يوميات صحفي … سائق تاكسي 1

يوميات صحفي … سائق تاكسي 1

محمد الرديني

ذات يوم عرض التلفزيون النيوزيلندي فيلما وثائقيا بمناسبة مرور مئتي سنة على اكتشاف نيوزيلندا من قبل الاوربيين.
هذه الجزيرة التي صنعها بركان ضخم ثار ذات يوم في وسط مياه المحيط الاطلسي، كانت ثورته صاخبة عنيفة كما يقول العلماء، لقد قذف المحيط الهادىء احشائه الى اعلى مايستطيع فوق المياه نحو السماء، عادت تلك الحمم البركانية الضخمة الى الارض، فكانت الجبال الخضراء ثم الاراضي المنبسطة ثم السهول وينابيع المياه العذبة والشلالات.
بعد ان استقرت هذه البراكين على الارض انتجت الهواء النقي والامطار الغزيرة صيفا وشتاءا ، وبانت ملامح الجزيرة التي اصبحت الان مضطجعة باسترخاء تام على خاصرة المحيط الهادىء . عرفت هذه الجزيرة بسكانها الاصليين “الماوري” الذين خاضوا حروبهم الاولى مع جيرانهم في الجزر المجاورة قبل اكثر من الف سنة ، وكان مثلهم مثل شعوب الجزر الاخرى في العالم القديم لايعرفون القراءة والكتابة ، يعيشون على الصيد ، الوسيلة الرئيسية  التي تبقيهم على قيد الحياة_ وهم في سحنتهم وبشرتهم البنية وبنيتهم القوية لايختلفون كثيرا حتى في عاداتهم وطباعهم عن عرب بادية الجزيرة العربية.
كانت لديهم اغانيهم الخاصة ، خصوصا تلك الاغاني التي تصدح بها الحناجر خلال مراسيم الزواج او الوفاة وكانت لديهم ايضا اساطيرهم الخاصة، واشهرها اسطورة نشأة الارض والسماء.
    تقول الاسطورة:
 ” في البدء لم يكن هناك نور
الظلام سبق النور على الارض
لان الهتي السماء والارض كانا متحدين مع بعض
اله السماء “رانجي” تزوج الهة الارض “بابا”
اتحدا مع بعضهما ولم يسمحا للنور ان يفصل بينهما
وفي الزمان الغابر امر “بابا” اله السماء
“رانجي” الهة الارض ان تجعل الارض ممتدة
وقبل ذلك كان الاتحاد بين السماء و الارض
وهو الحب والالتصاق اللذين استمرا دهورا طويلة
وكان ثمرة هذا الحب العظيم ستة الهة
انشأوا الجزر والاشجار والحيوانات والبحر
ومخلوقات اخرى عظيمة
وكلهم كانوا يعيشون في الظلام
كان” ناواهيري ماني” اله الرياح والعواصف
  و”تانجارو” اله البحار وكل المخلوقات التي تعيش فيها
و”هوماي تكي تكي” اله  الطعام الذي يمنحه للبشر
و”رونجو ماتان ” اله الخصب والنماء
و”تانا ماهاتا” اله الغابات وكل مايعيش فيها
واخيرا ” توماتونجا” اله الحرب والغزوات
وتمضي الاسطورة قائلة:
تعب الالهة الستة من هذا الظلام المحيط بكل شيء
وقرروا ان يغطوا الكون  بالنور بدون معرفة الابوين
وفي لحظة من تلك اللحظات الخارقة شع النور وغمر الكون كله.
ولم يكن يعرف هؤلاء الالهة ان هذا النور سيفصل الابوين عن بعضهما.
انفصل المحبان عن بعضهما
واصبحا العاشقين الملتصقين بعيدان عن بعضهما
وحين افترق العاشقان عن بعضهما
ظلت “بابا” الهة الارض تبكي حبيبها “رانجي” الهة السماء الذي كان يبتعد كثيرا كلما مرت الدهور.
انتهت الاسطورة.
كان اول من حط رحاله في هذه الجزيرة هوالبحار “كيوب” كان ذلك في نهايات القرن العاشر قادما اليها من جزيرة هاواكي التي لاتبعد عنها كثيرا، سماها جزيرة الغيوم البيضاء، بعد ان وجد ان هذه الغيوم تحيط بها من كل جانب_
ونقل في مذكراته ماكان يردده  الماوريون حول نشأة هذه الجزيرة:
” منذ الاف السنين وبعد ان خلقت الارض واستوت
خلق الاله تان ماهوتا اله الجميع
امرأة من تراب الارض الاحمر
رآها جميلة جدا فتزوجها وانجبت منه بنتا ليس لها مثيل في الجمال
 وبعد سنوات انجبت هذه المرأة طفلا ليس في روعته احد
هذا الطفل كبر ونما واصبح شابا
كان نصف الاله “ماوي” الذي يعيش في هاواكي هو نفسه الشاب اليافع الذي كبر ونما 
وفي يوم من الايام ذهب “ماوي” كعادته للصيد حاملا معه صنارته السحرية المصنوعة من فكي احدى العجوزات الساحرات .
دخل “ماوي” الى عرض البحر
ولكن هذه المرة ذهب بعيدابعيدا  الى عمق البحر
وفي مكان ما رمى صنارته السحرية الى اعماق البحر
وسرعان مااصطاد سمكة عملاقة
استغرق وقتا طويلا في سحبها لقاربه
هذه السمكة العملاقة استقرت على الارض الحمراء سنوات طويلة
واتسعت هذه الارض لان السمكة العملاقة زادتها اتساعا
 هذه الارض الواسعة الخضراء هي  نيوزيلندا”  .
 ولعل اشهر المكتشفين لهذه الجزيرة هو الكابتن البريطاني (كوك) في نهايات القرن الثامن عشر_ ويبدو ان هذا البحار المحنك كان على درجة كبيرة من الذكاء وسعة الحيلة اذ  سرعان ماعقد صداقات حميمة مع الماوريين الذين وجدهم اناسا عاديون لهم نفس دماء البشر بعكس ماكان يتصوره البحارة الذين سبقوه بانهم كانوا من اكلة لحوم البشر_
وانهالت على الجزيرة بعد ذلك حملات التبشير جاء رجال الدين من اوربا وكلُ يحمل مذهبه بيده، وفي العام 1856 اصبحت هذه الجزيرة مستعمرة بريطانية ، وفي العام 1947 استقلت نيوزيلندا عن التاج البريطاني ولكنها اصبحت احدى دول الكومونولث_
نعود الى حديثنا عن الفيلم الوثائقي الذي عرضه التلفزيون بمناسبة مرور  200 سنة على اكتشاف نيوزيلندا.
لم يخجل هؤلاء النيوزيلنديين من عرض الحقائق كما هي حينما اتاحوا للمشاهد الفرصة ليعرف كيف احتل البريطانيون هذه الجزر وكيف استعملوا السياط في ارغام سكانها الاصليين على العمل معهم بالسخرة.
لقد اراد المخرج ان يقول ببساطة اذا كانت هذه السلوكيات تثير الان قرف هذا الجيل والاجيال المقبلة ، فان القرف الحقيقي ان تظل بعض الانظمة في هذا العالم مازالت تعيش بنفس العقلية حتى الان.
ضحك صاحبي الذي كان يشاهد هذا الفيلم معي ، ولأني اعرف صاحبي جيدا فقد سألته عن سبب هذه الضحكة الحزينة فقال:
ذات يوم وقف ابي امامي وهو يمسك سيخ الحديد ، وحسبته لاول وهلة انه سيفطر رأسي به ولكني سمعته يقول  تذكر يابني حين تمسك هذا السيخ فان هناك اياد اخرى تستطيع ان تمسك اسياخا اخرى، ولست يدك وحدها التي تستطيع ان تضرب به فالايادي الاخرى تستطيع ان تفعل مثل ماتفعل انت تماما.

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

1 Response to يوميات صحفي … سائق تاكسي 1

  1. رويدة سالم says:

    شكرا سائق التاكسي البارع لأنك سهلت علينا مهمة السفر
    اعجبتني كثيراهذه الرحلة الى نيوزيلاندا والاساطير التي تخللتها والاكثر ما كتب في نهاية الخاطرة
    لن نكون في مشتوى البشر ما لم نحاسب انفسنا ونصحح الاوضاع الغلط كلها لنتصالح مع انفسنا قبل الاخر ونقدر ان نفهم وان نستوعب الكون حولنا بدون حواجز ولا رتوش
    انتظر الرحلة القادمة
    شكرا مسبقا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.