوا في مظاهرات صاخبة سارت حتى بناية مجلس النواب للاحتجاج على الحكومة. وبسبب تسارع الأحداث وتطورها، حاول وكيل رئيس الوزراء [ جمال بابان ] تهدئة الأوضاع فأمر بإعادة فتح كلية الحقوق، وإطلاق سراح الطلاب،

وأساتذتهم المعتقلين.

وجاءت أزمة الحبوب وفقدان رغيف الخبز في مطلع عام 1947 لتصاعد من حدة التناقض بين الشعب وحاكميه، ولترفع من حرارة الغليان الشعبي. فبسبب سياسة الحكومة الاقتصادية الرعناء التي سمحت بتصدير كميات كبيرة من الحبوب إرضاءً لكبار الإقطاعيين والملاكين الزراعيين، على الرغم من سوء الموسم الزراعي ذلك العام بسبب شحة الأمطار، ورغم كل التحذيرات التي وُجهت للحكومة من خطورة الوضع وضرورة منع التصدير ذلك العام ،إلا أن الحكومة أغمضت عيونها عن تلك التحذيرات واستمرت في سياستها المتعارضة، ومصالح الشعب وحياته المعيشية مما سبب فقدان الحبوب في الأسواق، وارتفاع أسعارها، وقد لاقى الشعب صعوبات بالغة في الحصول على رغيف الخبز، وكانت صفوف المنتظرين أمام المخابز تثير الأسى والحزن على ما يلاقيه الناس للحصول عليه.

لقد كانت أزمة الخبز أحد الأسباب الرئيسية لقيام وثبة كانون الثاني المجيدة في مطلع عام 1948، وكانت الأوضاع تنتظر من يشعل الشرارة لتنفجر ثورة عارمة ضد نظام الحكم القائم.

توقيع معاهدة بورتسموث بالأحرف الأولى:

وصل الوفد العراقي المفاوض إلى لندن في 6 كانون الثاني 1948، حيث عقد الوفدان العراقي والبريطاني في مقر وزارة الخارجية اجتماعاتهما حول المعاهدة المقترحة، والتي كانت قد أعدت سلفاً، واستغرقت الاجتماعات أربعة أيام، وانتهت في 10 كانون الثاني بعد أن جرى الاتفاق على بنودها، وتقرر التوقيع عليها في 15 منه في ميناء [بورتسموث ].

وبادر رئيس الوزراء صالح جبر بإرسال نسخة من مسودة المعاهدة المتفق عليها باللغة الإنكليزية، طالبا عدم نشرها لحين ترجمتها إلى العربية.

وقد تم بالفعل ترجمتها، وإذاعتها من دار الإذاعة في 16 منه، وتناقلت الصحف نشر نصوص المعاهدة في اليوم التالي، وقد أحدث نشرها غليانا شعبياًً شديداً كان ينذر بالانفجار في أية لحظة.

وعلى أثر إعلان نص المعاهدة التي وقعها [صالح جبر] والوفد المرافق له مع[ارنست بيفن] وزير الخارجية البريطاني والوفد المرافق له، اجتاحت البلاد موجة عارمة من الغضب الشعبي العارم، واندلعت المظاهرات الصاخبة والمنددة بالحكومة وبالمعاهدة، وخاصة بعد أن نشرت الأحزاب الوطنية في 18 كانون الثاني البيانات المنددة بالحكومة والمعاهدة، والتي طالبت البيانات باستقالة حكومة صالح جبر، ورفض المعاهدة التي جاءت أقسى من معاهدة 1930 وأشد وطأة.

سابعا:اندلاع وثبة كانون الثاني وسقوط حكومة صالح جبر:

سارع طلاب الكليات والمعاهد العالية إلى إعلان الإضراب العام، وتشكيل [ لجنة التعاون الطلابي ] التي ضمت مختلف الاتجاهات السياسية والحزبية، وقامت المظاهرات الصاخبة في بغداد، ثم ما لبثت أن امتدت إلى مختلف المدن العراقية في 18 كانون الثاني، وتصاعدت موجة المظاهرات في اليوم التالي عندما انضم إليها العمال والكادحين من سكان الصرائف المحيطة ببغداد، والكسبة والمدرسين والمحامين وسائر طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة، واتجهت المظاهرات إلى بناية مجلس النواب، وكانت الجماهير تنظم إليها خلال مسيرتها، والكل يهتفون بسقوط صالح جبر ونوري السعيد، وسقوط الوزارة، وحلّ المجلس النيابي،ورفض المعاهدة .

سارعت الحكومة إلى إصدار بيان أذيع من دار الإذاعة هددت فيه بقمع المظاهرات بكل الوسائل والسبل، وقد شكل البيان استفزازاً كبيراً لجماهير الشعب دفعهم إلى تحدي السلطة، وأعلن طلاب المدارس كافة تضامنهم مع جماهير الشعب، وتحدي البيان.

وفي 20 كانون الثاني انطلقت المظاهرات الواسعة يتقدمها طلاب كلية الشريعة بجببهم، وعمائمهم البيضاء، هاتفين بسقوط حكومة صالح جبر والمعاهدة، وجابهتهم قوات كبيرة من الشرطة مطلقة الرصاص على المتظاهرين، مما أوقع العديد من الشهداء والجرحى الذين نقلوا إلى المعهد الطبي، والمستشفى التعليمي بجوار كليتي الطب والصيدلة، وقد أدى ذلك الصدام إلى انتشار لهيب الوثبة في بغداد وسائر المدن الأخرى، وتصاعدت موجات المظاهرات التي اشتركت فيها جميع فئات الشعب من الطلاب والعمال والمثقفين والكسبة والكادحين، واشتبكوا مع قوات الشرطة التي لم تستطع مجابهة المتظاهرين، وولت هاربة رغم السلاح الذي كانت تحمله بين أيديها، ولازلت أذكر تلك الأيام المجيدة من تاريخ كفاح الشعب العراقي بدقائقها، حيث كنت أحد الطلاب المشاركين فيها في مدينة الموصل، وشاهدت شرطة النظام وهي تولي هاربة من غضب الجماهير الشعبية، وأسفرت مظاهرات يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني في بغداد عن استشهاد أربعة من الطلاب والمواطنين، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى.

لكن تلك التضحيات كانت حافزاً قوياً دفع جماهير الشعب على مواصلة الكفاح حتى تحقيق أهدافها في إسقاط الوزارة والمعاهدة معاً.

وفي يوم الأربعاء 21 كانون الثاني توجهت جماهير الشعب نحو المستشفى التعليمي لاستلام جثث الضحايا، لكن الشرطة فاجأتهم بوابل من الرصاص، وحاولت الجماهير الاحتماء في بناية كليتي الطب والصيدلة، وبناية المستشفى، ولاحقتهم الشرطة داخل البنايات المذكورة وقتلت أثنين منهم، كان أحدهم طالبا في كلية الصيدلة، مما أشعل الموقف، ودفع عميدي كليتي الطب والصيدلة وأساتذة الكليتين إلى الاستقالة احتجاجا على انتهاك حرمة الكليّتين، واحتجت الجمعية الطبية العراقية ببيان شديد اللهجة على تصرف الحكومة.

وتدهور الوضع في بغداد والمدن الأخرى بسرعة أرعبت الحكومة والوصي [عبد الإله] الذي سارع لدعوة أعضاء الحكومة، وعدد من رؤساء الوزارات السابقين، وممثلي الأحزاب السياسية الوطنية، إلى عقد اجتماع في قصر الرحاب في 21 كانون الثاني لتدارس الوضع والخروج من المأزق الذي وضعت الحكومة نفسها فيه، وكان من بين الحاضرين الشيخ [ محمد الصدر ] و[جميل المدفعي ] و[ حكمت سليمان] و[ حمدي الباجه جي ] و[ارشد العمري ] و[نصرت الفارسي] و [ جعفر حمندي ] و [ محمد رضا الشبيبي ] و[محمد مهدي كبه ] زعيم حزب الاستقلال و [كامل الجادرجي] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي و[علي ممتاز الدفتري] ممثلا لحزب الأحرار و[عبد العزيز القصاب ] و[صادق البصام] ونقيب المحامين [ نجيب الراوي] وجرت في الاجتماع نقاشات حامية حول تطور الأوضاع بين الموالين للسلطة والمعارضين لها وقد اتهم الوزير عبد المهدي المتظاهرين بأنهم عناصر شيوعية هدامة، ورد عليه السيد كامل الجاد رجي بقوله:

{ إن المتظاهرين هم عناصر وطنية عربية صرفه }. (22)

شعر الوصي عبد الإله بخطورة الموقف، وعدم استطاعة الحكومة مجابه الشعب، وبعد مداولات دامت أكثر من خمس ساعات أصدر الوصي بياناً إلى الشعب يعلن فيه تراجع الحكومة عن المعاهدة، ومما جاء في بيانه قوله :{ أنني اعد الشعب بأنه سوف لن تبرم أية معاهدة لا تتضمن حقوق البلاد وأمانيها الوطنية }. (23)

لقد أراد الوصي أن يمتص ببيانه هذا الغضب الجماهيري العارم الذي بات يهدد النظام، وهو في حقيقة الأمر كان مرغماً على تلك الخطوة وهذا ما أكده وكيل رئيس الوزراء [ جمال بابان ] نفسه للسيد عبد الرزاق الحسني، بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، من أن الوصي عبد الإله أصّر في بادئ الأمر على استخدام الشدة والعنف مع المتظاهرين وحصدهم حصداً !!، وبرر سكوته عن ذلك طيلة تلك المدة إرضاءً للوصي، وتستراً على موقفه من قصة رفض الشعب للمعاهدة التي عقدت بمعرفته وبتوجيهاته. (24)

أدى بيان الوصي عبد الإله إلى حدوث انشقاق في صفوف الأحزاب الوطنية، فقد انشق حزب الاستقلال داعياً جماهير حزبه إلى التوقف عن التظاهر بعد بيان الوصي، فيما أصرت بقية القوى الوطنية على مواصلة الكفاح حتى سقوط حكومة صالح جير، وقيام حكومة حيادية تأخذ على عاتقها إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتطلق سراح كافة المعتقلين السياسيين.

وفي الوقت الذي كان الوصي يسعى بكل جهده لتهدئة الوضع طلع علينا رئيس الوزراء [صالح جبر] بتصريح في لندن في 22 كانون الثاني يتهم المتظاهرين بأنهم عناصر هدامة من الشيوعيين والنازيين الذين اعتقلهم عام 1941، بعد إسقاط حكومة الكيلاني على يد جيش الاحتلال البريطاني، وقد توعد جبر في تصريحه بالعودة إلى بغداد لسحق رؤوس العناصر الفوضوية!!.

وكان جبر بتصريحه هذا قد صب الزيت على النار فانطلقت مظاهرات عارمة ضد الحكومة. (25)

وفي 25 منه أعدت الحكومة البريطانية طائرة خاصة لنقل صالح جبر وبقية أعضاء الوفد إلى بغداد لمعالجة الوضع، وكبح جماح المعارضة الوطنية، لكن الطائرة لم تستطع الهبوط في مطار بغداد لذي طوقته الجماهير، واضطرت إلى الهبوط في القاعدة الجوية البريطانية في الحبانية، وتم نقل الوفد المرافق له بواسطة المصفحات والمدرعات إلى قصر الرحاب خفية، حيث التقى بالوصي بحضور نوري السعيد، وتوفيق السويدي، وقد اتهم صالح جبر وكيله جمال بابان بالتهاون في قمع المظاهرات، وطلب من الوصي منحه الصلاحيات اللازمة للقضاء على الثورة الشعبية خلال 24 ساعة. (26)

لكن جمال بابان أكد استحالة إنهاء المظاهرات دون استقالة الحكومة، وأيده في موقفه جميل عبد الوهاب، وزير الشؤون الاجتماعية، فيما وقف نوري السعيد إلى جانب صالح جبر داعياً إلى استخدام أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين، فما كان من جمال بابان إلا أن قدم استقالته من الحكومة احتجاجاً على انتقادات صالح جبر. (27)

وفي ليلة 26 / 27 كانون الثاني أصدر صالح جير بياناً يحذر فيه أبناء الشعب من التظاهر، ويتوعدهم بإنزال العقاب الصارم بهم، وخول متصرفي الألوية[ المحافظين]، وأمين العاصمة، ومدراء الشرطة صلاحية استخدام السلاح لتفريق المظاهرات، وإنزال قوات كبيرة من الشرطة لتحتل المراكز الحساسة في العاصمة، وبقية المدن الأخرى. (28)

وتحدت الجماهير الشعبية صالح جبر ونوري السعيد، واجتاحت شوارع بغداد وسائر المدن الأخرى مظاهرات هادرة منددة بالحكومة، ومطالبة بسقوطها، وسقوط المعاهدة، وبات الوضع خطيراً جداً في تلك الليلة حيث كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق من قبل الشعب من جهة والحكومة وقواها القمعية من جهة أخرى انتظاراً لصباح اليوم التالي 27 كانون الثاني. فلما حلّ ذلك الصباح تحولت شوارع بغداد والمدن الأخرى إلى ساحات حرب حقيقية، فقد نشرت الحكومة قوات كبيرة من الشرطة المزودة بالمصفحات في الشوارع الرئيسية، فيما نصبت الرشاشات الثقيلة فوق أسطح العمارات العالية، ومنارات الجوامع، استعداداً للمعركة الفاصلة.

وفي الساعة التاسعة صباحاً بدأت الجماهير الشعبية في الاعظمية والكاظمية، وفي جانبي الكرخ والرصافة تتجمع في الساحات العامة، ثم انطلقت في مسيرتها للالتقاء ببعضه، وقابلتها قوات الشرطة بوابل من رشقات الرصاص استشهد على أثرها أربعة من المتظاهرين، ووقع العديد من الجرحى،مما زاد في اندفاع الجموع الهادرة واندفاعها، وإصرارها على التصدي لقوات القمع، وتقدمت مظاهرتان من جهة الاعظمية، ومن جوار وزارة الدفاع لتطويق قوات الشرطة التي حاولت الانسحاب إلى شارع [ غازي ] سابقا، والكفاح حالياً، ولاحقتها جموع المتظاهرين مشعلة النيران بسياراتها ومصفحاتها، واستولت الجماهير على مركز شرطة [العباخانة ]، وتوجهت إلى ساحة الأمين [الرصافي حالياً] في طريقها للالتحام بجماهير الكرخ عبر جسر المأمون [ الشهداء حالياً ].

كانت قوات الشرطة قد استعدت عند مدخل الجسر، حيث نصبت رشاشاتها فوق أسطح العمارات، ومنارات الجوامع عند طرفي الجسر في جانبي الكرخ والرصافة لمنع مرور المتظاهرين عبر الجسر، ومعهم أمر بإطلاق النار على المتظاهرين المندفعين نحو الجسر، واستطاعت قوات الشرطة إيقاف زحف الجماهير نحو الجسر من جانب الرصافة في بادئ الأمر، مما دفع بجماهير الكرخ إلى الاندفاع نحو الجسر بغية عبوره، والالتحام بجماهير الرصافة المتواجدة في ساحة الأمين، وعند منتصف الجسر جابهتهم قوات الشرطة بنيران رشاشاتها المنصوبة فوق منارة جامعي [الوزير ] و[الآصفية ] في جانب الرصافة، ومنارة جامع [ حنان] في جانب الكرخ، ومن المدرعات الواقفة في مدخل الجسر، وقد استشهد ما يزيد على 40 مواطنا، وجرح أكثر من 130 آخرين، وتناثرت جثث الضحايا فوق الجسر.

اشتد ضغط الجماهير في ساحة الأمين على قوات القمع، مما أجبرها على الانسحاب نحو الجسر، وتقدم المتظاهرون عبر الجسر، ومرة أخرى انهمر عليهم الرصاص واستشهد عدد آخر وجرح الكثيرون.

لكن الجموع ازدادت بأساً واندفاعاً مما أوقع الهلع في صفوف قوات القمع التي خافت أن تقع في أيدي الجماهير الغاضبة فولت هاربة تاركة ساحة المعركة تملأ جثث الشهداء والجرحى.

حاول عبد الإله استخدام الجيش ضد الشعب، وأجرى اتصالا تلفونياً مع رئيس أركان الجيش الفريق [ صالح صائب الجبوري] في 27 كانون الثاني، حوالي الساعة الثالثة والنصف عصراً، طالباً منه إدخال عدد من قطعات الجيش إلى شوارع بغداد، لكن الجبوري حذر الوصي من مغبة إدخال الجيش في شوارع بغداد، ولاسيما وانه لا يزال يعاني من مرارة الاحتلال البريطاني عام 1941، وأكد الجبوري للوصي عدم ضمان وقوف الجيش ضد الشعب، واقتنع الوصي برأي الجبوري، وطلب منه البقاء على اتصال دائم بالقصر حتى ينجلي الوقف بوضوح. (29)

وفي الوقت الذي كانت الأزمة تتصاعد قدم 20 نائبا في البرلمان استقالتهم، احتجاجا على الأساليب القمعية للحكومة ضد أبناء الشعب بالإضافة إلى استقالة وزير المالية [ يوسف غنيمة] ووزير الشؤون الاجتماعية [ جميل عبد الوهاب ] . وفي الوقت نفسه كان عبد الإله مجتمعا في قصر الرحاب مع الشيخ [محمد الصدر] و[ نوري السعيد ] لبحث الموقف، وسبل الخروج من الأزمة.

كان نوري السعيد يلح على الوصي بقمع الحركة الشعبية، وطالب بإعلان الأحكام العرفية ومنع التجول لاحتواء المظاهرات، فيما نصح الشيخ محمد الصدر الوصي بإقالة الوزارة لتهدئة الأوضاع، ولاسيما وأن المظاهرات قد امتدت إلى جميع المدن العراقية، وفقدت الشرطة سيطرتها على الموقف، وأشعل المتظاهرون النار في مكاتب الإرشاد البريطانية في السليمانية وكركوك والموصل. (30)

وأخذ الوصي برأي الشيخ الصدر على مضض، رغم كونه كان في الواقع يسعى لقمع الحركة الشعبية، وأوعز إلى رئيس الديوان الملكي [أحمد مختار بابان ] للاتصال بصالح جبر، والطلب منه تقديم استقالة حكومته، في 27 كانون الثاني 1948 الذي شهد أشد المعارك بين الشعب وقوات الحكومة، وقدم صالح جبر استقالته التي تم قبولها فوراً، وتوجه الوصي بخطاب إلى الشعب من دار الإذاعة أعلن فيه استقالة الحكومة، وداعياً

الشعب للإخلاد إلى الهدوء !!. (31)

وسارع الوصي إلى تكليف السيد [محمد الصدر] بتأليف وزارة جديدة تأخذ على عاتقها تهدئة الأوضاع، وامتصاص الغضب الشعبي من خلال العديد من الإجراءات كإطلاق سراح مئات المعتقلين المشاركين في الوثبة، وحل البرلمان، وتعديل قانون الانتخابات وجعله على مرحلة واحدة [ انتخابات مباشرة ] وعودة الصحف المعطلة، وغيرها من الإجراءات.

لكن كل تلك الإجراءات لم تكن سوى خطوات تسكينية بغية عودة الهدوء والسكينة في البلاد، وتمهيد الظروف لعودة الوجوه البوتسموثية إلى الحكم من جديد، وليبدأ التنكيل بالقوى الوطنية التي كان لها الدور الفاعل في تلك الانتفاضة، وخاصة قادة وكوادر الحزب الشيوعي حيث جرى إعادة محاكمة قادة الحزب [ يوسف سلمان ] و[زكي بسيم ] و[حسين محمد الشبيبي] الذين سبق الحكم عليهم بالسجن المؤبد، والحكم عليهم من جديد بالإعدام وتنفيذ الحكم في ساحات بغداد للإرهاب الشعب، كما جرى اعتقال المئات من كوادر وأعضاء ومؤيدي الحزب الشيوعي وتمت إحالتهم إلى المجالس العرفية، والحكم عليهم بالسجن لمدد طويلة كما سنرى فيما بعد.

لقد حقق الشعب في وثبته المجيدة هدفان، فقد اسقط المعاهدة، واسقط الحكومة، لكن الوثبة لم تستطع حسم الصراع مع السلطة الموالية للمحتلين البريطانيين على الرغم من هروب نوري السعيد وصالح جبر إلى خارج العراق ريثما تهدأ الأوضاع، فقد كانت حياتهم مهددة بخطر حقيقي، ولو تسنى للجماهير الوصول إليهما آنذاك لمزقهم تمزيقاً.حامد الحمداني – مفكر حر

توثيق الحلقة العاشرة

(1)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 101 ـ الحسني.

(2) تاريخ الحزب الوطني الديمقراطي ـ ص 51 ـ فاضل حسين .

(3) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 111ـ الحسني .

(4) المصدر السابق ـ ص 114 .

(5) نفس المصدر ـ ص 119 .

(6) صحيفة صوت الأهالي ـ العدد 1244 ـ أيلول 1946 .

(7) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 450 .

(8)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 134ـ الحسني .

(9) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 452 ـ453 .

(10) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 151 ـ الحسني .

(11) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 457 .

(12) سحابة بورتسموث ـ ص 42 ـ صدر الدين شرف الدين .

(13) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 160 ـ161 . الحسني .

(14) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 457.

(15) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 219 ـ الحسني .

(16) العراق أمسه وغده ـ ص 82 ـ خليل كنة .

(17) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 464 .

(18) صحيفة صوت الأحرار ـ العدد 444 ـ تاريخ 1/1/1948 .

(19) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 212 ـ الحسني .

(20)مذكرات توفيق السويدي ـ ص 464 .

(21) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 226 ـ 227 . الحسني

(22)نفس المصدر ـ ص 220 .

(23) المصدر السابق ـ ص 262 .

(24)نفس المصدر السابق ـ 257 .

(25)مذكرات توفيق السويدي ـ ص 474 .

(26)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 264 . الحسني .

(27) مذكرات تفيق السويدي ـ ص 475 .

(28)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ ص 265 ـ الحسني .

(29) نفس المصدر السابق ـ ص 265 .

(30)سحابة بورتسموث ـ ص 152 ـ صدر الدين شرف الدين .

(31)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ص 272 ـ الحسني

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى 9\16

نوري السعيد يعود إلى رئاسة الوزارة ينتقم من الانقلابيين

أولاً: نوري السعيد يؤلف وزارته السادسة :

فور استقالة حكومة جميل المدفعي في 21 أيلول 1941،أوعزت السفارة البريطانية إلى الوصي عبد الإله أن يستدعي نوري السعيد، الذي كان يشغل منصب وزير العراق المفوض في القاهرة، لتشكيل الوزارة الجديدة، وهذا ما كان، فقد صدرت الإرادة الملكية بتكليفه في 9 تشرين الأول 1941، وبدأ نوري السعيد باختيار أعضاء وزارته من العناصر المشهود لها بالولاء التام لبريطانيا، وعدائها لحركة الكيلاني و العقداء الأربعة لكي تستطيع تصفية الحسابات مع جميع العناصر التي ساندت حكومة الكيلاني، ولتنفيذ معاهدة 1930 العراقية البريطانية، بما يؤمن مصالح بريطانيا ومجهودها الحربي في العراق، وجاءت الوزارة على النحو التالي:

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع .

2 ـ صالح جبر ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية .

4 ـ صادق البصام ـ وزير العدلية .

5 ـ تحسين علي ـ وزيراً للمعارف .

6 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .

7 ـ جمال بابان ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.

8 ـ عبد المهدي ـ وزيراً للاقتصاد .

1 ـ منهاج حكومة السعيد :

وضع نوري السعيد في منهاج حكومته ثمانية أهداف سطرها في رسالة شخصية إلى السفير البريطاني، وبعث بنسخة منها إلى السفير الأمريكي الذي أرسلها بدوره إلى حكومته ببرقيته المرسلة في 15 تشرين الأول 1941، وجاء فيها: (1)

1ـ التعهد بتنفيذ المعاهدة العراقية البريطانية بصورة كاملة، ولاسيما بالنسبة لتحضيرات بريطانيا الدفاعية والمواصلات.

2ـ التعهد بتطهير الجيش من العناصر المؤيدة لحركة رشيد عالي الكيلاني وللمحور.

3 ـ التعهد بإحالة الكيلاني والعقداء الأربعة الذين ساهموا وساندوا الحركة إلى القضاء.

4 ـ التعهد بفصل كافة الموظفين المؤيدين لحركة الكيلاني والمحور، واعتقال العناصر النشطة منهم.

5ـ التعهد بفصل كافة المعلمين والأساتذة الذين أيدوا حركة الكيلاني، وتغير كافة المناهج والكتب المدرسية المعادية لبريطانيا.

6ـ التعهد بإجراء تغيرات واسعة في وزارة الداخلية بمشورة المستشار البريطاني للوزارة.

7 ـ التعهد بعدم إثارة قضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى خلال فترة الحرب.

8 ـ التعهد بغلق سفارة حكومة [ فيشي ] الفرنسية التي نصبها الألمان بعد سحق فرنسا.

وهكذا بدأ نوري السعيد خططه باعتقال عدد من كبار الشخصيات السياسية الوطنية، وتم حجزهم في [معتقل الفاو] في جنوب البصرة، في 29 تشرين الأول 1941، ثم أعقبهم بمجموعة أخرى جاوزت الأربعين من الشخصيات السياسية المعارضة للاحتلال البريطاني في 20 تشرين الثاني ،ثم جرى اعتقال مجموعة كبيرة من الضباط الذين أحيلوا على التقاعد بعد فشل حركة الكيلاني في 27 منه، وتم إيداعهم معتقل الفاو أيضاً. (2)

وفي 7 آذار 1942 جرى اعتقال وجبة رابعة من الوطنيين وسيقوا إلى معتقل الفاو كذلك، ثم تلتها وجبة خامسة في 7 تموز من نفس العام وجرى إيداعها [معتقل العمارة]، وقد ضمت تلك الوجبات خيرة الشخصيات الوطنية من المهندسين والأطباء والمدرسين وأساتذة الكليات ورجال الصحافة، والسياسيين الحزبيين والكسبة والعمال والطلاب والتجار، وقد جرى اعتقالهم جميعاً بموجب مرسوم [صيانة الأمن العام وسلامة الدولة ] رقم 56 لسنة 1940 الذي تم بموجبه تعطيل الحقوق الدستورية للمواطنين، وإطلاق أيدي الأجهزة القمعية لوزارة الداخلية [الأمن والشرطة] لتعتقل من تشاء دون أسانيد أو مسوغ قانوني. (3)

وبسبب تمادي نوري السعيد في حملته ضد الوطنيين استقال وزير العدل السيد [صادق البصام ] احتجاجاً على تلك السياسة، وقد تم قبول استقالته في 9 شباط 1942، وصدرت الإرادة الملكية بتعيين [ داؤد الحيدري] بدلاً منه. (4)

ويصف السيد توفيق السويدي تصرفات وإجراءات نوري السعيد تلك قائلاً: لقد قامت الحكومة السعيدية بأعمالٍ لم تكن حكومة المدفعي مستعدة للقيام بها، وقد كان من المتوقع أن تقوم الوزارة السعيدية بأعمال ملائمة جداً للرغبات البريطانية، إذ ظهر ذلك بانتقاء الوزراء ممن كانت تميزهم صفة التودد إلى البريطانيين إن لم يكونوا من رجالهم. (5)

بدأت حكومة السعيد بعد الاعتقالات بمحاكمة الكيلاني ورفاقه الوزراء كل من: [علي محمود الشيخ علي] و[يونس السبعاوي] و[الفريق أمين زكي] وكيل رئيس أركان الجيش، والعقداء قادة الجيش [ صلاح الدين الصباغ] و[محمود سلمان ] و[كامل شبيب] و[فهمي سعيد] حيث أصدر المجلس العرفي العسكري حكمه بالإعدام غيابياً بحق الجميع، وتم أبدل حكم الإعدام الصادر ضد الفريق أمين زكي إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

كما صدر حكم بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاماً على الوزير[ ناجي شوكت]، وحكم على الدكتور[ محمد حسن سلمان] بالسجن لمدة سنة وعلى [صديق شنشل] بالسجن لمدة 5 سنوات.

ولم يكتفِ نوري السعيد بكل ذلك بل حرض المحتلين على اعتقال الوزراء السابقين كل من [ناجي السويدي] و[رؤوف البحراني] و[محمد علي محمود] و[موسى الشابندر] و[عبد القادر الكيلاني]، وتم إبعادهم إلى [سالسبوري ] في جنوب أفريقيا.

وفي 4 أيار 1942، سلمت بريطانيا كل من: [يونس السبعاوي] و[محمود سلمان] و[فهمي سعيد] إلى الحكومة العراقية التي أعادت محاكمتهم بنفس اليوم أمام المجلس العرفي العسكري، الذي أيد الحكم السابق الصادر بحقهم، والقاضي بإعدامهم، ونفذ بهم الحكم في اليوم التالي المصادف 5 أيار 1942، بحضور عبد الإله ونوري السعيد.

كان الجو العام ذلك اليوم مكفهراً، وكان الحقد والغضب على حكومة نوري السعيد وعبد الإله والمحتلين البريطانيين يتطاير كالشرر من عيون أبناء الشعب، مما ألقى الرعب في نفوس أولئك القتلة لدرجة أن نوري السعيد لازم داره شهراً كاملاً خوفاً من غضب الجماهير.

وقد رثى الشاعر العراقي الكبير [ معروف الرصافي ] أولئك الشهداء بقصيدة عصماء. (6)

بعد تنفيذ تلك الأحكام طلبت حكومة نوري السعيد من بريطانيا إعادة المعتقلين في جنوب أفريقيا لمحاكمتهم، وقد تمت إعادتهم بالفعل، وأحيلوا إلى المجلس العرفي العسكري الذي أصدر حكمه على [كامل شبيب] بالإعدام في 16 آب 1944، ونفذ الحكم فيه في اليوم التالي المصادف 17 آب. كما حكم على كل من الوزراء : [محمد علي محمود] و[موسى الشابندر] و[رؤوف البحراني] بالسجن لمدة خمس سنوات، وعلى الوصي [ شريف شرف ] بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وعلى [رؤوف البحراني] بالسجن لمدة سنتين، و[على عبد القادر الكيلاني] بالسجن لمدة ثلاثة أشهر، وقد أمر عبد الإله اعتبار هؤلاء جميعا سجناء عاديين، كما أمر بربط أرجلهم بالسلاسل الحديدية.

أما [صلاح الدين الصباغ] فقد فرّ إلى تركيا، وبقي هناك حتى عام 1945، حيث سلمته الحكومة التركية تحت الضغط الشديد من الحكومة البريطانية، إلى الحكومة العراقية في تشرين الأول 1945، حيث جيء به إلى بغداد، وأمر الوصي عبد الإله بشنقه أمام وزارة الدفاع صباح يوم 16 تشرين الأول، وبقي معلقاً فـوق مشنقته لعدة ساعات، وحضر الوصي لمشاهدته، والشماتة به.

أما[ ناجي شوكت] فقد اعتقلته القوات الأمريكية بعد نهاية الحرب في إيطاليا، وأعيد إلى العراق حيث حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً. (7)

وهكذا اثبت نوري السعيد أنه بحق رجل المهمات البريطانية الكبرى واستحق ثناء وإطراء[ونستن تشرشل] رئيس الوزارة البريطانية في برقيته المرسلة إليه والتي جاء فيها :

{ لقد تتبعت بشديد الاهتمام سير الأحداث في العراق في خلال الخمسة عشر شهراً الأخيرة، وإن التحسن المطرد الذي تم برعاية الوصي وإرشادكم الحكيمين، مما يدعو إلى مزيد من ارتياح لأصدقاء بريطانيا المخلصين، وإني لأقدر حق التقدير الوجه الذي أنجزت عليه حكومة العراق الحاضرة عهودها المقطوعة وفق المعاهدة العراقية البريطانية، وأسلوب تعاونها مع حكومة جلالته في مكافحة الطغيان النازي، وأجناد الشر….}. (8)

أدت إجراءات نوري السعيد القمعية ضد الوطنيين من أبناء الشعب، والطاعة العمياء لإرادة المحتلين البريطانيين إلى خلق جو من التذمر الشديد وصل حتى إلى مجلس وزرائه، وأخذ الوزراء يتسللون من الوزارة واحداً تلو الآخر بحجج شتى، تخوفاً مما قد تسببه سياسة نوري السعيد من رد فعل شعبي، مما اضطر نوري السعيد إلى تقديم استقالة حكومته إلى عبد الإله في 3 تشرين الأول 1942.

لكن وزارة الخارجية البريطانية طلبت من عبد الإله تكليف نوري السعيد بإعادة تشكيل الوزارة الجديدة، وطلبت من السعيد أن يختار رجلاً قوياً لوزارة المالية، وقد اختار السعيد السيد [صالح جبر] لهذا المنصب وجاءت وزارته السابعة على الوجه التالي: (9)

1 ـ نوري السعيد رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع .

2 ـ تحسين العسكري ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمالية .

4 ـ عبد الإله حافظ ـ وزيراً للخارجية .

5 ـ داؤد الحيدري ـ وزيراً للعدلية

6 ـ عبد المهدي ـ وزيرا للأشغال والمواصلات .

7 ـ تحسين علي ـ وزيراً للمعارف .

8 ـ عبد المحسن شلاش ـ وزيراً للاقتصاد .

9 ـ احمد مختار بابان ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.

و في معرض حديثه عن منهاج وزارته الجديدة قال نوري السعيد أن الوزارة الجديدة هي امتداد للوزارة السابقة، وأنه سوف يركز جهوده لإصلاح وزارة المعارف !!، وعلى تنظيم الشؤون الاقتصادية، وقضايا التموين.

لم يمضِ أسبوعان على تأليف الوزارة حتى استقال اثنان من أعضائها هما [عبد المحسن شلاش] وزير الاقتصاد و[عبد المهدي] وزير الأشغال والمواصلات، بسبب خلافاتهم مع نوري السعيد حول السياسة الاقتصادية والخارجية، واضطر السعيد إلى إدخال وزيرين جديدين في وزارته هما [عبد الرزاق الازري] و[سلمان البراك] .

ثانياً: السعيد يزج العراق في الحرب الاستعمارية:

كان على نوري السعيد أن يمضي قدماً في تنفيذ كل ما يطلبه منه المحتلون البريطانيون، وفي مقدمة تلك المطالب إعلان الحرب على دول المحور، وهكذا لم يمضِ على تأليف الوزارة سوى 28 يوما حتى أعلن السعيد الحرب على تلك الدول، حيث صدرت الإرادة الملكية بإعلان الحرب ليلة 16 / 17 كانون الثاني 1943، وبذلك أدخل نوري السعيد، وعبد الإله العراق في أتون تلك الحرب، التي لا مصلحة له فيها سوى خدمة المحتلين البريطانيين، وأخذ السعيد يوغل في سياسة القمع واعتقال الوطنيين، وكل من يشم منه رائحة العداء لبريطانيا، واستمرت المحاكم العرفية العسكرية تطحن بالأبرياء، فلم يكن نوري السعيد سوى أداة منفذة لإرادة الإمبرياليين البريطانيين الذين صاروا هم الحكام الفعليين للبلاد، يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة، ويصدرون الأوامر باعتقال وسجن من يشاءون من المواطنين.

3 ـ السعيد يعدل الدستور ويعين عبد الإله ولياً للعهد ويمنحه صلاحيات واسعة:

لم يمض على حكومة السعيد سوى شهرين حتى أقدم على تعديل القانون الأساسي [الدستور] بغية توسيع صلاحيات عبد الإله والحكومة، وقد شمل التعديل 43 مادة من مواد الدستور، كان أبرزها منح الوصي عبد الإله صلاحية إقالة الوزارة، وإقرار تنصيبه ولياً للعهد، على الرغم من أن الدستور قد نص على عدم جواز إجراء أي تغيير فيما يخص حقوق الملك طالما يمارس الوصي حقوق الملك.

فقد شكل نوري السعيد لجنة خاصة برئاسة [ جميل المدفعي] وعضوية [توفيق السويدي] و[عمر نظمي] و[ محمود صبحي الدفتري] و[مصطفى العمري] و[نوري القاضي] و[عبد الوهاب محمود] لدراسة إمكانية إجراء التعديل، وقد قررت اللجنة تشكيل محكمة دستورية عليا برئاسة السيد [محمد الصدر] وأربعة أعضاء من مجلس الأعيان هم السادة [ عمر نظمي] و[محمود صبحي الدفتري ] و[ صالح باش أعيان] و[محسن شلاش] بالإضافة إلى رئيس محكمة التمييز وثلاثة من أعضائها . (10)

وكان من أبرز تلك التعديلات :

1 ـ حق الملك أو الوصي في إقالة رئيس الوزراء.

2 ـ حق الملك في حل مجلس الوزراء أو تعطيله أو فضه.

3 ـ تفويض الحكومة حق إصدار القوانين أو المراسيم القاضية بحجز الأموال، أو مصادرتها، وفرض القروض الإجبارية.

4ـ منع مخاطبة السلطات العامة وحصرها بالهيئات الرسمية لقمع الاحتجاجات التي كان يرفعها قادة الأحزاب السياسية للوصي أو للحكومة ضد الإجراءات غير الدستورية.

5ـ حق الملك بالغياب عن الدولة وحقه في تنصيب نائبه بقرار من مجلس الوزراء.

6ـ تعديل المادة المتعلقة بولاية العهد والتمهيد لتعيين عبد الإله ولياً للعهد وقد تم ذلك فيما بعد.

7ـ عدم جواز إصدار تشريعات بإعفاء من ارتكبوا جرائم من شأنها المساس بشكل الحكومة، وقد قصد بها نوري السعيد مجموعة رشيد عالي الكيلاني وسائر المساهمين معه في أحداث 2 أيار 1941.

8ـ جعل عدد أعضاء مجلس الأعيان ربع عدد أعضاء مجلس النواب بعد أن كان الدستور ينص على أن العدد عشرون عيناً، وقد حصرها نوري السعيد برؤساء الوزارات والوزراء وفئات معينة أخرى. (11)

وهكذا جاءت هذه التعديلات الواسعة لمنح صلاحيات واسعة للوصي عبد الإله وللحكومة، وجرى كل ذلك على حساب حقوق وحريات الشعب العراقي التي نص عليها الدستور.

و لم تكن هذه التعديلات هي الأخيرة التي أجراها نوري السعيد، فقد أعقبتها عند توليه وزاراته اللاحقة تعديلات اشد وطأة سلب فيها معظم حقوق وحريات الشعب، وأفرغ الدستور العراقي من تلك الحقوق كما سنرى فيما بعد. وقد أراد نوري السعيد أن يجري التصديق على التعديلات من قبل مجلس نواب حكومة الدفاع الوطني [ حكومة رشيد عالي الكيلاني ] لكي يكتسب التعديل الشرعية، وتم له ما أرد، وتم التصديق على التعديلات من قبل مجلس النواب في جلسته بتاريخ 27 أيار 1943، حيث صادق عليها78 نائباً، هم كافة النواب الحاضرون في الجلسة، وتغيب عن الجلسة 59 نائباً. من المعرضين لإجراءات نوري السعيد. (12)

ثم تم عرضها على مجلس الأعيان الذي صادق عليها في جلسته المنعقدة في 9 حزيران 1943، وصادق عليها الوصي عبد الإله. (13)

رابعاً:السعيد يزور الانتخابات، ويؤلف وزارته الثامنة:

كان على نوري السعيد، بعد أن صوت مجلس النواب على التعديلات أن يحل المجلس، ويجري انتخابات جديدة ليصادق على التعديلات المجلس الجديد، كما ينص الدستور، وعليه فقد أقدم السعيد في التاسع من حزيران 1943،على حل البرلمان، وأجرى انتخابات جديدة تحت ظل الأحكام العرفية، و[مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة البلاد] السيئ الصيت، وقد تم إعداد قائمة بمرشحي الحكومة والسفارة البريطانية والوصي عبد الإله، وجاء المجلس الجديد بأكثرية موالية للوصي.

لقد أدان نوري السعيد نفسه عند تحديه للنواب المعارضين لحكمه في جلسة المجلس بتاريخ 15 كانون الثاني 1944، حيث قال رداً على أحد النواب قائلاً:

{ إن نظام الحكم يقتضي بإجراء انتخابات في المملكة، وللشعب أن ينتخب من يعتمد عليه ليراقب، ويسيطر على أمور الدولة، وهذا هو أساس الحكم. ولكن بالنظر إلى أن قانون الانتخابات الموجود بأيدينا هل بالإمكان أناشدكم الله أن يخرج أحد نائباً مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة، ما لم تأتِ الحكومة وترشحه ؟ فأنا أراهن كل شخص يدعي بمركزه ووطنيته، عليه أن يستقيل الآن، ويخرج ونعيد الانتخابات، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه

من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائباً}. (14)

بهذا الأسلوب أجرى نوري السعيد انتخابات المجلس النيابي ليخرج بنتائج تضمن له الأغلبية المطلقة في البرلمان تتيح له تنفيذ الأهــداف التي ترسمها له السفارة البريطانية، والتي تهدف إلى ضمان هيمنتها على مقدرات العراق.

وبعد الانتهاء من الانتخابات تقدم نوري السعيد باستقالة حكومته في 19 كانون الأول 1943، وتم قبول الاستقالة، وكلفه عبد الإله من جديد بتأليف الوزارة الجديدة في 15 منه، وجاءت الوزارة على الوجه التالي:

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع.

2 ـ توفيق السويدي ـ نائباً لرئيس الوزراء.

3 ـ محمود صبحي الدفتري ـ وزيراً للخارجية.

4 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية.

5 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية.

6 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً للعدلية.

7 ـ صادق البصام ـ وزيراً للأشغال والمواصلات

8 ـ عبد الإله حافظ ـ وزيراً للمعارف.

9 ـ سلمان البراك ـ وزيراً للاقتصاد.

10 ـ محمد حسن كبه ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.

11 ـ ماجد مصطفى ـ وزيراً بلا وزارة.

كان في مقدمة المهام التي أخذها نوري السعيد على عاتقه، بعد تأليف وزارته الجديدة، هي ترويض الجيش، عن طريق تقليصه وإضعافه وتجريده من سلاحه، لكي يأمن جانبه بعد تلك الحركة التي قادها الكيلاني خلال شهري نيسان وأيار 1941، والتهاب الشعور الوطني الجياش الذي عم جنوده وضباطه على حد سواء، وخاصة بعد اصطدامه بالجيش البريطاني، الذي احتل العراق مجدداً.

فبعد أن كان الجيش العراقي قبل أحداث أيار 1941 يضم [ 45 ألف جندي] و[1800 ضابط ] قلص نوري السعيد عدد أفراده إلى[25 ألفاً]، كما فصل عدداً كبيراً من الضباط ، وضباط الصف، وأعاد إليه الضباط والمستشارين البريطانيين الذين كانت حكومة [رشيد عالي الكيلاني] قد أنهت خدماتهم.

و بنفس الوقت سعى نوري السعيد إلى زيادة عدد أفراد جهازي الأمن والشرطة، وتنظيمهما وتدريبهما، وتم رفع ميزانيتهما إلى ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل أحداث أيار 1941، من أجل إعدادهما لقمع الحركة

الوطنية. (15)

كما أقدم نوري السعيد على إعارة كل ما لدى العراق من معامل عسكرية وذخائر للجيش البريطاني، لتعزيز مجهوده الحربي، وجاء فيضان نهر دجلة، وغرق معسكر الرشيد، ومعسكر القوة الجوية، وغرق مخازن العتاد المشيدة تحت الأرض فيهما، على البقية الباقية من العتاد الذي أصابه التلف، وبذلك غدا السلاح العراقي البسيط أصلاً، بدون عتاد.

كما أقدم نوري السعيد على زج بقية القطعات العسكرية في الحرب ضد الأكراد، حيث أعلن السيد مصطفى البارزاني تمرده على الحكومة، وقيل آنذاك أن بريطانيا، وسفارتها في بغداد لم تكن بعيدة عن تدبير ذلك، فقد كان المخطط البريطاني يرمي إلى إضعاف الجيش العراقي وإنهاكه عن طريق إشغاله في حرب أهلية مع الأكراد.

و لم يكتفِ نوري السعيد بكل ذلك، بل سخر كل إمكانيات البلاد المدنية والعسكرية، والخدمات المخصصة أصلاً لأبناء الشعب، لخدمة جيش الاحتلال.

فقد وضع الميناء، وسكك الحديد، ودوائر البريد والبرق والهاتف في خدمة القوات البريطانية دون مقابل، حارماً أبناء الشعب من الاستفادة منها، وحتى المستشفيات، ومديرية الأشغال العامة، والمعامل العائدة لمدارس التدريب اليدوي كلها تم وضعها في خدمة القوات البريطانية.

كما أدى استخدام القوات البريطانية للآليات الثقيلة إلى إتلاف الطرق العراقية دون أن تقدم بريطانيا أي تعويض عن تلك الأضرار.

وخلاصة القول لم يترك نوري السعيد شيئاً إلا وقدمه للمحتلين ودون مقابل، فيما سيطرت قوات الاحتلال على الفائض الزراعي والحيواني كالقطن والصوف والتمور وبذور السمسم والحبوب والفواكه والخضراوات وغيرها لقاء أسعار زهيدة، مما سبب في قلة المعروض في السوق، وبالتالي ارتفاع أسعارها، وتحمل أبناء الشعب العراقي الذي يعاني أصلاً من ضائقة اقتصادية صعبة أعباء اقتصادية جديدة وقاسية، نيابة عن المحتلين. (16)

وعلى الصعيد السياسي الداخلي أقدم نوري السعيد على إلغاء رخص كافة الأحزاب والجمعيات التي كانت موجودة اسمياً، ومجمدة فعلياً بسبب سياسة القمع، وذلك بموجب قانون جديد للجمعيات أصدرته حكومته، وخول القانون المذكور وزير الداخلية صلاحية تصفية كافة ممتلكاتها لصالح الدولة. (17)

إن السياسة التي سارت عليها حكومات نوري السعيد الثلاثة المتعاقبة، كانت تلقى الاستهجان والازدراء من قبل الشعب العراقي، وكلما كانت تلك الحكومات توغل في جرائمها بحق الشعب والوطن، كلما كانت المعارضة لنوري السعيد تتصاعد حتى وصلت إلى النواب الذين جاء هو بهم إلى المجلس النيابي، وبدأ العديد من النواب يشنون حملات عنيفة على الحكومة، وإجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن.

خامساً: خلافات بين السعيد والوصي استقالة الوزارة:

لم تؤدي المواقف التي وقفها نوري السعيد تجاه عبد الإله إلى محو الخلافات بينهما، بل ربما كان لها دور كبير في تصاعد الصراع على النفوذ بين الطرفين، فبعد أن تم تعديل الدستور، وامتلك عبد الإله الكثير من الصلاحيات الجديدة وخاصة توليه منصب ولاية العهد تملكه الغرور وأخذ يسعى لتركيز وتقوية مركزه في حكم البلاد، وعمل على تجميع العديد من أنصاره في مجلسي النواب والأعيان، ومارس تدخلاً مكشوفاً في الانتخابات النيابية التي جرت في 9 حزيران 1943 لصالح مرشحيه مما اعتبره نوري السعيد تحدياً لسلطاته، وكاد الموقف أن يؤدي إلى وقوع أزمة وزارية لولا تنازل السعيد ورضوخه لإرادة عبد الإله ولو إلى حين.

ومما فاقم في تلك الصراعات المشادات التي حصلت داخل البرلمان بين عدد من النواب المحسوبين على البلاط وبين نوري السعيد، وهذا ما أشار إليه السعيد في مذكرته الآنفة الذكر للوصي، والتي كتبها وهو في حالة من الانفعال الشديد، والتي تسببت في إغضاب عبد الإله.

و كان نوري السعيد قد خرج من معركة تعديل الدستور وهو يشعر بالزهو والقوة، والهيمنة المطلقة على مقدرات البلاد، مما عمق من شدة التناقض بين الطرفين، وسعي كل منهما لتحجيم دور الطرف الآخر.

ولقد ظهرت الخلافات بين الطرفين بصورة أشد عندما ألف السعيد وزارته الثامنة في 25 كانون الأول 1943، فقد سلم الوصي لنوري السعيد قائمة تضم أسماء 10 مرشحين من قبل البلاط للوزارة، لكن نوري السعيد قدم للوصي قائمة مغايرة بدعوى صعوبة الجمع بين مرشحي البلاط ومرشحيه. (18)

لم يرتح عبد الإله لقائمة السعيد، ولاسيما وأن فيها أسماء [علي ممتاز الدفتري] و[ صادق البصام ] اللذان كانا أعضاء في حكومة [طه الهاشمي] والذين رفضوا اللحاق به حين هربه من بغداد. واتخذ البريطانيون موقف الحياد من الخلافات بين الطرفين، فهم لا يريدون إبعاد نوري السعيد رجل مهماتهم الكبرى عن الحكم، ولا يريدون إغضاب الوصي وولي العهد تجنباً لحدوث أزمة سياسية قد يكون لها نتائج سلبية على مستقبل العلاقات بين الطرفين من جهة وبريطانيا من جهة أخرى. (19)

ومما عمق في الخلافات بين الطرفين لجوء النواب المحسوبين على البلاط بمهاجمة حكومة نوري السعيد داخل البرلمان لدرجة جعلت السعيد يضيق ذرعاً بالنواب المعارضين له، وشكاهم للوصي عبد الإله، ولاسيما وأن قسماً منهم كان يلمح إلى أنهم مسندون من البلاط، وفي حقيقة الأمر أن عبد الإله نفسه لم يكن مرتاحاً لاستئثار نوري السعيد بكل شيء، وخاصة بالنسبة لعلاقاته بالسفارة البريطانية، مما جعل نفوذه يتصاعد يوماً بعد يوم، وقيل آنذاك أن الوصي نفسه أوعز لبعض النواب المحسوبين على البلاط ليهاجموا نوري السعيد وحكومته بأقذع الكلام، مما دفع السعيد إلى تقديم استقالة حكومته في 19 نيسان 1944، بعد أن أرفق استقالته بمذكرة رفعها للوصي تحدث فيها عن أعماله ومنجزات حكوماته الثلاث، صانعاً من نفسه ذلك الرجل الذي خدم بلاده وشعبه أعظم خدمة !!!، في حين لم يكن سوى خادماً مطيعاً للمحتلين البريطانيين. (20)

لم يستطع الوصي البت في استقالة حكومة السعيد فوراً، إذ كان عليه أن يحصل على موافقة السفارة البريطانية قبل البت فيها، والاتفاق على شخصية رئيس الوزراء الجديد، ولذلك فقد تأخر البت في الاستقالة أكثر من شهر، فما كان من السعيد إلا أن يبعث للوصي بمذكرة جديدة في 23 أيار اتسمت بلهجة حادة أثارت غضب عبد الإله وانزعاجه، و جاء فيها:

{إن الأساليب الغريبة التي لجأ إليها بعض النواب الذين كانت الحكومة قد رشحتهم في قائمتها، ممن سمو أنفسهم[ معارضين] للحكومة وأشاعوا في الأوساط العامة أن معارضتهم هذه تستند إلى رغبة كبار حاشية البلاط الملكي، ثم أخذوا يرصفون العبارات الماسة بكرامة الوزراء والحكومة بدون مبرر، حتى أنهم لم يتورعوا عن القذف والتعريض بالكرامة الشخصية، مما أدى إلى حوادث لم يسبق لها مثيل في تاريخ البرلمان العراقي، فضلاً عن هذه العبارات التي من شأنها أن تلقي ضوءاً ساطعاً على الواقع السياسي في العراق، وأضاف السعيد في كتاب استقالته تهديداً مبطناً بقوله :

أرى من الضروري أن يحسب للحاشية في البلاط حسابها لئلا تكون وسيلة يتذرع بها المخادعون وذو الأغراض في اختلاق الأكاذيب عن أسمى مقام في الدولة، وبث روح التشكيك في الثقة بين رئيس الدولة ووزراءه، وإذا لم يجرِ تلافي هذه القضية بصورة جلية، ظاهرة للعام والخاص بأي شكل من الأشكال التي تتفق ورغبة سموكم، فلا مناص من حدوث أمور غير محمودة، مما قد يؤدي إلى ضرر أعظم مما نتصوره الآن }. (21)

لكن الوصي تجاهل المذكرة هذه، وسارع إلى قبول الاستقالة، وصدرت الإرادة الملكية في 3 حزيران 1944 من دون أن يشير عبد الإله إلى المذكرة. وقد كلف الوصي السيد[حمدي الباجه جي ] في نفس اليوم بتأليف الوزارة الجديدة.

لكن التوتر الحاصل بين نوري السعيد وعبد الإله لم يدم طويلاً، ولاسيما وأن بريطانيا كانت ترى في شخص نوري السعيد دائماً أنه الوحيد القادر على القيام بأحسن وجه بالمهمات الكبرى التي تعهد إليه .

وقد علق السفير البريطاني [ كونواليس] على الصراع الدائر بين الوصي والسعيد قائلاً :{مع أن نوري السعيد أبلغني حول هذه التطورات، إلا أنني لم أحاول أن القي بثقلي إلى أحد الجانبين باعتبار أن الموضوع يمثل قضية داخلية محضة}. (22)

لكن الواقع أن موقف السفير من الخلافات بين الوصي والسعيد كان نابعاً من كون بريطانيا لا تريد وضع كل بيضها في سلة واحدة كما ورد في برقية السفارة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 3 أيلول 1943. (23)

و سعت إلى تصفية الأجواء بين البلاط والسعيد لتهيئة الأجواء لعودته إلى الحكم في وزارته التاسعة بتاريخ 21 تشرين الثاني 1947، كما سنرى لاحقاً.حامد الحمداني – مفكر حر

التوثيق

(1 ) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السادس ـ ص 51 ـ عبد الرزاق الحسني.

(2) صحيفة الزمان ـ العدد 1353 ـ تاريخ 27 شباط 1941 .

(3) نفس المصدر السابق ـ العدد 1465 ـ في 8 تموز 1942 .

(4) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السادس ـ ص 63 ـ الحسني.

(5) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 394 .

(6) ديوان الرصافي ـ ص 283 .

(7) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السادس ـ ص 75 ـ الحسني.

(8) نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية ـ ص 158 ـ سعاد رؤوف .

(9) أرشيف وزارة الخارجية البريطانية ـ وثيقة رقم 293 ـ في 30 أكتوبر 1942.

(10) الوقائع العراقية ـ الإرادة الملكية ـ وثيقة رقم 8 ـ في 12 كانون الثاني 1942 .

(11) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السادس ـ ص 128 ـ133 ـ الحسني

(12) محاضر مجلس النواب ـ الجلسة الثانية والأربعون ـ ص 375 ـ 376 .

(13) محاضر مجلس الأعيان ـ الاجتماع الاعتيادي لسنة 42ـ 43 ت في 9 حزيران 1943.

(14) محاضر مجلس النواب ـ الجلسة الثالثة ـ في 15 كانون الثاني ـ 1944 .

(15) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السادس ـ ص 180 ـ الحسني.

(16) نفس المصدر ـ ص 182 ـ 188 .

(17) المصدر السابق ـ ص 199.

(18) الخلاف بين البلاط ونوري السعيد ت ص 72 ـ خيري العمري .

(18) نوري السعيد ودورة في السياسة العراقية ـ ص 177 ـ سعاد رؤوف .

(20)نفس المصدر ـ ص 179 .

(21)المصدر السابق ـ

(22)العراق ـ حنا بطا طو ـ الجزء الأول ـ ص 347 .

(23) نوري ودوره في السياسة العراقية ـ ص 178 ـ سعاد رؤوف .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

غرباء؟

الشرق الاوسط

أثار الأستاذ إبراهيم عيسى حفيظة مشاهديه عندما قال إن بعض كبار المصريين ليسوا مصريين. فاته أن يقول إن الدول الكبرى وحدها تتسع لنجوم من غير أهلها. عندما توفي جمال عبد الناصر كتب كثيرون، أنه كان أول «حاكم مصري». هل كان محمد علي باشا أقل خدمة لمصر؟ وهل كان إبراهيم باشا ابنه، أقل وطنية من عبد الناصر أو السادات أو مبارك؟

اللائحة طويلة في هذا الباب الإنساني الوسيع. أمير الشعر العربي لم يكن عربيا إلا في القلب وفي اللسان. وكم كان قلب شوقي عربيا ولسانه كم كان أجمل ذرى اللغة. ونابليون الذي حول فرنسا إلى إمبراطورية لم يكن فرنسيا. وأتاتورك، أبو تركيا، لم يكن تركياً. والإسكندر لم يكن يونانيا. وهتلر كان نمساويا. وفي ذاكرتي أن أجمل من نطق بالإنجليزية، كان ريتشارد بيرتون وجون غيلغود. الأول عامل بناء حزين من ويلز التي تكره الإنجليزية وترفع اللغة الغاليّة على طرقاتها وفي مقاهيها. والثاني بولندي أذهل المسرح الشكسبيري، كما أذهل مواطنه بالرواية الإنجليزية التي تعلمها وهو يقود سفينة فاحمة في أنهار أفريقيا.

متى نعترف بانتماء الإنسان إلى لغة أو قوم أو بلد؟ لا تقول كندا إن الحاكم العام الآن سيدة من هايتي، وقبلها سيدة من الصين، وكلتاهما بلون أصولها ومعالمها. الشعر الأجعد والعينان الضيقتان.

الرجل الذي رد الكرامة العربية عبر التاريخ، كان كرديا يدعى صلاح الدين الأيوبي. ويشكل الأكراد في المنطقة التي ندعوها الشرق الأوسط، ثاني أكبر جماعة إثنية بعد العرب. ومع ذلك أصررنا على ألا يكون لهم وجود. أهملناهم في المدن وطاردناهم في الجبال. وطاب لكل حاكم عربي أن يلقب نفسه صلاح الدين ولو لم يخرج إلى حديقته. عبد الكريم قاسم كان كرديا. والثابت الوحيد في زعامات لبنان، وليد جنبلاط ووالده وجدوده، من أصل كردي. ليس في هذا العالم بلد «صاف» إلا آيسلندا، لأن أحدا لا يريد الهجرة إلى هذا المزيج من العتم والبرد والبراكين التي يطاول دخانها السماء ويعطل الرحلات الجوية في العالم. أما فيما عدا ذلك فإن كولومبس لم يكن أميركيا. ولم يكن أميركيا سوى الهنود الحمر الذين أباد منهم الرجل الأبيض 20 مليون إنسان ثم اتهمهم بالوحشية والعدوانية والتخلف. كل ما في الأمر أنهم رأوا مخلوقا يعبر المياه الأطلسية لكي يسرق خيولهم ويحتل أراضيهم وينهب محاصيل الذرة ومناجم الذهب.

لماذا يتضايق المصريون كلما جاء ذكر الشوام؟ في النهاية أصبحوا جميعا مصريين. وداليدا أشهر مطربة فرنسية ظلت مصرية بالنسبة إلى الجميع. وعمر الشريف ملأ شاشة هوليوود وظل مصريا. وأحمد زويل ومجدي يعقوب ومحمد الفايد تصدروا العلم والطب والمال في الغرب وبقوا إيه؟ بقوا مصريين. بلاش زعل بقا.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

توزيع الثروة بطريقة عائلة الأسد المجرمة

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

أفكار في قضية المرأة – من هو المسؤول عن تردّي أوضاع النساء

حدثتني احدى النساء اللواتي شوه المجتمع عقلها ونال من تفكيرها عن حُبها لزوجها المتسلط وكيف انها صارت تعشقه اكثر من ابنائها بالرغم من تصغيره لشأنها في كثير من الأحيان .

نظرت لها مندهشة من موقفها هذا وسألتها عن السبب في هذا الحب الغريب له بالرغم من تسلطه عليها وقمعه لها .

فقالت لي بأن الرجل يبقى رجلا مهما صغر فهو كبير والمرأة تبقى امرأة مهما كبرت فهي صغيرة !! , بما معناه ( أن قانون الحياة يجعل من الرجل متسلطا على بيته وراعيا لزوجته واطفاله يقودهم كما يقود الراعي أغنامه ), وأن كان أمياً وعلى المرأة طاعته وتوفير متطلباته النفسية والجسدية وصب اهتمامها الأول على زوجها قبل ابنائها , بمعنى وضع عصارة جهدها لخدمته واحتوائه عاطفياً وليذهب الأبناء الى الجحيم فمن اين لها القوة لمراقبتهم بعد هذه الجهود ؟!

فسألتها كيف غفرت له زواجه بامرأة أخرى عليها .

قالت لي : كانت نزوة وخدعته تلك التي تزوج منها والحمد لله بأنه رجع الى عقله.

قلت لها : اين كان عقله وكيف سيكون راعيا لك ولأبنائك وهو لا يتمكن من رعية نفسه ومنعها من الخطأ ؟ ولما نسامح الرجل ولا نغفر للمرأة ؟.

اجابت بأنها لا حول لها ولا قوة وهي مجبرة على أن تسامحه , فلا بديل لها ولا معيل غيره وعليه أن تتشبث به باسنانها وتتخلى عن كرامتها وتعمل جهدها لاجل ان لا تخطفه واحدة غيرها , وكل هذا لأجل ان تحافظ على شكل بيتها من الخارج فقط , فهي وليدة بيئتها وضحية مجتمع عاهر شوه طبيعتها .

ففكرت بالكيفية التي صارت هذه المرأة والكثيرات غيرها بلا حول ولا قوة وشعرت بنفسيتها الذليلة المهانة ومدى استهتار زوجها بحقها كأنسان .

فلو حظيت هذه المرأة على شيء من الحرية والثقافة , فهل كانت سترضخ لذلهّا وهوانها ؟ وهل ستتنازل عن حقها لو علمت بأن لها حقوق مسلوبة ؟

حرية المرأة وحقوقها لا تعني الانحلال بل تعني الحد من حقوق الرجل التي صارت فوضى واستهتار له في بعضها .

نستطيع ان نتوصل من خلال بعض الأفكار الى تركيبة عقل الأنسان العربي وكيف تكوّنت ثقافته وكيف بنيّ اساس ادراكه منذ ان ساد النظام الطبقي الأبوي , ومنذ ان استغلت السلطات الحاكمة الدين لتقوية نفوذها واذلال المرأة بهذا النفوذ , وبعد ان ادخل هذا النظام في عقل الرجل اسلوب في معاملته للمرأة كسيد عليها باعتباره الأعلى مرتبة والأكثر وعيا والأقوى جسدا , روّضت المرأة على الخضوع وأُدخِل في تركيبتها النفسية بأن خضوعها للرجل سيكمّل جمالها وأنوثتها , فصارت غالبية النساء ممن لم يحظين بفرصة للتثقيف تتباهى بضعفها وقلة حيلتها امام الرجل القوي الجبار, فشاعت بين النساء عبر قرون عديدة غريزة الخضوع (العبودية) ووصل بهن الحال الى رفض الزوج الرقيق الذي لا يردعها , ووصل الحال ايضاً بالبعض الى عدم شعورهن بفحولة الرجل ما لم يستخدم معهن القوة , ومن ثم الصق الرجال هذا الخضوع بطبيعتة المرأة السيكولوجية ,ولا اعلم كيف يلصقوا السكون في الطبيعة بالرغم من انها متغيرّة , فتناسوا تأثيرات البيئة والمحيط وتشجيعه لها لتكون كائن ضعيف , واحيانا يصل الحال الى استسلامها له, ليزيدها نعومة ورقة وجمالا ولتكمل انوثتها لأجل ان يتهافت عليها الرجال ,

فاصبحت العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة السيد بالعبد وعليها طاعته واجبة , فهو قد امتلك العقل ليرشدها , والقوة الجسدية ليحميها , أو ليستخدمها ضدها حين يرغب ذلك , ولضربها لو اراد التنفيس عن غضبه في الخارج , وعليها وجوب تحمّل غضبه واهانته لها برحابة صدر الزوجة المطيعة , ولا يحق لكائن من يكون ان يسأله عن السبب فهو امتلك جسدها بعقد زواجه منها وصار بمثابة الاه لها وحقها ان تسجد له !!

* انتابني القرف من امرأة اخرى عندما رأيتها مكتئبة ولكنها تكثر من صلاتها , وعند سؤالي عن السبب علمت بأنها تعاني من تهميش زوجها لها وانها تعرضت للأهانة من قبله وعدم مراعاتها كأنسانة لتجد نفسها بعد سنوات مفتقدة للكثير من مقومات الحياة , وعند سؤالي لها عن الحلول التي تستطيع لها , قالت الحل بيد الله هو من سينتقم لي !!.

اما المحيطين بها فهم وجه مكشوف لمجتمع تعفن تدريجيا ووصل به الحال الى فقدان حاسة الشم لديه وعدم قدرته على شم رائحة القانون النتنة وعدم استطاعته رؤية وجهه الحقيقي فتعود على شكله القبيح.

نحن مجتمعات مؤمنة !! ولا اعلم كيف ؟

الأيمان هو قوة سواء كان للرجل او المرأة فكيف نحرّض المرأة ونريد لها ان تكون ضعيفة وخاضعة للرجل ؟

الأيمان هو مساواة وليس تفرقة : وما نراه في مجتمعاتنا التفريق وعدم مساواة الرجل بالمرأة بجميع الحقوق والواجبات , حيث

لا زالت القوانين لحد يومنا هذا تعطي للرجل الحق بتأديب زوجته في حالة خروجها عن طوعه , وهذا الخروج يستطيع هو ان يتلاعب به كيف ما يريد

هو عدلا وليس ظلما : وما نلمسه هو الظلم .

هو حب المعرفة والتطور وليس سكونا: ونحن نحصر المعرفة بالرجل فقط من خلال حصر مجالات المرأة بالبيت والرجل .

وجميع ما ورد ذكره لا علاقة للمرأة به فهو يخص الرجل فقط .

فهل الأيمان مطلوب للرجل فقط ؟

ومن سيتحمل مسؤولية تردي اوضاع النساء ؟

هل هي المرأة بخضوعها ورضوخها لعبوديتها ؟ أم هو الرجل بتمتعه بقهرها ,؟ ام هي عاداتنا التي تعودنا عليها وعرفنا بها تخلفنا وعدم فهمنا للحقيقة .

ابداعنا بوعينا وقوتنا بأملنا بهم نهزم التخلف وننصر الأنسانيةفؤادة العراقية (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

سياف الزهور- اغتصاب كان وأخواتها

فجأة، ودون سابق إنذار، ركنوا جانباً ، قضية فلسطين، وتعثر المفاوضات على المسارات كلها، واستمرار قصف الجنوب، وحصار العراق، واحتمال تقسيمه إلى حارات وأزقة، والحلف التركي – الاسرائيلي ، وقضية لوكربي، والمذابح في الجزائر، والوضع المتفجر في البلقان، والقرن الافريقي، وقضية أوجلان، وكل ما تحفل به المنطقة من أحداث وتوقعات وانفجارات، وكرّسوا كل طاقاتهم وجهودهم للدفاع عن “اللغة العربية”، والذود عن حياضها ، وشنّ حرب لا هوادة فيها ضد اللهجات المحلية التي تتهددها.

وعلى رأسها تعريب المصطلحات الطبية، والعلمية، والكيميائية، والفيزيائية، والعضوية، والبيولوجية، واستبدال أسماء الشوارع، والساحات، والفنادق، والمسابح، والمقاهي، والمطاعم، والملاهي، بأسماء عربية، لا عجمة فيها ولا إبهام بدءاً بدبلجة المسلسلات المكسيكية والصور المتحركة وانتهاءً ببرامج المنوعات وطبق اليوم.

وتشكلت اللجان، ورصدت الميزانيات، وأعدت لوائح الكتبة والمؤرشفين والورّاقين، وامتلأت أروقة الإذاعة والتلفزيون ودور الصحف والمجلات من المحيط إلى الخليج. بوجهاء اللغة، وأعيان الصرف والنحو، وفقهاد البلاغة والإملاء والانشاء، مع أن أحداً لا يشك للحظة واحدة بأن سيبويه قد يصاب بالصداع النصفي أو الشقيقة في قبره، قبل أن يتفق لغويان عربيان على إيجاد بديل، أو مرادف لغوي لكلمة “أسبرين”. وقد تحتل اسرائيل ما تبقى من الأراضي العربية المحتلة وكل ما عليها من مجامع لغوية، قبل أن يتفق أربابها على تفسير كلمة “احتلال” أو إيجاد الجذر اللغوي لها، وكأنهم يسمعون بها لأول مرة في حياتهم.

***

في الحقيقة ، إنني أتوجس شراً من أية مبادرة سياسية كانت أم علمية أم تربوية تقوم بها فجأة أية جهة رسمية، وتذكرني بمبادرة السادات ونتائجها.

ولكن لنفترض حسن النية ونبل المقصد من وراء هذه المبادرة ، وأن القائمين عليها هم نفسهم الملائكة الذين كان مجلس الشيوخ الروماني يبحث في جنسهم قبل الميلاد وحتى الآن، وصار لهم ما أرادوا، وقضي على اللهجات المحلية قضاء مبرماً في كل ارجاء الوطن العربي، وأصبحت اللغة العربية الفصحى هي السائدة في أي حوار أو سؤال أو جواب، في جميع الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية، وشركات القطاع العام والخاص، والجامعات والمدارس ودور الحضانة، ودور السينما والمسرح والملابس الرياضية وفي المستشفيات والصيدليات والبقاليات وأسواق الصيرفة والمال، ووسائل النقل والسائقين والركاب وشرطة المرور، والفنادق والمسابح والمطارات والسفارات والقنصليات ومراكز الحدود، والمقاهي والمطاعم وعلى ألسنة التجار والمستهلكين والباعة المتجولين.

فإنني أسأل الملك سليمان الذي كان يفهم لغة الطيور والأسماك والحيوانات إذا كان يفهم وزير خارجية أو ناطق رسمي عربي باسم أي جهة وهو يجيب على سؤال واضح وضوح الشمس، لا عن سياسة بلاده الخارجية أو الداخلية، أو موقفها من هذه القضية أو تلك من قضايا الساعة، بل عن حالة الطقس أو الطرق في بلاده، ولو كان يتكلم بلغة جرير والأخطل الصغير والكبير.

إنه الرعب!

وفي هذا السياق ، ثمة سؤال لغوي بريء في غاية البراءة يتبادر إلى الذهن:

ترى في سجون التعذيب وأقبية المخابرات الرهيبة، وهي في المحصلة – القاعدة الشعبية الرئيسية لمعظم أنظمة الحكم في الوطن العربي- حيث الصراخ والعويل من البرد والرعب والصعقات الكهربائية، بأية مفردات، بل بأي قريض أو بيان يتم استجواب المتهمين والنيل من كراماتهم وأعراضهم حتى سابع جد؟

وهل على المهتمين الرافعي الأيدي والأرجل تحت السياط والهراوات، أن يجيبوا على أسئلة المحققين باللغة العربية الفصحى؟

***

ماذا يريدون إذن من هذه المبادرة الجماعية الكريمة؟

العودة إلى الجذور؟ لم يعد هناك جذور ولا أغصان!

العودة إلى الجاهلية؟ إلى العصر الحجري؟

أن أميركا لن تسمح لهم بالعودة حتى إلى العصر الطباشيري، لأن فيه بعض الصلابة!

********

ثم ما هذا التوقيت العجيب، ففي الوقت الذي تشن فيه هذه الحرب الشعواء على اللهجات المحلية في طول الوطن العربي وعرضه، يتقاطر السيّاح، والصحافيون، والمراسلون، والمصورون، والمستشرقون، والرحالة، والمبشرون، والرياضيون، والراقصات والراقصون من كل أقطار الدنيا للبدء بتعلم هذه اللهجات وهم ما زالوا على سلم الطائرة.

أسماء المدن والشوارع والقرى والأوابد الأثرية، والأهازيج البدوية والمواويل الريفية، والطقوس الجنائزية والأعراس وتقاليدها، وأسماء الطوائف والمذاهب واعدادها، والمهن اليدوية، والمأكولات الشعبية وطرق إعدادها، والآلات الموسيقية وعددها، وأسرار التخت الشرقي والمطبخ الشرقي، حتى أسماء التوابل والبهارات والنكهات. كأن هذه الأرض ستفرغ من سكانها الأصليين قريباً… وهذا لن يحدث طبعاً، لأن الراعي الأميركي لا بدّ له من وجود بعض القطعان من حوله.

********

عندما لا تتاح للإنسان أياً كان جنسه ولونه ومعتقده فرصة للتعبير عما يريد ويطمح إليه، لا بالفصحى ، ولا بالعامية، ولا بالغناء، ولا بالرسم، ولا بالنحت، ولا بأية وسيلة من وسائل الإيضاح والتوضيح المتعارف عليها، يلجأ إلى التعبير بالجسد كالإنسان البدائي، أو ما يسمى الآن بالمسرح الإيمائي، وهو أرقى أنواع الفنون وأصعبها وأحقرها بالنسبة للعربي، حيث يضطره الإرهاب اللحوح المتواصل وهو في نهاية القرن، للتعبير عن أهم وأخطر قضاياه الانسانية والوطنية والمصيرية، بعينيه وحواجبه وأذنيه، أو بخصره ومؤخرته وهو الذي اخترع الأبجدية التي صُكّت بها أول شريعة لحقوق الإنسان في العالم.

‎محمد الماغوط (مفكر حر )؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

ولاة الأرض

هو من يبتدئ الخلق

وهم من يخلقون الخاتمات! 

هو يعفو عن خطايانا

وهم لا يغفرون الحسنات! 

هو يعطينا الحياة 

دون إذلال

وهم، إن فاتنا القتل،

يمنون علينا بالوفاة! 

شرط أن يكتب عزرائيل 

إقراراً بقبض الروح

بالشكل الذي يشفي غليل السلطات!

** 

هم يجيئون بتفويض إلهي 

وإن نحن ذهبنا لنصلي 

للذي فوضهم 

فاضت علينا الطلقات 

واستفاضت قوة الأمن 

بتفتيش الرئات 

عن دعاء خائن مختبئ في ا لسكرا ت 

و بر فع ا لـبصـما ت 

عن أمانينا 

وطارت عشرات الطائرات 

لاعتقال الصلوات

*******

ربنا قال 

بأن الأرض ميراث الـتـقـاة 

فاتقينا وعملنا الصالحات 

والذين انغمسوا في الموبقات 

سرقوا ميراثنا منا 

ولم يبقوا لنا منه

سوى المعتقلات!

**

طفح الليل.. 

وماذا غير نور الفجر بعد الظلمات؟ 

حين يأتي فجرنا عما قريب 

يا طغاة 

يتمنى منكم خيركم 

لو أنه كان حصاة 

أو غبارا في الفلاة

أو بقايا بعـرة في أست شاة. 

هيئوا كشف أمانيكم من الآن

فإن الفجر آت.

أظننتم، ساعة السطو على الميراث،

أن الحق مات؟!

لم يمت بل هو آت!!  أحمد مطر (مفكر حر )؟‎

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment