شاهد خطيب الجمعة في فلسطين: ملك السعودية قدم مساعدات لهيوستن بدلاً من الروهينجا لان نسائهم لا يشبهون إيفانكا

قال الشيخ كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية في إسرائيل إن “الفيضانات” في هيوستن هي عقوبة إلهية، وندعو “الله، زد [عقابك] على الظالمين”. وانتقد العاهل السعودي لتقديم المساعدة الانسانية للضحايا في هيوستن، متسائلا: “ألا تعلمون أن المسلمين الأقرب إليك جغرافيا يغرقون؟” وكان يتحدث في خطبة الجمعة الجمعة في الثامن من ايلول / سبتمبر

Posted in English, فكر حر, يوتيوب | 3 Comments

بسام يوسف يقارن

Bassam Yousef
 وزارة الداخلية الأمريكية للمواطنين الأمريكيين:
الرجاء مغادرة المنطقة لأن البقاء فيها سيكون خطرا على حياتكم، ولا تقلقوا بشأن بيوتكم لان بإمكاننا إصلاحها أو تعميرها من جديد، المهم ان تبقوا على قيد الحياة وأن لا تصابوا بأذى.
الجيش السوري الوطني وأتباعه للسوريين:
لن نسمح لكم بمغادرة مناطقكم، نريد بيوتكم مهدمة فوق رؤوسكم، منشان بس نعمرها مرة تانية ماحدا يطالبنا فيها.

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة الممثل مصطفى الخاني و أمير بشار الجعفري

شغلت قصة الممثل مصطفى الخاني و أمير بشار الجعفري صفحات التواصل الاجتماعي فتواصلت مع الدكتور بشار الجعفري
و اليكم نص الدعوى التي رفعها البارحة السفير على الخاني ليحال للقضاء كما ارسلها لي (شاهد ملف الصور المرفق)
سؤالي لمصطفى الخاني :
هل لديك القدرة على عرض أدلة على ما ذكرته في فضيحتك كبطاقة للشاب تثبت انه من الجيش السوري ؟
هل تستطيع إبراز صورة لهذا الشاب تثبت انهم ضربوه حتى فرت الدماء من رأسه ؟
ان لم تبرز أدلة فأنت تضع نفسك في مشكلة قضائياً و ستخسر مصداقيتك و جمهورك .
استغرب قطيع البشر الذي صدقك و كال الاتهامات و الشتائم للسفير و عائلته لمجرد قصة كتبتَها دون أدلة ناسين من هو

بشار الجعفري وماذا قدم لسوريا .
بالنهاية دعني اهمس لك : عندما تفضح احدهم تمتع بالشجاعة وافتح التعليقات للعام لتترك الناس تبدي رأيها فليس من الرجولة ان تشتم احد وان تحصر التعليقات باصدقائك فقط فإن لم يكن لديك القدرة على مواجهتهم فيسبوكياً فكيف ستواجههم في المحاكم ؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

من المظلومية إلى الحرب الأهلية: جيش الإسلام ونظام الحزب الواحد في دوما

ياسين الحاج صالح

تسنّى لي خلال إقامة لنحو 100 يوم في دوما بين ربيع وصيف 2013 أن أرصد سردية مظلومية دومانية مقترنة بسردية تفوق، ويشكل المُركّب المتكون منهما معاً عقيدة أحقية يستثمر فيها ويستند إليها بقدر كبير “جيش الإسلام”، التشكيل العسكري السلفي، الدوماني القيادة والمقر، المكون أساساً من منحدرين من المدينة.
تسند المظلومية الدومانية نفسها إلى شكوى نوعية تميزها عن غيرها، تتمثل في أن المدينة دفعت أكبر عدد من الضحايا والمعتقلين في مطلع ثمانينات القرن الماضي بعد حماه، على ما يتواتر سماعه في دوما. قد لا يكون ذلك حقيقة واقعة، فالمدينة لم تقع فيه مجزرة معلومة خلافاً لمدن وبلدات سورية كثيرة في شمال البلد، مثل جسر الشغور، فضلاً عما عانته حلب وحماه من مجازر متكررة وقتها. لكن المظلومية سردية تبنى من مرويات وتذكرات ومبالغات مقررة كحقائق، دون أن تكون كذلك تماماً. في كل مظلومية عنصر خيالي يقوم على تحويل مظالم أو ممارسات تمييزية فعلية إلى نسق من التمييز والظلم، ويبحث عن سند جمعي له، ويعثر عليه.
ويراد من إثبات تمييز قديم ضد المدينة التي كان يسكنها نحو نصف مليون تقرير مظلومية دومانية تنفع كل النفع بناء هوية جهوية متماسكة. من شأن بناء هوية مميزة كهذه أن يلائم طامحين سياسيين وفق مبدأ: وحّد، تصل! “جيش الإسلام” هو الطامح الأبرز الذي فاز منذ عام 2013 بالصراع المحلي على السلطة في سياق صراع الثورة السورية المتعثر. وأحد منابع فوزه هو أنه استثمر أكثر من غيره في المظلومية الدومانية واستطاعت نخبته وصل الشكوى الأقدم مع شكاوى أحدث، منها مثلاً أن زهران علوش، قائد التشكيل، كان في سجن صيدنايا وقت تفجر الثورة، وفي وقت سابق كان سمير الكعكة، شرعيه اللاحق، في السجن نفسه. “جيش الإسلام” أيضاً متشكل حول خطاب سلفي، صار تدريجياً الشكل الأنسب لعسكرة التعبير عن المظلومية السنية العامة في شروط حرب النظام ضد الثورة. وهو بعد خطاب أنسب للتعبئة الهويتية من احتجاج شعبي عام لا خطاب له، على ما تمثّل في لواء شهداء دوما، أقدم التشكيلات المقاتلة في المدينة. هذا تشكيل محلي شعبي، لا يصدر عن مظلومية جهوية خاصة، ولا عن عقيدة مميزة، وغير قليل من مقاتليه “زكُرتيّة” محليين، حفزتهم “النخوة” إلى مقاومة “الظلم”، وهو ما لا يكفي للتعبئة في شروط تطاول الثورة والحاجة إلى عتاد خطابي أكثر تركيباً، كما إلى موارد متجددة والسقوط اليومي للضحايا، وهي بمجملها شروط كانت ترفع الطلب على العقيدة والهوية. لواء شهداء دوما يقاتل بشجاعة، وله الفضل في تحرير دوما أكثر من غيره، لكن افتقاره إلى خطاب مميز، جعله غير قادر على الاستثمار فيما حقق، بل على مجرد الاستمرار. ورغم أنه يحمل المدينة في اسمه، فإن من استطاع إثارة عصب دوماني عبر إثارة المظلومية، ومن وضع يده على هذا العصب، هو “جيش الإسلام” الذي شغل مواقع قيادية فيه منحدرون من أسر تجارية ودينية دومانية معروفة، وهذا بالضبط لأنه أدرج العصبية الدوماني إن جاز التعبير في خطاب معلوم مكرس من قبل، الخطاب السلفي (في عمومها، السلفية المعاصرة تجمع بين لغة ورمزيات قديمة وبين عنصر غير سلفي على الإطلاق: المظلومية الإسلامية السنية الحديثة). في جيش الإسلام كثير من دوما وكثير من الإسلام، أكثر من لواء شهداء دوما المكون من أبناء المدينة، لكنه لا يتميز بشيء عن مقاتلين محليين آخرين أخذوا بالظهور في العديد من المناطق السورية في عام 2012.
وبينما استقبل لواء شهداء دوما في صفوفه مقاتلين متنوعين، ومنهم من لم يكونوا فوق مستوى الشبهات من أكثر من وجه، ومنهم أيضاً منشقون عن جيش النظام، فقد كان كانت سرية الإسلام/ لواء الإسلام تشكيلاً نخبوياً، يحرص على اختيار عناصره وقادته من بين أصحاب “العقيدة الصحيحة”، مولياً عقيدتهم اهتماما أكبر من كفاءتهم العسكرية. ولم يكن يُجيز انضمام ضباط منشقين عن جيش النظام. قد يجري تسويغ ذلك بأن “الرجل الملتزم بدينه والمتمسك بعقيدته” أشرس في المعارك وأثبت من الضابط العسكري المتلقي لجميع أنواع التدريبات. لكن في جذر ذلك أولوية الانضابط والطاعة، والتمايز الشديد عن المحيط، وهو ما يقتضي تفضيل من لا تاريخ لهم قبل الانضمام إلى التشكيل السلفي. كانت هذ هي الحال بخاصة وقت ظهور سرية الإسلام ثم نموها إلى لواء الإسلام، وقبل التحول إلى جيش الإسلام في أيلول 2013. التحول الأخير جرى في زمن انحدار لواء شهداء دوما وضياع الزخم التحريري، بينما كانت السرية واللواء مزامنين لظهور وصعود لواء شهداء دوما وتحرير المدينة والغوطة الشرقية. والقصد أن “العقيدة الصحيحة” كانت عنصر تمايز في وضع تنافسي، ظهرت فيه تشكيلات أخرى زال بعضها واستوعب بعضها لاحقاً في سرية/ لواء/ جيش الإسلام.
اقترن تاريخ “الجيش”، زمن ما بع المجزرة الكيماوية، بميل صاعد إلى التصرف كحزب واحد أو سلطة أمر واقع، وبعد مرحلة “الطهر الثوري” النخبوية المستندة إلى المعتقد السلفي، بدأت مرحلة الاستبداد بالأمر وأدواتها من اختطاف واغتيال، ومن احتكار مواد المعيشة في منطقة محاصرة، وخصوصاً من حرب أهلية في دوما والغوطة الشرقية، كان من أبرز وقائعها الحرب ضد “جيش الأمة” الذي كان استوعب ما بقي من لواء شهداء دوما. زهران علوش، قائد جيش الإسلام حتى مقتله قبل نهاية عام 2015، برر هذه الحرب بأنه لا يجوز أن يكون هناك رأسان لجسد واحد. وكما هو ظاهر، هذا مجاز عضواني، من صنف مألوف في تراثنا القديم، وقد كان دوماً شديد الصلاحية لتسويغ للاستبداد وحكم الواحد.
وينبني إفراد دوما ضمن محيطها في الغوطة الشرقية على عنصر تمايز هويتي أقدم، كان من قبل خاملاً سياسياً، ويتمثل في واقع أن أكثر سكان المدينة الأصليين حنابلة. الحنابلة أقلية في سورية، قياسا إلى المذهبين الحنفي والشافعي (المذهب الفقهي السني الرابع، المالكي، نادر في سورية)، وينتشرون في ثلاث بلدات هي دوما والضمير والرحيبة، وعدد قليل في دمشق. دوما هي الأكبر من هذه الجهة، وهو ما يعطي المدينة الواقعة على طرف الغوطة الشرقية الشمالي الشرقي شعوراً بالتميز عن محيطها كعاصمة للحنبلية السورية. ثم أن دوما هي الأكبر بين بلدات الغوطة الشرقية، ما أهلها لأن تكون مركز محافظة ريف دمشق، وما يعطيها حس المركز أو العاصمة. التقاء هذه العناصر الثلاث، المظلومية والمذهب الحنبلي والعاصمة، هي العناصر الأبرز في سردية تفوق دومانية، تتظاهر في شكل اقتحامي من توكيد الذات، يعترف به الدوامنة أنفسهم. ثم أن المدينة لم تشهد إقطاعاً من قبل، وسكانها حرفيون ومزارعون ورجال دين، الفوراق الاجتماعية القديمة بينهم محدودة. ورغم انتشار التطلع إلى الزعامة بين الداومنة “الجِئرين” (مشاكسين وعنيدين)، إلا أنهم لا ينالونها بسبب التنافس فيما بينهم، على ما سمعت وقتها في المدينة. لزم الاستثمار في المظلومية وخطاب سلفي من أجل إنتاج زعامة، عملت مع ذلك على فرض نفسها بالعنف، أعني زعامة جيش الإسلام، الذي لم يعد له هو ذاته رأس واحد منذ رحيل زهران.
يعزز من حس التميز في المدينة أنه سقط الألوف من أبنائها في مسار الثورة، مئات منهم في الاقتتال الداخلي، لكن أكثرهم على يد النظام وحلفائه، وأن دوما كانت أولى بلدات الغوطة الشرقية المحررة من حكم النظام، وهي من أشعلت فتيل تحرير الغوطة بكاملها.
الثورة وفرت للتشكيل السلفي بيئة تعبئة ونشاط في دوما، وقضية عامة على نطاق أوسع. حين ظهرت “سريّة الإسلام” في أيلول 2011، نحو ثلاثة شهور بعد إطلاق سراح زهران علوش من سجن صيدنايا، لم يكن صعباً عليها أن تقيم استمراراً بين ثورية الدوامنة التي عبرت عن نفسها منذ وقت مبكر (دوما شهدت اعتصاماً كبيراً يوم 25 آذار بعد أيام من بداية الثورة، وسقط فيها شهداء منذ وقت مبكر أيضاً، وجرى لثمانية منهم تشييع حافل أول نيسان 2011)، وبين دور السريّة الخاص في وقت مبكر من تعسكر الثورة. في مقابلة مصورة معه قال زهران إنه أفرج عنه لأنه في مظاهرات دوما رفعت لافتات تطالب به. قد لا تكون الواقعة مختلقة تماماً، لكن الرجل أفرج عنه في شروط الثورة العامة، التي كانت دوما من مهودها النشطة. الاستمرارية، وهي من الثوابت المتواترة في سرديات المظلومية، ميسورة الإثبات بين ما قبل الثورة وقت حبس زهران وشرعيّه اللاحق الكعكة، وبين الثورة التي أفرج عن علوش بعد انطلاقها بثلاثة أشهر، ثم بينهما وبين سرية الإسلام التي شكلها زهران بعد ثلاثة أشهر إضافية.
حنبلية دوما سهلت لسرية الإسلام إقامة روابط إقليمية، مع السعودية بخاصة، الدولة الحنبلية بدورها، التي يقيم فيها عبدالهق علوش، والد زهران. زهران علوش نفسه ولد في المدينة المنورة، ونال شهادته في الشريعة الإسلامية من جامعتها، وولادته هذه، إلى جانب اسمه محمد زهران، واسم أبيه عبدالله، مؤهلات ترجح أن يكون هو… “المهدي المنتظر”. هذه النبوءة كانت متداولة في أوساط “لواء الإسلام” وقت كنت في دوما في ربيع وصيف 2013.
في عام 2013 وما بعد، أخذ لواء الإسلام يستثمر في سردية المظلومية/ التفوق الدومانية لتعزيز شرعيته الخاصة ونزع الشرعية عن غيره، من فصائل دومانية أخرى. “نحن ماسكين الجبهات [ضد النظام]، ونحن اللي نحمي دوما”. هذه السردية خطاب عن التضحيات مصاغ بلغة دينية ويدغدغ العصبية الجهوية للمدينة.
تصادم هذا التكوين العقدي الجهوي الخاص مع القضية العامة للثورة، وهو تصادم تعزز أيضاً بالتكوين العائلي المذهبي الضيق للتشكيل العسكري السلفي الذي نما بسرعة. خلال عامين (أيلول 2011- أيلول 2013) جرى التحول من مجموعة دينية مسلحة نخبوية إلى تشكيل عسكري محارب متوسع المراتب، يتراخى في معايير الانتساب إليه كي يتوسع (يتساهل مع التدخين مثلا بعد تشدد مبكر)، إلى تشكيل سياسي عسكري ديني محافظ ومتطلع إلى الانفراد بالسلطة في منطقة نفوذه. قيادات جيش الإسلام تنحدر مثلما تقدم القول من أسر دينية تجارية نافذة في دوما، على نحو يتجسد في أبي همام البويضاني، القائد الحالي لجيش الإسلام.
الثورة والحرب وعدوانية الدولة الأسدية هي ما دفعت نحو مواقع السيطرة التيار السلفي، وقد كان أقلياً في دوما (بالكاد 10% حسب مصادر محلية)، ولم يكن أقوى شعبياً من “الاشتراكيين” (اسم التيار الناصري في دوما). وهو من جانبه توسل الحرب والاغتيال والخطف لتحقيق السيطرة على نحو يحاكي تماماً الحكم الأسدي. خطاب المظلومية مشترك بين التيارين الأقليين أيضاً. سجن الباطون الجيش-إسلامي يماثل في سيرته سجن تدمر اليوم سجن صيدنايا الأسدي.
وسهل أمر انفراد أقلية بالسلطة في الحالين حالة البارنويا العامة التي استطاعا نشرها، في سورية مرة بفعل التقاء العداونية الإسرائيلية مع حاجة طاقم حكم متواضع القدرات إلى الاستئثار بالسلطة، وفي دوما مرة بفعل التقاء العدوانية الأسدية مع حاجات طاقم متواضع بدوه إلى الانفراد بالسلطة في منطقة نفوذه. نشر أجواء من الارتياب العام تسهل السيطرة على العموم، وإظهار التعطش الأناني إلى السلطة في مظهر حماية غيرية للجماعة. تسهل خاصة تحطيم الخصوم بتصويرهم كأعداء أو عملاء لهم. في الحالين أيضا تحكم الأقلية بالحرب الأهلية.
تقاطع الحرب الأسدية ونزف الدماء الذي عانت منه دوما أكثر من غيرها في الغوطة الشرقية، مع مطامح زهران علوش الشخصية، ومع هيمنة الباراديغم السلفي الجهادي في أوساط السلفيين الحركيين، وبخاصة بعد 11 أيلول 2001، ثم احتلال العراق، وضعنا أمام تشكيل سلفي مجاهد إن جاز التعبير (العلاقة بين السلفية والجهاد أقل جوهرية هنا مما هي عند التيار السلفي الجهادي، ومع غياب الصفة الأممية للسلفيين الجهاديين). مقاتلو جيش الإسلام محليون، وكانت للتشكيل روابط قوية بدولة محددة، السعودية، لكن مخيلته ورمزياته سلفية جهادية، ونظام الحياة في ظله لا يعرض فارقاً مهماً عن نظام الحياة في ظل جبهة النصرة مثلاً: النساء منقبات، وللرجال مظهر قياسي، والحيطان تعرض الخطاب السلفي الجهادي وتبرز النبوءات لأخروية الخاصة بالغوطة بالذات بوصفها “فسطاط المسلمين”، وهناك جهاز “حسبة”، ومكون أمني شديد القوة (في التداول كلام على 14 جهاز أمني عند جيش الإسلام). ويبدو أن عناصر “الحراك الشعبي” الذين هاجموا مركز توثيق الانتهاكات ومقرات أنشطة مدنية أخرى في دوما يوم 13 آب 2016 مرتبطون بجهاز الحسبة، أي بالمركب الأمني الشرعي (نسبة إلى شريعة وشرعيين) لجيش الإسلام، بالتمايز عن المركب السياسي الذي يحاول أن يظهر وجهاً عاماً أكثر. “الحراك الشعبي” هو بمثابة “منظمة شعبية” تابعة لحكم الحزب الواحد في دوما، ومعززة لواحديته.
لا يعرض هذه الضرب السلفي المجاهد من الإسلامية أي تعارض مع ضيق الأفق المحلي. جيش الإسلام بالذات قد يكون حالة قصوى على هذا المستوى، لكن ما عدا الأمميين الإسلاميين من مجاهدين جوابي آفاق، تبدو هذه سمة غالبة على الإسلاميين السوريين، بمن فيهم الإخوان المسلمين، الذين يستثمرون في سردية مظلومية سنية عامة، لكن في أوساطهم بالذات انقسامات جهوية.
جيش الإسلام الذي ربما تجاوز عدد متسبيه عام 2014 الخمسة عشر ألفاً (المقاتلون أقل من النصف بحسب تقديرات متاحة، إذ الباقي أمنيون وإداريون)، تشكيل دوماني بقدر كبير، أي له إقليم ومقر وعاصمة. وهذا ليس حال جبهة النصرة أو داعش أو حتى أحرار الشام (هذه منتشرة على نطاق أوسع). ويجد قطاع من الدوامنة، محافظ وحِرفي، في جيش الإسلام عِزوتهم، وفي زمن صعوده حتى عام 2014 كانت المظلومية توسع دائرة التماهي بالتشكيل السلفي المجاهد، على نحو نجد نظيراً له في علاقة الدولة الأسدية بالبيئة العلوية، يحاكي أيضاً علاقة الشيعة اللبنانيين بحزب الله. بالمناسبة، ينسب إلى زهران علوش قوله عام 2012 إنه إما أن يحكم سورية أو سيكون حسن نصر الله سورية. هذا أيضاً كان متداولاً في دوما عام 2013، وليس في دوائر مخاصمة لزهران وجيشه. سردية المظلومية (كما حاولت أن أظهر في “الضمير الخارجي: المظلومية وأصول الشر السياسي”) تحول دون مساءلة النفس والحوار مع النفس، ودون تقمص الغير أيضاً، فتسهل إيقاع الظلم على الغير. والتكوين الفكري الخاص لجيش الإسلام، أعني المعتقد السلفي النصي، يُحلُّ المفتي والفقيه محل الضمير. وتكمل الصورة عناصر أخروية وغيبية خاصة ينبغي ألا تنسى، منها أحاديث تنسب إلى الرسول تتكلم على الغوطة بوصفها “فسطاط المسلمين”، ومنها مروية المهدي المنتظر التي تقدمت الإشارة إليها، ومنها عقيدة فتح روما التي استظهرها زهران أيضاً في أيامه. عناصر الامتياز هذه تفصل الجماعة الموعودة عن غيرها وتضعها فوق غيرها وتبيح لها العدوان على غيرها.
هذه العناصر تلاقت في خلفية الجرائم التي ارتكبها جيش الإسلام. لدينا تشكيل محلي متواضع المؤهلات، تلاقت ظروف الثورة العامة والعلاقة القديمة لوجهائه مع السعودية لتكبيره، قبل أن تتغلب غرائزه المحلية الضيقة ويرتكب جرائم كبيرة تعيده صغيراً. التشكيل الأقلوي الدوماني الذي تضخم وانتشر خارج مهده إلى القلمون وإلى الشمال السوري، وبلغ الذروة في الشهور التالية لتحوله إلى جيش في أواخر أيلول 2013، يعود اليوم دومانياً، محارباً دومانيين قبل غيرهم. اعتقال أبو صبحي طه، قائد جيش الأمة، منذ ثلاث سنوات ونيف والقتل الاستعراضي الداعشي لأبو علي خبية، واغتيال محمد فليطاني، وقبله الشيخ أبو أحمد عيون، ومحاولة اغتيال الشيخ أبو سليمان طفور…، كلها تندرج في إطار فرض نظام الحزب الواحد في دوما. وقبل ذلك كله اختطاف سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي في 9/12/2013.
القصد المجمل هو أننا حيال تشكيل أقلي عمل على فرض حكمه الواحدي بالقوة على نحو يستعيد بنية الدولة الأسدية. لا نحتاج إلى الذهاب بعيداً في البحث عن نموذج لسلطة حزب الإسلام في دوما، النموذج الأسدي هو النسخة الأصلية.
الإسلام يستخدم هنا تماماً مثلما استخدمت العروبة بعثياً. كل شيء يُطلى بلون إسلامي في دولة جيش الإسلام مثلما طلي كل شيء بلون عربي في دولة البعث. لكن المحتوى في الحالين هو السلطة. وقت كنت في دوما رأيت مرارا شعارت مثل: الأسد أو لا أحد! أو: رجال الأسد مروا من هنا! وقد تحولت إلى الأسلام أو لا أحد! (شعار الإسلام أو لا أحد ورد على لسان زهران علوش في تسجيل صوتي سمعته في دوما)، ورجال الأسلام مروا من هنا! البنية واحدة (تنظر من أجل تفاصيل أكثر مقالتي: صورة، علمان وراية).
جمع جيش الإسلام أسلحة كثيرة، وعمل على حمايتها بدل أن يستخدمها في مواجهة النظام أو في حماية السكان منه (هنا أيضا مثل الدولة الأسدية بالتمام والكمال). وهو بعد اغتيال مؤسسه وقائده زهران علوش لم يستطع أن يرد على هذا الضربة بصورة تردع النظام المستمر في قصف دوما والغوطة الشرقية متى عنّ له (مثلما تفعل إسرائيل في سورية متى راق لها). والتشكيل السلفي العسكري يبدو اليوم فاقداً لكل إرادة سياسية على مواجهة النظام أو تغيير شيء من مساره، تماماً مثلما دولة الأسديين في مواجهة إسرائيل. وهو اليوم في هدنة مع النظام توسط فيها الروس و…المصريون، يجري تبريرها بـ”حقن دماء المسلمين” أو بـ”استراحة مجاهد”، بعد أن كانت في وقت سابق “حراماً”، وكان “قتال النصريين والشيعة” واجباً شرعياً. هذا التذبذب الذي تخصص شرعيو جيش الإسلام في تلفيق المبررات له هو واحد من أسباب انحدار الحالة الشعبية في دوما والغوطة الشرقية. من الأسباب المهمة الأخرى التضحية بألوف المقاتلين، الدوامنة في معظمهم، في معارك غير أساسية، بما فيها معركة عدرا العمالية في ربيع 2014، وكان من أكبر المتضررين منها اللاجئون الدوامنة الذين اعتقل النظام المئات منهم بجريرة جيش الإسلام. ومنها التحكم بالموارد المهربة من دمشق عبر الأنفاق، من غداء ومحروقات ودواء، وتسويغ ذلك شرعياً بتأمين مستلزمات المجاهدين على الجبهات. ومن أهمها الممارسات الأمنية التي تضيق على الناس بذرائع الاختلاط أو عرض ملابس نسائية على واجهة محلاتهم، أو سماع الموسيقا، أو حتى كتابة بوست على الفيسبوك! الحصار بحد ذاته لم يكن من أسباب انحدار الحالة الشعبية، لولا أنه شفع بحصار داخلي من قبل سلطة الأمر الواقع.
اليوم يبدو هذا التشكيل الأقلي راضياً بأقل بكثير من حكم سورية أو جعل دوما ضاحية جنوبية، يبدو أيضاً مرشحاً لتسوية مع النظام، قد تُقِرُّ الشريحة النافذة الجديدة في دوما على ما جنت من نفوذ محلي وثروة، وتؤمن لها قناة مع مراكز السلطة الفعلية بمرجعية روسية، وهذا ربما مقابل تسليم السلاح الثقيل. قد تتحقق لجيش الإسلام، ربما بعد تغيير اسمه إلى اسم “وطني”، مكانة خاصة في دوما، في إطار ما يبدو من تناهش مافيات متنوعة البلد من وراء استمرار الاسم الأسدي.
الحزب الواحد الأسدي آل إلى حكم الشخص الواحد ثم الأسرة الواحدة، وهو اليوم في سبيل التحول إلى مظلة لعصابات وعصبيات متنوعة، توسع هوامش مناورتها حيال عصابات وعصبيات أخرى بالاستناد إلى هذا المحتل الأحنبي أو ذاك. ولا يبعد أن جيش الإسلام، بعد التعديل الوطني المحتمل، يتحول في الاتجاه نفسه، ليصير مظلة لمافيات عائلية نافذة، تستظل بالمظلة الأسدية، أو تتقرب من المحتلين الروس أو حتى الإيرانيين.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

شاهد: من منجزات بشار وافتاء حسون .. كازينو حلال في سوريا والمطربة محجبة

Fedaa Alabbas
من منجزات بشار وافتاء حسون .. كازينو حلال في سوريا والمطربة محجبة ??

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | 1 Comment

الأخوان المسلمون في سورية وحكاية إبريق الزيت

حمد يرعى الاخوان المسلمين في بلدان الثورات العربية

مقالة مهمة للكاتب المعروف أكرم البني: جريدة الحياة 10.09.2017
ما أن تُمنى بهزيمة أو إخفاق، أو تتكاثر الانـــتقــــــادات بحــــقها وتــتــــراجع مكـــانتـــها شعبياً وسياسياً، حتى تلجأ، جماعة الإخوان المسلمين، إلى التذكير بتبنيها للشعارات الوطنية العامة، كالديموقراطية والحرية والتعددية والدولة المدنية، وبالتزامها مجتمع مواطنة يساوي بين الناس على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم.
والجديد قرارات المجلس الإسلامي السوري الذي عقد أخيراً في لندن، وقبله بأسابيع، صدور ما عرف بالميثاق الوطني لمواجهة تقسيم سورية، وكلاهما يشبه البيان الذي صدر في أيلول (سبتمبر) من العام المنصرم، وخلص بعد قراءة ما آلت إليه أوضاع الثورة وطرق مواجهة النظام ومحاربة الإرهاب إلى التأكيد على تطلع جماعة الإخوان المسلمين لبناء دولة مدنية وديموقراطية في سورية القادمة، وقبلها كانت وثيقة العهد والميثاق عام 2012 التي صبت الحَب في الطاحونة ذاتها، ويبقى الأساس وثيقة سميت «النداء الوطني للإنقاذ» التي أصدرتها جماعة الإخوان ربيع 2005 وبدت كأنها مراجعة نقدية لسياساتها وإخفاقاتها السابقة وإعلان جريء بتبني مبادئ الديموقراطية وقيم المواطنة.
ومع أن حكاية إبريق الزيت هذه، والمباهاة عند الحاجة بارتداء العباءة المدنية والسلمية، باتت مفضوحة، لكنها لا تزال وسيلة معتمدة لدى الإخوان المسلمين للالتفاف على أزمتهم المزمنة ومداراة عجزهم السياسي، يحدوها سببان متضافران: أولهما، بنيوي يتعلق بقدسية المرجعية الأيديولوجية لديهم، والثاني، مكتسب، يعود إلى عمق نهجهم البراغماتي ورسوخه.
فهم يتنازلون عن شعاراتهم الدينية فقط عندما يكونون ضعفاء أو مرفوضين اجتماعياً بسبب ارتكاباتهم وسياساتهم الخاطئة، وبغرض الترويج لصورة تساعدهم على إعادة بناء جسور التواصل مع المجتمع. هذا ويلازم تشددهم الأيديولوجي ومجاهرتهم بحاكمية الله ومشروع الدولة الإسلامية اللحظة التي يشعرون فيها بأنهم قوة نافذة ومقررة ولا تحتاج إلى عون الآخرين، والأسوأ حين يصلون إلى السلطة، وعندها لا يتنكرون فقط لشعارات الحرية والمساواة التي تغنوا بها بل يعادونها بكل شراسة؟ كذلك يتزامن إعلانهم اليوم لمواقف وبيانات تفيد بأنهم لا يزالون يؤمنون بمقتضيات الدولة المدنية والديموقراطية، مع هزيمة الثورة وتراجع وزنهم ودورهم بسبب تقدم الاصطفافات الإقليمية والدولية ضد الإرهاب الجهادي وداعميه، وجراء تبدل موقف أنقرة من الصراع السوري وانضمامها لركب موسكو، ثم خسارة الفصائل الإسلاموية المسلحة لمواقع هامة في كل من حلب وأرياف دمشق وحمص وحماة.
بعد النداء الوطني للإنقاذ نجح الإخوان المسلمون في إظهار أنفسهم كشريك طامح للتعاون مع مختلف القوى السورية من أجل التغيير الديموقراطي، وتمكنوا من العودة إلى الحقل السياسي السوري من خلال انضمامهم بداية إلى إعلان دمشق ثم مشاركتهم في المجالس الوطنية المعارضة، وصولاً إلى الائتلاف والهيئة العليا للتفاوض، لكن حساباتهم ومراميهم الخاصة ما لبثت أن حضرت مجدّداً حين لمسوا انزياح رياح الربيع نحو البعد الديني، مرة أولى، بالصمت عن تقدم الشعارات ذات الطابع الإسلامي في المراحل الأولى من تطور الحراك الشعبي، ثم الاستثمار في مساعي النظام تحويل الصراع السياسي إلى طائفي، كمقدمة لفرض تصوراتهم ونمط حياتهم على المجتمع، ما شوه ثورة السوريين، وهتك حضورهم كشعب واحد. ومرة ثانية، بإهمال دورهم في تعرية خطاب الجماعات الإسلاموية المتطرفة وفضح ارتكاباتها، بما هو إحجام عن تمييز أنفسهم كحركة سياسية إسلامية معتدلة، كما يدعون، من واجبها خلق إجماعات وطنية جديدة بين السوريين، وتعزيز الثقة بين مختلف مكوناتهم، ما كشف في وقت حرج، زيف ادعاءاتهم، حتى بات البعض لا يجد فارقاً نوعياً بينهم وبين الجماعات السلفية المتطرفة والعنيفة. ومرة ثالثة، عبر التنصل من موقفهم النقدي من العنف والعسكرة، ثم غض النظر عن نهوض جماعات إسلاموية، وسيلتها الرئيسة السلاح ومنطق الغلبة، والأنكى تقديم الغطاء السياسي والإعلامي لها، ربطاً بخلق شبكة علاقات لتجنيد المواطنين في كتائب بدأت بتأسيسها تحت مسميات دينية. ومرة رابعة، عبر الانزلاق إلى روح الاستئثار وتفعيل مبدأ المغالبة مع الأطياف الوطنية والثورية لتعزيز السيطرة على هيئات المعارضة السورية، إن بتثقيل حصتها التنظيمية أو بزرع أكبر عدد ممكن من كوادرها في المواقع القيادية، بما في ذلك لجوؤها إلى المناورة وتشكيل عشرات الكيانات المرتبطة بها للتغلغل والتمدد في مختلف الهيئات السياسية والإغاثية، ما حكم بالفشل على عمل تلك الهيئات أو مأسستها، وأعاق دورها في بلورة نهج وطني جامع، زاد الأمر سوءاً مفاخرتها، وعلى حساب موقعها كحزب سوري، بقوة ارتباطها بمن تسميهم إخوة المنهج، والدفاع الأعمى عنهم ظالمين كانوا أو مظلومين، كإخوان مصر وحركة حماس وحزب أردوغان وغيرهم.
الغاية تبرر الوسائل. جماعة يحكمها مبدأ التقية وتضمر غير ما تعلن. جماعة ذات بنية استبدادية بدليل قسم الطاعة والولاء. حركة سياسية لا أمان لها، تتمسكن ولا تتردد حين تتمكن، من التنصل من التزاماتها الوطنية. ليس ثمة أمل في هذا النوع من الإسلاميين الذين ديدنهم استبدال الاستبداد والطغيان القائم بآخر ديني. هي عبارات باتت دارجة في وصف الإخوان المسلمين في سورية ومسلكياتهم وتعرية للشعارات الخادعة عن الدولة المدنية والديموقراطية التي يرفعونها بين الفينة والأخرى، بصفتها مجرد مناورات أو إجراءات تكتيكية ظرفية غايتها إعادة التموضع والخروج من ضيق أزمة التنظيم المتفاقمة.
صحيح أن بطء التطور الثقافي والمجتمعي وقصور المشروع النهضوي التنويري وضعف الجهود لبناء رؤية صحية تنأى بالدين عن دنس السياسة، هي تربة لنمو تيارات لا تزال تجد ذاتها في الجمع بين الدين والسياسة، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة تجارب مريرة رسخت في الوعي والوجدان، دمرت الثقة بجماعات الإسلام السياسي التي تدعي النضال الديموقراطي والمدني، وأثبتت عجزها عن تمثل قيم الحرية والمواطنة وعن التحرر من فكرة الدولة الإسلامية ومن الأساليب الاستئثارية والتسلطية لفرض معتقداتها وآرائها على أنها الحقيقة المطلقة.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

شاهد إعلام مصري: ليس لدى الغرب عمل الا محاربة الإسلام

قال مقدم البرامج في التلفزيون المصري محمد جمال هلال إنه في ذكرى 11 أيلول / سبتمبر، فإن “الولولين الأمريكيين” سيواصلون دعايتهم ضد الإرهاب، بينما يجري في بورما إبادة جماعية ضد المسلمين, هذا يحدث في بورما وفي افغانستان وباكستان وفي مصر … في سوريا والعراق واليمن وفي العالم العربي والاسلامي”، مؤكدا ان العنصرية تشكل “المبدأ التوجيهي الذي يقوم عليه [سلوك العالم الغربي] تجاهنا “. وقد عرض على قناة “الاخوان” المصرية التي تتخذ من تركيا مقرا لها في السادس من ايلول / سبتمبر الماضي.

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

الواقع الثقافي العربي ومفهوم الحداثة

ظهر مفهوم الحداثة في الحضارة الغربية قبل حوالي قرن من الزمان، مع ذلك نرى ان الغموض والخلافات في فهم الحداثة ما زالت على أشدها في الثقافة الغربية نفسها، حيث تُطرح تعريفات كثيرة مختلفة ومتناقضة وهو أمر طبيعي في حضارة أطلقت العقل من قيوده، حررت الفكر من الكهنوت الديني ومحاكم التفتيش وقمع العلم، اعتمدت المنطق العلمي والبحث طريقا وتخلصت من فكر الخرافات والخوارق .. وأطلقت اهم نهضة في تاريخ البشرية.
  اذن التعريفات المختلفة للحداثة في الفكر الغربي هي من منطلق التصورات الفكرية والفلسفية المختلفة، من تعدد الأذواق وانفتاح العقل، من نهضة تنويرية احدثت أعظم نقلة في الواقع الاجتماعي والثقافي للإنسان. مع ذلك تعددت التفسيرات وتشعبت وانتقل الفكر الغربي الى “ما بعد الحداثة” – يمكن القول الى تجديد للنهضة -ولم يكن قد اعطى تفسيرا متفق عليه لمفهوم الحداثة.
الثقافة العربية نقلت مفهوم الحداثة بشكله وليس بمضمونه، بل والبعض “سبق” المصادر التي انطلقت منها الحداثة وفسر ما لم يفسر بعد في الغرب، طرح مفاهيم جاهزة اعتمدت الاجتهاد اللغوي بالأساس، لدرجة يبدو ان الحداثة نقلها الغرب عن العرب وليس العكس.
المطلع على فلسفة التنوير الأوروبية ولو خطفا، يجد ان ما قام به بعض أنصار الحداثة العرب هو أشبه بعملية اغتصاب فاشلة لفكر لم يجر تجهيز القاعدة المادية الاجتماعية والفلسفية لاستيعاب مفاهيم التنوير اولا ثم الحداثة قبل ان ندعي، او نضفي على بعض الأعمال الأدبية صفة الحداثة بشكل اعتباطي وكأن الحداثة هي معيار للأدب فقط.
أشغل موضوع الحداثة بال المثقفين والمفكرين في العالم العربي، كما في سائر الثقافات العالمية منذ فترة طويلة، معظمهم مثقفين تأثروا بالتنوير الأوروبي الذي انطلق مع عصر النهضة (الرينيسانس) او “فلسفة التنوير” حسب التعبير الذي تعتمده الفلسفة. يمكن القول بلا تردد انه ما كان للحداثة ان تنشأ وتنتشر بدون انتشار التنوير.
حين نتحدث عن نشر فلسفة التنوير في شرقنا المصاب ب “انفلونزا الداعشية”، فنحن نحث العقل العربي والشرقي عامة الى احداث نقلة نوعية تضعنا على المسار الاجتماعي والانساني السليم، مسار يضمن التقدم، يضمن التحرر من الخرافات والأساطير والأوهام وانتظار الخلاص من سفك دماء المختلفين رأيا وثقافة وانتماء. وان نؤمن بقدرة العقل على احداث التغيير نحو الأحسن وليس باللجوء الى القتل والذبح الذي يعيدنا الى ما قبل العصر الحجري. العقل هو الذي يعطي للإنسان القدرة على مواجهة التحديات وهو أخطر سلاح عرفته البشرية!!
 التأثر العربي بالحداثة اتجه أكثر للجانب التنويري الذي يتعلق بالإبداع الأدبي تحديدا، بسبب غياب فرص الحداثة الاجتماعية والسياسية، بالتالي جرى فصل مفهوم الحداثة عشوائيا عن جغرافيتها وبيئتها ومسيرتها الحضارية وما أحدثته الحداثة من انتشار واسع لفلسفة التنوير، يبدو انهم حاولوا استباق العملية التاريخية المفترض ان تبدأ بعصر تنوير عربي، كانت له بدايات لم تكتمل بدأتها مجموعة من التنويريين العرب، لتحرير العقل العربي من قرونه الوسطى، أسوة بما جرى في التنوير (الرينيسانس) في اوروبا.
  حتى الان لم يظهر تعريف متعارف عليه لهذا المفهوم الذي فرض نفسه على مجتمع شبه قبلي، او قبلي تماما .. تسيطر عليه الماضوية والببغاوية والتلقين بدل التفكير، يبدو الحديث عن الحداثة اشبه بالحلم الذي يلهم الرواد من المثقفين العرب للتخلص من الماضوية التي تعيق انطلاقة المجتمعات العربية نحو آفاق حضارية جديدة، بل نشهد في الآونة الاخيرة تنامي شهوة السلطة لدى التيارات الدينية الأصولية واقصاء القوى العلمانية او الدينية العقلانية او المختلفة ثقافيا واثنيا، هذا ثبت بالتطبيق في الفصل الأول من الربيع العربي .. الملاحظة الصعبة ان ما يشغل العالم العربي ليس العمران انما الحد من التطرف… وهذا يتضح أيضا بما يجري من تطورات سياسية سلبية بما بات يعرف بالربيع العربي، بحيث نشهد عودة الى العصبية الدينية، الى القبلية، بغياب نسبي كبير للدوافع الاجتماعية والسياسية التي أطلقت الربيع العربي.
 الوعي الجماعي غائب عن الصورة. اصوات الفئات المتنورة لا تصل الى عقول نشأت في ظل نفي العقل لحساب النقل والتلقين .. وآمل انها مرحلة قصيرة !!
بعض المثقفين العرب اعطوا تفسيرات سطحية ويمكن القول شكلية لمفهوم الحداثة، بالقول مثلا انها ” الاختزال والشفافية “، اي يقرنون مفاهيم الحداثة بشكل أدبي او لغوي لأن فهمهم لم يمتد لمضمون الحداثة الشامل حضاريا، مع جهل جذور الحداثة ونشأتها تاريخيا وفكريا، ان تناقض التفسيرات في موطن الحداثة نفسها جعلهم يتخبطون في متاهات فكرية غير متناسقة بسبب فقدانهم لرؤية فلسفية تشكل قاعدة لطروحاتهم ووعيهم ..
الأساس الذي يمكن الانطلاق الواسع منه انها (الحداثة) عنصر من عناصر التنوير العام للمجتمع والثقافة والعلوم والاقتصاد ونوعية السلطة.
هذا التعريف وغيره من التعريفات المشابهه في مضامينها، لا تاخذ في اعتبارها جوهر الحداثة من مصادرها الجغرافية والتاريخية والفكرية.
ان الحداثة في الادب والفكر والحياة ، لم تكن وليدة ظاهرة شكلية ، انما نتيجة عملية تغيرات وتطورات شملت العلوم، الثقافة، الاقتصاد والمجتمع البشري نفسه، بحيث احدثت نقلة نوعية غيرت كل افكار ومفاهيم  القرون الوسطى البالية وطرحت مكانها افكارا وموازين تعتمد على العقل والمنطق والعلم والمعرفة، لذا ليس بالصدفة ظهور فلسفة التنوير الأوروبية بفلاسفتها العظام فولتير، كانط ، سبينوزا، لوك، ديكارت، نيتشه وسميت وغيرهم  كمحرك عاصف للتغيير اعادوا بناء الوعي الاجتماعي والعلمي والديني والثقافي واعتماد منطق التغيير والرقي، بدل منطق الارتداد الماضوي وانتظار الفرج من السماء بوهم انه طريق الخلاص .
لا يمكن تناول الحداثة بمنظار قديم وبمواقف تجتر الماضي، لا يمكن ” اتهام ” مقطوعة ادبية بالحداثة لانها مكتوبة بلغة لا شي واضح فيها الا حروف الابجدية  وجعل الحداثة محصورة في الادب فقط … هذا جهل فاضح .

الذي يحدث هو خلط مضحك بين المفاهيم والاصطلاحات التي لم تنشأ اصلا في الفكر العربي ، بالتالي  ظاهرة الحداثة لم تخترق بقوة محركاتها المجتمعات العربية  التي ظلت على جهل مريع بمفاهيم الحداثة التي تقودنا جذورها التاريخية الى عصر التنوير الاوروبي،  الذي بدأ قبل 300 – 400 سنة بينما  مفهوم الحداثة  واصطلاح الحداثة نفسه ظهر في المائة سنة الأخيرة فقط.
مثلا لماذا لا نقول ان الحداثة هي حرية الإرادة؟ الم تكن حرية الارادة منقوصة تحت سلطة الكهنوت الديني في اوروبا حين كان المجتمع الأوروبي يعاني من التخلف والاستبداد السياسي والديني؟ بالتالي لم يكن الانسان يتصرف بناء على ارادته الحرة .. وهي حالة لم تغب من مجتمعاتنا العربية اليوم، انما تزداد عمقا خاصة بسقوط الربيع العربي بأيدي كانت هي نفسها حليفا ومنتجا للواقع الفاسد الذي جعل الجماهير تخرج غاضبة تطالب بإسقاط الأنظمة التي أملقتها حتى النخاع.
الحداثة بالتلخيص العام هي حرية الإرادة وقد اهتمت فلسفة التنوير بموضوع حرية الارادة وحرية التفكير وحق التعددية، فأين نحن من ذلك اليوم؟
رؤيتي متشائمة أكثر بسبب تعمق ظاهرة الإملاق والاستبداد بسيطرة ما هو أسوأ من الاستبداد السياسي، استبداد ظلامي يتحدث باسم السماء ولا يتردد في اعتبار معارضته خروجا عن الإرادة الإلهية.
لا بد من التحديد أن تحرير الارادة هو ما يجعل الانسان كائنا أخلاقيا، لأن حرية الإرادة تعني بالأساس ان الانسان قادر على تحديد تصرفاته بنفسه، وقادر على التمييز بين الخير والشر والأخلاقي واللاأخلاقي وتحمل مسؤوليته عن نشاطه وابداعه بالمفاهيم الأكثر شمولية للمجتمع.
 اهتمت فلسفة التنوير بموضوع حرية الارادة، اعطت تفسيرات عديدة لا مجال لبحثها هنا ونلاحظ ان مفهوم الإرادة كان ضمن اهتمامات الفلسفة الإغريقية القديمة ايضا.
في العالم العربي نتحدث عن اصلاح برامج التعليم التي تفتقر للتحديث ولم تعد تلائم حياتنا المعاصرة وتنشئة جيل قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.  يعاني العالم العربي من فجوة علمية آخذة بالاتساع مع عالمنا اليوم، بل والمؤذي أكثر إذا قارنا واقعنا العلمي وواقع الجامعات والأبحاث مع دولة اسرائيل مثلا، التي تعتبر التحدي الأخطر للعالم العربي. يتبين ان اسرائيل توظف (15) مرة في الابحاث أكثر من كل العالم العربي، بنسب أخرى توظف (4.6%)من ناتجها القومي للأبحاث مقابل ارقام لا تتجاوز 0.01% – 0.02%  للعالم العربي. جامعاتها في الصدارة وجامعات العالم العربي لا تظهر في ال (500) جامعة الأولى حسب سلم شانغهاي. اسرائيل تطور الفيزياء والعلوم والعالم العربي غارق بالفتاوى من ارضاع الكبير، مضاجعة الوداع ونكاح الجهاد، تتحكم بالعالم العربي أنظمة كاتمة للأنفاس وللأصوات وللنظرات حتى تلك المسماة جمهورية وثورية، فعن اي حداثة، تنوير ونهضة نثرثر وتحكمنا عقليات القرون الوسطى الظلامية؟  

مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة: تحرير ارادة الانسان العربي أولا، نشر الديمقراطية وحق التعددية الثقافية، الدينية والسياسية. ما يقلق ان الربيع العربي خطف من قوى ترفض التنوير وترفض كل المفاهيم الديمقراطية والتعددية الفكرية والثقافية.
ان جزء من الحداثة يتعلق ايضا بموضوع المصارحة والمكاشفة وقبول الآخر المختلف، فهل نستطيع ان نكون صريحين ومتقبلين للآخر المختلف في ظل عقلية تنفي الآخر المختلف وتحرض عليه وتحرمه من حقوقه الأساسية، ولا ترى به الا “أهل ذمة” او صليبي، او ينتمي لطائفة كافرة، حتى لو كان مسلما من طائفة أخرى وبتغييب كامل لكل مفاهيم المواطنة والمشاركة؟!
اؤكد خطأ الظن ان الحداثة هي ظاهرة ادبية فقط. صحيح ان المفاهيم المجازية العامة للحداثة في العالم العربي، ظهرت في الشعر تحديدا بإبداعات بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأخرين، لا اميل لفهم التحديث الأدبي كتأثر بالحداثة الأوروبية، لا انفي ذلك، لكن الأفضل للدقة استعمال تعبير “التحديث” في الشعر وليس “الحداثة”، من منطلق ان الحداثة لها مضامين أعمق وأشمل من الظاهرة الأدبية الإبداعية، تشمل العلوم، التكنولوجيا، الاقتصاد والتعليم.
 وواضح ان النثر يشهد أيضا تحولات حداثية عميقة جدا، لكني بشك قوي من صحة استعمال اصطلاح الحداثة وحصرها بالموضوع الابداعي الروحي.
الحداثة بمفهومها الاجتماعي، السياسي، المادي، الحضاري والديني ظلت مستبعدة وغير قادرة على اختراق الحواجز العقائدية المتصلبة للمجتمعات العربية.
من هنا ما يطرح من نقاشات حول الحداثة في الادب او “اتهام” ادباء بالحداثة .. فيه عدم فهم لجذور الحداثة وشموليتها وفلسفتها.
المحافظون المتعنتون يحاربون الحداثة، اي يحاربون التغيرات الاجتماعية والثقافية بالتمسك ( كما يدعون ) بالاصالة والتراث والتقاليد …

السؤال : هل تتناقض الحداثة مع الاًصالة والتراث ؟ اليس التراث واصالته هو نتاج حداثي في عصره؟
واضحا هنا ان رفض الحداثة وطرح التراث مكانها هو طرح يعبر عن فكر سياسي واجتماعي ماضوي ظلامي يرفض التنوير ويرفض التغيير.  المفكر الراحل محمد عابد الجابري يدعو إلى ضرورة التحرر من “الصواب الموروث” الذي يتلقاه الناس ويتداولونه فيما بينهم بوصفه الحقيقة التي لا تقبل الشك ولا تخضع للحوار. أي لا تخضع للتفكير.
لكل عصر مميزاته الاجتماعية والحضارية، الحضارة لا تتوقف في مكان ما مكتفية بما انجزته، التوقف يعني التخلف عن الحضارات الاخرى، “الصواب الموروث” له حصة الأسد في تعويق انطلاقة مجتمعاتنا من جديد وتعميق ظاهرة النقل والتلقين.
هناك قاعدة اساسية للحداثة، هي قدرتها على نقد ذاتها بعد كل مرحلة، تصويب الخطأ ومواصلة الانطلاقة. الفكر الحداثي لا يطرح نفسه كفكر نهائي ثابت معصوم عن الخطأ، بل كمرحلة مرافقة للتنوير، حررت ارادة الانسان وأطلقت طاقاته الابداعية وليس مجرد صياغات لغوية كما يذهب بعض نقادنا الأفاضل.
مشكلتنا هو ثقافة النقل المتأصلة فينا دون التعمق بالمضامين، رفضنا لمصادر الحداثة (حركة التنوير الاوروبية بالاساس) التي استفادت في وقته من الفكر العربي (ابن رشد وآخرين) وقادت المجتمعات الاوروبية الى نقلة نوعية من التقدم في كل مجالات الحياة، هذا لم يحدث في شرقنا الذي قمع كل صاحب رؤية تنويرية، لذلك يبدو لي الحديث عن “الحداثة ” ضربا من الفتح بالمندل، ربما يصح القول ان بعض الحداثة في الادب تعني “كسر الحواجز التقليدية والخروج من النمطية والتكرار والتقليد”.
مثقفون طلائعيون عرب روجوا لفكر الحداثة ولفكر التنوير والاصلاح الشامل لكن بين هذا وتحويل الحداثة الى قاعدة للحياة مرحلة طويلة وشاقة، للأسف اوقفت او اسقطت.
هل يمكن تحقيق الحداثة بدون حرية اجتماعية وفكرية؟ بدون مساواة وتعددية ثقافية؟ بدون تطوير العلوم والتعليم؟ هل يمكن تحقيق الحداثة بدون دولة مؤسسات ورقابة واستقلال السلطات عن بعضها البعض؟
ما زلنا في الشرق نعيش على ماضينا نجتره ونحوم حوله، كل صراخنا حول تراثنا وحضارتنا هو تمويه للحقيقة وخداع للنفس، ما زلنا عالقون في “الصواب الموروث”…. والصورة تبدو سوداوية .. لكن الصورة لم تكن اقل سوداوية في اوروبا القديمة قبل بداية عصر التنوير!!
nabiloudeh@gmail.com

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

القمع الذي تمارسه علنا وخلسة ثقافة الأكثرية

لا شك أن التربية المنزليّة تعدّل كثيرا من التربية العامة عندما تختلف عنها، ولكن عموما يحتاج الإنسان إلى دعم الأكثرية ليتمكن من القيام بعمل سيء. الجماعة تستطيع أن تحول رجلا جيدا إلى رجل شرير أكثر بكثير من قدرتها على أن تحول
رجلا شريرا إلى رجل جيد. رغم ما للـ “أنا ” الشخصية من سيطرة على الفرد، تبقى سيطرة الـ “أنا ” الجمعية أقوى وأكثر تحكما! قد يقف ضمير الشخص، أي شخص، بينه وبين القيام بعمل سيء ما، لكن عندما ينطوى هذا العمل تحت لواء الجماعة، قد يتلاشى الضمير الشخصي، ويصبح من السهل جدا على هذا الشخص القيام بما هو مطلوب منه!
….
أنا على ثقة كبيرة من أن أي شخص، حتى لو كان داعشيا، لا يرتكب على مستوى علاقاته الشخصية، ولو
جزء ضئيل من القبائح التي ارتكبها عندما وجد نفسه في حظيرة الجماعة.
….
لذلك، تُلام الجماعة على الجرائم والسلوكيات الخاطئة أكثر مما تلام الثقافة المنزلية، وتُمدح الثقافة المنزلية على الفضائل والسلوكيات الجيدة أكثر مما تستحق الجماعة أن تُمدح، فالفضائل يكتسبها الإنسان عموما من محيطه الضيق ، والرذائل من محيطه الأوسع. لا يحتاج الإنسان أن يفعل المستحيل كي تقبله العائلة، فهو ابنها شاءت أم أبت، ولكنّه قد يفعل كل ما تأمره به الجماعة لينال شرف العضوية فيها! ودائما يثبت ولائه الكبير من خلال القيام بأعمال قد يمنعه ضميره في الحالات العادية من القيام بها. إذ أنه من المعروف والمؤكد أن أية عصابة ولكي تقبل عضوا فيها تأمره أولا بالقيام بجريمة ما، وعندما ينفذ الأمر بدقة يربح عضويته فيها. ولا أعتقد أن اي جماعة تختلف في اسلوبها القمعي كثيرا عن أية عصابة. لذلك قيل: (يحتاج الإنسان الجيد إلى دين كي يقوم بعمل سيء)، والدين ـ أي دين ـ يجسد عادة قيم ومفاهيم الجماعة التي تؤمن به!
……
في المجتمعات الإسلامية بما فيها المجتمعات التي تضم تنوعا دينيا وعرقيا وطائفيا ـ كسوريا والعراق ـ طغت ثقافة الأكثرية السنية بالقوة، وفرضت تلك الثقافة نفسها قسرا على الجميع، الأمر الذي أدى إلى إقصاء الثقافات الأخرى من الحياة العامة.
حاول أتباع الأقليات ـ بالوعي وباللاوعي ـ عندهم أن يقبلوا تلك الثقافة ويجسدوها على أرض الواقع، في محاولة يائسة كي تقبلهم الأكثرية في حظيرتها. وكان من أهم نتائج هذا الرضوخ أنهم بدأوا يفقدون يوما بعد يوم الخصائص الثقافية التي كانت تميزهم. ليس هذا وحسب، بل انه ورغم الإنصياع المطلق ظلت تلك الأكثرية ترفضهم وتخوّنهم وتعتبرهم جسما غريبا يهدد وجودها ونقاوتها! لقد كان هناك علويون أشداء في المعارضة السورية، ولكن ـ بناءا على ما أكده لي أحدهم ـ كانوا يُعاملون كدخلاء غير مرحب فيه، ويُنظر إليهم بعين الشك والريبة.
….
في المجتمعات الحرة التي تحترم انسانها بغض النظر عن انتماءاته، يؤدي تفاعل الثقافات المتنوعة فيها إلى ثقافة عامة تأخذ من كل واحد أفضل ماعنده! أفضل الكتب الفلسفية والوجدانية التي قرأتها في أمريكا هي تلك الكتب التي ألفها يهود ومسيحيون تأثروا بثقافات الشرق الأقصى وخصوصا البوذية والهندوسية. هؤلاء المفكرين أعطوا اليهودية وكذلك المسيحية أبعادا فلسفية مستنبطة من تلك الثقافات التي تأثروا بها، الأمر الذي مدّ بعمر الدينين وجعلهما أقل حرفيّة، وبالتالي أكثر قبولا وقابلية للحياة في القرن الواحد والعشرين.
مسيحيو الشرق الأوسط ينتقدون وبشدة أحيانا مسيحية أمريكا، دون أن يدركوا أنه لولا مسيحية الغرب وتحديدا أمريكا، لكانت
المسيحية بشكلها الشرق اوسطي أقل قبولا في العالم.
……
وحده الإسلام ظل عصيّا على الاختلاط ، محاولا أن يفرض ثقافته السنية بالقوة، مقصيا أية ثقافة أخرى تتواجد معه.
لهذا السبب بالذات هو مهدد بالإنقراض، وسينقرض حتما لو استمر الوضع على حاله!
…..
رغم أن المسيحي الشرقي لا يخضع للتعليم الاسلامي بشكله الرسمي، والذي يقتصر حصرا على المفهوم السني، لكنه كأي واحد ينتمي إلى أقلية أخرى تأثر إلى حد ما بهذا النمط الثقافي. ليس هذا وحسب، بل مازال يتودد بمناسبة وبدون مناسبة إلى القطيع كي يقبله في حظيرته.
منذ أيام زار بابا الأقباط الفاتيكان وعبر هناك عن أسفه الشديد لأن داعش “تشوه” التاريخ الاسلامي؟؟؟ المفكر المصري الكبير والسياسي اللامع مجدي خليل، كتب تعليقا على صفحته، تعليقا يجسد تلك الحقيقة، وبروح فكاهية اعتدنا عليها من الأخوة المصريين. قبل أن أذكر التعليق أود أن أذكركم بأن السيد حامد عبد الصمد هو استاذ وباحث في حقيقة التاريخ الاسلامي،
ومن اصول سنيّة. جعل رسالته في الحياة أن يبرهن باسلوب علمي ومقنع جدا على قباحة هذا التاريخ. يتساءل دائما: (كلما تناولت أحدا في نقدي للاسلام يرد عليّ العامة من أهل السنة هذا الشخص لا يمثل الاسلام، ويتابع: أرجوكم دلوني على من يمثل الاسلام كي أحاوره) فجاء تعليق الاستاذ مجدي خليل على هذا الشكل: (ها نحن الأقباط نقدم للاستاذ حامد عبد الصمد من يمثل الاسلام)! وطبعا هو يقصد “بابا الأقباط”!
تأكيدا على تعليق الأخ مجدي خليل، لا يسعني إلا أن أقول لا أحد في حقيقة الأمر شوه التاريخ الاسلامي أكثر ممّا شوهه بابا الأقباط في عبارته تلك! ويبقى السؤال: هل تتوقعون أن يثني الأزهر يوما على موقف البابا هذا؟
طبعا لا…. فلو تعلق بابا الأقباط بحبال الكعبة سيظل نصرانيا كافرا!
…..
ويبقى السؤال: لماذا إذن هذا التملق؟؟ هل هو الخوف، أما خاصية الانصياع التي تلزم الفرد أن يخضع للأكثرية؟؟ وخصوصا في مجتمع قمعي كالمجتمع المصري؟؟؟ منذ أن فتح عمرو بن العاص مصر وحتى تاريخ اليوم والسنة في مصرون يطلقون على الأقباط وبكل وقاحة “اصحاب العظم الأزرق”  لماذا؟ لأنه بعد الغزو الاسلامي لمصر فرض الغازون الجدد على أهل البلاد الأصلين، ووفقا للعهدة العمرية، أن يلبسوا في رقابهم سلاسل ثقيلة تحمل صلبانا كبيرة لكي تميزهم عن المسلمين الغازين.
كانت تلك السلاسل تترك كدمات زرقاء حول رقبة المسيحي، نتيجة للضغط الشديد التي تحدثه على الجلد
بناءا على تلك الحقيقة المؤلمة، من يشوه التاريخ الاسلامي بابا الأقباط أم داعش؟؟؟
…….
كنت استمع مرة إلى مقابلة مع ابن أخ الموسيقار فريد الأطرش، وهو بالطبع من أبناء الطائفة الدرزية وسواء اعترف الأخوة الدروز أم لم يعترفوا جهرا، الدروز ليسوا مسلمين ولا يمتون بصلة للاسلام، أقولها من منطلق احترامي لهم. المهم في نهاية المقابلة، وقف السيد الأطرش وقال لمقدم البرنامج بدون أي مناسبة: دعني أنهي تلك المقابلة بقولي :أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (!!!!!!)
ما الذي دفعه إلى أن يقول ذلك؟؟؟ لا شيء، بل محاولة يائسة لتبني ثقافة القطيع كي يضمن أن يقبله هذا القطيع! لو كان في أي بلد يحترم حق الآخر في أن يؤمن بما يشاء لكان من المستحيل أن يقولها، إلا ـ اللهم ـ إذا غير دينه عن رضى وطواعية ودخل الدين الآخر.

يصلي بشار الاسد في جوامع السنة، واضعا يديه فوق بعضهما البعض على بطنه، وهي إشارة إن دلت على شيء فهي تدل وتبرهن على صحة ما أطرحه. أين الخلل لو وقف بشار الأسد في الجامع مسبلا يديه إلى طرفيه؟؟ لو فعل ذلك لأثبت أننا نعيش في بلد يحترم خصوصيات كل طائفة، ولكنها إشارة خفيّة على أننا نعيش في مجتمعات لا تقيم وزنا لأحد من أقلياتها.
والمضحك المبكي، هو بفعلته هذه هل قبلته تلك الأكثرية في حظيرتها؟ هل رحبت بانصياعه؟؟؟ طبعا لا…
فما زالت تلك الأكثرية تعتبر الحكم في سوريا “نصيّريا” ومسؤولا دون أي حكم سني آخر عمّا يحصل!!!
(ملاحظة: أنا لا اؤمن باله العلويين ـ ناهيك عن اله السنة ـ فلا تظن أنني أدافع عن صلاة العلويين، إنه مجرد تساؤل مستحق من قرون)
هذا من جهة ومن جهة اخرى، قام المقبور جميل الأسد إرضاءا لأسياده في طهران باغراق بعض القرى العلوية بالكثير من الجوامع، والسؤال: لماذا لم يخطر ببال الرئيس بشار أن يصلي يوما في أحد هذه الجوامع؟؟؟ علما، بأنني لم أر يوما حاكما سنيّا في اي بلد إسلامي آخر يصلي بين العامة في الجوامع بما فيهم حامي الحرمين “الشريفين”! فلماذا هذه المبالغة في تقديم براهين الولاء؟؟؟؟
…….
ألم أقل لكم إنه القمع الذي تمارسه علنا وخلسة ثقافة الأكثرية؟؟؟
*******************************
أعزائي القرّاء: للموضوع صلة، وسأتابع الطرح حتى تكتمل الفكرة… اشكر صبركم ومتابعتكم..

مواضيع ذات صلة: فقه الاغلبية والأقلية

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

المفهوم الكردي لمقوّمات الدولة المَدَنيّة الحديثة

تقترن الدولة في ذهنيّة الإنسان الكردي بالمَدَنيّة، ولذلك فإن هذه الذهنيّة تتردّد عن النَظَر إلى الكثير مِن دول الشرق الأوسط على أنّها مَدَنيّة، بل هي قرى بمساحات واسعة يعيش فيها قرويّون، و تم تقسيم هذه القرى إلى ضواحٍ تابعة لها تحت مسمّى المدينة، لكنّها في حقيقة بنيتِها هي جزء من القرية الكبيرة التي تتبع لها والتي سُمّيَت تجاوزاً بالدولة، كما تم اشتقاق اسم المدينة تجاوزاً لهذه الأجزاء. وقد أشرتُ بأن هذه الدول هي أشبه ببيت العنكبوت في روايتي (بيت العنكبوت) القاهرة 2000 وتوقّعتُ في هذه الرواية أن هذه الدول يمكن لها أن تختفي من العالم وفق عوامل ومستجدّات حديثة، وهي غير قادرة على مواجهة أقل عاصفة يمكن أن تهبّ عليها.

ذلك أنها لاتقبل بمفهوم القرية، وبذات الوقت تعجز أن تكون مَدَنيّة في مقوّمات الدولة المدنية الحديثة، فلبثَت متأرجحة كما لو أنها قائمة بشكل مؤقّت، ولذلك عندما هَبَّت عليها العواصف، لم تملك من أمرها سوى أن تَتَفَتّت، وما لم يَتفّتَت جغرافياً وبشرياً، تَفَتّتَ اقتصادياً وفكرياً وأخلاقياً، وهذا ما جَعَلَ المدن الحديثة في العالم تحيلها إلى غنيمة، فتتهافَت على خيراتها، وتؤجّج فيها النزاعات والنعرات القَبَليّة والطائفيّة، وقد استجاب سكّان هذه القرى الكبيرة لهذه النزاعات، باستثناء بعض مثقفّيها الذين لم يُسمَح لهم في كثير من الأحيان حتى أن يدينوا، حيث تعرضوا للاعتقالات، أو النفي، أو التضييق عليهم وما شابه، لكن بعض هذه الدول استطاعَ صوتُ الثقافة أن يحميها نسبياً، فكانت الخسارة أقل بكثير، مثل تونس التي لم يركب رئيسُها العِناد، بل أدرك الواقع فآثر الانسحاب، وقد جنّب ذلك تونس الكثير من الاستنزاف الذي كان يمكن أن يصيبها، كذلك مصر الذي اقتدى به رئيسُها، فكانَت النتيجة هي أقل ما يمكن من الخسائر التي كانَت ستقع فيما لو خَفتَ صوت الثقافة، ولذلك فإن ما حمى بعض هذه الدول العربية من كوارث مروعة كانت على شفا حفرة منها، هو الصوت الثقافي الذي تفاعَل مع الأحداث، واستطاع أن يجنّب البلاد ما وقع في أَخَواتها.

الدولة الكرديّــة المُفتَرَضة

أمام هذا الواقع، لم يفكّر الكرد بإقامة دولة، لأن عَوامل مَدَنيّة هذه الدولة لم تكن مُتاحة بسبب نسبة الأمية المتفشّية في المجتمع الكردي، مثله مثل باقي المجتمعات التي تعيش في ظهرانيه، فلبثَت فكرة هذه الدولة في الأعمال الروائية والقصصية والآداب التي أنتجها الروائيون والقصّاصون والأدباء الكرد، وهذه الأعمال الروائية كانت تنادي بعدم التنازل عن شروط المَدَنيّة الحديثة في أي تفكير نحو إقامة دولة كردية، لأن عدم وجود دولة، لهو خير من وجود دولة يتناحر أهلوها فيما بينهم، فكان أن تقدّم صوتُ الثقافة عالياً في المجتمعات الكرديّة، وبالفعل استطاع المجتمع الكردي أن يتقدّم خطوات هائلة بالاستناد إلى التنظيرات الثقافية التي وضَعها لهم المثقفّون الكرد، وكانَت النتيجة هذه القفزة الهائلة في تثقيف الشعب الكردي بحيث كادت نسبة الأميّة فيه أن تضمحل، وما كان إيجابياً هو تجاوب السياسيين والأحزاب الكردية مع أصوات المبدعين، وقد كنتُ شاهداً على ذلك في سورية، منذ سنة 1980 ورغم أن مجموعتي القصصية الأولى ( سيمفونية الصمت ) صَدَرَت في دمشق سنة 1989 إلاّ أنني وجدتُ هذا الاحتفاء الكبير بالأديب والأدب، ومع السنوات أصبح بإمكاني أن أقول بأن الشعب الكردي هو من أكثر شعوب المنطقة تقديراً، وأحياناً تقديساً لأدبائهم ومثقفيهم وفنانيهم، وقد شهدتُ المكتبات الثقافية الضخمة التي كان يمتلكها السياسيون في سورية وكذلك بعض القادة الكرد مثل عبد الله أوجلان الذي أذهلتني مكتبته الثقافية الضخمة عندما التقيته في معسكره في بيروت سنة 1991 وكان نَهم القراءة.
إذن، استطاع الأكراد أن يؤسّسوا لأرضيّة ثقافية يمكن لها أن تؤهّلهم للتقدّم بخطوات ثقافية ناضجة نحو الدولة الكردية، وهي دولة مستعادة، وليست دولة تتشكّل لأول مرة، فقيام الدولة الكردية، هو عمليّة عودة إلى الوراء، إلى ما كان سابقاً ، وليس إلى شيء جديد يقع لأول مرة، ولعلّ بعض المثقفين العرب يقعون في هذا الإشكال، وهو أنهم يرون بأنها دولة ستُجتزأ من دول مجاورة، وقد تبيّن لي ذلك من خلال بعض المؤتمرات التي شاركتُ فيها، أو بعض الجامعات التي ألقيتُ فيها بعض المحاضرات، في بعض دول الخليج، ومصر، وليبيا، ولبنان، والعراق، وسورية، وما إلى ذلك، وما أذكره أنني قلتُ للمفكر المصري جابر عصفور ذلك في إحدى اللقاءات، وعلمتُ بأنه لم يعلم شيئاً عن دولة كردية كانت قائمة، فأهديته نسخة من روايتي ( هولير حبيبتي ) التي فيها جزء من ذلك.
وليست التحوّلات التي وقعت في المنطقة هي التي جعلت الأكراد يسعون إلى هذه الدولة، أي هي ليست ردّة فعل، لأن ردّة الفعل ترتدّ إلى ما كانت عند انتهاء الأمر الطارئ، بل كما قلت أن الروائيين والأدباء والفنانين قد نظّروا ومهّدوا لهذه الدولة في أعمالهم، منذ سنوات طويلة، والآن أصبح الشعب الكردي الذي يتجاوز عدد سكانه الأربعين مليون نسمة، والذي غدا في سويّة ثقافية متقدّمة على كثير من شعوب المنطقة مؤهلاً لذلك . وهنا أذكر مقطعاً من رواية ( روهات ) التي صدرت سنة 2006 عن دار المنارة في دمشق، بيروت: (يمثل الأكراد المرتبة الثالثة بعدد السكان بين شعوب المنطقة , وهو من أقدم الشعوب في الشرقين الأوسط والأدنى القاطنة جنوب غرب آسيا , ومساحة أراضي كردستان تزيد عن مساحة ثلثي دول
العالم قاطبة , ومازال الأكراد يتشتتون في كل بقاع الأرض دون أن تكون لهم هوية , ودون أن تكون لهم لغة يعترف بها العالم .
بعد لحظات من صمت وهما ينظران إليه قال: أريد أن أوضح لكما بأن كلمة / الجهاد / مقترنة في عقيدة الإنسان الكردي بجهاد الحب , فهو يمكن أن يجاهد بنفسه في سبيل من يحب في الوقت الذي لايقبل فيه أن يؤذي أحدا مهما كان الهدف من ذلك . إنه كثير النسيان , وكثير التسامح من أجل أن يبقى منفتحا ومحبا ومتواصلا مع الآخرين بالتصاهر والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية . وأظن أن هذا الحب هو الذي جعله يساهم بفعالية في بناء الثقافة والحضارة الإنسانية).
وممّا جاء في رواية ( هو لير سدرة العشق ) وهي الجزء الثاني من رواية ( هولير حبيبتي ) التي صدرت في أربيل سنة 2014: (تتحوّل الجبال أمام ناظرَيه إلى امتدادات متداخلة مع بعضها البعض على مساحة 000 500 كم مربع من أراضي دولة الكرد القويمة، تزيّن صدرها سلسلة جبال زاكروس الذهبية، ثم تأتي جبال أرارات لتتلألأ على كتفيها كما لو أنها كواكب مضيئة، ويلف خصرها المياد حزام جبال طوروس المزركش، وعلى تفاحتَي الخدين تتورد إشراقة جبلَي قنديل، هوار، تحاذيهما شامة جبل ليون، ثم ينتصب جبل عفرين بشموخه ناثراً مسكه في الأرجاء.
بدأت الخارطة تجلو أمامه وهو يتخيّل أطماع الدول المجاورة التي بسطت نفوذ سلطتها إلى المساحات التي تمكنت منها وشيئاً فشيئاً أخذت تضمها إلى حدودها، وحتى تضمحل القومية الكردية وتنصهر، بدأت المحاولات لمنع الكردي الحديث بلغته، وحظر أي ممارسة من شأنها أن تشير سواء من قريب، أو من بعيد إلى هذه القومية المحظورة المحصورة بين دول أربع، لأن بقاء أي بقعة مجاورة لدولة دون بسط سيطرتها، تكون بمثابة نقطة انطلاقة للكرد من أجل استعادة بقية البقاع .

لفت نظره أن مساحة بلاد الكرد الغنية بالثروات كانت خلف كل تلك الأطماع التي اشتركت فيها دول الجهات الأربع، ولو كانت عبارة عن جبال جرداء، وصحراء خالية لما دنا منها أحد.

أخذ يواصل سيره بتمهّل في منعرجات الطرق وهو يتأمل اغتناء أراضي الكرد بمصادر المياه الوفيرة التي تنعش فيها مقومات لثروات طبيعية، حيث يمتدّ نهر آراس، وهو يجري الهوينى من إقليم بينجو على طول 920 كم ليتكلل في مصب بحر قزوين .
من جانبه يشمخ نهر دجلة بعراقته، وهو ينبع من بحيرة جولجوك، التي تستريح في ضفة طوروس تحت إطلالة المنحى الشمالي لديار بكر، ليواصل مجراه حتى يستقبله مصب خليج بلاد العرب.
وتجد ديار الكرد حصة ثمينة لها في عذوبة نهر الفرات، فينبع فرعه (قراصو) في دوملوتبة على شرفة شمال أرجروم، إلى جانب نبع فرعه (نهر مراد) من ألاداغ المسترخية بين بحيرة (أوان) وخصوبة جبال آغري، ثم يتعانق الفرعان بشوق شمال مدينة (ألازيغ) ليشكّلا نهر الفرات، الذي ما يتوانى أن يخترق المساحات العراقية السورية حتى يجد له في خليج العرب صبابة.

إلى جانب ذلك يطل نهر قيزيل أوزان الجميل نابعاً من دوحة جنوب غرب مدينة ديوان درة في أيلن، ويضخ مياهه إلى إقليمَي زبخان، وميانة، ومن هناك إلى جنوب مدينة رشت ليصب في بحر قزوين.
ثم يأتي الزاب الكبير ، إلى جانب أخيه الزاب الصغير، ليصبا معاً في نهر دجلة .
مياه عزيرة،
جبال عالية،
خضرة وفيرة .
أحس بنشوة انشراح الصدر وهو يتخيّل كيف أن الكردي يستفيق في الصباح الباكر ليبذل قصارى جهده وهو يقوم بفلاحة وزراعة جباله، ويملأها خضرة حتى لايقول قائل : جاعت دابة ، أو جاع طير في كردستان).

الدولة الحديثة التي ينشدها الأكراد

بطبيعة الحال فإن الرواية هي من أكثر الأجناس الأدبية التي تعرّف الشعوب على بعضها البعض، ومن خلال الرواية استطعنا أن نتعرّف على الكثير من مزيا وخصائص الشعوب، وكثير من المجتمعات استطاعت أن تتعرّف على بنية المجتمع الكردي من خلال الأعمال الروائية. في رواية ( هو لير سدرة العشق ) يمكن أن نتعرّف على مفهوم الشعب الكردي لمقوّمات الدولة الحديثة من خلال المقطع التالي:
(في إحدى اجتماعاتها دعت جماعة الرئاسة بعض أهل الأدب, والفكر, والدين, والفن, وقالت بأنها تحتاج إلى مساندتهم لها لأنهم الأكثر تغلغلاً وتحليلاً وتفكيكاً لبنية المجتمع, إنهم المشكاة التي تنظر الجماعة من خلالها إلى المجتمع كي تراه بشكل جيد.

عندما تم اللقاء، اقترح هؤلاء على الجماعة الاستئناس بالكفاءات المحلية, ولا تكتفي بذلك، بل تمتد وتتسع لتستعين بخبرات أهل العقل والمشورة والكفاءة في سائر أنحاء العالم، واقترح البعض أن يوجّه مجلس الجماعة باسم البلاد دعوة رسمية إلى جميع الأحياء الحاصلين والحاصلات على جائزة نوبل في مختلف فروعها كي يمضوا أسبوعا في البلاد ويقدموا ما لديهم من تصورات وأفكار ورؤى.

إضافة إلى ذلك تُوجّه دعوات إلى كبار الشخصيات الناضجة التي شغلت مناصب كبرى وهامة في مراحل سابقة وتتمتع بخبرات هائلة وتعد مراجع سياسية في العالم, إلى جانب أهل الأدب والفن والفكر والإعلام وقمم النوابغ للاستنارة بمشوراتهم، كما يتم العمل بشكل ممنهج على تقديم ميزات ومغريات هامة من أجل استقطاب النوابغ، وأهل الميزة من مختلف الحقول والمجالات الإنسانية للإقامة في ربوع البلاد ومنحها الجنسية.

اتفقت جماعة الرئاسة على هذه المقترحات, فتكاثفت الدعوات والزيارات المتبادلة بينها وبين أهل الحكمة والعقل والإدارة في العالم بشكل متواصل دام ستة شهور.
بعد ذلك اجتمعت الجماعة في لقاء مباشر عبر القناة المحلية بحضور بعض المواطنين وقالت بأنها انتهت إلى وضع اللمسات الأخيرة حول شخصية الرئيس المقبل للبلاد آخذة بالاعتبار ما استنارت به من مقترحات وآراء وتحليلات كل الذين اجتمعت بهم لهذا الغرض.

قال أحد الأعضاء: أيها المواطنون الأعزاء, رأينا أن يتمتع رئيس بلادنا في المرحلة المقبلة بصحة جيدة
قال عضو آخر: أن يتمتع بعقل سليم
قال عضو آخر: أن يتمتع بعينين سليمتين
قال عضو آخر: أن يتمتع بنزعة إنسانية
قال عضو آخر: أن تكون له مواقف مستقيمة مشهود لها في مجتمعه
أضاف عضو آخر: أن يكون ناجحا في علاقته الزوجية
أضاف عضو آخر: أن يكون مربياً جيداً لأولاده
أضاف عضو آخر: أن يكون على علاقة سوية مع أقربائه
أضاف عضو آخر: أن يكون بسيرة حسنة بين جواره
أضاف عضو آخر: ألا تكون له خصومات في مجتمعه

قال عضو: أن يكون قد قرأ ما لا يقل عن مائتي كتاب من عيون الآداب العالمية في الرواية, والقصة, والشعر, والمسرح، يقدم أسماء هذه الكتب ووجهة نظره عن مضامينها
آضاف عضو آخر: أن يكون قد قرأ الكتب السماوية بشكل جيد
أضاف عضو آخر: أن يكون قد استمع إلى مائة سيمفونية موسيقية
أضاف عضو آخر: أن يكون حافظاً لمائة أغنية
أضاف عضو آخر: أن يكون حافظا لأسماء مائة شخصية تراثية تركت أثرا في
نهوض المجتمع الإنساني
أضاف عضو آخر: أن يكون حافظا لأسماء مائة شخصية حية في بلاده مشهود لها
بالنبوغ الأدبي , والفكري, والفني

أضاف عضو آخر: أن يكون على إلمام برقصات فلكلور بلاده

نهض عضو آخر وقال: لن نخفي شيئاً, لأن لا شيء يحق لنا أن نخفيه عنكم, عندما نجيز لأنفسنا أن نخفي عنكم أشياء, فعلينا أن نجيز لكم أيضا كي تخفوا عنا أشياء.
لا سند لنا غيركم, ولا سند لكم غيرنا ما دمتم ارتضيتم بنا أمناء, وما دمنا قبلنا تولي الأمانة.
قال عضو آخر: يكون ذلك بموجب اختبار يدوم ثلاثة أيام متتالية، تجريه جماعة
الرئاسة بكامل أعضائها، ثم تستأنس بآراء وتقييمات وتحليلات اللجنة التي قمنا بتشكيلها وهي مؤلفة من عباقرة ونوابغ العالم التي وافقت على تقديم المشورة لنا،عندما نضع بين أياديها نتائج ما توصلنا إليه بالنسبة للشخص الذي أجرينا الاختبار له, ثم بعد ذلك ننتهي إلى تقديم تقييمنا وتوصيتنا ووجهة نظرنا المجتمعة النهائية عن هذا الشخص، فيكون لكم القرار النهائي في ما ترونه مناسبا عن هذا الشخص الذي تم الإجماع عليه ليكون رئيسا رسميا لبلادنا, وحارسا أمينا على ديارنا, نسلّمه مفاتيح أبواب بلادنا.

قال عضو آخر: إن بلادنا عروس جميلة, تستحق أن يُعقد قرانُها على عريس كفؤ
بها
قال عضو آخر: سوف نشهد جميعاً اليوم المشهود التاريخي ذاك
قال عضو آخر: سوف ندبك جميعا
قال عضو آخر: سوف نغني جميعا
قال عضو آخر: سوف نصفق جميعا

عندئذ قام الجميع وغدوا يصفقون وهم ينشدون نشيد الوطن، والكاميرات تتسلط على الدموع التي أخذت تنهمر من مقلهم, متدحرجة على خدودهم كحبات لؤلؤ).

عن موقع ميدل ايست أونلاين البريطاني
http://www.middle-east-online.com/?id=256116

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment