من مفكرة عاشق دمشقي

نزار قباني

فرشت فوق ثراك الطاهـر الهدبـا
فيا دمشـق… لماذا نبـدأ العتبـا؟

حبيبتي أنـت… فاستلقي كأغنيـةٍ
 على ذراعي، ولا تستوضحي السببا

أنت النساء جميعاً.. ما من امـرأةٍ
 أحببت بعدك.. إلا خلتها كـذبا

يا شام، إن جراحي لا ضفاف لها
فمسحي عن جبيني الحزن والتعبا

وأرجعيني إلى أسـوار مدرسـتي
 وأرجعي الحبر والطبشور والكتبا

تلك الزواريب كم كنزٍ طمرت بها
 وكم تركت عليها ذكريات صـبا

وكم رسمت على جدرانها صـوراً
 وكم كسرت على أدراجـها لعبا

أتيت من رحم الأحزان… يا وطني
أقبل الأرض والأبـواب والشـهبا

حبي هـنا.. وحبيباتي ولـدن هـنا
 فمـن يعيـد لي العمر الذي ذهبا؟

أنا قبيلـة عشـاقٍ بكامـلـها
 ومن دموعي سقيت البحر والسحبا

فكـل صفصافـةٍ حولتها امـرأةً
و كـل مئذنـةٍ رصـعتها ذهـبا

هـذي البساتـين كانت بين أمتعتي
لما ارتحلـت عـن الفيحـاء مغتربا

فلا قميص من القمصـان ألبسـه
 إلا وجـدت على خيطانـه عنبا

كـم مبحـرٍ.. وهموم البر تسكنه
 وهاربٍ من قضاء الحب ما هـربا

يا شـام، أيـن هما عـينا معاويةٍ
 وأيـن من زحموا بالمنكـب الشهبا

فلا خيـول بني حمـدان راقصـةٌ
 زهــواً… ولا المتنبي مالئٌ حـلبا

وقبـر خالد في حـمصٍ نلامسـه
 فـيرجف القبـر من زواره غـضبا

يا رب حـيٍ.. رخام القبر مسكنـه
 ورب ميتٍ.. على أقدامـه انتصـبا

يا ابن الوليـد.. ألا سيـفٌ تؤجره؟
 فكل أسيافنا قد أصبحـت خشـبا

دمشـق، يا كنز أحلامي ومروحتي
 أشكو العروبة أم أشكو لك العربا؟

أدمـت سياط حزيران ظهورهم
 فأدمنوها.. وباسوا كف من ضربا

وطالعوا كتب التاريخ.. واقتنعوا
 متى البنادق كانت تسكن الكتبا؟

سقـوا فلسطـين أحلاماً ملونةً
 وأطعموها سخيف القول والخطبا

وخلفوا القدس فوق الوحل عاريةً
 تبيح عـزة نهديها لمـن رغبـا..

هل من فلسطين مكتوبٌ يطمئنني
 عمن كتبت إليه.. وهو ما كتبا؟

وعن بساتين ليمونٍ، وعن حلمٍ
 يزداد عني ابتعاداً.. كلما اقتربا

أيا فلسطين.. من يهديك زنبقةً؟
 ومن يعيد لك البيت الذي خربا؟

شردت فوق رصيف الدمع باحثةً
 عن الحنان، ولكن ما وجدت أبا..

تلفـتي… تجـدينا في مـباذلنا..
 من يعبد الجنس، أو من يعبد الذهبا

فواحـدٌ أعمـت النعمى بصيرته
 فانحنى وأعطى الغـواني كـل ما كسبا

وواحدٌ ببحـار النفـط مغتسـلٌ
 قد ضاق بالخيش ثوباً فارتدى القصبا

وواحـدٌ نرجسـيٌ في سـريرته
 وواحـدٌ من دم الأحرار قد شربا

إن كان من ذبحوا التاريخ هم نسبي
 على العصـور.. فإني أرفض النسبا

يا شام، يا شام، ما في جعبتي طربٌ
 أستغفر الشـعر أن يستجدي الطربا

ماذا سأقرأ مـن شعري ومن أدبي؟
 حوافر الخيل داسـت عندنا الأدبا

وحاصرتنا.. وآذتنـا.. فلا قلـمٌ
 قال الحقيقة إلا اغتيـل أو صـلبا

 يا من يعاتب مذبوحـاً على دمـه
 ونزف شريانه، ما أسهـل العـتبا

 من جرب الكي لا ينسـى مواجعه
ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا

حبل الفجيعة ملتفٌ عـلى عنقي
 من ذا يعاتب مشنوقاً إذا اضطربا؟

الشعر ليـس حمامـاتٍ نـطيرها
 نحو السماء، ولا ناياً.. وريح صبا

لكنه غضـبٌ طـالت أظـافـره
 ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا

نزار قباني (مفكر حر)؟

About نزار قباني

نزار قباني (1923 - 1998) سفير وشاعر سوري معاصر، ولد في 21 مارس 1923 من أسرة دمشقية عريقة إذ يعتبر جده أبو خليل القباني رائد المسرح العربي. درس الحقوق في الجامعة السورية وفور تخرجه منها عام 1945 انخرط في السلك الدبلوماسي متنقلاً بين عواصم مختلفة حتى قدّم استقالته عام 1966؛ أصدر أولى دواوينه عام 1944 بعنوان "قالت لي السمراء" وتابع عملية التأليف والنشر التي بلغت خلال نصف قرن 35 ديوانًا أبرزها "طفولة نهد" و"الرسم بالكلمات"، وقد أسس دار نشر لأعماله في بيروت باسم "منشورات نزار قباني" وكان لدمشق وبيروت حيزًا خاصًا في أشعاره لعل أبرزهما "القصيدة الدمشقية" و"يا ست الدنيا يا بيروت". أحدثت حرب 1967 والتي أسماها العرب "النكسة" مفترقًا حاسمًا في تجربته، إذ أخرجته من نمطه التقليدي بوصفه "شاعر الحب والمرأة" لتدخله معترك السياسة
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.