نادين البدير: نجاة… لا تموتي

الراي

 نجاة… لا تموتي. ففي أيامي حكايا لم تروَ بعد.

ورواية قصصتها عليك ولم أكملها، فأنا لم أعرف النهاية بعد.

ونزوات حب ستضحكك كثيراً. استيقظي، أين تذهبين؟

لا أذكر المرة الأولى التي رأيتك فيها. لكن يمكنني تذكر صور غير مفهومة الألوان. كنت مثل أمي، لا أذكر متى عرفتها. جميل هذا الشعور حين لا نتذكر متى قابلنا إنساناً. فلا نملك أن نحكم عليه في لقائنا الأول. بل نراه مثالياً وكاملاً. وبسذاجة نظن أنه سيبقى خالدا في حياتنا، طالما أنه جاء إليها قبلنا واستقبلنا فيها وحضننا وحمانا وربت علينا. لكنه فجأة يتركنا ويذهب. يتركنا وحيدين. وانتهى.

أي عدل هذا؟

كنت أعشق شعرك وكلما رأيتك تسلقت على كرسي من وراء ظهرك لأسرحه، تمنيت أن أحظى على خصلات كخصلاتك. ناعمة وطويلة وتنسدل على فساتين سوداء ارتديتها كثيراً بعدما قرر القدر أن تعيشي أرملة.

هل أفتش بين ملابسي عن فستان أسود اليوم؟ ما أبشع هذا النهار.

أحاول تقليدك، أحاول أن أكون امرأة مثلك، لا تقطب حاجبيها، تبتسم كأنها على موعد يومي مع السعادة، كطفلة مخدوعة بالحياة. حتى في أحلك أيامها سخرت من أيامها ومن مصائبها وفي ما بعد من… مرضها. من القلة التي نجت من فتنة حلت على رؤوسنا. أصحاب خالتي مسيحيون ومسلمون ولم تحكم على شخص وفق دينه أبداً.

لماذا تذهبين الآن؟ قهوتنا لم تنتهِ. منك تعلمت أن أشربها كل صباح، منك تعلمت أن أمضي بدايات النهار وأنا أبتسم وأرفض أي منغصات.

لماذا أروي تفاصيلك؟ أريد أن أعود من الماضي. لو أن أحداً يعود من الموت فيخبرنا ما رأى. وهل اشتاق إلينا أم أن حياته الجديدة أنسته ماضينا؟ قولي لي:

هل ستنشغلين بنا أم ستجذبك حياة أكثر تشويقاً؟

أجيبيني: لما لا تقاومين؟ مررت بانتكاسات عديدة ولم تنكسري، فلما لا تقاومين؟

اشتقت لك. واشتقت لتنورتك المستقيمة الضيقة وكعبك المتوسط وشعرك المتموج الألوان. كل أشيائك باقية، مرايتك، دولاب ملابسك، ماكينة الخياطة، مصحفك، كل شيء لا يموت… عدا الإنسان صانع كل شيء، ثمنه زهيد… وفاتورته رخيصة.

وتبقى منحوتاته ولوحاته وكتبه، تبقى خالدة آلاف السنين. وسلحفاة يصل عمرها لأكثر من مئتي عام. وعمر صاحبنا لا يتجاوز عشرات السنين. ربما ثمن الوعي تكلفته العمر. هكذا تكون العدالة.

نجاة. مرحت في كل شارع، لعبت مع كل أطفال الحي والأحياء المجاورة، منهم من هو حي ومنهم من مات قبلها بكثير. يسأل عن شقاوتك كل شارع. يسأل عنك الأصحاب والأقرباء وكل الأطفال يسألون أين أنت؟

ليس مثلك من عشقت الحياة وعشقت السفر. وحين صرت في الخمسين اخترت نيويورك، لا أعلم لم يحب الناس هذه المدينة الصاخبة؟ المهم أنك ابتعدت. ابتعدت مسافة قارات ومحيطات. قالوا انك أغمضت عينيك هناك.

واليوم يبدأ العام 2013. ولست معنا. حزين هذا العام. الآن آمنت بأرقام الحظ وأرقام الشؤم.

أحاول أن أبتسم لكني تعبت من البكاء. عموماً إن كنت عنيدة وتصرين على الموت.

فأريد أن أهمس إليك قبل أن يدفنوك وأقول أني أحببتك جداً وسأشتاق إليك جداً جدا. وأينما تكونين: كل عام وأنت بخير.

كاتبة وإعلامية سعودية

[email protected]نادين البدير – مفكر حر؟‎

About نادين البدير

كاتبة صحفية سعودية , قناة الحرة
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.