تتكرر مشاعر المرارة عند الحديث مع أشخاص من الطائفة السنية في سوريا. بالتأكيد، لا يمكن اختصار أي طائفة من الطوائف المشكِّلة للطيف السوري متعدّد الألوان، أو أية مجموعة بشرية في أي مكان في العالم، بموقف أو صوت واحد يمثّلها. لكن، عندما يتعلق الأمر بالحال التي وصلت إليها أوضاع تلك الطائفة بالذات في السياق السوري المعقّد، بصفتها من دفع الثمن الأفدح لثورة 2011، فإن الأسى يصبح القاسم المشترك الأعظم ل
كل ما يمكن أن تسمعه.
مردّ هذا الإحساس بالمرارة إلى ذلك الظلم الهائل الذي تعرضت له تلك الطائفة التي بات النظر إلى مساهمتها في ثورة 2011، بل حتى تاريخها كله في بعض الأحيان، مقروناً بصفة “الإرهاب” حسبما تورد هذه الجملة الصادمة: “الإرهاب بات سنياً، كما قرر المجتمع الدولي!”. يمكنك أن تسمع هذه الجملة من قطاع واسع من أبناء الطائفة السنية في سوريا، بصفتها تلخّص شكواهم من الحال التي وصلوا إليها، كما يرون، في نظر مجتمع، أو رأي عام، دولي.
لا شك في أن تعميماً كهذا (لإرهاب السني) أو أي تعميم كائناً ما كان، يُطلق على مجموعة بشرية محددة، هو الظلم بعينه، سواء صدر عن أفراد أم عن رأي عام أجمع على صفة محددة لهذه المجموعة البشرية. لكن في المقابل، فإن السؤال حول حقيقة موقف كهذا، ومبرراته إن وُجدت، بغض النظر عن صحة هذا الموقف من عدمها، يصبح أمراً مطلوباً بإلحاح، وهذا حتى لا تقع “الضحية”، سنّة سوريا هنا، في دوامة ستبقيها حبيسة حالة التظلّم هذه، وكأنه قدر أعمى لا رادع له.
وإن كان لا بد من الحديث عن مظلمة متعمدة تجاه العرب السنة في سوريا، وبصفتهم الطائفية والعرقية معاً، فإن قطاعاً واسعاً من أبناء هذا المتن العريض للمجتمع السوري، قد ظُلم فعلاً، بأن صار من يمثله أمام العالم كله مجموعة من التيارات الإسلامية، المتطرفة في معظمها، ما جعل هذا المتن في مواجهة رأي عام دولي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل أولئك المتطرفين، ولا أي دور سياسي لهم في أي مكان في العالم، إلا ضمن تسويات محدودة ومحدّدة وبحسابات سياسية ضيّقة جداً تمثل الأطراف المنخرطة فيها فقط. بحيث تتم تلك التسويات بالخفاء وبعيداً من أعين رأي عام شديد التوجس والرفض لدور تيارات كهذه (الوساطة القطرية بين الإدارة الأميركية وحركة طالبان، التي كشفت تفاصيلها بعد الخروج المباغت للقوات الأميركية من أفغانستان؛ المحادثات السرية الأميركية – الإيرانية كتوطئة لاتفاق حول السلاح النووي الإيراني، مثال على ذلك) ولا داعٍ لأن نعيد سرد ما حدث في العالم كله، وليس في أميركا فقط، إثر جريمة 11 أيلول/ سبتمبر، لفهم أسباب هذا الموقف شديد التوجس والرفض تجاه تيارات الإسلام السياسي في عمومها، وليس المتطرفة فقط.
الحديث بالعموم عن أي طائفة في منطقتنا، يثير الكثير من الإشكالات. ليس لأن الحديث “الطائفي” ما زال محرماً، بل بالعكس. في الفترة الأخيرة، وبعد ما حدث إبان الربيع العربي، صار الكلام مباحاً، شريطة أن يكون ذا معنى. والمعنى لا يمكن أن يتولد من خلال التعميم، وهنا المشكلة الكبرى في تناول وضع أية طائفة في منطقتنا. مأزق التعميم يبقى قائماً عند كل منعطف. لذلك وحتى نتمكن من المتابعة في مسعانا هذا، لفهم حقيقة وضع الطائفة السنية في سوريا، بعد انهيار الدولة الأسدية وهزيمة ثورة 2011 في آن، لا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن غالبية ما، أو رأي عام وازن، بين جمهور هذه الطائفة أو تلك، لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطائفة كلها اجتمعت على قلب رجل واحد في تأييد هذا التيار أو رفض تيار آخر، بقدر ما هي محاولة لسبر الاتجاه العام السائد بين غالبية وازنة يمكن من خلالها فهم المسار العام الذي اتخذته هذه الطائفة والتحديات التي تواجهه، والبدائل الممكنة في الوقت نفسه. المحاولة هنا، من خلال هذه السطور، هي لفهم كيف استطاعت تيارات الإسلام السياسي، الادعاء بأنها تمثل هذا المتن الهائل ضمن المجتمع السوري، بكل ما يمتلكه من تاريخ وتأثير وحضور. Continue reading








