الاشتراكيون في حوار مع الاستاذ رياض الشقفة

كلنا شركاء

في احدى الفضائيات وفي رد على سؤال حول شكل الدولة السورية في نظر الاخوان المسلمين أجاب الاستاذ رياض الشقفة

( هي دولة مدنية بمرجعية اسلامية ).

توقفنا عند هذا الجواب لما فيه من غموض يسمح بتفسيرات مختلفة تدعو للشك حيث كانت الساحة السياسية السوريةدائما

محكومة في علاقتها بالاخوان بعامل عدم الثقة بتعهداتهم .

في هذا المجال لابد من تفصيل قد يتسع له صدر الاخ رياض وهو اصلا من عائلة محترمة ومحافظة في مدينة حماة وكان اغلب افرادها وشبابها وما زالوا في تنظيم وتيار الاشتراكين العرب.

بعد وفاة الرئيس حافظ الاسد حمل الينا الاستاذ منصور الاطرش مبادرة المرشد العام للاخوان المسلمين في سورية

الاستاذ البينوني وطلب راي حركتنا بها.

المبادرة تقول ( ان الاخوان ينبذون العنف ويقبلون العمل بالوسائل السياسية وبمبدأ تداول السلطة ولا يعتبرون الرئيس

بشار الاسد مسؤولا عن الماضي ).

الاساذ الاطرش كان ميالا الى عدم تصديقهم لانهم ينكثون بتعهداتهم اذا توفر لهم ظرف مناسب .

من ناحيتنا كان جوابنا ايجابيا واعتبرنا المبادرة عملا شجاعا يمثل تطورا معتدلا وجديدا يجب تشجيعه وقد يساعدنا جميعا في جهودنا لتحقيق مصالحة وطنية تبدد المخاوف من حرب طائفية وكنا أميل الى تصديقهم لان الاستاذ البينوني يمثل الجناح المعتدل الذي لم يشارك في العنف ولا يريد تكراره . وقلنا لا بد من اعطاء فرصة لهذا التوجه لا ان نرفضه .

مبادرة الاستاذ البينوني لم تتحدث عن مرجعية دينية بل عن العمل بالوسائل السياسية وبمبدأ تداول السلطة في حين ذهب الاساذ رياض بعيدا عن المرجعية الانتخابية الى مرجعية دينية لم ترد في تعهد الاستاذ البينوني. وهذا يعكس مجددا عودة

جناح الطليعة العنيف والذي كان وراء احداث 1982 في حماة الى قيادة الجماعة .

اذا كانت عبارة دولة مدنية الواردة في حديث الاستاذ رياض تعني دولة غير عسكرية فنحن على وفاق فقد سئمنا حكم العسكر الذين بانقلاباتهم حولوا سورية الى عصر الاستبداد ونشروا الاحكام العرفية لمدة 59 عاما من اصل عمر الدولة السورية البالغ 67 عاما لذلك لابد من ايضاح لمفهوم الدولة المدنية في الديمقراطيات الحديثة لانها تعني انها دولة القانون والمؤسسات والاحزاب والانتخابات وفصل السلطا ت وتداول السلطة عن طريق صناديق الاقتراع لا باي حق مقدس ولا بقوة البندقية لذلك لابد من توضيح لشعار الدولة المدنية في ظروف سمعنا فيها من بعض التيارات رفضا لوجود الاحزاب والبرلمانات والانتخابات .

الامر الثاني في الحديث هو عبارة (مرجعية دينية )وهي عبارة غامضة تحتمل تفسيرات مختلفة ووتتعارض مع ما سبق ان قبل به وطرحه الاخوان وفي التفاصيل ما يدل على التناقض وعدم الالتزام بأي تعهد سياسي وهو الامر المؤسف لانه لا

يساعد ابدا على بداية واقعية لمستقبل العمل السياسي.

في عام 1950 كانت المرجعية الدينية في نظر الشيخ الاستاذ مصطفى السباعي اثناء اعداد دستور 1950 هي(دين رئيس

الدولة الاسلام والشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع ).

في النقاش بين الاستاذ اكرم الحوراني والاستاذ السباعي حول ذلك قال الحوراني ان النص على دين رئيس الدولة الاسلام

غير ضوري لانه تحصيل امر حاصل ما دام 80% من النواب من المسلمين وثانيا لان مثل هذا النص يتعارض مع المادة الدستورية المتفق عليها والمتضمنة ان جميع السوريين متساوون في الحقوق والواجبات

وعن النص على ان الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع قال الحوراني يا استاذ مصطفى هل صدر في سورية منذ الاستقلال حتى الان اي قانون يخالف الشريعة الاسلامية ؟ اجاب الشيخ لا اعتقد ذلك فقال الحوراني بدون اي نص دستوري لا احد يريد مخالفة الشريعة فلماذا اقحام ذلك في الدستور في بلد تعددي واستدرك مقترحا النص التالي ( الشريعة الاسلامية هي مصدر رئيسي من مصادر التشريع) وقال اذا كانت الشريعة مصدرا رئيسيا فهذا يعني عدم جواز مخالفتها من المصادر الاخرى وبالتالي ننتقل من تطبيق الشريعة الى عدم جواز مخالفتها وهذا يكفي ولا يخلق اي

مشاكل في البلد.

الاساذ السباعي وافق على هذا النص وقبل به وظل متمسكا بدين رئيس الدولة الاسلام دون اي تحديد لعبارة الاسلام في ظل وجود طوائف اسلامية عديدة معتبرا ذلك تحصيل حاصل ولكن بنص.وتوافق الرجلان على نص موحد ( دين رئيس الدولة الاسلام والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي من مصادر التشريع )

صدر الدستور السوري بالاجماع وهو يمثل اتفاقا اجتماعيا على العيش المشترك في ظل نظام ديمقراطي برلماني وهو الافضل حتى الان للبلد الذي دمره الاستبداد العسكري .

الان ما يجب فهمه ان سقف المرجعية الذي يمكن توافق كل النسيج عليه هو مرجعية دستور 1950 فاذا كان الاستاذ

الشقفة ي لايريد تجاوز مبادرة الاستاذ البينوني وموافقة الشيخ السباعي في موضوع المرجعية فعليه ان يوضح ذلك صراحة لكي لا يستند اي طرف على غموض النص فيذهب بنا الى وضع تطير معه دولة القانون والمؤسسات وننتقل من استبداد الى آخر ولا تشرق شمس الحرية في بلد قدم مئتي ألف شهيد.

نحن في حركة الاشتراكين العرب نحترم الدين ولكن لا نستخدمه في السياسة وليس واردا ان نلغي حضوره في وجدان الناس لابنص دستوري ولا بالعنف فهل يوضح الاستاذ الشقفة الامر لكي لانقول مرة أخرى ان الجماعة لا تلتزم بتعهداتها وما ان تصل الى السلطة تلقي بتعهداتها في سلة المهملات … هذا هو السؤال .

الامين العام المساعد لحركة الاشتراكين العرب

1-8-2013

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Comments Off on الاشتراكيون في حوار مع الاستاذ رياض الشقفة

الجيش الحر يشعل المعركة تحت أقدام النظام

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

سفاح إسباني في المغرب

الشرق الاوسط

منح الملكة إليزابيث كل سنة ألقابا تكريمية لعدد من المجلين في خدمة المملكة المتحدة وإضاءة سمعتها، اقتصاديين وعمارين وفنانين وكتاب وعلماء وعسكريين وسواهم. لا تعلم إليزابيث الثانية شيئا عن معظم هؤلاء، ولكن هناك هيئة حكومية خاصة ترفع لها التوصيات. أعلن الملك محمد السادس العفو عن 48 شخصا تبين أن بينهم إسبانيا مدانا بـ11 جريمة اغتصاب أطفال. قامت ضجة كبرى فسحب القصر الملكي العفو لكن سفاح الأطفال كان قد صار في إسبانيا.

تبين أن العاهل الإسباني خوان كارلوس هو من طلب من العاهل المغربي ذلك العفو. بديهي أن الملكين لا يعرفان شيئا عن القضية، لكنّ كلا منهما عمل بتوصية حكومته. ما العمل الآن؟ القضية متصاعدة جدا في المغرب ومتوترة قليلا في إسبانيا حيث تختلف المعايير الأخلاقية. وإذا استمر التوتر قد ينعكس على علاقة خاصة جدا بين بلدين جارين، تتضمن غالبا المبادلة الحسنة، وأحيانا نسف قطار مدريد من هنا أو سفاح أطفال من هناك.

اسمحوا لي باقتراح: خوان كارلوس ملك لا يستطيع إقالة حكومته، فليُقِلها البرلمان. والمغرب يقيل حكومته، وتتفق الدولتان على إعادة السفاح إلى سجنه في المغرب، وتعاد محاكمته ويصدر عليه الحكم المناسب للجرائم التي ارتكبها عن سابق تصميم وكررها ودمر حياة 11 طفلا فقط من الذين اشتكوا، ولا أحد يعرف عدد ضحاياه في المغرب أو في إسبانيا.

إن بريطانيا، البلد المتسامح في هذه القضايا، تلاحق المرتكبين حتى الفيتنام. وفي الفيتنام حكم على ذئب بريطاني مماثل بالسجن مدى الحياة. أتابع يوميا الجدل حول السفاح الإسباني، لسببين: الأول ارتباط العفو بتوقيع الملك محمد السادس، وهي جريمة في حقه ارتكبها مسؤول أو مسؤولون، إهمالا وقلة مسؤولية. والثاني ما يشاع عن حريات السياحة في المغرب. الإباحة شيء والاغتصاب شيء آخر. أما اغتصاب الأطفال، صبيانا وبنات، فجريمة نكراء لا يرتكبها الإسبان أو الأوروبيون وحدهم. الذئاب المتوحشة في كل بلد. وما أشيع عن «زيجات» اليافعات السوريات يدخل في باب تجارة الرق وفجور المعاصي وقحة المتلفعين بالذرائع الإنسانية لارتكاب موبقة غير إنسانية.

إذ أتابع الغضب في المغرب أتساءل: لماذا نعفي السفاحين المحليين؟ هل يعقل أن لا شبيه عربيا له في السنوات الأخيرة؟ أم أن ما يرتكبه العربي هفوات وما يرتكبه الأجنبي جريمة؟ إنها مناسبة لإثارة هذا الموضوع في كل بلد عربي وإخراج السفاحين إلى الضوء من أجل إدخالهم إلى عتم السجون. وفي أثناء ذلك أقل ما تستطيع الحكومة الإسبانية فعله هو الاعتذار من المغرب ملكا وشعبا وقضاء وأطفالا. يجب أن يعلم السفاحون المتسلسلون أن الجريمة عقاب لا عفو.

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

«دويلة» تتهيأ لخلافة «دولتين»

الشرق الاوسط

احتفل لبنان في مطلع أغسطس (آب) الجاري بـ«يوم الجيش»، وجرى خلال احتفال رسمي تخريج جيل جديد من الضباط.

في سماء المدرسة الحربية، المطلة على بيروت، حلقت هليكوبترات عسكرية حاملة الأعلام الوطنية. وتحتها في الساحة الكبرى للمدرسة سارت طوابير العرض، وقطع رمزية من الأسلحة والأفواج خلف راياتها، وفي المنصة الرئيسة تابع الاحتفال أركان الدولة من كبار الرسميين.

شكليا كانت «الدولة» حاضرة. 

الرؤساء من شتى الأصناف والمسميات كانوا هناك.. «الحالي» منهم و«الدائم» و«المستقيل» و«المكلف». وربما، على مقربة منهم، كان هناك أيضا رئيس «مقبل»… من يدري؟

حتى الخطاب التقليدي لرئيس الجمهورية ميشال سليمان جاء خطاب رجل دولة حقيقي يعيش هاجس السيادة… الحاضرة مظهرا والمغيبة مضمونا. لكن تداعيات الخطاب، في ضوء مضمونه الجريء حول حصرية السلاح ومفهوم التوافق الوطني ومعنى «الشهادة» – وفق الواقع اللبناني السوري المزري – لم تنتظر طويلا.

ردات الفعل جاءت سريعة، لكن الأهم كان الرسائل الصاروخية وخطاب السيد حسن نصر الله بمناسبة «يوم القدس» وما أثاره من لغط، وكذلك تفاقم أعمال الخطف الطائفي المتبادل، والقصف الجوي السوري للمناطق الحدودية القريبة من بلدة عرسال، وكلها تعكس مدى انهيار الدولة بكل مضامينها.

لبنان اليوم، بمعزل عن عبثية اللبنانيين المزمنة في الهروب من الوقوع، يعيش عدا عكسيا باتجاه الانهيار. إذ ما عادت هناك أي نقاط تلاق وطني… بينما تنهار مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى أمام خلفيات عشائرية – فئوية ونفسيات مريضة وزعامات محلية متخلفة وضيقة الأفق وسقيمة المنطق.

الأمثال أكثر من أن تعد أو تحصى، ولكن أبرزها التعايش العجيب المفروض بالقوة بين «دولة» ضعيفة و«دويلة» قوية. هنا «الدولة» سلاحها مخصص لضمان الأمن الداخلي لا أكثر، لكنه غير مؤهل لقتال العدو، كما لمح بالأمس قائد سابق للجيش اسمه ميشال عون، في سياق تأكيده تأييد احتفاظ حزب الله بسلاحه.

تأييد عون، النائب في البرلمان، تكرارا لوجود سلاح خاص أقوى من سلاح الجيش لا بد أن يثير علامات استفهام في أي بلد يحترم نفسه. ثم إن هذا «السلاح الخاص» غير متاح لجميع اللبنانيين لأن الحزب الذي يملكه حزب ديني، وقراره السياسي والعسكري خارج صلاحيات الدولة اللبنانية المفترض أن يتساوى المواطنون جميعا تحت سقفها… ابتداء من الاستشهاد في سبيل حماية تراب الوطن… وانتهاء بدفع الضرائب والجمارك والحصول على تعويضات البطالة ونهاية الخدمة!

أيضا هذا الجيش، الذي يعد إلى جانب القضاء آخر حصون «الشرعية» الهشة في البلاد، مجبر بحكم ميزان القوى المختل بين «الدولة» و«الدويلة»… على ممارسة المهام الموكلة إليه بانتقائية. فما يتاح له فعله في ضواحي مدينة صيدا وفي محيط عرسال يعجز عن فعله، بل من غير الوارد أن يفعله، في «مربعات أمنية» محظورة عليه بحجة تفرغها لمهام «المقاومة». ولذا لا يكترث ساسة من نوعية عون بكونهم يؤذون صدقية الجيش ويهددون هيبته ويفقدونه ثقة المواطنين بحياديته عندما يفرطون بدعمه كلاميا إبان أو بعد عمليات تتعلق بمناطق جغرافية ومذهبية معين… دون مناطق أخرى.

هذا يجر إلى إثارة نقطة قد لا تهم غير اللبنانيين هي الأزمة التي أثيرت حول تمديد مدة خدمة قائد الجيش ورئيس الأركان.

قبل بضعة أشهر، عندما بلغ اللواء أشرف ريفي قائد قوى الأمن الداخلي (سني من مدينة طرابلس) سن التقاعد أصر تكتل «8 آذار»، المكون من «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) وتوابعه من شراذم وتنظيمات، على رفض تمديد خدمته. وفعلا أحيل ريفي، المحسوب على تيار «المستقبل»، على التقاعد.

ولكن بالأمس مع اقتراب كل من قائد الجيش جان قهوجي (ماروني) ورئيس الأركان وليد سلمان (درزي) من سن التقاعد، ارتبك الوضع وتنادى الجميع للعمل على التمديد لهما. وحقا أيد «الثنائي الشيعي» التمديد في حين جاءت المعارضة الوحيدة من عون.

إلى هذا الحد تبدو الأمور طبيعية بالنسبة لعون الذي كان أصلا ضد التمديد لريفي، ومجددا انسجم مع نفسه فعارض التمديد لقهوجي وسلمان. غير أن باطن الأمور يختلف عن ظاهرها.

في الأصل كان تعيين قادة الأجهزة الأمنية (الجيش والأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة) يرضخ لتفاهمات عريضة تنطلق من تمتع القائد المرشح بترشيح قوي من الزعامة النافذة للطائفة التي ينتمي إليها… ثم تكتمل عملية التعيين بموافقة الآخرين. إلا أن وجود السلاح في يد تنظيم طائفي واحد غير عناصر المعادلة كلها. وبالتالي، بات تيار «المستقبل» الذي يمتلك غالبية التمثيل النيابي السني عاجزا عن فرض مرشحه المفضل أو – كما في حالة ريفي – الدفاع عنه والتمديد له. والأمر نفسه ينطبق على وليد جنبلاط الذي مورس «الفيتو» غير مرة ضد مرشحه المفضل لرئاسة الأركان.

في حالة قهوجي فإنه حظي بترشيح عون – مدعوما من «الثنائي الشيعي» طبعا – ورضا رئيس الجمهورية. ويومذاك كان ثمة مصلحة في تعيين قهوجي وفق حسابات عون… وأطراف مسيحية أخرى. لكن الأمر يختلف الآن في ظل الشلل الكامل للمؤسسات السياسية الذي يتجلى في تعذر تشكيل حكومة، فقد يعني التجديد لقهوجي جعله المرشح المفضل لرئاسة الجمهورية، كما حصل مع سلفه ميشال سليمان قبل بضع سنوات.

هذا الاحتمال مرفوض تماما عند عون الذي يرى أن لديه ثلاثة مرشحين لرئاسة الجمهورية، هم شخصه (مع أنه يقترب من سن الثمانين)، بالإضافة إلى زوجي ابنتيه العميد شامل روكز قائد فوج المغاوير (القوات الخاصة) والوزير جبران باسيل.

عون ما زال يطمع بالرئاسة… ومن أجلها لا يمانع بأي فراغ. أما حزب الله فمشروعه أكبر بكثير، وبعد قتاله في سوريا فإنه الآن عبر التجنيس الطائفي في مناطق بعينها من سوريا… منهمك بضبط رسم خريطة سوريا المقسمة.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

من يفيد من هذا؟

الشرق الاوسط

من الذي يفيد من القتال بين تنظيمات كردية وعربية في مدن وبلدات وقرى سورية عديدة تقع في منطقة الجزيرة؟ وما فائدة إرباك الساحة السياسية والعسكرية الأكثر من مربكة بإعلانات غامضة أثارت قدرا عظيما من البلبلة في نفوس معظم السوريات والسوريين، لن ينجم عنها غير تشويش الساحة بأكثر مما هي مشوشة، خاصة بعد أن أثيرت حولها شبهات جدية نتيجة رفضها من فصائل كردية تنضوي في المجلس الوطني الكردي؟ ومن غير النظام يمكن أن يفيد من قيام تنظيمات تريد نفسها جهادية بقتل واختطاف ضباط وكوادر من الجيش الحر وبقية فئات الشعب والمعارضة، بحجة أن هؤلاء كفرة ومن المحتم أن تفشل الحرب ضد النظام إذا لم يتم تطهير البلاد منهم؟ أخيرا، من الذي يمكن أن يفيد من نقل المعركة ضد النظام إلى صفوف الذين يحاربون ضده من قوى الشعب ومواطني البلاد؟

في أبجديات الوضع السياسي لبلادنا أن حل المشكلات التي أورثنا إياها الاستبداد يتوقف على رحيله، أي أنه رهن بتجميع طاقاتنا وقدراتنا المتنوعة وزجها في المعركة ضده، ليس فقط لأن تناقضنا معه هو التناقض الرئيس الذي يحكم مسار الثورة وحسابات المنخرطين فيها من القوى الشعبية، وإنما كذلك لأن تسريع رحيله بجهودنا الجماعية هو بوابة لا غنى عنها للبدء في حل المشكلات التي وضعنا طيلة نصف قرن في مواجهتها، ومنها المسألة الكردية التي نعي جميعا أن بقاءها دون حل يعني انتفاء الديمقراطية والمساواة والعدالة في سوريا القادمة، وإقامة أشكال جديدة من الاستبداد يعني السكوت على قيامها. فشلنا في تحقيق النقلة التاريخية المطلوبة إلى حكم المواطنة والدولة الديمقراطية وما يترتب عليهما من منجزات مفصلية، مدنية وحضارية، سيعين مصيرنا لعقود وربما لقرون قادمة.

ثمة نتيجتان لما تقدم: أولاهما أن حل المسألة الكردية في ظروف الصراع ضد النظام هو ضرب من الاستحالة، لن يكون غير مغامرة خطيرة العواقب تزيد وضع الثورة إرباكا وتهدد قواها وتعزز الميل إلى زج بعضها في مواجهة بعضها الآخر، عوض قتالها مجتمعة وموحدة ضد النظام. وثانيتهما أن الديمقراطية هي التي ستخلق الشروط الضرورية لحل أي مشكلة تطرح نفسها اليوم علينا، وستؤسس مناخا ملائما لحلها في إطار المساواة والعدالة والأخوة، أما الجري وراء المحال فهو عبث لن يترتب عليه غير الفشل، خاصة إن كانت حسابات بعضنا تقوم على فكرة غير صحيحة ترى أن السلطة والمعارضة ضعيفتان وأن ضعفهما الحالي سانحة ملائمة لتحقيق ما يريدون وجعل تحقيقه غير قابل للإلغاء، علما بأن انتصار النظام سيبطل كل ما سيكون هؤلاء قد حصلوا عليه بقوة الأمر القائم، بينما سيعني انتصار المعارضة إبطاله لصالح حل يلبي متطلبات الديمقراطية ويعبر عنها. بدل أن يضع هؤلاء أيديهم في أيدي بقية القوى الثائرة، يبدو اليوم وكأنهم تخلوا عن القضية المشتركة وشرعوا يلاحقون قضية خاصة، عادلة في جوهرها، لكن حلها على أيديهم لا يحظى بتأييد الكرد ويؤثر سلبيا على عدالة قضيتهم، رغم أنه لن يكون نهائيا في حالتي انتصار الثورة أو النظام.

ليس انخراط دولة العراق والشام الإسلامية في الصراع على سوريا بالأمر المقبول تحت أي ظرف، فكيف إذا كانت لم تجد لها عدوا تقاتله غير الجيش السوري الحر، الذي يقاتل النظام بثبات واقتدار لا يستهان به، ويعلق السوريون آمالهم عليه، لأنهم يرون فيه الأداة التي ستساعدهم على نيل حريتهم، خاصة إن تم إصلاحها وتحويلها إلى جيش وطني حقيقي: منضبط ومتماسك ومهني. والغريب أن الدولة المزعومة بدأت التحرش بالجيش الحر بعد نكسات تعرض لها في مناطق عديدة من وسط سوريا، وفي أعقاب الحصار الذي فرضه النظام على حمص، مما أثار شكوكا قوية ومبررة في حقيقة سياساتها وأظهرها بمظهر جهة ترتبط بالسلطة، التي لا يشك أحد اليوم في أنها اخترقت العديد من التنظيمات الجهادية، وأن بعض قادة هذه التنظيمات يعملون بأوامر من ضباط الأسد، الذين قاموا بتجنيدهم وتدريبهم بعد عام 2003 لإرسالهم إلى العراق.

ليس ولن يكون في قاموس الوطنية السورية التعايش مع دولة أصولية يقودها متطرفون إلى حد الجنون، تحل محل الدولة السورية وتبطل فرص تحويلها إلى دولة لكل الشعب: ديمقراطية ومدنية. ومع أنه لا يوجد وطني سوري يؤيد القتال مع أي طرف يقاوم النظام، فإنه لا يوجد بالمقابل سوري وطني يؤيد انقضاض أغراب على ثورة الحرية، واستيلاءهم على إرادة الشعب الذي قام بها تمهيدا لإقامة نظام استبدادي سيكون أشد شراسة ودموية من النظام الأسدي الذي قدموا مئات آلاف الضحايا كي يتخلصوا منه، ولا يعقل أن يستبدلوا به ما هو أكثر سوءا واستبدادا منه.

يغلط كثيرا من يتوهمون اليوم أنهم يستطيعون لي ذراع الشعب السوري. إنهم لا يغلطون فقط بحق بلادهم، بل كذلك بحق أنفسهم وبحق القضايا التي يدافعون عنها، ولن تصل إلى حلول مرضية قبل قيام النظام الديمقراطي العتيد بجهود جميع السوريين، وفي مقدمتها جهودهم هم أيضا.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

!خطاب ليلة القدر

في هذه الحلقة يتناول نديم ما ورد في الخطاب الأخير لبشار الأسد

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ -4

الفصل الرابع

ما هذيان الهلاوس؟

“الهلوسة: إدراك أو احساس بلا وجود موضوع يُدرك أو يُحس؛ حالات الهلاوس تشكل إحدى المناطق الأكثر أهمية للفكر السقيم”

الطبيب النفسي ييي في كتابه “الهلاوس والهذيان” ص 167.

*******

من بين جميع ميكانيزمات الهذيان، أي الآليات الحاملة له، الهلوسة هي أهمّهن جميعا، للوصول إلى فهم عقلاني لظواهر الخارج عن المألوف. مثل المعجزات وكلّ ما يخرق قوانين الطبيعة او قوانين العقل. عندما يعرف المرؤ أن هذه المعجزات والخوارق، هنّ موجودات فقط في عالم الهلاوس، في عالم الفكر السّقيم، في عالم الدماغ المعطوب، ولا وجود لهنّ في عالم الأعيان المحسوس والملموس.

المهلوس لا يكذب، وهو ليس مُهلوِسا إلاّ لأنّه يعتقد، كلّ الإعتقاد، بأن هلاوسه حقيقة مطلقة، عاشها لحظة بلحظة، رأى صورتها بعينيه وسمع صوتها بأذنيه. وذلك هو مصدر عناده.

عندما يقول نبيّ الإسلام، في سورة النجم، أنّه رأى جبريل بـ: “الأفق الأعلى، ثم دنا فتدنّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى (7، 8، 9، 10، النجم)، فما رآه هو عنده حقيقة مطلقة: “ما كذّب الفؤاد ما رأى”. وهو صادق تماما. لكنّه كما يقول التعريف الطبي النفسي للهلوسة: كانت رؤية لجبريل بلا جبريل يُرى، وكانت سماعا لصوته، من دون وجود صوت يُسمع. المثال التالي يوضح بما فيه الكفاية هلوسة نبيّ الإسلام: “زكريا لطفي إمام، 30 سنة، قتل والده بطلب من هاتف الجنّ. يقول أنّه كان يحب والده (…) وذات ليلة كان جالسا وحده، فسمع هاتف الجنّ يطلب منه قتل والده فارتاع. ذات ليلة قرّر أن ينام في حضن والده، كما كان يفعل ذلك وهو طفل، عسى أن يسمع والدُه صوت هاتف الجنّ الذي يأمره بقتله عسى أن يساعده على التخلص من صوت الهاتف: “ذهبت ذات مرة لأنام في حضن والدي (…) لكنّ الهاتف لم يتركني لعدّة أيام. وكنت أسأل والدي في كل مرّة هل تسمع أحد يتحدّث؟ فينفي. فألتزم الصمت وجاهدت نفسي لعلّ الهاتف يتركني وشأني، لكنّ الصوت ملأ مسامعي (…) فقمت بذبح والدي وفصل رأسه عن جسده”. (القدس العربي، 30/31 مارس 2013).

زكريا كان في حالة نبيّ الإسلام، يسمع صوت هاتف الجنّ، الذي لم يكن موجودا، لذلك لم يسمعه والده وهو في حضنه. لقد كان مثله ضحيّة هلوسة سمعيّة: “بما هي خطأ، يضفي كذبا على عمليّات نفسية ذاتيّة، حقيقة موضوعية”. (نفس المصدر، 172).

لو كان عند نبي الإسلام مصوِّرة أو مسجّلة، لما صوّرت جبريل أو سجّلت صوته. لأنّهما لا وجود موضوعي لهما. بالمثل، لو فتح زكريا مسجّلة، لما سجّلت صوت هاتف الجنّ.

صورة جبريل وصوته وصوت هاتف الجنّ، لم يكن لهم وجود إلاّ في الواقع النفسي لنبيّ الإسلام وزكريا، هذا الواقع الذي تم اسقاطه خارج الذات بسبب تدمير الوعي.

سيتأكّد القارئ من ذلك، عند الإطلاع خلال هذا العرض، على الحالات السريريّة لمهلوسين مرّوا بمستشفيات الأمراض العقلية.

تفكيك ميكانيزم الهلوسة وفهمه، كفيل بتحرير العقل، في أرض الإسلام، من سيطرة الخرافي والإعجازي والخارق للمألوف، المُسترقَّة له حتّى اليوم.

تقول موسوعة طبية نفسية: “الهلوسة أنواع: قد تكون احساسيّة، ذوقيّة وشمّية، سمعية، بصرية، وهما الأكثر أهمية وانتشاراً. الهلاوس البصرية نادرة عند المجانين، الذين تكثر لديهم، في المقابل، الهلاوس السمعية، النادرة عند سليمي العقول. الهلاوس السمعية، يمكن ان تكون بسيطة: ضجيج، أصوات غامضة، أزيز صائت متواصل. الأونيريزم، أو الحلم الهاذي، بين النوم واليقظة، يمثل الشكل الأكثر اكتمالا للهلوسة البصريّة.

(…) الغالب على الهاذي هو الشكوى من هلوسة الكلمات السمعية ـ اللفظية. المقصود هو أصوات تقلق عادة من يكابدون هذيان الإضطهاد. أصوات تُحدّث المريض في الأذن، خلف المهلوس، فوقه (…) في الجو (…)أحياناً أصوات غنائية (…) الإيقاع [= ريتم] متواتر جداً في الهلاوس السمعية المنغمة والمسجوعة؛ تكون الهلاوس أحياناً محادثات مباشرة مع المهلوس.

موضوع المحادثات: يمكن أن يكون ترهات، ألحاناً متكررة شعارات، كما يمكن أن يكون بالعكس خطاباً طويلاً في شكل حوار بين المهلوس وهلاوسه. غالباً ما يكون صدى للفكر والقراءة ونادراً ما يكون للكتابة (…) أو صدى للتعليق على المواقف، وأحياناً صعب الفهم أو غامضاً، أو في لغة غير معروفة، وقد يكون تقديم أخبار ومعلومات للمهلوس. الكلمات قد تكون شتائم أو مدائح أو نصائح. هذه المحادثات تقع في فترات نادرة،في بعض المواقف ليلاً أو نهاراً(…)ويمكن أحياناً أن يبحث عنها المريض بنفسه لتحقيق رغباته.

(…) الهلاوس النفسية، أو الهلاوس الزائفة هن هلاوس بلا صوت مسموع، وشوشات، همسات، مناجاة، إلهامات، أي حديث داخلي، مثل قلبي يحدثني. [الأحاديث القدسية هي من هذا النوع. جميع ما هو بين معكوفين هو من المؤلِّف]

مضمون الهلاوس النفسية اللفظية، لا يختلف عن مضمون الهلاوس السمعية. هن مثلهن مفهومات أحياناً ومتشابهات، أي مغلقات عن الفهم، أحياناً؛ أخبار هاذية.

(…) مجموع هذه الهلاوس السمعية، البصرية والنفسية تشكل الأساسي من ساندروم [= مجموع اعراض مرض] هذيان التأثير أي تسلل الأفكار [= من الله أو الشيطان] للإنسان من خارجه. هذيان التأثير متواتر في هذيانات مستحضري الأرواح، أو هذيانات المس أو الهذيانات الدينية. وقد تكون الهلوسة تلبية لرغبة مكبوتة (…).

الهلوسة ليست ميكانيزم الهذيان الوحيد، فالحدس والتأويل يلعبان فيها أيضاً دوراً كبيراً، فهي المرافق المألوف للهذيان،وحتى الغالب في هذيان الذهان الهلوسي المزمن.

الإشتراكات المتعددة للظواهر الهلوسية: “هذه الظواهر تظهر في أمراض ذهنية عديدة، من النوبة الهذيانية العابرة، إلى الذهان المزمن، ولا يمكن تفسيرها بسبب واحد. أسبابها عديدة: تدمير الوعي وانخفاض درجة اليقظة الذهنية، أي درجة النعاس، وهي اللحظة المناسبة للهلوسة وخاصة للحلم الهاذي [الذي يأتي كفلق الصبح]، هذه اللحظة يمكن أن تستدعي الهلاوس. بالمثل، قد تستدعيها رغبة مكبوتة، أو تسببها إصابة بنيوية عميقة للشخصية النفسية كما في الفصام، ويمكن أيضاً أن تتسبب فيها الخلوة الكاملة [في المغاور والجوامع].

قال طه حسين في الأيام: “وكنت أسمع صوتاً للصمت”. فمن الثابت أن العزل المطلق للفرد، في الظلام، عن سماع أي صوت يستثير عنده الهلاوس (…) يبدو أن غياب الحافز الصوتي ينجر عنه انخفاض في اليقظة،ويفتر نشاط الدماغ فيثير نوعاً من النشاط العصبي المستقل والهلاوس. وقد عُثر في بعض أمراض الفصام على انخفاض النشاط الوظيفي الدماغي.”(1).

ارتباط الهلاوس بالخلوة يفسر حالات المتصوفة،الذين يسكنون وحيدين في زواياهم،وحالات بعض المساجين المعزولين في زنزناتهم،فقد اعترف الصادق المهدي، عندما سجنه الترابي في زنزانة مغطاة بالصفيح في عز الصيف،أنه نجا بفضل الإلهامات الروحية أي الهلاوس الروحية؛كما تفسر حالات ظهور الأشباح في هدأة الليل أو القيلولة،خاصة إذا كان الفرد وحيداً ويعتقد في وجودها.

لنستعرض الآن عيّنات من هلاووس الأنبياء، وحالات سريرية تساعد القارئ على فهم أعمق لتأثير الهلوسة على المهلوس،إلى درجة لا تكاد تُصدق،ممن يجهلون قوة تأثير الهلاوس على الدماغ البشري.

كتب ماكس فبير، يصف هلاوس أنبياء إسرائيل: “يصفون هلاوس بصرية وسمعية،بل وأيضاً إحساسات مختلفة ذوقية شاذة[=الهلاوس الذوقية والشمية]يُخيل إلى النبي أنه يحلق في الجو(…)ويسمعون ضجيجاً وأصواتاً،وكلمات معزولة أو حوارات، غالباً كلمات وتوصيات موجهة إليهم.في هلوساتهم،يرون بروقاً(…)”(2).

أليست هذه هن الهلاوس التي شخصها الطب النفسي في المرضى الذهانيين المهلوسين المعاصرين؟

اشتكى أنبياء إسرائيل من آلام الهلاوس، أو من “بُرحاء الوحي” أي آلامه المبّرحة. وقد رأينا في فقرة “كيف نفهم أنبياء إسرائيل”أن النبي إرميا وصف برحاء الوحي وصفاً دقيقاً: “يهواه نار تأكل قلبي”. إكتوى أنبياء إسرائيل، منذ حوالي 28 قرناً، بهذيانات الوحي وهلاوسه، من دون فهم مدلولهن، بما هن إحساس أو إدراك لما لا يُحس أو لا يُدرك. الهلوسة تختلف عن الوهم؛ الهلوسة إدراك لموجود غير موجود. أما الوهم فتأويل مغلوط لواقع حقيقي. مثلاً الإسراء والمعراج ليس وهماً، كما ظن البعض، بل هن هلاوس وهذيانات المخيلة، التي إبتدعت رحلة خرافية، لعب فيها نبي الإسلام الدور المركزي. فوصل، بقيادة مرشده السياحي جبريل، إلى سدرة المنتهى التي أنكر الشيخ حسن الترابي وجودها. عندئذ تراجع جبريل إلى الوراء مفسحاً الطريق لنبي الإسلام كي يقترب من الله.

كيف حدثت هلوسة الإسراء والمعراج؟

عن ابن هشام : قال النبي بينما كنت في حالة بين النوم واليقظة: “قدم لي جبريل البراق” وهذه هي اللحظة التي تأتي فيها الهذيانات والهلاوس.

فماذا عن هلاوس نبي الإسلام وصلتها الوثيقة بإنتاج القرآن، وبعض الحديث واتخاذ قراراته السياسية خاصة في المدينة؟

الهلاوس السمعية:

*الطب النفسي: قد يكون موضوع المحادثات مع المهلوس: “تقديم أخبار ومعلومات هاذية” للمهلوس.

السيرة والقرآن:حروب نبي الإسلام على اليهود،كانت”أخباراً ومعلومات”هاذية قدمها جبريل لنبي الإسلام!

* الطب النفسي: (…) الهلاوس السمعية، يمكن أن تكون بسيطة مثل ضجيج، أصوات غامضة،أزيز صائت متواصل”.

ـ السيرة:”يقول اين هشام سُئل رسول الله(ص) كيف يأتيك الوحي؟ فقال(ص) يأتيني في مثل صلصلة الجرس “( سيرة ابن هشام الصفحة؟ ).للتذكير مثل صلصلة الجرس = رنين صائت متواصل.

* الطب النفسي:”(…)أصوات تحدث الهاذي في الأذن،خلف المهلوس،فوقه(…)في الجو”، السيرة:”فَقَالَ النَّبِيُّ(ص): ” فَخَرَجْتُ[من غار حراء] ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي وَسَطِ الْجَبَلِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَا جِبْرِيلُ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ لأَنْظُرَ ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍ قَدَمَيْهِ فِي أفق السماء”.” في أفق السماء”= في الجو”.

* الطب النفسي:”(…)الهلاوس تكون أصوات منغمة(…) .

السيرة:كان رسول الله (ص) يطلب من بلال أن يقرأ عليه القرآن، فيقول له بلال كيف أقرأه لك وقد نزل عليك؟ فيقول له: انك تقرأه رطباً كما نزل”،أي مرتلاً،والترتيل غناء مقدس.

* الطب النفسي:”(…) الإيقاع [ريتم]، هو كما يعرفه معجم روبير:”ما يميز الشعر عن النثر”، متواتر جداً في الهلاوس السمعية البصرية المّوقعة والمسجوعة”أسفار الكتاب المقدس العبري في معظمها شعر موقع وموزون؛ والقرآن المكي وجزء من القرآن المدني، آياته منغمة ومسجوعة. إليكم هذه العينات الـ 4 الدّلالة؛

ـ القرآن: سورة التكوير:”إذا الشمس ُكوّرت،وإذا النجوم انكدرت [=اندثرت]،وإذا الجبال ُسّيرت[=بدأت تمشي]، وإذا العِشار عُطّلت[=أي عندما يترك المالكون نياقهم الحبلى في شهرها العاشر مهملة]، وإذا الوحوش ُحشرت،وإذا البحار سُجرت[=احترقت](…)”(الآيات من 1ـ6)؛

ـ القرآن الإنفطار:”إذا السماء انفطرت [= تصدعت] ،وإذا الكواكب أنتثرت[=تبعثرت]،وإذا البحار فُجرّت [= اي عندما تجعل البحار مياهها تتدفق]،وإذا القبور بعثرت(…)،(الأيات من 1 ـ 4)؛

نلاحظ أن البحار سُجرت أي احترقت، في هول نهاية العالم،ولكنها،في الهول ذاته،فجرّت،أي فاضت مياهها في جميع الاتجاهات!فكيف تحترق البحار في آية وتتدفق مياهها في أخرى؟.

ـ القرآن: الزلزلة:”إذا ُزلزلت الأرض زلزالها،وأخرجت الأرض اثقالها،وقال الإنسان ما لها،يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها(…)”(الآيات من 1 ـ 5)

؛

ـ القرآن: المسد:”تبّت يدى أبي لهب وتب،ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب،في جيدها جبل من مسد”(الآيات من 1 ـ 5).

* الطب النفسي: تكون الهلاوس:”أحياناً محادثة مباشرة مع المهلوس”.

ـ القرآن كله حديث مباشر بين جبريل، ونبي الإسلام نفسه. و إليكم عينات من السيرة:” كان النبي في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ (…) أن يكون ابن اسحاق هو الذي لفق حادثة الغار احتمال ضئيل؛ الاحتمالية العالية، هي أن يكون محمد نفسه قد قرأ ذلك اليوم أمثولة الكتاب المفتوح والكتاب ا لمغلق لإشعيا،التي سبق الإستشهاد بها، ثم حلم بها حلماً هاذياً تحول إلى كابوس. مما يرجح ذلك أن محمد كان في الغار يقضي خلوته الشهرية كل عام؛والخلوة،كما رأينا، مولدة للهلاوس؛

اتهم هشام جعيط ابن اسحاق باختلاق أسطورة غار حراء .اتهام مجاني لم يقدم عنه فرضية مقنعة.

(3).

مثال ثاني عن المحادثة المباشرة مع المهلوس:

قتْلُ جميع رجال يهود بني قريظة، كان أيضاً بناء على لقاء مباشر مع جبريل:” يقول الطبري حديث رقم 657:” فَلَمَّا كَانَتِ الظُّهْرُ أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) (…)، مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ ، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ ، فَقَالَ : أَقَدْ وَضَعْتَ السِّلاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ جِبْرِيلُ: مَا وَضَعَتِ الْمَلائِكَةُ السِّلاحَ ، وَمَا رَجَعَتِ الآنَ إِلا عَنْ طَلَبِ الْقَوْمِ ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ يَا مُحَمَّدُ ، بِالسَّيْرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ . وَأَنَا عَامِدٌ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) مُنَادِيًا، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: إِنَّ مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ “(4).

ـ الطب النفسي أو مدائح القرآن: أنظر الفقرة السابقة عن هذيان العظمة.

ـ الطب النفسي نصائح: المزمل: “يا أيها المزمل قم فأنذر، وثيابك فطهر، والرجز [= الأصنام] فاهجر” (الآيات من 1 ـ 3) فقد نصح الله، أي الهلوسة السمعية، نبيه بهجر عبادة الأصنام التي يبدو أنه كان مازال يعبدها حتى نزول الآية، وآيات النصائح للنبي والمؤمنين لا تكاد تُحصى.

*الطب النفسي: “وقد يكون موضوع الهلاوس أحياناً صعب الفهم، أو غامضاً أو في لغة غير معروفة”.

ـ القرآن، بسبب الآيات المتشابهات التي سنحللها بعد قليل، “صعب الفهم وغامض” وأحياناً في لغة غير معروفة حتى قال السيوطي في “الإتقان”: “وقيل متشابه كله” عدا آيات الأحكام، أي صعب الفهم وغامض، وأحياناً في لغة غير معروفة.

* الطب النفسي:”(…)”وقد تكون الهلاوس للتعليق على المواقف”؛

ـ القرآن في معظمه تعليق على مواقف النبي أو المؤمنين أو المشركين أو أهل الكتاب.

* الطب النفسي:”(…)” ويمكن أحياناً أن يبحث المريض بنفسه عن الهلاوس لتحقيق رغباته (…)” ـ القرآن: شرّع نبي الإسلام، عبر هلاوسه، لرغباته الحقيقية المكبوتة والواعية في القرآن: مثل الرغبة في تعديد الزوجات إلى ما لا نهاية. والحال أنه أباح لأمته 4، وفضلاً عن ذلك بشرط العدل المستحيل: “وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة (…) ولن تعدلوا مع النساء ولو حرصتم”، أي أنه في النهاية فرض عليهم الزواج بواحدة كما فعل هو في مكة. لم يكتف بتعديد الزوجات، لأن انفجار شهوته الجنسية القهرية في المدينة، بسبب هذيان الإهتياج، جعلته يرغب في نكاح كل امرأة ترغب فيه في الواقع يرغب هو فيها. تحقيقاً لهذه الرغبة استنزل، بواسطة هلاوسه التي هي في خدمته، آية هبة النساء أنفسهن له وحرّم ذلك على أصحابه وأمته: “يا أيها النبي إنا أحللن لك أزواجك (…) وامرأة مؤمنة، إن وهبت نفسها للنبي، إذا أراد النبي أن يستنكحها، خالصة لك من دون المؤمنين” (الأحزاب، الآية 50).

أدركت عائشة، بحدسها النسائي النافذ، أن الآية لم تنزل عفواً بل أُستنزلت تلبية لرغبة نبي الإسلام النَّكوح؛ فقالت له بدعابة سوداء: “إن ربك يسبقك في هواك”! ما كان بإمكان أم المؤمنين أن تعلم، قبل 14 قرناً من الآن، أن من وظائف الهلوسة، فضلاً عن تطمين مخاوف المهلوس، تلبية رغباته الصريحة أو المكبوتة، الطيبة أو الشريرة. سارع بعض المفسّرين، الذين استشهدوا بعائشة، إلى التأكيذ، وكأنّهم حدسوا بما كانت تريده أمّ المؤمنين، فأكّدوا: قالتها (…) غيرة منها لا تشكيكا في الوحي

بعد نزول الآية، بدأ الواهبات أنفسَهن يتقاطرن على النبي.

لا نعرف كم نكح منهن، لكنه توفي عن 9 أرامل و5 نساء ممنّ وهبن أنفسهن إليه، كما لا نعرف عدد جواري ملك اليمين، التي أباحت له هذياناته وهلاوسه الإستمتاع بهن: “وما ملكت يمينك”. لكن نعرف أن السيرة هي دائماً شحيحة لكل ما يُشتم منه شبهة نقد للنبي!

*الطبّ النفسي: “وقد تكون الهلاوس تحقيقا لرغبة مكبوتة”: الإسلام المدني تحقيق لرغباته التي كبتها في مكّة، من العنف إلى تعديد الزوجات والخليلات إلى ما لا نهاية، إلى التهالك على الغنائم ونسخ جميع الديانات… وباختصار، نسخُ الإسلام المكي كان تحقيقا لرغباته المكبوتة.

حرّم على نفسه العنف ضد الآخر في مكة، مكتفياً بالعنف الفعلي والرمزي ضد الذات؛ فقد كان كلما أراد أصحابه الانتقام من بعض المكيين ردعهم عن ذلك: “ما أُمرت بذلك”. أما في المدينة فحقق رغبته المكبوتة في الانتقام، محللا لنفسه العنف ضد الآخر، التعذيب والقتل. فقد أصبحت الظروف الموضوعية ملائمة لتحقيقها.قتل من؟ قتل الشعراء والأسرى: “ما كان لنبي أن يكون له أسرى (…)” وهكذا قتل بعض أسرى قريش ويهود بني قريظة، بين 700 إلى 900 أسير، كما قتل الشعراء (انظر كتاب: التعذيب في الإسلام، هادي علوي)، وانظر خاصة كتاب ابن تيميه، الذي أحصى فيه، عديد حلات القتل والتعذيب والتمثيل بمن شتموا محمد: “الصارم المسلول على شاتم الرسول”.

إليكم حالات سريرية لمرضى مهلوسين، تساعد القارئ على فهم عمق تأثير الهلاوس على تفكير وسلوك المهلوس:

1 ـ الحالة السريرية الأولى: “حالة هذيان ديني فصامي؛ الإدخال الثاني إلى المستشفى في 1993،كان بعد أن حاول المريض كسر تابوت ممياء في متحف اللوفر.قائلاً أن الله هو الذي أمره بذلك.ذهابه إلى اللوفر كان تنفيذاً وطاعة لأمر إلله المنصوص عليه في القرآن:”إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً لينا”.كما تظهر عليه أيضاً أفكار المس الشيطاني. ولوحظ عليه أنه يؤدي الصلوات بانتظام، لمكافحة “الشيطان الرجيم”؛

“الإدخال الثالث إلى المستشفى كان في 1995، بسبب أفكار هاذية سببها البارانوييد [= هذيان فصامي متهافت] موضوعه ديني،وأيضاً هذيان العظمة او المس. ميكانيزمات الهذيان هن الحدس، التأويل والهلاوس.(…)كما توجد هلاووس سمعية ـ لفظية(أصوت شريرة)،أفكار اضطهاد (…)مع تهديد بالعقاب الداهم.(…)المريض يؤمن كلياً بهذيانه.(…)شخصنا حالته بأنها اضطراب اسكيزو عاطفي. (5).

2 ـ الحالة السريرية الثانية:” هلاوس سمعية دينية؛ فحصنا مريضة تنتمي إلى حركة البانتكوتيسم [حركة بروتستانتية تؤمن بأن الروح القدس، الذي تقول الأناجيل أنه نزل على الحواريين وعلمهم جميع لغات العالم مازال فعلاً حتى اليوم]وتزعم بأنها تتحدث جميع اللغات تحت تأثير الروح القدس.

(…) كانت تبدو عليها هلاوس سمعية موضوعها ديني.(…)وتشعر أنها في حالة اكستاز،كانت تركع وتسمع الروح القدس يتحدث إليها،وكانت تصلي مرددة جارغونوفازي،لغة لا تُفهم.رغم أعراضها المرضية الواضحة، نجحت في التأثير بقوة في جاراتها”(6).

معروف في الطب النفسي أن أمراض الذهانيين الهذاة تَعدي أفراد محيطهم،الذين يتأثرون بهم غالباً تأثراً أعمى.وهذه حالة جميع الأنبياء تقريباً. بهذيان التأثير استطاعت الحركة الإنجيلية أن تدخل فيها في وقت قصير،من المسلمين أكثر مما أدخلت منهم الكنيسة الكاثوليكية في قرنين،كما كتب اوليفي روا!.

نجد كثيراً من الهذاة،وخاصة هُذاة البارانويا،يؤثرون في محيطهم كحالة صدام حسين، الذي أثر في حاشيته، فلم يفكر أحد منهم في التنكر له أمام المحكمة ، بل أشادوا به.تماماً كجارات المريضة المذكورة وكذلك كانت حالة حاشية هتلر وستالين وماو وبول بوط!:”هذيان البارانويا، هو هذيان منطقي، لأنه ينطلق دائماً من الواقع،التأويلات فيه تمتلك طابعاً قابلاً للتصديق،إلى درجة ان هذيان البارانويا،تشاطره غالباً حاشية المريض.وهذا ما يُسمَى الهذيان بين إثنين أو أكثر” (طب نفس الطالب ص 141).

عدوى المجنون لمحيطه، يسميها الطب النفسي “الجنون بين إثنين”، تصديق الحاشية السريع لجنون المجنون متواتر، خاصة إذا كان نبيّا كاريزمائي أو طاغية يرمز للأب القاسي والخاصي، المرغوب والمرهوب في الوقت ذاته. مثل هؤلاء الأشخاص، هم عادة سريعوا التصديق، يعتقدون أكثر مما يفكرون. لأنهم في حاجة نفسية ماسة لكل ما يطمئنهم ويسكّن قلقهم ويكونون منذ الطفولة قد تعوّدوا على تصديق الابوين الأعمى. لذلك يصدقون كل تأكيد أو واقعة دونما حاجة للبرهنة الموضوعية المقبولة على صحتها. حسب رواية السيرة أبو بكر لُقب بالصديق لسرعة تصديقة لكل ما يسمعه من النبي؛ والحال أن عمر، كما قدمته السيرة، كان كثيراً ما يعارض النبي عندما لا يجده مقنعاً.

3 ـ الحالة السريرية الثالثة،نبيه فصامية:”الآنسة أ…،20 عاماً مصابة بفصام مع هلاوس سمعية، وأفكار هاذية،توقفت عن العمل وحاولت الانتحار مراراً.لم تكن أبداً عملياً متدينة ولا مؤمنة بشكل خاص.خلال حالتها المرضية، تسمع إبراهيم الخليل يتحدث إليها،ثم تسمع الله يكلمها.ليقول لها انها “المهدي الجديد”،وأنها “المظهر البشري لله”.وتصرح بصوت رتيب:”كل ما أفعله أو أقوله،الله هو الذي يفعله أو يقوله…”. إبراهيم أسرّ إليها بأنها خادمته،موسى أعلمها بأنها”تعلمه التواضع”.صرح لها الله بأنه: “جعلها تتألم لغسل المظالم البشرية”ويُظهر لها”أشياء مخجلة”ليجعلها ترى الحياة الخاطئة…”.

ما إن شُفيت من هذا العارض المرضي،حتى استعادت المريضة كل فكرها النقدي،وتبتسم كلما تذكرت تصريحاتها السابقة،قائلة: كل هذا لم يكن له أي معنى،معتبرة نفسها ملحدة منذ زمن بعيد”.

(7).

4 ـ الحالة السريرية الرابعة،هذيان ديني:”الآنسة ب…،قُبلت في المستشفى إثر حادث في كنيسة حيث زعمت أنها كانت موضوع معجزة إلاهية.تحدثت بذلك إلى القس الذي أرسلها فوراً إلى الطوائ المختصة.فقد شاهدت هالة من النور فوق رأس تمثال العذراء،وتعتقد أن العذراء المقدسة قد ظهرت لها.وتعتقد بأن الله شفاها بمعجزة.وفضلاً عن ذلك،فهي تعتقد بأنها كانت قديماً حبلى بجنين خلصها الله منه،عند تعميدها في حوض اللورد [= ماء مقدس يقصده الحجيج في فرنسا].كل محاولاتنا لإقناعها بعكس معتقداتها ذهبت أدراج الرياح، واصطدمت بجدار قناعتها الهاذية،المريضة مُصرة بأنها شُفيت بمعجزة.إذا لم نؤمن بذلك (…) فنحن ضحايا وهم (…) واقع أنها مرت بأفكار هاذية، وبحالة انهيارية عصبية أثارت عندها هذيان اهتياجي مفرط .ُعولجت بالأدوية،مع تدّخل مرشد المستشفى، الذي أرادت لقاءه سمح بتهدئة قناعتها.” (8).

جدير بالملاحظة، أن القس أرسلها فوراً إلى الطوارئ المختصة بالأمراض النفسية؛ولم يفكر في تدخل الشيطان أو الله في مرضها،كما هو الحال غالباً في ارض الإسلام!.

5 ـ الحالة السريرية الخامسة، هلوسة بصرية ـ سمعية فصامية هاذية: “بعد الموت المفاجئ لطفلها أثناء حادث مرور،واصلت مريضة فصامية حياتها وكأن شيئاً لم يكن.لم تشعر بأي ألم (…).واصلت التحدث إلى ابنها وتقديم وجبات طعامه اليومية له كالمعتاد (…) وهكذا أنكرت الحادث (حادث الطريق وموت ابنها).

إنه إنكار جزء من الواقع لا يحتمل،وثانياً أنكرت الألم الذي يمكن أن تشعر به أم لفقد ابنها…إنه رفض للمشاعر الإكتئابية والحزن (…) المريضة،بعد انكارها للواقع الواقعي، خلقت واقعاً جديداً أكثر احتمالاً :هو ان ابنها هو هنا وقريباً منها،حياً يرزق.هذا الواقع الجديد مؤلف من هذيان ومن هلاوس [= أنها تراه وتسمعه قريباً منها]”(9).

ما هو الدرس الذي ينبغي استخلاصه من الهذيان والهلاوس؟

أن عالم الهذيان والهلاوس، يجعل الأنبياء والمتصوفة وغيرهم من المرضى نفسياً،ينكرون الواقع الماثل أمامهم، من أجل واقع تخييلي أستدعته غالباً رغباتهم.واقع لا وجود له في عالم الأعيان،لكنه موجود بقوة في عالم الأذهان: عالم الهذيان والهلاوس. يفعلون كل ذلك دونما أدنى نية احتيال، أو تضليل.المهلوسون مرضى وليسوا محتالين أو مضللين إلا نادراً. وعندئذ يكون مجرد مدعي للهلوسة والهذيان وتنكشف غالباً بسرعة.

غداة عودة خميني من فرنسا إلى إيران، اعترت الإيرانيين حالة هستيرية جماعية، وصفها مراسل اليومية الفرنسية لوموند: شاهد 36 مليون إيراني صورة خميني على وجه القمر، فقط نحن المراسلين الأجانب لم نشاهدها!طبعاً الهلاوس لا يشاهدها إلا المهلوس.

عندما يكتب الغزالي في”الإحياء”أنه توضأ للظهر في بغداد، وصلى العصر في مكة،وهو ما يسميه المتصوفة”طي المسافات”؛فأول ما ينبغي أن يتبادر للذهن ليس تكذيبه؛بالمثل،عندما يؤكد ابن عربي في”فتوحاته”بأنه:”رابع أربعة يحملون عرش الله”على أكتافهم،فمن الجهل بتأثير الهذيان و الهلاووس تكذبيه.

بالمناسبة “الفتوحات المكية”، التي ُتقرأ عادة كما لو كانت كتاباً مألوفاً، هي وحي، أي هلاوس سمعية وبصرية هاذية كتبها ابن عربي، وهو في حالة وجد صوفي مكثف، عندما كان يطوف بالكعبة مسجلاً بكل أمانة، كل ما كانت تمليه عليه هلاوسه. أنبياء الفتوحات، لم يكن يتحدث عنهم ،بل كان يتحدث معهم، ومن بينهم جميعاً تماهى مع هود وأحبه .لقد أعاد ابن عربي في مكة كتابة القرآن المكي الذي، هو أيضا، أملته الهلاوس والهذيانات على نبي الإسلام؛ عندما يؤكد بولص الرسول بأنه التقى بالمسيح، الذي لم يلتق به في حياته، فآخر ما يمكن أن يفكر فيه ملحد مستنير، بعلوم النفس، هو تكذيبه؛ وعندما يتحدث نبي الإسلام، حسب السيرة،عن لقاءاته مع جبريل،فهو كان يروي بصدق هلوسة بصرية،أرته الموجود الوهمي:جبريل؛عندما نقرأ عن الظواهر الخارجة عن المألوف،كالمعجزات وكرامات الأولياء والمتصوفة، وحكايات المحتضرين، الذين أعادهم الطب إلى الحياة ،وكانت روحهم جاثمة في سقف غرفة الإنعاش تراقب عملية”إعادتهم إلى الحياة”! ،فأول ما ينبغي التفكير فيه هو أنها هلوسات فصامية هاذية، وليس التكذيب الفج؛ في سن 4 أو 5 ،كلفتني أمي كالعادة بحمل خبز غداء أبي، الذي كان يحرث على بعد كيلومتر تقريباً،عندما وصلت إلى صخرة،مازلت أذكر حجمها وموقعها جيدا، حملتني “عجاجة”[=هبة ريح قوية] رفعتني فوق الصخرة ثم أنزلتني برفق؛عندما حكيتها لأمي،المسكونة بالخرافي من أم رأسها إلى أخمص قدميها،سارعت إلى القول:أعمامك الصالحين[عمُايا وعمتي كانوا فصاميين، عمي عباس كان يتجول عارياً] انتزعوك من يد عبيثة [= روح شريرة لقتيل، تعود لتقتل الأبرياء انتقاماً لقتلها]؛ فماذا عسى كانت العجاجة؟قد تكون حلماً،فالطفل في هذه السن، لا يميز بين أضغاث الأحلام و الواقع، أو تكون هلوسة بصرية، خاصة وأني قبل ذلك بشهور نجوت بأعجوبة من إلتهاب الأذن، الذي تحول إلى التهاب السحايا، وهو غالباً ما يتسبب في ظهور الهلاوس، مثلما قد يتسبب فيه ارتجاج الجمجمة.

ملائكة بدر وحنين مثلاً، الذين قاتلوا مع المسلمين بـ “جنود لم يروهم”، هم هلوسة بصرية عاشها محمد، في واقعه النفسي، لكن لم يوجدوا في واقع المعركة.

تماماً مثل هلاوس الأم، التي كانت تحادث ابنها الميت، وتطعمه وتسقيه يومياً! هلوستا بدر وحنين، عن تدخل الله لنصرة المسلمين بجنود لم يروها، أسستا بقوة لا تقاوم، كما هي دائماً قوة الهذيان والهلاوس، لهذيان التدخل الرباني في التاريخ، الذي مازال المسلمون يكابدون عواقبه حتى الساعة! في حرب 73 عادت خرافة مشاركة ملائكة بدر مع الجيش المصري!

القراءة الحرفية الهاذية والهذيان الديني دفعا، منذ عقود قليلة، مهندسين مسلمين في الولايات المتحدة، إلى تأسيس جمعية مرصودة لإحصاء ملائكة بدر بالكمبيوتر، فوجدوا أن عددهم 120 مليون ملاكاً وطالبوا الدول العربية بتجنيدهم لمحاربة إسرائيل!

لقاء جبريل، أو لقاء الله، الذي طالما تحدث عنه الأنبياء والمتصوفة، منذ عشرات القرون إلى اليوم، هو هلاوس سمعية أو بصرية لا وجود لها في الواقع المعيش، ولكنها موجودة بقوة في عالم الهذيانات والهلاوس،المؤثرة بقوة على الفكر والسلوك. المغزى: أن المطلوب علمياً هو فهم الهاذي وتحليل هذياناته وهلاوسه وليس تكذيبه.

ليس في القرآن وصف لكيفية استيلاء الهلاوس على نبي الإسلام. لكن السيرة والأحاديث تقدم حشداً منها؛ أول الهلاوس،لم تظهر في غار حراء، بل قبل إعلان النبوة:”أول النبوة عند رسول الله(ص) هي الرؤيا الصادقة،لا يرى(…)رؤيا في نومة إلا جاءت كفلق الصبح(…)ولم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده(…)وكان(ص)لا يمر بحجر أو شجر إلا وقال:السلام عليك يا رسول الله (…) فيلتفت حوله، وعن يمينه وشماله، وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجر(…)”(10).

رواية السيرة ليست هذه المرّة ميتاتاريخ بل تاريخ؛الطب النفسي عاين سريرياً هذه الهلوسة السمعية،حالة سريرية مشابهة لحالة نبي الإسلام: “يسمع المريض أصواتاً تناديه،فيلتفت خلفه فلا يرى شيئاً” وإليكم هذه الحالة السريرية:”مارينات،لم يعاودها طائف هذيان المرض ثنائي القطب:الإهتياجي ـ الإكتئابي منذ 3 سنوات.لكنها تشعر باستمرار باسمها يُنطق خلفها، حتى وهي وحيدة في غرفتها.هي نسبت هذا الأمر إلى حضور الملاك الذي سمعته يناديها عندما كان عمرها 17 عاماً.لم تنسحب من الحياة الاجتماعية ولم تفشل في دراستها.شُخصت حالتها بأنها سكيزو ـ عاطفية [=اضطرابات هي مزيج من هذيان الإكتئاب وهذيان الفصام]”(11).

تقدم لنا السيرة رواية أخرى عن الهلاوس المحمدية، مرجحة الوقوع: جاء في تفسير السيوطي للآية الأولى والثانية من سورة الفتح: “إن فتحنا لك فتحاُ مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر” (…) أخرج البخاري(…)عن عمر ابن الخطاب قال: كنا مع رسول الله(ص)في سفره، فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد.(…) فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس (…) فسمعت صارخا يصرخ بي، فرجعت (…) فقال النبي(ص): “لقد نزلت علي سورة أحب إليّ من الدنيا وما فيها”.(السيوطي تفسير الآيتين 2،1 من سورة الفتح، جزء 6 ص 57).

ما حدث لمحمد وعمر،حدث أيضاً لعبد الوهاب وشوقي.يروي عبد الوهاب في سيرته الذاتية ـ سمعته يرويها بنفسه في إذاعة الشرق في السنوات 1980 :أول مرة تعرفت فيها على أمير الشعراء،كنت أغني في الأوبيرا فجاءني الحاجب وقال لي:البيه عايزك.دخلت اللوج وسلمت عليه فلم يرد ،خرجت حزيناً وقلت للحاجب:ليه البيه ماكلمنيش.فقال:”ابقى،ابقى البيه جاءته قصيدة”.لحظة نزول الوحي النبوي على محمد والوحي الشعري على شوقي،دخل كل منهما في هلوسة سمعية:دخل نبي الإسلام في مناجاه هامسة مع حبيبه جبريل؛ودخل أمير الشعراء في نجوى هامسة مع حبيبه شيطان الشعر.وهي إحدى الحالات التي عاشها الأنبياء والشعراء على مر العصور؛وكابدها الشعراء الحقيقيون،”أي المجانين”منذ شعراء العصور الغابرة إلى السوريالي ارطو، الذي مات في مستشفى المجانين،والرومانسي الشابي.بالمناسبة، قال في الستينات شقيق الشابي،الأمين الشابي،واصفاً حالة الوحي الشعري خلال النوم عند الشابي:”طلب الأطباء من الشابي التوقف عن كتابة الشعر في مرضه الأخير،ذات يوم كان نائماً وكان جبينه يتفصد عرقاً،فتح عينيه وطلب مني احضار قلم وكراس،قلت له: لكن الأطباء نصحوك بعدم الكتابة،فرد:”هي مكتوبة في رأسي”والقصيدة هي “إرادة الحياة”وهي نيتشويه،من أجمل وأعمق قصائدديوانه الوحيد:”أغاني الحياة”.

وهكذا فالوحي القرآني والشعري ينزل أيضاً خلال الأحلام؛الطب النفسي يدقق خلال:”أحلام اليقظة” أو”الأحلام الهاذية”، عندما يكون النائم في حالة وسط بين النوم واليقظة.

مراجع الفصل الرابع

1 ـ موسوعة لاروس النفسية:مادة هلوسة ص ص 418،419 .

2 ـ ماكس فبير،اليهودية العتيقة،ص ص 362ـ363 .

3 ـ هشام جعيط”السيرة النبوية”.اتهام هشام جعيط ابن اسحاق باختلاق غار حراء،لا يستند إلى أي فرضية تاريخية فضلاً عن أن تكون مقبولة.والحال أن القرائن النفسية والتاريخية تتضافر معاً على احتماليتها العالية.ميل الفصامي”إلى الإنطواء والخلوة ثابت في حالات الفصام”(هانوس،طب نفس الطالب،ص 126).لا لوم على جعيط إذا لم يشخص نفسية محمد،فليس من أهل الإختصاص في ذلك.لكن كيف ينسى هشام جعيط المؤرخ،أن كثيراً من أنبياء إسرائيل كانوا ينامون في المغاور كما تقول التوراة؟وكيف نسي أن النبي يوحنا المعمدان، الذي عمّد المسيح في نهر الأردن وتنبأ له، حسب الرواية المسيحية، بأنه سيكون المهدي المنتظر،كان يعيش في غار؟وكيف نسي أن الفيلسوف الفصامي والرياضي والمنطقي الكبير،فيتجينشتاين،الذي رفض حصته من تركة أبيه،ووزع ثروته على عابري السبيل، كما يفعل كثير من الفصاميين “الكرماء”،قضى حياته في كوخ ريفي معزول بناه بنفسه في إحدى الغابات؟،وكيف نسي اعتكاف الكهنة في الأديرة،في قلب الصحراء احياناً،أو اعتكاف المتصوفة والأولياء في مقاماتهم النائية والمعزولة غالباً مدى الحياة؟هذه الشخصيات العصابية أو الذهانية، ذات شخصية نفسية قلقة ومكتئبة،تحدوها إلى الإعتزال، بعيداً عن ضوضاء الحياة اليومية، لركوب قاطرة أحلام اليقظة في الخلوات، المساعدة على انتاج الهلاوس الضرورية لتطمينهم في خلواتهم.اليوم أيضاً كثير من الروائيين في أوربا يلجأون،عند كتابات رواياتهم طلباً للخلوة،إلى بيوتهم الريفية.

4 ـ تاريخ الطبري ص 101 .

5 ـ انظر أيضاً مختصر سيرة ابن هشام ص 179 .

6 ـ إدوارد ماهيو، هذيانات دينية ص 7 انترنت.

7 ـ الطبيب النفسي مارشِ،في كتابه السحر والأسطورة في الطب النفسي ص 189 (دار نشر ماسون)1977،باريس .

8 ـ نفس المصدر ص 185 .

9 ـ نفس المصدر ص 184 .

10 ـ ج.ل.بيدينيللى وجى جمنار،ذهانات الراشد ص 36 ،دار نشر يونيفرسيتي.

11 ـ مختصر سيرة ابن هشام ص 37 .

12 ـ عش وافهم الإضطرابات الفصامية ص 56 ،دار الليبس باريس 2004.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

حروب «حزب الله» تؤكد هويته العسكرية

سلّم الرئيس حافظ الأسد، على مضض، برغبة إيران في إنشاء حزب طائفي شيعي في لبنان خاص بها. وكعادته، أجرى مداولات سرية طويلة مع زعماء إيرانيين دينيين. ومدنيين. وعسكريين. ومخابراتيين، محاولا إقناعهم بقبول حركة «أمل» حزبا للطائفة تدعمه وتستغله سوريا وإيران معا.

لكن الإيرانيين اعتذروا بلباقة لحليفهم الوحيد في العالم العربي. وأرسلوا مئات من ميليشيا الحرس الثوري إلى بعلبك. وبدأوا فورا بتدريب شباب الشيعة على السلاح والقتال. وكانت مخابرات الخميني المنهمك، بحرب مضنية مع عراق صدام، قد حشدت مسبقا لفيفا طويلا عريضا، من رجال الدين، لتشكيل البنية المذهبية للحزب.

هكذا ولد «حزب الله». وجاء تصميم رمزه من إيران: قبضة مرفوعة ممسكة ببندقية كلاشنيكوف. ولم تكن تلك القبضة سوى للشباب من أصحاب العمائم الذين كانوا من صغار تلامذة الخميني في النجف، عندما كان هاربا من الشاه، إثر قمع ثورته الدينية الأولى (1963). وبين هؤلاء صبحي الطفيلي الذي سيصبح أول أمين عام للحزب. وعباس الموسوي الأمين العام الثاني الذي اغتالته إسرائيل (1992). وحسن نصر الله أمينه الثالث.

في حذره التقليدي، نصح الأسد حلفاءه الإيرانيين، بعدم الإعلان عن ميلاد الحزب (1982). وبالفعل، تأجل الإعلان إلى عام 1985، وذلك بعدما انهمك الحزب فور ميلاده (تحت اسم منظمة «الجهاد») بعمليات انتحارية، روَّعت الأميركيين والفرنسيين الذين ارتكبوا خطأ إنزال قوات برية كبيرة في لبنان، مستغلّين انكفاء القوات الإسرائيلية الغازية إلى الجنوب، إثر تعرضها لعمليات استنزاف.

قتل 240 جندي مارينز أميركيا. و86 مظليا وجنديا فرنسيا، في عمليتين انتحاريتين بسيارات مفخخة اقتحمت قواعد هذه القوات في بيروت (1983). وعندما نسف الحزب مبنى السفارة الأميركية بعملية ثالثة. قتل فيها دبلوماسيون ومدير محطة المخابرات المركزية في المنطقة، آثر الرئيسان رونالد ريغان وفرانسوا ميتران سحب قواتهما.

عدت إلى هذه الخلفية «الماضوية» لحزب الله، لأذكِّر الأوروبيين بأن معاقبتهم «للجناح العسكري» للحزب هي خرافة، كي لا أقول أكذوبة. فلا انفصال بين العسكري والديني، في قيادة الحزب منذ ولادته. وخرافة «الجناح العسكري» هي من فذلكة الدبلوماسية البريطانية، لتمرير العقوبة، بأهون أذى ممكن، قد يلحقه «حزب الله» بالقوات الأوروبية المشاركة في حفظ «السلام» بينه وبين إسرائيل في جنوب لبنان.

صحا الرئيس الأسد من غفوة مرضه ففرك كفيه فرحا. فقد وفَّرت عمليات «حزب الله» عليه وعلى تنظيمه الشيعي في لبنان (حركة أمل) لوم وغضب أميركا وأوروبا اللذين انصبّا على إيران. ومن الباب المُوارِب، لعب الأسد دورين في حرب الرهائن المخابراتية التي ستنشب طيلة الثمانينات: دور المشاركة. أو الوساطة. وقد سجلت المخابرات الإيرانية بواسطة حزبها «الإلهي» نصرا كبيرا على المخابرات الغربية.

أستطيع أن أقول إن لبنان خرج عمليا من دائرة النفوذ الغربي، منذ تأسيس الحزب (1982). وبات على نظامه مداراة إيران وحزبها، وخاصة أن عرب المشرق، بما فيهم اللبنانيون، باتوا متأثرين بثقافة «المقاومة» والعداء للسياسات الغربية التي بثها النظامان الإيراني والسوري.

وأروي هنا بعض التفاصيل عن حرب الرهائن. فقد كان بين ضحاياها مالكوم كير رئيس جامعة بيروت الأميركية (84). والباحث الفرنسي ميشال سورا (86). والعقيد الأميركي الأسود ريتشارد هيجينز العامل في القوات الدولية. أعدم سورا المتزوج سوريةً، لمجرد وضعه كتابا عن الطائفة العلوية. وشنق حزب الله العقيد الأميركي، بعد خطف إسرائيل، في عملية جريئة، قياديين حزبيين (عبد الكريم عبيد ومصطفى ديراني).

وأضيف أن الأسد لم يكن راضيا عن قتل الضابط الأميركي. وحاول إنقاذه هو والقس الإنجيلي البريطاني ثيري ويت الذي أبقاه خاطفوه عاريا بعدما اكتشفوا أن طيات جسده تحتوي على أجهزة اتصال واستقبال دقيقة. ثم أرسل الأسد قوة لطرد طلاب «حزب الله» المعتصمين في الجامعة الأميركية.

سلمت إدارتا ريغان ثم جورج بوش الأول بدور الأسد كشرطي لبنان، في التسعينات. ولم تعترض على تصفية واغتيال زعماء سنة كبار (المفتي حسن خالد والشيخ صبحي الصالح) ورئيسين مارونيين (بشير الجميل ورينيه معوض) في الثمانينات. وبلغ النفوذ السوري قوته وأوجه في التسعينات. عادت القوات السورية من البقاع إلى بيروت. وأنقذت قوات «أمل» من الهزيمة أمام الميليشيا الدرزية. ودخلت ضاحية بيروت الجنوبية (عاصمة دويلة حزب الله) هي والجيش اللبناني. وتم تأديب الحزب في معارك طاحنة، وخاصة بعد اغتيال الشيخ نزار الحلبي الزعيم الروحي لتنظيم «الأحباش» الديني السنّي.

بل كانت جرأة الأسد كبيرة عندما منع إيران بالقوة من السيطرة على مدينة طرابلس، عبر تبنيها لإمارة «التوحيد» الدينية التي أقامها الشيخ «الجهادي» السني سعيد شعبان. وأروي هنا أن أنصار الشيخ غافلوه. فقنصوا. وقتلوا 15 جنديا سوريا. فأطبقت القوات السورية على منطقة التبانة في شمال المدينة. وكانت المجزرة شبيهة بمجازر النظام في سوريا حاليا. ولم يسلم من القتل المدنيون المحاصرون. ولم تجرؤ الصحف على نشر أية تفاصيل. ومات الشيخ شعبان كمدا بعد أعوام قليلة.

كان رهان إيران على «حزب الله» ناجحا. فقد ملأ لصالح إيران الفراغ السياسي والديني الذي خلّفه انسحاب الفلسطينيين من لبنان بعد الغزو الإسرائيلي. وإذا كانت حرب الرهائن نصرا لإيران وحزبها، فقد كانت أيضا مظلة واقية لحرب الأسد على عرفات (حرب المخيمات) في الثمانينات التي قتل فيها ألفا فلسطيني. وجرح أربعة آلاف. وجرت الحرب بالواسطة. فقد استخدم الأسد منظمة «أمل» الحليفة الأولى. وربما لم يعرف زعيمها نبيه بري أن قادة دباباتها السورية (تي – 55) كانوا من الجنود العلويين.

غير أن حربا أخرى سببت متاعب كبيرة للرئيس الأسد. فلم يكن قادرا على إرسال قواته عبر «الخط الأحمر» الإسرائيلي، لوقف الحرب الشيعية / الشيعية في الجنوب، بين حركة «أمل» الحليفة له، و«حزب الله». جرت تلك الحرب الشقية على مراحل. فقتل وجرح ألوف المدنيين الشيعة. ولم تجرؤ الصحف أيضا على ذكر أية تفاصيل. وكان الجانبان ينقضان الاتفاقات الموقعة. وأخيرا، كان بالإمكان وقفها (1989) بعد أربع سنوات من نشوبها.

ولا تخلو مأساة الحروب اللبنانية من طرافة التناقضات! فقد تحالفت قوات «فتح» مع قوات «أمل»، بعد اقتتالهما في حرب المخيمات، وذلك في معارك إقليم التفاح الجنوبي بين «أمل» و«حزب الله». فلم يكن الفلسطينيون راغبين في سيطرة الحزب على الجنوب، ويعتبرون التعامل مع «أمل» أكثر سهولة ومرونة. غير أن الحزب أنهى حرب الأشقاء بالسيطرة تماما على الجنوب، لكن سُمح لـ«أمل» بدخول ضاحية بيروت الجنوبية التي يعتبرها عاصمة لدويلته.

تسارع أوروبا لتقديم الاعتذار تلو الاعتذار لـ«حزب الله» على إدراج «جناحه» العسكري (الذي لا ينفصل عن جناحه السياسي) في لائحة الإرهاب. الحزب يعرف أن تورطه في الحرب السورية بات شديد الوطأة على سمعته وعلاقاته الدولية. 

في الثلاثاء المقبل، أواصل مع أوروبا رحلة التنقيب والبحث عن الجناح العسكري للحزب. وأقف عند شخصية حسن نصر الله. كيف أزاح حسن نصر الله من طريقه منافسه الشيخ صبحي الطفيلي؟ وكيف حيَّد عمامة الراحل من حسين فضل الله؟ وهل كان فضل الله زعيما روحيا فقط للحزب؟ أم تقمصته روح الجناح العسكري المفقود؟

نقلاً عن “الشرق الأوسط” الدولية

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الأيادي العابثة

سوزان سامي جميل 

 في قضايا الفساد كافة، هناك يد تخطط وأخرى تنفذ وثالثة تلتزم الصمت في مقابل ثمن ما أو بسبب رادع الخوف أو لعدم الاكتراث طالما لن يمسها الضرر، وهذه الأيادي كلها ملوثة ومتهمة بالفساد مئة بالمئة، لكن اليد الأكثر فساداً وسوءاً واستحقاقاً للقطع هي تلك المحرِّضة وهي يد تعرف تفاصيل الفساد جيداً لكنها تكتفي بتوثيقها لاستخدامها فيما بعد ضد أولئك المفسدين وذلك في لعبة سياسية قذرة على حساب الشعب ومصالحه! الأسئلة التي تتبادر إلى أذهاننا وبإلحاح هي: من هم أصحاب تلكم الأيادي العابثة؟ وكيف نتخلص من عبثهم وقذارتهم؟ ولماذا هم كثر في دول الشرق الأوسط؟

كم من عمليات فساد بهذا التكتيك تم كشف الغطاء عنها ثم إعادته عليها كأن شيئاً لم يكن! في دول كثيرة وخاصة الشرق الأوسطية منها تنكشف عملية الفساد على يد بعض الشرفاء ثم يتم التغاضي عنها على يد آخرين لاشرفاء، ويمر الزمن دون أي تحرّك حقيقي من قبل القضاء أو الحكومة وهكذا…. حتى ينساها أو يتناساها الشعب، وإذا حدث وانتبه أحد المخلصين للحيلة السياسية وبدأ ينبش في قبور تلك الخفايا فإنه يتعرض للعقوبة الحتمية لتكميم الأفواه سواء بمفخخة أو كاتم صوت أو غيرها من وسائل القتل والاغتيالات المعروفة وكثيرة هي الأمثلة في العراق ( تكساس الثانية).

إن الكشف عن الفساد ليس في مصلحة المفسدين ولا الحكومة ولا الشعب؛ فالمفسدين اذا انكشف أمرهم سيخسرون الغنيمة والمصداقية وسيواجهون العقوبة والمحاكمة، أما الحكومة فسوف يفتضح أمرها فأفرادها غالياً مايكونوا شركاء شرعيين في الفساد إضافة إلى امتداد الدعوة الشعبية لفتح الملفات الباقية والتي قد تكون أشدّ خطورة من سابقتها! أما الشعب المسكين فسيكون هو الضحية الكبرى حيث سيفتح على نفسه أبواب جهنم اذا أعلن معرفته بالفساد وممارسيه، إذْ كلما تم الكشف عن أحد اللصوص وكالمعتاد يزداد البلد احتراقاً وتشويهاً وتفجيراً ويستمر النزيف بالتدفق ربما بكميات أكبر وكأن الشعب هو المسؤول عن فساد المسؤولين وعبثيتهم، ويبقى يدفع لوحده ثمن انتقام المسؤولين وأحقادهم تجاه بعضهم، لكن مهلاً، أليس الشعب مسؤولاً فعلاً عن ما يجري له؟ فإن كان في الحالتين كبش فداء للفساد وتُزهق أرواح أفراده مجاناً بسبب ذلك، فلماذا السكوت إذن؟ مادام دمهُ المسفوح هو النتيجة الدائمة إذن فليثور ويتكلم ويعرض المفسدين للمحاكمة ومرحباً بالطوفان.

الخراب قائمٌ حتى في حالة القبض على بعض المفسدين لأنهم يتكاثرون ويتوالدون بسرعة قصوى كالأميبيا وأذرعهم اخطبوتية طويلة جداً تصل لحدود لا علم لغير الله بها ثم أن الجهات المستفيدة والمشتركة في الفساد كثيرة وكبيرة ومتشعبة وهي تحيط بالوطن من كل جهاته ويباركها بعض اللاشرفاء من أبناء الوطن نفسه!!

الدول المجاورة تعمل بجدية للمحافظة على مسلسلات الدم العراقي الرخيص المنثور دون توقف، وهي تتلذذ بمشاهدة صور الدمار اللامنتهي، فذوو العلاقة وبإسم المذاهب والأديان يدعون المستفيدين أولاً والمتطرفين ثانية وسهلي الانقياد عديمي الشخصية ثالثة ليلعبوا دوراً رئيسياً في حصانة عروش ذوي العلاقة وكروشهم ومصالحهم السلطوية في البلد بشكل مباشر أو غير مباشر، فتجد بعد كل خلاف بين الاحزاب أو الكتل السياسية يبدأ مسلسل قصير أو طويل للذبح البشري المفخخ ليتوقف لفترة ثم يتأجج حسب متطلبات المرحلة والمناسبة.

الغرب بصورة عامة لا يعبأ بجدية بمجريات الوضع السياسي المتداعي للشعوب الشرق أوسطية تحديداً لأن هذه الشعوب وببساطة خير سوق لبضائعها التسليحية والغير تسليحية اضافة إلى أن التناحر والتذابح الداخلي في الشرق مسألة لا تسبب ضرراً معيناً على مصالح الغرب بل على العكس هي تخدمها وذلك بانشغال الشرقيين التام بتصفية أفراد شعوبهم وهدم البنى التحتية للبلاد والابتعاد عن استغلال التكنولوجيا الحديثة لاستقبال حياة عصرية متطورة بالاضافة إلى أن هذا التناحر والتقاتل الأعمى بين الشرق أوسطيين سيُبعد الانتباه عن الوجود الاسرائيلي الذي يتشعب ويتمدد بقوة الوباء ويخطط للهيمنة الكاملة على أراضٍ لازال الاعتقاد سائداً بأنها أراضي اسرائيلية الأصل، إضافة إلى أن الحروب المستمرة في دول الشرق الأوسط خاصة التي تعتنق الاسلام هي توثيق هام وأزلي للحاضر والمستقبل على عدم أهلية الاسلام والمسلمين للحكم وقيادة الشعوب لأن الاسلام وبشهادة ما حصل ويحصل هو دين الخراب والدمار والفساد وأصبح القضاء عليه أمراً محتماً.

إذن فإن المتناحرين والمحرضين على الحرب هم خدّام بامتياز وربما مجاناً للتخطيط الاسرائيلي الذكي، وأن كل ما جرى ويجري من سفك للدماء الشرقية هو تنفيذ مقنن كبير لمخططات صهيونية ذكية، ورغم أني أكره أن أستخدم اسرائيل وغيرها كشماعات لتعليق زلاّت الشرقيين وحكامهم لكني أعترف بأن ما حدث ويحدث هو بتحريض من بعض الأيادي العابثة في الخفاء والتي لها نوايا كثيرة لكنها كلها تصب في صالح الغرب.

نحن بحاجة إلى توعية الشعوب الشرق أوسطية (حُكاماً ومواطنين عاديين) بإنارة الطريق لمسيراتهم الحياتية من خلال نشر التعليم الفكري على أسس تربوية حديثة بعيدة عن التزمت والتعصّب سواء للدين أو للمذهب أو للقومية أو للجنس أو للون فالانسان ثم الانسان ثم الانسان لأنه روح الله على الأرض ولأن الله قد سخر كل شئ في الحياة من أرض وسماء وماء ثم أنزل الأديان والرسل كل ذلك لخدمة الانسان، الانسان وحده لاغير.

Posted in فكر حر | Leave a comment

هل تحتاج القيم الأخلاقية إلى صراع؟

الشرق الاوسط: آدم وايتز وجيمس دونغان وليان يونغ* 

تخيل أنك تفكر في الكشف عن فضيحة ترتكبها المؤسسة التي تعمل بها، وستظهر لك ردود الفعل الحماسية تجاه ما قام به واشون مثل سنودن. إنك تواجه مأزقا أخلاقيا: هل الإبلاغ عن تصرف خاطئ بطولة أم خيانة؟

وقد ألقى البحث الذي أجريناه حول ما يفكر فيه الواشي عند اتخاذه القرار والذي سينشر في دورية علم النفس الاجتماعي التجريبي، الضوء على السيكولوجية الأخلاقية للواشي والوسائل التي تشجعه أو تثبطه عن هذا الإجراء.

في إحدى الدراسات طلبنا من مجموعة من 74 مشاركا في البحث كتابة فقرة حول مناسبة لمسوا فيها سلوكا غير أخلاقي وأبلغوا عنه (ولماذا)، وطلبنا من مجموعة أخرى، من 61 مشاركا، الكتابة عن مناسبة شاهدوا فيها سلوكا غير أخلاقي ولم يبلغوا عنه. وجدنا أن المبلغين استخدموا الكثير من المصطلحات المتعلقة بالإنصاف والعدالة 10 مرات، في حين استخدم الأفراد الذين أبوا الإبلاغ المصطلحات المتعلقة بكلمة الولاء مرتين.

ورغم أن العدالة والولاء قيم أخلاقية أساسية، فإن بعض الناس يفضل أحدهما على الآخر. فتشير الدراسات إلى أن الليبراليين الأميركيين يميلون إلى التركيز بشكل أكبر على العدالة، فيما يميل المحافظون الأميركيون إلى التركيز بشكل أكبر على الولاء، وهو ما قد يساعد في تفسير اختلاف الحكم على ما قام به سنودن. فيرى البعض أنه كان يدافع عن حقوق جميع الأميركيين؛ فيما رأى آخرون أنه كان خائنا لبلاده.

هل هذا الاختلاف في القيم الأخلاقية يتنبأ بما إذا كان شخص سيقرر الوشاية بشيء ما؟ في دراسة أخرى، أعطينا 83 مشاركا في البحث استبيانا. كانت بعض الأسئلة تحاول استكشاف قلقهم من أجل العدالة، في حين كانت أسئلة أخرى تسأل عن قلقهم بشأن الولاء.

وجدنا أنه لا العدالة ولا الولاء وحدهما قادران على توقع الوشاية، لكن الطريقة التي ينظر بها الناس إلى قيمة كل منهما مقابل الآخر هي المسؤولة عن ذلك. فتحدث الأفراد الذين يؤيدون العدل على الولاء عن استعداد أكبر للوشاية، في حين بدا الأفراد الذين يحبذون الولاء بشكل أكبر من العدالة أكثر ترددا.

ولاختبار ما إذا كانت قرارات الوشاية عرضة للتلاعب، سألنا 293 مشاركا عبر تجربتين عن استعدادهم للوشاية، لكننا طلبنا منهم في البداية أن يكتبوا مقالات قصيرة عن أهمية العدالة أو أهمية الولاء. وقارنا درجات الوشاية بين المجموعتين ووجدنا أن المشاركين الذين كتبوا عن العدالة كانوا أكثر استعدادا للوشاية من أولئك الذين كتبوا عن الولاء.

هذا لا يعني أن مهمة الكتابة لمدة خمس دقائق سوف تدفع المتعاقدين مع الحكومة إلى تسريب معلومات سرية. ولكن دراستنا تشير إلى أنه إذا كنت ترغب، على سبيل المثال، في تشجيع الوشاية، ينبغي أن تؤكد على العدالة في بيان المهمة والقوانين الأخلاقية، رموز الشرف أو حتى الحملات الإعلانية. ولتنحية أولئك الذين يضعون الولاء أولوية بالنسبة لهم، يمكنك إعادة صياغة الوشاية، كما فعل الكثيرون في مناقشة قضية سنودن، على أنها «ولاء أكبر» لتحقيق الصالح العام. وبهذه الطريقة، لن تحتاج قيمنا الأخلاقية إلى الصراع.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment