الأسير و«جبهة النصرة»

الحياة اللندنية :وليد شقير

تماماً مثل «جبهة النصرة» في سورية، جرى تكبير حجم الشيخ أحمد الأسير في لبنان، وتم نفخه، وحشوه، وحظي بالاهتمام الإعلامي الواسع، لأن تطرفه يجذب الفضائيات وشاشات التلفزة التي تسابقت على التحدث اليه، لغرابة مظهره ولحيته الطويلة المتدلية التي تُطربُ لها الكاميرا، مثل أي ظاهرة غريبة تهتم بها، بصرف النظر عن جوهرها ومضمونها.

تماماً مثلما فعل النظام السوري بـ «جبهة النصرة»، التي ساهم في إفلات عناصرها الأولى من سجونه بعد أقل من سنة على اندلاع الثورة السورية، الى أن تجمّع هؤلاء ولم يكن عددهم قد بلغ أكثر من 80 عنصراً في إحدى قرى ريف إدلب، بعدما أتاحت الأواني المستطرقة بينهم وبين تنظيم «دولة العراق الإسلامية» في بلاد الرافدين، والذي كان يحظى بالدعم السوري الاستخباراتي، بأن تزداد أعدادهم رويداً رويداً. ورفدتهم خبرات الأعمال العسكرية في العراق، والمال والعتاد، حتى أخذت مشاركتهم في القتال داخل سورية، بالتوازي مع الحملة الإعلامية لمؤيدي النظام عن تنامي «القاعدة» والمتطرفين في صفوف الثوار السوريين بهدف إقناع دول الغرب بأن النظام يحارب الإرهاب وليس معارضين يريدون التغيير والإصلاح وقلب النظام، تتصدر وسائل الإعلام على حساب «الجيش السوري الحر» والمعارضين العلمانيين.

 في بداية العام الحالي أبلغ رأس النظام السوري حلفاءه اللبنانيين بوضوح: «نجحنا في جعل القاعدة في واجهة الحرب الدائرة، بحيث باتت دول الغرب مترددة في دعم الثوار».

في لبنان تزامن ظهور الأسير عام 2011، مع حاجة «حزب الله» الى ظواهر في الطائفة السنّية تثبت ان الزعامة ليست معقودة لسعد الحريري فيها بعد ازاحته من رئاسة الحكومة عبر ضغوط استخدمت فيها الوسائل الأمنية مطلع تلك السنة. ولم تبق وسيلة إعلامية مكتوبة أو مرئية من التي تدور في فلك حلفاء سورية والحزب في لبنان إلا وتهافتت على المقابلات الحصرية مع الأسير على رغم انتقاداته اللاذعة لـ «حزب الله» وسلاحه، لأن الهدف كان الإيحاء بأن هذه الظاهرة تسحب البساط من تحت أقدام آل الحريري وأن زعامتهم، بغياب زعيم تيار «المستقبل» عن البلاد، ذاهبة الى حالة ضعف ووهن وتبدُّد، من أجل تبرير استبعاد تياره وصولاً الى الاستخفاف بوجوده وتجاهله، حتى الاستهزاء بمواقفه من جانب قيادة الحزب.

حتى بعض الأجهزة الأمنية التي للحزب تأثير عليها، انفتحت على الأسير، لعلها تشترك في الإفادة من ظاهرته.

لم يأبه الذين أطربتهم الظاهرة والتي لها أشكال شبيهة في مناطق أخرى من لبنان وعلت أصوات رموزها نتيجة تصاعد الحساسية المذهبية وبفعل الاحتقان الذي تسببه هيمنة «حزب الله» على الحياة السياسية اللبنانية، لتصدُّر التطرف على الاعتدال ضمن هذه البيئة. ولم يكترثوا لإفساد قلة متطرفة، صورة أكثرية معتدلة. على العكس تسلحوا بتبرم جزء من جمهور آل الحريري من السياسة المسالمة التي يتبعونها، وانجرار هذا الجزء من الجمهور الى اعتبار الأسير، على غرابته، ناطقاً بما يختلج في مكنونات هذا الجمهور من غضب على الحزب، بل أن مريدي الحزب وإعلامه أخذوا يسقطون على الأكثرية المعتدلة، ما تمارسه الأقلية المتطرفة، فراحوا يتهمون تلك الأكثرية بأنها البيئة الحاضنة للأسير وغيره، ليسوغوا لأنفسهم أخذ المعتدلين بجريرة المتطرفين. تماماً مثلما يبرر النظام في سورية عنفه وإجرامه ضد شعبه، وقوى المعارضة المعتدلة و «الجيش الحر» وتدميره القرى والمدن وارتكابه المجازر واستخدام الكيماوي… بحجة محاربة إرهاب «جبهة النصرة».

خرج الأسير عن السيطرة وعن حدود استخدام تطرفه بخروجه عن المألوف في مخاطبة خصومه وشتم رموز مثل الرئيس نبيه بري والأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله، وبتسلحه مثله مثل أي ظاهرة متطرفة يحركها التعصّب وتجمع من حولها خليطاً من الحاقدين والرعاع، فوجب الانتهاء منه بعد أن أعمت أوهامه بصيرته، فارتكب جريمة الاعتداء على الجيش اللبناني.

 وحتى عندما تطلب الأمر التخلص منه، بقي وسيلة وحجة للتعرض لخصوم «حزب الله» السياسيين على اعتدالهم، على رغم أن الأسير كان بلغ في الآونة الأخيرة درجة التحريض على الحريري واتهامه بالخيانة والهرب من المواجهة الى خارج البلاد والمساومة… الخ. فالحزب شارك في القتال ضد الأسير على رغم ان الجيش تولى تصفية تمرده، ليلاحق خصومه الآخرين ويرعبهم ويرهبهم، وهو سيستمر في ذلك بعد إنهاء ظاهرة الأسير، لأسباب لا تتعلق بالأسير.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

سياسة القرضاوي كفقهه

الجزيرة السعودية : حمزة بن محمد السالم

الفقه المقارن هو دراسة المسألة الفقهية ابتداءً من جمع أقوال فقهاء المذاهب ومن ثم تحليلها ومن ثم ترجيح أحد هذه الأقوال. ولو كان الترجيح يتم على أساس التأصيل المنطقي واللغوي لأصبح الفقه المقارن أداة من أدوات الفهم لتأصيل المسائل، إلا أنه في التطبيق الواقع لم يتعد إما مجرد التنظير أو التقليد أو الهوى. والتقليد أصلاً لا يسلم إما أن يكون جموديا على المذهب، وإما أن يكون تبعا للهوى والسياسة، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي متخصص في الفقه المقارن ومتمكن منه، وقد كان قديما يستخدمه كمستند في إصدار الفتاوى. ومن تأمل ترجيحات الشيخ بين أقوال فقهاء المذاهب يجد أن ليس بينها رابطا أو قاعدة ثابتة، بل هي تبع لتصورات الشيخ عن المسألة والتي عادة تناسب جمهوره المستهدف، (فمثلاً اختيار قول جواز الربا في دار الحرب ثم جعل الغرب دار حرب ثم تجويز القروض البنكية للمسلمين هناك، حتى دولة المغرب العربي ألحقها بدار الحرب، وذلك عندما رأى جمهوره يريد القروض، فإذا رجع قطر هاجم باحث مسؤول أراد فتح باب إعادة النظر في التحويلات البنكية، وما ذاك إلا لأن جمهوره في قطر يريد حرمة القروض) وهو في كل ذلك يتخيَّر من أقوال الفقهاء ما يناسب قوله. وأما اليوم فالشيخ لم يعدل يستدل أصلاً، فالجمهور يعلم انه لا يرى قولا إلا وللشيخ دليل عليه.

 وسياسة الشيخ القرضاوي كفقهه. فهو يختار من الاتجاهات السياسية ما يناسب جمهوره المستهدف ثم لا يجد صعوبة في إيجاد مستند لها من أقوال فقهاء السلف، وبما أن أسهل ما تُستخف به عقول العرب هو دعوى حرب إسرائيل، فقد ناصر الشيخ القرضاوي حزب الشيطان فحصد بذلك الشعبيات وتبوأ مقام فقيه الواقع عند كثير من المسلمين، حتى إذا دار الزمان وأصبح حزب الشيطان عدو الجماهير العربية والإسلامية، دار الشيخ معهم. وبذكاء شديد، أخرج الشيخ نفسه من صورة فقيه ما يطلبه المستمعون بدون أن ينقص من مكانته الفقهية، وذلك بالاعتراف لعلماء السعودية بأنهم كانوا أنضج منه في ذلك. وشهادة الشيخ القرضاوي تشهد بها الأمة كلها من قديم، المحب لهم والكاره والموافق والمخالف، فجميع المذاهب الإسلامية والطرق تشهد بأن منهج السلف في العقائد أسلم وأحوط. ولكن بعضهم يرى أن منهجه في التأويل أعلم وأحكم، وبعضهم يرى أن بدعهم العقائدية من الروحانيات والرقائق، وأن مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب متشددة وإن كانت أسلم للعوام خاصة وهكذا، ولكن لا أحد ينكر أن المنهج في السعودية هو الأسلم والأحوط عقيدة. وحزب الشيطان أبعد ما يكون عن الإسلام في باب العقائد، فلا عجب ألا ينخدع به علماء السعودية فضلاً عن عوامهم. وهكذا أشغل الشيخ القرضاوي الناس عن التأمل في فقهه المتقلّب مع الجماهير وتأييده السابق لحزب الشيطان بأن شهد بما هو مشهود له أصلاً.

 لو هاجم وثنيون إسرائيل لخرج عندنا من يستخف عقول المسلمين ليجعلهم من عباد الله المغفور لهم. إن في تأييد حزب الشيطان عند قتاله لإسرائيل شاهد على غفلة العقل المسلم وسهولة الاستخفاف به عند المناسبات العاطفية .

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الخصوصية والسيادة لا تحصنان الحكومات ضد القانون

الحياة اللندنية : حميد الكفائي

لم يعد التجاوز على حقوق الإنسان شأناً داخلياً كما كان سابقاً بل أصبح شأناً عالمياً لأنه مرتبط بالقوانين والمواثيق الدولية. المجتمع الدولي الحديث يراقب ويحاسب الحكومات التي تسيء التصرف مع شعوبها ويتخذ إجراءات عقابية رادعة حسب القدرة والإمكانات المتاحة.

 المنظمات الدولية هي الأخرى تراقب وتصدر تقارير دورية حول حقوق الإنسان في دول العالم المختلفة وهذه التقارير تؤخذ بنظر الاعتبار عند اتخاذ القرارات وتقويم العلاقات الدولية، والدول التي تنتهك مواثيق حقوق الإنسان والقوانين الدولية تتعرض لعقوبات ديبلوماسية واقتصادية صارمة تؤثر سلباً على نموها الاقتصادي والمستوى المعاشي لسكانها، وتحد أيضاً من تطورها الطبيعي مقارنة بالدول الأخرى. كما أصبح المسؤولون المتجاوزون يُحاسبون شخصياً على تجاوزاتهم أو جرائمهم أمــــام المحاكم الدولية ولم تعد حصاناتهم التي يتمــتعون بها وطنياً قادرة على حمايتهم دولياً. أصبح الاقتصاد العالمي يدار عبر المنظمات والمؤسسات المالية الدولية والشركات العملاقة والتجمعات الاقتصادية، والدول التي لا تجد لها موقعاً مؤثراً في هذه المؤسسات والمنظمات والتجمعات، أو لا تنسجم معها لسبب من الأسباب، تتراجع اقتصادياً وعلمياً وتنزوي وحدها في زاوية مظلمة حتى يقتنع قادتها بالالتحاق بركب الحضارة الدولية.

لقد تأجل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بسبب عدم اقتناع الاوروبيين بالتزامها الكامل بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، خصوصاً ما يتعلق بالتعامل مع سكانها الأكراد. دول أخرى كالصين وباكستان وإيران وبورما وكوبا ونيجيريا تكبدت أضراراً كبيرة بسبب سجلها غير المرضي في مجال حقوق الإنسان وتجاوزها على القانون الدولي.

 ولم يقتصر الأمر على سجل حقوق الإنسان فحسب، بل هناك دول عديدة تنظر إلى سجل حقوق الحيوان أيضاً عندما تقرر سياساتها. التعدي على حقوق الحيوان لم يعد مقبولاً عند الدول المتقدمة، حتى وإن كان الحيوان المعتدى عليه خارج حدودها. فقد علقت استراليا تصدير الأبقار إلى إندونيسيا قبل سنوات بعد أن اتضح أن الأندونيسيين يسيئون معاملتها وينقلونها عبر شاحنات مكتظة لفترات طويلة من دون ماء أو طعام ويبقونها في أماكن تفتقر إلى الحدود الدنيا لحياة الحيوان.

 كما أشارت تسجيلات سرية مصورة إلى أن العمال الإندونيسيين يضربون الأبقار بالعصي على رؤوسها دون مبرر وإنما لمجرد التسلي.

الشركات العالمية هي الأخرى تتردد في التعاقد مع الدول التي تنقصها البيئة القانونية والالتزام بالمواثيق الدولية. معظم الشركات تطلع على المؤشرات الاقتصادية والإدارية والقانونية في البلد الذي تعتزم العمل فيه، فإن كانت تلك المؤشرات، كالشفافية وحقوق الإنسان ومستوى التلوث البيئي، سيئة في ذلك البلد، فإنها تمتنع عن المشاركة في نشاطـــاته الاقتصادية والعمل في مشاريعه الإنمائية.

 كان بعض الشركات العالمية يتجاوز بعض القوانين الدولية المتعلقة بظروف العمل وحقوق العمال وتلوث البيئة عند إنشاء مصانع أو مصافي أو حفر آبار في الدول الفقيرة، لكن متابعة وسائل الإعلام والمنظمات الدولية أصبحت دقيقة الآن ما أدى إلى انكشاف تلك الممارسات غير القانونية واضطرار الشركات إلى العدول عنها والالتزام بالضوابط والمعايير الدولية. مثل هذه الرقابة أصبحت مكثفة الآن فإذا ما اتضح أن هناك تجاوزاً على القوانين فإن الشركات المتجاوزة توضع ضمن القائمة السوداء حتى في بلدانها الأصلية.

 بعض دولنا ما زال متمسكاً بما يسميه بـ «الخصوصية» القومية أو الدينية بهدف البقاء ضمن أطر الماضي وعدم اللحاق بركب التقدم، بينما يلجأ البعض الآخر إلى ذريعة «السيادة» كي يحصِّن نفسه ضد التغيير الآتي من الخارج، بينما ينسى أن السيادة قد تغير مفهومها كثيراً خلال ربع القرن الأخير ولم تعد تعني حق تصرف الحاكم بحقوق الناس المدنية وحرياتها وممتلكاتها داخل بلد معين، بل أصبحت مثل هذه الأمور شأناً دولياً. كما يرفض بعض دولنا ما يسميه بـ «التدخل» في شؤونها الداخلية إن احتجت المنظمات الدولية على ممارساتها المناقضة للقوانين الدولية، لكن مثل هذه الشؤون لم يعد شأناً داخلياً كما كان سابقاً. كما إن اتباع مثل هذه السياسات الانعزالية لم يعد مقبولاً أو صالحاً في القرن الحادي والعشرين، والأفضل لحكومات هذه الدول أن تنسجم مع القوانين الدولية وتعامل شعوبها وفقها، فهذا يخدم في نهاية المطاف الصالح العام ويزيد من تعاون الدول الأخرى معها.

 إن من يظلم شعبه ويحرمه من الحقوق الأساسية ويتجاوز على القوانين الدولية باسم الدين والأعراف والتقاليد والمصلحة الوطنية والقومية إنما يعرض نفسه للمحاسبة الدولية، كما حصل مع الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش وعدد من قادة جيشه الذين انتهكوا القوانين الدولية واعتدوا على حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك، فحوكموا في محكمة العدل الدولية في لاهاي ونالوا ما يستحقون من عقاب، على رغم أن ميلوسوفيتش توفي قبل أن تنهي المحكمة أعمالها.

كما يواجه الرئيس السوداني عمر البشير اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية بانتهاك ميليشيات «الجنجويد» المدعومة من قبل حكومته حقوق الإنسان في دارفور. وبغض النظر عن صحة هذه الاتهامات أو عدمها لكن المهم هو أن التجاوز على حقوق الإنسان لم يعد شأناً داخلياً وأن الأشخاص الذين ينتهكون القوانين الدولية في بلادهم، وإن ظنــــوا أنهم أقوياء ومحصنون، فإنهم شخــصياً معرضــون للمــساءلة في المحاكم الدولية.

 لم يسكت العالم على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بل شكلت لجنة دولية للتحقيق في اغتياله، وعلى رغم الجدل الذي أثارته تلك اللجنة في لبنان واختلاف الفرقاء السياسيين حول مقاصدها، إلا أن اهتمام المجتمع الدولي باغتيال سياسي لبناني أمر له دلالاته المعنوية الواضحة وهي أن أي جريمة محلية يمكن أن تأخذ إبعاداً عالمية.

العالم يتجه نحو التكامل، والقوانين الدولية والمصالح الاقتصادية المتشابكة والتجارة الدولية والاتصالات الحديثة أصبحت تشد العالم بقوة وتضيق الخناق على المتجاوزين ومنتهكي حقوق الإنسان حتى وإن كانوا متنفذين وأصحاب سلطة. الخصوصية القومية والدينية أو السيادة لن تحميا خارجاً على القانون الدولي من العقوبة.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

” الكذب ما عليه ضريبة “

دعوة لوضع ضريبة على الكذب حل لكل حلول ؟

في التاريخ دول فقيرة الموارد مثل يابان وغيرها من الدول التي اصبحت عملاقه بسبب استخدام العقل!

واليوم فكرة في حل مشاكل الحكومات العربية لكي لا تتكل على الاجنبي وتبقى ذليلة اقترح ضريبة على الكذب .

قال لي صديق ماذا لو توقفوا عن الكذب فقلت له اعطني دينارا لانها اول كذبة ….

مصادر جباية اموال الكذب تذهب الى :

المدارس والتعليم والمستشفيات ودعم الطعام والخبز ومساعدة العوائل االفقيرة والمحتاجين وبناء المدارس والبيوت وتوفير الرعاية الصحية ودفع مبالغ اضافية للشرطة والامن والقضاء والجيش ورعاية المرأة والطفولة والامومة ودفع مرتبات المدرسين والفنانين والكتاب وامن حدود الجوية والبرية والبحرية ومساعدة الانسان المدمن على التدخين والمخدرات والمشروبات وتزويج البنات والاولاد .

النتيجة بعد يوم واحد فقط الجميع فرحين تصورا كمية الكذب بالمجتمع ..

لاول مرة الشرطي لا يخالف والمدرس لا يرتشي والبطون شبعانة .

واختفاء العنف في المجتمع والكتاب والفنانين اصبحوا افضل .

ولا يوجد متبرعين بالدم من اجل المال. تصور الشرطة تبتسم ولم يبلغ عن اي حالة القاء القبض على انسان .

والممنوعات لا تمر بالحدود والتلفزيون والراديو يبث اغاني الفرح والافلام الجميلة والاهم تزوجت كل البنات العازبات .

تصوروا ضريبة على الكذب في يوم واحد فما بالكم لمدة اسبوع .

Posted in فكر حر | Leave a comment

التمثيل بين الكذب والسياسة

الشرق الاوسط

عندما تكثر الحكايات وتتعدد حول واقعة محددة، لا يمكن تصديق أي منها. وهو ما ينطبق على واقعة خطف الجنود المصريين في سيناء ثم عودتهم واختفاء الجماعة التي اختطفتهم. لست منشغلا بمعرفة تفاصيل الحكاية ليأسي من إمكانية التعرف على الحقيقة فيها أو حولها، وربما تمر أعوام طويلة قبل أن نعرف الحكاية الحقيقية التي لن يصدقها أحد أيضا بعد أن ضيّع الزمن ملامحها ودهسها بأقدامه الثقيلة. أمر واحد أضاف إلى أحزاني هو أنه لا أحد يدرك تأثير هذا النوع من الحكايات على صحة الجماعة النفسية ومدى ما يحدثه فيها من دمار، هل تذكر عندما كنت طفلا وكذب أمامك أحد الكبار الذين تحترمهم، هل تذكر ما شعرت به من ألم؟

هذا النوع من الحكايات يفقد المصريين «الثقة العامة» اللازمة لتماسك أي مجتمع، لك أن تتصور مجتمعا جاهزا طول الوقت لعدم تصديق أي شيء ، هذا هو في تصوري ما جعل كل الناس تتكلم عن الواقعة بوصفها تمثيلية ليست متقنة. غير أنني سأتناول لقطة واحدة من المشهد رآه المصريون جميعا، وهو رئيس الجمهورية وهو يتقدم من الطائرة الهليكوبتر ثم الجنود العائدون وهم ينزلون منها ثم يصافحهم ويعانقهم مربتا على أكتافهم في ود كبير، لم أتعاطف مع المشهد لتعارضه مع أصول الحكم، رئيس الدولة هو مركز الدائرة الذي لا يدور معها، إنه الجزء الثابت في مكانه، تحتم الأصول في الحكم والسياسة أن يستقبلهم في القصر الجمهوري، رئيس الدولة يستقبل في المطار – وليس تحت الطائرة – رؤساء الدول فقط. غير أن تفكيري ذهب في اتجاه آخر بعد أن قرأت ما كتبه إبراهيم عيسى («التحرير» في 24 مايو/ أيار) وهو مسؤول بالطبع عن صحة ما كتبه «صحيح أنهم نزلوا من الطائرة قبل مجيء الرئيس بساعات، ولكن طلعوا لها مخصوص تاني عشان ينزلوا والرئيس يسلم عليهم»، هنا يكون المشهد قد خرج من عالم السياسة ودخل بغير حق وبغير تصريح أو استئذان عالم التمثيل بما في ذلك من دلالات سيئة.

التمثيل هو الكذب الجميل المشروع عندما يحدث على خشبة المسرح أو أمام الكاميرات في بلاتوه استوديوهات السينما أو ميكروفونات الإذاعة. خارج هذه الدوائر، يكون التمثيل مهما كان نبل النوايا الدافعة إليه وبساطتها، هو خدعة من المستحيل أن تكون جميلة أو مشروعة. وكل مشاريع مصر الفاشلة في العصر الحديث كانت نتيجة للرغبة في إيهام الناس بواقع لا وجود له عجزا عن التعامل مع واقع موجود بالفعل. التمثيل في عالم الفن يعتمد على صدق الممثل في إظهار أحاسيسه الحقيقية طبقا لنص مكتوب على الورق وشخصية مرسومة ذات أبعاد، أما التمثيل بعيدا عن الفن فمن المستحيل أن يكون صدقا مع النفس أو أن يثمر شيئا طيبا.

 
Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

إيران هي التي فجرت مرقدي سامراء عام 2006

شبكة البصرة

كيسي: إيران تدعم مليشيات طائفية وهي مسؤولة عن قتل آلاف العراقيين

أقر الجنرال جورج كيسي قائد القوات الأميركية في العراق إبان فترة الغزو الأمريكي، أقر بأن إيران تستخدم الإرهاب وسيلة من أجل الوصول إلى أهدافها في العراق.

واتهم كيسي في كلمة له بمؤتمر نحو الحرية الذي نظمته المعارضة الإيرانية في باريس، اتهم النظام الإيراني بدعم مليشيات تعمل على إذكاء الطابع الطائفي في العراق، متهما ايران بالمسؤولية عن مقتل الآلاف من العراقيين.

وحمل الجنرال جورج كيسي إيران المسؤولية عن التفجير الذي تعرض له مقام الإمامين العسكريين في سامراء في عام ألفين وستة، وذلك من خلال ضبط مواد متفجرة إيرانية الصنع استخدمت في تفجير المرقد آنذاك.

وكشف قائد القوات المتعددة الجنسيات في العراق إبان فترة الغزو الأمريكي، عن ابلاغ رئيس الحكومة نوري المالكي عن مسؤولية فيلق قدس والمليشيات المرتبطة بها بإذكاء العنف وإثارة النعرات الطائفية في العراق.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

سياف الزهور- يوميات قطيع

 1

عندما كنت فتياً جواباً، وأنام وقدماي في الشارع، وحقيبتي أو بالأحرى “صرتي” جاهزة قرب رأسي أو على رأسي، لم أتلق دعوة إلا لتسديد فواتير الماء والكهرباء أو إلى أقرب مخفر للشرطة للادلاء بشهادة حول سرقة دجاجة أو اختفاء خروف. وكانت مثل هذه الأحداث تقيم الدنيا وتقعدها في الحارة التي تقع فيها، بينما الآن فإن اختفاء حارة بكاملها لا يعني أحداً.

والآن بعد أن أصبحت مثل أحدب نوتردام، وعكازي يرن على أرصفة آسيا كلها، أخذت الدعوات تنهال عليّ من كل حدب وصوب للمشاركة أو المساهمة في مهرجانات وندوات واحتفالات في بلدان لم اسمع بها من قبل حتى في كتب التاريخ والجغرافيا. ومع أنني لم أحضر في حياتي كلها اجتماعاً أو ندوة من هذا النوع إلا نائماً أو متثائباً، إلا أن الاغراءات هذه المرة كانت كثيرة: طائرات حديثة، خدمة ممتازة، فنادق من الدرجة الأولى. زيارة متاحف ومعارض وحفلات موسيقية ومطاعم شهيرة أكل فيها فلان وفلان، ومقابر ملكية دفن فيها فلان وفلان. وجسور خالدة سار عليها فلان ونام تحتها فلان.

ولكن، وفي ذروة القصف الاميركي والأطلسي عل يوغسلافيا وغيرها من دول البلقان، وعندما عمّت المظاهرات والاحتجاجات المدن الأوربية، وغصت حدودها ومطاراتها وموانئها باللاجئين والمشوهين والهاربين والمتطوعين، حزمت أمري، واعتمدت على الله وعلى جاري على سلم الطائرة متجهاً إلى فيينا، معقل الفن والجمال والاحتجاج ضد كل مظاهر العنف والظلم في العالم، ممنياً النفس بالاشتراك بمظاهرة، بمسيرة، بأي شيء ضد هذا القصف الأعمى لأكثر بلدان العالم جمالاً وصبراً وكرامة.

ولكن ما أن ربطنا الأحزمة وفككناها أكثر من مرة، فوجئت بما لم يكن بالحسبان، وهو أن التدخين ممنوع في الطائرات والمطارات والفنادق والمتاحف والمطاعم والمعارض وفي كل مكان حتى المقابر… حفاظاً على البيئة، فحيث أشعل لفافتي ترن الأجراس الالكترونية، وتعمل الكاميرات الخفية، وتضاء وتنطفئ الأنوار الحمراء والخضراء ويهرع موظفو الفندق، أو ندل المقاهي ورجال الأمن وحتى المواطنون العاديون مزمجرين مستنكرين وأنا لا أعرف كيف أتصرف وبماذا أجيب، فدائماً أنسى جواز سفري في مكان ما، ولا أعرف اسم الفندق الذي أنزل فيه أو عنوانه. وليست معي أوراق تثبت شخصيتي، ولا أعرف لغة ، وفوق ذلك عربي ومن دول المواجهة!!

البيئة.. البيئة .. البيئة…

ملايين الأطنان من القنابل الانشطارية، والعنقودية والمسمارية، والفوسفورية والحرارية والجرثومية والبيولوجية والسرطانية. وقنابل النابالم وغاز الأعصاب، والبرص والرعاف والنكاف والعامل البرتقالي تغطي سماء يوغسلافيا والبلقان والعراق وما حولها، وفوقها “روث” الطيارين الأميركيين على مدار الساعة في كل أجواء الدنيا، لا تلوث البيئة بل تحميها!! ولفافتي شبه المختفية بين أصابعي الهزيلة المرتجفة هي التي تلوثها!!

***

والذي ضاعف من غضبي أكثر من أي شيء آخر، واصراري على العودة بأية طريقة وعلى أي خط. هو أن المظاهرة الوحيدة التي أتيح لي الاشتراك فيها، وهتفت ودبكت ولوحت بعكازي في مقدمتها أكثر من ساعتين، كانت تأييداً للغارات الأميركية على يوغسلافيا، لا ضدها!!

2

كسوف جزئي، كسوف أعظمي. كسوف كلي…

مخروط الظل، المخروط الحسكي. الخاتم الماسي

الأشعة السينية، الأشعة تحت الحمراء. الأشعة فوق البنفسجية، الساعات الضوئية.

تلسكوبات عملاقة. كاميرات فردية وجماعية، عدسات لاقطة، عدسات نابذة، وإرشادات طبية، وتحليلات علمية، وبراهين دينية.

وعطل رسمية، ومنع تجول، وإغلاق نوافذ، واسدال ستائر، ومكبرات صوت، وتحذيرات متواصلة من مغبة النظر إلى الشمس مباشرة ساعة الكسوف.

وأغلقت نافذتي، وأسدلت الستائر في التوقيت العالمي إياه، لا خوفاً من العواقب الصحية، أو انصياعاً للأوامر الحكومية واحتراماً للإرشادات العلمية والمدارية، أو استخفافاً بالفضول العالمي، وبرغبة المغامرين ومتسلقي الجبال في رؤية نجمة أو نجمتين من المجموعة الشمسية في عز النهار. بل لأنني ومنذ الخمسينات رأيت على يد الفلكي العربي الكبير عبد الحميد السراج نجوم المجموعة الشمسية كاملة في وضح النهار، وعلى رأسها نجمة داوود التي ما زالت تسطع وتتقدم حتى الآن دون كسوف أو خسوف.

ثم لأنني في الأصل ، ومنذ عام 1967 لم أنظر إلى الأفق مرة واحدة لا مباشرة ولا مداورة.

3

– الشجرة قصيرة … ولكن الظل طويل…

– إنه الغروب…

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

الوطن ليس أرضاً وذكريات.. بل هو الإنسان! 5

جلست ولاسلي على أحد المقاعد في الفناء الخارجي لمشفى الأسد الجامعي في دمشق ننتظر السائق كي ينقلنا إلى الفندق بعد عمل يوم مضن.

تناثرت أشعة الشمس في ذلك اليوم الربيعي الجميل لتبعث فينا الدفء الذي افتقدناه بعد مغادرتنا لجنوب كاليفورنيا.

كان الناس يتناثرون في الفناء، بعضهم مرضى وأغلبهم زوار.

كان معظم الوافدين إلى المشفى من الفلاحين الذين يميّزهم زيّهم البدوي عن سكان دمشق الأصليين.

أشارت لاسيلي إلى إحدى النساء البدويات وهي تلتحف بشملتها وسألتني: لماذا ترتدي تلك المرأة زيّا يختلف تماما عن الزي العادي الذي ترتديه معظم النساء السوريّات؟

ـ إنها قادمة من منطقة نائية، تتميّز بزي خاص وهو الزي البدوي الذي يختلف عموما عن لباس السوريين الذين يسكنون المدن والقرى القريبة من تلك المدن.

تقطب لاسيلي حاجبيها وتمعن النظر في بدويّة تتربع على الأرض بجانب زوجها وتنفث دخان سيجارتها، ثم تسألني: هناك ظاهرة لفتت نظري في سوريّا ألا وهي ظاهرة تدخين النساء في الأماكن العامة. ألا تشعر تلك المرأة بأنّ هناك تناقضا بين الزي المحتشم الذي ترتديه وبين قيامها بالتدخين في فناء المشفى؟!!

ـ حتى تاريخ رحيلي من سوريّا لم يكن تدخين المراة في الأماكن العامة، سواء خرجت سافرة أم متحجبة، لم يكن مقبولا من الناحية الإجتماعية. يبدو أن هناك عواملا لعبت دورا في استفحال تلك الظاهرة!

***********

في أمريكا يمنع القانون الناس من التدخين في المرافق العامة. وعندما يصدر قانون، أي قانون، يتحول وبسرعة البرق ليصبح جزءا من التركيبة الأخلاقية للمواطن الأمريكي.

يلتزم الأمريكي بالقانون إلى الحدّ الذي لايميّز عنده بين الأخلاق والقانون. عندما يتجاوز أي مواطن القانون يُنظر اليه من قبل الآخرين على أنّه أخلّ، ليس فقط بالقانون، بل وبالأخلاق أيضا. قد يكون هذا هو السبب وراء سؤال لاسيلي!

لاسيلي تعتقد بأن الزي المحتشم لتلك البدوية هو التزام منها بعرفها الأخلاقي الذي يفرض عليها الحشمة. وتتوقع لاسيلي من تلك المرأة أن تلتزم بالقانون كما تلتزم بعرفها الأخلاقي. لذلك رأت تناقضا بين زيّها وبين تدخينها في مكان أقدس من أن يُسمح فيه بالتدخين!

شعرت لاسيلي بأنّ تلك البدوية تحاول أن تلتزم بأخلاقها من ناحية، ومن ناحية أخرى تضرب تلك الأخلاق بعرض الحائط!

***********

أحد أصدقائي وهو طبيب أكّد لي بأن نسبة التدخين في سوريا للناس فوق سن الستة عشر تكاد تبلغ ال100%. لايوجد احصائيات موثوقة تؤكّد هذه النسبة ولكن من خلال مراقبتي للأمر، وإذا اعتبرت “النرجيلة” شكلا من أشكال التدخين، أستطيع أن أقول بأن هذه النسبة قريبة جدا من الواقع الذي لمسته في سوريّة.

التدخين في سوريّة لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية تستحق الوقوف عندها ودراستها، بل غدا وباء يهدّد الصحّة العامة ويحتاج إلى وضع طرق للوقاية والمكافحة والعلاج.

إنّه عملية انتحار جماعي تتمّ بطريقة بطيئة ومثيرة للشفقة!

كيف ينتشر هذا الوباء؟!

أذكر يوم كنّا طلابا في المرحلة الجامعيّة وكان ذلك في أواخر السبيعينيات. كانت تجاورني غرفتي في المدينة الجامعية طالبة تدرس العلوم السياسية والإقتصادية، وكان اسمها على ما أذكر رباح الشيخ أحمد .

كانت رباح تدخن في كافيتريا بيت الطالبات خلافا للآداب الإجتماعيّة السائدة آنذاك. انتشرت إشاعة في الجامعة بأن هناك طالبة تدخن غير عابئة بالسلوك العام في الكافتيريا العامة. وتقاطب الطلاب من كافة الكليّات إلى المدينة الجامعيّة لإلقاء نظرة على رباح. حتى غدت تلك الشابة أشهر من صندوق الفرجة في زمنه.

لم أر في تصرف رباح اليوم سوى تمردا على عادات وتقاليد تظلم أكثر مما ترحم وتسيء أكثر مما تحسن. التدخين عادة سيئة، لم أمارسها يوما ولست من أنصارها ولكنني أصر على أنّ رباح جسّدت بتصرفها موقفا، ولم يكن بالإمكان أفضل ممّا كان!

************

رباح لم تتحدَ المجتمع في أواخر السبيعينات رغبة منها بالإستمتاع بالتدخين، الذي لم يكن يومها مقبولا، بل كان تصرفها محاولة منها لإثبات ذاتها وتحديد هويّتها وتفريغ طاقة شابة لم يسمح لها مجتمعها بأن تفرغها بطريقة أسلم وأكثر فائدة. لم يسمح لها أن تفرغ تلك الطاقة الهائلة لإكتساب مهارات مفيدة تساعدها في بناء ذاتها وتحديد معالم شخصيتها.

تحولت رباح في مجتمعها القمعي مع الأيام إلى ظاهرة. انتشرت تلك العادة كالنار في الهشيم، وصارت خلال ربع قرن من الزمن علامة من علامات البلوغ في مجتمع يقمع التطور النفسي السليم ولا يعترف بالبلوغ إلاّ وفق مقاييسه ومن خلال منظوره.

يبدأ التدخين عادة في سن مبكرة، كمحاولة من المراهق للتمرد على مجتمعه وإثبات بلوغه ووجوده وذاته. وكلّما ازداد قمع المراهق ازداد احتمال لجوئه للتدخين كوسيلة يتمرّد من خلالها محتجّا على قمعه. وإذا علمنا إن أساليب القمع التي تطبّق على النساء، هي الأسوأ والأكثر حدة، نستطيع وبسهولة فهم انتشار تلك الظاهرة بين صفوفهن.

إذا يبدأ التدخين، في أغلب الأحيان، في سنوات المراهقة كمحاولة تمرّد ليتحول، ونظرا لخصائص مادة النيكوتين الموجودة في أوراق التبغ، إلى حالة إدمان ليس من السهل التخلص منها.

**********

الإنسان، كعقل وجسد، طاقة هائلة.

تقتضي طبيعة الكون أن يسمح للطاقة، أيّة طاقة، بأن تصرف وفق قوانين وضعتها تلك الطبيعة. وعند القيام بتضييق الخناق على تلك الطاقة وحبسها وعدم السماح للوعاء الذي يحتويها بتفريغها رويدا رويدا، ستجد تلك الطاقة، مهما طال الزمن، طريقة ما لتفريغ ذاتها. عندما لاتفرغ الطاقة بطريقة طبيعية وسليمة ستُفرّغ بطرق غير طبيعيّة وغير سليمة.

**********

قسّم علماء النفس حياة الإنسان إلى عدّة مراحل، يتطور خلالها الإنسان جسديا ونفسيّا وفكريّا. لكلّ مرحلة سماتها وصفاتها وخصائصها. لايستطيع الإنسان أن ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أعلى منها في سلّم تطوره بطريقة صحيّة سليمة، قبل أن يعيش المرحلة التي تسبقها بطريقة صحيّة سليمة.

رغم أهميّة كلّ مرحلة على حدة، أستطيع أن أقول: إنّ أهم مرحلة من مراحل التطور هي مرحلة المراهقة، خصوصا بالنسبة للإنسان العربي.

يقول العالم الفيزيائي البريطاني (استيفن هوكن): كلّما أضفت إلى كتاباتي معادلة جديدة أخسر نصف قرائي!

وبناء على تلك الحقيقة الطريفة، سأتجنّب الخوض أكاديميا في تفصيل تلك المراحل، لكني سأسرد، وبسرعة فائقة، بعض الحقائق عن تلك المرحلة ـ مرحلة المراهقةـ باعتبارها، وكما قلت، الأهم!

يعتبر علماء النفس تلك المرحلة الجسر الذي ينتقل عليه الإنسان عابرا من عالم طفولته إلى عالم بلوغه ورشده. وخلال سيره على هذا الجسر يصبح هدفه وشغله الشاغل البحث عن ذاته وإيجاد هويته الشخصيّة التي تميزه عن سواه في المجتمع الذي ينتمي اليه. يحس أثناء سيره على هذا الجسر منتقلا عبر المرحلتين بأنّه الشخصيّة الأهم

 ((personal fable

 على مسرح الحياة، وبأنّ جمهور البشر بأكمله

(Imaginary Audience)

 ينظر إليه مقيّما إياه ومعجبا بشخصه الفريد.

إحساس المراهق بأنّه الشخصيّة الأمثل والأفضل يدفعه إلى الإعتقاد بأن الآخرين لايفهمونه ولا يقدّرون امتيازاته، بل ويشكّلون خطرا على ذاته وهويّته. لذلك يسعى جاهدا إلى اكتساب مهارات تمكّنه من مواجهة ذلك الخطر الذي يفرضه عليه المجتمع المحيط به.

يعتقد علماء النفس بأن لهذه الإحاسيس فوائد جمّة إذا استطاع الأهل والمربون تفهّمها وحسن توجيهها، فهي تساهم في خلق المعالم الأساسية لشخصيّة المراهق المستقبليّة.

*********

التعاليم الإسلاميّة، التي تفرض نفسها كمصدر وحيد للتربية في المجتمع العربي، لاتعترف اطلاقا بتلك المرحلة، بل تنسف ذلك الجسر من أساسه!

الإنسان العربي، وكضحيّة لتلك التعاليم، ينتقل من طفولته إلى بلوغه متى وحسبما تفرض عليه متطلبات الحاجة في عائلته ومجتمعه.

عندما يفتح المراهق فمه مطالبا بحقه: أخرس مازلت صغيرا!

وعندما يقصّر في واجباته: أيها الغبي! لقد أصبحت رجلا!

في ثانية واحدة ترغمه تعاليمه على القفز من ضفّة طفولته إلى ضفّة رجولته دون العبور فوق جسر مراهقته، ولذلك تراه دوما مجرّد حطام متناثر بين تلك الضفّتين!

والأمر أشد سوءا بالنسبة للانثى التي قد تنام طفلة لتستيقظ في الصباح زوجة على سنّة الله ووفقا لشريعته!

قد تنام وهي في السادسة وتستيقظ لترى نفسها أمّا للمؤمنين!

*********

الإنسان العربي لايتجاوز نفسيّا تلك المرحلة، ولا ينتقل عمليّا إلى المرحلة التي تليها (تدعى تلك الحالة المرضيّة:

Psychological Fixation

اي التوقف النفسي)، ويظلّ ضائعا، يبحث عن ذاته ويفتش عن هويته الشخصيّة التي لم يكتب له قدره أن يعيشها أويحسّ بها. يقضي حياته متسائلا في وعيه وحيّز اللاوعي عنده: من أنا؟ من أين أتيت؟ وماذا أريد من الحياة؟

التعاليم الإسلاميّة ركّزت على مسؤوليّة الأبناء أمام الآباء دون أن تركّز على العكس والأكثر أهميّة. جعلت العلاقة بين الأبناء والآباء أحاديّة الجانب. كلّ علاقة أحادية الجانب تصبح مع الأيام علاقة قمعية تتناول مصالح جانب واحد وليس مصلحة الجانبين.

العلاقة التي تقوم على السيطرة وفرض الطاعة علاقة مرضيّة تسيء في النهاية إلى كلا الطرفين.

السيناريو العائلي يحتوي في البداية على الوالدين كطرف بالغ وقادر على تحمّل المسؤوليّة، والولد كطرف قاصر يحتاج إلى بالغ مسؤول عنه. تنعكس الصورة مع تقدم العمر لتضم الولد كطرف قادر على تحمل المسؤولية والوالدين كطرف عاجز ويحتاج إلى أحد مسؤول عنه.

البداية في كلّ سيناريو تصل بنا إلى النهاية. لايمكن أن نحصد قمحا عندما نزرع شعيرا، والعكس صحيح!

لايمكن أن نتوقع بأن يعامل الأبناء آباءهم معاملة تقوم على الود والإحترام والمحبة ما لم يتلقوا في طفولتهم الود والإحترام والمحبة من آبائهم.

هناك مثل أمريكي يقول:

What goes around comes around

. بمعنى: كلّ ماتعطيه يأتي اليك عائدا.

لايوجد ولد عاق، بل يوجد أب عاق، توجد أم عاقة، توجد تربية عاقة!

لايمكن أن يسيء ابن إلى ابيه ـ إلاّ فيما ندرـ إن لم يسيء هذا الأب في البداية إلى ابنه!

علاقة الولد بوالديه تعكس الطريقة التي تربى عليها هذا الولد. إن أُشبِعَ حبّا في طفولته لن يكون في جعبته إلاّ الحب. وإن حرم منه، فاقد الشيء لايعطيه!

الطفل هو حقل استثمارنا كآباء، هو حسابنا المصرفي! مانودعه في هذا المصرف سنجده في شيخوختنا عدّا ونقدا!

الطاعة التي تفرضها التعاليم الإسلامية على الأولاد تجاه آبائهم تقوم على التخويف والترهيب والشعور بالذنب، وليس على رد الجميل.

“حملته أمّه وهنا على وهن”.

هل هذا كلّ مانتوقعه من أمهاتنا؟ أن تحملنا تسعة أشهر ثم تلقي بنا في خضم الحياة دون قارب للنجاة؟

كان قرارها أن تحمله، ويجب أن تكون مسؤوليتها أن تحسن تربيته بعد هذا القرار! ناهيك عن أنّ الحمل عملية فيزلوجية طبيعيّة يفترض أن تستمتع بها الأم لأنها تجسّد انوثتها والقدرة التي خصّتها بها الطبيعة.

لماذا لم يطالب الإسلام بمسؤولية الآباء أولا؟!

كيف تطلب من رجل في الخمسين من عمره أن يدفع لك شيئا لم تعطه إياه في الخامسة من عمره؟!

لايستطيع رجل أن ينشل شيئا من جعبة فارغة!

عندما يُحسنُ الوالدان عملهما في البداية سيحصدان ثمار عملهما في النهاية!

إذا مسؤولية التعاليم التربوية أن تركز على تلك البداية، فالنهاية تحصيل حاصل!

معظم الآيات القرآنية، إن لم يكن كلّها، عندما تطرقت إلى الحديث عن الأولاد جاء الحديث على شكل تحذير: أولادكم فتنة!

وجاءت كتب التفسير لتكحّلها فعمتها!

قالت لنا: المقصود بالفتنة قد يلهيكم أولادكم عن عبادة الله.

أليس الإعتناء بأولادنا أقدس عبادة؟

من هو هذا الإله الذي يخاف أن ’يقصّر الآباء في عبادتهم له من جرّاء اهتمامهم بأطفالهم؟!

يجب أن يكون أطفالنا هم طريقنا إلى الله، وليس الله هو الطريق إلى أطفالنا!

عندما تقدّم الأم لطفلها وجبته في وقتها إنما تخطو خطوة باتجاه الله، لكنها عندما ترفع لله صلواتها متجاهلة طفل يتضوّر جوعا تكون قد أخطأت قبلتها!

*********

تزرع التعاليم الإسلامية، باصرارها على أن الولد ليس سوى فتنة، تزرع الشك لدى الوالد بولده.

لايمكن أن تقوم علاقة سليمة مبنيّة على الشك. فالثقة أهم عامل من عوامل نجاح أيّة علاقة.

قد لايطفو الشكّ، الذي تخلّفه تلك الآية وتفسيراتها، على سطح الوعي عند الوالد. لكنّه حكما يستقر في اللاوعي عنده ويتحكم، خلسة وبطريقة غير مرئية أو ملحوظة، بطبيعة علاقته بولده.

فالفكرة، أيّة فكرة، تغيب مع الزمن من حيز وعينا، وقد ننساها، لتستقر في حيز اللاوعي عندنا. ومن هناك تتحكّم، وبدون وعينا، بسلوكنا وتصرفاتنا.

لذلك علينا أن نعيد تقييم تعالمنا خشية من الأفكار الخاطئة التي تحملها لنا تلك التعاليم والتي استقرت في لاوعينا ولعبت، وما زالت تلعب دورا، في تهميش سلوكنا وبالتالي الإساءة لوضعنا وحياتنا.

*********

” لاتقتلوا أولادكم خشية املاق نحن نرزقهم”

تلك هي الآية الوحيدة التي تبدوـ أقول تبدو ـ منصفة بحق الأولاد!

ولكن هل صحيح بأن الله يرزقهم؟!

إذا كان مرفوضا أن نقتل أولادنا خشية املاق، يبقى السؤال: لماذا ننجبهم ونحن ندرك بأننا لانملك شروى نقير كي نطعمهم؟!

لماذا لايرزق الله الأطفال الذين يموتون جوعا على امتداد العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه؟!

يعيش معظم أطفال بنغلاديش الدولة المسلمة حالة جوع وفقر مدقع. لم نسمع يوما بأن الله قد أرسل لهم المنّ والسلوى.

ينمو في اراضي بنغلاديش نوع من الأعشاب البريّة على شكل فطور سامة.

يقوم الناس هناك بجمع تلك الاعشاب وطهيها ثم تقديمها كطعام. التأثير السام لتك الأعشاب لايظهر في حينه ولكن مع الأيام ـ أكدت الدراسات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ـ يؤدي إلى اضطرابات عصبية ونفسية غير قابلة للعلاج.

تحذيرات منظمة الصحة العالمية لم تلق أيّة اذن صاغية لدى المسؤولين في بنغلاديش. إنّها غريزة البقاء التي تدفع هؤلاء الناس إلى أكل هذه الفطور السامة!

اذا كان الله يرزق ـ حسب مفهوم المسلمين للرزق ـ لماذا لايحوّل الله سبحانه تلك الفطور إلى قمح وعنّاب؟!!

هناك مثل أمريكيّ يقول: إنّ الله معك بقدر ماتكون مع نفسك!

ألم يكن الله مع الأمريكان عندما استنبط علماؤهم في مخابر كاليفورنيا عشرة آلاف نوع ـ حتّى الآن ـ من الأقماح؟!!

تشير الإحصائيات بأن أكثر من 85% من الشعب البنغلاديشي غارقون يوميا في طقوسهم الدينية حتّى الثمالة، وتقول تلك الإحصائيات بأن المواطن البنغلاديشي يقضي على الأقل 5 ساعات يوميّا في ممارسة تلك الطقوس!

هناك مثل فارسي يقول: أن تفكّر نصف ساعة خير لك من أن تصلي نصف قرن.

وأنا أقول: أن تقضي نصف ساعة مع ولدك خير لك من أن تصلي الدهر كلّه!

**********

يصرّ الطبيب الأمريكي المختص والباحث في علم النفس والسلوك سكود بيك في كتابه

Road Less Traveled

 على أن أفضل مايمكن أن يقدمه الأب إلى ابنه، في محاولة لإخراج انسان صالح منه، هو أن يغرقه بحبّه.

ويتابع بأن أفضل وسيلة لإظهار هذا الحبّ هو أن يخصص وقتا كي يقضيه معه. لايستطيع الوالدان أن يتعرفا على مشاعر أولادهما وحاجاتهم إلاّ بمراقبتهم عن كثب خلال الوقت الذي يقضيانه معهم دون أيّ عمل آخر!

منذ اللحظة الأولى للحياة وحتى عمر ستة أشهر، يشعر الطفل بأنّه جزء من أمّه. لا يستطيع أن يميّز بين نفسه ككيان وبينها ككيان منفصل.

بعد الستة أشهر يصبح الطفل تدريجيّا قادرا على أن يميّز بينه وبين أمّه ككيانين منفصلين. قدرة الطفل على التمييز بينه وبين أمّه تتدفعه إلى الإحساس بعدم الأمان وينتابه شعور بالقلق كلّما ابتعدت عنه. يطلقون على هذا الشعور في الإصطلاح الطبّي

Anxiety Separation

 أي قلق الإنفصال.

يدرك الطفل منذ تلك اللحظة وحتى آخر سنوات مراهقته، مدفوعا بغرائز البقاء، بأنه مخلوق قاصر، وبأنّ استمرار حياته يتوقف على والديه كبالغين وقادرين!

ولذلك يشعر بالقلق كلّما ابتعد عنهما، أو كلّما انتابه احساس باحتمال رفض أو عجز الوالدين عن القيام بهذا الدور.

عند تلك النقطة من عمر الطفل وحتى آخر سنوات مراهقته، تقع على عاتق الوالدين مسؤوليّة جديدة ستترك كيفيّة القيام بها أثرا ـ سلبا أو ايجابا ـ علىكلّ حياته.

تتطلّب تلك المسؤوليّة من الوالدين أن يطمئنا الولد على أنه بأيد أمينة تحيط به وتحميه دائما وأبدا. لاشيء يقوم به الوالدان يستطيع أن يزرع الطمأنينة في قلب الطفل أكثر من أن يخصّاه بالكثير من وقتهما.

عندما يحظى الولد بوقت والده يشعر بقيمته ويحسّ بالأمان، وعندما يدرك بأنّ والده يقدّر تلك القيمة يتعاظم شعوره بالأمان.

الحرمان العاطفي أسوأ وأكبر ضررا من الحرمان المادي بكثير! وتلافي ذلك الحرمان أسهل بكثير، لو أدرك الوالدان تلك الحقيقة، من تلافي الحرمان المادي.

ليس شرطا كي تُشعِر ابنك بالأمان أن تكون قادرا على تأمين كلّ متطلباته المادية. لو أنّك تعيش في كوخ وكنت أفقر من على سطح الأرض، لن يمنعك وضعك من أن تمسك ابنك بيده وتتمشى معه بعض الوقت كي تتحدّثا عن العصافير وكيف تبني أعشاشها، على سبيل المثال لا الحصر!

سيقول الولد القاصر محدّثا نفسه: أبي يضحّي بوقته من أجلي لأنني ذو قيمة، وطالما أنا مخلوق ذو قيمة سيستمر أبي في دعمي. دعم أبي لي سيحميني وسيضمن لي سلامتي واستمرار حياتي.

الإنسان الذي يعيش طفولته وهو يشعر بالأمان سيخرج إلى الحياة انسانا واثقا من نفسه ولديه القدرة على أن يثق بالآخرين. أما الإنسان الذي يفقد ثقته بوالديه ويعيش طفولته خائفا على سلامته واستمراريته سيخرج إلى الحياة انسانا جبانا لايثق بنفسه، ناهيك عن الآخرين!

*********

كان السيّد تشارلز آدم، سفير الولايات المتّحدة الأمريكيّة لدى بريطانيا أثناء ولاية ابراهام لينكولن، يواظب على كتابة مذكّراته بانتظام، ويشّجع طفله برووكس على أن يفعل ذلك.

عندما كان برووكس في الثامنة من عمره كتب في إحدى يوميّاته العبارة التالية: ذهبت اليوم مع أبي إلى الصيد، كان يوما من أجمل أيام حياتي!

على مدى أربعين عاما، ظلّ برووكس يشير في كتاباته إلى الأثر الإيجابي الذي تركه ذلك اليوم على حياته. لكنّ المفارقة المضحكة المبكية، كما يرويها برووكس، كانت عندما عاد إلى مذكّرات والده فوجده قد كتب عن ذلك اليوم يقول: ذهبت اليوم إلى الصيد مع ابني، كان يوما مملاّ للغاية، لقد أضعته ولم أعد منه بسمكة واحدة!

لو استطاع السيّد آدم يومها أن يرى السمكات في سلّة طفله لما ندم على يومه!

**********

يا أيها الآباء المسلمون: القوا بصلواتكم في سلال أطفالكم، إذ ليس عند الله أيّة سلة!

حان لكم بعد أربعة عشر قرنا من الضياع أن تتساءلوا: من الفتنة؟!!

الولد؟.. الوالد؟.. أم “الله” هو أصل كل فتنة؟!!!!!!!

لاتدعوا ذلك “الله” يلهيكم عن أولادكم، واعتنوا بهم كي تعرفوا من خلالهم حقيقة الله!

*********

ولما كانت بداية حديثي عن التدخين، ثم جرتني الفكرة لفكرة حتى طال بي الحديث، سأختم هذا الموضوع بقصة ذي صلة.

دُعيتُ مرّة إلى ندوة كان موضوعها التدخين وعلاقته بسرطان الرئة. أدار الندوة الكثير من الأطباء المختصين والباحثين في هذا الموضوع.

ختم الندوة رجل مصاب بسرطان الرئة ويصارع الموت في مرحلة متقدمة منه، قال في حشد كبير محذرا: بدأت رحلتي مع التدخين عندما كنت في الثالثة عشر من عمري. كانت رحلة طويلة ومضنية! لاأذكر، مايستحقّ الذكر، سوى أن أول سيجارة دخّنتها كنت قد سرقتها من حقيبة أمي!

*********

أيتها الآمهات السوريّات: نظّفن حقائبكن رحمة بأطفالكن! لقد نضب كلّ شيء في وطننا، والقحط الذي نعيشه هو كل ما وجدناه في حقائب أمهاتنا!

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

الوطن ليس أرضاً وذكريات.. بل هو الإنسان! 4

الوضع في دمشق يختلف عنه في أيّة مدينة سوريّة!

يحاول المسؤولون تلميع الوضع العام بالحفاظ قدر الإمكان على تلك المدينة. وهم إذ يفعلون ذلك كمن يحاول أن يرتدي قفّازتين جميلتين لتغطية يديه المصابتين بالجرب!

ورغم أن الفساد المالي على أشدّه في دمشق، تبقى المرافق العامة في تلك المدينة أفضل من غيرها في المدن الأخرى. السبب لايخفى على أحد! فالميزانيّة المخصصة للعاصمة تبلغ أضعاف مايخصص للمدن الأخرى مجتمعة. ولذلك مهما بلغت السرقات يبقى مايصرف على المرافق العامة في دمشق مميزا بالقياس على مايصرف في المدن الأخرى!

أحد المسؤولين الذين قابلتهم في وزارة التعليم العالي نصحني أن أزور مشفى الأسد الجامعي ورجاني أن لا أزور مشفى المجتهد أو المواساة مراعاة لوجود ضيفة وباحثة أمريكيّة معي، فنزلت عند رغبته.

أوليسيس غرانت كان قائدا عاما لقوات الشمال أثناء الحرب الأهليّة الأمريكيّة وأصبح بعدها رئيسا لأمريكا، قال عندما انتهت الحرب لصالح الشمال: لقد ربحنا الحرب!

ردّ عليه أحد معارضيه يومها بقوله: إذا كان هذا هو الربح فويلنا من الخسارة!

تذكّرت عبارته وأنا أدخل البهو الأرضي في مشفى الأسد الجامعي في مدينة دمشق: إذا كان هذا مانصحني به المسؤول في وزارة التعليم العالي، فياويلي من الوضع في المشافي التي نصحني بعدم زيارتها!

في هذا المشفى لم نقابل أيّا من الأطباء ذوي المراكز الحساسة. هؤلاء الأطباء، ومعظمهم من خرّيجي دول المنظومة الإشتراكيّة يتهافتون عادة على المناصب الإداريّة لتغطية عجزهم العلمي، يتظاهرون بأنّ وقتهم أثمن من أن يضيّعوه في استقبال باحثتين من أمريكا.

استقبلنا في البداية المدير الإدراي للمشفى السيّد المهندس أيمن حوراني، وهو شاب في منتهى الأدب، بذل قصارى جهده لإنجاح مهمتنا. طلب من الممرضة فاطمة قاسم القيام بمرافقتنا إلى جميع الأقسام التي نقترحها. بمساعدة تلك الممرضة الشهمة وبالإعتماد على اطباء الدراسات العليا الذين أبدوا لنا تجاوبا لابأس به، تكللت مهمتنا هناك بنجاح لم نفز به في المشافي الأخرى.

الإلتقاء بهذا النمط الخلوق من البشر يبثّ فيّ الأمل بأن الوطن مازال بخير!

**********

مهمّتنا العلميّة اقتصرت على جانبين. جانب يتعلقّ بالمرضى وآخر بالأطباء.

الجانب الذي يتعلق بالمرضى ينطوي على كتيب صغير يحتوي على خمسين سؤالاً، وكلّ سؤال يحتوي على خمسة أجوبة. يطلب من المريض اختيار الجواب الذي يوافق رأيه قدر الإمكان.

الأسئلة تدور حول طبيعة علاقة المريض بالطبيب وتدرس بالتفصيل مدى التفاعل بينهما من وجهة نظر المريض.

أمّا الجانب الذي يتعلّق بالطبيب فينطوي على القيام بتسجيل مشاهدة تتمّ بينه وبين المريض. على أن أقوم عند عودتي إلى أمريكا بترجمة تلك المشاهدة إلى الإنكليزيّة ثم دراسة الطريقة التي يتفاعل فيها الطبيب مع المريض, وبالتالي كيف يتعامل معه.

في تعاملنا مع الطبيب واجهتنا معضلة لم نواجهها مع المريض!

تسجيل؟!!

هذا هو السؤال الذي كان يقابلنا به معظم الأطباء بدهشة، ليتبعه الطبيب السائل بسؤال آخر: هل أنتم إف بي آي أو سي آي أي؟!!

ولم نكن قادرين على إقناعه بسلامة الأمر وبأنّه لاصحّة لمخاوفه إلاّ بعد “أن تطلع روحنا”!

كانوا يتظاهرون بالمزح عند طرح هذا السؤال، لكن خلف مزحهم كانت تنطوي حالة نفسيّة مرضيّة تدعى “بارانويا”.

وأعتقد أنّ العالم العربي والإسلامي بأكمله مصاب بها وبتّ أطلق عليها شخصيّا Islamic Paranoia .

هل تحتاج السي آي أي للإستماع إلى محادثة بين طبيب ومريض مصاب بحالة اسهال حاد في أحد مشافي دمشق، كي تتّطلع على الأسرار العسكريّة لسوريّا؟!!

**********

البارانويا حالة نفسيّة مرضيّة يملك المصاب بها جهازاً عقائدياً معقّداً وتفصيلياً يتمركز حول أوهام لا أرضيّة واقعية لها.

هذه الأوهام تقنعه بأنه مضّطهد من قبل الآخرين وبأنّ السبب الرئيسي لإضطهاده من قبلهم هو كونه شخص عظيم ومهمّ للغاية!

الجهاز العقائدي المفعم بالأوهام الذي يبتلي به المصاب بالبارانويا يتشكّل ويتطور ببطء شديد وعلى مرّ زمن طويل. ويصبح مع الأيام منظّماً للغاية إلى درجة يبدو معها منطقيا ومقنعا!

والخطورة التي ينطوي عليها هذا الإضطراب النفسي تكمن في أن المصاب به يبدو طبيعيّا أثناء الحديث وفي تصرفاته وسلوكه إلى درجة لاتثير لدى اللآخرين إيّة رغبة لمواجهة المريض وإحالته إلى الجهات المعنيّة بعلاجه.

تتشكّل لدى المريض قناعة مطلقة بأنّه عظيم وبأنّ الآخرين يسعون لإيذائه والحطّ من عظمته. ويدافع عن قناعته هذه حتى عندما تواجهه بكلّ البراهين التي تثبت عدم صحّة تلك القناعة.

عدم الثقة بالآخرين يدفع المريض لتركيز كلّ حواسه على تصرفات الناس من حوله وتفسير كل حركة لهم بطريقة تخدم قناعاته. يبني من الحبة الصغيرة جبلا كبيرا كأن يدّعي عندما يرى شخصا يلوح يده عن بعد بأنّ هذا الشخص يشير اليه ويتكلم للآخرين عنه، وقد يذهب أبعد من ذلك فيدّعي أنه يخطط لقتله.

هذه الأوهام التي يعيشها المصاب بالبارانويا تجعل منه شخصا شكّاكا عنيدا غاضبا عدوانيّا وناقما على الآخرين.

تؤكّد معظم الدراسات في الطبّ النفسي وعلم النفس على أن العوامل التي تلعب دورا في الإمراضيّة هي عوامل نفسيّة واجتماعية تتعلق بنشأة المريض والطريقة التي تربّى عليها، أكثر مما هي أسباب بيولوجيّة تتعلق بجسده من الناحيّة التشريحيّة والكيمائيّة والوظيفيّة.

الطب النفسي يتناول هذا الإضطراب كحالة فرديّة ولم يسبق أن تناولها كحالة عامة قد تصيب جماعة بشريّة بكاملها. رغم أنّه من المؤكّد في هذا الحقل من حقول الطبّ بأن هناك بعض الإضطرابات النفسيّة التي تكثر في جماعة أو فئة أو مجتمع نظرا لوفرة العوامل المسببة للإضطراب في تلك الجماعة أو الفئة أو المجتمع.

هذا من ناحية، ومن ناحيّة أخرى هناك حالة مثبتة علميّا وهو مايطلق عليها الأوهام المشتركة أي

Shared Psychosis.

بمعنى أنّه عندما يعيش شخص ما سليم مع شخص آخر مصاب بأوهام نفسيّة لفترة زمنيّة ما، وبمعزل عن المصادر الأخرى التي تقوم بتزويد معلومات تنفي هذه الأوهام، يقوم الشخص السليم بتبنّي أوهام الشخص المريض ويصبح مريضا مثله. يلجأ الطبيب أو المرشد النفسي المشرف على علاج هذه الحالة إلى عزل الشخص السليم أصلا عن الشخص المريض. بعد فترة قصيرة من العزل يرجع الشخص السليم إلى وضعه السليم ويتخلى عن الأوهام النفسيّة التي تبناها خلال تواجده مع الشخص المريض.

بناء على تلك الحقيقتين الآنفتين الذكر واللتين هما:

أولا: عندما تكثر العوامل المسببة للإضطرابات النفسيّة في جماعة ما نجد ازديادا في حدوث هذا النوع من الإضطرابات لدى تلك الجماعة.

ثانيا: عندما تغيب المصادر المعلوماتيّة الصحيحة والموثوقة عن جماعة ما، تنتشر الأفكار الوهميّة بالعدوى، من الموهوم إلى السليم، بين أبناء تلك الجماعة.

استنادا إلى تلك الحقيقتين العلميّتين، وبعد دراسة قمت به شخصيا تناولت الطريقة التي يتعايش بها المسلمون عموما والعرب خصوصا مع العالم المحيط بهم والطريقة التي يتراءى لهم بها هذا العالم، وصلت إلى قناعة، سأسعى مستقبليا لوثقها علميّا، قناعة أكّدت لي أن المسلمين مصابون بحالة من البارانويا أطلق عليها: البارانويا الإسلاميّة أو الجماعيّة

National Paranoia .

************

عبر تاريخ طويل كانت، ولم تزل، المصادر الإسلاميّة هي المصادر الفكريّة والتربويّة الوحيدة التي اعتمد عليها الناس في البلاد الإسلاميّة والعربيّة لتنشئة الإنسان المسلم.

رفضت تلك المصادر السماح لأيّ مصدر آخر بأن يحلّ محلّها أو حتّى بأن ينافسها! فظلّ الإنسان المسلم رهينة تلك المصادر، عاجزا عن تبني الحقائق العلميّة التي تنفي صحّة الكثير من الأوهام التي ساهمت تلك المصادر في تكريسها. وانتقل الوهم في تلك المجتمعات حتى صار وباءا شمل المريض والسليم، المتعلّم والجاهل على حدّ سواء!

التربيّة المستقاة من المصادر الإسلاميّة أقنعت الفرد المسلم بأنّه يتميّز عن الآخرين بعظمته.

لم يكن الإحساس بالعظمة الذي ابتُلي به المسلم إلاّ وهما، لا أساس له، وهما عزله عن العالم المحيط به ومنعه من أن يرى أخطائه ويعترف بها وبالتالي يسعى لتصحيحها.

الإحساس بالعظمة، الذي استقاه المسلم من عقيدته وانتقل بالعدوى من جيل إلى جيل، بنى له برجا عاجيا وهميّا عزله فكريّا وزمانيّا عن العالم كلّه.

والقرآن، كأهمّ تلك المصادر، مليء وتكاد لاتخلو صفحة فيه من العمل على تكريس ذلك الوهم.

لقد أشرنا مسبقا على أنّ المصاب بالبارانويا يصرّ على أوهامه رغم كلّ البراهين الواقعيّة والعلميّة التي تؤكّد عدم صحّتها.

“كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..”

توهّم المسلم بأنّه خير عباد الله أعماه عن رؤية الواقع على حقيقته، وأقعده عن العمل على تغيير هذا الواقع الذي يتعارض مع انسانيّته وكرامته.

لقد سلّم بوهمه، واعتبره حقيقة إلهيّة ليس مطلوبا منه أن يثبت صحّتها.

عندما يميّز الإنسان نفسه عن الآخرين بالتفضيل، دون وجود براهين تثبت صحّة هذا التفضيل، يصل مع الزمن إلى نقطة يصبح عندها عاجزا عن رؤية أخطائه وعن الإعتراف بفضائل الآخرين .

عندما يعجز الإنسان عن رؤية أخطائه وعن الإعتراف بفضائل الأخرين تنقلب عنده المفاهيم فيصبح منكره معروفا ومعروف الآخرين منكرا.

ألم يقل له الله أنّه جاء إلى تلك الدنيا ليأمر بالمعروف؟!

إذا كلّ مايفعله معروفا!

لاحاجة لإثبات صحّة ذلك، وهل الحقائق الإلهيّة تحتاج إلى اثبات؟

كلّ الوقائع والدراسات، وحتى النظرات البسيطة التي لاتستند إلى تمحيص وتدقيق، تشير إلى أنّ الأمّة الإسلاميّة والعربيّة قد هبطت إلى الدرك الأسفل بين الأمم. والهبوط إلى مستوى ذلك الدرك لايتمّ في أيّ مجموعة بشرية إلاّ عندما يصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا في أعراف تلك المجموعة. حتّى عندما يفعل المسلم منكرا لايستطيع أن يراه إلاّ معروفا، ولايستطيع أن يرى معروف الآخرين سوى منكرا.

أليس هو خيرهم؟!

هو مصرّ بأنّه خير عباد الله سواء كان واقعه منسجما مع هذا الإصرار أم متناقضا!

هذا الوهم الذي يتشبث به لايشجّعه على إعادة النظر في واقعه، وبالتالي لايرى ضرورة لتغييره.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى عندما يميّز الإنسان نفسه عن غيره بالتفضيل يخلق نوعا من الهوّة بينه وبين هذا الغير. تلك الهوّة تمنعه من التواصل الإنساني مع الآخر وتزرع لديه الشكوك بمصداقيّّّة كلّ مايتعلق بهذا الآخر.

لايستطيع الإنسان أن يقيم علاقة سليمة مبنيّة على الإحترام المتبادل مع انسان آخر طالما يتوهّم بأنه أفضل منه وطالما يشكّ بمصداقيّة هذا الآخر!

إذاً جنون العظمة (أحد وأهم أعراض البارانويا) الذي ابتلي به المسلم ساهم عبر الزمن في تجميد واقعه. وفقدانه الثقة بالأخرين (عرض آخر من أعراض البارانويا) ساهم عبر الزمن في عجزه عن إقامة علاقة طبيعيّة مع هؤلاء الآخرين. فصار، وكنتيجة حتميّة لتلك الأوهام، رهينة واقع سيء عزله عن العالم المحيط به.

العرض الثالث والمهم الذي يتميّز به المصاب بالبارانويا هو أنه يصبح مع الزمن، وكنتيجة حتميّة لإصابته بالعرضين السابقين، يصبح جدليّا

(argumentative

 يتبنى اسلوبا في النقاش لاتستطيع معه أن تتوصل إلى نتيجة!

خض في أيّ قضيّة مع مسلم واصغ جيدا إلى طريقته في الحوار. يجرّك، وبسهولة، مع الوقت إلى جدل عقيم لاطائل منه، فتجد نفسك وإياه في النهاية تتهاوشان على البيضة والفرخة ومن فيهما أنجب الآخر!

**********

كنت أتبادل أطراف الحديث مع أحد أقاربي في الوطن الأم عندما تطرّقنا إلى ذكر الحادثة التي تحطّمت خلالها طائرة مصريّة في الأجواء الأمريكيّة والتي ذهب ضحيّتها جميع ركّاب الطائرة.

انبرى قريبي وراح يقصّ عليّ بسرعة البرق حكاية تلك الطائرة وبطريقة تفصيليّة مثيرة للدهشة:

“لقد احتوت تلك الطائرة ثلاثين ضابطا مصريّا تلقوا تدريباتهم العسكريّة في أمريكا ونالوا خلال اقامتهم علوما عالية المستوى.

كان من المفروض أن يعودوا إلى مصر قبل اسبوعين على متن ثلاث طائرات. ولكن صدر أمر لايعرف أحد أسبابه اقتضى تأجيل سفرهم على أن يسافروا لاحقا على متن طائرة واحدة وكانت نهايتهم في تلك الرحلة المشؤومة”.

ويتابع قريبي بيقين لايترك لديه مجالا للشكّ:

لقد كان للموساد الصهيوني، وبالتخطيط مع الأمريكان، ضلعا كبيرا في تلك المؤامرة! لقد خسرت مصر خيرة أبنائها المدرّبين وذوي الكفاءات العسكريّة العالية.

أراقب الجديّة والإنفعال اللذين يتحدث بهما قريبي ثم أسأله: ولكن لماذا تستقبل أمريكا منذ البداية ضباطا مصريّين ولماذا تقبل بتدريبهم طالما تخاف على مصير اسرائيل منهم؟!!

ويردّ قريبي: هل تعرفين كم تتقاضى أمريكا من أموال من جرّاء تدريبهم؟!!

وأردّ باستغباء:

ولكن على علمي أنّ مصر هي ثاني دولة بعد اسرائيل من حيث حجم المساعدات الأمريكيّة التي تتلقاها، والإقتصاد المصري عمليّا يعيش على تلك المساعدة!

ويتهجّم وجهه: يسرقون الجمل ثم يتبرّعون باذنه!

ـ ولماذا لاتحرسون جمالكم؟!!

ـ إنّهم الحكّام العرب المتواطئون!

ـ هؤلاء الأشبال من هذا الأسد وهؤلاء الحكام من تلك الأمّة!

ـ إنّه الإستعمار الغربي الذي خرّب تلك الأمّة!

وأجد نفسي أتجادل مع أحمق حول البيضة والفرخة ومن منهما أنجب الآخر.

أحجمت عن مزيد من الحوار عملا بالمثل القائل: لاتجادل أحمقا. فالناس الذين يصغون اليكما لايميّزون من الأحمق بينكما!

حوار الأحمق غباء، ولكن أقصى حدود الغباء أن تترك أحمقا يسرح ويمرح دون أن تفضح جهله!

فالأوهام التي يكرّسها جهله، وخصوصا في مجتمع معزول عن كلّ مصادر المعلومات العلميّة، تنتقل بالعدوى ويصبح المجنون الحقيقي، حسب تعريف ذلك المجتمع، هو الذي يرفضها.

***********

محمد صديق خان، أحد الإرهابين الأربعة الذين قاموا بتفجيرات لندن، كان معلما في إحدى المدارس البريطانيّة وكان زوجا وأبا وشخصا يبدو للعيان طبيعيّا ولا يختلف عن أي رجل بريطاني آخر. لاأشكّ لحظة بأنّه كان يعي مقدار المعروف الذي قدّمه المجتمع البريطاني بقوانينه الإنسانية لوالديه عندما لجآ إليه هرباً من الظلم والفقر والقهر في وطنهما الأم باكستان. لكنّ التربية التي نشأ عليها صوّرت له هذا المعروف منكرا، وأوهمته بأن التصدّي لذلك المنكر معروفا!

التعاليم التي استندت عليها تلك التربية كانت أكثر تواجدا، وبالتالي تأثيرا عليه، داخل حدود اسرته من تعاليم المجتمع الذي يحيط بتلك الإسرة. استطاعت تلك التعاليم أن تقيم جدار حديديّا أقوى بكثير من جدار برلين بين عالم محمّد الداخلي من جهة وبين العالم الخارجي من جهة أخرى.

لقد كان محمّد يتحرّك ضمن محيطه كزجاجة مليئة بالسمّ، محكّمة الإغلاق تتقاذفها الأمواج في لج ذلك المحيط غير قادرة على اختراقها وغسل سمومها.

اقتنع محمّد من نعومة أظفاره بأنّه أفضل من كلّ الناس الذي يشكّلون لحمة المجتمع الذي ولد فيه، ولقد خصّه الله بهذا التفضيل!

ولم تتوقف قناعاته عند ذلك الحدّ بل تجاوزته إلى الحد الذي آمن عنده بأنّ غيره يشكّل خطرا عليه وعلى عظمته، وإنّه بالقضاء على هذا الغير يتجنّب آذاه ويستعيد عظمته!

حالة البارانويا، التي سقط ضحيّتها محمّد والكثيرون من الشباب المسلم، تتبلور عادة من خلال العرضين الأساسيين اللذين يميّزان سيرها المرضي: ايمان المريض بعظمته والذي يبلغ حدّ الجنون، تليه قناعته باضطهاد الآخرين له الذي يبلغ أيضا حدّ الجنون. هذه الحالة المرضيّة كانت العامل الرئيسي وراء استفحال الإرهاب الإسلامي في العالم اليوم.

المسلمون عظيمون ومميّزون عن العالم كلّه، ولكن هذا العالم الذي هو أحطّ منهم بكثير يبدو الأقدر على الإساءة إليهم وعلى ظلمهم.

تلك هي الفلسفة التي تبنّوها كذريعة تبرر لهم ارهابهم اليوم!

***********

عندما كنت أواجه بسؤال الأطباء، كأرقى طبقة في المجتمع: هل أنتم سي آي أي؟ كنت أصاب بخيبة أمل فظيعة.

لا لشكّهم وريبتهم بل للأثر الذي يتركه خوف الإنسان الذي ينجم عن شكوكه وريبته على حياته ومواقفه!

عندما يعيش الإنسان حالة شكّ يرفض أن يرى إلاّ مايخدم شكوكه!

وعندما يسعى الإنسان لتفسير كلّ مايراه وفقا لأوهام ثابتة يفوّت على نفسه رؤية مايخدم مصلحته وتطوره.

تلك حقيقة انعكست تماما على واقع البحث الذي حاولت وزميلتي لاسلي القيام به. رغم تلبية الجهاز الإداري في المستشفيات التي زرناها لأغلب مطالبنا جاءت تلك التلبية آلية بطيئة، يشوبها الشكّ وخالية من أيّة مشاعر انسانيّة.

وافق الأطباء، وبناء على طلبنا، بالسماح لنا بتسجيل بعض مشاهدتهم لمرضاهم. لكن، وبصورة عامة، كان تجوابهم منوطا بالحذر والريبة ولم يسمح لنا ولهم بالتفاعل العفوي الذي كان سيساهم، لو تمّ على أفضل وجه، باغناء البحث وربمّا بتشجيعنا على بحوث لاحقة يشارك فيها أطباء سوريون، كما حدث أثناء القيام بنفس البحث في المكسيك.

************

أشرت سابقا على أنّ البحث كان قد شمل جانبين أحدهما يتعلّق بالطبيب والثاني بالمريض.

وبصراحة أقول: كان التعامل مع المرضى أسهل بكثير من التعامل مع الأطباء.

لم يفاجئني الأمر، فالتعامل مع انسان يعرف أنّه لايعرف أسهل من التعامل مع انسان يتوهّم بأنّه يعرف.

بحثنا اقتصر على المشافي الحكوميّة، ونظرا لتعاسة تلك المشافي، تجد أغلب مرضاها من طبقة فقيرة أميّة بصورة عامة.

مشكلة الأميّة بين المرضى عاقت إلى حدّ كبير مصداقيّة البحث فكنّا أحيانا نضطر إلى الطلب من أحد يعرف القراءة والكتابة كي يقوم بقراءة الأسئلة على المريض وكتابة أجوبته. ومع هذا، كان التعامل معهم أسهل، وأعطى تجاوبا أفضل.

عندما كنّا نقدم نفسنا للمرضى كان المريض ينظر إلينا كأطباء قادمين من أمريكا ويحلم أن نلعب دورا في علاجه وتحسين طريقة معاملة الجهاز الإداري والطبيّ في المشفى له. ولم يكن يدفع كثيرا من انتباهه إلى كوننا قادمين من أمريكا، البلد الذي”يخطط لتدمير العرب والإسلام”. ولذلك كان صادقا وعفويّا أكثر بكثير من الأطباء ولم يكن تجاوبه مبنيّا على شكوكه ومخاوفه.

الحاجة الينا، وحسب ظنه، ساهمت في تبديد مخاوفه وشكوكه وتجاوزها.

بينما أدّى شكّ الأطباء في مصداقيّة بحثنا وريبتهم في الخلفيّة السياسة لذلك البحث إلى تحجيم تجاوبهم. ولذلك عندما تسعى لتنظيف مجتمع من أوهامه ووساويسه لن يعيقك حجم الأميّة في ذلك المجتمع بنفس الدرجة التي سيعيقك بها ذوو الشهادات العلميّة الذين يكرّسون، من حيث يدرون أو لايدرون، تلك الأوهام والوساويس!

الشهادات العلميّة التي نالها هؤلاء الأطباء، وغيرهم في حقول أخرى، لم تمحُ جهلهم ولكنها حجبته. فوقف هذا الجهل المحجوب حائلا بين العلم وبين الأغلبيّة الساحقة البسيطة وغير المتعلّمة والتي تثق بطبقة المتعلمين الجهلة وتعتبرها مصدر معلوماتها.

لقد بدا لي الأمر أسهل بكثير أن أقنع مريضا أميّا بضرورة التجاوب معنا لإجراء بحث علمي على أن أقنع طبيبا “يتبجّح بمعرفته بالسي آي اي ودورها التخريبي” للقيام بنفس الدور.

ولذلك كان لغطرسة وجهل الطبيب، وليس لأميّة المريض، الدور الأكبر في إعاقة البحث.

************

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، هبّت عاصفة سياسية جديدة على الساحة العربيّة أعطت لمركب العرب الغارق دفشة أخرى سارعت به نحو القاع.

استطاعت الماركسيّة، ورغم عدائها السافر لفكرة الأديان، أن تجد لها قدما في أشد المجتمعات تديّنا وتعصبا. استطاعت أن تدخل من نقاط ضعف تلك المجتمعات!

الإسلام أوهم الإنسان المسلم أنّه عظيم وزرع لديه الشكّ والريبة بالآخرين الذين لايؤمنون بدينه.

وبالقرع على نفس الطبل استطاعت الماركسيّة أن تجد لها موقعا حتى في أشدّ المجتمعات الإسلاميّة انغلاقا.

تناغم العزف الماركسي على وتر كره أمريكا والإمبرياليّة مع العزف الإسلامي على وتر كره الغير!

صفق الماركسيّون لجنون العظمة عند المسلمين، وأوهموهم أن أمريكا تخاف من تلك العظمة وتسعى للقضاء عليها. وأطلقوا جملة من الشعارات التي ساهم تكرارها المقيت والطويل الأمد في تخدير العقل العربي والإسلامي إلى جانب أناشيده الدينيّة التي تناغمت معها وأدّت نفس الغرض.

كانت تلك الشعارات الماركسيّة المولد والإٍسلاميّة المنشأ تتناغم إلى درجة تضيع عندها الحدود.

كان يطلّ علينا في محطة الإذاعة شيخ أصولي ليتحفنا بخطبة جمعة يتناول فيها الحديث عن الإمبرياليّة الأمريكيّة وربيبتها الصهيونيّة ليأتي بعده خطيب ماركسي يرتدي برقعا بعثيا ـ والبعثيّون أولاد عم الماركسيّين وممثلوهم الشرعيّون ـ ويتحفنا بخطبة أخرى عن عظمتنا كخير أمّة أخرجت للناس!

هذا التناغم المصطنع بين عقيدتين متناحرتين في أصلهما أدى إلى حالة من التشويش العقلي والفوضى الفكريّة.

روى لي صديق تونسي مرّة في سياق حديثه عن تلك الفوضى التي عمّت يوما المجتمع التونسي، فقال: كنا طلابا في أول صف للمرحلة الإعداديّة، عندما دخل علينا المدرس في حصّة التربيّة الوطنية وكان معروفا بميوله الشيوعيّة وأمطرنا بوابل من شعارات لينين وكارل ماركس ثم غادر الصف ليبدأ بعدها درس التربيّة الدينيّة.

مشط الشيخ لحيته غير المشذّبة بأصابع يديه، صلّى على الرسول وسلم ثم راح يمطرنا بخطبة عن عظمة الإسلام والمسلمين ويؤكد كلامه بين الحين والأخر بأحاديث الرسول وصحابته.

اختلط الأمر على أحد الطلاب المساكين، فرفع يده كي يطرح سؤالا: ياحضرة الأستاذ! الشافعي يقول كذا وكذا ولكنّ كارل ماركس عليه الصلاة والسلام يقول..

ولم يكد يلفظ كلمته الأخيرة حتّى انقض عليه الشيخ المهوس ومسكه كالفريسة من شعر رأسه ليلقيه خارج الصف!

**************

خرج علينا الإسلاميون بنظرية” التكفير”. أي كلمة يعبّر بها إنسان عن رأيه ويخرج بها عن حدود مفاهيمهم الضيّقة، كانوا يتّهمونه بالكفر!

وخرج علينا الماركسيّون بنظرية “المؤامرة”. أية كلمة يعّبر بها إنسان عن رأيه ويخرج بها عن حدود مصالحهم، كانوا يتهمونه بالتآمر مع الإمبرياليّة الأمريكية وربيبتها الصهيونيّة!

صار الإتهام بالكفر والتآمر نصلان لسيف واحد!

لعب الخوف والتخويف من هذا السيف دورا كبيرا في قمع الإنسان وتجريده من حرياته.

تصلني ردود كثيرة بالبريد الإلكتروني، يخلط مرسلوها في اتهاماتهم لي بين التكفير والمؤامرة. وخلاصة نظريتهم: “أنني متعاونة مع اليهود والإمبرياليين الأمريكيين ضد الإسلام”!.

القراءة المتأنية لتلك الردود تساعدني على التمييز بين الماركسي وبين المتطرف الديني رغم صعوبة الأمر في حقيقته.

الماركسي يبدأ ردّه بسخطه على أمريكا والعدو الصهيوني ويرش قليلا من البهار الإسلامي على طبخته.

بينما المتطرف الديني يبدأ ردّه بالصلاة والسلام على سيّد العرب والعجم، ثمّ يرش قليلا من البهار الماركسي على طبخته على شكل شتائم ينهال بها عليّ وعلى المتعاونين معي من الإمبرياليين والصهاينة.

***************

يحكى أن رئيس الوزراء البريطاني ويلسون تشرشل، المعروف بشخصيته الساخرة واللاذعة، كان يوما يمرّ من جانب مقبرة فرأى قبرا كتب عليه: هنا دفن الدبلوماسي الشريف الخلوق فلان الفلاني!

فالتفت تشرشيل إلى مرافقه وقال: أول مرّة في حياتي أسمع عن رجلين دفنا في قبر واحد!

ماركسي ومتطرف إسلامي ديني يقاتلان في خندق واحد؟!!

تلك هي المهزلة!

مهزلة تظهر اليوم واضحة بتسابق الحركات الماركسية على دعم الإرهابيين الإسلاميين في العراق وتسميتهم بـ “المقاومة الوطنية”.

اتّبع الماركسيّون في تعاملهم مع الأصوليين الإسلامين سياسة: عدو عدوي صديقي! فوجدوا أنفسهم بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وحدوث مجزرة الحادي عشر من أيلول وجها لوجه مع هؤلاء الأصوليين في نفس الخندق، مدّ كارل ماركس يده لأسامة بن لادن مصافحا تحت تأثير الصدمة!

هذا النشاز امتد بتأثيره ليشمل كلّ جوانب الحياة.

**********

لم يعد حتّى الطبيب قادرا على التمييز بين رامسفيلد كوزير دفاع أمريكي وبين لاسيلي كعالمة مختصة في علم النفس وتنوي القيام ببحث علمي لايعترف بالحدود السياسيّة ولا الدينيّة!

للأسف لقد ضيّقت أساليب التربية في بلادنا على إنسان تلك البلاد ساحة بصره، فلم يعد يرى الكون إلاّ بمنظار أضيق من فتحة انفه!

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

” زرع حصد “

خمسون سنة فقط وقبل النصف الثاني من القرن العشرين اللعين قرن الحروب العالمية التي ابتدأت ولم تنتهي لحد الان ..

انتبهوا ايها الاخوة ما هو موجود من دين حاليا ليس اسلام هو دين الحديث والسنة وليس دين الاسلام هو دين التفسير المتعمد والخاطىْ والجاهل ..

قبل خمسون سنة لايوجد لا حجاب ولا نقاب الا بشكل محدود وبالتحديد بعد بدايات اكتشاف البترول ما ظهر البترول ظهرت الذقون وظهر حديث الجاهلون .

استوردت الدول الاوربية جيوش الذقون ولكي تدربها وترسلها مرة اخرى للموطن الاصلي وجاءت تلك الجيوش مع عاداتها وتقاليدها وسكنت رقعة جغرافية ثقافة جديدة وكانوا كالحجر يشرب الماء ولا يتغيير يستفيد من النواحي المتاحة في المجتمع وميزاته ويبقى حجارا ..

وانقلب السحر على الساحر فكل مظاهر التخلف و التطرف الذي نشاهده في اوروبا وامريكا وانكلترا من جيوش تلتهم كل شي وتريد فرض اراءها واحكامها وشرائعها هي صناعة اوربية بحتة لقد صنعوا المارد (( ويقول المثل الصيني لا تربي المارد فسوف يرتد عليك )) . 

المشكلة العويصة هو انهم متجنسون جنسية تلك البلدان وتلك اشكالية قانونيا

حلها قد يزيد العنف والتصادم وبقائها يبقي المشكلة وسوف تتفاقم 

تحياتي لكم زرعتم فهنيئا لكم الحصاد

Posted in فكر حر | Leave a comment