أميركا وفرنسا… تحالف يتجدد

 الإتحاد الاماراتيةp-o

باراك أوباما وفرانسوا أولاند

اليوم يستعد الدبلوماسيون الأميركيون والفرنسيون لإجراء مباحثات مع إيران للبناء على الاتفاقية التي كبحت تقدم عناصر أساسية من البرنامج النووي الإيراني ومهدت الطريق للحد منها، كما يتعاون مسؤولو البلدين في تقاسم المعلومات الاستخبارية يومياً لمكافحة الإرهاب حول العالم، دون أن ننسى مجالات التنسيق الأخرى، مثل تعاون الخبراء الأميركيين ونظرائهم الفرنسيين لمساعدة المزارعين في أفريقيا وقارات أخرى لتعزيز محصولهم الزراعي والخروج من وطأة الفقر، وفي المنتديات المشتركة مثل مجموعة دول الثماني أو العشرين تشجع الولايات المتحدة وفرنسا على إرساء نمو اقتصادي مستدام ومتوازن يخلق المزيد من الوظائف ويقود إلى الاستقرار، فضلاً عن معالجة التحديات الدولية التي لا يستطيع بلد واحد مواجهتها.

أما في باريس ووادي السيلكون، تتعاون الشركات المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات لتطوير منتجاتها وطرح ابتكارات جديدة في السوق العالمي، وقبل عقد من الزمن كان من الصعب تصور التعاون الحالي الذي يجمع فرنسا والولايات المتحدة في عدد من المجالات، لكن خلال السنوات الأخيرة، دخل التحالف بين بلدينا مرحلة من التحول غير مشهودة، فمنذ عودة فرنسا إلى هياكل حلف شمال الأطلسي قبل أربع سنوات وانسجاماً مع التزامنا بتعزيز الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، توسعت مجالات التعاون.

وبالنظر إلى صداقتنا التي ترجع إلى أكثر من قرنين، فإن شراكاتنا المتجذرة تمنح نموذجاً على التعاون الدولي، لا سيما أن التحديات على جانبي المحيط الأطلسي لا يمكن التعامل معها على نحو منفرد، ولا تستطيع دولة بمفردها التعاطي معها، إذ لا بد من انخراط الدول الصديقة واقتسام أعباء وتكاليف القيادة، ولا بد أيضاً من أن يتحمل البلدان حول العالم مسؤولياتهما الدولية المتمثلة في حفظ الأمن والسلم، ودعم قضايا الحرية وحقوق الإنسان.

وفي هذا الإطار، تبرز المفاوضات مع إيران باعتبارها فرصة لإظهار هذا التعاون بين بلدينا، حيث نستعد مع شركائنا في منظومة الخمسة زائد واحد التي تضم إلى جانب بلدينا كلاً من بريطانيا وألمانيا وروسيا والصين، ثم الاتحاد الأوروبي، لعقد لقاء مع المفاوضين الإيرانيين في جنيف خلال الأسبوع المقبل، وذلك لبدء المباحثات التي ستقود إلى حل شامل للملف النووي الإيراني، يضمن عدم حصول طهران على السلاح النووي، وقد امتد التعاون بين فرنسا والولايات المتحدة إلى الموضوع السوري، حيث كان للتهديد الحاسم باستخدام القوة ضد النظام دور في موافقته على خطة التخلص من أسلحته الكيماوية.

ويبقى أن تلتزم سوريا اليوم بتعهداتها للمجتمع الدولي، وبتهديد الحرب الأهلية الدائرة في سوريا لاستقرار المنطقة، ولبنان تحديداً، يتعين على المجتمع الدولي مضاعفة جهوده والاهتمام أكثر بالشعب السوري من خلال دعم المعارضة المعتدلة والعمل من خلال عملية جنيف 2 الجارية حالياً لتسهيل الانتقال السياسي الذي من شأنه تخليص الشعب السوري من الديكتاتورية والإرهاب معاً.

وربما لا يوجد مثال أوضح على التعاون بين بلدينا مما يجري في أفريقيا، ففي مالي، نجحت القوات الفرنسية ومعها قوات الاتحاد الأفريقي بدعم لوجستي واستخباراتي مباشر من الولايات المتحدة في دحر متمردي «القاعدة» في شمال مالي، ما سمح باستئناف المسلسل الديمقراطي، وعلى امتداد منطقة الساحل المضطربة، نتعاون مع بلدان أفريقية لمنع القاعدة من ترسيخ أقدامها في المنطقة، والأمر نفسه ينطبق على جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث تعمل القوات الفرنسية والأفريقية بدعم أميركي على منع تفشي العنف وتهييء الظروف المناسبة لانطلاق الحوار وبدء مرحلة من التصالح والمضي قدماً نحو انتخابات انتقالية، وفي جميع أنحاء أفريقيا من السنغال إلى الصومال، نعمل معاً على تدريب القوات المحلية وتجهيزها حتى تتمكن من الاضطلاع بمسؤولية توفير الأمن، وتمتد شراكتنا إلى الحكومات الحريصة على تقوية المؤسسات الديمقراطية وتطوير القطاع الزراعي والتخفيف من وطأة الجوع، وتوسيع شبكة الكهرباء، فضلاً عن توفير العلاج من الأمراض المعدية، وليس غريباً أن تكون فرنسا والولايات المتحدة من أشد الدول الداعمة للصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا في العالم، وبالإضافة إلى تحالفنا المستجد على الساحة الدولية، نعمل أيضاً لتعميق التعاون الاقتصادي، ففرنسا تعتبر أحد أهم الأسواق التصديرية لأميركا، فيما تمثل الولايات المتحدة المستهلك الأول للبضائع الفرنسية خارج الاتحاد الأوروبي، كما أن تعاوننا في مجال العلوم والتعليم يتجسد من خلال الشراكات بين جامعاتنا ومختبراتنا البحثية ووكالاتنا الفضائية.

ولا ننسى أن الشراكة التجارية والاستثمارية التي نسعى إلى عقدها بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تمثل فرصة مهمة لخلق الملايين من الوظائف على ضفتي الأطلسي التي تخضع بالفعل لاتفاقية التجارة بين التكتلين، ولو تم التوقيع على معاهدة الشراكة لأمكن توفير المزيد من فرص العمل وإمكانات غير مسبوقة أمام المصدرين، بما فيها الشركات الصغيرة في البلدين، ومن أوجه الشراكة الأخرى بين البلدين محاربة ظاهرة التغير المناحي، ففي الوقت الذي تعمل فيه كل من فرنسا وأميركا على خفض انبعاث غازات ثاني أكسيد الكربون، نستطيع من خلال التعاون المشترك تطوير استخدامات الطاقة المتجددة التي توفر المزيد من الوظائف، وتنقلنا إلى مرحلة النمو الاقتصادي دون التسبب في المزيد من الانبعاثات الغازية، فتحديات العصر لا يمكن التعامل معها بتركها، كما أن الفرص التي يتيحها عالمنا المتصل والمتداخل لن تأتي إلينا.

وإذا كان شعبانا قد وقفاً في صف واحد من أجل الحرية، فإنهما اليوم مطالبان بتحمل مسؤولياتهما ليس فقط تجاه بعضهما البعض، بل تجاه عالم أكثر أمناً بعدما أعيد تجديد تحالفنا القديم.

باراك أوباما

الرئيس الأميركي

ـ ـ ـ ـ ـ

فرانسوا أولاند

الرئيس الفرنسي

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـــ

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.