من أي طينة انتم؟

سألني جاري البريطاني،وهو من اصل عربي، ماذا يحدث في بلادكم؟

حسبت انه يسأل عن اسباب التفجيرات وقتل الناس بالجملة ولكني سمعته يقول:

انا اسألك عن السرقات العلنية، شعبكم يرى اللصوص وهم يسرقون الملايين ولا يحرك ساكنا.

لم تمر علي لحظة خجل كما مرت مع هذا الجار.

ماذا يريد مني ان اقول له؟

هل اقول له ان شعبنا فرحان بممارسة طقوسه الدينية التي حرم منها لأكثر من 40 سنة؟

هل اقول له ان رؤية دم التطبير اقدس عنده من رؤية المليارات وهي تسرق امامه؟

هل اقول له ان شعبنا ينقسم الى 7 ملايين تحت خط الفقر و6 ملايين أمي واكثر من مليون امرأة ارملة وكلهم مغيبون ،كأنما تعاطوا “الهيروين المركز؟.

لا لن اقول له ذلك، بل سوف اقول له انه شعب خجول لايريد “الفضائح” والتظاهر ضد سلطة حرامية، انه شعب ذو كبرياء ولايريد ان يتنازل ويحتج من عدم وجود الكهرباء فهو لديه المولدات الاهلية،ولا الماء الصالح للشرب فهناك الاسواق العامة التي تبيع المياه المعدنية خصوصا الفرنسية منها،كما انه ليس معنيا بقانون البنى التحتية ولا فيضان المجاري ولا حتى فيضانات الامطار بل بالعكس ان هذه الفيضانات مكسب رزق للاولاد حين يساعدون كبار السن في عبور الشوارع لقاء بعض الدنانير.

من أي طينة هذا الشعب؟.

اتذكر قبل سنوات كيف ازاح الشعب الفليبيني الديكتاتور ماركوس من الحكم وتبرع العديد من الشباب “ليتمددوا على اسفلت الشوارع العامة ” لمنع دبابات العسكر من التحرك وسقط ماركوس ثم جاء الى الحكم استرادا ليحاكم الان بتهمة تحويل 80 مليون دولار من الاموال العامة وذلك بعد خمس سنوات على طرده من السلطة اثر تمرد شعبي دعمه الجيش.

وهاهو الشعب المصري مثال حي بات يعرفه الجميع.

هل صحيح مايقال عنكم انكم شعب ميت ولايفيد معكم حتى الضرب؟

لا اعتقد ذلك كما لااعتقد انكم احفاد البابليين والسومريين.

كل تظاهراتكم “خجولة” لأنكم تخافون بطش السلطة وكلما اردتم ان تحتجوا تقفز الى ذاكرتكم مآسي الايام الخوالي.

اكرر: من أي طينة هذا الشعب الذي لايعرف متى يموت وهل سيكون موته بالمفخخات ام بالسيارات المتفجرة ام بالانتحاريين ام..؟ ومع هذا فهو صامت مثل ابو الهول.

يقول قائلهم: والله ملينه، نستيقظ صباحا على انفجار ونذهب الى عملنا وسط انفجار ونعود الى البيت مع صوت انفجار.

خلال السنوات العشر الماضية استشهد اكثر من ربع مليون عراقي ودمائهم راحت هدرا لأن شعب العوراق العظيم يتمتع بكبرياء عالية جدا ولايريد ان يتنازل من اجل حفنة دم لأناس توفوا بالصدفة ولأنهم اصحاب حظوظ سيئة!!.

ابقوا على بهجتكم بممارسة طقوسكم واتركوا القوم يلعبون”شاطي باطي” بخزينة الدولة، فقد تعودتم الجوع والفقر والحرمان حتى ان الواحد منكم يصلي الى الله اكثر من 6 مرات في اليوم وربما لايغادر المسجد طول النهار او ربما طوال الليل.

فاصل نعل:وصف احد المقربين من شؤون محافظة البصرة ان الاوضاع صايره”بالنعل” بين اعضاء المجلس الاعلى ودولة القانون .

ولاندري بعد ذلك هل هذه النعل تم استيرادها من الجارة الكويت ام من الام العزيزة ايران.

فاصل اضافي:بوية رغد عباس مبروك عليك تعيينك مديرة الثقافة والاعلام في البصرة ولكن يكولون عندك بس شهادة ابتدائية/ صحيح؟؟.

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

لا حل عسكري في سوريا!!!

فريدريك هوف – اتلانتيك كونسيل (ترجمة كلنا شركاء)

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري في نيويورك في ٢٥ تموز ٢٠١٣:” لا يوجد حل عسكري في سوريا فليس هناك سوى حل سياسي، وهذا من شأنه أن يتطلب من القيادة جلب الناس إلى طاولة المفاوضات”.

الرئيس السوري بشار الأسد يقول، وفق ما نقلت صحيفة الديلي تلغراف في ١ آب ٢٠١٣ :”يشارك الجيش في معركة بطولية حاسمة يتوقف عليها مصير الأمة وشعبها. العدو اليوم بيننا، يستخدم وكلاء لزعزعة استقرار البلاد، وأمن مواطنيها … ويمعن بإنهاك مواردنا الاقتصادية والعلمية. انهم (أعداؤنا) يريدون أن يحرموا الناس من قرارهم الوطني .لكنهم اندهشوا لرؤية هؤلاء الناس وقد تصدوا لخططهم وانتصروا عليهم. يا رجال الوطن … قد برهنتم، في الحرب التي شنت على بلدنا من قبل العصابات الإرهابية، أنكم تمتلكون الإرادة الحديدية والوعي الحاد. ولا يزال جيشنا العمود الفقري للوطن الام”. 

ويقول مارفن غايه ١٩٧١.

أبتاه، أبتاه

نحن لسنا بحاجة لتصعيد

انظر، الحرب ليست هي الحل

بالحب فقط يمكننا قهر الكراهية

ويقول كارل فون كلاوزفيتز عام ١٩٣٢ في الحرب:

” ان الحرب ليست مجرد عمل من أعمال السياسة بل أداة سياسية حقيقية، الحرب هي استمرار للسياسة بأداة لا يميزها عن باقي الادوات سوى انها الحرب.”

في حال ضغط عليي للإدلاء برأيي الشخصي في الأقوال المذكورة أعلاه. فإنني ككاتب كانت طفولته في الستينيات ومن ثم محارب في فيتنام، أود أن أميل بقوة لما قاله كل من مارفن غايه وجون كيري. لأن طرح الأسد كذبة كبيرة: يدعي انه هو وعائلته ونظامه بخير لولا وجود الارهابيين والجهاديين الاجانب. وكما قال كلاوزفيتز: الحرب هي مجرد اداة. لذلك، فإن الحل السياسي في سوريا سيقود في نهاية المطاف لانتصار عسكري، مهما كانت هذه الحقيقة مؤلمة ومهما حاولنا ان نطبق مقولة مارفن غايه بأن الحرب ليست هي الحل.

ان فلاديمير بوتين وعلي خامنئي وحسن نصر الله وبشار الأسد لا يعيرون كثيرا من الاهتمام للسيد غايه أو حتى لتحليل وزير الخارجية الامريكية. بوتين يعتقد انه يمكن وضع روسيا مرة أخرى على الخريطة الجيوسياسية بقوة عن طريق جر ايران وحزب الله لحرب بالوكالة على الولايات المتحدة في الاراضي السورية. قد نعتقد أن الحروب بالوكالة هي موضة القرن العشرين ولكن ضابط الكي جي بي الروسي على ما يبدو لديه وجهة نظر مختلفة. اما المرشد الأعلى الإيراني فيريد شيئا واحدا فقط من سوريا وهو القدرة على الحفاظ على ميليشياته اللبنانية على قيد الحياة وتوفير الامدادات الكافية لها. حزب الله هو ورقة ايران الرابحة في الوطن العربي فهو يقدم صورة مرضية للعالم العربي عن نفسه كقوة مدعومة من سورية وايران لمواجهة إسرائيل. ربما يكون الأمين العام لحزب الله قد ذهب ابعد مما تريده ايران في شأن سورية، فلقد ارسل حسن نصر الله علنا الشباب اللبناني لإنقاذ النظام السوري ولو لم يكن مقتنعا بأنه سيربح الحرب هناك لما فعل ما فعل. لم يكن لدى الأسد نفسه ومنذ بداية الاحتجاجات السلمية أي ميل على الإطلاق لما يطرحه جون كيري وكان واثقا ايضا مثل حسن نصر الله من الانتصار في الحرب. فجميع خطابات الاسد تشي برغبته في المضي بالحرب. فهو لم يعترف يوما عن مسؤوليته أو مسؤولية نظامه عن اي جزء من الأزمة السورية، ولم يتطرق لاي اقتراح لانهاء الازمة بشكل سلمي.

يسعى الغرب للتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض في سورية لكن الخلل الكبير الذي لا يبشر بالخير في هذه المبادرة الغربية هو وجود طرف لا يسعى سوى للانتصار العسكري الحاسم. نعم وهذا الطرف ممكن ان يرتكب جرائم ضد الانسانية بمستوى يفوق التصور فهو على استعداد لارتكاب كل انواع الفظائع دون رادع بغاية الحصول على نصر عسكري. اما الجانب الآخر من النزاع فهو ينتقد ما يجري داخل سوريا ويبين ان التدمير الذي يطال سورية هو نتيجة لإرهاب النظام، ولكنه لا يميل لمقولة “الحرب ليست هي الحل” بل يطالب بالتسليح والمساعدة على شل آلة ارهاب النظام. وللأسف الحرب ستستمر بهذه الطريقة و تصبح النتائج اسوء وسوف تتصاعد وتيرة العنف. فالفريقين سوف يتناوبون على امتلاك القوة، طرف سيقوم بالهجوم والآخر سيدافع عن نفسه.

كتب السفير الأمريكي السابق إلى سوريا وهو واحد من أرقى الدبلوماسيين الأميركيين في نصف القرن الماضي، السيد ريان كروكر، مقال بعنوان “احتواء الحريق في سوريا” ونشر المقال على الانترنت. بالاعتماد على خبرته الواسعة في المنطقة، السيد كروكر قال: “لقد قيل الكثير حول التسوية السياسية بين الاطراف المتنازعة في سورية ولكن والظروف ليست مواتية حتى الآن للوصول لهذه التسوية السياسية.” في الواقع، “الحقيقة المرة هي أن الحرائق سوف تلهب سورية لبعض الوقت .”

أجاب السيد كروكر عن السؤال حول ما يجب القيام به حيال ذلك؟ فقال “يجب أن يكون تركيزنا على منع انتشار العنف خارج حدودها [سوريا].” كيف؟ قال السيد كروكر:من الافضل ان نتجنب انتشار العنف خارج حدود سورية لأن ذلك سيتطلب الكثير من الجهد الذي يجب أن نحرص على أن ننطر لبذله للوقاية من انتشار العنف. ا

ن سبب شدة العنف في سورية هي استخدام النظام القصف المدفعي والقصف الجوي على المناطق المكتظة بالسكان وارتكاب المجازر في المناطق التي لا يمكن الوصول إليها.

ورغم ان السيد كروكر لا يرغب في تسليح المعارضة خوفا من أن تقع بعض الأسلحة في أيدي المتطرفين، فإنه يرى بأن الفئات الضعيفة من السكان المعرضة مباشرة لفظائع النظام يجب ان تستثنى من منع التسليح. وقد قال السيد كروكر ان المعارضة تطلب منا أن “نفعل شيئا ما ” ويطالبون رغم اختلاف آرائهم بـ “فرض منطقة حظر طيران، او إرسال مشاة البحرية”

و يرى السيد كروكر أن الحل السياسي هو الطريق الصحيح لحل الأزمة لكنه لا يذكر ابدا ماذا سيحدث فيما إذا فشلت الدبلوماسية في وقف ارهاب النظام؟ فالضربات العسكرية لتحييد أدوات النظام وقطع سبل دعمه لا مفر منها لتعطيل آلة قتل النظام التي ترفض الحل التفاوضي. لكن السيد كروكر شدد على نقطة هامة وهي انه يجب التركيز الآن على ضمان عدم امتداد العنف الناتج عن النزاع لخارج الأراضي السورية وعليه يجب دعم حلفاء وأصدقاء سورية الذين يتحملون العبء الأكبر من الفوضى الممتدة من سورية لأراضيهم.

ان معضلة سورية صعبة الحل جدا، فجميع السناريوهات ليست بالمضيئة. لا حل حقيقي لهذه الأزمة.

ولا يوجد شيء فاتح للشهية على قائمة الخيارات المطروحة والممكنة للأزمة السورية. ما ينبغي التركيز عليه حقا من قبل اصدقاء الشعب السوري هو أن النظام السوري ومؤيديه دمويو الفكر والمنهج ويسعون وراء الحل العسكري لتحقيق غايتهم مهما كان الثمن .فإذا جلسنا متفرجين منتظرين حسب مقولة مارفن غايه بأن الحرب ليست الحل وبالحب وحده يمكننا قهر الكراهية فإننا يجب أن نكون على استعداد لتطبيق نصيحة السيد رايان كروكر ولا نفعل شيء بينما سيسطر النظام السوري بعنفه على حلفائنا وأصدقائنا في المنطقة، ناهيك عما سيذيقه للشعب السوري.

Posted in فكر حر | Leave a comment

لا شيء يتقدم على إيران في أولويات أوباما!

الشرق الاوسط

«قبل سوريا هناك مصر، وقبل مصر هناك إيران».. يقول محدثي المرجع الأميركي. القضية الأولى بالنسبة لإدارة الرئيس باراك أوباما هي: إيران، ثم إيران، ثم إيران.. يضيف أنه عندما أطل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على شاشة «سي بي إس نيوز» ووصف الرئيس الإيراني حسن روحاني بالذئب في لباس حمل ووجه رسالة إلى أوباما، فإن البيت الأبيض لم يكن مرتاحا.

يعتقد أوباما أنه يمكن التوصل إلى صفقة مع روحاني، في حين أن نتنياهو لا يريد أي مفاوضات بين أميركا وإيران، بل يريد أن يجر الولايات المتحدة إلى حرب. لكن، حسب المرجع الأميركي، فإنه إلى جانب الرئيس أوباما في البيت الأبيض، هناك سوزان رايس مستشارة الأمن القومي، وتشاك هاغل وزير الدفاع، وجو بايدن نائب الرئيس، وجون كيري وزير الخارجية، وكلهم يريدون التفاوض مع إيران.

يقول إن الرئيس أوباما يفكر بإرثه.. لا يريد أن يتأثر الاقتصاد الذي عاد إلى النمو، ثم هناك قانون الرعاية الصحية الذي صرف وقتا وجهدا عليه، كما يريد تمرير قانون الهجرة، فأغلب الناطقين باللغة الإسبانية صوتوا له. برنامجه من الآن حتى السنة المقبلة يفرض عليه تجنب المواجهة مع الكونغرس. هو يفكر في انتخابات الكونغرس العام المقبل، فإذا خسر الديمقراطيون مجلس الشيوخ، فإن الجمهوريين قد ينقلبون على قانون الرعاية الصحية، وإذا ربح الديمقراطيون الانتخابات، ونال قانون الهجرة المصادقة، فقد تتوفر له الفرصة في السنتين الأخيرتين من ولايته لكي يضغط مثلا على نتنياهو بالنسبة للموضوع الفلسطيني، فالعلاقة بين الاثنين الآن غير جيدة، هذا إذا رتب أوباما أموره الداخلية، وعرف كيف ستسير العلاقة مع إيران.

أكثر ما يمكن أن يقدم عليه روحاني هو تشكيل حكومة تعكس «هدوءه» المدروس. فهو رغم تخرجه في جامعة غلاسكو (أسكوتلندا)، فإنه عنصر أساسي في الطبقة الإيرانية الحاكمة، ويقال إنه كان بين الأوائل (هو والفلسطينيون) الذين أطلقوا على آية الله الخميني لقب الإمام. التوقعات أن يستمر روحاني في الإدلاء بالتصريحات المناسبة، وتبدأ سياسة العقوبات تضعف تسهيلا لمهمته، ثم تعقد دول «5+1» جولة مفاوضات جديدة مع إيران في أواخر أغسطس (آب) الحالي أو بداية سبتمبر (أيلول) المقبل، يتجه بعدها روحاني لإلقاء خطابه خلال انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإذا عالج الأمور بمهارة، تبدأ إجراءات إعادة بناء الثقة، وهذا يعني تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية.

كثرت في الآونة الأخيرة المقالات في الصحافة الأميركية التي تدعو إلى إعطاء روحاني فرصة. في العدد الأخير من مجلة «نيويورك بوك ريفيو» وفي مقال بعنوان «نحو نهج جديد مع إيران» يقترح الكتّاب ويليام لورز وتوماس بيكرينغ وجيم والش، أن يبعث أوباما برسالة تهنئة قصيرة إلى روحاني، وأن تشير الإدارة إلى استعدادها لعقد لقاء بين أوباما وروحاني خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة كحوار قصير بين الاثنين، أو تحية بسيطة أثناء الاجتماع متعدد الأطراف في الأمم المتحدة، ويمكن لكل هذه الاحتمالات أن يتم التمهيد لها وتحضيرها خلال لقاء يجمع بين وزيري خارجية البلدين.

يقول محدثي المرجع الأميركي إن إيران مهمة بالنسبة لأوباما، وإذا لم ينجح في التوصل إلى أي اتفاق معها، فإنه سيورث خليفته هذه المسألة ولن ينجر إلى حرب.

لكن ماذا عن سوريا؟ يقول: «بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن قرار البيت الأبيض هو تجنب المشاركة، مع احتمال بسيط يقضي باستثناء الأردن؛ إذ أن القلق هو من أن يتعرض هذا البلد المهم استراتيجيا لضغوط لا يمكنه تحملها بسبب الحرب الأهلية في سوريا. أما بالنسبة إلى سوريا بالذات، فالإدارة تفضل الحل السياسي»، ويلفت إلى أن جون كيري لم يذكر مرة واحدة الحل العسكري، ويقول إنه حتى أجهزة الاستخبارات فقدت حماستها لتسليح المعارضة. البيت الأبيض يطلب خيارات، لكنه يشترط ألا تكون خطيرة.

يقول: «سوريا بوصفها بلدا موحدا صارت شيئا من الماضي، في نهاية المطاف، فإن الحكومة ستسيطر على جزء من الأراضي، والمعارضة على جزء، والأكراد على جزء».

يضيف: «ما لا يعرفه كثيرون أن أميركا تحتاج إلى روسيا في موضوع إيران، وبالتالي لا تريد تأزيم علاقتها مع موسكو بموضوع (هامشي) مثل سوريا.. ثم إن أوباما انتخب لينهي الحروب لا ليبدأ حربا جديدة في الشرق الأوسط، كما أن سوريا ليست استراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، والحرب فيها بالإنابة».

ويضيف: «إذا سقط النظام السوري، فسيكون سقوطه ضربة لإيران.. عندها ربما يرفض الإيرانيون المجيء إلى طاولة المفاوضات، وهذا ما تريد أن تتجنبه واشنطن. في واشنطن هناك من يرى أن النفوذ الإيراني في سوريا أقوى من النفوذ الروسي، لذلك عندما سيعقد مؤتمر (جنيف 2) في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فإن أميركا ستصر على مشاركة إيران فيه».

اهتمام الإدارة بسوريا مرتبط بتركيزها على صفقة مع إيران.. أما بوصفها بلدا عربيا، فإن مصر تأتي قبلها. فمصر الأكثر سكانا هي العمود الفقري للسياسة الأميركية في المنطقة. الإدارة لم تكن في البدء مرتاحة للإطاحة بالرئيس محمد مرسي، تعترف بأنه ارتكب أخطاء كثيرة إلى درجة أنه رفض طلب الرئيس أوباما توسيع حكومته. يقول: «لم تكن السفيرة الأميركية في مصر آن باترسون تمثل سياسة وزارة الخارجية، بل تدير سياسة الإدارة هناك، هي كانت تريد الاستقرار في مصر لأن عدم الاستقرار يضر بالمصالح الأميركية من شمال أفريقيا إلى إسرائيل إلى الخليج. كانت الإدارة تعتقد أن مصر من دون (الإخوان المسلمين) لن ترتاح، وأوباما لا يريد لمصر أن تتفجر».

لقد وصلت أخيرا نصيحة إلى الإدارة الأميركية بأن الجيش المصري وحده القادر الآن على الإبقاء على مصر موحدة. ويبدو أنها تقبلت هذه النصيحة؛ إذ بدأت تتجنب الحديث عن إيقاف المساعدات العسكرية، ثم إن القروض بقيمة 12 مليار دولار التي تقدمت بها السعودية وأبوظبي والكويت قزّمت الإغراءات الأميركية. وانتقد أحد المسؤولين الأميركيين الحملة التي قادتها مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس لقطع تلك المساعدات، وقال: «إنهم يرون السياسة تكتيكا تدعمه مجموعة من القيم، ليست لديهم رؤية استراتيجية. ويعطي مثلا على تصريحات رايس بأنها تؤيد المساواة في العلاقات بين الدول، وتتردد في تبني علاقات خاصة مع البلدان الأخرى وقبل كل شيء تدعو إلى تجنب الاشتباك».

من جهة أخرى، مع انتظار الإدارة الأميركية لما سيكشف عنه الوجه الحقيقي لروحاني، وكأنها تناست أن الذي يدير السياسة الداخلية والخارجية في إيران هو المرشد الأعلى علي خامنئي، ذكر مصدر مطلع أن الاعتقاد السائد في إسرائيل هو أن نتنياهو، إذا ما توفر له دعم وزير الدفاع ورئيس الأركان، مستعد لأن يقوم بعمل عسكري ضد إيران من جانب واحد، ربما مع نهاية هذا العام، والهدف الأرجح هو مفاعل «ناتانز» حيث أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدما. كما أن بعض المراقبين يعتقدون أن إسرائيل على استعداد أيضا لإرسال وحدات خاصة إلى مفاعل «فوردو».

لكن ماذا بالنسبة للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية؟ يقول محدثي: «في ولايته الأولى، كلف أوباما السناتور السابق جورج ميتشل استئناف المفاوضات.. حاليا كيري هو من أقنع أوباما بضرورة استئناف المفاوضات، فكان الجواب: حظا سعيدا». يضيف: «كيري مؤمن بأن القضية مهمة، فهو ألقى منذ مدة خطابا قال فيه: يأتيني وزير خارجية نيوزيلندا ويطلب منا حل القضية الفلسطينية.. ألتقي وزير خارجية أستراليا فأسمع منه الطرح نفسه.. كل وزراء خارجية الدول يطلبون إيجاد حل للقضية الفلسطينية».

يتساءل محدثي: «هل هي صدفة أن تستأنف مفاوضات السلام وسوريا غارقة في حربها، و(حماس) في أسوأ حالاتها بعدما سقط نظام (الإخوان) في مصر، ويتعرض (الإخوان) لهزات في تركيا وتونس وليبيا؟».

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ -2

الفصل الثاني

ما النبوة وما الأنبياء؟

“إذا قلت أنك تكلم الله فأنت تصلي؛ وإذا قلت إن الله يكلمني فعندك أفكار هاذية”

(النفساني الفرنسي ناكط)

أنبياء إسرائيل

دراسة انبياء إسرائيل أساسية لفهم نبي الإسلام

النبوة بما هي وحي، ليست خاصة بأنبياء إسرائيل أو بنبي الإسلام، بل هي ظاهرة عامة عند جميع الأنبياء والنبيات في الديانات الوثنية والتوحيدية، ربما منذ ليل التاريخ، وتحديداً منذ القرن الثامن عشر ق.م. حتى اليوم.

تأكيد ماكس فِبير، الذي استشهد به هشام جعيط، “في السيرة النبوية”: “أن نبوة الوَجد [= اكستاتيك: حالة من الهذيان الهلوسي تعطي الهاذي انطباعاً بسعادة قصوى؛ وقد شاهدتها في القيروان واسطنبول عند المتصوفة] لم توجد إلا في إسرائيل وفي البلاد العربية مع محمد”. هذا التأكيد غير دقيق.ربما يُفسّر بأن اكتشافات الأركيولوجيا عن انبياء بابل وآشور، كانت مازالت في طي النسيان عندما كتب فبير نصه.وواضح منها اليوم أن الوجد الصوفي وُجد عند جميع الأنبياء في العالم بما في ذلك عند الشامان [= السحرة]. يلاحظ مرسيا إلياد، في حديث عن: “الإكستاز الشامانيك، أن بعض الشامان يدخلون في الإكستاز بالغناء لوقت طويل” (1). وأنبياء إسرائيل يدخلون في الإكستاز بالرقص والغناء. قد يكون فبير معذوراً في جهله لهذه الاكتشافات. أما هشام جعيط فملوم لأنه قصر في البحث عنها!

أنبياء ونبيات الكتاب المقدس العبري، لا يختلفون في وحيهم عن أنبياء ونبيات الشرق الأوسط القديم؛ النبوءات كانت مطلوبة خاصة في الأزمات: تهديد بحرب خارجية أو أهلية، أو في لحظة خلافة الملك.

وهكذا كان الأنبياء أشبه ما يكونون بالمستشارين في البلاط الملكي،أو بصناع القرار المعاصرين، خاصة في أرض الإسلام،حيث مازال يُصنع القرار،بل أكثر القرارات خطراً،كالحرب، بالأحلام وصلاة الاستخارة!.

دراسة سيرة أنبياء إسرائيل ضرورية لفهم سيرة محمد لسببين:

1 ـ رغب محمد منذ مراهقته،من خلال معاشرته الطويلة لورقة، وربما أيضاً لمبشرين مسيحيين آخرين، مثل بلعام، الذي يذكره الطبري عند تفسيره لآية (103 النحل)،أن يكون نسخة من أنبياء إسرائيل. الذين صدّق في القرآن المعجزات المنسوبة إليهم،واطلع على أسفارهم وحاكاها في كثير من سور وآيات القرآن؛كما تأثر بموسى الذي ذكره في القرآن136 مرة،والذي كان يسميه”أخي موسى”؛أول بداية الوحي،حسب السيرة، قال ورقة،مطمئناً لخديجة وللنبي نفسه، الذي ارتاع من “نداء النبوة”: “هذا هو الناموس الذي نزل على موسى”.

تأثر محمد أيضاً بالشاعر والنبي،أشعيا،واستلهم قصيدته عن بابل في سورتي الزلزلة والتكوير مثلاً. يقول شراح الكتاب المقدس:”هذه القصيدة مرثاة لبابل التي سقطت تحت ضربات الميديين. عنوان هذا التصريح المعلن ضد بابل رآه إشعيا بن عاموس في رؤيا،وهو على جبل من الصخور الجرداء”(2) انتقاماً من يهواه منها بإرسال هؤلاء الغزاة عليها لظلمها شعبه.

:”استمع!صوت ضوضاء ممالك الأمم المجتمعة،

رب القوات[=الجيوش] يستعرض جيش القتال.

من أرض بعيدة،من أقاصى السموات،

يأتي الرب وأدوات سخطه،

لتدمير الأرض كلها.

ولولوا فإن يوم الرب قريب،[= في القرآن:”اقتربت الساعة(1 القمر)]

قادم قدوم اجتياح من الرب القدير.

لذلك سترتخي كل يد،

ويذوب قلب كل إنسان

(…)سيفزعون ويأخذهم الطلق والمخاض،

ويتوجعون كالتي تلد،

وينظر بعضهم إلى بعض مبهوتين،

ووجوههم مثل اللهب،

هذا يوم الرب قد حضر قاسياً،

يوم سخط واضطرام وغضب،

ليجعل الأرض خراباً (…)

لأن كواكب السماء ونجومها لا يبعثن نورهن،

والشمس تظلم في طلوعها،

والقمر لا يضيء بنوره،

سأعاقب الأرض بشرها،

والأشرار بآثامهم،

(…)لذلك سأزعزع السماء،

وتتزلزل الأرض من مقرها،

في سخط رب القوات،

في يوم اضطرام غضبه.

(…)

أبيات هذه القصيدة هي التي استلهمها، كما هو واضح، نبي الإسلام في سورة الزلزلة: “وتتزلزل الأرض من مقرها”تصبح “إذا زلزلت الأرض زلزالها”؛ واستلهمها أيضاً في التكوير”لأن كواكب السماء لا يبعثن بنورهن، والشمس تظلم في طلوعها، والقمر لا يضيء بنوره. لذلك سأزعزع السماء”. غدت على لسان نبي الإسلام: “إذا الشمس كُورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال ُسيرت وإذا العشار عطلت (…)”.

كما تأثر نبي الإسلام في قسمه بالتين والزيتون بالكتاب المقدس العبري.تأول المفسرون التين والزيتون القرآنيتين تأويلات شتى، لا يبدو أنها سديدة: فقد رووا عن ابن عباس وغيره أن: التين هو بلاد الشام والزيتون فلسطين، وقيل التين والزيتون هما المسجدان: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، الذي لم يكن موجوداً في زمن محمد.

يبدو لي أن القسم بالتين والزيتون، استلهمه نبي الإسلام من أسطورة سفر القضاة القائلة:”ذات يوم،ذهبت الأشجار لتكريس[لمسحه بالزيت المقدس ]ملكاً عليهن؛فقالوا للزيتونة:كوني ملكة علينا.لكن الزيتونة قالت لهم:عليّ إذن أن أتخلى عن زيتي الذي نمجد به الله والناس؟!(…)عندئذ طلبت الأشجار من التين:”تعالي أنت لتكوني ملكة علينا.”فأبت ،وطلبوا من الكرمة فأبت هي أيضاً… وهكذا سَمى الكتاب المقدس التين والزيتون والكرمة أشجاراً”كريمة”،لأنها رفضت المَلكية.علماً بأن غالبية أنبياء الكتاب المقدس معادون للملكية؛وهو ما استعاده محمد في آية:”وقالت[=النملة]أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون”(34 النمل).لماذا عادى أنبياء إسرائيل ملوكهم؟لأن الملوك كانوا يحتقرون الأنبياء الذين يشطحون تحت وطأة وجدهم [اكستاز] في الشارع، كما يؤكد ماكس فبير: “كان الملوك يحتقرون أنبياء الإكستاتيك، الذين كانوا يصرخون في الشارع”.

أرهق أمثال يوحنا الدمشقي ،متكلمي الإسلام وفقهاءه في القرن الـ 8 بسؤالين:كيف يكون نبيكم نبياً ومحارباً؟وكيف يكون نبيكم بلا معجزات،والحال أن المعجزات هي برهان نبوة أنبياء الكتاب المقدس، والقرآن نفسه يؤكد ذلك؟ردوا،ضمناً عن السؤال الثاني على الأقل، بانتحال معجزات أنبياء إسرائيل وبعض معجزات المسيح، مثل تكثير الخبز،لنبي الإسلام.بالرغم من أنه هو نفسه نفى عن نفسه في القرآن أية معجزة، باستثناء واحدة:القرآن.متحدياً قريش بالإتيان بمثله.وهو طبعاً سؤال تعجيزي.لماذا؟لأن لا أحد يستطيع أن يكتب ديوان المتنبي،أو المعري،أو أبو تمام أو أبو نواس … إلا هم أنفسهم؛:”فالأسلوب يجعل الأشياء الأكثر تفاهة فريدة”،كما قال فولتير.فعلاً،فالأسلوب هو الإنسان، كما يقول المثل الفرنسي،أي شخصية الإنسان النفسية والذهنية،ببصماتها، السليمة والسقيمة، كالشخصية العصابية أو الشخصية الذهانية أو الشخصية الواقفة على تخوم العصابي والذهاني مثلاً.لم يكن يوجد في مكة،في حياة محمد،شخص ثاني[للتذكير،لا أضحي بالحروف الصوتية الضرورية للفهم من أجل نحو نخبوي عقيم] له ذات البصمات الأسلوبية والنفسية التي تميز بها القرآن،والتي تساعدنا اليوم أيضاً،بعد أكثر من 14 قرناً،على البحث عن محمد التاريخ،من وراء ركام التخاريف عن محمد الإيمان، التي غطت محمد التاريخ من أم رأسه إلى أخمص قدمية.

بصمات محاكاة سيرة محمد لسيرة أنبياء إسرائيل والمسيح واضحة: ملكا شق الصدر،قد لا يكونان إلا محاكاة لأسطورة الملوك المجوس الذين،بمجرد أن رأوا”طلوع كوكب عيسى”حتى شدوا الرحال إليه. حاكتها السيرة أيضاً في أسطورة اليهودي الذي شاهد طلوع”كوكب ميلاد أحمد”!.

قصة “إقرأ” في غار حراء، قد تكون أيضاً محاكاة لمثيلتها عند إشعيا سواء من السيرة أو من نبي الإسلام نفسه:إقرأ الكتاب المفتوح والكتاب المختوم؛موسى،في الرواية التوراتية، رعى الغنم،وكذلك يجب أن يرعى محمد غنم حليمة السعدية وعمره سنتان!موسى بُعث في الـ 40 عاماً،وكذلك محمد بُعث في سن الـ 40 ،والحال أن هذيان الذهان الإهتياجي الإكتئابي، الذي قد يكون هو بداية الوحي المحمدي، يبدأ بين سن 18 و 20 عاماً!.

يوجد مؤشر على أن محمد لم يُعلن نبوته في الأربعين، التي كانت يوم ذاك سن بداية الشيخوخة، بل ربما أعلنها وهو في الثلاثين أو دونها. فقد سخر شيوخ قريش، أو كما تُسمّيهم السيرة “ذوو الأسنان”، من كون: “غلام بني عبد المطلب، يدّعي أن السماء تكلمه” (سيرة ابن هشام، ص 217). غلام في فم عجوز، قد يعني أنّ عمره دون الثلاثين

زعمت السنة والسيرة أن جميع الأنبياء، عدا يوحنا المعمدان والمسيح، بُعثوا في الـ 40؛ رقم الـ 40 سحري في الأساطير البابلية، مثلما أن رقم 7 سحري فيها:7 آلهة تداولوا على خلق العالم في 7 أيام. وقد تبني القرآن،نقلاً عن التوراة،هذا الرقم السحري: 7 سموات و 7 أراضين…إلخ.

يبدو أن نبي الإسلام ،نقل عن ترجمة ليست دقيقة للكتاب المقدس العبري أو أنه،كعادته كثيراً وغالباً، نسي ما حفظه، وهو موضوع سنعالجه في هذا الكتاب:لذلك اعتبر آدم،نوح،إبراهيم،اسحاق، يعقوب، يوسف وسليمان أنبياء،والحال أن الكتاب المقدس العبري يعتبرهم بطارقة[=آباء مسنين وولودين] وليسوا أنبياء.

هؤلاء “الأنبياء”، برهنت الدراسات التاريخية والأركيولوجية، خاصة في إسرائيل، أنهم شخصيات رمزية وليست تاريخية.

ومع ذلك يوجد شبه حقيقي بين كثير من أنبياء إسرائيل ونبي الإسلام؛ مثل إدعاء الأمية لدى بعضهم ولديه، رغم أنهم ونبي الإسلام نفسه كانوا ذوي ثقافة دينية واسعة، من الصعب على من لا يعرف القراءة مراكمتها.

بعض المثقفين المسلمين، الذين يعتقدون، غالباً، أكثر مما يفكرون، مُصرون على أنه أمّي، وأنه تلقى القرآن بواسطة جبريل من عند الله كما هو؛ وبعض المستشرقين يقولون أنه تلقن الكتاب المقدس العبري، وكذلك الأناجيل عن طريق السماع .وهكذا يفسرون النقل التقريبي عن الكتاب المقدس، والأخطاء الكتابية والتاريخية في القرآن. المرجح ان نبي الإسلام كان يعرف القراءة والكتابة، رواية للبخاري تؤكد ذلك: “عن ابن عباس عندما قال أئتوني [بقلم] أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي”؛أو قد يكون حفظ الكتاب المقدس العبري والأناجيل،خلال السنوات التي قضاها في رفقة ورقة،لكنه نسيهما عندما أصيبت ذاكرته، كما يرى ذلك النفساني، فتحي بن سلامة، في كتابه”ليلة الفلق”.

لكن هل كان يسمع فقط، هو ذو الذاكرة الضعيفة،أم كان يكتب ما يسمع، ويعيده في القرآن عن طريق الهذيانات والهلاوس؟.

يوجد أيضاً شبه نفسي حقيقي بين حزيقال ومحمد؛ كلاهما شاعر ونبي،لكن النبي الهاذي فيهما عجز عن تنظيم هذيانه الشعري،فكان لدى كليهما متشابهاً،أي ملتبساً وقلما يكون مفهوماً.ثلاثة شعراء، كثير من شعرهم متشابه هم:حزيقال،محمد والشاعر الأمريكي إدجار ألان بو!.

كما كان أنبياء إسرائيل يدعون “الشعب الخاطئ”، النسّاء للشريعة، إلى تذكر الحلف بين الله وشعبه، وإلا عاقبه يهواه بإرسال الشعوب الغازية عليه؛ بالمثل كان نبي الإسلام يدعو”عشيرته الأقربين” إلى توحيد الله، توحيداً خالصاً لا يشاركه فيه شريك، وإلا عاقبهم بإرسال “الساعة [=نهاية العالم]” عليهم بغتة وهم لا يشعرون، وحتى إذا طلبوا من الله تأجيلها ليتوبوا إليه، فهم “لا يُنظرون”، كما توعدتهم الآية 40،الأنبياء.

وجه شبه آخر محتمل.إذا كان”الشعب الخاطئ”لم يسمع لأنبيائه،فهل لأنه كان”وثنياً”،كما كان شعب مكة؟وتالياً،هل كان دينهم جديداً على شعبهم،كما كان دين نبي الإسلام، التوحيدي الصارم،جديداً على شعبه؟.

كانت رسالة أنبياء إسرائيل، تأنيب الشعب الذي تناسى الشريعة،ودعوته إلى إقامة العدل.كانت رسالة نبي الإسلام تأنيب شعبه المكي على إشراك بنات الله الثلاثة،اللات والعزى ومناة،مع الله في تقرير مصيرهم ودعوته لهم للعدل أيضاً.

كما كان يهواه يتدخل في التاريخ،كمحارب، لينصر شعبه في حروبه،فإن الله هو أيضاً، محاكاة ليهواه، يتدخل في التاريخ، لنصرة من ينصره، ويرسل جيوش الملائكة لنجدة نبيه! .

لا شك أن نبي الإسلام تأثر أيضاً بهذيان نهاية العالم،الذي انتشر لدى انبياء إسرائيل خلال السبي البابلي،أكثر من نصف قرن،فاستخدمه هو أيضاً،في نوبات هلاوسه،كسلاح لتهديد مشركي مكة به،كعقاب رباني فوري لهم، إذا لم يؤمنوا برسالته:”اقتربت الساعة(…)”(1 القمر).فضلاً طبعاً عن سببه المرضي: الذهان الإهتياجي ـ الإكتئابي.

لعل أكثر ما جعل نبي الإسلام يتماهى بأنبياء إسرائيل، هو أنه تعرف على نفسه فيهم: أي على هلاوسه السمعية والبصرية والنفسية…إلخ، التي كانوا يعلنون بها نبوءاتهم، وكان هو أيضاً ينقل بهن إلى المكيين “خبر السماء”.

كما كانوا هم مبشرين ونذيرين لشعبهم، كان هو أيضاً نذيراً وبشيراً: نذيراً للمشركين بـنهاية العالم وعذاب “نار حامية” وبشيراً للمؤمنين بـ “جنة عرضها السماوات والأرض”.

كما كان يهواه مهتماً جداً بكل تصرفات “شعبه المختار” في حياته اليومية، من مشرب ومأكل وملبس ومَنكح، وكان يُسيِّره بأوامره ونواهيه، كذلك جعل نبي الإسلام الله ليس أقل تدخلاً من يهواه في الحياة اليومية لـ “خير أمة أخرجت للناس”، فقد قدّر لها جميع حركاتها وسكناتها حتّى قبل خلقها

وأخذ عنهم أيضاً “المكتوب”، يقول جرميا: “إذا كان يهواه أراد أن يُخضع الشعب لنبوخا نصر [ملك بابل وصانع السبي البابلي الشهير]، فعلى الشعب أن يسمع ويطيع”. اقتبس نبي الإسلام هذه الآية في آيات عديدة منها آية: “وما أصاب من مصيبة في الأرض [= في أملاككم] ولا في أنفسكم إلا في كتاب “[مكتوب] من قبل أن يبرأها [= من قبل خلق هذه الأنفس]. إن ذلك على الله يسير” (22 الحديد).

عقلاء اليهود تخلصوا من هذيان إرميا المازوشي. أما المسلمون…

أنبياء إسرائيل

“أنبياء إسرائيل،ينتمون إلى أسرة،”حاملة الكلمة”،الذين نلتقي بهم أيضاً في الشرق الأوسط القديم، وفي اليونان وفي آسيا الوسطى”(2) “أنبياء إسرائيل(…)الذين أرسلهم الله كناطقين باسمه(…)،كان لهم رُواد في الشرق الأوسط القديم، في القرن 18 قبل الميلاد، أو لاحقاً في مدينة نينيف في بلاد الرافدين؛في القرن 7 ق.م حيث كانوا الناطقين باسم الآلهة لدى الملك(…)بعضهم يُوحى إليهم بالرؤى[رؤيا الآلهة وجهاً لوجه وتلقي الوحي منها]والبعض بأحلام رائدة،تتنبأ بالأحداث قبل وقوعها، وآخرون يعبرون عن وحيهم أثناء الهذيان الهستيري فهم،للملوك،إما منذرون أو شفعاء(…)كانوا ممثلين رسميين لمختلف الآلهة، يوجهون رسائل إلى الملك، يتولى لاحقاً تفسيرها”(3).

الأسماء التي كانت تُطلق على النبي،في الشرق الأوسط القديم،عديدة لكن المفضل منها هو وصفه بأنه”مملوك من الآلهة”.”رسالتهم إلى الملك تُعلن بصوت عال،وهم في شطح الوجد[اكستاز] الصوفي،في حالة اتصال مع الآلهة، يستفتونها فيما سيُستجد من أحداث؛وكانت نبؤاتهم تكتسي أحياناً شكل أحلام رائدة تنذر بما سيتحقق في المستقبل(…)تُثبت الوثائق الآشورية أن معبد عشتار، في ارابيل(=مدينة اربيل في كوردستان العراق)كان يضم أنبياء ونبيات:من 13 نبوة موثقة في هذا المعبد،4 لأنبياء رجال و8 لنبيات نساء، إحداهن كانت على الأرجح خنثى.كان بعض الأنبياء يحرصون حرصاً شديداً على إعادة كتابة وحيهم بكل أمانة، وكان رواة نبوءاتهم يقسمون بأنهم كتبوها بكل أمانة(4) “.

في بحثه عن”جذور النبوة في الكتاب المقدس”،يؤكد بيير جيبير،مفسر وأستاذ التاريخ بأن:”شريعة أنبياء إسرائيل تقتصر على مبدأين:إحترام وحدانية الله،والإهتمام الفعال بالمستضعفين في مادة العدل؛كانت تُطلق على الأنبياء أحياناً أسماء مرادفة للنبي مثل”بصار”،ورجل الله.أسماء الأنبياء والنبيات تمتلئ بها التوراة.فما هي الملامح المشتركة بين شاؤول، الذي ُدعي”نبياً”في مشهد غريب حيث كان يهذي وسط “أنبياء”آخرين هاذين(شاؤول الأول،الإصحاح 12 الآية 10)،وصمؤيل،الذي دُعي هو أيضاً نبياً، إثر نداء من الله، وكان يتحدث بلغة واضحة لمستمعيه، بدءاً من شاؤول نفسه؟أو كيف نخلط بين إليا و إليزيا في القرن 9 ق.م اللذين نقل عنهما الرواة حكايات خارقة من نوع خرافي،واللذين لم يتركا أي أثر مكتوب،وعاموش وهوشع اللذين،بعدهما بقرون،قدما ملخصاً مكثفاً مكتوباً لنبوءاتهما بعبارات تجهل الأسلوب الخرافي،مفضلين عليها تنديداً صارماً بخطايا الملك والأغنياء؟”(5).

“أنبياء إسرائيل يقولون أنهم استمدوا رسالتهم من يهواه،لكن أين تعلموا التعابير الأدبية،البلاغية والشعرية؟في هذه المجالات الثلاثة.الأنبياء يدعون بأنهم أميون أو جهلة.لكن مهما كان الطابع الفطري لبعض خصالهم،ومهما كان إلهامهم الديني فإنهم يكشفون بلا جدال عن خبرة دقيقة؛مما يجعلنا نفترض أن لهم تكويناً لاهوتياً،سياسياً ودينياً حقيقاً”(6).لكن مفسر واستاذ التاريخ يعترف بأنه لا يمتلك وثائق عن مصادر تكوينهم الأدبي والخطابي والشعري.

كيف كان أنبياء إسرائيل يتنبأون؟:”بعضهم كانت لهم رؤى إلاهية وأحلام رائدة سرعان ما تتحقق” (7) ،كان عدد هؤلاء الأنبياء في عهد الملك أشاب وحده حوالي 400 نبي:”كان يجمعهم ويسألهم:”هل بإمكاني أن أحارب راموث جلعاد أم علي أن أتراجع؟فيعطيه الأنبياء رأياً ملائماً”(8).جل الأنبياء،بل كلهم،يعتزون بـ”رؤية” أولى تدشن نبوءتهم،أي بنداء خاص آت مباشرة من يهواه ،دعاهم فيه لأن يكونوا انبياء؛تجربتهم مع الله تتجسد هنا، حتى ولو كانوا يحضّرون أنفسهم للنبوة، بسوابق دينية محددة مثل العبادة والمحافظة على الشريعة(…)؛ الشريعة بالنسبة إليهم تُختزل في أمرين:وحدانية الله وإقصاء كل شكل من أشكال عبادة الأصنام (…) والاهتمام بالفقراء والمستضعفين”(9).

أنبياء إسرائيل صنفان:من يتكلمَون بوضوح ومن يهذون بكلام متشابه لا يفهم.مثلاً أسلوب اشعيا مقتضب ودقيق، لا نجد عنده مواعظ طويلة أو توصيفات مبهمة،كما نجدها عند حزيقال،رغم أنه معدود بين أنبياء إسرائيل الكبار.كيف تلقى الوحي؟:”كنت بين أسرى وادي كبار،انفتحت أمامي السموات فحصلت لي رؤى إلاهية”(ح.الإصحاح الأول الآية الأولى).

في القرنين 1و2 ق.م حدث تغير في اليهودية في الموقف من النبوة:فقد أكد الحكماء أن زمن النبوة قد إكتمل،أي ختموا النبوة، فارضين وجوب تأويل التوراة التي أعطيت لموسى.”(10).”منذ موت حاجي وزكريا ومليخا،آخر الأنبياء،توقف الروح القدس في إسرائيل”(11).

قيل أن نبي الإسلام قد أستعار ختم النبوة،عبر سلمان،من المزدكية.لكن يمكن أن يكون استعارها من اليهودية أو من المسيحية، فكلاهما أعلنتا ختم النبوة.وقد لا يكون استعارها من أحد.ختم النبوة عنده،كما عند أسلافه،قد يكون تعبيراً عن هذيان ذهان العظمة،الذي هو أعدل الأشياء قسمة بين الأنبياء: فكل نبي يتخيل بما هو عُظامي، انه آخر سفير من الله للناس نذيراً وبشيرا.

كيف نفهم النبوة وأنبياء إسرائيل؟

في السطور التالية أقدم، كخلاصة طبية نفسية للنبوة في الكتاب المقدس، وأيضاً كإضاءة نفسية لإشكالية النبوة عموماً تحليلاً نفسياً لظاهرة النبوة.وحدة الظاهرة الدينية، التي تؤكدها الفيونومولوجيا، تتجلى ليس في الشعائر والإيمان بالغيب وحسب،بل وأيضاً في وحدة البنية النفسية للأنبياء في جميع العصور وجميع الثقافات،التي تعبر عن نفسها بهذيان النبوة كما يسميه الطب النفسي.

يؤكد الطبيب النفسي الفرنسي، شارل بريسى، في تحليله لهذيان النبوة في الكتاب المقدس العبري، أن مؤسسة النبوة لعبت في تلك العصور، من اجل حماية الأنبياء، ذات الدور الذي تلعبه اليوم مستشفيات الأمراض العقلية.بدلاً من النظر إليهم بما هم مرضى، يشكلون خطراً على المجتمع، فإنهم أُعتبروا أنبياء، كما في افريقيا وأمريكا اللاتينية اليوم أيضاً.وهكذا كانوا يعاملون غالباً باحترام.

“بدأت النبوّة تنطفئ بسرعة في إسرائيل (…) منزلة النبوة كمستشفى للمجانين (…) النبوة ليست خاصة بالعبرانيين (…) العصور القديمة السامية، كانت تشاطر الأنبياء العبرانيين الكبار نفس مفهوم النبوة بما هو: “اقتحام قوة خارجية لجسد كائن بشري”. (…) هذا المفهوم نجده في كل مكان وعلى مر العصور، عندما لا تعود سيطرة العقلاني قادرة على خنق الزوائد الطفيلية، التي تنتجها المخيلة. (…) جماعات الأنبياء، التي يصفها الكتاب المقدس،في القرنين 9،10 ق.م. تعطي أحسن صورة عن النبوة الشائعة بين عامة الأنبياء؛فهؤلاء هامشيون،يعيشون في جماعات،بضع عشرات أحياناً، يسكنون بعيداً عن الشعب،في مغاور(…)،هذه الجماعات تتجمع أحياناً حول معلّم مثل صمؤيل في القرن 11 أو ايليزيا في القرن 9.(…)مهما كانت الحقبة،فقد حافظت ظاهرة النبوة في الكتاب المقدس على طابعها الإحتجاجي على الوضع السائد.في فترات التوتر حيث يتكاثر الأنبياء،يغدو كل السياق الاجتماعي،السياسي،الديني موضوع احتجاج(…)،والقناعة باقتراب خراب إسرائيل،والنداء للعودة إلى الحياة القبلية البسيطة لبني إسرائيل، وتصبح البداوة مثلاً أعلى.وهكذا فالنبوة هنا نوع من الأصولية الدينية حيث نلتقي(…)بنبرات نهاية العالم!وأيضاً بآمال مضيئة.(…)ومهما تنوعت المظاهر النفسية ـ الاجتماعية،فإن ظاهرة أساسية تميز جميع الأنبياء،من أصغرهم إلى أكبرهم،هي أن قابلية الاكستاز هي الشرط الضروري للنبوة،(…)إنها اللحظة للتذكير بأن”تَنبّأ”و”هذى”هما كلمة واحدة وحيدة في الكتاب المقدس. الشطح [=طرانس]الكامل وإلى حد ما الدائم.وهو غالباً يُستثار بالمحاكاة، بالموسيقى أو بالرقص.(…)الشطح يشتمل على هياج عصبي وينتهي غالباً بنوم عميق وفقدان للذاكرة.بين شطح شاؤل ووحي داوود، توجد مجموعة من الحالات ُدرست جيداً:يقدم داوود مثلاً جيداً للشطح الرصين، عندما كان يرقص أمام تابوت العهد.لقد أثار سُخط زوجته،ميكال، لأنه كان يرقص عارياً”دائراً على نفسه بكل قوته”، كدرويش دوار.داوود كان يبحث برقصته المتحكّم فيها عن الوحي الشعري.ما يقوله أفلاطون عن الحماس الديني،مشابه تماماً.الكلمة نفسها تشير إلى المس الإلهي.الاكستاز يمكن تنزيله بين الشطح الكامل(…)قريباً من الحلات السقيمة، والوحي بالمعنى الذي قصده أفلاطون.لكن الوحي فردي وإبداعي.أما الشطح فجماعي(…)غير إبداعي(…)(12) “.

الرؤيا النبوية أو الأونيريزم، كمحرر للمخيلة.لا شيء أكثر توضيحاً للمفهوم الطبي النفسي أو أونيريزم (12).الانقلاب الإنفعالي الذي يحدثه الوجد”الإكستاز”يكتسح الوعي ويتركه عائماً في حالة وسيطة، بين النوم واليقظة،وهو ما يُنتج بالتحديد انتاجات المخيلة(…)مهزوزاً اكثر من اللازم لكي أسمع، ومضطرباً أكثر من اللازم،لكي أرى”،كما تقول آية إشعيا.لأن إظلام الحواس تُحضّر وتبشر بالرؤيا.عديد من الأنبياء عبروا عن القلق الذي يستولي عليهم في هذه اللحظة،التي يسقط فيها الوعي الواضح، وحيث يصبحون ممزقين بين الظلام والنور.دانيال،اشتكى من رؤياه: “بقيت مريضاً لعدة أيام ومازلت،من دون أن أفهم سر ذلك”؛ حزيقال، الأكثر مرضاً من الجميع، تعتريه حالات من الشلل والصمت.”الانتقال بيد يهواه مكلف جداً،مؤلم مثل الولادة”.

الأونيرزم ، هي حلم هاذي يخرج بقوة من نور الوعي الخافت.يمكن أن ُنكون عنه فكرة من الصور النعاسية،اللواتي يعرفهن كثير منا، بشكل طبيعي عندما يكون على حافة النوم. في الأونيريزم، التجربة تستمر طويلاً بما فيه الكفاية،حتى تنتظم الصور في رؤى،مع كثافة دراما ملأى بالإنفعالات. في تسلسل يسمح بروايتها في ُرؤى.المريض يعيش اقتحام عالمه الخيالي،كعملية خلع لباب وعيه،من منتجات مسرحية لا يتعرّف على نفسه فيها،فينسبها لقوة خارجية.هنا نلتقي بما يقوله رودس عن التجربة النبوية:”إقتحام قوة غريبة لكائن بشري”.

نتعرّف هنا أيضاً على موديل الإكستاز عند جميع المتصوفة وجميع الُملهَمين [= الأنبياء،الشعراء والمتصوفة]في جميع الثقافات:عنف خلع باب الوعي،صدمة الفرد الذي يلعب،بكل غرابة،دوراً سلبياً في المغامرة:”يهواه أخذني من وراء القطيع،كما قال عاموس،وإليكم ما أراني يهواه:”لقد عنفّتني”، كما قال جرميا،الذي هو أكثر وضوحاً من الجميع في هذه النقطة.ينبغي قراءة الإصحاح 20 لجرميا، اعتراف حقيقي لنبي: “كان يهواه كنار تلتهم قلبي”. النبي لا يستطيع الإحتفاظ بالرسالة التي تخترقه، آتية من الخارج(…)فكر النبي يعبر عن نفسه، عبر الرؤى،أو يمتد بين الرؤى.والرؤى ليست متواترة جداً، 5 أو 6 عند إشعيا أو حزيقال.لكن الطابع النبوي يظهر في المضمون الشعري للكلمات، اللواتي هشّمتهن أحياناً الإنفعالات،وأحياناً ينمو كلوحة جدارية أو كخطاب محموم.

الطابع الفردي يظهر في الأسلوب:السحر الساذج عند عاموس؛الشعر الغنائي العظيم عند إشعيا؛ هز المشاعر عند إرميا؛ورتابة الجمل عند حزيقال،الذي يشرح مطولاً حكاياته…(…)دراسة الظاهرة النبوية يمكن الوقوف بها هنا بما هي ظاهرة.تُوجد إستمرارية بين طرانس[= تقريباً الشطح]المبتذل والإكستاز[= الوجد]الصوفي.لا وجود لعلاقة ملحوظة تفصل النبي الأكثر شهرة والمُلهم الأكثر خمولاً في”الهذيان المقدس”.إذن قد لا يكون مفيداً النقاش حول الطابع المرضي أو غير المرضي لحزيقال؛ أو اعتبارهم(…)مفكرين أعطوا شكلاً شعرياً متحمساً لصياغة حكمتهم.قامتهم الحقيقية وعبقريتهم، يظهران في المضمون، الذي أدخلوه في القالب العام لثقافة الشرق الأوسط في زمانهم:هذا المضمون هو الأونيريزم كمحرر للمخيلة.

بما هي مؤسسة على الأونيريزم ،يمكن للظاهرة النبوية أن تؤدي إلى نتائج قريبة من الحالة السقيمة، أو على الأقل، التي تعالت عليها بالإلهام الديني(…)الرحلة الروحية للشعب العبري،الذي حمله العمل التدريجي الذي مارسته الوحدانية على نفسها،هو الذي أعطى للنبوة،التي هي في حد ذاتها ظاهرة مبتذلة،قيمة حركة إكتشاف وتعميق ديني.

رودس،على حق،عندما كتب:قرن قبل كنفشيوس،قرنان قبل الشاعر اليوناني إيشيل،وعلى نحو أكثر جزماً من هؤلاء المصلحين أو المفكرين الدينيين،صرّح الأنبياء بأن الله يطلب طهارة الحياة وليس الأضاحي والقرابين.(…)أما الجنون،فيمكن القول،بأنه من دون الإلتصاق به ما كان لمثل هذا التحول أن يحدث(…)(13).

بولس الرسول،أول نبي اعترف بجنون الأنبياء،و أول من برّره ببراءة شاعرية:”الجنون في نظر الناس، هو الحكمة في نظر الله”.

نعم،يبدو أن الجنون والنبوة متلازمان.بل وربما العبقرية نفسها والجنون متلازمان أحياناً.أما المحللة النفسانية الفرنسية،فرنسواز دولطو،فترى:”يوجد بُعد اوطيسط،يسكن كل واحد منا”.والأوطيزم هو أقسى أنواع الجنون!.

الجنون ـ والجنون فنون ـ هو غالباَ ضريبة الموهبة.وقد لا ينجو منه حتى الإنسان العادي، ولو للحظات عابرة. يقول طبيب نفسي:”كل إنسان يمر مرة كل اسبوع على الأقل بلحظات جنون يطلق فيها العنان للهذيان.الطبيب النفسي فيليب برونو يؤكد:”إن تغير المزاج العنيف هو الذي قدّم لجميع هؤلاء الأفراد الموهوبين محرك الإبداع”.

هؤلاء الأشخاص لا يكادون يحصون، من إبراهام لينكولن إلى تشرشل مروراً بفان كوخ ونيتشه وجوته وروبير شومان ومعظم الفنانين والشعراء.

كان سقراط نبياً مهلوساً، يسمع الهواتف من السماء،يمشي في آثينا حافياً،ويغسل يومياً تماثيل المدينة من زق الحمام ،ويستوقف المارة في الشارع ليطرح عليهم أسئلة أبو الهول.

وهكذا فمؤسس الفلسفة وشهيدها كان نبياً مهلوساً! ولم يخطأ الدروز ولا الشهرستاني في “الملل والنحل”عندما اعترفوا بنبوته.

وقد يكون يونج، تحدث عن نفسه عندما كتب:”الجنون هو لُب المغامرة البشرية”،أي فاعل الحضارة البشرية. لكن “الجنون”يوجد في علاقة خاصة مع أحد مناطق الدماغ،تحديداً فص الصدغ الأيمن، وليس خارج الدماغ،كما يدعي، معذُوراً،كل مجنون.

أنبياء المسيحية:

يبدو أن المسيحية لم تعترف بختم النبوة.وهكذا ُفتحت أمام عديد الأنبياء،الذين كانوا تاريخياً هم جندي المسيحية المجهول،فهم الذين أسسوها طوال قرن،ولولاهم ما انتشرت المسيحية بين الجمهور العريض خاصة في القرن الأول.”ميّز بولص بين الأنبياء الذين يقولون كلاماً غير مفهوم،أي متشابه، والأنبياء الذين يتحدثون بكلام واضح(…)كان الرجال والنساء يتنبأون في الكنائس التي أسسها الرسول بولص(…)في كورنثه.النزاع الشهير حول الحجاب، الذي اندلع عندما قرر النبيات التوقف عن ارتداء الحجاب عندما كن يتنبأن”(14).

انتهت النبوة في المسيحية بعد قرن من تحول الكنيسة إلى مؤسسة؛اعتبرت المسيحية أن النبوة في إسرائيل خُتمت بعد يوحنا المعمدان،بفضل ميلاد المسيح ثم قيامه من القبر،كشهادة على قهر الموت وتأكيد القيامة بعد الموت،كما تأول ذلك رجال الدين.

القاسم المشترك بين الأنبياء،الوثنيين والموحدين،هو الهذيان والهلاوس،عبر الرؤى والأحلام لإنتاج الوحي.

وماذا عن نبي الإسلام؟

نبي الإسلام،لا يختلف نمط وحيه عن نمط وحي أنبياء الشرق القديم، في معبد عشتار،أو انبياء إسرائيل.الفرق الوحيد أننا نمتلك وثائق أكثر مصداقية عن كيفية تكون الوحي المحمدي:”بل قالوا أضغاث أحلام؛بل هو افتراه؛بل هو شاعر، فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون”( الأنبياء 5).يفسرها الطبري: “قال بعضهم هو أهاويل رؤيا رآها في النوم؛وقال بعضهم هو فِرية إفتراه واختلقه من قبل نفسه؛وقال بعضهم:بل هو شاعر وهذا الذي جاءكم به شعر(…)”(انظر الطبري في تفسير هذه الآية).

باستثناء الافتراء،لأن الهلاوس لا مجال فيها للإفتراء،”التهم” الأخرى،من الحلم إلى الشعر صحيحة كما رأينا في الاستشهاد بالنفساني شارل بريسى أعلاه، وكما سنرى عند تحليل الهلاوس بعد قليل.

تؤكد الآية 27 من سورة الفتح أن نبي الإسلام، يوحى إليه كأنبياء إسرائيل،بالرؤيا:”لقد صدق رسول الله الرؤيا بالحق:لتدخلن المسجد الحرام(…)”.

القرآن لم يوضح كيفية لقاء جبريل، بنبي الإسلام،جبريل الذي هو في الواقع اسم مستعار لهلاوسه السمعية والبصرية والنفسية، سواء في صيغة قرآن، أو حديث قدسي أو مجرد همس في الأذن ينذره أو يبشره …، نجد في السنة تفاصيل عدة،لكن غيابها في القرآن يجعلها مصدراً ثانوياً لا يمكن الإطمئنان إليه، إلا إذا تطابق مع حقائق الطب النفسي.تحدثت السنة عن بُرحاء،أي آلام الوحي،مثل ُبرحاء الحمى.قدمت لنا السنة والسيرة توصيفات شتى لبرحاء الوحي، فسأنتقي منها واحدة:”لما نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله(…) فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة(…)”،دعى النبي صلى الله عليه وسلم زيداً(…)فقال له أكتب وخلف النبي ابن أم مكتوم:قال يا رسول الله إني ضرير فنزلت:”لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر(…)قال زيد:كنت إلى جنب رسول الله فغشيته السكينة [الغاشية هي ما أفقد الحس والحركة(المنجد)]،فوقعت فخذ رسول الله(ص)على فخذي،فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله،ثم سُرّي عنه[=أفاق من غشيته]فقال اكتب:غير ذوي الضرر(…)”

(انظر السيوطي “الدر المنثور في التفسير المأثور” النساء 95).

بُرحاء الوحي المحمدي كما وصفها زيد بدقة هي الـ “كاتالابسي” كما يشخصها الطب النفسي ويعرفها معجم روبير:”توقف كامل للحركة الإرادية للعضلات في حالتي الفُصام والتنويم المغناطيسي”. الكاتالابسي هي ما عاينه الباحثون الذين درسوا أنبياء ساحل العاج في السنوات 1970، مثلاً، أحد الأنبياء كان يتحدث بإيجابية عن إنجازات الرئيس هفوات بوانيي:”ثم فجأة سقط في الكاتالابسي”. (15).

تطابق برحاء الوحي مع الكاتالابسي، في الطب النفسي، تصحيح مزدوج لوهم المؤمنين،الذين يعتقدون بأن الوحي أتى من خارج النبي،من الله والحال أنه أتى من الدماغ، تحديداً من فص الصدغ الأيمن،وتصحيح أيضاً للذين، قالوا إن محمد مجرد مفتري، يختلق أي كلام ويسمّيه وحياً،والحال أن هذيانات وهلاوس الوحي قهرية لا حيلة له فيها. ومن هؤلاء المعري القائل:

ولا تحسب مقال الرُّسل حقاً / ولكن قول زُور سطّروه

وكان الناس في عيش رغيد / فجاؤوا بالمحال فكدّروه

ومازال الملحدون، أو الشكّاك المعاصرون، غير المستنيرين بحقائق علوم النفس، يعاملون الأنبياء بما هم كذبة، لا بما هم مهلوسون ُهذاة.

أنبياء ساحل العاج وأفريقيا:

يقدم انبياء ساحل العاج لوحة نفسية لا تكاد تختلف عن أنبياء الشرق الأوسط القديم،أو أنبياء إسرائيل أو نبي الإسلام،أو عن تشخيص النفساني شارل بريسى.

أنبياء ونبيات ساحل العاج يحبون بلادهم.وفي فترة الاستعمار، تبنوا شعار الحركة الوطنية:”ساحل العاج للعاجيين”.لكن رسالتهم ليست محلية،باستثناء نبي واحد حصر رسالته في قبيلته.أما الآخرون فرسالتهم كونية لـ:”الأسود والأبيض”؛وكنيستهم،ككنيسة الرسول بولص،هي”كنيسة جميع الأمم”.

هذيان النبوة قوى عندهم جميعاً.غداة الإستقلال، حقق ساحل العاج “معجزة”تنموية.لكن المعجزة سرعان ما تبخرت،بسبب تحكيم الإرادوية السياسية في المسارات الاقتصادية الموضوعية،وعدم صنع القرار الإقتصادي بالعلم.لكن الأنبياء أعادوا السبب إلى”اعتناق ساحل العاج لدين الشيطان”،الذي عاث فيه فساداً، فنشر الزنا واللواط والرشوة…إلخ.ولن تعود لساحل العاج معجزته،حسب نبؤتهم، إلا إذا عاد مجدداً واعتنق “دين الله”،أي”الدولة المسيحية التي تجمع بين الدين والسياسة”.

رسالاتهم، كرسالات أسلافهم الأنبياء، مسكونة بالتشابه والتناقض:يدعون جميعاً إلى المصالحة الوطنية كخلاص من النزاعات الطائفية.لكن كيف تقوم للمصالحة الوطنية قائمة،بين المسيحيين والمسلمين والإحيائيين[= عبدة الشجر والحجر مثلاً] في ظل” الدولة المسيحية”،التي لا يرون خلاصاً لساحل العاج، من دين الشيطان إلا بها؟.

وحده الرئيس هوفوات، الذي يعتبرونه نبياً مثلهم،أسس دولة علمانية لجميع مواطنيها دون استثناء.

واليوم أيضاً استطاع أول رئيس مسلم علماني،الحسن وطارا،لهذا البلد الذي مر بحرب أهلية،ان يساعده على إسترداد عافيته بعد عامين من رئاسته،وأن يشرع في تنفيذ مشروع مجتمعي طموح ومدروس يضاعف الدخل القومي خلال عقد ويخفض الزيادة السكانية في الوقت نفسه إلى أدنى المستويات الممكنة. تحقق هذا الإنجاز التاريخي، 8.5% نمو اقتصادي سنوي منذ سنتين، بفضل قيادة جماعية قديرة،ُكفأة وعلمانية؛نجحت في تحقيق مصالحة وطنية شاملة وفورية بين جميع نخب البلاد المسيحية،الإسلامية والوثنية.فغدا بذلك ساحل العاج الجديد قدوة حسنة لشرق إفريقيا وغربها وجنوبها وشمالها.

آخر نبي من أنبياء ساحل العاج مات سنة 2009.

سأقدم هنا مقتطفات من كتاب الإخصائي الفرنسي في الإنثروبولوجيا، ج.ب.دوزون (ج.ب.دوزون في كتابه”قضية الأنبياء:سياسة ودين في إفريقيا المعاصرة”).

“لا وجود للظاهرة النبوية من دون أفراد أقوياء، ومن دون شخصيات خارجة عن المألوف،تمتلك في وقت واحد القدرة على التخيّل،وعلى الخطابة وعلى التصرف، والذين غالباً ما يكوّنون جماعة دينية (…)ويجمعون حولهم كوكبة كاملة من الحواريين والأصحاب(…) لتهيئة أماكن عبادة،لفرض احترام الضوابط والشعائر(…)قياساً على تحليلات ماكس فيبير لشخصية النبي، فإن الظاهرة النبوية في ساحل العاج، وبشكل أوسع،في إفريقيا،لا تقدم شيئاً جديداً عن تحاليل ماكس فيبير لشخصية النبي”(16)عبر التاريخ.

لماذا لا يختلف أنبياء ساحل العاج وأنبياء أمريكا اللاتينية المعاصرون عن شخصية النبي في آشور، أو النبي في إسرائيل أو نبي الإسلام؟ لأن “هذيان التأثير، أي هذيان النبوة” كما يشخصه، الطب النفسي، هو واحد عند جميع الأنبياء: الهلاوس كميكانزمات والهذيان كعرض.

كيف يدخل أنبياء ساحل العاج وافريقيا إلى “حلقة الأنبياء”؟ يجيب دوزون: “فقط عندما يقول النبي (…) أنه عرف حدثاً أو أحداثاً طارئة وحاسمة في حياته، لحظات وحي مرادفة للجنون” (17): “عندئذ يحق له أن يمتلك لقب نبي يتمتع بسلطة خارج المألوف(…)مثلاً النبي كوكا هنبا، أو كودو (…)عند كوكا هبنا(…)كل شيء، بما في ذلك ولادته على صندوق قمامة،ومع كودو،الحدث الحاسم حصل عندما كان مراهقاً،فتملكته روح أخيه الأكبر المتوفى”(…):”وكلهم،خاصة إذا تكاثر مستمعوهم، مقتنعون بأن نبوتهم يقين لا شك فيه،ولكنهم يملكون قدرة فائقة على الإيحاء والإيحاء الذاتي، والمؤشرات التي يقدمونها قابلة لأوسع التآويل”(نفس المصدر ص ص 191،192).كما في الكتاب المقدس أو القرآن أو مصاحف الفيدا الهندوسية الأربعة …إلخ(18)،النصوص الدينية العالمية قابلة جميعاً”لأوسع التآويل”، لإفتقادها للوحدة العضوية الداخلية،كما يقول المحلل النفساني الفرنسي دانيال سيبوني،لإفتقادها للتماسك المنطقي،لأنها صادرة عن أنبياء ذوي شخصية نفسية غالباً مفككة ووعي غالباً متفسخ.

:”أنبياء إفريقيا وساحل العاج،كما يقول كتاب”قضية الأنبياء”،معظمهم من أصول اجتماعية متواضعة، ولم يُحظوا بتكوين ثقافي عميق إلا نادراً، وفي أحيان كثيرة لم يُحظوا بأي تكوين.لكنهم خطباء مقنعون (…)جبريل أيضاً لم يغب عنهم،النبي”هاريس”،قال أن الملاك جبريل زاره خلال سجنه ومحنته في مونورفيا ونصّبه في السجن نبياً”.(19).

“أنبياء الشرق الأوسط القديم،وأنبياء إسرائيل الكبار،كانوا يُساقون إلى النبوة بقوة خفية،بنداء داخلي” (20).بالمثل،كانت هذه هي حالة نبي الإسلام،الذي ظنّ بنفسه الجنون عند أول هلوسة عبرت عن نفسها في زيارة جبريل له؛كذلك أنبياء ساحل العاج وإفريقيا، يؤكدون بأنهم قاوموا طويلاً نداءات الرؤى الإلهية ولم يستسلموا إلا بعد نداء رباني صارم”(21).فرضها عليهم فرضاً.وهذه أيضاً حالة نبي الإسلام، الذي كان يضيق صدره بالقرآن،القرآن الذي فرضه عليه “هذيان التأثير” غصباً عنه:”إن الذي فرض عليك القرآن(…)”(85 القصص).

السيرة والسنة، يخبراننا بأن محمد ظهرت عليه ملامح النبوة قبل إعلان نبوته، وكذلك يخبرنا أنبياء ساحل العاج وإفريقيا:”أنهم رأوا مقدمات النبوة قبل أن يصبحوا أنبياء”(22).

فماذا يعني ذلك؟ أن الله دخل في رأس النبي، وامتلك فكره، وغدا يوجهه حسب مشيئته.لذلك كان يقول الآشوريون عن النبي:”امتلكته الآلهة”،هذا الإمتلاك،يسميه الطب النفسي:”أفكار التأثير”، أو:”هذيان التأثير”أو”هذيان النبوة”،الصادرة جميعاً عن الدماغ البشري.

وكنبي الإسلام،اتهمهم مواطنوهم بـ “السحر”و بـ”الجنون”،لحظة قطيعتهم مع ماضيهم”الجاهلي”؛ وبدأت نبوتهم:”بمشهد وحي تتنزل عليهم فيه الآيات”.(23).وكالأنبياء السابقين يعلنون:عودة الأسلاف،عودة الأموات الوشيكة من قبورهم”،وفي الوقت ذاته حدوث فترة فوضى [=جهنم؟] تسبق رحيل البيض وظهور عهد”الرخاء” [=الجنة؟]”(24).

أنبياء أمريكا اللاتينية

أنبياء أمريكا اللاتينية، سواء من اصول أوربية أو أصول هندية،لايختلفون عن أنبياء ساحل العاج، وطبعاً عن أسلافهم الأنبياء على مر العصور:منذ أنبياء بابل في القرن 18 ق.م. إليهم هم أنفسهم،مروراً بالباقين.

يتضح من العرض الثري،الذي قدمه عنهم كتاب جماعي،تحت اشراف أندريا فوشيز(25):”الأنبياء والنبوة”.

المناطق والطبقات الاجتماعية،التي تزدهر فيها النبوة في أمريكا اللاتينية،تشبه المناطق والطبقات التي تنتشر فيها حركات أقصى اليمن الإسلامي في أرض الإسلام؛هي المناطق والطبقات الفصامية،أي المفصومة والمشطورة إلى شطرين:الغنى الفاحش في شطر، والفقر الفاحش في الشطر الآخر،السلطة والثروة والتعليم والحداثة وتحديد النسل، في شطر،والبؤس المادي والأمية والجهل والتخلف والقدامة والإنفجار السكاني، في الشطر الآخر؛الحداثة والعلمانية في شطر، والعصور الوسطى وموكب خرافاتها الدينية في الشطر الأخر.،كما يقول الكتاب كخلاصة لأبحاثه.

“أنبياء البرازيل،كما برهن على ذلك الباحث قيروز،ليسوا محررين لشعب مقهور،بل معيدون للنظام الاجتماعي التقليدي،الذي شوشه انتشار الحداثة الاقتصادية والسياسية.نعثر أيضاً على هذه الخاصية في حركتين أخريتين نبويتين في المكسيك والبيرو(…)وُلدتا تحت تأثير الانفجار الديمغرافي”.(26).أليس هذا ما يجري أمام عيوننا في مصر وتونس؟.

أنبياء أمريكا اللاتينية هم أيضاً،كالغالبية الساحقة من أنبياء ساحل العاج وافريقيا،من أصل متواضع: “كنيسة مملكة الله، أسسها في 1997 في ريودوجانيرو، النبي ايديرمايدو،وهو موظف صغير في اليانصيب؛أصبح اليوم الرئيس الروحي لمنظمة متعددة الجنسيات تضم حوالي 3 ملايين عضو”(27).

كالعادة،الحكومات والمؤسسات التي لا تصنع قرارها بالعلم لا تنتبه لحركة التاريخ، التي تدور أمام ناظريها. وهذا ما حدث لمؤسسة الكنيسة الرسمية في أمريكا اللاتينية:”الكنيسة الكاثوليكية، أخذتها هذه المنافسة المفاجئة بغتة وهي لا تشعر”.(28).”حسب البلدان،10 إلى 20 % من السكان انضموا لهؤلاء الأنبياء(…)المعتقدات الساذجة في المعجزة،المفرطة في الخرافي، وغير المسبوق وتحويل أحداث طبيعية إلى أحداث فوق طبيعية،تبيض وتفرخ جميعاً في المناطق والطبقات التقليدية،نعثر فيها على موضوعات أخروية، مثل نهاية العالم وانتظار مملكة الله على الأرض [=الجنة] والمهدي المنتظر،وهي موضوعات خاصة بالحركات المهدوية في العالم الثالث”.(29).

يبدو أن نبيين أبيضين أمريكيين شماليين،وليم ميلر و جوزيف سميث، لم يجدا عدداً كافياً يصدقهما من سكان أمريكا الشمالية الحديثة والعلمانية والغنية، فهاجرا إلى مناطق الهنود الحمر، في أمريكا الشمالية، حيث وجدا الجمهور الساذج الذي يبحثان عنه، فأصبحا نبيين معروفين ومعترفاً بهما وبلّغاه الرسالة، التي ينتظرها:”نهاية العالم اقتربت”(30).

واضح من هذا العرض المقتضب لنماذج من الأنبياء منذ 4 آلاف عام إلى اليوم،أن الأنبياء جميعاً يكابدون هذيان النبوة،أي هذيان التأثير الصوفي،الذي ُيخيّل للهاذي الديني أن قوة،غالباً إلاهية،قد تسللت إلى دماغه، لتوجه سلوكه وفكره باستقلال عن إرادته.لم يعد يتصرف في نفسه،بل اصبح الله هو الذي يتصرف فيه،وفضلاً عن ذلك ليس فيه هو وحده بل في الجميع:”وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين”(29،التكوير).هذيان التأثير أعم من هذيان النبوة،ويمكن أن يتجلى في حالات بسيكو باثولوجية،نفسية مرضية،مختلفة،سواء على نحو متقطع أو مزمن.موضوعات الهذيان،في هذيان النبوة، دينية وخاصة هذيان نهاية العالم.

حركات أقصى اليمين الإسلامي هي،في العمق،حركات نبوية.معظم زعمائها ـ أنبيائها مهلوسين هاذين؛ويؤمنون بصدق هذيانهم،شعاراتهم ووعودهم الدنيوية والأخروية خيالية،ومع ذلك يجد هؤلاء الأنبياء جموعاً ساذجة تصدقهم ولو إلى حين:كثيرون جداً من الذين صوتوا، في انتخابات ما بعد “الربيع العربي”،لأقصى اليمين الإسلامي في تونس ومصر،فعلوا ذلك غالباً بتوجيه من أئمة المساجد للحصول على بسبور لدخول الجنة!.

التنمية الاقتصادية، والتوعية الثقافية ونزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني، وإصلاح التعليم، صناعة القرار وأخيراً إصلاح الإسلام هن المدخل إلى الحداثة والعلمانية، لوضع نهاية للطبعة الأخيرة من الأنبياء”مرشدي” أقصى اليمين الإسلامي.

“والحداثة والعلمانية هما ترياق النبوة” كما يلاحظ مؤلفو الكتاب.

مراجع الفصل الثاني

1 ـ تاريخ الأفكار الدينية ج.1 ص 322.

2 ـ الكتاب المقدس ص 1550 دار الشروق ـ بيروت.

3 ـ روبير أشارد،في موسوعة يونوفيرساليس،في مادة أنبياء إسرائيل.

4 ـ فرنسوا جوأناس،استاذ التاريخ القديم في جامعة باريس 1، في كتاب من هو النبي؟ ص 25 ،في الفصلية لوموند دو لابيبيل.

5 ـ جون لوك بوتييه،في كتاب من هو النبي؟ص 20 ، لوموند دو لابيبل.

6 ـ نفس المصدر ص 32.

7 ـ نفس المصدر والصفحة.

8ـ جون بوتييه،نفس المصدر ص 20 .

9 ـ نفس المصدر والصفحة .

10 ـ نفس المصدر ص 7 .

11 ـ النبي امتصه الحكيم، ه.كوزيس من هو النبي ص 19 .

12 ـ نفس المصدر ص 20 .

13 ـالأونيريزم نشاط ذهني، يشبه الحلم،لكنه يحدث خارج النوم؛قوامه رؤى،وغالباً يحدث بعد حادث صرع مثلاً.

14 ـ شارل بريسى،فيزاج دو لابسيكيترى ص ص من 88 إلى 94 .

15 ـ لو نوفيل اوبسرفاتير، 7.2.2013 .

16 ـ د.مارجير،أستاذ العهد الجديد جامعة لوزان نفس المصدر ص 27 .

17 ـ ب. دوزون،في كتابه،قضية الأنبياء،السياسة والدين في افريقيا المعاصرة ص 12،دار سوي 1995.

18 ـ المرجع السابق ص 191 .

18 ـ نفس المصدر ص 191 .

20 ـ بالمناسبة قرأت في مقدمة لإحدى الطبعات الفرنسية، لمصاحف الفيدا البرهمية المقدسة، استشهاداً بـ 3 آيات قرآنية، لإثبات أن القرآن هو أيضاً يعترف بتناسخ الأرواح التي تقول بها الهندوسية:”(…)وكنتم امواتاً فأحياكم، ثم يميتكم،ثم يحييكم(…)(28 البقرة).

21 ـ نفس المصدر ص 194 .

22ـ يونفرساليس مصدر سابق .

23 ـ كتاب قضية الأنبياء ص 195 .

24 ـ نفس المصدر نفس الصفحة .

25 ـ نفس المصدر ص 197 .

26 ـ نفس المصدر والصفحة .

27 ـ اندرية فوشير ،الأنبياء والنبوة، 475 صفحة،دار سوي، 2000 باريس.

28 ـ نفس المصدر ص 404 .

29ـ نفس المصدر ص 108 .

30 ـ نفس المصدر والصفحة .

31 ـ نفس المصدر ص 409 .

32 ـ نفس المصدر ص 424 .

العفيف الأخضر – مفكر حر؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

تمخضت مصر مرتين فولدت فأرين

نحن لسنا متفائلين من المشهد المصري بشكل عام, مع اننا لا ننكر الجوانب الإجابية التي نتجت عن انتفاضتيهما المجيدتين, ونحن ننعتهما بالمجيدتين لأنهما خطوتان ضروريتان للبدئ بتصحيح المسار, بالرغم من ان مصر حالياً ما زالت بعيدة كل البعد عن الطريق الذي يؤدي الى الحرية والكرامة وعلى رأسها الحرية الاقتصادية والتي تؤدي الى رفع مستوى دخل الفرد والعيش الرغيد كما في البلدان المتحضرة , والتي بدونها لا معن للحريات الاخرى كما اوضحنا بمقالات سابقة, ونقصد هنا بالحرية الاقتصادية هو تبني قوانين الاقتصاد التنافسي الحر وهو الطريقة الوحيدة المعروفة للنهوض بالبلاد إقتصادياً, ولكي ننصف المصريين سنقوم بتحليل الجوانب السلبية والايجابية لما يجري هناك من وجهة نظر علم الاقتصاد. 

المسخ الاول الذي تمخض عنه الربيع المصري هو وصول الإخوان المسلمين للسلطة بإنتخابات يقال بأنها ( حرة), ولا يهمنا بهذا المقال ان كانت بالفعل حرة ام لا , فقد تم مناقشة هذا الموضوع من قبل المختضين بمصر, لكن ما يهمنا هو أن القادة في المسخ الاخواني لم يضعوا أي خطة اقتصادية للمضي بالبلاد نحو الإزدهار والرقي, وكل ما قدموه هو بضعة خطب فقهية مليئة بالكذب والدجل والعواطف الدينية واللعب على وتر الطائفية. 

فلو قال امساخ الاخوان المسلمين بأنهم سيستخدمون المثال المتبع  في سينغافورة لبناء مصر واقتصادها وتحفيز التطور العلمي وبدؤا فعليا بوضع الخطط والبرامج لذلك لكانوا كسبوا احترامنا ولقمنا بالدفاع عنهم مع كل مصري شريف. 

ولو قال امساخ الاخوان بأنهم سيتبنون المثال الياباني في بناء مصر….. , او المثال الكوري الجنوبي…., لكنا رفعنا القبعة لهم واحنينا رؤوسنا اجلالاً لهم. ولكن عوضا عن اتباع مثال الدول الناجحة في بناء مصر, قام امساخ الاخوان بإتباع مثال افشل دولتين بالعالم. والمثال الاول الذي حاولوه هو: 

إتباع مثال السودان والقيام بما قام به المسخ الإخواني السوداني حسن الترابي والذي خدع النميري وأوهمه بأنه سيصبح والياً وخليفة للمسلمين ثم انقلبوا عليه وسيطروا على الحكم وتمت اسلمة الحكم في السودان واعادوا السودان متخلفة مئات السنين للوراء مما نتج عنه حرب اهلية مدمرة وانفصال الجنوب عن السودان.

لذلك وتماشياً مع المثال الترابي في السودان اراد الاخوان ان يعقدوا صفقة مع العسكر لكي يحكموا من خلفهم ريثما يسيطيروا على مفاصل الدولة وتتم اخونة الجيش والمخابرات والشرطة, ثم يفعلون كما فعل الترابي بالنميري وينقلبون عليهم بعد ان يكونوا قد تمكنوا, وحسناً  فعلوا في الجيش المصري بأنهم لم ينجروا الى هذه الخديعة الاخوانية المعروفة (ديجا فو) كما يقال بالفرنسية والتي اصبحت  تستخدم بكل اللغات العالمية (وها نحن نساهم بادخالها للعربية ).

بعد ذلك حاول الاخوان بأتباع المثال الاستبدادي الفاشل الاخر, وهو مثال الولي الفقيه بإيران السئ السمعة,  لذلك قاموا بدعوة قاسم سليماني  قائد فيلق القدس الارهابي لكي يساعدهم في بناء دولة بوليصية مخاباراتية ارهابية بمصر, لكي ينكلوا بشعبها ويحكموه بالحديد والنار بآوامر الهية تصدر عن الله نفسه. 

وللتدليل على سفاهة الاخوان,  نريد ان نشير هنا الى جدلهم التافه بعد ان اسقطهم الشعب المصري, حيث كانوا يدعون بان مبارك اخذ فرصة مدتها اربعين سنة ونحن نريد فرصة مماثلة… وكآن مدة الاربعين سنة اصبحت تسعيرة لكل مستبد لكي يستعبد الشعب المصري….. كلا يا سادة ,,… فزمن الخنوع والخضوع قد ولى ولن يصبر الشعب بعد الآن ولا حتى شهور, لأنه بفضل ثورة المعلومات, كل شئ اصبح واضحاً, واصبح الشعب يعرف الحكم الرشيد الذي يؤدي الى الازدهار والحضارة من الحكم الرجعي الذي يؤدي للتخلف والدمار. 

مما سبق نستنتج بأنه لم يكن بأي حال من الاحوال عند الاخوان المسلمين اي نية بتطوير مصر, وانما كان هدفهم السيطرة على البلاد وإستعبادها كما فعل اسلافهم. 

المسخ الثاني التي افضت عنه ثورة مصر الثانية هي بروز المؤسسة العسكرية الفاسدة والتي هي من مخلفات نظام مبارك ومن ورائها مؤسسة الأزهر الدينية الفاسدة وضمنوا معهم مؤسسة الكنيسة القبطية الدينية ليكتمل عقد تحالف الدين مع العسكر وهي وصفة كاملة ومثالية للفشل. 

قد يقول قائل بأننا نستعجل الحكم على العسكر, فنحن نقول بأن المكتوب يقرأ من عنوانه,  وابعد ما يستطيع عمله العسكر هو استعادة استنساخ نظام حسني مبارك والاقتصاد الاحتكاري والذي يوزع الاحتكارات على المقربين واصحاب الذوات ويبقى البلد بفقره وتخلفه. 

فالمؤسسة العسكرية المصرية هي جزء من المشكلة الاقتصادية بمصر ولن تكون جزءاً من الحل بأي حال من الاحوال وذلك للأسباب التالية: 

أولاً: تحتكر المؤسسة العسكرية المصرية 40 بالمئة من الاقتصاد المصري وعندما يكون هذا الحجم من الاقتصاد محتكرا من بضعة الاف من الضباط والقسم الاعظم من بقية الاقتصاد محتكرا من قبل اصحاب القوة والذوات, فماذا سيبقى من الاقتصاد المصري لبقية الثمانين مليون مواطن مصري لكي يتطور الاقتصاد وينهض ويزدهر كما نهض في كوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرهما؟؟

علم الاقتصاد يقول عندما تكون هذه النسبة من حجم اي اقتصاد محتكرا فهو يصيب الاقتصاد بمقتل حيث انه يمنع بقية اجزاء الاقتصاد من ان تكون تنافسية بسبب ان المنتجات التي تنتجها الاقتصاديات الاحتكارية مرتفعة الاسعار,  وبالتالي تمنع التنافس الحر عن بقية أجزاء الاقتصاد وتصيبه بمقتل, فتتكون بيئة مثالية للفساد, وبالتالي لانهيار الاقتصاد كما كان هو الحال بعهد مبارك وعهد عائلة الاسد بسورية. 

ثانياً: الجيش مؤسسة كهنوتية ماسونية فاسدة مثل الاخوان المسلمين والأزهر, مع العلم بأن كاتب المقال لا يؤمن بوجود منظمة ماسونية عالمية ينضوي تحت لوائها كل الماسونية العالمية (كما يعتقد انصاف المثقفين من اليساريين العرب), وانما يعتقد الكاتب بأن الماسونية هي صفة تطلق على المؤسسات الفاسدة التي لها اجندة سرية وتسيطر على الحكم وتستبد به, اما مباشرة او من خلال دمى تقوم بايصالهم الى السلطة وتحركهم من خلف الستار.

يقول الكاتب والمفكر المصري الليبرالي نبيل شرف الدين في مقاله المعنون: ” مصر.. من “المعزول”.. إلى المأمول” مخاطباً الاخوان المسلمين:” يجهل هذا الفصيل “كود الجيش المصري”، فهذه المؤسسة منذ عهد محمد علي حتى اليوم تسير بموازاة الدولة العميقة، وهي المؤسسات السيادية كأجهزة الأمن والمخابرات والدبلوماسية والقضائية.

فشل مرسي ومن كانوا ينصحونه أو يوجهونه في التناغم مع هذه المؤسسات، بل ناصبوها العداء صراحة متصورين أنهم باستقطاب وزير أو رئيس أو مدير لهذه المؤسسة أو تلك، فإنه سيقدم فروض الولاء والطاعة لمن عينوه، وفاتهم أن تلك المؤسسات أقوى من قادتها، إذ رسخت فيها تقاليد وأعراف، تجبر قادتها على الإنصات بعناية لقادة الصفين الأول والثاني، فضلا عن القاعدة العريضة، وإلا سيجد نفسه يمضي عكس المنظومة، التي يمكنها أن تهمشه أو حتى تلفظه” انتهى الاقتباس.

من هنا نرى بأن المؤسسة العسكرية هي مؤسسة سيادية شبه مستقلة لها مصالحها الاقتصادية ولها ميزانيتها من خزينة الدولة ودافعي الضرائب, والاكثر من هذا بانها تملك قوة عسكرية تستطيع ان تخيف بها كل من يخرج عن طاعتها, بينما يجب ان تكون المؤسسة العسكرية تحت امرة السلطة المدنية المنتخبة من الشعب لكي تجعل المؤسسة العسكرية مسخرة لخدمة الاقتصاد الوطني بشكل عام, لا لخدمة المصالح الاقتصادية الضيقة للمؤسسة نفسها, وهذا بحد ذاته وصفة للفساد وبيئة لافشال اي خطة اقتصادية تسعى للنهوض بالاقتصاد المصرى كما حدث بالدول المتحضرة؟

أي بالنهاية ما حدث في مصر. من وجهة نظرنا, هو صراع على السلطة  بين المؤسسات الماسونية الكهنوتية القديمة المتمثلة بتحالف الازهر والجيش,  والمؤسسات الكهنوتية القادمة المتمثلة بالاخوان المسلمين بشقيهم السياسي-العسكري والديني, لأن المكان الواحد عادةً لا يتسع الى وحشين ماسونيين, فيتصارعان ويدمر احدهما الاخر, وبعودة الازهر والمؤسسة العسكرية للحكم يكون قد عاد مبارك للحكم وسيتم تجديد نظامه وكأنك يا بوزيد ما غزيت. 

تقول المجلة الاميركية المرموقة “فورين أفيرز” بأن للسيسي اجندة اسلامية عسكرية الطابع ومتشددة, وأن لديه أجندة سياسية راديكالية لمصر تقوم على إعادة طرح المشروع الإسلامي الذي أفسدته جماعة الاخوان المسلمين تحت قيادة عسكرية,  أي ان عبدالفتاح السيسي يسعى لتأسيس نظام يجمع بين العسكرية والمشروع الإسلامي .

ولفتت المجلة ايضاً إلى ان وراء قرار الرئيس المعزول محمد مرسي تعيين الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع خلفا للمشير طنطاوي يعود في جزء كبير منه إلى القرائن والدلائل التي تقول بإن السيسي متعاطف مع المشروع الاسلامي وإنه مسلم تقي اعتاد الاقتباس بآيات من القرأن الكريم في حوارته غير الرسمية وأضافت:”كما على الارجح وجد مرسي في الرسالة الجامعية التي أعدها السيسي في الكلية الحربية التابعة للجيش الأمريكي بولاية بنسلفانيا ما يسره ، حينما أكد السيسي مركزية الدين في عالم السياسية بمنطقة الشرق الاوسط ، معتبرا أن نجاح الديمقراطيات في المنطقة مرهون باحترامها للطبيعة والثقافة الدينية لشعوبها, وتابعت الصحيفة :” إذ تبدو العلمانية من وجهة نظر الجنرال المصري غير محبذة لاغلب الشرق أوسطيين الذين يعد أغلبهم متدين بالفطرة ، منتقدا الحكومات التي تميل لفرض الحكم العلماني كونها تستعدي بذلك قطاع عريض من شعوبها التي تعتقد بأن الدين يجب الا يفصل عن السياسي ورأت المجلة إنه في حال استمر وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في مساعيه لكسب شرعية من خلال الربط بين العسكرية والمشروع الاسلامي فسيؤدي بمصر إلى كارثة لا محالة أقل عقباها ضرب الديمقراطية في مقتل وتعزيز قبضة الجيش على الاقتصاد الوطني.” انتهى الاقتباس.

من هنا نرى بان مصر انتفضت مرتين فنجم عن هذين المخاضين امساخا من خليط بين العسكر والدين والسياسة واحتكار الاقتصاد والاستبداد بأبشع مظاهره  ومكوناته, ولكن الشئ الوحيد الايجابي من هذه الانتفاضات هو ان الشعب قد كسر حاجز الخوف من الالة العسكرية وعرف بأنه هو بنفسه يقرر مصيره وان ثورة المعلومات التكنولوجية علمته بان لا يقبل بأي شئ اقل من ما هو موجود بالدولة المتحضرة وان السيسي سيفشل اذا ما صحت دراستنا حوله كما فشل غيره وسيكون الشعب له بالمرصاد ليس بعد اربعين عاما كما كان مع مبارك وانما مباشرة لان الطريق الذي يؤدي للإزدهار اصبح واضحا.

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 2 Comments

“” بلدية “”

“” بلدية “”

بلاغ

قررت بلدية مصر العزيزة من تنظيف المجتمع المصري — وطرد المحتل الملتحي وغسل ارض مصر بعد التطهير من شراذم المختلين عقليا .

طرحت مصر ام الدنيا مناقصة توريد صابون عطري لغسل وجه مصر المشوه الذي شوهه الاخوان اولاد

. وتقدمت شركات الاجنبية كافة للمشروع ولكن الذي فاز شركة مصرية وطنية اسمها (( اطلع برة يا محتل يا مختل )) . 

وهكذا سنعود لدنيا الابتسامة والطرب

وسوف تعود طيور الغنى الهاربة غدا

بلدية القاهرة

‎هيثم هاشم – مفكر حر؟‎

Posted in ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

أمة ضلت طريقها

الشرق الاوسط: بول كروغمان

ديترويت رمز لتدهور الاقتصاد القديم. إنها ليست مجرد مركز للمنبوذين؛ فقدت المنطقة الحضرية بالكامل سكانا في الفترة ما بين 2000 و2010، بل هي صاحبة أسوأ أداء بين المدن الرئيسة. بالمقارنة، تجسد أتلانتا صعود الحزام الشمسي؛ حيث رحل إليها ما يزيد عن مليون شخص خلال الفترة نفسها؛ ويتماثل أداؤها مع أداء دالاس وهيوستون من دون الحافز الإضافي من النفط.

لكن من ناحية مهمة، يشير ازدهار أتلانتا إلى تدهور ديترويت؛ كلاهما مكان يبدو أن الحلم الأميركي يموت فيه؛ حيث يجد أبناء الفقراء صعوبة بالغة في صعود السلم الاقتصادي. في واقع الأمر، يبدو الحراك الاجتماعي التصاعدي – مدى نجاح الأبناء في تحقيق مكانة اقتصادية اجتماعية أعلى من آبائهم – أقل في أتلانتا منه في ديترويت. وهو أقل بكثير في المدينتين منه في بوسطن أو سان فرانسيسكو، على الرغم من أن معدل النمو في هاتين المدينتين أبطأ بكثير منه في أتلانتا.

إذن، ما المشكلة مع أتلانتا؟ تشير دراسة جديدة إلى أن المدينة ربما تكون مترامية الأطراف بشكل مبالغ فيه، بحيث تصبح فرص العمل بعيدة عن متناول الأشخاص العالقين في الضواحي الخاطئة. ربما يقتل الزحف الحضري العشوائي هوراشيو ألغر.

تأتي الدراسة الجديدة من مشروع تكافؤ الفرص، الذي يترأسه خبراء الاقتصاد بهارفارد وبيركلي. لقد كانت هناك عدة مقارنات للحراك الاجتماعي عبر الدول؛ كشفت تلك الدراسات كافة أنه في هذه الأيام، تملك أميركا، التي ما زالت تعتبر نفسها أرض الفرص، سمات نظام طبقي موروث بصورة تفوق أي دول متقدمة أخرى. يتناول المشروع الجديد مدى تباين الحراك الاجتماعي عبر مدن الولايات المتحدة ويتوصل إلى حقيقة أنه يتفاوت بشكل هائل. ففي سان فرانسيسكو، يملك طفل مولود في أدنى خمس من توزيع الدخل فرصة نسبتها 11 في المائة للصعود إلى أعلى خمس، لكن في أتلانتا، تبلغ النسبة 4 في المائة.

عندما نقب الباحثون عن عوامل ترتبط بالحراك الاجتماعي المنخفض أو المرتفع، اكتشفوا، ربما على نحو مفاجئ، دورا مباشرا محدودا للعرق، أحد العوامل المرشحة المحتملة. ووجدوا ارتباطا كبيرا بالمستوى الحالي من عدم المساواة: «انخفضت معدلات الحراك التصاعدي بالمناطق التي توجد بها طبقة متوسطة أصغر». يتماشى هذا مع ما نجده في المقارنات الدولية، حيث يرتفع مستوى الحراك في المجتمعات المتكافئة نسبيا مثل السويد عن أميركا التي ترتفع فيها نسبة عدم المساواة. لكنهم وجدوا أيضا ارتباطا سلبيا مهما بين الفصل بين السكان – الطبقات الاجتماعية المختلفة تعيش بمعزل عن بعضها البعض – وقدرة الفقراء على الارتقاء بمستوى معيشتهم.

وفي أتلانتا، تبعد الأحياء الفقيرة والغنية عن بعضها البعض نظرا لأنه بالأساس كل شيء بعيد؛ إن أتلانتا هي بؤرة الزحف الحضري العشوائي، إذ إنها ممتدة على رقعة أوسع من أي مدينة أخرى من مدن الحزام الشمسي الرئيسة. وهذا من شأنه أن يجعل عمل نظام نقل عام فعال أمرا شبه مستحيل، حتى وإن كان الساسة على استعداد لدفع مقابله، وهو ما لا يقدرون عليه. نتيجة لذلك، عادة ما يجد العمال المحرومون أنفسهم عالقين؛ ربما تكون هناك وظائف متوفرة بمكان ما؛ ولكن لا يمكنهم الوصول إليها.

إن العلاقة العكسية الواضحة بين الزحف الحضري العشوائي والحراك الاجتماعي تعزز المجال للاستراتيجيات الحضرية «الخاصة بالنمو الذكي»، التي تحاول الترويج للمراكز المدمجة التي لها مدخل لنقل عام. لكنها تثير أيضا جدلا أكبر عما يحدث للمجتمع الأميركي.

أعلم أنني لست الوحيد الذي يقرأ مقال صحيفة «التايمز» عن الدراسة الجديدة وتبادر إلى ذهني على الفور الكاتب ويليام جوليوس ويلسون.

قبل ربع قرن، أشار ويلسون، عالم الاجتماع البارز، إلى أن انتقال الوظائف ما بعد الحرب من مراكز المدينة إلى الضواحي التي توجد بها الأسر الأميركية ذات الأصول الأفريقية، تركز في مراكز المدن هذه، وهو ما كان بمثابة ضربة قاضية، حيث يقضي على الفرص الاقتصادية، مثلما أنهت حركة الحقوق المدنية في نهاية المطاف التمييز الواضح. وأشار أيضا إلى أن ظواهر اجتماعية مثل انتشار الأمهات الوحيدات عادة ما يرد ذكرها كأسباب لتراجع أداء السود، كانت بمثابة تأثيرات فعلية – أي إن الأسرة كان يقوضها غياب الوظائف الجيدة.

في هذه الأيام، تسمع أقل مما اعتدت أن تسمع عن الخلل الاجتماعي المزعوم للأميركيين ذوي الأصول الأفريقية، نظرا لأن الأسر التقليدية قد باتت أكثر ضعفا بين البيض من الطبقة العاملة أيضا. لماذا؟ ارتفاع معدل عدم المساواة والتجويف العام لسوق العمل ربما يكونان عاملين رئيسين مساهمين. لكن الأبحاث الجديدة عن الحراك الاجتماعي تشير إلى أن الزحف الحضري – وليس مجرد تحول الوظائف إلى خارج المدينة، بل بعدها عن متناول الكثير من السكان الأقل ثراء بالضواحي – يلعب دورا أيضا.

مثلما ذكرت، تسهم هذه الملاحظة في إفساح المجال للسياسات التي تساعد الأسر في الحياة من دون امتلاك عدة سيارات. لكنك يجب أن تنظر إلى هذا أيضا في السياق الأكبر لأمة ضلت طريقها، تنصح بتكافؤ الفرص، بينما يقل عدد الوظائف التي توفرها لهؤلاء الذين هم في أمس الحاجة إليها.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

حقائق وردية من وزارة الداخلية

حين قالت وزارة الداخلية امس انه اصبح لزاما علينا مخاطبة المواطنين بالحقائق التالية، كنا نعتقد انها ستعرض صور الذين تم القاء القبض عليهم من الفارين من سجني ابو غريب والتاجي، او ربما ستعرض فيلما وثائقيا عن كيفية هروب السجناء،او انها تحاول طمأنة الشعب بان الامور باتت تحت السيطرة عبر ادلة مقنعة.

واعتقد القارىء المسكين انه سيعثر على ما يطمئنه ويجعله يذهب الى عمله غير خائف على سلامته.

ولأن القارىء مسكين كما قلت مثل كاتب السطور فقد اراد معرفة ماهي هذه الحقائق.

قالت الداخلية حفظها الله من المفخخين والمخترقين:

أولاً: إن البلاد أصبحت في مواجهة حرب معلنة تشنها قوى طائفية دموية تستهدف إغراق البلاد في الفوضى وإعادة إنتاج الحرب الأهلية التي تجاوزها العراقيون بتضحياتهم ووعيهم، مما يستدعي تضامناً كاملاً بين الأجهزة الأمنية والحكومية والمؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية لمواجهة هذه الحرب الشعواء التي تأخذ طابع الإبادة الجماعية.

بالله عليكم هل هناك من جديد في هذه الفقرة، فالحرب معلنة منذ 10 سنوات وما زال اوارها مشتعلا حتى كتابة هذه السطور.

لنقرأ الحقيقة الثانية.

ثانياً: رغم التضحيات الكبيرة والجهود المخلصة التي يبذلها المتفانون في الأجهزة الأمنية، إلا أن ضخامة وسعة الاعتداءات الإرهابية تكشف عن اختراق كبير لجماعات الإرهاب للنسيج الاجتماعي ووجود حواضن بشرية ودعم تتلقاه هذه العصابات على خلفيات طائفية وسياسية، الأمر الذي يستدعي تعبئة شاملة لجهود المواطنين مع الأجهزة الأمنية، فبدون تعاون بناء ومثمر لا يمكن الحد من الاعتداءات الإرهابية بالاقتصار على جهود الأجهزة الأمنية وحدها، كون الأمن بالمفهوم المعاصر هو حصيلة تضامن وطني فعّال ومشاركة بين المجتمع والأجهزة الحكومية المعنية”.

هاهي “الداخلية” تدخل في حرب درس”الانشاء والتعبير”مقابل هذا لابد من القول ان هناك اكثر من مليون ونصف شخص في الاجهزة الامنية،وهذا العدد الضخم كاف ليجعل القاعدة تركع وتعيد حساباتها ،ثم كيف يمكن للمواطن ان يتعاون مع الاجهزة الامنية وهي مخترقة وفاسدة ولاحزم في اتخاذ أي اجراءات بصدد الفاسدين والمرتشين.

اما الحقيقة الثالثة فتقول:

إننا ندعو ونهيب بوسائل الإعلام أن تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية بالكف عن الترويج الإعلامي للإرهاب بدون قصد، إذ إن الإرهاب يستفيد من الصدمات التي تحدثها هجماته إعلامياً وسياسياً لاجتذاب ذوي النزعات العدوانية الطائفية وتغذية الانقسام الاجتماعي.

لو طرحت “الداخلية” الحقائق امام المواطنين بدون لف ودوران لما اضطرت بعض اجهزة الاعلام الى “الترويج” للارهاب بدون قصد، اليس كذلك يا”داخلية”؟

اما الحقيقة الرابعة والاخيرة فتقول:

إن منهج الإرهاب يعتمد على إستراتيجية تفكيك الدول بالفوضى والدمار في المجتمعات لإسقاط مفاهيم الدولة المعاصرة للعودة الى ما يسمونه دولة الخلافة والإمارات الدينية، وفي سبيل ذلك باتوا لا يتورعون عن كل أشكال الجريمة والعدوانية مما يستدعي الحذر والوعي بهذا المخطط والتماسك والتعاون مع السلطات المختصة، إننا في الوقت الذي نؤكد مسؤوليتنا القانونية والمهنية في الدفاع عن أمن الوطن والمواطن ونقدم التضحيات الجسام في سبيل شعور المواطن بالأمان، فإننا ندعو الى تفهم ظروف البلاد الحرجة وندعو القوى السياسية وممثلي الشعب الى دعم الأجهزة الأمنية وإسنادها ودعمها لإكمال الاحتياجات والنواقص الفنية والتقنية لمساعدتها في إداء واجباتها.

تعود “الداخلية” الى نغمة استدعاء الحذر والوعي بهذا المخطط والتماسك والتعاون مع السلطات المختصة.

كيف يمكن ذلك والمواطن لايعرف متى يموت ،هل حين يذهب الى عمله ام العودة منه ام هو نائم في بيته؟.

كان من الافضل ان تجيب “الداخلية” على السؤال العريض الكبير وهو:

كيف تم تجاهل 7 برقيات ارسلت الى الجهات الاستخبارية تنذر بخطر الهجوم على السجنين؟.

فاصل:استغرب اولاد الملحة من إقدام العراق على التعاقد مع الولايات المتحدة لشراء 50 عجلة عسكرية مخصصة للحروب النووية والكيمياوية بقيمة 900 مليون دولار. هذا اللي ناقص.

محمد الرديني (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

وحشية النظام وخفة المعارضة

الشرق الاوسط

ليس هناك اليوم أي شيء عادي أو طبيعي لدى السوريين: نظامهم متوحش إلى الحد الذي يجعله يقاس بمعايير يستحيل أن تكون على علاقة بالإنسان وقيمه. ومعارضتهم منقسمة، متناقضة ومتصارعة، وعاجزة في الوقت نفسه إلى درجة تكاد تخرجها من عالم السياسة، وتجعل من المحتم إدراج ممارساتها في سياقات فوضوية: منظمة وعشوائية، تحول انقساماتها إلى هدف قائم بذاته، وقبوله إلى شكل توافقها الوحيد المعترف به في ساحة عملها العام. أما جيشهم الرسمي فقد أثبت أنه أشد فتكا وبطشا من أي جيش احتلال مر على أي بلد في عالمنا القديم والحديث: من أيام الفرس والرومان إلى أيام التتار، إلى أيام الغزو الأوروبي وصولا إلى يومنا هذا. بينما يغرق جيشهم الحر في عجز يبدو معه كمن يتفرج دون انفعال على الأحداث، دون أن يفعل شيئا لمواجهتها أو يبدي أي رغبة في القيام بخطى استباقية تحول دون نجاح خطط النظام، بما في ذلك تلك التي يعلن أربابه عنها بكل صراحة. ومع أن هذا الجيش قد يستفيق من حين لآخر، فإن استفاقته تكون غالبا وقتية لا تكفي لاتخاذ تدابير فاعلة تمليها ضرورات الصراع مع النظام المتوحش، لذلك يشعر مقاتلوه بالغضب، وحجتهم أن قياداتهم لا تحسن التصرف ولا تعرف إلى أين تتجه الأمور، فهي تتحدث على اليسار وتوزع ما لديها من سلاح وذخيرة على اليمين أو بالعكس، وتسكت عن تجاوزات خطيرة وكثيرة هنا وهناك، فلا عجب إن تململ الشعب في الآونة الأخيرة من مواقفها وسياساتها، خاصة بعد أن طورت آلية عمل جعلتها أشبه بأمانة مستودع منها بقيادات جيش ثوري مقاتل، ونافست التزاماتها ومواقفها في الخفة وعدم الجدية التزامات ومواقف المعارضة السياسية، مع الفارق الكبير بين نتائج الخفتين، التي تفوق في حال الجيش ما يترتب من ضرر على الخفة السياسية. بينما شعبها حائر لا يفهم ما الذي جعل ثورة أطلقها من أجل حرية ووحدة المجتمع والدولة واستقلال الوطن تنقلب إلى فوضى متزايدة الاتساع، وسعار طائفي لا كوابح له، ومذهبية تأكل الأخضر واليابس، يدفع المواطن ثمنها من دمائه ودموعه. ويزيد من حيرة الشعب أن ما آلت إليه الثورة كان من أهداف النظام، وأنه تم على أيدي أطراف معارضة زعمت طيلة عقود أنها ثائرة، وها هي تباغته بعملها المنظم طيلة عامين ونصف لملاقاته في منتصف الطريق، كأنه هو الذي يرسم خطاها، أو كأنها تتبع سياساته وتتعهد بتنفيذها!

يمثل التناقض بين وحشية النظام في التعامل مع الثورة، وخفة المعارضة في التعاطي مع هذه الوحشية هوة كانت ستبتلع بكل تأكيد البلاد والعباد، لو أن الشعب لم يقدم تضحيات تجل عن أي وصف وتفوق أي شيء كان منتظرا منه. فهل الثورة هي التي كشفت هذا التناقض، مع أنه كان ظاهرا بجلاء قبلها، لكن معظم السوريين تجاهلوه خشية وحشية القمع السلطوي، الذي كان الناس يخافون التعرض لما بلغه من استفحال مريع؟ مهما كان الجواب، فإن نتيجة هذا الوضع تتجلى اليوم في حقائق خطيرة منها أن جميع المعارضين يعلنون عزمهم على التخلص من الخفة التي تسم سياساتهم، لكن أيا منهم لا يبادر إلى اتخاذ ما يلزم من خطوات عملية للتخلص منها، رغم أنه لا يوجد بين أحزابهم حزب أو شخص أو تجمع واحد لا يدعي امتلاك حلول جاهزة تستطيع وضع حد نهائي لها!

سيتأرجح حالنا الراهن إلى إشعار آخر على حبال التناقض الصارخ بين وحشية النظام في تصديه للثورة وخفة المعارضة في قيادتها ومواجهة جيش السلطة. هذا التناقض ليس اليوم، ولم يكن بالأمس، أمرا عارضا أو ثانويا، بل هو نتاج استبداد قتل الشعب طيلة خمسين عاما، ومعارضة هشة قوض القمع المنظم عافيتها ودمر قدراتها وأفقدها الشجاعة وحسن التدبير والتفكير، تقف عاجزة منذ عامين ونصف عن فعل أي شيء مفصلي وحاسم بوسعه إخراج الثورة من عثارها والإفادة من تضحيات شعبها، وتجنب الفخاخ التي يضعها النظام في طريقه، ورسم سياسات تقضي على هوامش المناورة التي تعينه على البقاء، وتعزز تفوق ثورة الحرية الاستراتيجي عليه.

هل هناك ما هو أخطر من تناقض يعاني منه الجميع، ويقرون بوجوده، ويبدون الخوف من نتائجه، لكنهم لا يبادرون إلى العمل كجسم واحد لردم ما يحدثه من هوة في الواقع السياسي والعسكري بين نظام يخطط ويقتل بوحشية ومعارضة تتخبط بين الخفة والعجز؟

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

أمسحي عن وجنتيك الدمع وهللي .. مهداة للشاعرة المصرية نور عبدألله

لك ياسيدتي نور أقولft7

إمسحي عن وجنتيك الدمع وهللي

فمصركم أم الدنيا هى صدقيني

فإن زالت الدنيا فمصركم لن تزول

فهذا وعد الرب لها وهو من سيحفضها

من كل ألأشرار والخونة والفلول

فأنتم خيرا أمة وأجناد وأصول

فقلد لقنتم من يستحقون الدرس درسا

حتي غدو سكرى دون شراب أو كحول

***

فلك أقول ياسيدتي

أمسحي الدمع عن وجنتيك وهللي

لأن زمن التهريج بالدجل قد ولى

كما ولى زمن الضحك على الذقون والعقول

فغدا ستشرق في مصر شمسا جديدة

هى الحب والحرية والشهد العسول

فمن يسكت عن الحق شيطان أخرس

إبن زنا هو أو من نسل المغول

فمن يموت في حبك يامصر شهيد

شهيد رغم أنف الخرفان والعجول

***

سرسبيندار السندي (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment