أولمبياد لندن وفائض القيمة !

رعد الحافظ

جرسٌ كبير دقّ وسط الملعب الأولمبي في ستراتفورد, مُعلناً بدء الحفل .
إنّهُ حفل إفتتاح العُرس الرياضي الكبير في اُولمبياد لندن ( 30 ) لعام 2012
بدأ هذا الإحتفال كما قرّر منظموه وهاجسهم الأوّل إعلاء شعار المساواة بين الجميع .
بالطبع , هذا لا يُخالف شعار المنافسة الأولمبية / أسرع , أبعد , أعلى .
فذاك يقتصر على الإنجاز الرياضي المرغوب , ولا يطال التفريق بين البشر .
كانت البساطة في الفكرة وقيمة الإنسان في كلّ مكان حاضرة !
والموسيقى الرائعة والرقص الجميل والقُبل المتبادلة بين جميع الأجناس حتى الحيوانات , تُعبّر عن أفكار منظمي هذا الحفل البديع .الذين إهتموا أيضاً بعرضٍ مُلخص للتأريخ البريطاني في القرون الأخيرة . وكونها أوّل دولة ذات نظام ملكي برلماني ديمقراطي في العالم .
ملايين الأجراس كانت قد سُمِعَت في جميع أنحاء بريطانيا صباح نفس اليوم , في ما يشبه الإعلان عن التحدّي البريطاني الجديد .
حتى على المستوى الأمني , كانت الإستعدادات هي الأكبر على الإطلاق في زمن السلم .
بارجة حربية تموضعت في نهر التايمز , وطائرات عديدة سيطرت على سماء بريطانيا .
كل شيء كان مُميّزاً ومُبتكراً !
حتى الملكة إليزابيث قامت بدورٍ تمثيلي حسب طلب مخرج الحفل المُبدع / داني بويل .
خاطبت في قصرها في باكنغهام العميل السرّي 007 جيمس بوند / أهلاً مستر بوند , ثمّ رافقته بالطائرة الى الملعب الأولمبي .
قبل أن تُعلن (كما فعل يوماً جدّها وأباها ) عن إفتتاح الدورة الثلاثين للأولمبياد .
أرأيتم كيف بدت أرضية الملعب الأولمبي في ستراتفورد ؟
كانت , بشكل ريفٍ بديع أخضر , متكامل بإنسانهِ وحيوانهِ وزراعتهِ .
وفجأةً ظهرت أبراج المصانع كالأشباح من باطن الأرض .
فأعلنت عن الثورة الصناعيّة الأولى في هذا العالم , ثُمّ أزاحت وإحتلت بوحشية كلّ شيء .
وإمتّص الرأسماليّون دماء وعرق العمّال ليبنوا إمبراطوريتهم الصناعيّة الرهيبة .
كانت ثمّة ضريبة , لزيادة أعداد البشر وإنتشارهم على معظم سطح الأرض . لكن ما الذي حدث بعد ذلك ؟
*************
لن يصّح إلاّ الصحيح !
بعد التضحيات الكبيرة , بدأت مسيرات الإحتجاج والمطالبة بحقوق العمّال والمساواة بين الرجل والمرأة , وحقّ الجميع في العيش بكرامة .
وأخيراً بتحقيق حُلًم الوصول الى دولة الرفاهيّة .
نعم في المشهد الأخير في الملعب الأولمبي , كما على الأرض في العالم المتحضّر , إنتصرت كلمة الشعوب على الحكّام والمالكين الجشعين .
آهٍ .. لو كان ماركس حاضراً , لرقصَ طرباً وصفّق للإنسان .
ولو كانت السيّدة فيروز حاضرة , لغنّت لنا موّشح أندلسي تقول فيه / و تأنسنت .. لغةُ الرأسمالية , ولاحَ لي .. ما يُشبه الإعجاز !
**************
http://maktoob.sports.yahoo.com
روعة فكرة إخراج حفل الإفتتاح تكمن في بساطتها وإنسانيتها .
لقد أظهرت حياة البشر على طبيعتها / الجانب الصحّي والتعليمي والطفولة السعيدة وحكاياتُ جدّتي ,عن الجنيّاتِ في الغابة !
الموسيقى العالمية كانت حاضرة , والأغاني الإنكليزية إختتمت الحفل بوصلة آخر أعضاء البيتلز / بول مكارتي .
حتى (( مستر بن )) لم ينسوه , ظهر بقفشاتهِ الإنكليزية ( كما برنارد شو ) وهو المعروف بتهكمهِ المُميّز , على عادات شعبهِ المتأصلة .
لقد نجح المخرج / داني بويل ومساعدوه في عملهم فأمتعونا لأكثر من ثلاث ساعات .
****************
ملاحظات متفرقة
1 / في كلّ حفل إفتتاح هناك تتوالى وتصاعد المشاهد ومعانيها , حتى تبلغ الذروة تقريباً , في لقطة توّهج الشعلة الأولمبيّة والطريقة المُستحدثة لها يومذاك .
حتى هذهِ أذابها القائمون على الحفل وذبّوها وسط المشاهد , فخاب ظنّ المعلقين الرياضيين العرب , بإنتظار / اللحظة الحاسمة .
بينما هي كانت قد مرّت فعلاً ( في ظنّي ) دون أن ينتبهوا كثيراً لها .
إنّها لقطة ظهور الدوائر الأولمبية في سماء الملعب , وعند إلتحامها ببعض , كتعبير عن إلتحام وتعاون البشرية جمعاء , أمطرت شُهُباً ناريةً
رُبّما قصد بها القائمون على الحفل أن يقولوا لنا / هذا عطاء البشرية عندما تتحّد !
نعم , ربّما لم تكن لحظة توّهج المرجل الأولمبي , بالشعلة الأولمبية هي اللقطة الحاسمة , كما إعتدنا سابقاً .
فقد ساهم 8 أشخاص من كلا الجنسين وكلّ ألوان البشر بإشعالها .
لكن لا يمكننا سوى القول أنّ كلّ شيء كان جميلاً في هذا الحفل .
حتى العلم الأولمبي نفسه , والعلم البريطاني الجميل , ومشاهد أعلام جميع الدول تظهر على المدرجات , كان شيئاً لا يُنسى .
2 / ظهرت كلمة GOSH ولم أفهم معناها , وجائني التوضيح من الصديق / محمد عبدالله كما يلي :
GOSH هي اختصار لاسم مستشفى شهير للأطفال وتبعه هذا الاستعراض الرائع لعالمهم و ماري بوبنز وبيتر بان
Great Ormond Street Hospita
كانت الانسانية والانسان من كل لون هو اساس العرض وذلك بالتقابل مع ما رأينا في ألعاب بكين من تحويل الأعداد البشرية إلى تروس في عروض تعتمد على الالتزام بقواعد جامدة شبه عسكرية
Discipline
مع شوفينية الصينيين الذين ركزوا على بلادهم وجنسهم فقط
ظهور الملكة ومستر بين كانا تأصيلا للروح الفكهة الانجليزية الساخرة
British Humour
محمد علي كلاي تارك المرتد من المسيحية إلى الاسلام تمت اعادة تكريمة للمرة المليون…متى نرى مرتداً يُحترم في بلادنا ؟
3 / العرب والأولمبياد
حصاد العرب منذُ بدء الأولمبياد قبل 116 عام , الى يومنا هو
82 ميدالية , بواقع 21 ذهب , ومثلها من الفضة , و40 برونزية .
هذهِ كلّها لا تُعادل إنجاز دولة صغيرة مثل هنكاريا ( المجر ) , ب 465 ميدالية , منها 159 ذهبيّة .
أين يكمن الخلل في ظنّكم ؟
في البنية التحتيّة الأساسية , والمرافق الرياضية ,والتدريب , والحكومات والفساد ؟
أم العيبُ في ثقافاتنا وأدياننا وسيطرتها على حياتنا وتحريمها الإنجاز عندما يقترن بالمتعة ؟
أم هي كلّ هذا وذاك ؟
لكن أنصتوا لغالبية المسلمين المُدلين برأيهم يقولون ما يلي :
لتذهب كلّ الميداليات الى الجحيم إذا كانت سترغمنا على عرض نسائنا بالمايوهات ؟
أرأيتم أين ينحصر تفكير المسلم عموماً ؟ في البؤبؤ أو مثلث الشرف لو شئتم .
لكن ما العذر مع الرجال ؟ هل أفكارمقتدى الصدر , وفتاوي السلفيين التكفيريين , حاضرة بالمرصاد ؟
4 / الإنجازات خلال كل دورات الأولمبياد
الأفضل تتويجاً بين الأفراد هو السباح الأمريكي / مايكل فيلبس ب 16 ميدالية منها 14 ذهبية و2 برونزية .
والأكثر تتويجاً بين الدول / هي الولايات المتحدة طبعاً , ب 2514 ميداليّة منها 1008 ذهبية .
ألا تشعرون أنّ تنوّع البشر هناك والديمقراطيّة وثقافة العمل والبحث العلمي التي خلقت أعظم وأقوى دولة في العالم / هي من بين الاسباب ؟
سيقول المؤدلجون / إن أنتَ إلاّ عميل تتجاهل نظرية المؤامرة الكُبرى !
5 / حوالي 70 ألف مُتفرج حضروا حفل الإفتتاح .
وأكثر من مليار شاهدوه عبر الشاشات .
ومن بين الحاضرين ملوك ورؤساء دول مع زوجاتهم .
ميشيل أوباما حضرت لوحدها ربّما لإنشغال أوباما بسباق الرئاسة مع ميت رومني / مع أنّهُ لم يشتد بعد .
ميشيل أوباما إستغلت وجودها في لندن فأطلقت حملة ضدّ سمنة الأطفال المفرطة , وشاركت باللعب معهم ونصحتهم بالأكل المفيد والرياضة والحركة الدائمة . طبعاً ديفيد بيكهام لم يُفوّت الفرصة وشاركها الظهور اليوم , فهو غالباً الأكثر حباً للظهور امام الكاميرات .
6 / عندما إختيرت لندن عام 2005 , لتنظيم هذا الأولمبياد للمرّة الثالثة
كانت المدن المنافسة لها من النوع الثقيل / نيويورك , باريس , موسكو , مدريد . فإنظروا جيداً لمقام لندن بين مدن العالم .
7 / ترأس اللجنة المنظمة / البطل الإنكليزي الأولمبي السابق , اللورد / سيباستيان كو . وثلاث أقسام تقسمّت لندن بالنسبة للألعاب
النطاق الأولمبي / حول الملعب الأولمبي في ستراتفورد
النطاق النهري / خمس مواقع مسابقات ,على إمتداد نهر التايمز
النطاق الثالث / وسط لندن , فيه ملاعب عديدة متفرقة لجميع الألعاب
8 / بعض مشايخنا المتشددين سارعوا لكتابة آرائهم عن أولمبياد لندن بأنّه أولمبياد صهيوني إمبريالي كافر .. إزاي ؟ معرفش !
ربّما ناقشوا شعار البطولة وهو LO12 , أحدهم جعلهُ شعار صهيوني .
9 / طبعاً بهذه المناسبة عند ظهور أعلام الدول الكلّ يفرح ويصفق ورئيس الدولة وزوجته يرسلون تحاياهم لرياضي بلدانهم .
لم أرَ مسؤول عراقي مهم / ربّما منشغلين بأشياء اُخرى .
لكن لاحظتُ الرئيس التونسي المنصف المرزوقي / وهو الذي كان مؤخراً , يبّشر بقرب الثورة الثانية لكن على المشايخ البغاة هذه المرّة .
10 / أوّل ميدالية ذهبيّة في أولمبياد لندن 2012 حققتها الصينيّة / يي سلينغ في الرماية , عقبال الجميع
*************
الخلاصة
حفلٌ لا يُنسى , مهما مرّت السنين . هل يمكن لنا الإستفادة من معانيه ؟
أرأيتم كيف أنّ الرأسماليّة قامت وتوّحشت , ثمّ ما لبثت أن عادت وتأنسنت ؟
أفلا ترون أنّ البشرية تحضّرت وإرتقت وترفهّت ؟
أزماتهم موجودة دوماً , لكنّهم يعالجوها بالعمل والإبداع لتستمر مسيرة العطاء .
ألم يواجه الإنكليز الواقع ؟ ورغبة جميع شعوب العالم في العيش والمساواة ؟
فتخلوا طائعين عن إمبراطوريتهم التي لاتغيب عنها الشمس . بينما إنهارت قهراً إمبراطوريات إشتراكيّة وإسلاميّة وشرقيّة وغربية .
فبايّ حديثِ العقل والعلم والعمل تكذّبون ؟
هذا التجمّع الرياضي كلّف أكثر من 9 مليار جنيه إسترليني . لكن هذه المليارات , لن تذهب سُدىً !
بالعكس هذه لها فائض قيمة .. كبير .
ليس فقط المليارات الإضافية هي ما أقصدها هنا , وهي ستتوفر حتماً .
لكن فائض القيمة سيكون / في حياة وسلوك وأخلاق وطبائع .. وحضارة البشر !

حظاً سعيداً للجميع
تحياتي لكم

رعد الحافظ
28 يوليو 2012

About رعد الحافظ

محاسب وكاتب عراقي ليبرالي من مواليد 1957 أعيش في السويد منذُ عام 2001 و عملتُ في مجالات مختلفة لي أكثر من 400 مقال عن أوضاع بلداننا البائسة أعرض وأناقش وأنقد فيها سلبياتنا الإجتماعية والنفسية والدينية والسياسية وكلّ أنواع السلبيات والتناقضات في شخصية العربي والمسلم في محاولة مخلصة للنهوض عبر مواجهة النفس , بدل الأوهام و الخيال .. وطمر الروؤس في الرمال !
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to أولمبياد لندن وفائض القيمة !

  1. طلال عبدالله الخوري says:

    عزيزي رعد
    لقد استمتعت بقراءة المقال وبالفعل مقال ممتع
    اعجبني هذه اللقطات اللطيفة التي اثارت انتباهك ورسمتها لنا بطريقة شيقة ولطيفة
    اريد انا شارك القراء بهذه المعلومة التي ادهشتني لحد الاعجاز
    وهو بناء المنشآت الاولومبية بلندن
    اختيار المنطقة: منطقة مهجورة للنفايات ومستنقعات مخلفات المصانع المضرة للبيئة
    قامو بتحويل هذه المنطقة باستخدام اخر ما توصل اليه الابداع الهندسي في البناء والعمارة والهندسة الزراعية
    ومنها افضل مهندسة معمارية بالعالم وهي من اصل عراقي على ما اعتقد وهي التي صممت كل الابنية
    ومن الاشياء التي اعجبتني بانهم عندما هدموا الابنية لم يرموا المخلفات وانما قاموا بتنظيفها واعادة استعمالها مما جعل كل شئ استخدموه صديقا للبيئة
    بناء اولمبياد لندن هو قمة ما توصلت له الانسانية من تحضر بالحفاظ على البيئة
    مودتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.