ضريح الشعب المجهول

ft (3)

رسمت اليوم ، لوحة لوطن مسروق.

لا مكان فيه لضريح الجندي المجهول.

فالوطن كله ، أصبح ضريحاً مجهولاً.

فلا تتحسر لأنه لن يعد بوسع الضيوف الأجانب

وضع إكليل من الزهور.

ولا لأنه لن تعزف الأناشيد والمارشات العسكرية.

ولا لأنه لن يعد يوم عطلة رسمية..؟

فكافة أوطاننا أصبحت نصباً مجهولا.

لشعوب قتلها القهر والخوف

قبل مطر القذائف .

وتحولت الى مقابر

بأحذية وبدون

وبطلقة في الرأس

أو ببطن ممزق.

وربما أحياء..؟

فكلهم قرابين لشعارات براقة.

ونصوص حجرية.

بيد أني سأنثر فوق هذا الوطن

دموع الثكلى، ونتف من قمصان مزقتها القذائف.

ربما سيخرج من مطر الدموع ونتف القماش المبلل بالدم

شعب جديد .

مثل النعناع .

مخاض ميلاد جديد ل ” نحن ” جديدة

شعب جديد

يحتسي الشاي والنبيذ معاً.

لا مشكلة لديه مع الكهرباء.

بل يبحث عن بصيص ضوء من الشمس.

سيمون خوري (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ -8

الفصل الثامن

الهذيان الفصامي:

1ـ هذيان النسيان

“إضطرابات الذاكرة[عند الفصامي]مرتبطة جزئياً بمصاعب تركيز الانتباه،الذي يجعل التخزين الدقيق للمعلومة صعباً”(عش وافهم الفصام ص 20 مصدر سابق)

“ولو كان[القرآن] من عند غير الله،لوجدوا فيه اختلافاً كبيراً”(82 النساء)

*****

يبدو أن نبي الإسلام،من بين جميع هذياناته،لم يكن واعياً إلا بهذيان النسيان،وهذيان النسخ وهذيان المتشابهات.لكن هذيان التأثير جعله ينسب هذه الهذيانات إلى تدخل الله في تأليف الآيات:”وما ننسخ من آية أو ننسها،نأت بخير منها أو مثلها”(106،البقرة).طبعاً،هنا الله هو الذي يطمئن رسوله عن أن نسيانه المتواتر للآيات،أو نسخه المتواتر لها أيضاً ،ليس نقيصة تسمح لخصومه بالتشكيك في مصداقية مصدر رسالته،أي الله.

نَسَبَ أفضل بيوغرافيي لمحمد،مونط جومري واط،أخطاء القرآن التاريخية إلى أن نبي الإسلام لم يقرأ الكتاب المقدس،إنما كان يستمع لرواية شفوية عنه،ثم يعيد صياغتها،صياغة خاطئة،في القرآن.يقدم واط مثالين شهيرين على هذه الأخطاء:مثل خطأي هامان ومريم:ذكر القرآن في 6 آيات أن هامان كان وزير فرعون موسى.والحال أن هامان،الذي هو شخصية تاريخية فارسية،كان وزير خسرو في القرن 5 ق.م؛بينما أسطورة”فرعون موسى”تعود إلى القرن 15 ق.م حسب الرواية التوراتية؛ والمثال الثاني، عن الأخطاء التاريخية في القرآن،هو مريم،أخت هارون، والحال أن بينها وبين هارون،وهو شخصية رمزية،أكثر من 1500 عام،حسب الرواية التوراتية!،فكيف بقيت حية طوال 15 قرن وأنجبت المسيح؟.

كيف يفسر الطب النفسي هذيان النسيان؟باضطراب الذاكرة،”معظم مرضى الفصام يبقى معدل ذكائهم سوياً.بالعكس يعانون من اضطرابات ذهنية:من مصاعب التركيز والتذكر”(1). يقول الطب النفسي:”التذكر هو أولاً تثبيت المعلومة،ثم المحافظة عليها،أي عملية التخزين وأخيراً إعادة التذكر(…)ثغرات الذاكرة، التي تغطي الفترة، التي يقع فيها تثبيت الذكريات (…)، بسبب حادث اضطراب عقلي طارئ (…)وهم الذاكرة هو تعويض لذكرى حقيقية بذكرى مختلقة (…)المريض يحاول تلافي عجز الذاكرة بذكريات وهمية(…)قد تصل إلى هذيان الذاكرة”.(2).

إذن خطاءا نبي الإسلام، في روايتي هامان ومريم، عائدان على الأرجح، لا إلى الرواية الشفوية، التي قد يكون استقى منها معلومتيه،بل إلى هذيان النسيان.لأن الإستشهادات من الكتاب المقدس، العبري والمسيحي،التي استشهد بها حميد الله في ترجمته للقرآن كانت أحياناً دقيقة،يحضرني منها الآن استشهادان:”ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل:أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً”(33،المائدة)المأخوذة حرفياً من سفر التثنية أو “الشريعة الثانية”؛”وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت”(41،العنكبوت)وهي أيضاً ترجمة حرفية دقيقة لآية في انجيل متى،إن صدقتني الذاكرة.

ترجمة البروفسير حميد الله،في السنوات 1960،اشتراها من المكتبات الفرنسية المركز السعودي بعد موته، وأزال منها المقارنة بين الآيات القرآنية وآيات الكتاب المقدس، واعاد طبعها بعد حذف اسم مترجمها. وهكذا ففقهاء الإسلام، قديماً وحديثاً، شعروا بالعار من أخطاء القرآن، سواء في هذيانات نهاية العالم أو في هذيانات النسيان …إلخ.وعاشوها بما هي”فضائح”،يجب إخفاؤها عن عيون الآخرين،خوفاً من انهيار عصمة القرآن بما هو كلام الله.وشعروا بالعار، حتى من مجرد أن تكون بعض آيات القرآن مأخوذة من التوراة والإنجيل، فضلاً عن الكتب الدينية الأخرى القانونية أو المنحولة أو غير المقدسة،كالتلمود ومسودته”المشناة”،التي عربها القرآن بـ “المثناة”:”ولقد أتيناك سبعاً من المثاني والقرآن الكريم”(87 الحجر).وفضلاً طبعاً عن الآيات المأخوذة من الماجوسية عن أساطير الجنة والحور العين مثلاً.

وهكذا فكل مقاربة للقرآن بتاريخ الأديان المقارَن،حتى ولو كانت مقارنة بتعريف الحد الأدنى،أي مقارنة القرآن بمصدره الأساسي،الكتاب المقدس،ناهيك عن مقارنته بالديانتين الوثنيتين،البابلية والمصرية، اللتين هما المصدر الأول للكتاب المقدس،الذي استقى منه نبي الإسلام معظم القرآن.

اعتبار القرآن كلام الله وعلى”المسلم الحزين”أن يتقيد به حرفياً،شكل ومازال عائقاً دينياً وذهنياً هائلاً لإنتقال المسلم،بلا عقد ولا شعور بالذنب،من علم الأجنة القرآني، المغلوط من ألفه إلى يائه،إلى علم الأجنة الحديث،ومن الجغرافيا القرآنية،التي تجعل الشمس تغرب في عين حمئة،إلى الجغرافيا العلمية،ومن الكسمولوجيا القرآنية القائلة بأن الله خلق الكون في 6 أيام في آية، وفي 8 أيام في آية أخرى،إلى الكسمولوجيا الفلكية الفيزيائية المعاصرة،التي أثبتت أن “ميلاد الكون”،حدث بعد تجمع المادة كلها في حجم متناهى في الصغر:أصغر بمليارات المرات من رأس مساك،ثم انفجرت “بيج بانج”في:”جزء من مليار من الثانية”(الفلكي الفيزيائي كلود أللجير،المعجم المحب للعلم ،ص 129، دار بايار، باريس).وباختصار،أعاق الفكر الإسلامي عن الانتقال من الأساطير الدينية إلى الحقائق العلمية .

أما خلق الكون في 6 أو 8 أيام القرآنية،فهذيان ديني مطبق!.

ماذا يعني ذلك؟يعني أمرين:ضرورة الفصل بين القرآن والبحث العلمي وضرورة استحداث قراءة رمزية،على غرار القراءة الصوفية الإسلامية،للأساطير القرآنية”.قراءة الأساطير القرآنية قراءة حرفية، ستؤدي إلى مآلين:اقامة حاجز ديني ـ نفسي منيع بين القرآن والعلم، أو ـوهو الأرجح،نظراً للتدفق الهائل للمعلومات العلمية ـ الى نفور جماعي من الأساطير العلمية القرآنية بعد تعرية الحقائق العلمية لها.

كيف تفسر علوم الأعصاب ثغرات الذاكرة في الفترة التي يقع فيها تثبيت الذكريات؟

الذاكرة هي بنية صغيرة ملتفة على نفسها،في الجزء الأكثر قدماً من الدماغ.شكلها يذكّر بالحيوان البحري،الذي هي مدينة له باسمها”فرس البحر”؛يتموقع فرس البحر في شطري الدماغ الأيمن والأيسر. هذه المنطقة هي أول ما يصاب في مرض الزهيمر.وهي بوتقة الذاكرة.وهي مفتاح الميكانيزم بيو ـ كيمياوي،الذي به يتعلم الإنسان ويتذكر.هذه المعاينة للذاكرة ووظائفها هي ثمرة الاكتشافات،التي أنجزت منذ السنوات 1970. مثلاً عاين الباحثون البريطانيون، أن سائقي التاكسي في لندن المتعودين على ارتياد متاهات المدينة،كانوا مزودين بفرس بحر متطور في الشطر الأيمن من الدماغ.وفي السنوات 1980،اتضح أن فرس البحر يلعب دوراً أساسياً في الذاكرة.

يؤكد الباحث فرنسيس اوستاش،مدير مخبر النوروسيكولوجي في جامعة كان:”فرس البحر يشتغل عملياً كموظف في الأرشيف:يسحب الأحداث الروتينية المطلوب نسيانها، ويحافظ على ترسيخ المعلومات الأكثر أهمية، في مناطق أخرى من الدماغ. حيث يتم الاحتفاظ بها على نحو دائم(…) موظف الأرشيف،ليس فقط مسؤولاً عن تخزين الذكريات القديمة،بل يتدخل أيضاً في استعادتها وتذكرها.

وهكذا فهو يعمل كحارس للذاكرة”الحدَثية”،المرتبطة بالتاريخ الشخصي،بأحداث الطفولة الباكرة، وبالأحداث المهمة التي تركت بصماتها على حياة الشخص.عكس الذاكرة السيمانطقيه[= اللغوية]، المرصودة للإحتفاظ بالمعارف العامة(…)التصوير بالرنين المغناطيسي سجل أن استيقاظ الذكريات القديمة يترافق دائماً مع تنشيط منطقة فرس البحر.(3).الدماغ يشتمل إذن على ذاكرات عدة.فرس البحر المسؤول عن استحضار الذكريات القديمة هو الذي أصيب عند نبي الإسلام بالمرض.

بالرغم من أن النفساني،أستاذ التحليل النفسي في السربون،فتحي بن سلامة،لم يسمي المنطقة من الذاكرة، المصابة عند نبي الإسلام، لأن كتابه صدر قبل اكتشافها،فإنه تأول آية”وعنده أم الكتاب”،بأن أم الكتاب هي الكتاب المقدس الذي حفظه نبي الإسلام ونسيه،وأن القرآن ليس إلا جزءاً من أم الكتاب،فإنه كان يشير إلى أن المنطقة المصابة، في ذاكرة نبي الإسلام ،هي الذاكرة البعيدة.

ليست الرواية الشفوية لقصص الأنبياء، في الكتاب المقدس العبري، هي التي جعلت نبي الإسلام يعتبر هامان، وزير فرعون، ومريم أخت هارون، هي أم المسيح،بل إصابة الذاكرة البعيدة المدى.

سنقدم الآن نماذج من القرآن تؤكد هذه الفرضية على إصابة الذاكرة المحمدية البعيدة المدى،التي جعلته يقع في تقديم معلومات متناقضة عن ما تعلمه من الكتاب المقدس، وحاول استعادته بالهذيانات والهلاووس:

بخصوص الأسطورة القائلة: بأن فرعون أمر بإلقاء جميع الأطفال العبرانيين الذكور في النيل:”كل ابن [=عبري]سيولد،ألقوه في النيل”(سفر الخروج،الإصحاح الأول الآية 22)،يؤكد القرآن مرة ان الأمر بقتل كل مولود ذكر، غرقاً في النيل، وقع بسبب موسى كما أكدت ذلك آية الأعراف:”وقال الملأ من قوم فرعون:أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويَذَرك وآلهتك؟قال:سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم،وإنا فوقهم قاهرون”(127، الأعراف).

موسى هنا هو قائد ثورة العبرانيين على فرعون،وضده بما هو قائد الثورة، اتخذ فرعون قرار”قتل”، حسب الرواية القرآنية، كل مولود عبراني ذكر .هذه الآية تتعارض مع الرواية التوراتية.لكن القرآن صحح هذا الخطأ في سورة القصص، حيث لا يعود موسى هو قائد ثورة العبرانيين ضد فرعون،التي قرر فرعون بسببها “ذبح” بدل “قتل” هذه المرة !الأطفال العبرانيين،بل أن موسى يصبح هو الطفل الموعود”بالذبح” حسب الأسطورة:”إن فرعون علا في الأرض،وجعل أهلها شيعاً،يستضعف طائفة منهم،يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين اُستضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين، ونمكّن لهم في الأرض؛ ونوري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكي وجاعلوه من المرسلين” (7،6،5،4،القصص) .الذبح القرآني لا وجود له في الأسطورة التوراتية،التي تحدثت عن الإلقاء” في النيل”الذي أصبح في القرآن الإلقاء” في اليم” [=البحر].

الإختلاف طبعاً كبير بين الروايتين القرآنيتين لقصة واحدة:مرة موسى قائد الثورة على فرعون،ومرة موسى هو الطفل الموعود بالذبح.

بالمثل،يقع القرآن في اختلاف كبير في روايتيه عن صلب المسيح،فهو في آية لم يُصلب وإنما رفعه الله إليه وفي آية أخرى توفاه الله:”وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم(…)وما قتلوه وما صلبوه،ولكن شُبه لهم(…)وما قتلوه يقيناً”(157 النساء).

أما في سورة المائدة،فنبي الإسلام نسي”وما قتلوه وما صلبوه “”وما قتلوه يقيناً”،لا ليتستعير رواية التلمود القائلة بأن أتباع يسوع “شنقوه”،بل ليقول على لسان عيسى بكل بساطة أن الله توفاه:”(…)فلما توفيّتني (…)”(117 المائدة).

مترجم القرآن الإسلامي صلاح كشريد،الذي سرعان ما يعلق على الآية إذا كانت على هواه،مر على هاتين الآيتين مر الكرام مكتفياً بترجمتهما:”فلما استعدت روحي”بدلاً من” توفيتني”.لأن”توفيتني” تثير انتباه القارئ إلى إختلاف الروايتين!وهي تزوير!

أحياناً،يبدو أن المسلم المؤمن،سواء أكان مفسراً أو مترجماً،مجرد مزور عندما يتطلب منه النص القرآني التستر على أخطاء قرآنه!كأنما صدمة وجود خطأ أو تناقض في القرآن تلهمه حتمية تزويره!

لنبي الإسلام مشكلة مع العمليات الأربع.وليس الوحيد،مثلاً برنارد شو،كانت عنده ذات المشكلة، فكان يضع الفلوس أمام الخباز ليحسب بنفسه ثمن الخبز، وكفى الله برنارد شو شر الحساب! وهكذا نرى نبي الإسلام، في استعادته لأسطورة الخلق البابلية للعالم في سبعة أيام،يستعير، عبر سفر التكوين،أسطورة الخلق البابلي في 7 أيام القائل بأن 6 آلهة تداولوا على خلق العالم في 6 أيام، وفي اليوم السابع، جاء دور إلاهة أنثى لتضع اللمسات الجمالية.سفر التكوين التوحيدي،أحتفظ من الآلهة الـ 6 بواحد فقط واستغنى عن دور الإلهة وجعل اليوم السابع،الذي أعطت فيه اللمسات الجمالية للعالم، مجرد يوم إجازة جلس فيها الله ليستريح من عناء 6 أيام من الخلق المتواصل للعالم. بدوره،احتفظ القرآن بخلق العالم في 6 ايام بعدها، يجلس الله ضمناً ليستريح على عرشه:”إن ربكم ،الذي خلق السموات والأرض في 6 أيام ثم استوى[=جلس] على العرش”(54،الأعراف).

لكن نبي الإسلام عندما يكرر، كعادته، آية خلق العالم في مناسبة أخرى ينسى رقم الـ 6 أيام،الذي استعاره من سفر التكوين لتصبح أيام الخلق 8 بدل 6:”قل إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين،وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين؛وجعل فيها رواسي من فوقها،وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة ايام سواء للسائلين؛ثم أستوى إلى السماء وهي دخان فقال:لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا:أتينا طائعين؛فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها”.( 12،11،10،9،،13،فصلت).

إذن خلق الله الأرض وحدها في يومين،ثم وخلق فيها الجبال وباركها وحدد لها مواردها الغذائية في 4 أيام؛وهكذا يكون خلق الأرض والجبال ومباركتها وتحديد مواردها الغذائية قد استغرق 6 أيام كاملة “=سواء للسائلين”؛ثم صعد إلى السماء، وهي مازالت كتلة من الدخان،فأمرها وأمر الأرض بأن تأتي معها طوعاً أو كرهاً(…)فخلق 7 سماوات في يومين.وهكذا يكون قد خلق الكون،أي الأرض والسماوات الـ 7 في 8 أيام، بدل الـ 6 أيام في آية الأعراف!.

لكن الاختلاف ليس فقط بين الروايتين القرآنيتين المختلفتين وحسب؛فكلا الروايتين ضلال علمي مبين. لكن الاختلاف الحقيقي هو بين روايتي آيتي القرآن والحقيقة العلمية،الفلكية الفيزيائية. وإليكم هي على لسان الفلكي الفيزيائي الفرنسي المعاصر،كلود الليجر:”المجرة هي مجموعة من الكواكب تشتمل على مليارات(بليونات)الكواكب.مجرتنا،تسمى طريق التبانة.شمسنا هي كوكب بين مليارات الكواكب،التي تشتمل عليها مجرتنا.شمسنا ليست في مركز الكواكب،بل تحتل فقط مكاناً ضئيلاً بينها. توجد في الكون مليارات من مليارات المجرات.أقرب المجرات لمجرتنا هي مجرة أندرومِد،توجد على بعد 2 مليون سنة ضوئية.(4).

وفي كل مجرة توجد 200 مليار شمس كشمسنا! فكيف يخلق الله الأرض في يومين وأقواتها 4 أيام، ثم يصعد إلى”السماء وهي دخان”،فيخلق مليارات المليارات من المجرات،ويخلق في كل واحدة منها 200 مليار شمس كشمسنا في يومين فقط لا غير؟أليس:”فيه[=القرآن]اختلافاً كبيراً”وكبيراً جداً،ليس فقط بين آياته،بل بين القرآن والعلم؟.ومع ذلك مازال الهذاة يتحدثون بحماس عن احتواء”القرآن على جميع العلوم”! ألم يؤكد القرآن نفسه ذلك:”ما فرطنا في الكتاب من شيء”(38 الأنعام).

شمسنا وحدها أكبر من الأرض بـ 300 ألف مرة.وإذا قيس حجم الأرض، بالنسبة لحجم مليارت كواكب مجرتنا طريق التبانة،كان أقل من حجم رأس الإبرة.لو كان الله ـ أو أي إلاه غيره ـ هو الذي تكلم لقال لنا مثلاً :”خلق” الكون كله في جزء من مليار من الثانية.أما الأرض …،لكن محمد هو الذي تكلم، فقال ما قال، مستعيداً لرواية خلق الكون الأسطورية من سفر التكوين،التي استلهمها النبي حزيقال،مترجم سفر التكوين، من ملحمة جلجامش الأسطورية خلال السبي البابلي في القرن الـ 6 ق.م.

مراجع هذيان النسيان

1 ـ عش وافهم الفصام ص 109.

2 ـ دائرة السيكولوجيا ص 444.

3 ـ ملف عن الذاكرة في الأسبوعبة الفرنسية لكسبريس،2007،04،12.

4 ـ كلود الليجر،معجم محب للعلم ص 458،دار فايار،باريس.

2 ـ لغة القرآن الفصامية

رأينا في الفصول السابقة،أن إضطرابات محتوى الفكر،أي الأفكار الهاذية؛واضطرابات مجرى الفكر،أي ارتخاء التداعيات والانتقال من موضوع إلى آخر بلا رابط منطقي،هن ما يميز العلاقة بين السور وآيات القرآن.وسنرى الآن بعض أعراض الفصام الأخرى اللسانية في القرآن، من خلال ما يسميه الطب النفسي”اللغة الفصامية”:إهمال النحو(أجرامِر)،أو تشويه الكلمات،أو إدخال كلمات غريبة أو غير مفهومة أو لا معنى لها…

السؤال:كيف ينعكس الفصام على لغة الفصامي؟

مع الفصام،تختل وظيفة اللغة،التي هي التواصل بين الناس،قليلاً أو كثيراً،حسب درجات الفصام وأنواعه.فتتعدد معانيها وتلتبس ألفاظها ويضطرب بناؤها ومحتواها.هذا الإختلال ملحوظ في الوثائق الأسطورية،الدينية والشعرية المتشابهة،القديمة والحديثة.يمتلك الطب النفسي وثيقة سريرية هي”مذكرات”لويي وولفسون:”السكيزو واللغات”،التي كتبها بالفرنسية شاب فصامي.روى فيها وولفسون كيف أنه،للإفلات من لغة”مضطهِدته””المتآمرة”مع أطباء مستشفى الأمراض العقلية على إدخاله إليه بين حين وآخر،أمه،اخترع طريقة لسانية في منتهى الإتقان،سمحت له بتغيير، بأقصى السرعة الممكنة،الإنجليزية،لغته الأم،لغة ـ أمه،إلى لغة أخرى،مؤلفة من كلمات فرنسية، ألمانية، عبرية أو روسية مساوية للإنجليزية من وجهة نظر المعنى والرنين.وقد نشرت”المذكرات” بتقديم الفيلسوف جيل دولوز. في دار جاليمار في السبعينات.أثار الكتاب ضجة فكرية وأدبية مازالت أصداؤها تتردد 3 عقود بعد نشره.في دراسة بعنوان”برج بابل”،كوصف للكتاب المتعدد اللغات،كتب ج.م.ج. كليزو، الألماني الحائز على جائزة نوبل لآداب:”إنها رواية محاكاة ساخرة على نحو مّا،تدمر نفسها في أشكالها الخاصة بها. تقسيمها كأبواب،طرائق السرد،الحوارات،الأشخاص، وحتى تأثير الأسلوب،نعثر في كتاب وولفسون على كل ما نعثر عليه في كتب فوكنر ودوستويفسكي.(1)(ملف وولفسون،أو قضية “اسكيزو واللغات”،ص 49 ،دار جاليمار 1974 ،باريس).

هذا الكتاب،الذي أهتم به لاكان،جدير بأن يصبح موضوعاً للمقارنة مع القرآن في رسائل جامعية، سواء في الجاماعات العالمية أو الجامعة التركية،الوحيدة اليوم في أرض الإسلام، التي تتمتع بحرية البحث العلمي والأدبي والفني.كذلك كانت الجامعة التونسية،من 1956 إلى 2010 ،قبل احتمال سقوطها تحت كابوس رقابة أقصى اليمين الإسلامي،عدو حرية التعبير والتفكير والبحث العلمي!.

لغة القرآن المؤلفة هي الأخرى من كثير من لغات عدة ـ فضلاً عن الكلمات الأجنبية،أو غير المعروفة أو غير المفهومة ـ كما أحصى ذلك أبو عبيد ابن المثنى في تفسيره، والسيوطي في “اتقانه” كما سبق التنوية بذلك.لا تختلف كثيراً عن لغة كتاب وولفسون.

نعثر في كتاب وولفسون،كما نعثر في القرآن على أعراض الخطاب الفصامي مثل الإقحام،والإهمال النحوي واللغوي وأيضاً وخصوصاً عن المتشابهات التي لا يعلم تأويلهن أحد.لذلك اشطرطت دار جاليمار على وولفسون القبول، بإعادة كتابة كتابه،مع المحافظة على جميع خصائصه اللغوية والأسلوبية، لكي يصبح قابلاً للقراءة بصعوبة أقل؛ ونعثر فيه أيضاً على شاعرية القرآن المكي.فكتاب وولفسون: “يراوح بين الواقع والحلم،بين نور الوعي الخافت والفانتازم ونور الواقع.مشهد لقاء الفصامي والقحبة مثال واضح على ذلك، كما كتب الطبيب النفسي بييار أولانيي.(2)ونلتقي فيه أيضاً بالتكرار،الذي نلتقي به في القرآن إذ أن ثلثه مكرر.يقول الطبيب النفسي مفسراً التكرار في كتاب وولفسون:”غالباً لا يستطيع وولفسون تذّكر نهاية الجملة، نظراً لأن حماسه أربكّه.وهكذا كان يعيد من جديد تكرار الجملة، كرسام يعيد رسم نفس اللوحة،حالماً بأن يتذكر هذه المرة باقي الجملة مرة واحدة كما بمعجزة(…)يكرر نفس الكلمات الأربع أو الخمس 30 أو 40 مرة.(3)

كما حار مثقفوا قريش في تصنيف القرآن بين الشعر وسجع الكهان،لا يترك أيضاً كتاب وولفسون مجالاً لتصنيفه:”فهو كتاب ليس كالكتب الأخرى،هذا الكتاب ليس لا شعرياً ولا محاكاة علمية”(4).

ما كتبه هذا النفساني يذكرني بما كتبه طه حسين،بخصوص القرآن:”القرآن ليس نثراً وليس شعراً وإنما هو قرآن”.فكما غّير القرآن الحقل الدلالي لكثير من الكلمات،غير”السكيزو”وولفسون الحقل الدلالي لكلمات كتابه.وكما أن القرآن مليء بالأخطاء النحوية والصرفية واللغوية كذلك كتاب وولفسون مليء بها!.

سنعالج في السطور التالية: الكلمات الأجنبية أو غير المفهومة؛إهمال النحو واللغة؛والإقحام؛ واضطراب النسق المنطقي.بما هن جميعاً أعراض للخطاب الفصامي كما يعرّفه الطب النفسي.

يعدد الطبيب النفسي سوسان أعراض الخطاب الفصامي:”اضطراب الفكر(…) فوضى التداعيات، اضطرابات الكلام،تشويه النطق،تشويه السيمانتيك[=اللغة والنحو والصرف]، الإنحراف بوظيفة اللغة، لي عنق النظام المنطقي(…)الفكر السحري(…)إهمال العمل(أبراجماتيزم)، إهمال النحو والصرف، ردود إنفعالية فظة(…)تدفق الخطاب،غموض الفكر(…)فكر تكراري،خيالي،ولا منطقي،التجريد،الرمزية، العقلانية السقيمة”.(5)

الكلمات الأجنبية أو غير المفهومة:استشهاد الطبيب النفساني ينطبق على القرآن.وسأعطي عينات منه على ذلك:عينة عن استخدام الكلمات غير المفهومة في القرآن:”فلا أقسم بالخُنّس الجواري الكُنّس”(16،15 التكوير)يذكر السيوطي في تفسيرها بالمأثور:”عن علي ابن أبي طالب، فلا أقسم بالخنس:هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار،وعن ابن عباس الجواري الكنس هي البقر تكنس في الظل(…)وعن ابن عباس الخنس الظباء (…)سأل إبراهيم مجاهد:عن”فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس”قال مجاهد:لا أدري.قال إبراهيم ولماذا لا تدري؟:قال:إنكم تقولون عن علي أنها النجوم.فقال:كذبوا.قال مجاهد:هي بقر الوحش(…)وعن المزي:هي النجوم الدراري التي تجري وتستقبل المشرق(…)وعن الحسن:الجواري الكنس:البقر.أما عمر ابن الخطاب فرفض الإجابة عنها وضرب السائل بعصاه حتى سقطت عمامته وشتمه”(تفسير السيوطي).

وهذه عيّنة ثانية عن استخدام الكلمات غير المفهومة أو الأجنبية فيه:” وحدائق غلبا وفاكهة وأبا”(30 عبس)، حدائق غلبا:قال ابن عباس:طوال.و”أبا”قال :الثمار الرطبة،عن مجاهد “أبا”:ما أكلت الأنعام؛وعن عكرمه “غلباً” :غلاظ(…)عن ابن عباس أيضاً”غلباً”:شجر في الجنة يُستظل به.وسُئل عنها أبا بكر فقال:”أي سماء تُظلني وأي أرض تُقلّني،إذا قلت في كلام الله بما لا أعلم.قرأ الخليفة عمر ابن الخطاب وهو يخطب على المنبر إلى قوله”وأباً”.فقال:”كل هذا عرفناه،فما الأب؟ثم رفع عصا كانت في يده فقال:”هذا لعمرو الله هو التكلف.فما عليك أن تدري ما الأب،اتبعوا ما بُيّن لكم هداه في الكتاب، فاعملوا به.وما لم تعرفوه فِكلوه إلى ربه”(انظر تفسير السيوطي للآية).

حقاً لقد أصاب أمير المؤمنين عمر عندما وصف استخدام”الأب”في الآية بـ”التكلّفُ”[بريسيوزِتِ].وهو عرض للفصام كما يقول الطبيب النفسي سوسان ص 154 ، مصدر سبق ذكره.أما نصيحته للمؤمنين

:”ما لم تعرفوه فكِلوه إلى ربه”،هو تفسير للآيات المتشابهات:”وما يعلم تأويلهن إلا الله والراسخون في العلم”؛في نظر عمر”الواو”في “والمتشابهات”استئنافية وليست عاطفة؛فكل ما لم يفهمه المؤمن من القرآن”يكِله إلى ربه”!الذي أنزل إلى عباده قرآناً لا يفهمونه!

يبدو أن” الأب”كلمة سريانية تعني العشب.كل هذا يعيد إلى ذاكرتنا مرة أخرة قول السيوطي في “الإتقان”:”لكل آية 60 ألف معنى”.إذن بلا معنى.

الصحابة،حتى السواعد اليمنى منهم للنبي،مثل علي وأبو بكر وعمر لا يفهمون القرآن،أو تتابين أفهامهم.والحال أن القرآن نزل لهم، وأحياناً كثيرة بطلبهم، وبلسانهم”العربي المبين”.وهذه عينة: “الخنس والجواري الكنس”:”عند علي ابن أبي طالب،سكرتير الوحي الأول،هن”الكواكب”وعند ابن عباس، “حبر هذه الأمة”كما سماه النبي،:”البقر”.أما عمر فرفض الإجابة،وضرب السائل كعادته…و أبو بكر يقول عن آية “حدائق غُلبا”(…)وأبا”:”لا أقول في كلام الله بما لا أعلم”؛وابن عباس يفسر “غلبا”: شجر يُستظل به في الجنة؛أما عكرمة فيقول”أشجار غلاظ”. وعن “أبا” يقول مجاهد :هو ما أكلت منه الأنعام.أما عمر ابن الخطاب فاستشاط منها غضباً لأنه لم يفهمها،وشخصها بدقة طبيب نفسي معاصر،بأنها “تكلّف” الذي هو من أعراض الخطاب الفصامي؛تماماً كما شخصه الطبيب النفسي سوسان في كتابه:”الطب النفسي طبعة 2001 ـ 2002 ص 54 “.

هذا القرآن”المتكلف”،المتشابه،المتعدد المعنى وغير المفهوم،شأن الهذيان الذي ينتجه دماغ معطوب،جعل منه أقصى اليمين الإسلامي التقليدي مثل زغلول النجار وموريس بيكاي،والسياسي مثل الزنداني وغيره من دعاة الفضائيات،ينبوعاً لا ينضب له معين للطب،والفلك الفيزيائي،وعلم الإقتصاد، وعلم السياسة،وصناعة القرار والتشريع وحقوق الإنسان المسلم…إلخ.

الأخطاء اللغوية: القرآن لغة جديدة على لغة قريش.لذلك حاروا في تصنيفه:صنفوه مرة في خانة السحر،لوجود الكلمات غير المفهومة وبدايات السور الملغزة مثلا”كهيعيص”…والتي يستخدمها السحرة في رُقاهم وتمائمهم؛رد عليهم محمد:”(…)لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين”(7 الأنعام)؛ومرة في خانة الكهانة ،لوجود السجع فيه؛ومرة أخرى في خانة الجنون،لوجود الهذيان فيه؛رد عليهم نبي الإسلام :

“فما انت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون”(29 الطور)؛وصنفوه مرة رابعة في خانة الشعر،نظراً لوجود نفحة شاعرية في القرآن المكي. فرد عليهم نبي الإسلام:”وما علمناه الشعر وما ينبغي له،إن هو إلا ذكر وقرآن مبين”(يس)؛ولمزيد الرد عليهم،لأن التهمة كما يبدو أصابت محمد في الصميم،هجا الشعراء خاصة في سورة الشعراء،وقتل بعض من هجوه منهم.

نقل نبي الإسلام، آية أنجيلية أخطأ الناسخ في كتابتها، بخطئها.الأية القرآنية هي:”إن الذين كفروا بآياتنا(…) لا تُفتح لهم أبواب السماء؛ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط”(40 الأعراف). هذه الاية محاكاة لآية الإنجيل:”من الصعب على الجمل أن يدخل في خرم الإبرة(…)” المقصود في هذه الحالة ليس الجمل بل الحبل الذي تُربط به السفن في مراسيها.فتّش المستشرق د.استيفن ألف منشط موقع “المصلح” http://www.almuslih.net الذي يترجم المصلحين في العالم العربي إلى الإنجليزية. فكانت نتيجة بحثه الفقرة التالية:” بان البطريق سيريل الإسكندراني (القرن الخامس م) تفطّن إلى أن “الجمل” في آية الإنجيل معناه الحبل (كاميلوس) وليس الجمل (كاملوس) كما كتب مؤلفي الأناجيل لكلمات المسيح”.وهكذا فإن الخطأ لم يكن في الأصل الآرامي، الذي هو لغة الإنجيل،بل مصدر الخطأ هو الترجمة من الآرمية إلى اليونانية.وهكذا يبدو أن الترجمة التي استعار منها القرآن الآية،لم تكن من الآرمية إلى العربية،بل كانت من اليونانية إلى العربية.لذلك أعادت انتاج خطأ الترجمة اليونانية التي خلطت بين الحبل في الآرمية”جملا”والجمل في اليونانية.

لغة الفصام هي دائماً جديدة؛”كآبة باريس”،أسس بها بودلير قصيدة”النثر”.

اللامبالاة بالقواعد النحوية والصرفية واللغوية السائدة،هي عرض للفصام كما يشخصها الطب النفسي.”إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون(…)”(29 المائدة)،اسم لإن، رفعه نبي الإسلام بدل نصبه،والحال أنه نصبه في آيتين أخريتين جرياً على القاعدة؛”ولا ينال عهدي الظالمين”(124 البقرة) بدل “الظالمون”بما هو فاعل؛”إن هذان خصمان اختصموا(…)”(19 الحج)؛والحال أن قواعد النحو تتطلب ليس الجمع بل المثنى”إختصما”؛”وخضتم كالذي خاضوا”(التوبة 69)،والحال أن المطلوب نحوياً:وخضتم كالذين خاضوا؛والأمثلة عن الأخطاء النحوية عديدة.المطلوب ليس إحصاء الإخطاء،بل معرفة مدلولها النفسي.

نلتقي أيضاً في القرآن بتشويه بعض الألفاظ بما هو عرض للفصام كما يقول الطب النفسي:مثلاً استخدم القرآن “سيناء”جرياً على القاعدة في آية:”وشجرة تخرج من طور سيناء”(85 الأنبياء). لكنه شوه الكلمة إلى سنين في آية:”وطور سينين”(62 والتين)،لضرورة السجع.وللسجع أحكامه:قيل أن والياً كان لا يتكلم إلا سجعاً؛استقبل ذات يوم قاضي قُم.في نهاية الجلسة قال له لتوديعه:أيها القاضي بقُم… ثم توقف فقد خانته السجعة. و أخيراً لم يجد إلا:قد عزلناك فقم.قال له القاضي:والله يا سيدي ما عزلتني إلا القافية!.

اتخذ المفسرون من أخطاء القرآن اللغوية موقفين:موقف تناسيها وعدم الإشارة إليها كالسيوطي،أو موقف تبريرها،نظراً لأن كلام الله معصوم من الخطأ،كما فعل الزمخشري…لكن سيدة جامعية مصرية خفيفة الظل بررتها تبريراً ذكياً ويساعدنا على إصلاح اللغة العربية:”ربنا أراد أن يقول لنا،من خلال الأخطاء النحوية،أن النحو ليس مقدس”.

نعم،من دون إلغاء الإعراب،أي تغيير أواخر الكلمة،بالوقوف على السكون،كما طالب أحمد أمين في “فيض الخاطر”،ومن دون المنع من الصرف لجميع الأسماء وليس فقط على بعضها مثل ما جاء على وزن فعلان،كعدنان وحسان،أو على وزن مفاعل،كمساجد وكنائس،او الأسماء الأعجمية،ومن دون تبني المعجم الإصطلاحي،العلمي والتكنولوجي،كما فعلت العبرية والتركية والفارسية،فإن العربية ستبقى لغة القرآن حصراً،على مسافة سنوات ضوئية من لغة العلم والتكنولوجيا.

“في القرآن كلمات لم يكن لها معنى.لكن المسلمين أضفوا عليها معاني لم تكن فيها”

الطبيب ابو بكر محمد الرازي

غريب القرآن:”معجم غريب القرآن:مستخرجاً من صحيح البخاري”تأليف (محمد فؤاد عبد الباقي،دار الحديث،1950 )،أحصى آلاف الكلمات الغريبة عن اللغة التي كانت متداولة في مكة،زمان تأليف القرآن.

كما يحتوي القرآن على كلمات غير مفهومة كثيرة،مثل كهيعيص،ألم،ن،ق،ص،طسم،غسلين،زقوّم… إلخ،مثل هذه الكلمات التي لا معنى لها منشرة أيضاً في الخطاب السحري بما هو خطاب فصامي.

هذه الكلمات غير المفهومات هن عرض للخطاب الفصامي،الذي أشار إليه الطبيب سوسان قبل قليل، كما أن السجع في القرآن ليس مجرد تقليد لسجع الكهان وإنما هو حالة نفسية يمليها طور الإهتياج، في الذهان الإهتياجي الإكتئابي،فيغدو الأسلوب محموماً يتدفق كشلال، والكلمات منغّمة ومسجوعة، تماشياً مع حالة الباث النفسية،التي لم تعد قادرة على الكلام الهاذي إلا بتداعي السجع والقوافي.

لكن المفسرين،الذين كانوا يجهلون طبعاً التشخيص الطبي النفسي للخطاب الفصامي،حاولوا العثور على معنى لما لا معنى له!

ذهب البعض إلى انها كلمات سريانية،وذهب البعض الآخر إلى أنها من أسماء الله الحسنى،مثل كهيعص،وروا في ذلك احاديث”صحيحة”:ك،كافي،هـ،هادي،ع،عالم،ص،صادق.وفي رواية أخرى الكاف من الملك،والهاء من الله،والعين من العزيز،والصاد من الصمد؛وعن قتادة:”هن من أسماء الله والله أعلم”(انظر السيوطي في تفسير كهيعص).

وهي بالطبع لا معنى لها،إلا كعرض لمرض الهذيان الفصامي.لعل الطبيب أبو بكر الرازي(864 ـ 923 م)، هو الوحيد الذي تنبه،منذ 10قرون،إلى وجود الهذيان في القرآن.لكن التعصب الديني أباد كتبه. النتف التي وصلتنا منها كانت عن طريق خصومه،الذين استشهدوا به،كملحد.ظناً منهم أن ذلك سيكون موتاً ثانياً له!.

يقول الطبيب النفساني ميشيل مارشي ِ:”الهذيان يعبر عن نفسه في لغة تجريدية رمزية من الصعب النفاذ إليها.فهي لغة متشابهة وغير متماسكة،تعتمد على نمط التفكير السحري.وبما هي هذيان وتعبير عن الفكر السحري،فهي خارج النظام المنطقي.مبدأ السببية لا حتمية له في الفكر السحري كما في الخطاب الفصامي.التفكير الفصامي هو تفكير ما قبل منطقي،برِلوجيك،وسحري تسيطر فيه الرغبة على المنطق؛وهو خطاب يتغذى من التجريدات”.

في الفصامي،يتصارع شخصان متضادان،عالمان لا يلتقيان،أفكار وتخييلات متنافرة.من هنا جاء إلالتياث والتشابه،والمعنى المزدوج السائدة جميعاً في النص القرآني.

يُشخّص الطب النفسي”الفكر السحري والعقلانية السقيمة بما هما من خصائص الخطاب الفصامي”. الفكر السحري هو نواة القرآن الصلبة:”فإذا قضى أمراً،فإنما يقول له:كن فيكون”.(117،البقرة)؛العقلانية السقيمة:العقلانية هي تطابق الفكر والسلوك مع قوانين العقل؛العقلانية السقيمة هي التي لا تعطي العقلي المكانة التي يستحقها في الدين.بل تساوي بين الخير والشر:”(…)وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم،وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم؛والله يعلم وأنتم لا تعلمون”(216 البقرة).حرية التمييز بين الخير والشر صُودرت من الإنسان،الذي أصبح مجرد آلة صماء رهن مشيئة الله أو بالأحرى مشيئة نبيه! مثال آخر عن هذه العقلانية السقيمة:”وما قطعتم من ليّنة[=نخلة]أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله”(5،الحشر).عندما أمر محمد بقطع نخيل بني قريظة،اعترض بعض الصحابة على قراره،لأنهم كانوا يعرفون أن النخيل سيعود إليهم.قبل إعتراضهم واستنزلت هلوساته هذه الآية العقلانية السقيمة:إذا طبقتم أمري وقطعتم النخيل،فذلك خير لأنه بإذن الله؛وإذا رفضتموه وتركتم النخيل قائمة على أصولها فذلك أيضاً خير لأنه بإذن الله.الخير والشر عند الله سواء، طالما كان ذلك بإذنه! والحال أنه في غياب التمييز بين الخير والشر تستحيل الحياة في المجتمع.

آيات التخيير والتسيير هي أيضاً تجسيد للعقلانية السقيمة في القرآن:تقرر آيات التخيير ان الإنسان هو الذي يخلق أفعاله،من خير أو شر،لذلك يُحاسب عليها يوم الحساب؛أما آيات التيسير فتقول إن الإنسان:مُسيّر من الله ولا خيار له فيما يفعل،ومع ذلك فهو مسؤول عنها،أي مسؤول عن أفعال لم يرتكبها باختياره بل كان مدفوعاً إليها بقضاء الله وقدره.

هذه الايات قسّمت المتكلمين المسلمين إلى حزبين:حزب المعتزلة،الذي تمسك بالآيات الأولى وحاول تأويل آيات التسيير لصالح آيات التخيير،لأن الله عندهم عادل،ولا يجوز عليه أن يقدر على عباده الشر ويحاسبهم عليه.وتمسك حزب السنة بآيات التسيير،محتجاً بان الله يعمل في عباده ما يشاء؛ أي أن الله يقدر الشر على الإنسان ويحاسبه عليه! لخص السنة عقيدتهم في افوريزم:”إن يُثبنْ، فبمحض الفضل،وإنْ يُعذبنا،فبمحض العدل”!

من الضروري الإشارة إلى وجود لعب بالكلمات والسجع لا يجوز تصنيفهما في الهذيان.لأن المتلاعب بالكلمات أو الساجع يعي تماماً ما يفعل،ويفرّق بين”لعبة هذيانه”والواقع الموضوعي،كما يفعل مثلاً كتاب قصص الأطفال الخيالية،ورائدهم في العالم العربي، الملحد كامل كيلاني.أما في الهذيان الذهاني،فالمريض لا يعي بأنه يهذي.هذا هو الفرق بين الأنواع الأدبية السليمة وأنواع الهذيانات الدينية والدنيوية السقيمة.

في القرآن،كما رأينا،كلمات غريبة،غير مفهومة أو مُولّدَة،نيولوجيزم،:مثل”طور سنين”.التوليد أو النيولوجيزم السقيم، هو كلام جديد غريب أوجده، ـ للدقة فُرض على ـ المريض،بواسطة تشويه كلمة، أو تعويضها بأخرى،أو قلب حروفها.هذا النيولوجيزم الهاذي لا علاقة له بالنيولوجيزم العلمي، الذي بُني لإتمام لغة علمية أو تكنولوجية، من أجل تحسين التبادل في وسط ما،علمي أو تكنولوجي أو مهني.

في النيولوجيزم العلمي، غاية التبادل أي التواصل هي الباعث على توليد الكلمات والمصطلحات الجديدة.أما في النيولوجيزم الهاذي فهذه الغاية غائبة.

اللغة المنشودة،التي تتحدث عنها الفلسفة النيوليتيك،أي التحليلية الأنجلوسكسونية،هي من نوع اللغة العلمية المغيّأة بالتبادل.وهي لغة لم توجد بعد.الفلاسفة النيوليتيك يطمحون لإيجاد كلمات، بدقة المصطلح الرياضي،تغطي معناها بالضبط، من دون مترادفات، ولا تورية ولا مجاز.بقصد الإفلات من اللغة السائدة،حمّالة الأوجه،التي تسمح بتأويلات لا نهاية لها.تحمل أحياناً المعنى ونصف المعنى وضد المعنى.وهو ما أسماه اللغويون أسماء الأضاد؛ مثلاً العلوش في لسان العرب هو في الوقت نفسه اسم للخروف واسم لضده الذئب.

أفترض أن هذه اللغة الفصامية،ورثناها عن أسلافنا البدائيين،الذين كانوا مازالوا في طور الفكر السحري،الذي يطلب من الواقع إعطاءه نتائج مخالفة لقوانينه،والفكر السحري عرض من أعراض الفصام.وهو أعدل الأشياء قسمة بين النصوص الدينية وخاصة القرآن.تماماً مثل العقلانية السقيمة.

الإقحام: الإقحام هو إقحام جملة خارج سياقها أو خارج حقلها الدلالي،هو أحد أعراض اللغة الفصامية، مثلاً: “سبحان الذي اسرى بعيده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى”(1،الإسراء)،هذه الآية اليتيمة لا علاقة لها بالسورة التي ُسميت بإسمها، والتي،بين مواضيع أخرى، تتحدث عن بني إسرائيل!فهي إذن آية مقحمة.فاعل الإقحام هو نبي الإسلام نفسه،وليست لجنة جمع القرآن كما ظن مترجم القرآن بلاشير. وللتوضيح، للقارئ الفرنسي،أعطى بلاشير لسورة الإسراء عنواناً فرعياً هو “سورة بني إسرائيل”؛كذلك آية يونس اليتيمة،في سورة يونس مقحمة، ولا علاقة لها بسورته!؛ذُكر يونس،كل مرة مرة واحدة،في سورتين (النساء163)، و(الأنعام 86). وفي الصافات ذكر 8 مرات من 182 آية،متعددة المواضيع؛والنحل،لم يُذكر في سورة النحل إلا مرتين من 128 آية .القرآن كله كولاج، أي خليط من الآيات التي لا رابط منطقياً ولا حتى سياقياً بينها كما هو الهذيان.

وظيفة اللغة هي عادة التواصل.لكن قد يحدث أن تختل هذه الوظيفة،نتيجة لإختلال الدماغ المنتج لها.إضطراب الدماغ ينعكس في اضطراب التفكير،الذي ينعكس بدوره في إضطراب التعبير. وهذا ما يجعله عاجزاً،جزئياً أو كلياً،عن الوفاء بمهمة التواصل.وهذا ما حدث للغة القرآن،المتشابهة في كثير منها،أي الغامضة والملتبثة والمتناقضة.تجلى ذلك خاصة في الآيات المتشابهات،اللواتي لا يعرف

:”تأويلهن إلا الله”كما تقول الآية.

مراجع لغة القرآن الفصامية

1 ـ ملف وولفسون أو قضية اسكيزو واللغات،ص 49 ، جاليمار 1974 ،باريس.

2 ـ بييار أولانيي،ص 75 مصدر سبق ذكره.

3 ـ نفس المصدر ص 3 .

4 ـ نفس المصدر ص 87.

5 ـ سوسان ص 154 مصدر سبق ذكره.

3 ـ هذيان المتشابهات

“أنا الجرح والسكين / أنا اللطمة والخد

أنا العضو والعجلة / والضحية والجلاد

بودلير:ديون أزهار الشر”

“الطب النفسي،ص 153،مصدر سابق”

*********

الخطاب القرآني هو ترجمة لمشاعر وهلاوس وهذيانات نبي الإسلام.يعكس إضطرابات شخصيته النفسية وازدواجية مشاعرها المتناقضة في شتى حقول التعبير،التي تتميز بالتفكك والتناقض والتشابه،الذي يجعل النص القرآني مغلقاً عن الفهم،الآية التي اعترفت بوجود التشابه،والتي أسست له،في القرآن:”وهو الذي أنزل إليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب؛وُأخر متشابهات.فأما الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون ما تشابه منه:إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله؛وما يعلم تأويله إلا الله.والراسخون في العالم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا(…)”(7،آل عمران).

هذه الآية المؤسسة للآيات المتشابهات والمعترفة بها،هي نفسها متشابهة:من قرأوا “الواو “في” والراسخون في العلم”عاطفة جعلوا العلماء مشاركين لله في تأويل الآيات المتشابهات.أما من قرأوا “الواو”اسئنافية لجملة جديدة،فجعلوا الله وحده مختصاً بتأويل آياته المتشابهات.القراءة الأولى التي جعلت”الراسخون في العلم”شركاء في التأويل،تقدم مخرجاً من مأزق الآيات المتشابهات؛لكنها لغوياً لا تستقيم؛الآية لا تسقيم لغوياً إلا إذا جعلنا الواو اسئنافية،أي أن”الراسخون في العلم”يعترفون بأن المحكمات والمتشابهات كلهن من عند الله،وليس من عند محمد، كما زعم خصومه.لكن هذه القراءة السليمة لغوياً سقيمة منطقياً؛إذا كان الله هو الوحيد المختص بتأويل المتشابهات،فلن يعلمها المسلمون قط.لأنهم لا يشاركون الله في علمه، وبعد محمد انقطع خبر السماء!.لكن القرآن لا ينقصه التناقض كما رأينا.

الآيات المحكمات حصرها السيوطي في”الإتقان”،في آيات الأحكام الشرعية.هذه الأخيرة تتراوح بين 600 و 500 آية نُسخت منها 120 آية فتبقى أقل من 500 آية محكمة،والحال أن القرآن يشتمل على 6236 آية،أي تبقى أكثر من 5700 آية”لا يعلم تأويلهن إلا الله”وحده. وهن،كما قيل،آيات القصص والرموز،اللواتي اتخذهن المتصوفة ينبوعاً لإلهامهم الصوفي.

كيف يمكن تفسير انتاج نبي الإسلام لآيات محكمات واخرى متشابهات؟

النواة العامة لشكيزوفرينيا أو الفصام هي انشطار الفكر أو الوحدة النفسية إلى شطرين سليم وسقيم؛في مجالات ولحظات يسيطر الشطر السليم،فيكون سلوك الفصامي سوياً، ويكون خطابه قابلاً للفهم إلى حد كبير على الأقل.وهنا يتم انتاج الآيات المحكمات،المتعلقات بالأحكام أي بالحياة اليومية،بالإيحاء من الآخرين أو بالإيحاء الذاتي،أي عندما يرغب نبي الإسلام في حضور الهلاووس للرد على استفتاء أو على موقف آني؛لكن في حالات اخرى يسيطر الشطر السقيم على الشطر السليم،فيتم انتاج الآيات المتشابهات بأقصى درجات الهذيان.فتكون غير قابلة للفهم من العقل البشري،أي يتكفل العقل الإلهي وحده يفهمها:أي لا أحد !.

في مكة،كان نبي الإسلام خاضعاً لضغوط نفسية هائلة ولكبت متفجر لغرائزه وميوله الجنسية والعدوانية،التي ستنطلق من عقالها في المدينة،ليس فقط من مثقفي قريش بل ومن عائلته أيضا،التي لم تصدقه كنبي، وبعد موت عمه،أبو طالب،اضطهدته بقيادة عمه الآخر،أبو لهب،الذي كان يطارده باستمرار ليقول لمن يحاول النبي ضمهم إلى دينه:لا تصدقوه”إنه مجنون”.هذا المناخ المتوتر كان مناسباً لتواتر نوبات الهذيان والهلاوس،ربما الحادة،التي تفرض نفسها، الملائمة لإنتاج الآيات المتشابهات بالهذيانات والهلاووس.ومعروف أن أعراض الفصام درجات متفاوتة،تتراوح بين حدود دنيا ومتوسطة وقصوى.عند محمد تراوح هذا الحد بدرجات متفاوتة حسب موضوع الهلاووس والإنفعالات والمواقف الآنية التي وجد نفسه فيها.

أما في المدينة،فقد تغير حاله من النقيض إلى النقيض،فلم يعد موضوع هُزء،من عائلته ولا من خصومه القرشيين،الذين كان شديد الحساسية لكل ما يقولونه عنه، فيسجله في القرآن بكل أمانة: “وإن رأوك أن يتخذوك إلا هُزء”(36،الأنبياء).سخرية المنافقين منه في المدينة، لم تدم طويلاً،ولكن يواجهها من موقف قوة؛وكانوا هم في موقف ضعف ودفاع.فقد غدا منذ الآن نبياً معروفاً ومعترفاً به ويرأس أمة ونواة فيدرالية قبلية، ستتحول شيئاً فشيئاً إلى إمبراطورية، فأرخى العنان لجميع مكبوتاته في مكة.فشعر لأول مرة بالثقة في النفس، فلم تعاوده الشكوك في رسالته التوحيدية الخالصة، مثلما كانت تنقض عليه بين حين وآخر في مكة، حتى أنه تمنى”إفتراء “قرآن آخر ليصالح به الشرك القرشي مع التوحيد اليهودي ـ المحمدي، ولا حاول الانتحار كما في مكة.قد يكون هذا هو ما يفسر تناقص حالات وحِدّة الهذيان المنتجة للآيات.في مكة أنتج 4663 آية تحت تأثير بُرحاء الوحي،أي الهذيانات والهلاووس الحادة.أما في المدينة،وفي فترة زمنية تقريباً مماثلة، فلم ينتج إلا 1573 آية،أي تناقص معدل انتاج الآيات،تحت نوبات الهذيان الأليمة،بنسبة الثلث تقريباً.

فما هي الكيفية التي كان محمد ينتج بها الآيات المتشابهات والآيات المحكمات؟

رأينا في هلوسات الكلمات السمعية اللفظية أن” الإيقاع متواتر جداً في الهلاوس السمعية المنغّمة والمسجوعة”.

في الوحي،تبدو الهذيانات والهلاوس وكأنهن يقتحمن وعي النبي اقتحاماً لا حيلة له فيه. الوحي، في حقيقته العلمية،هو عملية كيميائية من صنع المخ المريض لا دخل للوعي فيه.النبي،هنا هو في حالة الشاعر،الذي يأتيه المخاض فيلد القصيدة في حالة انخطاف،فيما بين النوم واليقظة؛في أونريزم أو أضغاث الأحلام أو الحلم الهاذي، كالشاعر تماماً.لذلك كان معظم الأنبياء شعراء أيضاً.كما رأينا في حالة أنبياء إسرائيل وأنبياء عشار مثلاً.

في هذه الحالة النفسية المهتاجه والهاذية،يتم انتاج الآيات المتشابهات،اللواتي لا يعلم تأويلهن إلا الله.لإفتقادهن للروابط المنطقية و للمعنى .فعندما يصبح للآية 60 ألف معنى،كما يقول السيوطي في “الإتقان”،فمعنى ذلك أنه لا معنى لها.

االآيات المتشابهات،أي معظم القرآن،هن من انتاج الإيحاء الذاتي القهري،أي الهلوسة التي تأتي على غير انتظار،الصادر عن اختلال الفص الصدغي الأيمن،الذي أصيب، كما في حالات الصرع،كما تقول علوم الأعصاب؛فكرة الله نفسه هي من صنع هذا المختبر الهائل القائم في دماغ كل منا.في الإيحاء الذاتي القهري،النبي أو الشاعر هما في حالة الحُبلى التي يأتيها المخاض بغتة،فلا تستطيع إلا أن تضع.

هنا نلتقي بالنفحة الشاعرية في القرآن المكي،الذي قال عنه نزار قباني محقاً أنه”شعر الله”(انظر مقاله”الله الشاعر في القرآن”،مجلة الآداب 1954 على ما أذكر)،ومن الآيات اللواتي استشهد بهن في مقاله من سورة مريم:”وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا،فكلي واشربي وقري عيناً،فإما ترين من البشر أحداً فقولي:إني نذرت للرحمن صوماً،فلن أكلم اليوم أنسيا”(مريم)

كما نلتقي أيضاً في القرآن المكي بالأسلوب المحموم”الموقّع والمنغّم والمسجوع”:”والعاديات ضبحا، فالموريات قدحاً،فالمغيرات صبحاً(…)”(سورة العاديات).ومعظم القرآن المكي هو من هذا الطراز.

الآيات المكية هن غالباً تداعيات للإيقاعات، والسجع،والخواطر والتخييلات الهاذية التي لا رابط منطقي بينها.المتشابهات،شأن الهذيان المبهم،تتسلسل بلا رابط منطقي بينهن؛تتوالى موضوعاتها بلا منطق بينهن،لذلك كان من الصعب النفاذ إلى معناهن؛إن كان لهن معنى!.

فكيف يتم انتاج الآيات البينات،آيات التشريع،اللواتي يرتجلهن نبي الإسلام إجابة عن سؤال أو للخروج من المواقف المحرجة؟

رأينا في فقرة الهلاوس:”أن الهلاوس يمكن أن يبحث عنهن المريض بنفسه”،أي بوعي للإجابة عن سؤال،لتقديم فتوى مثلاً:”ويستفتونك في النساء فقل:الله يُفتيكم فيهن(…)”(129 النساء)؛أو للخروج من مأزق،مثل مأزق مارية وحفصة أو في مأزق”حديث الإفك”حيث واجه نبي الإسلام إحراجاً نادراً:تطليق عائشه بالزنا او الإحتفاظ بها كزانية؟.في حديث” الإفك”،اتهم بعض الصحابة بمن فيهم أحب أصحابه إليه، علي ابن أبي طالب،عائشة بالزنا مع الشاب والشاعر صفوان بن المعطر؛عاش محمد طوال أيام وربما أسابيع وهو في صراع نفسي مرير، بين رغبته في الإحتفاظ بأحب زوجاته إليه، البكر الوحيدة التي تزوجها،عائشة،وبين رغبته في تطبيق شريعته . أخيراً تغلب الشطر السليم على الشطر السقيم من نفسيته،فاستنزلت رغبته لتبرئتها آية ـ حديث الإفك:”إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم،لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم.لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم.والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم”(11،النور).الآية،حديث عادي لا إلهام فيه ولا شعر ولا حتى الأسلوب المحموم… وهكذا ضحى نبي الإسلام بشريعته من أجل حبه.وحسناً فعل. والحق مع المعري:

“إذا رجع اللبيب إلى حجاه[=عقله] /تهاون بالشرائع وازدراها”.

في الهلاوس،اللواتي جئن حسب طلب المهلوس،الهذيانات لا يخلعن باب وعي المهلوس،أي النبي لا بإلهام شعري ولا بأسلوب محموم. فرغبته، هي التي استحضرتهن لتنتج بهن كلاما يوميا، في مشاكل الحياة اليومية،التي يدبرها الجزء السليم من نفسية محمد بشكل عادي او يكاد. غير منغّم،غير موقّع وغير مسجوع.لهذا السبب نلتقي في القرآن ـ الحديث المدني بالجمل الطويلة الرتيبة،والخيال المكدود وحتى بالسجع،إذا وجد،فهو سجع ركيك ومضجر،إلا نادراً كما في سورة الرحمان مثلاً.آيات الأحكام الشرعية نموذجاً.إقرأ مثلاً لا حصراً سورة النور:”سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا، وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؛ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ. وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا. وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ، فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ: أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ،(6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ؛(7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، (8) وَالْخَامِسَةَ، أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ” (9)(النور).

بإمكان أي كان من عرب مكة والمدينة، أن يملي هذه المواد الشرعية بلا أدنى عناء.

هاذا الأسلوب الفقهي الرتيب،هو من انتاج الهلاوس،التي إستُحضرت من المهلوس لتشريع عقوبات بدنية مرعبة.فضلاً عن أن هذا النداء لعدم الرأفة والرحمة من”نبي الرحمة”،يجعل القارئ يشعر بالقشعريرة بين الكتفين!.

القرآن المدني، في معظمه،افتقد”سحرالبيان” المبثوث في معظم القرآن المكي.كما افتقد اللاعنف الفعلي على الأقل.لأن العنف الرمزي،في القرآن المكي، مثل التهديد بنهاية العالم أو التعذيب الفظيع لسكان جهنم، هو عنف رمزي ونفسي لا يطاق.

أفترض أن معظم القرآن المدني أحاديث عادية،في قضايا الحياة اليومية.خارج الهذيانات والهلاوس الحقيقية منهن والزائفة. ونعرف الآن من قطعة مصحف أبي ابن كعب،900 آية،أن الحديث والقرآن بقيا مختلطين،حتى إصدار نسخة جمع القرآن،التي فصلت بين ما قررت أنه قرآن وما قررت أنه حديث.

تدخلت بعض دول الخليج لمنع طبع وحتى تداول هذه القطعة من مصحف أبي بين الباحثين.لكن لحسن حظ الإسلام،الذي ينتظر الإصلاح الضروري وربما المحتوم،توجد منها الآن عدة نسخ عند الإخصائيين في القرآنيات، منهم 3 مسلمين.قيل أن أحدهم حققها وقدم لها وأودعها بدار نشر أوربية للنشر بعد موته.

حالة نبي الإسلام مع الوحي،كحالة المتنبي مثلاً مع الإلهام الشعري:قصائده،التي فرضت نفسها عليه شعر خالص.أما القصائد، التي فرضها على نفسه تحت ضغط المناسبات فتفتقد الشاعرية. وهذه حالة القرآن المكي فهو شعر غير منظم؛ أما المدني فـ”قصيدة نثر”،تفتقد شاعرية الشعر وتفتقد تماسك النثر.فضلاً عن سوء محتواها الشرعي،القتالي،الجهادي والهجائي أحياناً!

كثيرون هم الفنانون،والشعراء والروائيون ،الذين عانوا الأمرين من المعضلة التي طرحها عليهم استخدام الكلمات المتداولة، للتعبير عن معيش نفسي سديمي.وهكذا فقد يحدث أن لا يكون التعبير عنه إلا متشابهاً،مبهماً،متناقضاً ينطوي على الشيء ونقيضه الوجداني:ودّ وصدّ ،حب وحرب،ميتوس و لوجوس، ايروس وثاناطوس. إيروس، رمز غرائز الحياة؛ثاناطوس،رمز غريزة الموت.وهذا ما جعل الإنتاج الذهاني عند كبار الشعراء والفنانين،الذين كانوا في الوقت نفسه فصاميين كبارا،متشابهاً،كما هو عندإدجار آلان بو، فوكنر،بودلير… اراجون نشر ديوان شعر،من ألفه إلى يائه،هذيان مطبق:بيش، تبيش،إش،أشي…إلخ. وقد علق عليه لويس عوض قائلاً:إن هذا الديوان حير النقاد! وحار النقاد في تونس من تعبيرات هاذية جاءت في رواية السّد للمسعدي:”هلهبه،هلهبه،ُصٌبّحت صهبّه،إني أنا الخالقة الربة…”لم يفكر أحد منهم في إنها هذيان متشابه لا يُفهم رأسه من ذنبه!

لغة الفصام لغة جديدة،ليست مرصودة لتكون لغة تداول للمألوف،ولا حتى للقابل للإدراك من العواطف والأفكار.

الانتاج الديني والأدبي المتشابه،والمتناقض وجدانياً،يضع قارئه في مأزق،يجعله عاجزاً عن التركيز، وأقل من ذلك عن لقط رأس خيط يقوده إلى معنى مّا للنص.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

انشقاقات الإسلام السني وإفادة إيران والغرب

الاتحاد الاماراتية:

أخرجت الثورات العربية (2010- 2013) المنطقة العربية من الجمود والإخضاع بمفاعيل التوافق والتقاسم بين إيران وتركيا وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة. لكن الاضطراب الشديد الذي يصل إلى حدود الفوضى المدمرة انتشر في الأجواء مجدداً، بفعل عاملَين اثنين: محاولات الانشقاقيين العرب والمسلمين الاستيلاء على نتائج الثورات أو تخريبها، واختراق إيران وتركيا والولايات المتحدة وروسيا لفصائل الإسلام السياسي والجهاديين والإفادة من ذلك في الاحتفاظ بالنفوذ، أو تخريب البلدان وقتل الناس، إن لم يكن الاحتفاظ بالنفوذ ممكناً!

أصر أقطاب الدراسات الإسلامية على اعتبار وجوه القلق والاضطراب التي انتشرت في المجتمعات الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين صحوةً أو يقظة، تميزت بأمرين: أولهما الإقبال على تديُّن شديد ذي طابع شعائري ورمزي، وتَوق لأسلمة الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية. والأمر الثاني رفض الأجنبي، بالمعنى العسكري والأمني والاستعماري بالطبع، وبالمعنى الثقافي والحضاري. وما سيطرت هذه النزعة بشقّيها في عقودها الأُولى، بل تكونت إلى جانبها ثم في مواجهتها ميول ومشروعات للتجديد والإصلاح، كانت وراء الحركات التي كافحت الاستعمار، وسعت لإقامة الدولة أو الكيانات الوطنية الطامحة للاستقلال والتقدم. وقد حققت الدولة الوطنية في عقودها الأولى نجاحات معتبرة، وامتلكت طموحات قصّرت دونها، ولذلك حسمت نُخَبُها العسكرية والثقافية الأمر لصالحها في مطلع الخمسينيات، فأقصت فريقين: البورجوازيات الكبرى التي تعاملت مع المستعمرين من موقع الدونية، والإسلاميين الصاعدين تخوفاً من تشددهم واستخدامهم للدين في الصراع على السلطة. وكان هؤلاء الإحيائيون أو الصحويون آنذاك فئات قليلة لا تحظى بشعبية بارزة، والجمهور مشدود إلى الأفكار القومية والتحررية، وإلى الضباط الذين أرادوا بمثاليتهم تحقيق كل الآمال! لكن الصدامات والاشتباكات بين عسكر الدولة الوطنية والإسلاميين، والذي اتخذ أحياناً طابعاً دموياً، وافتراقات الحرب الباردة، والتحولات بداخل الفكر الإسلامي من استهداف التقدم إلى التركيز على الهوية وحفظها، كُلُّ ذلك جعل الإسلاميين يتحولون إلى تنظيمات سرية صلبة، تطورت لديها عقائد صلبة أيضاً ما عرفها أهل السنة من قبل، مثل القول بفقد الشرعية بسقوط الخلافة وبالقوانين المدنية، وبوجود نظام إسلامي كامل ينبغي تطبيقه تحت اسم تطبيق الشريعة. ويكون ذلك بالوصول للسلطة بشتى الوسائل، وإيكال مهمة إقامة دولة الدين هذه إلى النظام السياسي الذي يقوده الإسلاميون. ومضت فئة منهم بعيداً فقالت باستخدام العنف من أجل تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، وهؤلاء هم الجهاديون الذين انفجروا بالداخل العربي والإسلامي، ثم في وجه العالم، منذ السبعينيات وحتى اليوم.

لقد كان لهذه التحولات والتحويلات نتائج على وحدة أهل السنة ووحدة الإسلام. ففي التقليد الإسلامي أن الدين في الجماعة والمجتمع، بينما يقول الإسلاميون الحزبيون إن الدين مركوز في تنظيمهم، وأنه لا عودة للشرعية والشريعة إلا بإقامة الدولة التي تطبق الشريعة بيد النظام السياسي. وهذا انشقاق كبير وبارز بداخل إسلام أهل السنة، جلبه هذا التسييس المفْرط للدين. وقد ازداد الأمر تفاقماً عندما انضمّت إلى الأصوليين الحزبيين، فئات من السلفيين استفاقوا فجأةً إلى صحة نظرية «الإخوان» الجدد للحاكمية الإلهية! وهكذا فقد عانى أهل السنة في النصف الثاني من القرن العشرين من انشقاقين كبيرين: انشقاق «الإخوان المسلمين»، و«انشقاق الجهاديين». وكلا الطرفين أراد الحلول (باسم الله) محل الأنظمة القائمة.

وقد عجز علماء أهل السنة- الذين تحدثوا كثيراً عن ترشيد الصحوة أو إعادتها للاعتدال- عن التأثير في هذا التحول والتحويل الاعتقادي. ويرجع ذلك لأنهم تعاملوا معه باعتباره خَطَلا وتطرفاً بسبب الظروف وليس تغيراً اعتقادياً صعب المِراس، وما عرف مثله المسلمون منذ عقود وعقود. وزاد من شراسته وفصاميته لدى أصوليي «الإخوان» ومتشددي الجهاديين: الطغيان الذي ساد في الأنظمة الجمهورية الخالدة على وجه الخصوص بعد أن فقدت الدولة الوطنية مشروعها ومشروعيتها منذ السبعينيات. وهكذا اتخذ الاضطراب المحلي والإقليمي والدولي سِمة التصفيات المتبادلة بين العسكريين المتحولين إلى طائفيين وجماعة أقليات، وعُمّال عند النظام الدولي والمدى الإقليمي، وبين الإسلاميين الذين سيطرت عليهم نزعات شعبوية وقرمطية أو فوضوية، فانطلقوا أولا لإرهاب الداخل المسلم، ثم اصطدموا بالعالم وما يزالون. بينما كمن تيارهم المدني وانكفأ عن الصراع، وراح يبني التنظيم من أجل الاستيلاء على السلطة. وبالفعل فإن المتدينين غير المتطرفين اغتروا ورأوا في «الإخوان» حركةً سياسيةً متلائمةً مع الشريعة، وغير عنيفة، لذا سارع كثيرون من أبناء الفئات الوسطى والمدينية إلى الانضواء فيها، كما أنّ عدداً من كبار القانونيين المصريين والعراقيين اعتقدوا بإمكان تحويل الشريعة إلى قانون قابل للتطبيق أو واجب التطبيق، وهي ليست كذلك على الإطلاق!

خاض الانشقاقيون إذن معركتين في الوقت نفسه: حرباً ضد الحكومات والشعوب العربية والإسلامية، وضد الولايات المتحدة والعالم، باسم الإسلام، وخاض الحزبيون منهم نضالا مريراً وطويلا للاستيلاء على المجتمع والدولة سِلْماً. ومن الطبيعي والأمر كذلك أن يقاتلهم المتصارعون على تقاسم الديار العربية، مثل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وتركيا وروسيا. فقد غاب العرب طويلا، وما عاد أحد يحسب لهم حساباً، ثم انفجروا بهذه الطريقة الهائلة. لقد كانت سنوات العقدين الماضيين من أسوأ ما مر على أمتنا في تاريخها: الأميركيون يريدون الهيمنة بالقوة والدبلوماسية، والإسرائيليون لا يعرفون غير الهيمنة بالعسكر، والإيرانيون ينشئون التنظيمات الطائفية المسلحة للاستيلاء على ديارنا تارةً باسم فلسطين وطوراً باسم نُصرة التشيع. وقد قال لنا «نصرالله» أخيراً إنه مضطر لمقاتلة التكفيريين، أي أولئك الذين يسمون أنفسهم جهاديين، والذين تبين أنهم كل السوريين!

وهكذا يتطلع العربي فيجد نفسه مقتولا من عربي آخر إنما باسم الإسلام. وهذا العربي القاتل يمكن أن يكون من «جبهة النصرة» أو «حزب الله» أو «حماس» أو «الجهاد» أو «القاعدة»! والعالم مرعوب من الإرهاب السني لأنه غير منضبط وليس هناك من يمكن التحدث إليه فيه. بيد أن الرعب الأكبر ذاك الذي تمارسه إيران لأنه لا يقتل الناس فقط؛ بل يشتت الأوطان والمجتمعات. وهذا هو اعتقادنا نحن العرب، لكنه ليس اعتقاد ولا عمل الدوليين الذين ينافقون إيران وينافقون الأسد خوفاً من الجهاديين!

الجهاديون والقاعديون وأشباههم مرض في جسم الإسلام السني، شاركت في زرعه ظروف وعهود واستخبارات. و«حزب الله» والتنظيمات الشيعية المسلحة الأخرى مرض في جسم الإسلام الشيعي زرعته ولاية الفقيه. والغرب يستفيد من هذا تارةً ومن ذاك تارة أخرى، وكلا الطرفين السني والشيعي يقتل نفسه وبني قومه. وكلا الطرفين انشقاق عنيف لا يرعى حرمةً ولا ذمّة! ويكون علينا لكي يبقى ديننا وتبقى دولنا ومجتمعاتنا أن نناضل بالفكر والعمل ضد الانشقاقين، وآثارهما الدموية المفزعة!

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الفرق بين العلمانيين والعلمانجيين

بوابة الشرق

ليس هناك أدنى شك بأن العلمانية والليبرالية مدرستان فكريتان سياسيتان دخلتا التاريخ من أوسع أبوابه، بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معهما، خاصة وأنهما أصبحتا عنوان التقدم والتحرر في الغرب بشكل عام. فلولا العلمانية التي عملت على فصل الدين عن الكنيسة في أوروبا لظل الغرب غارقاً في ظلام القرون الوسطى، ولما حقق أي تقدم اجتماعي أو صناعي أو ثقافي، حسب المدافعين عن العلمانية. ولولا المذهب الليبرالي الرأسمالي الذي يقوم على المبدأ الشهير: “دعه يعمل دعه يمر”، لما كانت الحريات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والفكرية العظيمة في الغرب.

لقد ارتبطت الليبرالية تاريخياً بالحرية، ولولا الحرية لما كان هناك أي تقدم على أي صعيد، فالحرية هي عنوان التقدم. ولا شك أنه حتى بلدان العالم الثالث التي أخذت بالمذهب العلماني كالهند مثلاً نجحت في بناء دولة مدنية متقدمة بالرغم من التنوع العرقي والديني منقطع النظير فيها. فلو ظل الحكم في الهند على أساس ديني، لكانت الهند الآن عبارة عن أكبر ساحة صراع طائفي في العالم بسبب تصارع اللغات والعقائد والأفكار فيها. لكنها نجحت من خلال العلمانية بفصل السياسة عن الدين، مما وضعها على قائمة الدول التي تشق طريقها بقوة باتجاه المنافسة الديمقراطية والاقتصادية والتكنولوجية في العالم.

لا بأس أن يدعو بعض العرب إلى السير على خطى الهند، طالما أن في بلادنا أوضاعاً قد تتشابه مع وضع الهند، وطالما أن الأمر قد يحل لنا مشاكل عويصة كثيرة. لكن الذي حصل في بلادنا أن معظم الذين ادعوا أنهم علمانيون وليبراليون تبين أنهم نسخة طبق الأصل عن “التكفيريين” والمتشددين، لكن بدون لحية. هذا هو الفرق الرئيسي في بلادنا بين المتعصبين العقائديين ومن يدّعون العلمانية والليبرالية. لهذا كان لا بد من استنباط مصطلح جديد لوصف أدعياء الليبرالية والعلمانية في العالم العربي، ألا وهو “العلمانجيون والليبرالجيون”.

الفرق بين العلماني الغربي و”العلمانجي” العربي أن الأول عمل على فصل الكنيسة عن الدولة، لكنه في الوقت نفسه أعطى، وضمن كامل الحرية للدين والمتدينين بأن يمارسوا حياتهم على أكمل وجه في المجتمع دون أي قيود أو مضايقات. أما “العلمانجي” العربي فقد ناصب الدين والمتدينين العداء من اللحظة الأولى، وراح يعمل بطريقة فاشية حقيرة موتورة حاقدة على استئصالهم واجتثاثهم من المجتمع. ولو نظرنا الآن إلى موقف العلمانجيين والليبرالجيين العرب من الإسلاميين الذين فازوا في الانتخابات، ووصلوا إلى الحكم في بعض الدول العربية لوجدناه موقفاً نازياً سافلاً بامتياز، فهم لا يريدون أي وجود أو أي دور للدين وأتباعه في الحياة العامة. ولو استطاعوا لقاموا حتى بإلغاء المساجد والجوامع، ولألغوا الدين من النفوس. لا عجب إذاً أن ترى العلمانجيين والليبرالجيين وقد انحازوا إلى الطواغيت الساقطين والمتساقطين في بلدان الربيع العربي لمجرد أنهم كانوا على عداء مع الإسلاميين فقط لا غير. لاحظوا الفرق بين العلماني الغربي الذي جعل من الديمقراطية والحرية عماداً للنظام العلماني والليبرالي، والعلمانجي العربي الذي يبدو بعيداً عن الديمقراطية والحرية بعد الشمس عن الأرض. كيف تدعي العلمانية والليبرالية التي تقوم أساساً على التحرر وفي الوقت نفسه تمارس أبشع أنواع الديكتاتورية ضد الإسلاميين. العلمانية الغربية ليست ضد الدين، بل فقط ضد سيطرة رجال الكنيسة على السياسة. أما في بلادنا فهم يريدون إقصاء الدين والمتدينين عن كل مناحي الحياة. لماذا لا يتعلمون من العلمانيين الألمان الذين سمحوا بوجود حزب يسمي نفسه “الحزب المسيحي الديمقراطي”؟ قد يقول البعض إن الحزب الألماني المذكور يسمح للعلمانيين أن يكونوا أعضاء فيه. وهذا صحيح. لكن من قال إن الإسلاميين لا يسمحون، ولا يريدون أن يتشاركوا مع العلمانيين وغيرهم في الحياة السياسية. ألم يتشارك حزب النهضة التونسي مع شخصيات وأحزاب علمانية وليبرالية دون أية مشاكل؟ وماذا عن الشراكة الإسلامية العلمانية التي جعلت من تركيا واحدة من اقوى الاقتصاديات في العالم؟ ألم يقل أحد الإسلاميين يوماً إنه مستعد للتعامل مع المجوس تحت قبة البرلمان؟ فلماذا يسمح العلماني الغربي للتوجهات الدينية بأن تمارس السياسة، بينما يعمل العلمانجي العربي على إقصاء الدين والمتدينين من الحياة العامة؟

ألا يخجل العلمانجيون العرب من أن يكون انقلابيين بذيئين على طريقة العسكر الفاشيين؟ أهذه ليبراليتكم وديمقراطيتيكم أيها المارقون الاستئصاليون؟ لماذا دستم على صناديق الاقتراع وإرادة الشعوب، وانقلبتم على من اختارتهم الشعوب؟ لماذا عندما تختار الشعوب الإسلاميين تكون شعبوية، وعندما تختاركم أو تختار أسيادكم التسلطيين المجرمين تكون ديمقراطية؟ فعلاً هزلت.

من فضائل الربيع العربي أنه أماط اللثام عن الكثير ممن كانوا يدعون العلمانية والليبرالية في العالم العربي. فقد تبين أن العلمانجيين العرب في أكثر من بلد ليسوا سوى شرذمة من الطائفيين البائسين الذين، بدل أن يصطفوا مع الشعوب الثائرة من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية التي صدع العلمانجيون رؤوسنا بالدعوة إليها، وقفوا إلى جانب الطواغيت من قتلة الشعوب ومصاصي دمائها على أساس نفعي وطائفي حقير. ولعلنا نتذكر ذلك الشاعر العلمانجي الشهير الذي كتب ذات يوم قصيدة عصماء في مدح الثورة الإيرانية على اعتبار أنها تقترب من الثورات العالمية المجيدة، لكنه راح يهجو الثورات العربية الأخيرة بطريقة شوارعية لا شاعرية. ولو عرف السبب لبطل العجب، فمن الواضح أنه بارك الثورة الإيرانية لأنها على ما يبدو تجاري هواه المذهبي والطائفي البائس المغلف برداء علماني مزيف، بينما وقف ضد الثورات العربية لأنها ليست على مقاسه الطائفي والمذهبي السقيم. يتهمون الإسلاميين بالتعصب والتمترس والانغلاق، وهم أكبر المتمترسين والمنغلقين.

كيف تريدون منا أن لا نحتقر هؤلاء العلمانجيين الطائفيين الانقلابيين الأفاقين الدجالين الكذابين لاعقي أحذية الطواغيت الساقطين والمتساقطين، ومن اندرج تحت يافطاتهم من ناصرجيين وقومجيين ويسارجيين منحطين؟

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

طريق مصر نحو مستقبل أفضل

الشرق الاوسط: جون ماكين _ ليندسي غراهام

توجهنا إلى القاهرة هذا الأسبوع لتعزيز الجهود الأميركية والدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة السياسية، والتقينا قادة الحكومة والقوات المسلحة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والإخوان المسلمين. وعدنا ونحن نحمل قناعة بأن الوقت ينفد سريعا لحل هذه الأزمة، لكن لا تزال هناك فرصة للقيام بذلك إذا توحد المصريون ذوو النوايا الحسنة من أجل بلدهم، قلب العالم العربي وموطن ربع سكانه.

نحن أصدقاء قدامى لمصر وقواتها المسلحة منذ وقت طويل. وقد حاربنا بقوة على مدى سنوات للحفاظ على مساعداتنا الخارجية الحيوية لها. وكنا من أوائل الداعمين لثورة عام 2011 وأيدنا الطموحات الديمقراطية للشعب المصري. وقد انتقدنا بشدة الإجراءات غير الديمقراطية التي قام بها الرئيس السابق محمد مرسي، وتعاطفنا مع ملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع الشهر الماضي للتظاهر ضد انتهاكات مرسي للسلطة. لكن كما قلنا في القاهرة هذا الأسبوع، لا يمكن وصف الظروف التي أطيح فيها بمرسي من منصبه عدا كونها انقلابا. ينبغي على القادة غير الناجحين في أي بلد ديمقراطي أن يتركوا مناصبهم عبر الانتخابات.

رسالتنا الرئيسة في القاهرة كانت بسيطة ومباشرة: الديمقراطية هي المسار الحيوي الوحيد لاستقرار دائم ومصالحة وطنية وتنمية اقتصادية مستدامة وعودة الاستثمار والسياحة إلى مصر. إن الديمقراطية تعني ما هو أكثر من الانتخابات؛ إنها تعني حكما ديمقراطيا، أي عملية سياسية شاملة يتمتع فيها كل المصريين بالحرية والقدرة على المشاركة ما داموا يقومون بذلك بشكل سلمي، وحماية حقوق الإنسان الأساسية عبر سيادة القانون والدستور، ودولة تحمي مجتمعا مدنيا فاعلا.

هذا هو المستقبل الديمقراطي الذي يريده غالبية المصريين، بحسب اعتقادنا، لكن الخطر الآن يتمثل في وجود قوى متطرفة ورجعية في صفوف الحكومة المصرية المؤقتة ومن ضمن أنصار مرسي على حد سواء تحاول جر البلاد إلى طريق مظلم من العنف والقمع والانتقام، مما يؤدي إلى الكارثة وفشل الجميع. وهو ما من شأنه أن يزيد المشكلات التي تواجهها مصر سوءا ويهدد في النهاية مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائنا.

ينبغي علينا أن نتذكر – وخاصة عندما يعيد الأميركيون النظر في التهديد الدائم والحقيقي الذي تمثله «القاعدة» – أن زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وأن الظواهري لم يتحول إلى التطرف العنيف إلا بعد تعرض قيادات الجماعة للقمع والاعتقالات من جانب الأنظمة المصرية السابقة. وأن تكرار أخطاء الماضي ذاتها ستدفع بمصر إلى مستقبل طويل من عدم الاستقرار والركود، وسيؤدي إلى نشأة جيل من أعضاء التنظيمات الإرهابية مثل «القاعدة».

ونحن نعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من الأفراد ذوي النوايا الحسنة والوطنية على كلا الجانبين الذين يريدون مستقبلا أفضل بالنسبة لمصر. وقد سمعنا الكثير من التصريحات المشجعة في اجتماعاتنا، وطالبنا جميع الأطراف بتعزيز تصريحاتهم هذه بخطوات بناءة، وطالبناهم أيضا بالقيام بذلك بسرعة لأن الوقت ينفد.

يجب على جميع الأفراد والأحزاب في مصر أن يتطلعوا لحل خلافاتهم بصورة سلمية عبر الحوار الشامل وعقد تسويات صعبة وتضحيات مؤلمة تشكل ضرورة لإنقاذ الوطن.

وينبغي على أنصار مرسي، بمن فيهم جماعة الإخوان المسلمين، الاعتراف بأن ما اتخذه من إجراءات تسببت في غضب شعبي واسع، وأنه لن يعود لمنصبه رئيسا مرة أخرى. كما ينبغي عليهم الامتناع عن القيام بأعمال العنف والتحريض عليه، وأنهم في نهاية المطاف سيكونون بحاجة لترك الشوارع والعودة إلى العملية السياسية، لأنه لا يوجد بديل جيد أو فعال لتحقيق مصالحهم.

في الوقت ذاته، ينبغي على الحكومة والقوات المسلحة إدراك أنه مهما بلغت كراهيتهم لأنصار مرسي إلا أنهم مصريون أيضا، ولا ينبغي استثناؤهم من الحياة السياسية في البلاد، وإلى ضرورة التعامل معهم ومع أنصار مرسي برحابة صدر وليس بطريقة انتقامية، وهذا يعني وضع جدول زمني محدد لتحقيق الانتقال إلى الديمقراطية وتمكين كل المصريين من المشاركة في تعديل الدستور، كما يعني تمكين المنظمات الدولية والمصرية ذات المصداقية من مراقبة الحملات والانتخابات القادمة، ويعني أيضا إطلاق سراح السجناء السياسيين بما في ذلك مؤيدو مرسي.

إن ما سيجري في مصر خلال الأسابيع القادمة سيكون له تأثير حاسم على مستقبل مصر والشرق الأوسط. لقد كانت مصر زعيمة بين جيرانها. ولا نزال نعتقد بأن مصر تستطيع أن تكون نموذجا للديمقراطية الشاملة تلهم المنطقة والعالم، ولتحقيق ذلك يجب على الولايات المتحدة أن تواصل تقديم دعمها.

* جون ماكين وليندسي غراهام، جمهوريان يمثلان ولايتي أريزونا وكارولينا الجنوبية في مجلس الشيوخ الأميركي على التوالي

* خدمة «واشنطن بوست»

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

حقيقة بعض المجموعات المسلحة وماينبغي فعله

السفير بسام العمادي : كلنا شركاء

اصبح من المؤكد بالدليل القاطع بان نظام بشار انشأ بعد غزو العراق عام ٢٠٠٣ عددا من المجموعات الانتحارية وارسلها للعراق للقيام بتفجيرات تؤدي الى زعزعة الوضع وارباك القوات الامريكية هناك، وبالتالي منعها من تنفيذ هجوم وشيك على سورية كان مخططا له لانهاء التظام الدكتاتوري فيها. وقد نجح النظام في ذلك نجاحا لم يكن يتوقعه، اذ اصبح يتحكم بالوضع الامني في العراق ويتمتع بتأثير كبير عليه من خلال تلك المجموعات التي تأتمر بامره فيحركها متى شاء ويوقفها متى شاء حسبما تتطلب حاجاته ومخططاته، وكلنا يذكر كيف هدد المالكي باللجوء للامم المتحدة لايقاف مايقوم به نظام بشار ضد امن العراق.

في بداية الثورة في آذار ٢٠١١ اصدر بشار مرسوم العفو المعروف الذي اطلق بموجبه سراح ٦٣ الف مجرم من السجون السورية، وتبعه بمرسوم آخر اطلق بموجبه ماتبقى في السجون من مجرمين لم يشملهم المرسوم الذي سبقه. وكان الهدف من هذين المرسومين خلق حالة من الفوضى والاجرام في سورية لتحويل الانظار عن حقيقة الثورة واتهام الثوار بالاجرام والارهاب، خاصة بعد ان انشأ مجموعات مقاتلة (كما فعل في الحالة العراقية) تدين له بالولاء وتدعي انها من الجيش الحر وترتدي ثوب الاسلام، وعاثت فسادا وقتلا واجراما في البلاد باسم الاسلام والتطرف، وقد تم القبض على البعض منها (والحديث هنا ليس عن جبهة التصرة بل عن مجموعات اخرى اصبحت معروفة).

ان مانراه اليوم من بعض المجموعات المسلحة لايخرج عن هذا الاطار وبخاصة عمليات خطف الاجانب والصحفيين التي تجذب انظار المجتمع الدولي، وايضا الاعمال المتطرفة التي تهدف الى عزل الثوار عن حاضنتهم الشعبية بل وضعها في عداء شديد معهم. وقد لايدرك ذلك حتى بعض المنتمين الى تلك الجماعات، بل ان اكثرهم لايعلم أن قادتهم هم في الحقيقة عملاء للنظام، وانهم يخدمونه ويسيؤون للثورة والوطن من حيث لايعلمون. (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا) الكهف ١٠٣ و ١٠٤ ) .

وبذلك نجح التظام تماما في مخططه اذ انتقل اهتمام المجتمع الدولي من المجازر التي يرتكبها النظام بحق الشعب والوطن الى المجموعات المتطرفة والقاعدة، ووضع بشار المجتمع الدولي امام خيارين :

اما نظامه واما التطرف والارهاب في سورية.

ويالطبع فان الأولوية لدى المجتمع الدولي هي محاربة القاعدة ومايسمى بالتطرف الاسلامي – دون الخوض في تفسير معنى وماهية التطرف.

وقد ساعد النظام في نجاحه ماكينته الاعلامية القوية وعملاؤه المندسين في التنظيمات المعارضة المدنية والسياسية والعسكرية، وغياب الخبرة العملية والسياسية والرؤية الواضحة لمن شغلوا المراكز القيادية في المجلس الوطني ومن بعده الإئتلاف، واقصاؤهم لمن تتوفر لديهم الخبرة والامكانيات للقيام بالاعباء والمسؤوليات السياسية والعسكرية الكبيرة التي تتطلبها الثورة ولمواجهة مخططات النظام الشيطانية، ممن لايدينون لهم او لجماعاتهم بالولاء المطلق، او ممن يشعرون بأنهم يهددون مواقعهم ومناصبهم الوهمية، وبدلا من ذلك ضموا الى صفوف الائتلاف أشخاصا لاعلاقة لهم لا بالسياسة ولا بالثورة ولا بالثوار ليضمنوا تصويتهم لهم، بدلا من ضم من يمكن ان يشكلوا اضافة نوعية يحتاجون لها.

ان مانشهده من قصور سياسي، والمتمثل في الفشل في اقناع دول العالم الفاعلة بحقيقة الثورة والثوار وعدالة قضيتهم تتحمل مسؤوليته قيادة المعارضة السياسية التي نصبت نفسها بدعم من دول معينة واغلقت الباب على امكانية قيام قيادة سياسية قادرة على الفعل الحقيقي وتحقيق انجازات سياسية تحتاجها الثورة في الداخل، خاصة بعد التدخل الايراني والروسي والمليشياوي من العراق ولبنان وغيرهما.

ولن يتغير هذا الوضع ما لم تكن هناك ارادة حقيقية ونية صافية وخطط محكمة للتصدي لما يقوم به النظام وعملاؤه من مثل هذه الاعمال، واقناع المجتمع الدولي بالمصلحة الحقيقة في الخلاص من نظام بشار، ولن يتم ذلك الا اذا قام الائتلاف – الذي يبدو انه بدأ بالعمل بشكل مختلف عما رأيناه خلال العامين المنصرمين، ونأمل ان يكون هذا تحولا حقيقيا في ادائه – بالاستعانة بالامكانيات العسكرية والامنية والسياسية الكثيرة التي يتمتع بها الكثير من المخلصين ممن تتوفر لديهم الخبرات وخاصة المنشقينن ممن عملوا في الحكومة وممن قرر القائمون على المجلس الوطني والائتلاف اقصاءهم بدعوى ان هؤلاء كانوا يعملون مع النظام – مع ان معظم هؤلاء كانوا موظفين في الدولة وليس لدى النظام، بل ان النظام حاربهم لانهم لم يدينوا له بالولاء.

ولم يعد بالامكان في ظل تدخلات حلفاء النظام السافرة، وتصاعد تحطيم الوطن وارتكاب المجازر غير المسبوقة بحق الشعب السوري من المدنيين العزل الاستمرار في الممارسات السابقة بل يجب تحمل المسؤولية والعمل بإخلاص لانقاذ ماتبقى من الشعب والوطن مما يخطط له النظام وأعوانه.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ -7

الفصل السابع

الهذيان الإهتياجي الإكتئابي وهذيان نهاية العالم

1 ـ الذهان الإهتياجي ـ الإكتئابي

“في بعض الحلات،النوبة الهاذية تترافق بتعبير حقيقي هاذي هلوسي.هذا الجنون الهاذي يمكن أن يشتمل عل موضوعات صوفية أو نبوية مع أفكار التأثير(…)الله يسّر لي ويتحدث على لساني(…) أو أنا مريم العذراء أو موضوعات اضطهاد وثأر(…)”

(طب نفس الراشد ص 199)

********

الذهان الإهتياجي ـ الإكتئابي مرض ذهني يتميز باضطراب المزاج،وتحولاته اليومية أحياناً من النقيض إلى النقيض،بالانتقال من نوبات الإهتياج إلى نوبات الإكتئاب.يعرفه الطب النفسيب أنه:”ذهان، أساساً وراثي،يتميز بتكرار،وتناوب،وتجاور أو تعايش حالات اهتياج وحالات اكتئاب.كما توجد حالات عديدة وسطى،تتراوح بين الاهتياج والاكتئاب الجزئيين أو المعتدلين(…)يبدأ هذا الذهان عند الراشد بين 18 و20 عاماً”(1).

“عدد من المرضى الهاذين،من الذين لم يُعبّروا قط في الأوقات العادية عن اعتقاد ديني،يمكن أن يعتبروا أنفسهم:الله،أو الشيطان،أو العذراء المقدسة،أو ممسوسسين من الشيطان أو أنبياء… إلخ، تحت تأثير ذهان إهتياجي ـ إكتئابي،أو إلتياث ذهني،أي فوضى ذهنية،أو هلاوس أو انفصام ذهني. هذا الاعتقاد الجديد، لا علاقة له بأي فكر ديني حقيقي،بل هو مرتبط مباشرة بالنكوص المرضي إلى الطور الأسطوري”(الطبيب النفسي ب.مرشِ في كتابه:”سحر وأسطورة في الطب النفسي”).

أعطى عن ذلك الحالة السريرية،التي عالجها في مستشفى فوش بباريس:الأنسة(أ) 20 عاماً،التي ترجمناها في فقرة الهلاوس مع حالات سريرية أخرى.

“النكوص المرضي إلى الطور الأسطوري”(2)،حقيقة طبية جوهرية.لأن المرض الذهني،كهذيان النبوة أو التعصب الديني،هو نكوص من الطور العقلاني،آخر طور تطور إليه”الإنسان العاقل”،إلى الطور الأسطوري،أو السحري أو الديني اللاعقلاني،وهي أطوار تجاوزها تطور البشرية الذهني منذ قرون. مسار تطور البشرية مر بالطور السحري،ثم بالطور الأسطوري،ثم بالطور الديني وأخيراً بالطور العقلاني،الذي نحن فيه الآن.كل نكوص من الطور العقلاني إلى أحد الأطوار الـ 3 السابقة له هو عادة عرض لمرض عقلي.

الطور الإهتياجي:يتجلى في حالة اهتياج فكري ونفسي ـ حركي واهتياج المزاج، كما أن وظيفة الهلاوس تطمين المريض،فإن وظيفة الإهتياج هي تنفيس توترات المريض.”المهتاج لا ينام إلا 3 ساعات،لكنه لا يشعر بالتعب،نشيط لكن نشاطه يدار إدارة سيئة”.

اهتياجات الذهان الإهتياجي ـ الإكتئابي هي عادة صارخة:الضحك،الغناء،الرقص والشطح،كما هو عند الصوفية إلى الآن،وكما رأينا ذلك عند انبياء عشتار وأنبياء اسرائيل.”لكن توجد أيضاً اهتياجات حقيقية حيث الإهتياج أكثر اعتدالاً.”(3).

قد تكون هذه الحالة من الإهتياج المعتدل هي حالة نبي الإسلام،الذي لم تروي عنه السيرة أو السنة تعبيراً صارخاً عن اهتياجه كالوجد،إكستاز.لكن السيرة والسنة بخيلان، بكل خبر يُشتم منه الخدش في شخصية نبي الإسلام، بما هو”الإنسان الكامل بإمتياز”؛لكن الإهتياج بدا واضحاً في أسلوبه القرآني المحموم، المتدفق كالسيل العَرِم،كما عند إشعيا،الذي تأثر به محمد كثيراً واستلهمه،كما سنرى ذلك في فقرة تالية.

في حالة الإهتياج القصوى:”تسارع مجرى الفكر،هو الحد الأقصى،هو اللحظة التي لا يعود فيها الكلام وسيلة بل يغدو في حد ذاته غاية،لعبة في خدمة الفرحة الوجودية(…)تسارع مجرى الفكر يشمل شكل ومضمون الفكر،فالأفكار تتلاحق بكل سرعة، دون أن يمضي المريض بأية فكرة إلى نهايتها.فالفكر يتدفق ألفاظاً بلا معنى.التداعي بين الأفكار سطحي،على حدود التماسك،منطق التداعيات يظل غالباً مفهوماً:قافية،سجع،لعب بالكلمات وأحياناً الإكثار من الشعارات،والأمثال السائرة والترتيل،تحصيل الحاصل أو أفكار جاهزة،تتوالى وراء بعضها البعض، لتجعل خطاب المريض مفهوماً إلى حد ما.وبالطريقة ذاتها، يمكن أن يُقطع الخطاب(…)برقية أو بعبارات أجنبية.على مستوى المضمون، ثراء الأفكار ليس إلا ظاهرياً، كما شخص ذلك الطبيب النفسي كرابلن:”انبجاس الأفكار ليس أبداً ثراء أفكار بل مجرد كلمات،أي أن مضمون الأفكار يتحكم فيه موضوع تهييج للخيال لا حدود له”(4).

هذا الإستشهاد الطويل بالغ الأهمية.لأنه يصلح تعليقاً طبياً نفسياً على معظم سور وآيات القرآن، التي يكثر تفصيلها ويقل تحصيلها.لنضرب مثلاً بالمطلع الأول من سورة العاديات:”والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً،فالمغيرات صبحاً،فأثرن به نقعاً،فوسطنا به جمعاً(…)”:”تدفق ألفاظ بلا معنى(…) التداعيات قافية وسجع”ماذا عنى نبي الإسلام بهذه الجمل الغامضة:أقسم بالخيول الراكضة التي تسمعنا عويلها،أو تذمُرها، هذه الخيول، التي تُثير بحوافرها الشرارات ،والتي تُغير في الصباح وتثير الغبار[= عند العدو؟]”ووسطن به جمعاً”جملة غير مفهومة،قد يمكن تأويلها بأن الخيل دخلت إلى وسط جيش العدو؟.

أية قداسة للخيول المغيرة ليقسم بها نبي الإسلام، كحجة على صحة دعواه القائلة” إن الإنسان لربه لكنود”،أي لا يتعرف بالجميل لربه؟وأي رابط منطقي بين ما أقسم به وما أقسم عليه نبي الإسلام؟لا رابط ! “الخيط الناظم للسورة هو”تداعيات القافية والسجع”ليس إلا.كما قال الطبيب النفسي.

شخّص طبيب آخر هذيان الإهتياج:”يتسارع المنسوب اللفظي،المريض ينتقل من فكرة إلى أخرى، عاجزاً عن التركيز على موضوع محدد.تتابع الأفكار بسرعة قصوى،كل صورة تجر كوكبة من الذكريات. الخطاب جريان دائم،كتعبير عن فرار الأفكار.تداعي الكلمات يستدعيه الإيقاع:صوت يستدعي صوتاً،جميع الكلمات المتجانسة تُستغل أثناء الأصوات تتوالى،وأحياناً كخليط.هذا التسارع لمجرى الأفكار هو خاصية نوبة الإهتياج،كما يقع في حالات الهذيان الصرعي”.(5)

أيات السور القصار المتدفقة كالشلال،من الصعب أن تصدر من شخص جالس بهدوء،بل قد لا تصدر إلا من شخص في حالة غليان واهتياج،أي في حالة وجد:في حالة حماس ونشوة عارمة،في حالة انخطاف،وفرحة وجودية،في حالة ذهول ورقص أيضاً،كما عند الأنبياء والمتصوفة.

رأينا أن أنبياء إسرائيل كانوا يخرجون عن أطوارهم ويرقصون.داوود مثلاً،في الرواية التوراتية،كان يرقص بنشوة وحماس أمام تابوت العهد عارياً.فكيف يمكن أن تقول السيرة والسنة مثل هذا،أو حتى أقل منه بكثير،عن محمد،الذي،كما أكدت السيرة،تفاوض الصحابة حول غسله،كأي ميت عارياً،وأخيراً رفضوا ذلك وغسلوه في ثيابه خشية من كشف عورته؟ودفع الهذيان البعض إلى القول بأن نساءه لم يروا ذكره!

تحت وطأة الجبن الديني والشلل النفسي،رأينا،وسنرى مثلاً في هذيان نهاية العالم،كيف أن المفسرين لا يفسرون الآيات عندما يعتقدون أنهن قد يلقين ظلالا من الشك على مصداقية القرآن،مثل النيؤات القرآنية باقتراب الساعة في حياة النبي وخصومه المشركين،الذين توعدهم القرآن:”بل تأتيهم [=الساعة]بغتة(…)فلا يستطيعون ردها،ولا هم يُنظرون”.كما سنرى ذلك في فقرة هذيان نهاية العالم.وأحياناً يزورون تفسير الآية مثل:”ووجدك ضالاً فهدى”.البعض،كالسيوطي،زورها:”ووجدك بين ضالين فأنقذك منهم”والبعض،كالزمخشري،فسرها نصفا وزورها نصفا:”ووجدك ضالاً عن معرفة الشرائع”لكن سرعان ما اعتراه الشعور بالذنب،فشرع في تزويرها:”وقيل ضل في شعاب مكة،فرده أبو جهل إلى عمه أبو طالب،وقيل ضل في مكة،عندما اعادته حليمة السعدية إلى أمه،وقيل ضل في طريق الشام إلى آخر المراواغات.

لقد آن للمؤمنين،الذين لم يسقطوا في الهذيان الديني،أن يقطعوا مع هذا التضليل،الذي يلحق بمحمد ودينه ضرراً بليغاً،أكثر بكثير من قول الحقيقة،كما اعترف بها محمد نفسه بكل صدق في قرآنه.

الإسلامي صلاح كشريد،ربما لأول مرة،تشجع،عندما ترجم سورة النجم:”رآه بالأفق الأعلى،ثم دنا فتدلى،فكان قاب قوسين او أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى…” معلقاً:”هذه الآيات القصار والاهثة،تترجم على نحو مثير للإعجاب،حالة من الانفعال الكبير والوجد، الأكستاز،عند النبي عندما رأى جبريل بالأفق الأعلى”.

سور بداية استيلاء الهلاوس والهذيانات على وعي محمد بكل قوة، لم تكن إلا هذياناً لفظياً لا نهاية له،لعب بالكلمان والكنايات والمجازات وأسماء الأصوات و”تدفق ألفاظ بلا معنى”كما شخص الطبيب النفسي سوسان الهذيان الإهتياجي.

طور نوبات الهذيان الإهتياجي، يترافق غالباً بانفلات الغرائز الجنسية القهري:”الهياج الجنسي ثابت لا يتخلف وغالباً مفرط”(6)؛وهذا ما يؤكده حديث:”أوتيت قوة 40 رجلاً”.هذا الحديث لم يتقوّله ابن اسحاق،والذي يرويه صحيح البخاري، بل قاله على الأرجح نبي الإسلام؛تشهد على ذلك زيجاته الكثيرة: قيل 16 وقيل 22 ،فضلاً عن ملك اليمين، والمؤمنات اللواتي يهبن انفسهن له للإستمتاع الجنسي، العابر غالباً، الذي شرّعته الآية:”(…) يا أيها النبي إنا حلّلنا لك أزواجك (…)وما ملكت يمينك(…)وإمرأة مؤمنة،إن وهبت نفسها للنبي،إن أراد النبي أن يستنكحها؛خالصة له من دون المؤمنين(…)”(50 الأحزاب).

ورث الحسن،و الذهان الإهتياجي الإكتئابي وراثي كما سبق، عن جده النكوح الرغبة العارمة في تعديد المنكوحات؛فقد قيل أنه تزوج بين 150 و 350 إمرأة.أيضاً القصاص الفرنسي جي موباسان،كان نكوحاً وفصامياً.فقد مات في مستشفى المجانين. يبدو أن تعديد المنكوحات،ولو لمرة واحدة،وسواساً متواتراً عند بعض الذهانيين وخاصة الفصاميين.يذكر الطبيب النفسي، بانكاو،في كتابه”كينونة الفصامي”[للتذكير لا أكتب أسماء الأعلام والكتب والمصطلحات بالأبجدية اللاتينية كما هو مطلوب، لأن ذلك يجعل النص معرضاً للتفكك عندما ينتقل من موقع إلى آخر]،أن أحد مرضاه”37 عاماً” نكح في مدة وجيزة 41 مومس مرة واحدة لكل منهن،إلا واحدة كانت تضع خاتم في ابهامها نكحها 16 مرة.ربما لأن الخاتم هو الـ فِتيش أو الصنم،الذي عوض له في أصبع المومس قضيب الأم المفقود.

اتضح أيضاً أن نساء الذهان الإهتياجي الإكتئابي يصبحن نكوحات.

اتهام هشام جعيط في”في السيرة النبوية” ابن اسحاق، بالإفتراء على النبي بأنه نكوح، متهماً إياه بإسقاط حالته الخاصة على محمد. يبدو مجانياُ،لم يتسند حتى إلى بداية حجة! ربما كان دافعه،كما عند المفسرين،تبرئة النبي من كل ما يثير الشبهات بالمفهوم العامي!والحال أن إصابة نبي الإسلام بالذهان الإهتياجي ـ الإكتئابي، المسبب للفحولة المفرطة، تتضافر عليه القرائن،عبر أعراضه في القرآن.يستخدم هشام جعيط في كتابه اشمئزازه الشخصي،من خبر أو فكرة، كبرهان على بطلانهما.وهو ما وصفته بـ”البرهان النرجسي”،وهذا في العلم خطأ جسيم.لا يوجد بين البراهين العلمية:”أرفض هذا بتاتاً”، التي لا تصدر إلا عن مفتي نرجسي هاذي، سجن عقله في معتقداته الجامدة وإيمانه الساذج.أما المؤرخ،وجعيط مؤرخ قدير،فلا يسعه إلا مناقشة الفرضيات بفرضيات مضادة،مبنية بناءً منطقياً،ومبرهَناً عليها بدم بارد.

النزاهة الفكرية كانت تتطلب منه،كمؤرخ،أن يعتمد،خاصة في موضوع لا سبيل لليقين فيه، كموضوع نبي الإسلام،على الفرضيات المفتوحة للبحث والنقاش وليس على اليقين الأعمى والرفض المتشنج.

مريض الإهتياج الإكتئابي مزاجه متقلب من النقيض إلى النقيض،من التفاؤل إلى التشاؤم،من الابتهاج بالحياة إلى القرف منها:”إن المال والبنون زينة الحياة الدنيا”(46 الكهف)ثم”وما الدنيا إلا متاع االغرور” (186 آل عمران)،”،أو “ولسوف يعطيك ربك فترضى”(5 الضحى)؛ثم،في طور الإكتئاب،ينتقل إلى الإتهام الذاتي والتهديد الصارم للذات:”لو تقول علينا[محمد] بعض الأقاويل،لأخذنا منه باليمين،ثم لقطعنا منه الوتين”(46،45،44 الحاقة).

“يسيطر[في طور الإكتئاب] الشعور بالذنب والاتهام الذاتي المجاني غالباً ومحاولات الانتحار.كما تسيطر كذلك الإضطرابات الجسدية وخاصة الأرق،والإستيقاظ الباكر صباحاً”(7).

هذا التشخيص ينطبق على نبي الإسلام ،الإستيقاظ باكراً لصلاة الفجر!” الإنهيارات العصبية المقنّعة، تحتل في الإكتئاب مكاناً بارزاً،وقد يلازمها الصداع(8).كثيراً ما اشتكى نبي الإسلام من الصداع، حتى في يوم وفاته.فقد جاء في البخاري عن ابن عباس:” أن رسول الله احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به”.

“البنية الإكتئابية للمريض تقوم على استبطان الغرائز العدوانية،التي تفعل فعلها تحت ضمير أخلاقي قاسي”(9)،كما هي حالة نبي الإسلام كما حللناها في هذيان الشعور بالذنب؛”الإكتئابي سجين الماضي،أما المستقبل فلا وجود له عنده.”(10).وهكذا ربما نفهم لماذا لم يفكر نبي الإسلام في مستقبل أمته من بعده، أي في خلافته، بتعيين ولي للعهد، بدلاً من الشورى، التي كانت شراً على المسلمين!ومازالت شراً عليهم،فأقصى اليمين الإسلامي يعارض بها الديمقراطية،أي الدخول إلى الحداثة السياسية،التي لا بديل لها،سوى النكوص الذهاني إلى العصور الوسطى،كما هو الحال في إيران والسودان وأفغانستان طالبان، وربما مستقبلاً في مصر وتونس إذا واصل التاريخ تأتأته!.

“أفكار الموت:كل مكتئب يواجه الانتحار،الذي يبدو له كحل مثالي للصراع بين الأنا والعالم،بقدر ما يسمح ذلك بالقضاء على الطرفين كليهما(…).الأفكار الهاذية لا تتخلف أبداً، وهي أفكار هاذية مرصودة لهجاء الآخرين؛هذيان الإضطهاد، هذيان الشعور بالذنب، وهذيان نهاية العالم”(11)؛هذيان نهاية العالم هو لا شعورياً نهاية المريض نفسه.من هنا محاولات الانتحار المتكررة من نبي الإسلام.”هجاء الآخرين”،والقرآن، في جزء كبير منه،هجاء للمشركين مثل أشهر قصيدة هجائية فيه:”تبّت يدا أبي لهب وتب،ما أغنى عنه ماله وما كسب،امرأته حمالة الحطب،في جيدها حبل مسد”(سورة المسد )؛وهجاء لليهود :”قلنا لهم كونوا قردة خاسئين”(65 البقرة)مثلاً؛وهجاء للنصارى: “وقالت النصارى المسيح ابن الله(…) قاتلهم الله أنّى يؤفكون[=ما أكثر انخداعهم أو ما أكثر إفكهم وكذبهم !]”(30 التوبة)!.

“عندما تتعايش أعراض الاكتئاب مع انشطار الشخصية،ومع انمحاء الشخصية،ومع اضطراب وعي الذات لذاتها،أي شك المريض في هويته،والتشابه وغرابات السلوك(…)يمكن أن تكون عندئذ طريقا للدخول إلى الفصام”(12).

“هل الجنون قدَر العبقرية؟”،هذه الفرضية دعمها باحثون سويديون جمعوا معطيات ملفات طبية لحوالي مليون مريض،على امتداد 40 عاماً،وبرهنوا على أن العائلات التي تقدم حالات اضطرابات قطبية،أي اهتياجية اكتئابية، وفصامية، يوجد بها فنانون كثيرون”(13)

2 ـ هذيان نهاية العالم

“اقتربت الساعة”(1،القمر)

****

المقصود هنا هو هذيان نهاية العالم الديني.إذ توجد سنياريوهات ليست هاذية بالضرورة، لإمكانية نهاية الحياة.نهاية الحياة على الأرض، بكارثة أيكولوجية أو نووية عالمية،يسود بعدها شتاء نووي يدوم 4 قرون،يمنع وصول أشعة الشمس إلى الأرض،فتنقرض أشكال الحياة بما فيها البكتيريه.لكن، في هذا السيناريو العلمي، لا وجود لتدخل خارجي إلاهي،يبعث الأموات من قبورهم،ويوقفهم أمام الله، أو أي إله آخر لتوزيع الثواب والعقاب،أو عن المهدي المنتظر، ليحكم 1000 عام ثم يندثر العالم إلى آخر روايات الهذيان الديني.

تقصّي هذيان نهاية العالم في جميع الأديان،يتطلب مجلداً ليس هنا مكانه. لأن الدافع النفسي المحرك لهذيانات نهاية العالم الدينية واحد: الصراع بين الرغبات الجنسية المكبوتة المتعارضة مع الأنا[=العقل]والضمير الأخلاقي،أي الأخلاق السائدة، التي تجسدها قواعد اجتماعية ودينية غالباً مغلقة،يسبب للمريض قلقاً عاصفاً يجد متنفساً في الهذيان.نلتقي بهذيان نهاية العالم في نوبات الهذيان الإكتئابي:في العمق، الهاذي يتحدث عن شعوره بأن نهايته هو نفسه باتت وشيكة،وعن فوضى حياته الداخلية وخرابها:”إذا زلزلت الأرض زالزالها”،و”إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت”. هذه الفوضى الكونية العارمة هي اسقاط ، للفوضى العارمة التي تتفاعل في رأس محمد المتألم واليائس، على ظواهر الطبيعة.

سنقتصر على تشخيص أعراض وتحليل العواقب الدينية ـ السياسية لهذيان نهاية العالم في القرآن، أي عند نبي الإسلام.

هذيان نهاية العالم ورثته المسيحية والإسلام عن اليهودية، وعن الديانة الرزادشتية،التي يبدو أن بصماتها واضحة على القرآن،خاصة في الهذيانات الأخروية،عن طريق أحد معلمي محمد الراهب الزرادشتي، سلمان الفارسي.

الشرط الأول لتوفر هذيان نهاية العالم هو أن يكون قريباً،أي متوقع الحدوث في حياة الهاذي نفسه؛بولس الرسول ،كان يتوقع عودة المسيح في حياته؛أحمدي نجاد،بدأ منذ 2006 يوسع شوارع المدن الإيرانية، لتسهيل مرور موكب الإمام الغائب فيها؛ويناجيه،أي يناجي هلوساته هو ،في بئر في جنوب طهران،خيل له الهذيان أن الإمام الغائب اتخذها مقراً مؤقتاً، في انتظار الإعلان الرسمي للرجعة.

عواقبه الدينية ـ السياسية:تهاوُن نبي الإسلام في تعيين خليفة له، يحصر التداول على السلطة في ذريته،كما كان الحال في عصر الأمبراطوريات المعاصرة لدولة المدينة؛لو حسم توريث الحكم لشخص ونسله من بعده،مثلاً في ابن عمه وصهره ووالد حفيديه،علي اين أبي طالب،كما كان يفعل أباطرة زمانه،ربما لجنب المسلمين مأساة الحرب الدينية الشيعية ـ السنية المتواصلة منذ 14 قرناً؛لا سبيل لقراءة دقيقة للإقتتال الديني الأهلي الجاري في العراق وسوريا اليوم،وربما غداً في لبنان والسعودية وبعض إمارات الخليج،من دون استحضار بعده التاريخي، لربطه بعامل الصراع السني ـ الشيعي المزمن،والذي قد يتحول،في إحدى مراحله،إلى نزاع نووي؛وقد أطلق منذ الآن سباق تسلح وتسلح نووي صامت وخطير، بين إيران وجوارها السني.في تونس، حيث توجد أقلية مجهرية شيعية،شنت وزارة الشؤون الدينية في 2012، لأول مرة في تاريخ تونس الحديث،حملة لحظر كل نشاط دعوي على هذه الأقلية،انتهاكاً لمبدأ الحريات الدينية ولمواثيق حقوق الإنسان،التي تعترف لكل إنسان بالحق في الدعوة السلمية لمعتقداته.لكنها،لسبب واضح،لم تمنع الأئمة،الذين تشرف عليهم من التحريض على الإرهاب الداخلي والخارجي!.

آيات قرآنية عدة،فضلاً عن الأحاديث،أسست لهذيان نهاية العالم في الإسلام:”وما أمر الساعة إلا كلمح البصر،أو هو أقرب”(77 ،النحل)،المغزى:نهاية العالم قريبة جداً،أقرب من لمح البصر.

يفسرها الطبري مسرعاً،كمن يريد عدم الخوض في موضوع محرج:”هي كلمح البصر،أو أقرب من لمح البصر”؛أما السيوطي،الذي كان عليه تفسيرها،بعد أكثر من 9 قرون من نزولها،فإنه فضل المرور عليها مرور الكرام؛لأن نهاية العالم”الأقرب من لمح البصر”كانت تعني نهاية العالم في حياة النبي وأعدائه المكيين قبل إسلامهم!؛”(…)وإن الساعة لآتية،فاصفح الصفح الجميل”(85،الحجر)،عند الطبري: “الساعة التي تقوم فيها القيامة لجائيّة،فرضّي بها المشركين،قومك الذين كذبوك،وردوا عليك ماجئتهم به من الحق،فاصفح عنهم (…)وأعرض عنهم(…)”.أما السيوطي،المحرج كعادته،فقد مر بخبر قرب مجيء الساعة مر الكرام، مبتدأ تفسير الآية من شطرها الأخير”اصفح الصفح الجميل”؛

“أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون”(107،يوسف)هم،مشركوا قريش.يفسرها الطبري:”أفيأمن هؤلاء الذين لا يشعرون بأن الله ربهم،وهم المشركون(…)أن تأتيهم القيامة وهم مقيمون على الشرك (…)[في مكة]لقد خسر الذين(…)انكروا البعث بعد الممات والثواب والعقاب،والجنة والنار،من مشركي قريش (…) حتى جاءتهم الساعة، التي سيبعث الله فيها الموتى من قبورهم فجأة، من غير علم (…)”؛:”بل ويقولون متى هذا الوعد؟(…)بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم يُنظرون”(الأنبياء 39،37)،معنى الآيات:يقول مشركوا مكة ساخرين:متى سيتحقق وعد قيام الساعة؟ يرد عليهم نبي الإسلام:قريباً ،وقريباً جداً ستأتيكم الساعة بغتة فتجعلكم حيارى،غير قادرين على ردها وصدها للنجاة منها،والأدهي أن الله لن يقبل منكم طلب تأجيلها إلى موعد آخر! طبعاً تأجّل مجيئها ومازال مؤجلاً!،وفي آية أخرى يتوعد مشركي مكة باقتراب الساعة أيضاً:”اقتربت الساعة وانشق القمر”(1،القمر).

كالمعتاد،تجاهل السيوطي تفسير”اقتربت الساعة”،وراح يلف ويدور حول مأثورات متعارضة عن “انشقاق القمر”،مرة اعتبره انشقاقاً رمزياً، يجعل وجه نبي الإسلام يضئ كالقمر يوم القيامة،ومرة اعتبر الإنشقاق وقع فعلاً وتفرج عليه المشركون، ولكنهم لم يؤمنوا، ومع ذلك لم تعصف بهم عاصفة الساعة!ناسخاً هكذا لا شعورياً، بل ربما شعورياً، نصف الآية الأول معتبراً لها كأنها لم تكن،إذ قد مضت 9 قرون على اقترابها ومازالت لم تقترب بعد!.

صحيح أن الكون،الذي تكون منذ13 مليار سنة قد يفنى،في أحد السيناريوهات الفلكية الفيزيائية، تحديداً فرضية أينشتين،لكن لن يحدث ذلك إلا بعد 15 مليار سنة قادمة. ومن الجنون المطبق اعتبار هذه المسافة الزمنية الضوئية” قريبة كلمح البصر أو هو أقرب”،ولا أن مشركي قريش كانوا سيعيشون 15 مليار سنة أخرى” لتأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون”!.

مراجع الفصل السابع

1 ـ ميشيل هانوس،طب نفس الراشد ص 22،دار مالوان،باريس.

2 ـ الطبيب النفسي ب.مارشِ في كتابه “سحر وأسطورة في الطب النفسي”ص 185 ،دار ماسون، باريس ، 1977.

3 ـ طب نفس الراشد ص 64.

4 ـ سوسان الطب النفسي 2001 ـ 2002 ص 129.

5 ـ طب نفس الراشد ص 34 مصدر سابق.

6 ـ طب نفس الراشد ص 64.

7 ـ طب نفس الطالب ص 64.

8 ـ نفس المصدر والصفحة.

9 ـ نفس المصدر والصفحة.

10 ـ نفس المصدر والصفحة.

11 ـ نفس المصدر ص ص 48،47.

12 ـ نفس المصدر ص 35.

13 ـ ملف خاص بالذهان الإهتياجي الإكتئابي،نوفيل ابوسرافاتير 07/02/2013.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

هل يمكن حرق المراحل التاريخية؟

الشرق الاوسط
للأسف لا. يا ليت! كم أتمنى لو أغمض عيني وأفتحها فأرى سوريا وقد أصبحت مثل هولندا ازدهارا وسلاما، أو مصر مثل فرنسا، أو تونس الخضراء مثل سويسرا، الخ.. كنت سأقفز على ثلاثة قرون من الاستبداد السياسي والحروب الأهلية والمجازر الطائفية والأصولية الظلامية.. وكنت سأقفز أيضا على ثلاثة قرون من عناء البحث العلمي عن الحقيقة في كل المجالات! ينبغي العلم بأنه حصلت ثلاث ثورات فكرية تحررية في أوروبا قبل أن تتصالح المسيحية مع الحداثة، في حين أنه لم تحصل أي واحدة منها في العالم العربي أو الإسلامي كله. لهذا السبب يحدث ما يحدث الآن في مصر وغير مصر من صدامات مروعة حيث يعرقل «الإخوان» مسيرة الشعب نحو التقدم والتسامح والحرية.

كيف يمكن أن نتصالح مع أنفسنا إذن؟ كيف يمكن أن نحل مشكلة الصراعات المذهبية والطائفية ونحن لا نزال في المرحلة اللاهوتية التكفيرية التي تجاوزتها أوروبا منذ 150 سنة على الأقل؟ عندما يلتقي ألمانيان في الصين أو اليابان أو أقاصي الأرض هل تعتقدون أن أول سؤال يراودهما هو التالي: من أي مذهب هو يا ترى؟ هل هو بروتستانتي مثلي أم كاثوليكي مضاد؟ مستحيل. هذا شيء لا يخطر على بالهما على الإطلاق، في حين أنه أول تساؤل يخطر على بال السوري أو اللبناني أو العربي عموما عندما يلتقيان في باريس ولكن من دون أن يتجرأ أحدهما على البوح به بالطبع. والسبب هو أن ألمانيا حلت المسألة الطائفية فكريا أولا، على يد كانط وهيغل وفيخته وبقية التنويريين، ثم سياسيا ثانيا، على يد بسمارك ومن تلاه. هذه مسألة أصبحت محسومة ومهضومة تماما من قبل الشعب وبرامج التدريس ولم تعد تشكل أي عرقلة في ألمانيا. لقد أصبحت وراء ظهرهم. كلهم متساوون في المواطنة والحقوق والواجبات. كلهم ألمان بنفس الدرجة. لا يوجد ألماني درجة أولى وآخر درجة ثانية أو حتى ثالثة! والألماني المتفوق يكافئونه بدلا من أن يعاقبوه! ولذلك فإن الوحدة الوطنية الألمانية راسخة رسوخ الجبال. وقل الأمر ذاته عن الوحدة الوطنية الفرنسية، الخ.. ولكن يكفي أن نعود إلى القرن السابع عشر لكي نغطس في حمأة الحروب المذهبية الطاحنة حيث لم يكن البروتستانتي يطيق رؤية الكاثوليكي والعكس بالعكس. كانوا متناحرين يذبحون بعضهم بعضا على الهوية مثلنا الآن. بل واستمرت المشكلة تنغص عيشهم طيلة القرن الثامن عشر. ولولاها لما كانت هناك حاجة إلى التنوير أصلا. قد يقول قائل: ولكن هل سننتظر 200 سنة لكي نحل المشكلة الطائفية؟ والجواب لا لسببين؛ الأول، هو أننا نعيش في عصر الثورة المعلوماتية التي اختصرت الزمن والمسافات. وبالتالي فما كان يهضم في قرنين أصبح ممكنا هضمه في نصف قرن مثلا. والثاني هو أننا محاطون بالحداثة الكونية من كل الجهات وبالتالي فهناك تسريع إجباري للتطور. نحن مراقبون من قبل أمم كبرى في الغرب والشرق وما عدنا قادرين على أن نقول أي شيء أو نفعل أي شيء. حتى أمد قريب، أي حتى 11 سبتمبر تحديدا، كانت أصوات شيوخ الجوامع سلبية إزاء المعتقدات الأخرى بلا رقيب أو حسيب. أما الآن فقد أصبح ذلك صعبا جدا. الآن أصبحت تعقد مؤتمرات عالمية لحوار الأديان أو للتقريب بين المذاهب الإسلامية… الخ. وهناك سبب ثالث أيضا، وهو أن فتوحات الأمم المتقدمة ماثلة أمامنا. وهي تعفينا من اختراع كل شيء أو إعادة اختراعه من جديد. إنها ملك لنا أيضا بل وللبشرية بأسرها. فلسفة كانط أو هيغل أو هابرماس ليست فقط للألمان! فلسفة ابن رشد كانت يوما ما ملكا لكل الأوروبيين. ولكن هذا لا يعني أن المشكلة الطائفية التي تؤرقنا حاليا وتمزق وحدتنا الوطنية ستحل في سنتين أو ثلاث! هذه مشكلة مفصلية تاريخية ضخمة لا تحل بسهولة ولا من خلال جيل واحد أو جيلين. كم أتمنى أن أكون مخطئا! ولكن ما يزيد من تشاؤمي هو أن تطبيق منهج النقد التاريخي على الانغلاقات التراثية لا يزال ممنوعا في العالم الإسلامي حتى اللحظة. وحده الباكستاني فضل الرحمن والجزائري محمد أركون طبقاه ولكن خارج أرض الإسلام: الأول في جامعة شيكاغو، والثاني في جامعة السوربون. ولو بقيا في بلديهما لما استطاعا البحث بحرية في مجال حساس جدا. ولما استطاعا إتحافنا بكل هذه المؤلفات التدشينية الكبرى. أضف إليهما عبد الوهاب المؤدب ومؤلفاته التحريرية الرائعة. من دون تطبيق هذا المنهج التفكيكي – الأركيولوجي على التراث لا يمكن أن نتخلص من منظور القرون الوسطى التكفيري الإقصائي. عندما نخرج من هذا المنظور الإقصائي للدين يمكن أن نعترف بوجود عدة طرق إلى الله لا طريق واحد على عكس ما يزعم المتطرفون. والغريب العجيب أن القرآن الكريم يعترف بمشروعية التعددية الدينية «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة» ولكن ليس فقهاء الفضائيات! فهل كلام البشر أعلى من كلام القرآن؟!

هذه الطفرة المعرفية الحاسمة استغرقت من الغرب المسيحي ثلاثمائة سنة حتى تجرأوا عليها وحققوها إبان انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني عام 1962 – 1965. عندئذ تخلى الفاتيكان لأول مرة عن لاهوت التكفير واعتنق مكانه لاهوت التحرير والإيمان المستنير. وهو إيمان رحب واسع يتسع لكل خلق الله الصالحين أيا تكن أديانهم أو مذاهبهم. أما نحن فيمكن أن نحقق هذه القفزة خلال الثلاثين سنة المقبلة ولسنا بحاجة إلى ثلاثة قرون! هذا هو حرق المراحل أو تقليصها. ولكن هضم هذه الثورة الدينية الكبرى من قبل الجماهير الشعبية سوف يستغرق وقتا أطول بكثير. بل وحتى الكثير من المثقفين أو أشباه المثقفين والحركيين السياسيين الانتهازيين بحاجة إلى تحرير وليس فقط الجماهير! وبعضهم أخطر بكثير لأنهم يدعون الحداثة والديمقراطية ثم يلقون بأنفسهم في أقرب فرصة في أحضان شيوخ التكفير والظلام! أخيرا فإن التواريخ التي أقدمها عن آفاق التطور العربي تقريبية. أحيانا أقول ثلاثين سنة وأحيانا خمسين أو حتى سبعين سنة.. المقصود من كل ذلك أن شيئا ما سيحصل في عالم الإسلام لا محالة خلال السنوات القادمة. وهو شيء منتظر بفارغ الصبر من قبل العالم أجمع!

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

مكين ليس إخوانيا ومصر ليست سوريا

الشرق الاوسط
بخلاف ما يقال عنه هذه الأيام في الإعلام العربي، السيناتور الجمهوري جون مكين هو من أكثر السياسيين الأميركيين ممن يستحقون الاحترام، له مواقف مشرفة عديدة تميزه عن غيره في قضايا مثل سوريا، والأراضي الفلسطينية المحتلة، وغيرها. كان الصوت شبه الوحيد الذي دق جرس الإنذار محذرا منذ عامين، في بدايات الثورة السورية من خطر تجاهلها، وحارب في أروقة واشنطن يحاول إقناع الرئيس والكونغرس بضرورة الوقوف عسكريا ضد نظام الأسد، وليس فقط تقديم الدعم للاجئين. وكل ما تحدث وحذر منه وقع اليوم.

لكن عندما ذهب مكين إلى مصر أغضب الأكثرية؛ اتهموه بالتدخل والانحياز لجماعة الإخوان المسلمين، وهناك من ذهب إلى حد القول إنه رأس حربة مشروع أميركي لفرض الإخوان على الشعب المصري. لا شك أن مكين صب الزيت، لا الماء، على النار في وقت المشاعر فيه ملتهبة والخلاف في ذروته بين الأطراف السياسية. فالإخوان كانوا يفاوضون على التهدئة من خلال قيادات دينية وسياسية محلية ثم غيروا موقفهم وأصبحوا أكثر تشددا بعد وصول الوسطاء الأميركيين. اعتبروا زيارة مكين رسالة دعم لقضيتهم! في حين يقول السيناتور إن زيارته، والفريق السياسي والدبلوماسي، ليست للضغط بل تعبر عن اهتمام بلاده بمصر، وتشجيع الفرقاء على حل يخرج مصر من أزمتها.

أظن أن خطأ مكين أنه يخلط بين سوريا ومصر، فلا الفريق السيسي هو الرئيس السوري الأسد، ولا الجيش المصري يمثل أقلية، ولا الإخوان المسلمون في مصر هم المعارضة، ولا وجه للمقارنة أبدا بين مصر وسوريا، رغم تشابه المكان والزمان.

ماكينة الإخوان الدعائية في الخارج، بما لها من ارتباطات وأصوات منتشرة تدعي أنها الإسلام وتمثل المسلمين، لعبت على ثلاثة أوتار؛ الأول، القول إن عزل الرئيس مرسي إسقاط لشرعية منتخبة. والثاني، أن ثورة الشارع في الثلاثين من يونيو (حزيران) مجرد انقلاب عسكري. والأخير اللعب على وتر الإرهاب زاعمين أن وجود جماعة إسلامية في الحكم يمنع الإرهاب! والحقيقة قد تلتبس الحالة المصرية على من هو خارج القاهرة، لأن الثلاثة أسباب جميعها صحيحة جزئيا، إنما الصورة كاملة مختلفة. صحيح أنه بالصندوق الانتخابي وصل مرسي لكن جماعته حاولت الاستيلاء على الدولة، والسير بمصر نحو النموذج الإيراني، وهو نظام فاشي متطرف وخطر على العالم. ثانيا، لم يتدخل العسكر إلا بعد أن بلغ الشد والجذب مرحلة خطيرة على البلاد. أما الزعم الثالث بأن تولي الإخوان رئاسة مصر أو تونس وغيرهما يسد الطريق على الجماعات المتطرفة التي تعتمد العنف للوصول إلى الحكم، ففيه تسطيح للأمور، فالجماعات الإسلامية المتطرفة لا تعترف بالجماعات المعتدلة. فهي تكفر وتقاتل كل من في الحكم، وسبق لها أن استهدفت جماعات إسلامية معتدلة، وتلام الآن على تدهور أوضاع الأمن في تونس، فالجماعات الجهادية انتقدت حزب النهضة وهي وراء إسقاط حكومة وبرلمان النهضة الإسلامية، قتلت اثنين من قيادات المعارضة مما تسبب في تهييج الشارع ضد النهضة.

أنا، مثل كثيرين، مقتنع بشق واحد في رؤية مكين؛ ضرورة إشراك الإخوان في الحكم. وهذا ما يقوله تقريبا كل من في المعسكر الثاني، محمد البرادعي وحمدين صباحي وحتى الجيش. الخلاف مع الإخوان فقط على إدارتهم للدولة، عليهم أن يقبلوا بديمقراطية كاملة وليست انتقائية. وأن يقبلوا بدستور يمنح الحقوق للجميع، ويحمي الحريات، وأن يحترموا فصل السلطات الثلاث. هذه المسائل حاول الرئيس المعزول ورفاقه القفز فوقها مما دفع القوى المختلفة من اليمين واليسار للاتحاد ضدهم.

alrashed@asharqalawsat.com

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

التاريخ لم ينصف عائلة الأسد المعارضة فعلت

التاريخ لم ينصف السلف من الحكام العرب على مدى 1430 عام, وذلك بسبب فسادهم واستبدادهم ودمويتهم, ولكن سوء الحكام الذين خلفوهم جعلونا ننظر الى السلف وكأنهم رموز من القداسة, نتمنى عودتهم وعودة ازمانهم وحكمهم؟

فسوء الحكام لاسلاميين من جماعات القاعدة وطالبان والجهاديين في الصومال وحزب الله في لبنان والعراق, والاخوان في السودان ومصر و الحكم الاسلامي في السعودية و الولي الفقيه في إيران, جعلنا نرى تاريخ السلف والحكم الاسلامي الراشدي والاموي والعباسي على انه واحة للحكم الرشيد بالرغم من سوء حكمهم.

كان صدام حسين من أسوء من حكم العراق ولكن سوء حكم المالكي الطائفي جعل العراقيين يتحسرون على ايام صدام حسين.

التاريخ لم ينصف حكم حسني مبارك لمصر وكان خروجه مذلاً مهيناً وتم ايداعه السجن وولديه, ولكن سوء حكم الاخوان المسلمين الذبن خلفوه وغباء خلفه محمد مرسي جعل المصريين يرون مبارك على انه عبقري ويندمون على رحيله.

الان نرى كيف ان غباء الانقلابيين في مصر من تحالف العسكر والازهر والكنيسة, جعل الاخوان المسلمين الفاشيين يبدون وكأنهم رجال دولة مدنيون ومحترمون؟ 

هنا نصل الى بيت القصيد وهو ما يحصل بسوريا؟

حكمت عائلة الاسد سوريا بإستبداد ليس له مثيل بالتاريخ, وعاملت سوريا وكأنها مزرعة خاصة بالعائلة, وتصرفت مع الشعب السوري على انهم عبيد يعملون بمزرعتهم, وكان مصير كل من يرفع رأسه بوجههم اما القتل او السجن او النفي الاختياري هربا من بطشهم و ظللمهم.

بشار الاسد هو شخصية تافهة وإمكانياته متواضعة جدا على عكس والده الذي كان واسع الحنكة. أختار المجرم بشار الاسد الحل الامني لقمع انتفاضة الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة ومن اجل ذلك خان وطنه وقام بجلب عناصر جبهة النصرة لكي يورطها بالقتال مع المعارضة السورية لكي يظهر للعالم بأنه يقاتل الارهابيين الاسلاميين, ثم قام بجلب قوات الحرس الثوري للولي الفقيه وحصان طروادة الايراني من حزب الله اللبناني للتنكيل بالشعب السوري ودك مدنه بالطائرات ورمي ابنائه ببراميل الديناميت والقنابل العنقودية والفراغية وقتل النساء والاطفال بالاسلحة الكيميائية المحرمة هذا الى جانب تشريد الملايين من العائلات السورية بالمخيمات والملاجئ.

ولكن وبسبب غباء المعارضة السورية الرسمية بشقيها السياسي والعسكري والتي لم تتوحد على شئ ولم تقنع لا الداخل السوري ولا الخارج الغربي وبعد مرور ثلاث سنوات على القتال والدمار بسورية, فقد جعلوا من بشار الاسد يظهر بمظهر العبقري والبطل القومي الذي يقاتل من أجل وحدة سوريا وشعبها,.

لم ينصف التاريخ حكم عائلة الاسد المجرمة, ولم ينصف التاريخ غباء وخيانة بشار الاسد ولكن المعارضة السورية الرسمية من الاسلاميين واليساريين أنصفت بشار الاسد وعائلته .

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment