فطر سعيد وكل عام وانتم بخير

ft (2)

 
Posted in فكر حر | 1 Comment

درس أخلاقي لمنطقة اليورو

الشرق الاوسط: روجر كوهين

اتضح أن الاقتصاد في ألمانيا هو فرع من فروع الفلسفة الأخلاقية، فالنمو هو مكافأة على السلوك الجيد، كما أن هذه الفضيلة تشمل التدبير وتجنب الديون. وغني عن القول، من هذا المنطلق، أن تعزيز النمو من خلال زيادة العجز المالي هو عمل غير أخلاقي. 

ولكن الاقتصاد في اليونان يختلف عن ذلك، فهو فرع من فروع البراعة الشخصية، وأصبحت الكلمات التي تحمل قدرا من الأخلاق والمستمدة من القوانين الأنغلوساكسونية مثل «الفساد» و«المحسوبية» راسخة في التوجه اليوناني، ولكن بالنسبة لليونانيين كان اتباع القواعد يعد شكلا من أشكال الغباء، فلو كان السياسيون فاسدين، فما الغرض إذا من النزاهة الشخصية؟

في الحقيقة، تذكرنا أزمة اليورو بالعديد من الأشياء، من بينها القول المأثور: تزوج على عجل، واندم على مهل، ولكنها تتضمن في جوهرها أزمة كبرى تكمن في الخلاف الأخلاقي بين الشمال والجنوب.

لقد كان الألماني مارتن لوثر هو من أشعل عملية الإصلاح عندما اعترض على الفساد البابوي وبيع صكوك الغفران. وهناك حالة كبيرة من الاستقامة الشمالية ضد التراخي الجنوبي، والصرامة ضد المرونة: صراع في محاولة لرفع الإنسانية إلى مستوى أخلاقي عال في نظام يتعامل مع قابلية الإنسان للخطأ على أنها نقطة انطلاق.

وبعد بضعة قرون، جاءت العملة المشتركة التي تحاول توحيد الشمال البروتستانتي مع الجنوب الكاثوليكي أو الأرثوذكسي؛ توحيد أوروبا التي شهدت عملية إصلاح كبيرة مع أوروبا التي لم تشهد أي عمليات إصلاح على الإطلاق، ولذا كان وجود المشكلات شيئا حتميا.

وفي اليونان، تحدث وزير الإصلاح الإداري والحكومة الإلكترونية كيرياكوس ميتسوتاكيس في مقابلة معي عن هذا النظام قائلا: «تستخدم الأحزاب الوزارات لمكافأة الناس، وتكمن الصفقة الكبرى في توظيفهم في القطاع العام للحصول على أصواتهم في الانتخابات، ولكننا كنا بحاجة لتمويل النظام، وكانت الأمور تسير بشكل جيد طالما كان هناك أموال تتدفق وقروض ميسرة. والآن، لم يعد هذا متاحا، ولذا لا يوجد لديك خيار سوى أن تكون فعالا».

وما إن يكون لديك وظيفة في القطاع العام، حتى تكون قد «وفقت» على حد قول اليونانيين، لأنك ستكون في نظام يسمح لك بالعمل قليلا والحصول على معاش جيد، كما يمكنك البحث عن عمل آخر في وقت فراغك لتحسين ظروفك المعيشية.

كان هذا نموذجا مرنا ولكن غير كفء للنظام المتبع في اليونان، وهو ما يعد شيئا غير متوافق بالمرة في ظل وجود عملة موحدة بين الشمال والجنوب.

ويفكر ميتسوتاكيس، البالغ من العمر 45 عاما وهو سياسي وخريج جامعتي هارفارد وستانفورد، في التخلص من الهوة الأخلاقية في أوروبا. وفي الآونة الأخيرة، اتخذ ميتسوتاكيس، وهو عضو في حزب الديمقراطية الجديدة الذي يتزعمه رئيس الوزراء انطونيس ساماراس، ما يمكن أن يكون أصعب قرار في اليونان، وهو إجراء تغييرات جوهرية في القطاع العام بهدف إصلاحه. وقال ميتسوتاكيس: «الإصلاح صعب ومؤلم. أنا لا أنام دائما بشكل مريح، ولكن هذا أمر ضروري».

وبمقتضى اتفاق اليونان مع الدائنين الدوليين، يتعين عليها تسريح 15,000 عامل من القطاع العام بنهاية العام القادم. وقبل ذلك، وبالتحديث في سبتمبر (أيلول)، يتعين عليها نقل 12,500 إلى «خطة التنقل»، أي منح هؤلاء العمال فرصة ثمانية أشهر للعثور على عمل في مكان آخر وإلا سيفقدون وظائفهم (وسيجري تطبيق نفس الأمر على 12,500 آخرين في وقت لاحق). ويتعين على ميتسوتاكيس القيام بذلك في ظل اقتصاد وصفه بأنه «اقتصاد دولة في حالة حرب». وتقابل تلك الإجراءات بغضب شديد من اليسار واليمين على حد سواء، في ظل حالة من الغضب العارم من حزب الفجر الذهبي اليميني المتطرف.

ومع ذلك، يعتقد ميتسوتاكيس أنه يحظى بدعم قوي، وهو ما جعله يقول: «انظروا، لقد تخلص القطاع الخاص من 1.3 مليون عاطل عن العمل منذ اندلاع الأزمة، ولم يتخل القطاع العام عن أي موظف. ونظرا لتأخير عملية الإصلاح، فقد عوقب القطاع الخاص، وهناك أغلبية صامتة مع عملية الإصلاح. لدينا دولة كبيرة – بدون نظام يعتمد على الكفاءة والجدارة ولا أي نشاط تأديبي، نظام يدخله كثيرون من الباب الخلفي. ويحصل بعض العاملين على مرتباتهم حتى وهم في السجن».

وكان ميتسوتاكيس يمسك الجوال الخاص به وعليه صورة وثيقة تثبت نقل موظف من بلدة ريفية إلى أخرى، وعلى هذه الوثيقة توقيعه، جنبا إلى جنب مع 15 توقيعا آخر! مثل هذه البيروقراطية هي التي تقتل الدولة، فضلا عن كونها مصدرا محتملا للفساد، حيث يحصل بعض المسؤولين على أموال مقابل هذه التوقيعات.

وقال ميتسوتاكيس: «يمكننا الوفاء بالتزامات بلادنا، لكن يجب أن يدرك الدائنون أن الخطر الرئيس اليوم هو إذا ما حاولوا فرض المزيد من التدابير – لا يوجد مجال لفرض ضريبة أخرى على الدخل، حيث وصل التقشف إلى أقصى مدى ممكن. وستكون هذه هي الرسالة التي سيبعث بها رئيس وزرائنا للرئيس الأميركي باراك أوباما خلال اجتماعهما الشهر الجاري».

يتعين على أوروبا سد الفجوة والهوة الأخلاقية. ويمكن لليونانيين أن يتعلموا شيئا عن الاقتصاد باعتباره فلسفة أخلاقية، ويمكن للألمان أن يتعلموا أن التقشف كأداة اقتصادية لها حدود وأن استخدام العجز المالي لتمويل النمو ليس خطيئة. اليورو هو أيضا درس أخلاقي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Posted in فكر حر | Leave a comment

تحرير فلسطين بمقاتلة الشعب السوري!

الشرق الاوسط

ما اكتفى الأمين العام لحزب الله بتذكيرنا في خطابه الأخير بأنه شيعي إمامي اثنا عشري؛ بل إنه أضاف لذلك فضيلة أخرى عندما اعتبر أنه بوصفه كذلك (أي شيعي إمامي إثني عشري!) لن يتخلى عن المقدسات في فلسطين. وكما في كل عام بمناسبة يوم القدس الذي اشترعه الخميني؛ فإن الأصوات علت من كل مكان في طهران والعراق ولبنان، في التزام بتحرير القدس وفلسطين. وحتى الرئيس الإيراني حسن روحاني تفاءل بزوال دولة إسرائيل كما كان يفعل نجاد، ثم جرى نفي أنه قال ذلك أو تمناه! بيد أن كل تصريحات الإيرانيين وأنصارهم بشأن فلسطين في جهة، وتصريحات نصر الله في جهة أخرى. فهو يستميت في الرد على أولئك الذين اتهموه بالتخلي عن «المقاومة» بدليل قتاله في سوريا ضد الشعب السوري، والمقاتلون هناك هم أولئك الذين أعدوا عبر عقدين وأكثر لقتال إسرائيل وقاتلوها بالفعل في وقعات كان آخرها في عام 2006! لكن هناك من يمضي لأبعد من ذلك، ويعتبر أن المقاومة ما انتهت مفاعيلها بالقتال في الداخل اللبناني وفي سوريا؛ بل قبل ذلك عندما وافق حزب الله على القرار الدولي رقم 1701؛ إذ كيف سيهاجم الحزب إسرائيل، وعلى الحدود 15 ألف جندي دولي من عدة جنسيات هم المولجون بالدفاع عن وقف إطلاق النار بين البلدين. ولو أن حزب الله تجاوز الخط الأخضر بصواريخه أو آلياته؛ فإن ذلك سيثير أزمة دولية، ويؤدي إلى حرب يقف فيها الدوليون مع إسرائيل باعتبارها معتدى عليها!

قال لنا حسن نصر الله ولجمهوره إنه داخل للقتال في سوريا ضد التكفيريين ولحماية «المقامات الشيعية المقدسة»! لكنه قال لنائب وزير الخارجية الروسي إنه ذهب للقتال منعا لسقوط دمشق وانهيار حكم الأسد. وصحيح أنه تدخل بقوة بعد صورة شهيرة له مع خامنئي مما يعني أنه زار طهران ونسق معها؛ لكن الأمر أكثر من ذلك بكثير. فطهران تعتبر العراق وسوريا ولبنان وغزة مناطق نفوذ لها ومتنفسا وأوراق مساومة في صراعها مع الغرب والمجتمع الدولي. وكما هدد مصالحها ومناطق نفوذها الثوران العربي السني بالعراق طوال سني الغزو الأميركي وبعده؛ فإن الثورة السورية البادئة عام 2011 هددتها بتقويض النفوذ والخسارة ليس في سوريا وحسب؛ بل وفي لبنان والعراق وفلسطين. ولذلك فقد نصحت الأسد بالتعامل مع المتذمرين السلميين، مثلما تعاملت هي مع الحركة الخضراء عام 2009، أي إطلاق النار على كل من يجرؤ على الخروج إلى الشارع. وعندما تبين للإيرانيين (والروس) أن الأسد ما عاد قادرا رغم استخدام الباليستي والكيماوي؛ تدخلوا بالسلاح والعسكر بعد المال والخبراء. والواضح أنهم بذلوا جهدا لكي لا يطلبوا من نصر الله التدخل، لكنهم قرروا تحت وطأة إلحاح الجنرال سليماني أن على نصر الله التدخل في حمص وريف دمشق. ثم تبين لهم أن هناك قرى شيعية في ريف حلب فتدخلوا هناك أيضا!

كانت المحنة لدى الإيرانيين كيف يبررون لجمهورهم الشيعي العربي والإيراني التدخل للقتال في سوريا. ثم كيف يشرحون ذلك للعرب والمسلمين. وكان الإحراج على نصر الله أكبر، فخامنئي بعيد وحساباته مختلفة. وكان الحل الكذب على الجهتين: كذبوا على الشيعة بأنهم ذاهبون للدفاع عن مزارات أهل البيت، ثم عن عشرات ألوف الشيعة الموجودين بسوريا. وكذبوا على العرب القوميين والليبراليين والقابضات منهم فلوسا والقابضين (وهؤلاء لا يحتاجون لإقناع كثير!) بأنهم إنما يدافعون عن جبهة الممانعة التي بنوها مع الرئيس الأسد، والتي ستعود لتحرير فلسطين فورا بعد القضاء على الإرهابيين من عملاء أميركا وإسرائيل. ولا ينبغي أن نستغرب هدوء ردود الفعل الدولية على التدخل القاتل؛ فإن الأميركيين والأوروبيين شديدو التخوف من التطرف والإرهاب، ويمكن أن يسكتوا على حزب الله إذا كان يقاتل الإرهابيين في سوريا. وعندما اعتبروا الجناح العسكري للحزب إرهابيا في المدة الأخيرة بعد تردد طويل، سارعوا إلى التقليل من شأن ذاك القرار، وهم على أي حال ما ذكروا بين أسباب القرار تدخل حزب الله في سوريا!

منذ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، بدأ التململ من الوجود السوري ومن سلاح حزب الله. والمعروف أنه في عام 2004 صار هذا التململ قرارا دوليا رقمه 1559. وبذلك فقد تصاعدت الخشية من جانب الإيرانيين والسوريين على فقد الملاذ الآمن والمرفه في لبنان؛ فقرروا المضي إلى القتل فورا، وهذا معنى قولي إن الحزب كان تنظيما للقتل المستهدف ثم صار تنظيما للقتل العشوائي. فقتل الرئيس الحريري كان قتلا مستهدفا، رجوا من ورائه أن تخمد المعارضة للوجود السوري باغتيال رئيسها. إنما يبدو أنه ومنذ منتصف التسعينات؛ فإن حزب الله كان هو الذي ينفذ العمليات التي يجري الاتفاق عليها مع النظام السوري. ومنذ عام 2005 وحتى اليوم نشب ذلك النزاع بين حزب الله وحلفائه في سوريا ولبنان، وبين قوى (14 آذار) المتحالفة على أثر استشهاد الرئيس الحريري. وبالوسع القول إنه بعد احتلال حماس لقطاع غزة عام 2007، واحتلال حزب الله لبيروت عام 2008 (في سياق تحوله إلى تنظيم للعشوائيات)؛ فإن مدنيي وديمقراطيي الشعوب العربية غير المسلحين في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق، تركوا لإرهاب وقمع الجيوش والتنظيمات المسلحة العاملة مع إيران أو عندها. ولذلك فبعد احتلال بيروت وتشكيل حكومة مشتركة لم تعمر، جرت انتخابات عام 2009 التي فازت فيها قوى (14 آذار) للمرة الثانية، دون أن يعني ذلك الشيء الكثير. فقد أسقطت حكومة سعد الحريري المنتخبة، وطوال السنوات الثلاث الماضية حكم حزب الله وأنصاره لبنان بحكومة من لون واحد، أكلت اللحم وكسرت العظم، وكانت آخر مآثرها مقتل اللواء وسام الحسن، الضابط البارز في قوى الأمن الداخلي!

إن الذي أريد التوصل إليه أن شعوب البلدان الأربعة قاومت وتقاوم الاستيلاء الإرهابي والتقسيمي الإيراني في ظروف شديدة الصعوبة. وقد بلغت هذه المقاومة ذروة غير مسبوقة بالثورة السورية. وإيران تعتبر الساحات الأربع ساحة واحدة وتتصرف معها مباشرة أو بالواسطة بالعنف القاتل. بل وتمتد بركاتها إلى سيناء بمصر. أما جهات التصدي والمقاومة في البلدان الأربعة فما نجحت في توحيد قواها في وجه الطغيان والاستيلاء والفساد، بسبب تداخل الصراعات والاختراقات الكبيرة. فالولايات المتحدة كانت قد هادنت إيران (والأسد وحزب الله) عام 2009 / 2010 في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين. فطوال السنوات الماضية كانت السفيرة الأميركية ببيروت أكبر أنصار حكومة حزب الله عندنا، وكذلك السفراء الأوروبيون. ويضاف إلى هذا «التداخل» تداخل آخر هو أن المتطرفين والإرهابيين هم حلفاء عمليون لبشار الأسد ولإيران وربما للمالكي. ويبدو أن الظواهري موجود بإيران. ثم إن الدوليين وبعض العرب لا يخشون الإرهاب المتظهرن والمتأيرن فقط؛ بل يخشون أيضا أن لا يكون التعامل مع الحكومات الجديدة في سهولة التعامل مع الأسد ونصر الله الليبراليين العلمانيين الإسلاميين المتنورين!

خرج أمين عام الحزب عن طوره بالإعلان أنه شيعي ومع ذلك فهو ملتزم بفلسطين، رغم قتاله في سوريا! والحق أنه لا التزام هنا أو هناك أو هنالك، بل هو التزام واحد لا يجهله أحد وقد قال السيد المسيح لمارثا: تسألين عن أشياء كثيرة والمطلوب واحد!

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ -6

الفصل السادس 

هذيان الشعور بالذنب

“أفكار احتقار الذات وتبخيس الذات،والحط من قيمة النفس والخراب، هي مؤشر على الشعور بالذنب الإكتئابي أو الإنهيار العصبي الهاذي”.(طبيب نفسي).

*********

الشعور بالذنب صحي،عندما يكون رد فعل سوياً عن خطأ أو خطيئة، ارتكبها الإنسان ضد الإنسان أو الحيوان أو الطبيعة. وقد عاش نبي الإسلام،ظاهرياً على الأقل، هذه الحالة السوية مع ابن أم مكتوم، في سورة” عبس وتولى إذ جاءه الأعمى”فقد أستهان به، وسرعان ما شعر بالذنب فاعتذر له عنه.في الشعور بالذنب السليم تكفي عادة محاولة جبر الضرر،المادي أو الرمزي، لتزيل أو تخفف الشعور بالذنب. لكن في الشعور السقيم بالذنب هيهات.

الشعور الساحق بالذنب هو غالباً لا مبرر موضوعي له.يتجلى ذلك في المازوشية الأخلاقية،أي تذنيب الأنا المزمن، مصداق ذلك ما جاء في بداية الصحيفة،أي الميثاق، التي أملاها نبي الإسلام، والتي وقعتها قبائل يثرب:”نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.”(1)؛وفي قتل الجسد، وتعذيبه، مثلاً بالعبادة المضنية، التي يحوّلها الشعور الهاذي بالذنب إلى تعذيب حقيقي للجسد. إلى درجة إلحاق الأذى به.وهذا ما حدث لنبي الإسلام. وهكذا غدت الشعائر مصدر شقاء نفسي له؛لقد كان مثقفوا قريش يقولون عنه أن قرآنه أشقاه. رد عليهم بـ:”طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”(1،طه).

ما قيل عن أسباب نزول هذه الآية، يُلقي أضواء كاشفة عن شعور نبي الإسلام بالخطيئة أمام ضميره الأخلاقي الشديد العقاب،على صورة الله ـ الأب،الذي يعذبه ويشقيه:”إصرار الرغبات المحرّمة على تحقيق ذاتها[في مواجهة إصرار الضمير الأخلاقي الباغي على منعها من ذلك]يدفع المريض إلى عقاب ذاته”(فرويد). هذا العقاب الذاتي القاسي هو ما عاقب به نبي الإسلام نفسه:”عن ابن عباس أن النبي (ص)أول مانزل عليه الوحي كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى فأنزل الله:”طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى؛وعن ابن عباس أيضاً أن خصومه من مشركي قريس قالوا:”لقد شقي هذا الرجل بربه”؛وفي رواية الضحاك:”ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى به”فأنزل الله طه (…)؛وعن ابن عباس أيضاً: “كان رسول الله إذا أقام الليل يربط نفسه بحبل كي لا ينام،فأنزل الله طه (…)؛وعن مجاهد:”كان النبي (ص) يربط نفسه،ويضع إحدى رجليه على الأخرى(…)؛وعن علي ابن أبي طالب:”لما نزل على النبي:”يا أيها المزمل قُم الليل إلا قليلاً[=واصل صلاتك الليل كله إلا قليلاً منه]:قام (ص)الليل كله حتى تورمت قدماه،فجعل يرفع رجلاً ويضع رجلاً(…).أذكّر من يساوره الشك في تفاصيل رواية الإمام، أنه كان شاهد عيان،إذ كان يقيم عند نبي الإسلام في بيت خديجة:”وعن أنس[خادم آل البيت]،كان النبي (ص)إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى(…)”.

نحن هنا أمام ما يسميه علم النفس العقاب الذاتي،تكفيراً عن جريمة قتل الأب الوهمية، بمحاولة المذنب قتل نفسه رمزياً أو فعلياً !.

هذه الألوان القاسية من تعذيب الجسد وإماتته، تكشف عن شعور عميق بالذنب، كان يغلي في نفس محمد المعذبة.وطأة هذا الشعور على نفسية نبي الإسلام لا تحتمل:”ورفعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك” (2،الشرح)ذنوبه كانت من الثقل حتى أنها قوضت ظهره.وهو لا يشقى بذنوبه التي تقدمت بل أيضاً من ذنوب لا يشك في أنه سيقترفها مستقبلاً:”ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر”(2 ، الفتح).

تأكيد رفع الوزر وغفران المتقدم والمتأخر من الذنوب، ليس إلا مجرد تطمين مؤقت قدمته له هلاووسة.وظيفة الهلاووس هي طمأنة المهلوس:تطمين محمد المذنب لمحمد النبي.لكن نبي الإسلام غير مطمئن لغفران”وزره الذي أنقض ظهره” ،فأمره ضميره المعذب بأن يطلب الغفران: “واستغفر لذنبك”(19،محمد).طُمّن نبي الإسلام،بأن ذنوبه السابقة غُفرت.وزيادة في تطمين شعوره بالذنب،تخبره هلاووسه بأن الله غفر له أيضاً ما سيقترفه من الذنوب. ولكن هيهات!الشعور الساحق بالذنب لا تنفع معه المسكنات.لعلّ نبي الإسلام وصف ضميره الأخلاقي الغاشم عندما وصف جهنم :”يوم نقول لجهنم هل إمتلأتِ؟ وتقول: هل من مزيد؟”.(30 ،سورة قاف).

ككل متعصب لدعوته،يبدو أن نبي الإسلام كان يحاول إكراه الناس على اعتناقها،فعاوده الشعور المزمن بالذنب،فوبخه ربه عن ذلك:”أفأنت تُكره الناس على أن يكونوا مؤمنين”؟(99 يونس).

لم يذكر المفسرون أسباب نزول هذه الآية، التي مروا بها مر الكرام كما فعلوا غالباً مع الآيات التي تحرجهم كمؤمنين، كوّنوا صورة مثالية عن نبي الإسلام وصدقوها، ضدّاً على صورته الحقيقة في القرآن! مثلاً السيوطي لم يفسرها أصلاً،مع أن الإستفهام الإنكاري فيها يشير إلى أن نبي الإسلام قد بالغ في إكراه الناس على الدخول في دينه،إلى درجة أن ضميره الأخلاقي وبّخه على ذلك.

السؤال هو:ما مصدر هذا الشعور القاسي بالذنب في حياة محمد وما هي تأثيراته على تصرفاته؟

يروي الزمخشري في تفسيره لـ:”وزرك الذي أنقض ظهرك”،بأن هذا الوزر هو”فرطات”،أي فلتات محمد الجاهلي.ربما يكون الزمخشري قد استلهم هذا التفسير من آية:”ووجدك ضالاً فهدى”،التي لا نجد لها لدى المفسرين تفسيراً؛ وأقل من ذلك سبباً للنزول؛شعورهم بالخجل من كون نبيهم كان ضالاً قبل إعلان النبوة،وهو ما يتعارض مع أسطورة العصمة من الخطأ والخطيئة،التي أحاطوه بها،ليجعلوا منه تجسيداً لنرجسيتهم الجمعية.جعلهم يتعاملون مع الآية وكأنها لم تكن.لأنها تشطب بجرة قلم جميع المعجزات التي نسبوها إليه، مذ كان في بطن أمه.والبعض الذي فسرها زوّرها:”ووجدك ضالاً فهدى، أي وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالهم”.من الواضح أن هذا التفسير هو جرأة هاذية على اللغة؛الآية تفيد بأن محمد نفسه كان ضالاً:”ضل ضد اهتدى،أي حاد عن دين أو حق أو طريق” (المنجد).إذن فاعل الضلال هو محمد الذي أنقذه الله من ضلاله، وليس أستنقذه من بين ضالين آخرين، كان هو المهتدي الوحيد بينهم! .

هل يكون سبب شعور محمد بالذنب طرده أتباعه من المستضعفين، مفضلاً عليهم مجالسة سادة قريش بدلاً منهم؟:”ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي(…)فتطردهم فتكون من الظالمين” (52، الأنعام).

هذه الآية تعترف بالذنب وتطالب ضمناً بالصفح من ضحاياه، أي أنه كان خطأ تم تصحيحه، باعتذار النبي عنه، ومجالستهم مجدداً،فرضوا عنه ورضي عنهم.وهذا عادة يمحو أو يخفف الشعور بالذنب.

قهر نبي الإسلام لليتيم ونهره للسائل، الذي وبخه الله عنهما بأمر صارم:”وأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر”(9،الضحى). هذا الأمر كان موجهاً إلى نبي الإسلام شخصياً،فقد اعترف بالذنب وجبر ضرره على الأرجح، بالتوقف عن قهر اليتيم ونهر السائل.ومن تاب تاب الله عليه.فلا يمكن إذن أن تكون هذه الواقعة هي الأخرى، سبباً مباشراً لشعوره الطاغي بالذنب، وتعذيب ذاته بمنتهى القسوة!

فهل تكون شكوكه المتكررة في رسالته، وميله إلى المصالحة بين التوحيد الخالص، الذي يبشر به، والشرك المكي، كما في الآيات الشيطانية، هن ينبوع شعوره بالذنب؟.

مثلاً الآيات الـ 3 من سورة الإسراء، تشّخص بدقة اتهام نبي الإسلام الذاتي لنفسه:”وإن كادوا [=مثقفوا قريش]ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك،لتفتري علينا غيره[=لتختلق قرآناً آخر وتنسبه إلى الله كذباً]”إذن لأتخذوك خليلاً[=عنئذ كانوا سيتخذونك صديقاً صدوقاً لهم]؛ولولا أن ثبّتناك،لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً[=لولا أن الله تدخل في الوقت المناسب ليبقيك راسخ القدمين في قناعاتك التوحيدية ، لكان ميلك القليل إليهم، سيجعلك تفتري علينا قرآناً آخر، على غرار الآيات الشيطانية”، إذن لأذقناك ضعف [العذاب]في الحياة وضعف[العذاب] في الممات،ثم لاتجد لك علينا نصيرا”. (73،74،75 ،الإسراء).

رغبة نبي الإسلام في الوصول إلى تسوية دينية تاريخية مع مشركي قريش،تصالح دينه مع دينهم واضعة حداً للنزاع الناشب بينه وبينهم،عميقة،ما فتئت تعاوده بإلحاح؛لكن ضميره الديني التوحيدي الصارم، كان في كل مرة يردعه ردعاً عن المرور من القول إلى الفعل :لنستمع إلى ضمير نبي الإسلام المعذب، يتوعد نبي الإسلام بالقتل، لو أنه تشجع فمر من النية إلى الفعل. :”ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل [=لو افترى قرآناً آخر غير الذي أنزلناه]؛ لأخذنا منه باليمين[= لبطشنا به]؛ثم لقطعنا منه الوتين[=ثم ذبحناه من الوريد إلى الوريد]”(44 ،45 ،46 الحاقة).

يعدد السيوطي في تفسيره لهذه الآيات، المناسبات التي كاد فيها نبي الإسلام أن يقبل حلاً وسطاً بين الشرك والتوحيد،مع مثقي قريش: مثلاً طلبوا منه أن يُقبّل آلهتهم،كما يقبل الحجر الأسود،وأن يجالسهم بدلاً من مجالسته عبيدهم، وأن يعترف،جنباً لجنب مع الله،بآلهتهم الثلاث اللات والعزى ومناة.في كل مرة كان نبي الإسلام”يركن لذلك شيئاً قليلاً”،وأحياناً شيئاً كثيراً كالآيات الشيطانية: “اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى،تلك الغارنيق العلى وإن شفاعتهن لُترتجى.”

كاد الحل الوسط أن يتجسد في الآيات الشيطانية، التي كانت بمثابة التوقيع لهذا الحل.لكن ضميره الأخلاقي الصلب دفعه إلى سحب توقيعه، أي إلى سحب آياته متهماً، الشيطان، بانه المسؤول على دسها؛لو تمت هذه التسوية لما هاجر نبي الإسلام إلى المدينة، ولبقي الإسلام المكي المسالم، ولأستراح المسلمون والبشرية معهم من عنف الإسلام المدني،الشرعي الجهادي والمعادي لليهود والنصارى وحرية التعبير… لكن “لو” لا محل لها في التاريخ.

كيف يمكن أن نتأوّل اليوم، تفكير محمد في “إفتراء قرآن آخر” غير القرآن؟وفي”ضيق صدره بالوحي” (…)وفي ترك بعضه”في طي النسيان؟وإعراضه عن ابن أم مكتوم؟وتفضيله مجالسة مشركي قريش على مجالسة أتباعه من المستضعفين؟وحادث الآيات الشيطانية،الذي يبدو أن سكوته عنه طال كثيراً، ربما بضعة أشهر، إلى درجة أنه وصل إلى مهاجري الحبشة، وعاد بعضهم إلى مكة لما سمعوا أن قريش قد أسلمت عندما سجدت وسجد النبي معها لله و لبنات الله:اللات والعزة ومناة؟مدلول هذه المواقف تعبير عن رغبة محمد المكبوتة في المصالحة مع الشرك القرشي، بتسوية تاريخية ترضي الجميع:تشريك اللات والعزى ومناة مع الله،الذي كان يؤمن به مشركوا قريش؛ولكنهم يشركون معه هذا الثالوث، ربما محاكاة للتثليث المسيحي،كشفيع عند الله.

قد نتأول هذه المواقف على أن محمد[في مكة] ما كان يريد أن يكون ما كانه:نبياً. في صراع يومي مع”عشيرته الأقربين”، التي تسومه ألواناً من العذاب النفسي كالإستهزاء به:”ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) (الأنعام10) ،ومناداته بـ”أبو كبشة”،بدلاً من أبو القاسم، كلقب تكريم،ويقلدون مشيته المرضية الفصامية”كأنما بنحط من صبب”.لا شك أن شخصيته النرجسية البارانوياك، الحساسة لأدنى نقد،كانت تتعذب من ذلك عذاباً أليماً.قد تكون هجرته إلى المدينة،في الجزء اللا شعوري منها،بدافع النجاة من هذا التعذيب المعنوي اليومي.فضلاً عن مخاطر جدية على حياته وحياة أصحابه نجد صداها في القرآن،لكن ربما كان هذا الصدى يعكس هذيان اضطهاد،لا وجود له في الواقع!

واقع أن نبي الإسلام،السريع الشعور الساحق بالذنب واتهام الذات لأسباب واهية،يخفي الأسباب الحقيقية المطمورة في أعماق شخصيته النفسية “الإتهام الذاتي كما يقول طبيب نفسي:” هو اتهام الذات بأخطاء خيالية أو مبالغاً فيها بالقياس إلى الواقع.وهو مرتبط بشعور الذنب وبفقدان تقدير الذات، فهو عرض مألوف للإنهيار العصبي الإكتئابي”(ج.ب فالو)؛الذي أملى عليه اتهام ذاته المبالغ فيه، وتوعده بالقصاص القاسي منها،إذا هي مرت من النية الآثمة إلى الفعل الأثيم! .

واقعة ضبط حفصة لنبي الإسلام متلبساً بمجامعة جاريته، مارية القبطية، على فراش حفصة،كما يرويها أبو الحسن الواحدي في أسباب النزول:”دخل رسول الله (ص)بأم ولده، مارية في بيت حفصه، فوجدته حفصة معها(…)فقالت:لما تدخلها بيتي؟ما صنعت بي هذا ـ بين نسائك ـ إلا من هواني عليك.فقال لها:لا تذكري هذا لعائشة،هي[مارية]علي حرام إن قربتها(…) فحلف لها ألا يقربها،وقال لها لا تذكريه لأحد،فذكرته لعائشة، فآل ألايدخل على نسائه شهراً واعتزلهن 29 ليلة، فأنزل الله:”يا أيها النبي لما تُحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك(…)(التحريم).

هذه الواقعة بليغة الدلالة على رعب نبي الإسلام من اخطائه وخطاياه،حتى الضئيلة جداً منها!فأي خطأ او خطيئة في أن يضاجع جاريته على فراش إحدى زوجاته؟لكن شخصية نبي الإسلام النفسية، الهلوعة من الخطأ والخطيئة جعلته:”يتصبب عرقاً أمام حفصة ويقسم لها أنه سيحرّم مارية على نفسه، طالباً من حفصة أن تكتم عنه”وأن لا تخبر عائشة بـ”الفضيحة”!كما تشهد لذلك رواية تاريخية لا شك فيها: “إن تتوبا إلى الله فقد صفت قلوبكما،وإن تظّاهرا عليه،فإن الله هو مولاه، وجبريل،وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير”(4 التحريم)أي:يا عائشة وحفصة،إن تبتما إلى الله،فذلك لأن قلبيكما اهتديا إلى الحق، أما إذا تحالفتما ضد النبي،فاعلما جيداً إنه ليس فريسة سهلة لكما،ستجدان إلى جانبه الله وجبريل،ومعهما فضلاء المؤمنين،فضلاً عن الملائكة، سيهبون لنجدته منكما!

هل تتطلب حماية محمد من امرأتين،عائشة وحفصة،كل هؤلاء الحلفاء الأربعة لنبي الإسلام،بداية من الله نفسه إلى ملائكته؟.

هل من تفسير لذلك؟

بالشخصية النفسية الهلوعة و التهويلية البارانوياك،التي تحول الحبة إلى قبة، وتجند جميع قواها المتاحة للرد على المعتدي لسحقة سحقاً!.

هذا التهويل الصبياني، ملحوظ في الشخصية البارانواياك،المتميزة بخطأ التقدير والحكم وبالتأويل الهاذي للمواقف العادية التي تقرأها كمواقف معادية.

كما هو عائد إلى شخصية نبي الإسلام النفسية، التي ظلت متسمرة في الطور الصبياني، بسبب رضاعته حولين كاملين،عند حليمة السعدية فضلاً عن المدة التي أرضعته فيها مولاة أبي لهب، والمدة التي أرضعته فيها أمه قبل تسليمه للمرضعات:”الإبقاء على الطفل رضيعاً أكثر من العام الأول،يعرضه لخطر البقاء في موقف صبياني جداً طوال حياته.” كما يقول الطب النفسي(انظر:إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان:من التربية الجنسية الدينية إلى التربية الجنسية العلمية ص 46).

كما هو عائد أيضاً إلى علاقته بأمه،التي استبطنها رضيعاً بما هي أم مفترسة.

خوفه الهستيري من زوجاته هو نفسياً روماك[=إعادة تصوير فيلم قديم بممثلين جدد]لخوفه من أمه التي عاملته رضيعاً بـ”التوديع والقِلى”،اي بالهجر والكراهية.حالة محمد ليست الوحيدة،بل هي حالة قادة تاريخيين حكموا شعوبهم حكماً سلطوياً،لكنهم كانوا أمام نسائهم كفأر أمام قط:هارون الرشيد، كان أيضاً ذا شخصية نفسية صبيانية جعلته دمية في يد زبيدة،التي أوحت له على الأرجح بنكبة البرامكة، التي كانت عواقبها وخيمة على التحالف بين الأرستقراطيتين العربية والفارسية؛ربما مازالت فاعلة حتى الآن في الصراع الفارسي العربي.نابليون كان هو الآخر لعبة في يد جوزفين،التي كانت لا شعورياً رمز أمه:أمه التي كانت تحتقره،حتى أنها لم تعتقد قط أنه أصبح إمبراطور.كان دائماً في نظرها ذلك الطفل الحقير الذي كانه،فكان يقول لها إذا مرضت:”يا عجوز لا تموتي،فبعدك لن أسمع أمراً من أحد”!؛بورقيبة كان أيضاً خاتماً في أصبع” وسيلة”،التي كانت، لحسن الحظ، تشير عليه دائماً بالرأي الحسن. حتى أن وزيره الأول،الباهي الأدغم،كان يقول مستغرباً: “بمجرد أن تشير له بيدها يسكت”. وقد اعترف بورقيبة أن أمه احتقرته لأنه كان” ُقريد العش”،أي آخر مولود في عائلة كبيرة،وكانت تكلفه بطحن الحبوب بالرحى ـ كما كانت تفعل أمي معي ـ .

قسوة الأم على الإبن،فضلاً عن الرضاعة لأكثر من عام، توّرث ابنها قلة النضج العاطفي والخوف الرُهابي من الأم ورمزها الزوجة.وهذه حالة محمد.

يولد الشعور بالذنب من الصراع الداخلي بين الضمير الأخلاقي و”الهو”.الضمير الأخلاقي هو كل ما علمتنا التربية أن نفعله،أو نقوله أو أن نشعر به.أما الُهو، فهو المحكمة النفسية،أي المنطقة، النفسية،التي ينطلق منها،كشلّال، مدّ الغرائز، أي الأفعال والانفعالات خاصة الجنسية التي كبتتها التربية،والتي تصادم التقاليد الراسخة و”الأخلاق الحميدة”،أي الصورة التي تعودنا على إعطائها لأنفسنا.

اعتذار نبي الإسلام عن أخطاء وخطايا لم يرتكبها، أو هنّ تافهات،هو كما يشعر به في واقعه النفسي، اعتذار عن أخطاء وخطايا كان بإمكانه أن يرتكبها،أو تلك التي يرغب لا شعورياً في ارتكابها. الاعتذار غير المبرر موضوعياً، يأتي ليكبت مدّ الغرائز الراغبة في أن تتحقق.محمد،الخاضع لضمير أخلاقي غاشم،بسبب تربية قاسية وخاصية،يعتذر عن رغبته في ارتكاب المحظورات مستقبلاً!.

الأخطاء والخطايا البسيطة،التي حاسب نبي الإسلام نفسه عليها حساباً عسيرا،ليست في حد ذاتها باعثاُ على شعور ساحق بالذنب؛بل هي على الأرجح ملح يُصب على جرح لم يندمل.وهو أليم بقدر ما هو خفي لا يعيه محمد؛جرح يعود إلى الطفولة الباكرة.الطفل محمد كان كل شيء إلا طفلاً محبوباً؛الحب حيوي للطفل، لبناء شخصيته النفسية،لبناء تقديره لنفسه،لبناء ثقته في نفسه.الحب منذ الطفولة هو إذن ترياق الشعور الساحق بالذنب والمشاعر الكئيبة التى ترافقه.تتضافر المؤشرات على أن الطفل محمد افتقد ذلك، كما رأينا ذلك في طفولة محمد.

فماذا يكون الباعث المحتمل على هذا الشعور بالذنب،على هذا الاتهام الذاتي،الذي زلزل كينونة نبي الإسلام، تحت وطأة ضمير أخلاقي غاشم، تشكّل على صورة الله ـ الأب ،”الشديد العقاب”؟.

وُلد الشعور بالذنب يوم وُلد الضمير الأخلاقي،الذي يلعب مع البشر دور الشرطي القابع داخل النفوس وداخل الرؤوس،لحماية المحرمات الأبوية،أي الاجتماعية أو الإلهية،من الانتهاك.

شعور الإنسان بالذنب، مصدره ميول الطفل للعقاب الذاتي،الذي ينمّيه كقصاص ذاتي من رغبته في قتل الأبوين في طور الصراع الأوديبي(3 ـ 5 سنوات تقريباً)،الأبوان،نفسياً،الأب ـ أو الأم ـ ليس الوالد بل المربي؛إذن آباء محمد ليسوا آمنه وعبد الله وحسب، بل أيضاً وخصوصاً مرضعاته والرجال الذين ربوه،وهم كثيرون.لا شك أنه خُيل للطفل محمد، أن كل واحد من آبائه قد هدده بالخصاء.وهكذا كان قلق الخصاء، كعقاب على جريمة قتل الأب الوهمية،أضعافاً مضاعفة عنده.

الشعور بالذنب يحيل إلى فعل وقع فعلاً أوتخييلاً،إلى جريمة وهمية هي أكثر وقعاً على الضمير من جميع الجرائم الحقيقية.الفعل الآثم الفعلي أو الوهمي،ينشط التهديد الأبوي بالخصاء؛مازلت أذكر كيف أن فلاحاً كان يقول لي وأنا أتدفأ على الجمر مكشوفاً:”ييجي اليوم اللي نقصوا فيه غلاشتك [=قضيبك]بالفأس،يقصد طبعاً الختان.ومازلت أذكر كيف أن أبي،وكانت على رأسه عصابة مزركشة، أخذني من يد أمي التي عادت بي من محاولة فراري من الختان،ورفعني بين يديه وقدمني إلى مقص عم فرج الحلاق!

الضمير الأخلاقي هو إذن محصّلة استبطان الطفل،الذي تقمص شخصية الأبوين،تشبع بأوامرهما ونواهيهما؛واستبطن في الوقت ذاته أن انتهاكها لن يمر من دون عقاب: الخصاء الفعلي،الذي يرمز له في الثقافات البدائية،الختان؛ الخصاء الفعلي المخيف ليس اجتثاث الغلفة وحسب، بل القضيب كله، وكل القيم القضيبية، التي يجسدها القصيب رمزياً:من هيبة،وقوة، وثروة وشهرة.هذا الشعور الأليم بالذنب يتم كبته وكبت الأسباب التي ولّدته،غير تارك في الوعي إلا ضميراً أخلاقياً ينمو نمواً مشوهاً، ابتداء من سن 6 سنوات.

لكن الشعور بالذنب يعود متخفياً في أعراض مرضية،بمجرد تنشيطه بقناعة قوية بانتهاك المحرمات الأبوية،التي يسميها الدين المحرمات الإهية.يكون الشعور بالذنب ساحقاً بقدر ما يكون قلق الخصاء،الذي ولّده ساحقا ايضاً.

لا شك ان شعور نبي الإسلام الساحق بالذنب هو وليد لقلق الخصاء الساحق،الذي تشربه طفلاً ويافعاً من مربياته ومربيه.

يجوز أيضاً الإفتراض بأن الشعور بالذنب عند نبي الإسلام، يعود أيضاً إلى ما قبل الطور الأوديبي،إلى الطفولة الباكره، إلى العلاقة مع الأم ـ الأم الوالدة والأم المربية: مولاة عمه أبو لهب وحليمة السعدية، التي أعادته إلى أسرته خوفاً منه أو خوفاً عليه؛بعد “حادثة” شق الصدر.

الشعور بالذنب يولد مع ميلاد الضمير الأخلاقي.فهل يكون الطفل محمد،الذي تلقفته أيادي الأمهات ،غير الرحيمات على الأرجح،قد نمّى فيه ضميرا اخلاقيا مبكرا ،قبل نهاية السنة الأولى من عمره؟.

هذا الضمير الأخلاقي المبكر، كان في منتهى القسوة،التي تجلت في السادية ضد الذات في مكة، منذ التأنيب الذاتي، إلى محاولات الانتحار المتجددة ،التي حاولها محمد المكتئب. ستتحول السادية ضد الذات إلى سادية ضد الآخر في المدينة:ضد الشعراء الذين هجوه،وضد اليهود الذين لم يسّلموا بنبوته وطمع في ثرواتهم، وضد أسرى قريش الذين جادلوه واستهزأوا منه في مكة.

أهم من البحث عن أسباب الشعور بالذنب،هو البحث عن عواقبه عند محمد المكي والمدني.

تتجلى عواقب الشعور بالذنب العصابي والذهاني في جميع التصرفات والانحرافات العصابية والذهانية للمريض في:

* الاضطرابات الوسواسية القهرية،التي تتجسد في المجال الديني، في الشعائر بما هي سادية ضد الذات.تجسدت عند نبي الإسلام ـ وعند كثير من المتصوفة حتى اليوم ـ في شعائر دينية معقدة، كثيرة ومرهقة أكثر من أي دين آخر على حد علمي:5 صلوات في اليوم من الفجر إلى شطر من الليل، وقد تستغرق الليل كله إلا قليلا بالنوافل.:”وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً[= الثلث الأخير] من الليل”،”يا أيها المزمل [=محمد]قم الليل إلا قليلاً ،نصفه،أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا؛إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا(…)واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا[=أذكر اسم ربك بلا كلل ولا ملل وكرس نفسك للعبادة ]”(7،4،3،2،1 ،المزمل)،

هذيان الشعور بالذنب، أملى على نبي الإسلام،خلال حلم الإسراء الهاذي 50 صلاة؛إلا أن الشطر السليم من نفسيتة ـ الذي تقمص شخصية أخيه موسى ـ تغلب هذه المرة نسبياً،على شطرها السقيم.فتفاوض الشطر السليم مع الله،مخفضاً لها إلى 5 صلوات بدل صلاة أسبوعية واحدة،الجمعة كما في المسيحة. وفي شعائر الطهارة للصلاة،و لقراءة القرآن أوحتى لمجرد مسه:”لا يمسه[القرآن] إلا المطهرون”،

(79 ،الواقعة) وللصلاة:الإغتسال الأكبر بعد الجماع،أو الإحتلام أو خروج المني بأية وسيلة كانت، الوضوء،أي غسل اليدين والرجلين والوجه والمسح على الرأس،بعد التبول،والتغوط،والظراط، والفساء وحتى مجرد مس الذكر سهواً…؛وشعيرة الحج الطويلة،المكلفة والخطرة؛وشعيرة رمضان المؤذية للصحة والاقتصاد… 

كما كانت نتيجة الشعور بالذنب كارثية على صحة نبي الإسلام النفسية، مازالت أيضاً كارثية على صحة واقتصاد ومستقبل أمته! التي فاتها،أساساً بسبب الإسلام البدائي الذي لم يقع إصلاحه،قطار الحداثة منذ قرون؛

* فقدان تقدير الذات الآثمة،الذي عبر عنه نبي الإسلام في تلك الإستغاثة يوم أُهين في الطائف: “اللهم إني أشكو إليك قلة حيلتي وهواني على الناس (…)”،هذا الهوان المرير الذي حاول،عبر الهلاوس، تسكينه بهذيان العظمة البارانوياك:فهو نبي،شفيع أمته يوم القيامة،سيعطيه ربه كل ما يريد فيرضى…

* الشعور الإكتئابي المرير بالسأم من الحياة، وتمني الموت، الذي تجلى عند نبي الإسلام في محاولات الانتحار المتكررة: لكن في كل مرة كان الشطر السليم من نفسيته يتغلب على الشطر السقيم، متجسداً في جبريل الذي يهدئ روعه قائلاً له:يا محمد انك رسول الله(…):”الأبحاث الحديثة العهد،تتجه إلى البرهنة بأن هذه المحاولات الانتحارية،يمكن أن تكون جزئياً مسكونة باندفاعية عالية جداً عند مرضى الفصام.ويوجد عامل آخر خطير للتصرف الانتحاري، يقدمه مجيء نوبة انهيارية مصحوبة بمشاعر الفشل،واليأس والتحقير الذاتي.(…)كثافة الألم النفسي عالية، إلى درجة دفع المريض إلى البحث على القضاء على نفسه في فترات الهذيان والهلاوس مثلاً،وفي لحظات الشعور الأليم بالعزلة وضياع معالم الطريق”(2).

المحاولات الانتحارية هي عدوانية ضد الذات:”الأفعال الإجرامية نادرة.العدوانية،عندما تكون موجودة، هي غالباً موجهة ضد الذات ويمكن أن تؤدي إلى الانتحار.هؤلاء المرضى هم غالباً ضحايا العنف وليسوا فاعليه.(3).هذا التشحيص ينطبق على حالة محمد،الذي حاول الانتحار مرارا في مكة،والذي كان ضحية عنف المشركين الفعلي والرمزي ولم يكن فاعله.أما في المدينة،كما سنرى ،فقد كان المناخ مهيئاً لينتقل محمد من العنف ضد الذات إلى العنف ضد الآخر.لذلك لا تخبرنا السيرة عن محاولات انتحار في المدينة!.

* في الجنوح:”مفاجئتي،قال فرويد، كانت أن الشعور المتعاظم بالذنب قد يجعل من الإنسان مجرماً” (4) .كيف يعطي هذيان الشعور الساحق بالذنب الجنوح والإجرام؟

“الجنوح مرتبط ارتباطا وثيقاً بسوء تصرف الأم مع طفلها، طوال فترة رضاعته،خاصة إذا كان الوسط العائلي لا يقدم للطفل مساندة ضرورية،فإن هذا الشعور بالذنب يصبح عبئاً لا يطاق”،كما يؤكد النفساني ويسكونط؛”العبء الذي لا يطاق”عبر عنه اللاشعور العاري لنبي الإسلام تعبيراً دقيقاً:”وزرك الذي أنقض ظهرك”.(2،الشرح).

تجلى هذا الجنوح والإجرام خلال الفترة المدنية في قطع الطريق على تجارة قريش؛في قتال القبائل وتحويل مكاسبها إلى غنائم لنبي الإسلام والمقاتلين في جيشه،في اغتيال الشعراء الذين هجوه؛في إجلاء قبائل اليهود،ومصادرة ثرواتهم إما لحسابه الخاص كفدك،وإما لحساب المسلمين،وإما قتلهم كبني قريظة!.

الجنوح والإجرام يشكلان،كما يؤكد علم نفس الأعماق،”متنفّساً”لمشاعر الذنب اللاشعورية الساحقة؛لأنه يقدم لها مبرراً شعورياً لشعورها بالذنب اللاشعوري:”هذا العنف[ضد عائلة الفصامي] عند مريض الفصام يتميز غالباً بطابعه اللامتوقع:يمكن أن يحدث عندما لا ينتظر أحد حدوثه،بلا سبب واضح وفي حالة برود عاطفية”(5).وهذه حالة الفيلسوف الماركسي الفرنسي الفصامي لوي الطوسِير؛عندما أقدم في 1980 على ذبح زوجته.(6)

“التكفير عن الشعور بالذنب،قد يكون مصدر تصرفات إجرامية”.(7)

“الشعور الزائد بالذنب،كما لاحظ فرويد،يمكن أن يحول الإنسان إلى مجرم”.إقتراف جرائم، لتبرير الشعور بالذنب الذي لا مبرر موضوعي له،يريح ضمير المجرم الأخلاقي المعذب.يبدو كما لو أن الإجرام،خاصة الديني،يحول الضمير الأخلاقي الغاشم إلى ضمير أخلاقي غائب. فتاوى قتل اليهود والنصارى ومن والاهم من”المرتدين”المسلمين، ترجمة لهذه العملية النفسية المعقدة، التي تحول المذنب وهمياً إلى مذنب فعلياً، ومع ذلك مستريح الضمير،الذي غسلته الفتوى من الشعور بالذنب الصحي.الشعور اللاشعوري بالذنب،يحتاج إلى جريمة؛الفتوى تقدم له التبرير الديني لإرتكابها.قسوة الضمير على المذنب تتحول إلى قسوة على الأبرياء،على كل من يوجدون على الضفة الأخرى،دينياً أو سياسياً،مخالفين لنا أو مختلفين عنا!.

وهكذا فهذيان الشعور الساحق بالذنب هو المغذي النفسي الأول حتى الآن للتعصب الديني والمطالبة بالعنف الشرعي والإنغماس في ممارسة الإرهاب الداخلي والخارجي.

هذه النقطة الأساسية، لفهم بواعث الإرهاب الإسلامي، لم يدركها حتى الآن إخصائيوا الإرهاب في الغرب،الذين مازالوا يرددون أن الإرهابيين أناس أسوياء،مثلي ومثلك!الفتوى لا تبرر الجريمة وحسب بل أيضاً تحولها إلى مصدر اعتزاز،عند الإرهابي الذي يغتال “الكافر” والمرتد،أو المؤمن المسعور،الذي يرجم الزاني أو الزانية.كلاهما يرجوان عن جريمتهما مكافأة في الجنة.ولماذا يكون هذا الشعور بالذنب ساحقاً،خاصة عند المتعصبين أساساً لأن الله،رمز الأب، إذن رمز محرمات الضمير الأخلاقي، مخيف، مؤنب ومذنب في الإسلام فهو”العزيز الجبار المتكبر”(23، الحشر)،وهو”شديد العقاب”(25،الأنفال)و “القوي شديد العقاب”(6،الرعد)و”إني أرى ما لا ترون:إني أخاف الله شديد العقاب”و”شديد العقاب بالطول”و”إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم”.

رهان إصلاح الإسلام ،بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان،هو تلطيف هذا الشعور الساحق بالذنب،منذ نبي الإسلام إلى اقصى اليمين الإسلامي المعاصر، مما جعل قطاعاً من المسلمين اليوم هاذياً دينياً،15 % من مسلمي العالم،حسب الإحصائيات الأمريكية،متطرفون: يمارسون الإرهاب او مهيأون لممارسته . كيف يمكن تحقيق ذلك؟.

اجتماعيا،بالتنمية الشاملة، ونفسياً بتغيير صورة الله في اللاشعور الجمعي الإسلامي:من جلاد شديد العقاب،أي قاسي وخاصي،إلى أب حنون يفيض حباً لعياله وأبنائه المسلمين والناس أجمعين.هذا الانتقال كفيل بتصعيد الشعور الساحق بالذنب، من سديم اللاشعور إلى وضح الشعور.الشعور اللاشعوري بالذنب هو المسؤول النفسي الأول اليوم، عن التعصب والعنف والجريمة والإرهاب.وكلما تم تحويله تدريجياً إلى شعور واع بالذنب، من أخطاء وخطايا فعلية وجدية،لا من خطايا وهمية او تافهة،يهوّلها هذيان الشعور بالذنب، كما في حالة نبي الإسلام أو المتطرفين المعاصرين. كلما كفّ الشعور بالذنب عن كونه مصدراً للتعصب والعنف والجريمة، عند قطاع من المسلمين المعاصرين المطالبين بجلد شارب الخمر 80 جلدة،وقطع يد السارق، ورجم الزاني والزانية، ودق عنق المرتد والجهاد في “الكفار”لإدخالهم في الإسلام إكراهاً!.

ممارسة هذا الإرهاب الشرعي أو المطالبة بممارسته،هو اليوم الدافع الديني القوي للجهاد ـ الإرهاب المعولم!.

تغيير صورة الله من إلاه ـ أب سادي، يُعذب بعض أبنائه العاصين لأوامره ونواهيه بشوائهم في نار جهنم:” كلما نضجت جلودهم بّدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب(…)”(56،النساء)ليتلذذ بمواصلة تعذيبهم !.

إنه لذو دلالة على تغلغل عدوى هاذه السادية الدينية في قطاع من المسلمين المعاصرين،أن الإسلامي الطبيب التونسي،صلاح كشريد،مترجم القرآن، اعتبر هاذه الآية المخيفة، برهاناً عن الإعجاز العلمي في القرآن لأن:”الأعصاب الناقلة للإحساس بالألم توجد كلها في الجلد”!وتبارك الله أحسن الخالقين!أما التعذيب السادي الفظيع فهو عين العدل!.

لا ينبغي بعد اليوم،أن يكون الله هو هذا الأب الجبار،القاسي الخاصي،الذي يُحقننا بالشعور الساحق بالذنب، كشهادة قاطعة، على خوفنا منه وطاعته طاعه عمياء، وتكريس معظم وقتنا لأداء شعائره.هذه الصورة، الشبيهة بصورة الوالدين الغاشمين في العائلة الإسلامية التقليدية، جديرة بالتجاوز إلى نموذج إلاهي أرقّ وارحم.

حتى نتشجع على انجاز هذه الوثبة الضرورية إلى الأمام،الأمام الروحي والإنساني،يجب ان نوفر الشروط الضرورية،التي تجعل علاقتنا بالله تتغير من علاقة قائمة على الخوف والشعور بالذنب، إلى علاقة قوامها الشعور بالحب، بالأمان والإطمئنان.

لتصحيح الصورة التي نملكها عن انفسنا وعن الله،للإنتقال من الله الشديد العقاب إلى الله الرحيم، علينا أن نتوصل إلى خارطة طريق مرصودة لإصلاح الإسلام من الله ـ الأب الذي يشوينا في “نار حامية”،إلى الله ـ الأب الذي يحمينا من مخاوفنا الطفولية. هذه الخارطة تتحقق بـ:

* إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان من الإبتدائي إلى العالي؛ 

* التوقف عن تدريس الآيات التي تزرع في رؤوس الأجيال الطالعة بذور هذيان الشعور بالذنب،وعن استخدامها في الإعلام وتلاوتها في الصلاة خاصة الجماعية،وعن تدريس آيات الإيمان بالقدر،خيره وشره،أي الإيمان المازوشي بأن”المكتوب”على الجبين تراه العين،وتالياً الانتهاء من تدريس وترويج آيات التسيير، المخربة لثقة المسلمين في أنفسهم، وتقديرهم لها،وبدلاً منها ،تدريس آيات التخيير، التي تمسك بها المعتزلة،والتي تجعل من المسلم منذ نعومة أظفاره،يؤمن بأنه هو ـ وليس الله ـ خالق أفعاله،وصانع حاضره ومستقبله بالقرار الصائب الذي يصنعه العلم؛

*تدريس حقوق الإنسان،التي هي ترياق الشعور العصابي والذهاني،بالذنب:استبطان حقوق الإنسان،يحوّل ما اعتبره الدين ذنوباً،إلى حقوق يمارسها الفرد المسلم ببراءة واعتزاز.لا شيء كتدريس حقوق الإنسان للوصول إلى التحرر الذهني الضروري لتأسيس الحرية وميلاد الفرد المستقل عن روح القطيع؛ 

* تشجيع وتعميم زواج الحب، على أنقاض زواج الإكراه التقليدي السائد؛فقد أكدت الدراسات النفسية، أن أطفال زواج الحب، يكونون محبوبين من آبائهم.هذا الحب الأبوي منذ الطفولة يعطيهم الثقة في أنفسهم،التي هي ترياق سم الشعور بالذنب؛

*تدريس الفن والأدب الباسمين المنشطين لغرائز الحياة؛

* تعميم ثقافة الإقبال على التحليل النفسي،الذي يساعد الفرد على أن يعرف نفسه ويعترف بها.

عندئذ لا تعود الآيات المحكمات او المتشابهات هي التي تتحكم في تقرير مصيرنا؛بل يعوضها العلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية والمؤسسات العلمانية والديمقراطية. 

مراجع الفصل السادس

1 ـ مختصر سيرة ابن هشام ص 105.

2 ـ عش وافهم الفصام ص 58.

3 ـ نفس المصدر ص 109.

4 ـ فرويد، الأنا والهو،ص 21.”الهو”هو محكمة نفسية لا شعورية تهجع فيها جميع غرائر انتهاك المحرمات وهي في صراع دائم مع الأنا الواعي[=العقل]وأيضاً وخصوصاً مع الأنا الأعلى نصف الواعي الذي هو الضمير الأخلاقي.

5 ـ نفس المصدر ص 69 .

6ـ ـ كان الطوسير يلقي دروساً عن رأس المال بما هو،في نظره،الكتاب الوحيد الممثل للماركسية العلمية.أما كتب ماركس الشاب الآخرى فهي عنده رومانسية هيجلية.كتب ذات يوم في اليومية لوموند:”الثورة مع الحزب الشيوعي الفرنسي مستحيلة؛والثورة من دون الحزب الشيوعي الفرنسي مستحيلة،ومع ذلك سأبقى عضواً فيه”!صدمتني الصياغة،فحضرت لأول مرة حلقة دروسه، وسألته:هذا ليس الديالكتيك،بل هو الشكزوفرينيا.فامتقع لونه.تصدى لي أحد طلبته: يببدو أنك لم تحضر للتعلم بل للإستفزاز،لقد أخطأت العنوان.ابحث من فضلك عن عنوان آخر يناسبك. فخرجت.لم أكن أعلم آنذاك أن الطوسور فصامي.بل ولم أكن أتوقع ذلك من أستاذ،مساعد في مدرسة المعلمين العليا من1948 ـ 1980 .لم أعلم بمرضه إلا بعد ذبحه زوجته،قرأت كتابه الأخير المؤثر،بعد خروجه من مستشفى المجانين وقبيل وفاته أو انتحاره:”المستقبل يدوم طويلاً”،المليء بالإعترافات الروسويه مثل أنه،عكس الإنطباع الذي كان يعطيه عن نفسه بأنه موسوعي،لم يقرأ طوال حياته إلا 100 كتاب.

7 ـ معجم السايكولوجيا ،ص 175،بف،باريس.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

أسابيع حاسمة في سوريا

النهار اللبنانية

فيما ينكشف يوما بعد يوم ضعف النظام في سوريا في المواجهة مع الثورة، من خلال الوقائع الميدانية، ومحدودية تقدمه السابق في بعض المناطق، يجد “حزب الله” المتورط في دماء السوريين حتى الرأس نفسه يخسر في السياسة لبنانيا، الى درجة ان تورطه في سوريا دفع بالاطراف الذين كانوا يمنحونه شيئا من التغطية اللبنانية الى الحياد عنه بشكل متزايد، لا بل ان البعض مثل الرئيس ميشال سليمان ذهب بعيدا في سحب تغطية اعلى مرجعية في الدولة من “حزب الله” بالمواقف التي عبر عنها خلال خطابه في عيد الجيش، ومضمونها الفعلي ان سلاح “حزب الله” بالنسبة الى الرئاسة الاولى هو خارج الشرعية، وان ثلاثية “الجيش الشعب والمقاومة” انتهت، التوجه هو لتشكيل حكومة حيادية لا يكون “حزب الله” فيها. لنعد اولا الى سوريا: تُظهر التطورات الميدانية الاخيرة في الشمال السوري، وفي ريف اللاذقية ان النظام فقد المبادرة نهائيا في منطقة حلب ومحيطها، وان ما تبقى من احياء في قبضة جيش النظام سرعان ما سيسقط، في حين ان القرى الشيعية المحاذية لحلب والتي يتمركز فيها “حزب الله” آيلة الى السقوط ايضا، واستتباعا فإن ما تبقى من مناطق في محافظة ادلب سيواجه المصير نفسه. ولعل “الطحشة” العسكرية في اتجاه معقل آل الاسد في جبال العلويين وسقوط احدى عشرة قرية علوية بيد الثوار، ما يشي بأنها، وان لم تكن حاسمة اليوم، فإن مفاعيلها المعنوية على بيئة بشار الاسد وبطانته دراماتيكية. فضلا عن أن آخر الارقام المتداولة في الاوساط المقربة من النظام تشير الى ان الطائفة العلوية فقدت نحو اربعين الفا من ابنائها منذ انطلاق الثورة في آذار ٢٠١١. وهذا رقم كبير اذا ما قورن بحجم الطائفة العددي، وباللاوعي الاقلوي الذي يتحكم بها في هذه المرحلة.

في درعا تحضيرات لهجوم في المرحلة القريبة، وفي دمشق ثبات للثوار في جميع المواقع التي بلغوها. ومن هنا تقاطع التقديرات حول محدودية أي تقدم أحرزه النظام أو يمكن أن يحرزه مع معونة “حزب الله” أو بدونها. فهل ثمة تطورات دراماتيكية مرتقبة في الاسابيع القليلة المقبلة؟ هذا متوقع أكثر من أي وقت مضى.

ماذا عن “حزب الله”؟ شخصية سياسية عربية رفيعة المستوى التقيتها في باريس أخيرا قالت لي: “حزب الله ضخم قياسا على الواقع اللبناني، اما في سوريا فهو قزم. مهما حقق من نتائج في بعض المناطق فهي محدودة لا تؤثر في المآل النهائي للمعركة الذي حسمته قوانين الديموغرافيا السورية. من هنا اقول لك “حزب الله” لا يملك ان يحمل الواقع السوري برمته على كتفيه”.

بالامس نصح النائب وليد جنبلاط الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله بالانسحاب من سوريا لان العد العكسي لسقوط النظام قد بدأ، ولوّح بالانضمام الى المطالبين بحكومة امر واقع حيادية. ألا يعكس موقف جنبلاط قراءة لتبدل في المعطى اللبناني: “حزب الله” بعد التورط في سوريا غير “حزب الله” قبله؟ لننتظر ونرَ…

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

“” الشعور بالذنب “”

الشعور بالذنب.. اخطر الية تستخدم لجر الناس للتدين ومعرفة المجهول ؟؟

فرق كبير بين كتاب فيه كذبة.. او كذبة اصبحت كتاب..

لي صديق عراقي اشوري سافر الى هولندا والتقى مع اقارب الذين اصبحوا متزمتين جدا رغم هم عكس ذلك في الوطن وهذا ما يسمى صدمة المهجر ( الصدمة الثقافية في الغربة ) وهذه يعاني منها كل المغتربين من الشرق العربي وفي اكل الاديان ..

وبسبب الانفلات العائلي في الغرب والحياة الشخصية اي الفردية .. صغر حجم العائلة وفردية العيش ومنائجها على المجتمع .

وكان صديق الاشوري يعاني الامريين من تلك العائلة فالسؤال اليومي المتكرر متى تسلم نفسك للمسيح (ع) .. وكانه احد المطلوبين للشرطة ..

ويقابله الشيوخ في البلدان المحتلة من قبل الاخوان .

ويعتقد اتباع االفكر الديني بانهم متميزين لانهم ملتزمين والبقية لا.. وكذلك يعطون شعورهم بانهم يعرفون ما سوف يحدث بعد رحلة الحياة في رحلة الموت ولكي تعرفها عليك الانظمام لهم ….وهنالك اشكالية ما يسمى (( ايمان العجائز )) .

هذه هي الحلقة المفقودة في رحلة التدين عند الكبرالخوف من المجهول الًه الخوف …والانظمام للقطيع لكي يقومون في غسيل اخلاقي للماضي ويلبسون البدلة البيضاء وبيدهم الكتاب .. المنقذ في ( ثقافة ا لهروب )عن العقاب بعد الموت التى تثقف بها الجهلة المتعلمون ؟؟؟

اي الجهلة ( الجهلة الجهل بالشي ) لا يعرفون الواقع ولكن قد وقعوا في مصيدة الفكر المنقول وقبلوا به ونقلوه للاخرين مارثون ولكن في الدماغ .

فالالية هي :

1- اشعار المواطن بالذنب

2- لكي تعرف المجهول عليك الالتحاق بالسرب اي اتباعنا اتباع الفكر الديني لانه المفتاح

3- انت مخطىْ وهذه هي لحظة تصحيح الخطأ.

4- بعد الهداية اي الانظمام للقطيع سوف تنقذ رقبتك من حبل المشنقة بسبب مخالفتك للارادة الالهية

( وين للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون)

الويل والثبور وعظائم الامور وهذا اسلوب تهديد وليس هداية.

Posted in ربيع سوريا, فكر حر | Comments Off on “” الشعور بالذنب “”

ديكتاتور روسيا الجديد .. فلاديمير بوتين

د. ميسون البياتي 173646_Putin (1)

على الورق فقط تمتلك روسيا دستورا ً مثل بقية الأمم , كما تقام فيها الإنتخابات , والبرلمان يوافق على القوانين , والرئيس ورئيس الوزراء يؤدون واجبهم , والشعب ينعم بالديمقراطيه , كل هذا على الورق فقط لأن الحقيقة شيء مختلف تماما ً .

منذ عام 1993 حين بدأ العمل بالدستور الروسي الجديد تنحسر السلطة يوما ً بعد يوم لتصبح في يد رئيس البلاد وحده ولا أحد سواه .. الى الحد الذي وصلت فيه روسيا اليوم الى مرحلة حكم الفرد الواحد .

من مرحلة ما قيل أنهاكانت تمثل الحالة الديمقراطيه عند الإستقلال عن الإتحاد السوفييتي وحتى مرحلة الديكتاتوريه الواقعه بالفعل في روسيا اليوم , تحولات أحدثها فلاديمير بوتين خلال 8 سنوات من عمله كرئيس لروسيا , ورغم أنه يشغل الآن منصب رئيس الوزراء لكنه في الحقيقة هو الرئيس الفعلي للبلاد .

حين وصل ميخائيل غورباتشوف الى رئاسة الإتحاد السوفييتي إعتمد سياسة الإنفتاح ( غلاسنوست ) وإعادة البناء ( بريستوريكا ) وفي عهده قلت صرامة الرقابه على الإعلام . تظاهر سكان دول البلطيق ودول القوقاز مطالبين بالإستقلال عن الإتحاد السوفييتي .

فيدرالة روسيا التي كان يحكمها بوريس يالتسن هي الأخرى إعترضت على السلطه السوفييته وأدت تداعيات الموقف الى إعلان روسيا إستقلالها عن الإتحاد السوفييتي تاركة غورباتشوف رئيسا ً بلا دوله مما إضطره الى حل الإتحاد السوفييتي عام 1991 .

حين إستقلت روسيا عن الإتحاد السوفييتي خسرت الكثير من الأراضي التي كانت تابعة لها يوم كانت تحت حكم القيصر , خسرت معظم سواحلها على بحر البلطيق الى كل من أستونيا ولا تفيا وليتوانيا ثم أوكرانيا وبيلا روسيا .

الإتحاد السوفييتي الذي كان دولة واحده تقاسمه 15 وريث , وإنهياره تسبب على الفور بالعديد من المشاكل . أراضي بروسيا الألمانيه التي سيطرت عليها روسيا عند نهاية الحرب العالمية الثانيه إنفصلت عن روسيا لتصبح بيلا روسيا .

ملايين الروس الذين كانوا يعيشون في مختلف أرجاء الإتحاد السوفييتي وجدوا أنفسهم بعد الإنهيار وقد أصبحوا مواطنين في دول أجنبيه وليست روسيا التي هم منها .

الأسلحه النوويه السوفييتيه لم تخزن في روسيا وحدها , لكنها انتشرت في بيلا روسيا وكازاخستان واوكرانيا , وجميع هذه الدول طالبت برفع هذه المعدات عن أراضيها بعد الإستقلال .

المحطه الفضائيه بيكنور التي تنطلق منها الفعاليات الروسيه الفضائيه أصبحت مشكلة هي الأخرى بسبب وجودها في كازاخستان . أما الصناعات الروسية الثقيله والتي كانت مواقعها موزعه على جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق فقد أصبحت صناعات روسيه قائمة في دول أجنبيه , وتطالب هذه الدول بضرائب عاليه على إستمرار إنتاجها .

الحكومه الروسيه بزعامة بوريس يالتسن واجهت بعد الإستقلال عن الإتحاد السوفييتي مواقف حاده من الشيوعيين المعارضين لحركة يالتسين , مثلما واجه يالتسن معارك في القوقاز بعد إعلان جمهورية الشيشان إستقلالها عام 1994 فدخل الجيش الروسي الى الشيشان وخاض حربا ً طاحنه إستمرت حتى عام 1996 .

على الجانب الإقتصادي باع يالتسن الكثير من أسهم الحكومه في الصناعات الثقيله كالنفط والألمنيوم والمناجم فإشترها منه موظفون حكوميون كبار فاسدون بأموال الحكومه وتمت سرقة الأموال التي دفعها الحكوميون الفاسدون من قبل موظفين ماليين كبار في عملية فساد تاليه . بوصولنا الى عام 1998 إنهار الإقتصاد الروسي وفقد الروبل قيمته فعم الفساد عموم المجتمع .

لم يتحمل يالتسن مقارعة كل هذه المشاكل ولهذا قام نهاية العام 1999 بتسليم السلطه الى فلاديمير بوتين العضو السابق في الكي جي بي . يمتاز بوتين بصرمة عاليه فقد إستحوذ على البلاد وجرد الخصوم السياسيين من قوتهم .

تصاعد أسعار النفط والغاز اللذين يشكلان أهم صادرات روسيا وفّر للبلاد عملة جيده سمحت لبوتين بترميم إقتصاد بلاده المنهار , كذلك إنتصر بوتين في حرب الشيشان الثانيه وتعامل بسياسة خارجية فظه لدعم تطلعات روسيا في الخارج .

في الدورة الإنتخابيه التاليه في 2004 بقي بوتين في منصبه كرئيس للدوله , لكنه مُنِع دستوريا ً وبشده من الإستمرار في حكم البلاد لفترة رئاسية ثالثه , عندها أوجد لنفسه طريقة للإستمرار في الحكم , ولكن من مقعد رئيس وزراء للبلد ومن خلال رئيس لروسيا إختاره هو بنفسه وهو ديمتري ميدفيديف .

عند إنهيار الإتحاد السوفييتي 1991 إجتمع رؤساء روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا لِلَمّ شمل العِقْد السوفييتي الذي إنفرط فقاموا بتشكيل الكومن ويلث الروسي .

لا يمتلك هذا الكومون ويلث إلا سلطات محدوده خارج حدوده لكن الدول الداخله فيه تتعاون فيما بينها إقتصاديا ً وتجاريا ً وأمنيا ً وتشريعيا ً وفي نظام الحد من الجريمه , وكذلك تنظيم إرسال جيوش تشارك في مهمات حفظ السلام مع الأمم المتحده .

قامت 12 دوله من أصل 15 دوله من دول الإتحاد السوفييتي السابق بالدخول في هذا الكومون ويلث عدا بيلاروسيا وليثوانيا ولاتفيا اللواتي فضلن الإنضمام الى الإتحاد الأوربي وحلف شمال الأطلسي عام 2004 . أما بعد قيام الجيش الروسي بالإجتياح العسكري لجمهورية جورجيا عام 2008 فقد أعلنت جورجيا إنسحابها من الكومون ويلث .

ينص الدستور الروسي على أن رئيس الدوله هو رئيسها الذي ينتخب من قبل الشعب ليحكم 4 سنوات , بعد 2012 رفعت المده الى 6 سنوات . ويحرم دستوريا ً على الرئيس أن يحكم أكثر من فترتين رئاسيتين , وهنا سنعرف لماذا غادر بوتين مكتبه الرئاسي ليمنح الكرسي الى شخص إختاره بنفسه هو ديمتري ميديفيديف ليصبح رئيس الدوله والقائد العام للقوات المسلحه ويحدد الإتجاهات الأساسيه للسياسه الروسيه ويعين السفراء ويوقع المعاهدات الدوليه ويمثل روسيا في الخارج . كما يمتلك مديفيديف صلاحية تعيين رئيس الوزراء فلاديمير بوتين ( ولكن هل يملك صلاحية عزل بوتين ؟ )

رئيس الوزراء حسب الدستور الروسي هو رئيس مجلس الوزراء وله نائبين أولين , و6 نواب عاديين إضافه الى 17 وزير بمختلف الإختصاصات . وهذا الفريق كله يشكل الحكومه التي تدير البلاد .

السلطه التشريعيه في البلاد عباره عن جمعيه فيدراليه مكونه من مجلسين :

# مجلس الدوما الذي يضم 450 عضواً يشكلون المجلس الأدنى في الجمعيه الفيدراليه

# المجلس الفيدرالي الذي يضم 168 عضواً يشكلون المجلس الأعلى في الجمعيه الفيدراليه .

كان إنتخاب أعضاء مجلس الدوما يتم كل 4 سنوات ولكن بعد 2011 أصبح كل 5 سنوات . يتوزع عدد مقاعد مجلس الدوما بحسب الأصوات التي يحصل عليها كل حزب , ثم يقوم الحزب بعد ذلك بترشيح من يختاره من أعضائه لشغل هذه المقاعد , كما أن على الحزب أن يفوز ب 7% من عدد أصوات الناخبين الكلي لكي يحق له أن يكون له ممثل في مجلس الدوما . عام 2007 فشلت 7 أحزاب في الحصول على مقعد واحد في مجلس الدوما لأنها لم تتمكن من الحصول على نسبة 7%

مهام مجلس الدوما هي الموافقه على القوانين والميزانيه العامه والمصادقه على تعيين رئيس الوزراء والسفراء العاملين في الخارج , كما له سلطه على البنك المركزي والمنظمات , وله حق الإقتراع على سحب الثقه وإجبار الحكومه على الإستقاله .

تتكون الفيدراليه الروسيه من 83 كيان فيدرالي مختلف النظام موزعين بالشكل التالي :

منطقه عدد 46 , جمهوريه عدد 21 , مقاطعه عدد 9 , حي عدد 4 , منطقة حكم ذاتي عدد 1 , فيدرالية مدينة موسكو , فيدرالية مدينة سان بطرسبرغ = 83 .

المجلس الفيدرالي يضم 166 سيناتور . عن كل فيدراليه روسيه من الفيدراليات أعلاه يترشح إثنان , أحدهما يختاره برلمان فيدراليته , والثاني يختاره حاكم فيدراليته . محرم دستوريا ً على السياسيين الدخول الى المجلس الفيدرالي كأعضاء لأن هذا المجلس له مهمه محدده هي وضع القوانين للبلاد بعيداً عن الصراعات السياسيه .

دور المجلس الفيدرالي هو العمل مع مجلس الدوما على إصدار القرارات القانونيه والموافقه على القرارات الحكوميه وفي حالات الضروره فالمجلس الفيدرالي له صلاحية عزل رئيس البلاد اذا أخل بواجبه لأي سبب من الأسباب .

رئيس الدوله الذي هو ديمتري ميدفيديف قام بتعيين رئيس الوزراء فلاديمير بوتين , فقام بوتين بتعيين أفراد حكومته .. النواب والوزراء , أضف على ذلك أنه عين 83 حاكم إقليمي على الفيدراليات ال 83 , وهذه الصلاحيات أعطته السيطره على مقدرات البلد مركزا ً وأقاليم مثلما منحته السيطره على المجلس الفيدرالي لأن الحكام الفيدراليون المعينون من قبله يرشحون نصف أعضاء هذا المجلس مثلما أسلفنا .

الأهم من كل ذلك أن بوتين يسيطر على مجلس الدوما فحين كان قبل عدة سنوات يشغل منصب رئيس الدوله ورئيس حزب روسيا الموحد , قام بوتين يومها بترقية هذا الحزب من حزب عادي المنزله الى حزب حاكم للبلاد , ولكي يتأكد أن الأحزاب الأخرى لن تتمكن من الوصول الى مجلس الدوما كان يضع في طريقها العراقيل . مثلاً في العام 2005 تغير نظام الترشح للإنتخابات من نظام ترشيح فردي الى نظام ترشيح قوائم وهذا معناه أن شخصيات البلاد من خارج التنظيمات والتحالفات الحزبيه لن تتمكن من ترشيح أنفسها .

الأحزاب نفسها تم تضييق الخناق عليها فبعد أن كان مطلوبا ً منها الفوز ب 5% من العدد الكلي لأصوات الناخبين لكي يكون من حقها شغل مقعد في مجلس الدوما رفعت النسبة الى 7% . بوصولنا الى عام 2007 لم تنطبق شروط الترشح إلا على 14 حزب فقط من جميع الفيدراليات الروسيه ال 83

من هذه ال 14 حزب التي يحق لها الترشح تم طرد 3 لأسباب مختلفه , 7 أحزاب خرجت لأنها لم تحصل على نسبة 7% من المجموع الكلي للأصوات , ووصلت 4 أحزاب فقط الى مجلس الدوما .

حزب روسيا الموحد الذي يرأسه بوتين تحالف مع الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب العداله الروسي وبهذه الطريقه سيطر بوتين على 412 مقعد في مجلس الدوما من أصل 450 مقعد

38 مقعد المتبقيه شغلها الحزب الشيوعي الروسي الذي لم يعد له صوت في مجلس الدوما أمام أصوات الأغلبية الساحقه التي يسيطر عليها بوتين .

ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

فرع مخابرات اليهود السوريين

عتاب محمود : كلنا شركاء

كـ تعقيب, حول ما نشر في موقع “كلنا شركاء” قبل عدة أيام, تحت عنوان :

بشار الاسد يدعو رئيس الطائفة الموسوية لافطار ليلة القدر

والذي ورد فيه :

تقدمت صفحة يهود سوريا على الفيس بوك بشكر خاص لرئاسة الجمهورية …إلخ

نقول :

غير صحيح أنّ اليهود السوريين على زمن عائلة الأسد , كانوا يتمتعون بحقوقهم كاملة, أو كانوا يحظون بالاحترام اللائق, على الاطلاق.

فقد أنشأ حافظ الأسد(لمن لا يعلم) فرع مخابرات خاص أسماه (فرع اليهود), كان مخصصاً لمراقبة اليهود السوريين, والتعامل معهم .

وأيضاً,,,

وعلى سبيل المثال وليس الحصر , هل سأل أحدكم نفسه, لماذا يطلب السجل العقاري إخراج قيد مدني(كورقة إجبارية) عند عمليات البيع والشراء للعقارات في سورية, طوال فترة حكم آل الأسد ؟؟؟؟؟

الجواب لمن لا يعلم : من أجل منع اليهود السوريين(فقط) من بيع أو شراء العقارات, إلا لحاشية النظام!!!, حيث يتم إلغاء أي عملية بيع أو شراء لأي عقار, إذا كان مكتوب في خانة الدين الخاصة بالقيد المدني كلمة : يهود. والمعروف أنه لا يذكر حقل الدين في بيانات البطاقة الشخصية السورية, عكس إخراج القيد المدني.

طبعاً, هذا لا يخص عصابة النظام, ولا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد؟؟؟؟؟

فقد تابعتُ شخصيا عملية بيع شقة سكنية (في مدينة حلب, حي الجميلية) تخص عائلة يهود موجودة خارج سورية في العام 1997م, البيع تم لشخص يدعى العميد”علي محمد دوبا”, وهو ابن عم العماد “علي دوبا”, ما غيره.

أما كيف تمت عملية البيع, فهي على الشكل التالي:

1- تمت المفاوضات بما يتعلق باتمام البيع بالمراسلة.

2- بعد الاتفاق على المبلغ, تم إرسال وكالة تجيز البيع من العائلة اليهودية السورية لمحامي في مدينة حلب, تسمح له ببيع الشقة لشخص محدد هو “العميد علي محمد دوبا” المذكور أعلاه.

3- تم الإشارة في كامل أوراق إضبارة الفراغة إلى وجود موافقة شعبة المخابرات (تبع العماد علي دوبا, الذي يتبع له فرع اليهود أيضا), من أجل التغلب على شرط البيع , وهو الدين (غير اليهود).

4- مبلغ البيع المتفق عليه هو خمس مئة الف ليرة سورية, في العام 1997م, بينما كان ثمن الشقة الحقيقي عشرة أضعاف هذا المبلغ, أي أن ثمن الشقة خمسة ملايين ليرة سورية.

5- دفع ثمن الشقة تاجر حشيش حلبي (من عشيرة العساسنة), حسب ما أذكر, يدعى أبو محمود .

6- تم تحويل الشقة لعيادة أطفال, للطبيبة زوجة المذكور أعلاه ” العميد علي محمد دوبا”, حسب الأصول .

وهنا يحضرنا سؤالين اثنين فقط لا غير:

1- هل يجرؤ أي سوري في زمن عائلة الأسد, على شراء شقة من عائلة يهودية خارج سورية, بالمراسلة, وتوكيل محامي لهذا الخصوص, ومن ثم دفع عُشر ثمن الشقة الحقيقي, وتحويلها لاحقا لعيادة.

2- أين هي حقوق اليهود السوريين في كل هذه القصة؟؟؟؟؟

ملاحظة: العميد “علي محمد دوبا”, هو بذاته قصة فساد متكاملة الأركان, نرجو أن يسعفنا الوقت للحديث المطول عنها, بعد فترة .

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الساحل السوري في «عيون الموت»

عصام خوري :جريدة الجمهورية

اللاذقية هي المدينة الثانية التي انتفضت في وجه السلطة عام 2011. إلّا أنّ هذه المدينة المتنوعة طائفياً، لم تصبح مسرحاً للتصفيات الطائفية كما حدث في حمص، نتيجة فرار غالبية شباب الطائفة السنّية إلى خارجها…

تنقسم محافظة اللاذقية بعد مرور عامين على النزاع للأقسام التالية:

القسم الثائر: وهو قسم متمترس في أرياف “جبل التركمان، وجبل الأكراد” وصولاً إلى الحدود التركية-السورية، حيث تتواجد مخيمات اللجوء. ويتكوّن هذا القسم من مجمل أسر المنشقّين عن الجيش النظامي، وكل من تمّ توثيق خروجه في التظاهرات، بالإضافة إلى مجموع الأسر التي تدمرت منازلها، ويعيش هذا القسم ظروفاً معيشية بالغة التعقيد والصعوبة.

القسم الموالي المسلّح: وهو القسم المغالي بالتطرّف الديني من الطائفة العلوية، وقد استطاع النظام تجنيده ضمن ما سمّي “جيش الدفاع الوطني، اللجان الشعبية، جيش تحرير لواء اسكندرون، الشبيحة”، وبما أنّ غالبية ضباط الجيش السوري هم من الطائفة العلوية، فقد أصبح هذا القسم مع مجموع أسره عبارة عن بيئة متكاملة، هدفها الأول والأخير بقاء النظام من أجل تبرير وجودها ونشاطها.

من هنا انقسم المجتمع المحارب في الساحل إنقساماً واضحاً بين السنّة والعلويين. ولكن في مجتمع الساحل أقسام أخرى مغيبة عن الإعلام ومن أبرزها:

القسم الحيادي: ويمثّل الغالبية المجتمعية ضمن المدينة، فهذا القسم منهمك بعجلة الإقتصاد والحياة الوظيفية، وهو يدرك أنّ أي اضطراب يمسّ المدينة، فإنّه سيؤثر على لقمة عيشه وعيش أبنائه، وجلّ أمنيات هذا القسم أن يتوقف النزاع المسلح عبر تسوية سياسية تحافظ على مدينتهم من الدمار.

القسم العلوي المعارض: وهو قسم منبوذ إجتماعياً، فضمن جملة الإصطفافات الطائفية، لا توجد بيئة قادرة على حمايته، أو حتى الجدال معه حول أولويات الحرية والكرامة والمواطنة، مقابل أمان الطائفة… وقد تجد ضمن الأسرة العلوية المعارضة شباناً يخدمون الجندية، ولا يجرؤون على الإنشقاق لغياب وجود بيئة تحتضنهم في الجيش الحرّ.

كما قد تجد ضمن هذه الأسر شباناً منضوين في ما يسمى “اللجان الشعبية” لهدف الحصول على راتب مقداره “15 ألف ليرة”، في ظلّ غياب وجود مصادر مالية ضمن تعطّل دورة الحياة الإقتصادية في الساحل وسوريا عموماً.

القسم المسيحي المعارض والموالي: هو قسم يجتمع على جانب واحد، وهو رفض القتل بكل أنواعه سواء كان من السلطة أو من المعارضة، وكان هذا سبباً في عدم اشتراك الشباب المسيحي في أي لجان شعبية مأجورة.

ولكن هذا القسم منقسم ضمن الأسرة الواحد،ة فقد ترى فيه أخاً معارضاً وأختاً موالية أو العكس… قسم كبير من الشبان المسيحيين فروا إلى بعض دول الجوار هرباً من خدمة الجندية، ومن لم يتمكن من الهرب إلتزم بالخدمة الإلزامية قسراً.

القسم الرافض للنظام وللمعارضة الإسلامية المتطرفة: يجتمع في هذا القسم تجمّع كبير من الشخصيات النشطة ضمن الأقسام سالفة الذكر، فمدينة اللاذقية بالتجرّد عن تنوعها الطائفي هي مدينة بحرية، وككل المدن البحرية في العالم يكون شعبها أكثر إنفتاحاً وتفهّماً للآخر. فقد تلتقي بسنّي معارض يعلن جهاراً إستنكاره لسلوك “دولة العراق والشام الإسلامية”، وسخريته من تنظيم كتنظيم النصرة. كما تلتقي علوياً يشتم علناً ميليشيا “هلال الأسد” التي تمارس أفعالاً مشينة في المدينة وريفها.

معارك اللاذقية الجديدة:

أعلنت المعارضة المسلحة عن بدء معركتها ضد النظام صبيحة 4 آب الجاري، لتسيطر على قرى تابعة للنظام وهي “نباتة، بارودة، ستربة، جبل دورين، تلا، بيت شكوحي”. واستطاعت غنم عدة آليات للنظام، وبدوره النظام حشد قواته لتدور معارك مستمرة مدعومة بسلاح الجو “طيران، صواريخ”…

طبعا حدوث هذه المعارك في اللاذقية ليس عبثياً، بل هو نتيجة كمية تسليح جيدة وصلت للثوار في الفترة الأخيرة، وفي هذه المعارك التي تأخذ طابع الكرّ والفرّ لا يمكن تحديد خاسر أو رابح دائم، إلّا أنّ الخسائر التي لا تعوض هي:

– نزوح الكثير من الأسر العلوية، خوفاً من افعال إنتقامية في حقهم، وتضخيم هذا الأمر إعلامياً من طرفي النزاع لهدف تعزيز الإصطفافات الطائفية ضمن المجتمع المحلي.

– التنكيل الطائفي من السنّة لبعض العلويين كنوع من الثأر لما ألمّ بسنّة قرى بانياس “البيضا، المرقب”.

– ردات فعل إرتجالية من قبل ميليشيات النظام “الشبيحة”، عبر إطلاق الرصاص بكثافة خارج جامع البيرقدار خلال الصلاة، مما سبب حال ذعر في الأحياء ذات الغالبية السنّية.

– حرائق كبيرة للغابات في مناطق الإشتباكات، مما أزال مساحات شجرية عمرها مئات السنين.

خطورة الخسائر السابقة تكمن في تأثيرها على كل الأقسام البشرية غير المنضوية في النزاع العسكري، فهذه الأقسام سعت خلال العامين الماضيين لأن تكون مدينة اللاذقية مدينة نهاية الأزمة.

إلّا أنّ المتغيرات الحالية وفي حال استمرارها وتأججها قد تدفع المدينة لأن تعيش مرحلة دمار حمص، خصوصاً وأنّ المدينة القديمة في كثير من أحيائها السنّية هي أحياء سكن عشوائية، ومن خلال ملاحظاتنا للمدن السورية التي تعرضت لمعارك، فإنّ كل أحيائها العشوائية قد دمرت من قبل النظام بحجة توطين المعارضة فيها.

إلّا أنّ المختلف في تجربة اللاذقية هو أنّ المعارضة المسلحة تحارب من خارج المدينة، أي أنّ حجة النظام غير مشروعة لقصف المدينة الخاوية من المعارضين المسلحين. لكن هذه الشرعية قد تتم في حالين:

– ظهور خلايا نائمة مسلحة ضمن المدينة، وقيامها بتفجيرات أو بظهور مسلح ضد النظام.

– تنامي الغلّ الطائفي، وتحويل النزاع العسكري نحو نزاع طائفي معلن.

لذا على الأقسام البشرية غير المسلحة أن تكون صمام الأمان في هذه المرحلة، وهذا لن يتم بالوقوف على الحياد، بل يفرض عليها وقوفها الأخلاقي علناً ضد أي انتهاك ومن أي طرف مسلح، والا خسروا مدينتهم وكسبها تجار إعادة الإعمار المتعاقدين مع تجار الحروب.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ -5

الفصل الخامس 

هذيان التأثير والمس الدينيين

* “أفكار التأثير تجعل المريض يعتقد أنه خاضع لقوى خارجية توجه أو تُرغم فكره، تتحكم في حكمه، تدين أفعاله. هذه الإعاقة للحياة النفسية يضعها المريض على حساب قوى خارجية، على حساب تجارب التلباثي [= التأثير أو الرؤية عن بعد]. موضوعات التأثير متواترة بكثافة في الهذيان النبوي أو الصوفي: الإلهام الرباني والمس”

(لامبيرتر و فلينى، في كتاب طب نفس الراشد، ص 37 ـ 38 ، دار ماسون،1991 باريس).

*هذيان التأثير: “شعور المريض بأنه ُمسيّر لا مُخّير من قوة خارجة عن إرادة المريض، فهو لا يتحكم فقط في أقواله وأفعاله ومشاعره، بل هي مفروضة عليه” (نفس المصدر ص 275). 

**********

هذيان التأثير

أفضل من عرّف هذيان التأثير، تعريفاً دقيقاً، هو الرسول بولس عندما أكد: “لست أنا الذي أحيا، بل إن المسيح هو الذي يحيا فيّ”.

المرض الأول لنبي هو النبوة. رأينا أن الآشوريين كانوا يسمون النبي: “مملوك الآلهة”، أي ممسوس. وهذا مفهوم دقيق يغطي مفهوم هذيان التأثير.وهذا ما يقوله لاشعور محمد لشعوره:”إن الذي فرض عليك القرآن(…)”(85 القصص).القرآن بما هو هذيان مفروض على نبي الإسلام فرضاً،أي غصباً عنه. فمن فرضه؟ الطب النفسي يجيب: هذياناته وهلاوسه.

هذيان التأثير الإلهي، أو هذيان المس الشيطاني، على توجيه أفكار النبي وسلوكه،تنهض عليهما شواهد عديدة من القرآن والحديث والسيرة معاً.ليس صدفة أن الطب النفسي يؤكد أن:”موضوعات التأثير متواترة[في الإلهام الرباني والمس]وبكثافة في الهذيان النبوي والصوفي”.

يُعرف معجم روبير النبي بأنه:”شخص يدعي كشف حقائق خفية باسم إلاه يقول أنه يلهمه”أفكاره وأفعاله.وهكذا فالنبي يُعلن الإستقالة من وظيفة التفكير، لإعتقادة الهاذي بأنه أصبح لعبة في يد الله، يوجه تفكيره كيف شاء وينطق على لسانه:”إن هو إلا وحي يوحى،علمه شديد القوّى” [=جبريل] (4 النجم).

هذيان النبوة،تماماً، كأي هذيان، لا يُقاوم.

أفكار المس أو الأفكار الصوفية:”(…)تؤثر في الحالات السقيمة وتشتمل على وساوس دينية.في هذا الإطار،الهلاوس النفسية ـ الإحساسية،أصوات،رؤى دينية ـ روائح سماوية،و سينيزيه[= إحساس عام بالكدر أو الفرح ناتج عن انطباع داخلي مشوش]هن متواترات،وحسب مضمونهن، سينسبن إلى الله أو إلى ابليس”(طب نفسي الراشد).

في الإسلام،هذيان التأثير الإلهي في الفكر والسلوك، ليس مقتصراً على نبي الإسلام وحده،بل يشمل أيضاً أمته:”وماتشاؤون إلا أن يشاء الله”(29 التكوير)؛التي أكدتها الآيات التسييرية؛المشيئة أو الإرادة هي خاصية التفكير،فإذا صُودرت منه أصبح الإنسان ريشة في مهب الأقدار.وهي هنا الله الذي يشاء ويريد بدلاً من الإنسان نفسه.هذيان التأثير الإلهي، يجعل المصاب به مسيراً لا مخيراً في تفكيره وسلوكه:أي أن الله تملكه،دخل في رأسه، وتولى توجيه فكره حيث شاء وكيف شاء ومتى شاء!.

هذيان تأثير مشيئة الله، في فكر نبي الإسلام،أسقطه هذا الأخير، عبر القرآن، على فكر المسلمين. فتغلغل في الوعي الجمعي الإسلامي، حتى غدا طبيعة ثانية في نفسية المسلم، تتجلى في الجملة الوسواسية، التي نجدها على كل شفة ولسان”إن شاء الله”. والتي نقولها أو نسمعها مراراً في اليوم. وهكذا باتت علامة فارقة للمسلم،”وماركه مسجلة”له،لذلك استعارتها منا المعاجم الغربية بلفظها لتجعلها علامة مميزة لفكرنا المغترب:أي أن بإمكان الله أن يتدخل بتعطيل قوانين الطبيعة أو قوانين العقل.

انتشار وتغلغل هذيان التأثير في أعماقنا، جعلنا نتوهم أن مصيرنا هو”مكتوب”لكل واحد منا، حتى قبل خلق الله للعالم، كما تؤكد الأحاديث،قد قررته المشيئة الإلهية و”لا ُيغني حذر من قدر”.الله،في فم المسلم يحمل كل الإيحاءات السلبية:الإستقالة من التفكير النقدي،ومن التدبير العقلاني للشأن الخاص وحتى العام،ومن الإعتماد على النفس،الذي تم تعويضه بالإعتماد على الله، والإستسلام لـ”المكتوب على الجبين تراه العين”،التي هي ترجمة دقيقة لهذيان التأثير الديني. وباختصار؛الهجرة من التاريخ،الذي صنعته البشرية، إلى التاريخ الذي يصنعه الله والأسلاف.وهكذا فعلى الأخلاف أن يتقيّدوا، دونما تجديد،أو قطع مع الماضي،بتقاليد أسلافهم،وأن ينصّبوا الماضي حارساً يقظاً على الحاضر والمستقبل،ليبقى حاضرهم نسخة باهتة من ماضيهم،ومستقبلهم إمتداداً لحاضرهم!. 

هذيان المس

ثنائية الله والشيطان متلازمان،فكلاهما في اللاشعور رمز الأب.فقد اكتشف فرويد ، من خلال التحليل النفسي، أن الأب،في لا شعور طفله،فصامي: رمز الله والشيطان معاً:هو الرؤوف الرحيم وهو شديد العقاب.

كان نبي الإسلام،يعتقد أن قوتين:خيره وشريرة،الله والشيطان،تتنافسان بقوة على توجيه أفكاره،وتكييف مشاعره والتحكم في أفعاله وأقواله.أما هو فرهينة لهما.إلا أن إحداهما،الله تريد به خيرا،والأخرى،الشيطان تريد به شرا.والحرب بينهما سجال.كثيرا ما يكسبها الله، لكن الشيطان سرعان ما يتسلل من إحدى ثغرات النفس المحمدية الهشة،لينسيه أوامر الله له،أو ليوسوس له،أو ليهمزه وينخزه.وهكذا كانت حياته المكية ساحة كر وفر بين الله والشيطان،ساحة حرب لا تتوقف؛فهذيان التأثير والمس مزمن،بلا أمل في الشفاء حتى اليوم.

هذيان التأثير والمس،ملحوظ في الهذيانات والهلاوس الدينية وفي الإضطرابات الفصامية وفي الصرع أيضاً.

تجلى هذيان المس في الآيات الشيطانية،التي توهّم نبي الإسلام أن الشيطان دسها عليه،خلال هلوسة الوحي:”وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي،إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته؛فينسخ الله ما يلقي الشيطان (…)”(الحج 52).

لكن محمد،الذي دفع عن نفسه تهمة المس من الشيطان، أكدها لا شعورياً عندما سارع،عبر الوحي،إلى الإستنجاد بالله، ليتدخل لمحو ما ألقى الشيطان من آيات تمنى هو نزولها:”اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى،تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لتُرتجى” (انظر تفسير آية اللات والعزى عند الطبري).

هذيان المس من الشيطان،الذي دخل رأسه ودس عليه الآيات الشيطانية،لم يكن فلتة أنقذه الله منها،بل يبدو أنه ملازم له:فقد حذره الله،أي ضميره الأخلاقي،بأن يبتعد عن مثقفي قريش عندما يخوضون في نقاش آيات القرآن،الذي يبدو أنه كان يحرجه.لكن إذا حدث وتدخل الشيطان فأنساه هذا الأمر الإلهي،فعليه بمجرد تذكره أن يغادر حلقة النقاش:”وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرضّ عنهم، حتى يخوضوا في شيء غيره؛وإما يُنسيك الشيطان، فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين” (68 الأنعام).كان عليه مغادرة الجلسة فوراً!.

وفي مناسبة أخرى أوصاه الله : إذا تسلل إليه الشيطان، وحاول أن يوسوس له، فعليه أن يستعيذ بالله، ليسارع إلى نجدته من تسلط الشيطان عليه:”وقل ربي أعوذ بك [=أستنجد بحمايتك] من همزات [=نخزات]الشياطين،وأعوذ بك ربي أن يحضروني[= ليوسوسوا لي] (97 ،98 المؤمنون).

هذيان المس،عند نبي الإسلام قوي ومزمن.كما تدل على ذلك هذه الآية.فقد أصبح وسواس مس الشياطين شبحاً، يطارد نبي الإسلام،مما جعله يستغيث بالله ليقيه من همزاتهم وحضورهم.لكن من دون كبير جدوى فيما يبدو.

التكرار ملازم للوسواس. لذلك أوصى الله نبيه مراراً وتكراراً بالإستنجاد به من الشيطان في جميع حالاته:”وإذا قرأت القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم”(98 النحل)،مخافة أن يدس عليه آيات أثناء قراءة القرآن، كما دس عليه آيات أثناء تلقيه القرآن، كما في الآيات الشيطانية !.

لكن يبدو أن الشيطان لم يتوقف عن نخز نبي الإسلام بهمزاته:”وما ينزعنّك من الشيطان نزع فاستعذ بالله(…)”(200 الأعراف)؛يطمئن نبي الإسلام نفسه بالهلاووس من خطر مس الشيطان له، على نحو دائم بالتأكيد بأن:”إن الذين اتقوا[الله]إذا مسهم طائف [شبح]من الشيطان، تذكروا فإذا هم مبصرون”

(201 الأعراف).

هذيان المس،الذي كابده محمد،عنيف.إلى درجة أن نبي الإسلام استعان بسورتين هما،المعوذتان، لحماية نفسه من تسلط الشيطان عليه أناء الليل وأطراف النهار؛المعوذتان اللتان، قال عنهما اين مسعود، أنهما ليستا من القرآن، بل هما دعاء، كان النبي يدعو به. رافضاً هكذا إدراجهم في مصحفه؛أستعاذة نبي الإسلام بسورتين أو دعائين:”كان كل ليلة يصلى بهما”، لحماية نفسه من مس الشيطان ومن الإصابة بالسحر، دليل على تسلّط الخوف من هذين الشرين عليه. وهذا ما تخبرنا عنه السنة:”عن عائشة أنه كان إذا اشتكى[من مرض]قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث[أي بصق وتنفس بقوة]”.هذه هي حالة هذياني المس والسحر؛اتهمه خصومه المكيون مرتين على الأقل بأنه “مسحور”.حديث للبخاري يؤكد ذلك:عن عائشة أن النبي كان مسحوراً،وأن سحره أصابه بعجز جنسي نادر:”كان رسول الله قد سُحر،حتى كان يرى أنه يأتي النساء و[هو] لا يأتيهن(…) وهذا أشد ما يكون من السحر”.وكالعادة الساحر يهودي!كما يؤكد البخاري على لسان عائشة!.

أعداء النبي الـ 3 ، الذين كانوا يتربصون به هم : الشيطان والساحر والحاسد!.

في المعوذة الأولى،الفلق:”قل أعوذ برب الفلق[=الفجر المبشر بالصباح]،من شر ما خلق[=من أدهى ما خلق أي الشيطان](…)ومن شر النفثات في العقد[=الساحرات اللواتي ينفخن على ُعقد في خيط لـ”ربط”ذكر الرجل فلا يعود قادراً على الانتصاب]ومن شر حاسد إذا حسد”؛فالحسد،في الإسلام،سبب لزوال النعمة!؛هذا الفكر السحري الوسواسي،تغلغل بعمق في الوعي الجمعي الإسلامي إلى اليوم:تعبر عنه العامة بتعويذة:عين الحسود فيها عود وخمسه وخميسه…

فهل حدث لمحمد أن ضعفت غريزتة الجنسية بمكة فاكتفى بخديجة؟،أو أن خديجة كانت مسيحية ـ وربما هو أيضاً ــ يرفضان تعدد الزوجات؛أو ربما أيضاً ملّ جماع زوجته خديجة بعد طول مساكنة، حوالي 20 عاماً،كما يحدث لمعظم الأزواج عادة حتى الآن، فعزا ضعفه الجنسي الوقتي، إلى سحر ساحرة تنفث بنفَسها، في العقد، لتعقد ذكره؛”والنفث في العُقد”هو خرافة مازالت شائعة في أرض الإسلام إلى اليوم، كسبب للعجز الجنسي.

وقائع إصابة نبي الإسلام بهذيان المس،أي مس الشيطان أو الجن،لا يشمله هو فقط بل جميع المسلمين:فقد جاء في الحديث الصحيح: “لكل مولود قرين من الجن”،سؤال:”حتى أنت يا رسول الله؟قال:حتى أنا،إلا أن الله قد أعانني عليه”!.

وهكذا تغلغل هذيان المس العضال في نفسية المسلم،ليعطل حسه العقلاني،محولاً له إلى فريسة سهلة للجن والشياطين وتجليات الخرافي واللامعقول الأخرى!

مس الشيطان والجن لعب في الدين في القرون الوسطى، ومازال يلعب،وا أسفاه، إلى الآن في أرض الإسلام، دوراً مخيفاً:أحرقت الكنيسة الكاثوليكية،طوال قرون محاكم التفتيش،100 ألف ساحرة يهودية:”بتهمة التحالف مع الشيطان”للتسبب في الجفاف والفيضانات والأوبئة؛في السنوات 1990 مثلاً،قتل في باريس إمام وشقيق مريضة نفسية أخته تحت التعذيب، لإخراج الشيطان منها؛وفي أوائل التسعينات شاهدت في ريبورتاج تلفزيوني( في القناة السادسة الفرنسية)كيف كان فقهاء حماس يعذبون المراهقين “الممسوسين”من الجن والشياطين: كان المراهق يصرخ من الألم، تحت ضربات العصا، وفقيه حماس يُعلق:”هذا الجن يهودي “لا يخرج بسهولة مثل الجن المسلم…ويزيد في وتيرة الجلد لمراهق مكتوف اليدين والرجلين!وقد علّق المستشرق الفرنسي المعروف، جيل كيبال، على هذا الريبورتاج مدافعاً عن حماس قائلاً:هذا المشهد لا ينبغي أن يُنسينا أن حماس تمارس أيضاً الواقعية السياسية!”.

هذيان المس،،تغلغل في صميم الشخصية الإسلامية خلال 14 قرناً،مكتسباً بذلك سلطة النص العنيدة.سورة الجن في القرآن،إن لم تكن أسست، فقد عمقت، خرافة التدخل الرباني،والشيطاني والجني في حياة المسلم.

تبدأ سورة الجن بتأكيد جازم:”قل ُأحي إلي إنه استمع نفر من الجن،فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد،فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً”(2،1 الجن).نحن هنا أمام حلم هاذي أو هلوسة نفسية،أي إحساس داخلي، وظيفتها النفسية التعويض اللاشعوري على إصرار النخبة المشركة،في مكة والطائف، على إشراك آلهتهم مع الله؛قول الجن”ولن نشرك بربنا احدا”،مؤشر على إمكانية هذه الفرضية.سورة الجن مثلت عزاء لنبي جريح في مصداقيته:كذّبه بلده،وقومه وعائلته، وأهانه سكان الطائف عشية نزولها؛ لكن ها هي الجن، وما أدراك ما الجن، تستمع إليه وتعجب بقرآنه وتؤمن به. نزلت عليه سورة الجن،وهو عائد خائباً حزيناً، من الطائف إلى مكة:”حتى إذا كان بوادي نخلة،قام في جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن(…)7 من الجن”(1)(مختصر ابن هشام ص 24).

شهدت الجن أيضاً أن إبليس كان يقول عن الله كذباً،بجعل نفسه شريكاً له،تماماً كما جعلت مكة والطائف آلهتها شريكاً لله:”وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى”(3،الزمر)،أي أن المشركين ما كانوا يعبدون أصنامهم القريبة منهم إلا لتشفع لهم عند الله البعيد عنهم،هناك في السماوات العلا،:”وأنه كان سفيهنا[=ابليس]يقول عن الله شططا”.تزعم الجن أن لها علاقة مع بعض العرب: “وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً[=غطرسة]”(الآية5). حسب السنة هؤلاء الرجال هم من بني تميم؛وأنهم جاؤا ودخلوا في الإسلام (تفسير السيوطي).لكن ربما،كما كانت رغبة محمد،كانوا من الطائف ومكة.

هذه الهلاوس الهاذية عن وجود كائنات اسمها الجن، وعن إمكانية تدخلها في توجيه قرارات الإنسان، كانت ومازالت في أرض الإسلام تُصدّق على أعلى المستويات:كبار المؤرخين بالأمس ومؤسسة القضاء اليوم.

رفض سيد الخزرج،سعد ابن عبادة، مبايعة عمر لأنه كان يريد الخلافة لنفسه؛فهاجر إلى الشام،حيث وجُد ذات يوم مقتولاً في مغسلة.العملية على الأرجح اغتيال. لكن من الصعب سياسياً، نفسياً ودينياً، اتهام عمر بالجريمة،فذلك قد يثير فتنة بينه وبين الأنصار،الذين سيطالبون بالثأر لسيدهم. فتدخل هذيان المس، ليجد للمأزق مخرجاً، فنسب الإغتيال إلى الجن،وجعل الجن يعترف بالجريمة شعراً:

قتلنا سيد الخزرج سعد ابن عبادة / ورميناه بسهم فلم يخطأ فؤاده. 

هذه الخرافة، رواها كبار مؤرخي الإسلام كما لو كانت واقعة تاريخية.فلم يسائلها أحد منهم على حد علمي!.وكيف يسائلونها،وهم أنفسهم استبطنوا هذيان المس:مس الجن،مس الشيطان ومس الله؟

اليوم أيضاً مؤسسة القضاء،على الأقل في مصر والجزائر، وربما في كل بلد إسلامي مازالت توجد فيه محاكم شرعية،تُسلم بتدخلّ الجن في حياة البشر؛في 2011 عاد زوج مصري من السعودية فوجد زوجته حبلى،ادعت الزوجه أن جنياً اغتصبها.تقدم الزوج بقضية طلاق لدى المحكمة الشرعية فقبلتها. لكنها رفضت دعوى الزوجة لعدم كفاية الأدلة؛أما محكمة البليده الجزائرية فقد صدّقت في، 2012،أن جنياً قتل طفلاً رضيعاً كما قتل شقيقته قبل سنوات، وبرأت المتهم.وإليكم الواقعة كما روتها اليومية الجزائرية الخبر:”تعود تفاصيل جريمة قتل شقيق سندس قبل 4 سنوات(…)إسلام اختفى، ثم ظهر ميتاً والقاتل عفريت من الجن! (…)الجريمة دارت أحداثها قبل 4 سنوات، في نفس منزل عائلة قسوم(…)بالعاصمة،أي في نفس المنزل الذي شهد إزهاق روح الطفلة سندس،حيث التقت قوى الجن بالقوى الخفية، لتختطف روح شقيقها الرضيع،إسلام،ذي الـ 25 يوماً ليعثر عليه ميتاً في مكان كشفته زوجة عمه،بعد خضوع المنزل لرقية شرعية(…)طويت القضية باتهام الجن وتبرئة زوجة العم،م.ف!.(اليومية الجزائرية الخبر 30 ديسمبر 2012 البليدة).

طالما مازالت سورة الجن تُدّرس في التربية الدينية،ويُستشهد بها في الإعلام، ويصلي بها المسلم، الذي تشرب على مقاعد مدرسة اللامعقول الديني،أن عدم الإيمان بآية واحدة من القرآن تخرجه من الإسلام. فلا عجب أن تبّرأ بها محكمة شرعية المتهم الإنسي، بقتل طفلين رضيعين، وتدين الجن!.

مادامت سورة الجن وآيات الجن، في السور الأخرى، مستخدمة على أوسع نطاق،في التعليم والاعلام والخطاب الديني،فكيف سيتحرر المسلم من خرافة مس الجن؟ 

مراجع الفصل الخامس

1 ـ مختصر ابن هشام ص 24 .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment