ميليشيات إيران هي الخطر

التقرير المثير الذي حققه جوش ماير ونشره موقع ««بوليتيكو» الأميركي المرموق، عن «حزب الله»، يسلط الضوء على حجم الأوهام التي يمكن أن يحملها حتى من هم في أعلى الهرم الأمني والسياسي الأميركي.
خلاصة التحقيق المطول، أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، مدفوعة برغبته في الحوار مع إيران والتفاوض حول برنامجها النووي، قيدت الكثير من الجهود الرامية إلى مواجهة «حزب الله»، وتعطيل قواه، وأبرز هذه الجهود «مشروع كاساندرا».
انطلق المشروع عام 2008، بإشراف «إدارة مكافحة المخدرات» العاملة تحت وصاية وزارة العدل الأميركية، بعد أن راكمت أدلة على تحول «حزب الله» من منظمة عسكرية وسياسية تركز على الشرق الأوسط إلى عصابة دولية للجريمة يعتقد بعض المحققين أنها تجمع مليار دولار سنوياً من الاتجار بالمخدرات والأسلحة وغسل الأموال، وغير ذلك من الأنشطة الإجرامية. اصطدم هذا البرنامج كما غيره بخيارات أوباما الشرق أوسطية، وحرصه الكبير على عدم تعكير الحوار مع طهران، بعروض جانبية حتى لو كانت نتيجتها تدمير البنية التحتية البشرية والشبكية التي يستثمرها «حزب الله» في أنشطته.
ولأن «الموظفين هم السياسة»، بحسب العبارة التي راجت في أيام الرئيس الأسبق رونالد ريغان، يعرج جوش ماير على أركان إدارة أوباما ومواقفها من «حزب الله»، كاشفاً حجم الأوهام والرهانات وسياقات التفكير الرغبوي في مقاربة واحد من أخطر التنظيمات في الشرق الأوسط والعالم.
فالرجل الذي سيصبح كبير مستشاري أوباما لشؤون مكافحة الإرهاب وبعدها مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، كان دعا في ورقة توصية سياسية أعدها، إلى أن «يكون للرئيس المقبل الفرصة لإقامة مسار جديد للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة، ليس فقط من خلال حوار مباشر، بل عبر استيعابٍ أكبر لـ(حزب الله) في النظام السياسي في لبنان». وخلال فترة ولايته مساعداً للرئيس لشؤون الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، قال برينان إن الإدارة الأميركية تبحث في السبل الآيلة لبناء عناصر معتدلة داخل «حزب الله»، واصفاً إياه بالمنظمة المثيرة للاهتمام والتي تطورت من منظمة إرهابية صافية إلى ميليشيا وفيما بعد صارت حزباً سياسياً يدفع بممثلين له إلى الندوة البرلمانية والحكومة اللبنانية.
لا يفضح هذا المنطق فقط، العمى السياسي الذي أصاب واشنطن خلال ولايتي أوباما، نتيجة الإصرار على أولوية نجاح التفاوض النووي، بل يكشف عن حسن الاستثمار الإيراني في سذاجة البيت الأبيض، وكفاية نظام الملالي في لعب الورقة النووية والصاروخية لتشتيت انتباه العالم عن النشاط الأخطر لإيران وهو رعاية الميليشيات ونشرها في طول العالم العربي وعرضه.
ليس السلاح النووي هو سبب النفوذ الإيراني في الإقليم، بل عملية الاستنساخ المبرمجة التي تقوم بها طهران لابتكار ميليشيات على غرار «حزب الله»، تجعلها رديفاً للدولة قبل أن تدخل الاثنتان في شراكات غامضة، أي تماماً كما انزلق برينان للتفكير فيه والتنظير له.
في العراق وبعد فتوى السيد السيستاني بوجوب «الجهاد الكفائي» إثر سقوط الموصل عام 2014 ودعوته للتطوع في الجيش العراقي والقوى الأمنية العراقية، قفزت إيران على ظهر الفتوى للقيام بأكبر عملية توسعة لبنيتها الميليشياوية، وما بات يعرف اليوم بـ«الحشد الولائي» ضمن «الحشد الشعبي»، أي الميليشيات الشيعية التي تدين بالولاء للولي الفقيه، وليس للدولة العراقية كما يقول أنصار السيستاني إنه مقصده من الفتوى.
وفي اليمن تسعى إيران، من أصغر التفاصيل إلى أكبرها، إلى إعادة تدوير ميليشيا الحوثي وصقلها على هيئة «حزب الله»، وتزويدها بالخطاب السياسي والعقائدي والتعبوي والدعم الميداني، لتحقيق أكبر قدر من ابتذال الدولة اليمنية الضعيفة، وأعمق اختلال في التوازن بين الحوثي والدولة لصالح الحوثي بطبيعة الحال.
ليست مساهمة «حزب الله»، بوصفه أم الميليشيات الإيرانية، بسيطة في هذا السياق، وقد عبر الأمين العام لـ«حزب الله» مراراً عن الدعم الميداني المباشر الذي تقدمه ميليشياه للعراقيين واليمنيين وحماس (ضد منظمة التحرير) وغيرهم. وهو لوح مرة بأن تكرار التجربة وارد ومقدور عليه في مملكة البحرين حين يتوفر القرار السياسي الإيراني في هذا الاتجاه.
لا يقل وهماً عن هذا، التركيز على البعد السياسي الاجتماعي لـ«حزب الله» وأنشطته المرتبطة في البيئة الشيعية اللبنانية أو البيئات الأخرى. فحزب الله ليس حزباً سياسياً بمعنى امتلاكه مشروعاً سياسياً؛ بل هو تنظيم أمني، كان وسيبقى، يتوسل السياسة لخدمة أهدافه الأمنية والعسكرية تحت عنوان «الجهاد»، ويستثمر في القوة السياسية لتطويع بيئته ونخبها وتطويع البيئات الموازية إما عبر تهديد مصالحها في أوقات الاشتباك؛ أو تسهيل هذه المصالح إن أحسنت الخضوع.
فأكبر استثمارات «حزب الله» ليست مركزة في برامج الرعاية الاجتماعية بقدر ما هي مركزة على تطوير بنيته العسكرية والأمنية والوقائية. وأبرز نخبه ليسوا النخب السياسية؛ بل النخب العسكرية والأمنية، وأبرز قادته هم أمنيوه وعسكريوه، وأبرز قتلاه هم أمنيوه وعسكريوه.
ليس البرنامج النووي هو ما ينبغي أن يثير انتباه العالم، ولا حتى البرنامج الصاروخي. فالصواريخ لا تنطلق من نفسها؛ بل ثمة من يطلقها. ومن يطلقها هي ميليشيات تزرعها وترعاها إيران بكل عناية. هنا المحك.

* نقلاً عن “الشرق الأوسط”

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الاستماتة القطرية والإخوان المسلمون

سلمان الدوسري: اعلامي سعودي، رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط»

هذه المرة جاءت الأنباء من بروكسل، فالمساهمة القطرية في دعم الإرهاب والمؤسسات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين كانت حاضرة في بلجيكا، بعدما احتضن برلمانها مؤتمراً مخصصاً لذلك، قدم فيه المحقق الدولي والخبير الاستخباراتي الأميركي، ستيفين ميرلي، عرضاً وتحقيقاً حول دعم قطر عبر جمعية قطر الخيرية للجماعات المتشددة، وخصوصاً «الإخوان» في بلجيكا. وقال: «قطر ومن خلال جمعية
Qatar Charity
قدمت خلال 5 سنوات أكثر من 140 مليون يورو لجمعيات ومؤسسات تابعة لجماعة الإخوان»، مضيفاً: «قطر تدعم عدداً كبيراً من النشاطات والمؤسسات التابعة لتلك الجماعات». بالطبع ما هذا الخبر إلا واحد من عشرات مثله تتوالى، وكلما سعت الدوحة لإبعاد تهمة دعم الإرهاب وارتباطها بـ«الإخوان»، ظهرت أدلة ووقائع جديدة تؤكد أنها تفعل ذلك، ولم تعد هذه الاتهامات من الدول الأربع فحسب كما تزعم الدوحة، وإنما هناك أدلة تستعرضها برلمانات وجماعات ضغط سياسي وأحزاب وتشير إليها حكومات غربية في تقاريرها، وهنا أزمة قطر ليست فقط في أنها تمثل الحاضنة الرئيسية لـ«الإخوان» في العالم؛ أزمتها الحقيقية أنها تناقض نفسها بنفسها دون أن تدري، بينما العالم كله يدري، فمن جهة تنفي نفياً قطعياً أي علاقة أو ارتباط مع «الجماعة»، حيث تقول الحكومة: «لا توجد بيننا وبينها (الجماعة) أي علاقة»، وفي الوقت نفسه تواصل الدعم لها بشكل مفضوح ومكشوف، وهو ما يثبت اتهامات الدول المقاطعة لها بأنها تستخدم الإخوان وسيلة لتنفيذ مخططاتها التآمرية، وإلا ما الذي يجعل الدوحة تغامر بكل محيطها وتواصل مكابرتها وتضحي بمصالحها من أجل الاستمرار في علاقات مريبة؟!
أبسط مبادئ العلوم السياسية تقول إن الدول تتخذ قراراتها بناء على مصالحها ولاعتبارات المكاسب أو الخسائر، وهنا فإن الدوحة تضع الإخوان المسلمين في كفة ومصالحها مع أربع دول شقيقة وجارة في كفة أخرى، وهو ما يشير إلى أن النظام القطري عاجز عملياً عن الانفكاك من هذا الارتباط العضوي، بل إن الدوحة تخشى أنها في حال تبرأت من الجماعة، فعلاً لا قولاً، تُفتح عليها أبواب جهنم بكشف أسرار مخفية بالغة الضرر لبنية النظام، وهو ما يدفع قطر للاستمرار بالهروب للأمام في الحفاظ على استمرار الدعم والارتباط بـ«الإخوان» أكثر من أي وقت سابق، وبالتالي الإصرار على مواجهة الجميع من أجل علاقتها المريبة مع حزب أو تنظيم تعتبره كثير من الدول تنظيماً إرهابياً.
حالياً، يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين في أضعف مراحلها. تتبرأ منها الأحزاب السياسية التي كانت قريبة منها، وتلفظها الحكومات التي سمحت لها بالمشاركة جزئياً معها، والأهم كشَفها الشارع العربي الذي انخدع بها لفترة وجيزة إبان وصول الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، بينما قطر هي الوحيدة المصرة على مواصلة الارتباط والدعم للجماعة، حتى تركيا شريك الدوحة في احتضان الجماعة، تفعل ذلك بحذر، تجعل الدعم المادي يأتي من حليفتها قطر، وتكتفي باستضافة رموز الجماعة وأعضائها.
الاستماتة القطرية في علاقتها ودعمها واحتضانها لـ«الإخوان» المسلمين، رغم كل الخسائر المهولة التي تتعرض لها، تكشف عن أن بنية النظام القطري قامت على علاقات متشابكة ومعقدة مع هذا التنظيم، والأكيد أنه، بعض تفاصيلها قد تكون مدمرة للسلطة القطرية لو كشف عنها، وهو بالطبع ما لا ترغب فيه الدوحة وستدافع عنه «حتى الموت». .. المصدر الشرق الاوسط

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

هل اخترع تشارلز ديكنز عيد الميلاد؟

بقلم رياض عصمت/
لعل شهرة الأديب البريطاني تشارلز ديكنز تلي في الأهمية مباشرة شهرة وليم شكسبير، لكن كثيرين لا يعرفون أن حياة هذا الأديب الذي صور بإتقان مذهل عالم اليتامى والمحرومين حفلت بالرغم من الازدهار والنجاح الظاهريين بكبوات مادية وعاطفية مريعة. هناك أديبات وأدباء في العالم تفوقوا برواية واحدة مشهورة وحسب، أما تشارلز ديكنز فكان غزير الإنتاج بحيث اشتهر بعدة روايات خالدة ترجمت إلى مختلف لغات العالم، وظلت خالدة في القرن الحادي والعشرين بين الكتب الأكثر مبيعا وتداولا وقراءة. بذلك، يعتبر ديكنز عن جدارة تامة قرين فكتور هوغو عند الفرنسيين، وفيودور دوستويفسكي عند الروس. نذكر من أعمال ديكنز التي جلبت له شهرة فائقة على طرفي المحيط الأطلسي خاصة: “أوليفر تويست”، “قصة مدينتين”، “الإرث العظيم”، “ديفيد كوبرفيلد”، “أوراق بيكويك”، “نيكولاس نيكلبي” و”ترنيمة عيد الميلاد”.
سبق أن عرفت صديقا أميركيا دأب طوال سنوات عديدة على جمع أفراد أسرته وبعض أصدقائه المقربين في فترة عيد الميلاد ليقرأ عليهم رواية ديكنز “ترنيمة عيد الميلاد” عن الثري البخيل المدعو سكروج، والذي يحوم حوله شبح شريكه الراحل مارلي ويقوده إلى فعل الخير قبل أن يداهمه الموت، فينقذ حياة ابن موظف يعمل عنده. لا شك أن هذه الرواية الأخلاقية/ الإنسانية تركت أثرا عميقا في الوجدان الاجتماعي. الجدير بالذكر، لا يمضي عيد الميلاد إلا وتعرض “ترنيمة عيد الميلاد” على بعض مسارح الولايات المتحدة الأميركية. يحتفي مسرح “غودمان” في شيكاغو بإحيائها، لكن فرقا عديدة أخرى في مختلف أرجاء الولايات المتحدة وبريطانيا تقدم المسرحية المقتبسة عنها بأشكال عديدة. ليست جاذبية هذه الرواية للمسرحة استثنائية بين أعمال ديكنز، فروايته “أوليفر تويست” اشتهرت بتحويلها إلى ميوزيكال “أوليفر” ذائع الصيت، وروايته “نيكولاس نيكلبي” اقتبستها مسرحياً “فرقة شكسبير الملكية” في القرن العشرين، وكذلك رواية “الإرث العظيم” (التي نشرت باللغة العربية تحت اسم “الآمال الكبيرة”) قدمت بأكثر من إعداد مسرحي. أما سينمائياً، فتعتبر روايات تشارلز ديكنز من أكثر الأعمال الأدبية إلهاماً لكتاب السيناريو والمخرجين، بحيث أنتجت من رواياته الشهيرة عدة أفلام، حصد عديد منها نجاحاً فائقاً، من إبداعات ديفيد لين إلى روبرت زيميكس.
أنتجت “ترنيمة عيد الميلاد” سينمائيا خمس مرات من قبل، إلى أن ظهر فيلم “الرجل الذي اخترع عيد الميلاد” (2017)، وذلك نقلا عن كتاب ألفه كاتب يدعى لِس ستانديفورد، حولته إلى سيناريو الكاتبة سوزان كويين، وأخرجه المخرج الهندي بهارات نالوري. يتناول هذا الفيلم الإيحاءات الحياتية التي ألهمت ديكنز حبكة روايته الأقصر قاطبة. أما أشهر فيلمين سابقين عن رواية ديكنز هذه، فأولهما أنتج في عام 1984، ولعب بطولته جورج سكوت وفرانك فينلي، والآخر أنتج في عام 2009 ولعب بطولته جيم كاري، غاري أولدمان وكولن فارث. أما فيلم “الرجل الذي اخترع عيد الميلاد” (2017) ففيلم مبتكر يضفي أبعادا جديدة إلى الحكاية الأصلية، ولربما صح أن نسميه “ما وراء الحكاية الأصلية”. يقدم الفيلم الفن البريطاني بمستواه الراقي، خاصة وأن معظم أبطاله ممثلون مخضرمون جاؤوا من المسرح الشكسبيري، وفي طليعتهم كريستوفر بلومر (87 عاما) وهو النجم الذي عرفه العالم شابا في فيلم “صوت الموسيقى” (يلعب دور سكروج)، جوناثان برايس (يلعب دور والد ديكنز،) سايمون كالو (يلعب دور الرسام)، وأخيرا وليس آخرا الممثل دان ستيفنز (الذي أدى بحيوية وإتقان شخصية تشارلز ديكنز). نضيف إلى هؤلاء ممثلين سينمائيين وتلفزيونيين، وليسوا مسرحيين، مثل جوستين إدواردز (لعب دور فوستر، صديق ديكنز المقرب)، والممثلة مورفيد كلارك (لعبت دور زوجة ديكنز). تميز الفيلم أيضا بتصويره البديع من قبل بن سميثهارد، وموسيقا ميكيل دانا.
يفتتح الفيلم بديكنز وهو في أوج انطلاقته يظهر على خشبة مسرح في الولايات المتحدة عام 1842، ليستقبله جمهور حاشد بحماسة منقطعة النظير، وخلفه يبدأ استعراض باذخ مستوحى من روايته ذات الشهرة الكاسحة “أوليفر تويست”. لكن ذلك المشهد يتضمن سخرية لاذعة من تحويل الأدب إلى تجارة.سرعان ما يلي ذلك رؤيتنا لتشارلز ديكنز في لندن وهو يواجه مع زوجته وأطفاله الصغار خطر الإفلاس، ويعاني من استغلال وتقتير الناشرين، ويضطر للاستدانة من صديق مخلص ومقرب لأن النجاح يجانب بضعة أعمال أدبية له آنذاك، ثم يصاب ديكنز بتلك اللعنة التي تصيب كثيرا من مشاهير الكتاب وهي لعنة “جمود منابع الإلهام” بحيث يعجز عن كتابة عمل جديد. هنا، ونتيجة الحاجة المادية، يحاول ديكنز أن ينال عقدا مسبقا مع ناشر عن رواية حول عيد الميلاد، رغم أن فكرتها ما تزال غامضة في ذهنه. كان عيد الميلاد آنذاك – كما يذكر الفيلم – عيدا مغمورا في بريطانيا، لكن خيال ديكنز يجسد له عدة شخصيات توحي له بتفاصيل روايته الرائعة “ترنيمة عيد الميلاد”، التي أنجزها في العام 1843. أول تلك الشخصيات نادل في مطعم فاخر يوحي له بشخصية البخيل سكروج، ويظهر له كطيف ليتجادل الاثنان بشكل يودي بديكنز لإعادة صياغة ختام روايته. ثاني شخصية تظهر في واقع ديكنز هو محام بخيل منفر المظهر والسلوك يوحي له بشخصية شريك البخيل المتوفى الذي يتراءى شبحه لسكروج ويقض مضجعه. أما ثالث إلهام فيأتي من شخصية حقيقية تعيش ضمن واقع ديكنز الحياتي، وهي مراهقة آيرلندية تسلي أطفاله الصغار بحكاياتها، وهي تصر على ديكنز بعفوية وبراءة حين يستشيرها في أن يحوِّل سكروج في نهاية روايته إلى إنسان رحيم ينقذ حياة طفل مريض. هناك شخصيات ثانوية عديدة أخرى يستلهمها ديكنز ممن يقابلهم في حياة لندن العامة من شخصيات، ومما يشاهد بأم عينيه في شوارعها من بؤس وفاقة وحرمان، وأيضا من تكبر وصلف. لكن حياة لندن ليست أرستقراطية بالكامل، فهناك مسرح العرائس، وهناك البارات الشعبية. هناك شخصيات عديدة تظهر لديكنز خلال الفيلم كأطياف أو كأشباح، وهي في الحقيقة من نسخ خياله. في الواقع، يمزج مخرج الفيلم بمهارة بين الواقع والخيال، فيمتعنا ويشوقنا في آن معا. هكذا، نرى ديكنز في أحد المشاهد يذهب مناشدا أحد مشاهير الرسامين أن يرسم صورا كي ترافق طبعة كتابه الأولى، لكنه لا يتوانى في مشهد آخر أن يجادله معترضا على شكل الشبح، ويطلب منه إعادة رسمه ليكون شبحا طيبا وسمح الملامح بحيث يعبر عن روح عيد الميلاد. كما نرى مشهدا خياليا برمته حين ينزل ديكنز شخصية سكروج داخل قبر محفور تضغط جدرانه عليه لتسحقه وتدفنه حيا، لكنه سكروج يناشده كي يمنحه فرصة أخرى، فيفعل. هكذا، يقوم سكروج بفعل يتناقض مع كل سلوكه الأناني السابق، ونرى روح الرحمة الإنسانية تغير حتى أسوأ البشر طباعا، وتحوله إلى فاعل خير نبيل. بقي أن ننوه ببراعة الحوار الرشيق والأنيق للفيلم، والذي تتميز به السينما البريطانية. لا شك أن تشارلز ديكنز بإبداعه رواية الأشباح “ترنيمة عيد الميلاد” أعطى عيد الميلاد زخما هائلا في المجتمعات الأنغلوساكسونية، بحيث أطلق على الفيلم بحق عنوان “الرجل الذي اخترع عيد الميلاد”.
شبكة الشرق الأوسط للإرسال

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

شاهد هل ينجح “السلام الروسي” لسوريا؟

شاهد هل ينجح “السلام الروسي” لسوريا؟

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

مطالب فاسدة، تُعاود اقتحام المصالحة الفلسطينية !

بعد أكثر من شهرين من توقيع اتفاق المصالحة، بين حركتي فتح وحماس، والذي تمّ رسمه برعاية مصرية، وبعد فترة وجيزة من إعلان حكومة التوافق الفلسطينية، بأنها قبضت بالكامل تقريباً، على جميع مفاصل الإدارة داخل قطاع غزة، بحيث سرت القوانين والإجراءات كما الحال في الضفة الغربية، تفاجئنا مرّة أخرى، بأن المصالحة تمر بمرحلة خطِرة، ما جعل الكل يشعر برعشة قابضة، تدحره إلى دائرة التشاؤم، بعد أن شمّر الفلسطينيون ككل، للاحتفال بقطف الثمار، التي تخيّلوها قريبة من أفواههم.
(مشروع المصالحة ينهار، وعلى الجميع التدخل لإنقاذه، ومن يرى غير ذلك، فهو أعمى)، هذا التصريح ورد على لسان رئيس حركة حماس “يحيى السنوار”، والذي أدلى به كما يبدو، بعد الارتطام بالعُقد الكأداء، التي تحول دون إتمام المشروع، والتي على رأسها سلاح المقاومة والأنفاق، فضلاً عن تضارب تقييم السلطة الفلسطينية لمسألة التمكين، التي تطالب بها من حماس، حيث بلغت نسبتها بادئ الأمر 5%، ثم 80- 90%، ثم عادت فجأة، لتهوي إلى الصفر%، كما أعلن موفد فتح “عزام الأحمد” حتى برغم التصريح التالي لـ”السنوار” نفسه، من أن حركته، لن تعود إلى حكم القطاع مرّةً أخرى.
منذ البداية، طلبت مصر، من الرئيس الفلسطيني “أبومازن”، باعتبارها الراعية لمشروع المصالحة، بعدم إدراج سلاح المقاومة في المناقشات، باعتبار أن الخوض فيه، غير ممكن، قبل إنجاز جميع ملفات المصالحة والانقسام، وإجراء الانتخابات، والحل السياسي للقضية الفلسطينية.
في حينها، حاول “أبومازن” الابتعاد قليلاً عن التشبّث بهذه القضية برغم أولويتها لديه، وذلك درءاً لإغضاب المصريين من ناحية، ولترغيب حماس بالمصالحة أكثر فأكثر من ناحيةٍ أخرى، ولو أنه لم يكن لينسَ خلال أي مناسبة، من ضرورة إخضاع السلاح للسلطة الفلسطينية، باعتبارها هي بمفردها التي تقرر بشأنه، فيما إذا كان لازماً للمقاومة أو موقوفاً للتصفية.
تصريح “ماجد فرج” وأثناء زيارته إلى القطاع، وخلال لقائه بـ “السنوار”، أسقط في قلوب الفلسطينيين، وعلى اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، بعضاً من الطمأنينة، بشأن دفع المصالحة إلى الأمام، حيث أكّد أمام مُضيّفه، بأن سلاح المقاومة، هو سلاح الشعب الفلسطيني، ما لم تقم الدولة الفلسطينية، وعند ذلك سيكون هذا السلاح هو سلاح الجيش الوطني الفلسطيني، التابع للدولة الفلسطينية المستقلة.
كما يبدو الآن، فإن السلطة الفلسطينية، تجاهلت الكل، حيث بدت في عجلة من أمرها، وأكثر من أي وقتٍ مضى، بشأن المطالبة بإنهاء قضية السلاح، لأنه في نظرها، بدون حلها حلاً جذرياً وبما يتواءم مع استراتيجيتها، وسواء المعتمدة للداخل، أو المعلنة للخارج، سيكون عليها من الصعب القبول بها كأمر واقع.
فبالإضافة إلى اعتبارها، بأن الفراغ منها، يُعدّ استكمالاً لمتطلّبات المصالحة، إذ يمكن لكل شخص الجزم، بأن التمكين الذي عبّرت عنه حكومة التوافق، بأنه غير موجود، حتى برغم بروز أغلبية لا تزال تقول، بأنه ليس مفروضاً أن تكون هذه القضية، سبباً في انهيار المصالحة، فإن مطالبتها على هذه الصورة، ترجع إلى فكرة بسط سيادتها الكليّة أولاً، وتماشياً مع متطلّبات العملية السياسية تانياً، حتى برغم الفوضى والتشويش الكبيرين، اللذين فرضتهما كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد قرار القدس كعاصمة لدولة إسرائيل.
.في حماس يؤسسون إيمانهم، على أن حركتهم، بذلت ما بوسعها من أجل إنهاء الانقسام، وأن على حركة فتح أن تقول بالواقع، وتعترف به بوضوح، وعدم تنكّرها لما قد وافقت عليه مسبقاً، بدل مجاهدتها بإسقاط مطالب فاسدة، والتي من شأنها أن تدفع بالمصالحة إلى الهاوية.
يمكن القول، بأن الهدف السياسي الأعلى للحركتين، هو الحفاظ على المبادئ – الجافّة-، التي تتمترسان خلفها، والتي تعتمد في أصولها، على المحاولة في تغيير ميزان القوى، على أمل تحقيقه باتجاه الحركة الأخرى، خلال فترات لاحقة، وذلك عن طريق عرض مطالب متبادلة، غير قابلة للبيع أو المقايضة، وحتى في حال تحكّمت الظروف، أو جارت الأيام.
خانيونس/فلسطين
23/12/2017

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية | Leave a comment

إسرائيل تداوي قلب رضيع سوري بينما المجرم بشار الاسد يبيدهم

صورة ارشيفية

نشر موقع “إسرائيل تتكلم بالعربية” في الفيسبوك, نبأوصول رضيع سوري الى إسرائيل من مخيم للاجئين في قبرص مصاب بمرض عضال في قلبه من اجل العلاج المتطور في المشافي الإسرائيلية, وجاء في البوست ما يلي: “تم نقل رضيع سوري لاجيء يعيش في قبرص إلى مركز شيبا الطبى فى اسرائيل من أجل إجراء جراحة عاجلة لإنقاذ حياته من مرض عضال في القلب.
وقامت الخارجية الإسرائيلية وبالتعاون مع قوات الأمن ونظام مراقبة الحدود في مطار بن جوريون بالتواصل مع وزير الداخلية آريه درعي الذي سمح بدخول الرضيع وأبيه إلى إسرائيل. وتم نقل الطفل الى المستشفى فى وحدة العناية المركزة للأطفال بالمستشفى الاسرائيلى تمهيدا لإجراء الجراحة له.”

Posted in ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

إعادة تعريف العرب

حالة السيولة العجيبة التي يتسم بها مصطلح ‘العرب’ لا تحتمل أن يكون أساسًا لأيّ تخطيط في أيّ مجال.
العرب: وليد علاء الدين 

كلما طُرح سؤالٌ يستخدم كلمة “العرب” في جملة تشي بأنها مفردة واضحة الدلالة وجدتُني مندفعًا نحو التفكير في معنى تلك الكلمة السائلة التي بهت لونُها من كثرة ما اختزن من بقايا ألوان راكمتها التجارب والسنون.

وتزداد خشيتي حين يرتبط الأمر بسؤالٍ عن قضايا مصيرية وعمومية في الوقت نفسه؛ كالسؤال عن حاضر العرب أو مصيرهم أو مستقبلهم أو ثقافتهم أو ماذا عليهم أن يفعلوا في قضاياهم الراهنة؟ فأجدني أتساءل بدوري: مَنْ؟

في ظني أن الأزمة الحقيقية تكمن في ذلك الإصرار المستمر على اعتبار “العرب” مصطلحًا مفهومًا واضح الملامح والأبعاد.

الواقع أن هناك أكثر من “عرب”، مختلفون أحيانًا إلى حد التباين. ولا يجوز اختزالهم في مصطلح واحد. أو -على أقل تقدير- لا يجوز الارتياح لذلك من دون النظر مليّا في كل سؤال على حدة، ثم إعادة تعريف المصطلح وتعبئته بما يتفق والهدف منه، لكي تتسق نتائج كل أطروحةِ إجابةٍ أو سيناريو عمل مقترح، مع ما رمى إليه السائل وسؤاله.

من فترة قصيرة، حكى لي زميلُ عملٍ حضر مؤتمرًا علميًا أقيم في إحدى دول الخليج العربي، أن السيرة الشعبية العربية “عنترة وليلى” كما يصنفها خبراءُ التراث الشعبي، حظيت بعدة ورقات بحثية ألقاها باحثون من أقطار عربية مختلفة منها تونس ومصر والعراق.

وفور انتهاء هؤلاء الباحثين من عرض أفكارهم بشأن السيرة -التي يعتبرونها جزءًا من تكوينهم كعرب- تفضّلَ أحدُ الباحثين من المملكة العربية السعودية فأبدى استهجانه وغضبه لتدخل هؤلاء الباحثين بالبحث والعرض في سيرة لا تخصهم! فهي بحسب وصفه “لا تنتمي إليهم ولا ينتمون إليها”!

انتهى المثال. وعلى الرغم من بساطته الظاهرية إلا أنني أرى فيه دليلًا هامًا على الطبيعة المتغيرة لمصطلح العرب والعروبة بتغير زوايا نظر من نصفهم بالعرب من ناحية. وإشارة ذات دلالة على التراكمات التي لم يُلتفت إليها في مضمون هذا المصطلح من ناحية أخرى، وهي التراكمات التي تستدعي ضرورة النظر فيه وإعادة تعبئته بما استجد من معان.

هذا جهد كالواجب اليومي لا بد من القيام به في كل مرة نتعامل فيها مع هذه المصطلح في إطار وحدود زاوية التعامل وأهدافه، وإلا كانت النتائج كارثية.

وإن كانت كارثية بالفعل منذ أن استقلت الدول العربية عن الاستعمار العثماني باسم الخلافة الإسلامية، ليستعمرها الغربُ بأسماء أخرى عديدة.

حالة السيولة العجيبة التي يتسم بها مصطلح “العرب” لا تحتمل أن يكون أساسًا لأيّ تخطيط في أيّ مجال. إنه أشبه بوصف كل سائل بأنه ماء، مع إغفال التفاوت المذهل بين مواصفات وخصائص هذه السوائل الكيميائية والفيزيائية، وبالتالي آثارها التي تقع ضمن طيف يبدأ من “ترياق” وينتهي عند “سم زعاف”.

ثمة لبس شديد التعقيد بين (العرب) وبين ما يوصف بـ(الحضارة العربية)، وبينهما معًا وبين (الإسلام) بصفته الدين الرسمي لتلك الحضارة
الأمر أشبه بسحب صفة واحدة من صفات كائن شديد الثراء لأغراض التصنيف والدراسة ولتسهيل الحديث عنه، ثم يقع هذا الكائن أسيرًا لهذا الوصف ولا يمكنه الفكاك من أسره. من قبيل تصنيف الكائنات الحية إلى خمس ممالك في مقدمتها “الحيوانات”، والتي تنقسم بدورها إلى قسمين: الفقاريات، واللافقاريات.

ماذا لو اكتفينا في تعريف الإنسان بكونه “حيوانًا فقاريًا”، ثم تعاملنا معه على هذا الأساس، هل ننتظر منه أن يتمكن من العيش تحت الماء كالأسماك، ونحاسبه كيف لم يفعل؟ أو يطير كالطيور ونعاقبه إن لم يحلّق في الهواء؟ ولم لا… فالأسماك والطيور هي الأخرى حيوانات فقارية؟

استخدام مصطلح العرب هذه الأيام من دون إعادة تعبئته وتحديثه وتحيينه لا يختلف كثيرًا عن ذلك.

كيف يمكن -والحال كذلك- وصف وتشخيص حاضر العرب، أو التخطيط لمستقبلهم قبل أن نتفق على معنى المصطلح وإعادة تعبئته بمعانيه الواقعية؟

كيف يمكن أن نواجه -إذا كانت هناك رغبة في الأمر- عمليةَ التحول التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ورأسُ حربتها “إسرائيل”، من مصطلح الوطن العربي إلى مصطلح العالم العربي وصولًا إلى مصطلح الشرق الأوسط الذي لا هدف له سوى دمج “إسرائيل” في المنطقة، إذا لم نكن متفقين على العنصر الرئيس في المصطلح وهو “العرب”؟

ثمة لبس شديد التعقيد بين “العرب” وبين ما يوصف بـ”الحضارة العربية”، وبينهما معًا وبين “الإسلام” بصفته الدين الرسمي لتلك الحضارة.

هذا اللبس سببٌ رئيس في التعميم المخلّ بسحب مصطلح “العرب” على كل أبناء النموذج الحضاري الذي نشأ تحت مظلة اللغة العربية والدين الإسلامي، وهما عنصران لا يمكن الفصل بينهما باعتبار أن الأول انتشر بسبب الأخير.

وخطورة هذا اللبس -بين اللغة والدين وما نتج من حضارة تحت مظلتهما- أنه وقف أولًا حاجزًا أمام محاولات تحليل هذا النموذج الحضاري ودراسة أسباب نجاحه، واكتشاف أن النسبة الغالبة في أسباب هذا النجاح لا علاقة مباشرة لها بهذين العنصرين: اللغة والدين، إنما الأمر مرهون بحالة نموذجية اجتمع فيها الثراء -بأبعاده المادية والفكرية والمعرفية والخبراتية- مع الاستقرار والديمومة (المدى الزمني الطويل).

صحيح أن هذه الحالة هي نتيجة مباشرة للتوسع الجغرافي باسم الدين، سواء بالفتح أو بطرق الاتصال. إلا أنها ليست نتيجة مباشرة لهذا الدين أو للّغة التي حملته وحملها. هذا مفهوم وجب تصحيحه منذ أمد بعيد.

لا شك في أن الثراء -كما وصفناه- والاستقرار والديمومة، هي أبرز العناصر اللازمة لقيام أيّ حضارة.

هذا الاستقرار جمع تحت مظلته -بحكم التوسع الجغرافي- ثقافات وأساطير ومعارف وعلوم وخبرات شعوب عدة.

لوحة: محمد خياطة
إنه أشبه باستدعاء ممثلي ثقافات وأعراق شعوب الأرض المختلفة منذ نشأة البشرية وخلق المناخ المناسب لهم بالتناغم والتواصل في مختبر واحد كبير، مع كسر حاجز التواصل عبر توفير لغة وسيطة تسمح للجميع بالتعبير عن أفكارهم.

ماذا لو كانت اللغة لغة أخرى غير العربية؟ هل كان الأمر يختلف؟ ماذا لو كانت اللغة هي الهندية مثلًا هل كان الأمر يختلف؟ ماذا لو كان هذا التوسع الجغرافي تم تحت مظلة دين آخر هل كان الأمر يختلف؟

كلها تساؤلات تستحق عناء البحث والتنقيب والتفكير، وأظنها مقدمة لا فرار منها لإعادة تعبئة مفهوم العرب والعروبة بمعانيهما الحقيقية.

عند لحظة تاريخية معينة لم يعد “العرب” مصطلحًا عرقيًا، ولا جغرافيًا. وفي لحظات تاريخية لاحقة لم يعد حتى مصطلحًا حضاريًا -فقد ذابت الحضارات وتداخلت أطرافها- ولم يعد من المنطقي أن تُحيل العروبة إلى الحضارة التي ازدهرت تحت مظلة الإسلام وكانت العربية لغتها.

في لحظات تاريخية بعينها كان المصطلح مؤهلًا لحمل مسؤولية مشروع قومي ذي ملامح محددة وآمال مرسومة تسمح بتأجيل نقاش الأمر، إلا أن الواقع بما يطرح من مستجدات يستدعي العودة بعمق إلى هذا الملف وفتحه على مصراعيه.

لم يعد مصطلح العرب، بسبب تلك اللحظات التاريخية التي مرّت من دون تأمل ونظر لإعادة تعبئته، قادرًا على التعبير عن فكرة محددة الملامح والأبعاد يمكن الاطمئنان إليها كأساس للبناء.

لقد نجح الإسلام في دق راية العروبة -سواء عبر الفتوحات أو غيرها- في ثقافة عدد كبير من الشعوب التي فتحها أو وصل إليها بطرق أخرى، فتغيرت اللغة وبالتالي منظومة التفكير.

في المقابل استقبلت شعوب أخرى المنظومة العقائدية الدينية من دون التخلّي عن لغاتهم الأصيلة بما تحمل من منظومة فكرية وتواصلية وإرث حضاري كبير. هذا الأمر محل نقاش آخر ليس هنا مجاله، ولكن ما يهمنا منه أن العربية كلغة فاتح، وثقافة وافد، لأسباب عديدة، فشلت في تغييب لغات أصحاب حضارات عريقة حلّت فيها باسم الإسلام، بينما نجحت في حضارات أخرى.

والنتيجة أنه لم يعد هؤلاء الأقوام أنفسَهم، لكنهم رغم ذلك لم يصبحوا عربًا. هم -إذا شئنا الدقة- أصبحوا عربًا آخرين، لهم مواصفات مختلفة وتراكيب فكرية وثقافية مختلفة وإن تغير لسانهم، أو بالأحرى نتيجة لتغير ألسنتهم. فهل أُخذ هذا الاختلاف بعين الاعتبار عند صك مصطلح العرب؟

ما حدث أنه في ظروف تاريخية ما وتحت وطأة الرغبة في تشكيل قومية عربية لمزيج من الأهداف أبرزها سياسي، تم التغاضي عن هذه التباينات الجلية في تركيبة القوم الذين تم سحب مصطلح العروبة عليهم. هذا التغاضي العاطفي، لم يكن مدروسًا لصالح تحقيق أهدافه الزمنية، لذا فقد تحول بسهولة إلى عيب رئيس في الأساس الذي نشأت عليه الفكرة. وكان لا بد لها من التهاوي تحت ضربات مطارق وجّهها لها الآخر على اختلاف أجناسه ومصالحه.

(العروبة) ليست دليل وحدة ثقافة ولا تصلح كوحدة تفكير مشترك. ولا هي وحدة قياس للكيفية التي يزن بها كل شعب من الشعوب الحاملة لصفة العروبة ذاته أو يخطط بها لمستقبله
هذا “التعدد العروبي” كان ينبغي له أن يصبح عامل قوة، وليس ثغرة تنقض غزل “العرب”. لكن الأمر كان مشروطًا بالانتباه إلى تلك التعددية ورعايتها لتصبح روافد ثقافية وفكرية ودينية تصبّ في تعزيز قوة العروبة في تجلياتها الجديدة.

هذه الرعاية كانت ضرورة لا غنى عنها خاصة وأن العامل المشترك الأهم بين معظم هذه القوى هو “الانهزام” لدرجة التخلي عن جوهر الذات.

معظم من يشتركون في صفة العروبة في تجلياتها الجديدة هم سلالات شعوب تخلت عن إرثها الحضاري -متمثلًا في اللغة والمعتقد- لصالح لغة الوافد ودينه.

هذا “الانهزام” هو الخصيصة التي لولاها لما تحوّلت هذه الأقوام إلى عرب بفتح أو بغيره!

ومع ضرورة تقدير كل ما يمكن الوقوف عليه من ظروف وملابسات لكل تجربة منفصلة، قد تخفف من قسوة الوصف بالانهزام أو تعمقه، إلا أن انتباهًا مبكرًا لهذه الخصيصة كان -في ظننا- كفيلًا بتغيير مسار الأحداث وضبط مصطلح العرب بشكل يجعلهم أشد منعة وقوة في مواجهة تجارب الاستعمار سواء تحت البطش أو باسم الخلافة أو بغيرهما من أسماء.

عدم الانتباه المبكر إلى ذلك جعل العروبة “ترقيعًا حضاريًا” كان من الأجدر به أن يكون “ترصيعًا” حضاريًا، لولا غياب الوعي بأن الأصل المتعدّد لن يمكنه الصمود إلا في ثقافة منفتحة ومناخ من الحرية لا يقف أبدًا عند حدود دين أو جنس أو عنصر أو لون.

كل عنصر في هذا التعدد مهما طالت به الأزمان يحتاج إلى الشعور بأنه يستدعي كل جماله وروعته بوصفه جزءًا من فسيفساء عظيمة. لا أن يشعر بأنه مطالب بالتخفي والتلون في لون آخر بادعاء أنه الأصيل أو الأرقى أو التدين بدين باعتباره دين الحضارة أو الأعلى، أو الفخر بثقافة بإدعاء أنها مصدر الحضارة بينما لا يشعر بنسغها يجري في عروقه.

“العروبة” ليست دليل وحدة ثقافة ولا تصلح كوحدة تفكير مشترك. ولا هي وحدة قياس للكيفية التي يزن بها كل شعب من الشعوب الحاملة لصفة العروبة ذاته أو يخطط بها لمستقبله.

التمسك بالعروبة في حدها الأدنى وهو اللغة خطر داهم، وغنيّ عن البيان أن اللغة لم تعد ذلك العامل المشترك شديد الجوهرية كما كان في السابق. ولم تعد ذلك العائق عن التواصل والتكامل والاندماج، نتيجة للتغير المذهل في أشكال التواصل متعدد اللغات وانتشار وسائل الترجمة الفورية واتساع نطاق المعرفة بالآخر.

لم تعد اللغة حائلًا دون إقامة وحدة مع من يشبهك في رؤيتك للعالم والكون.

الحديث الآن حديث رؤية؟ كيف ترى نفسك وكيف تراها وسط العالم. والوحدة وحدة مع من يمكنه أن يساعدك على دعم رؤيتك. والسؤال سؤال تبادل مصالح، والمصالح مرتبطة بالموقف من العالم والكون.

هذا أمر جدير بأن يتحقق بسهولة بين دول تشترك شعوبها في اللغة، فتصبح اللغة عاملًا جيدًا لتسريع وتسهيل الأمور. لكن لم يعد مقبولًا أن تكون اللغة هي الأساس لبناء الوحدة.

لم يعد مقبولًا ولا معقولًا وضع اللغة العربية -بهذا التصور العاطفي القومي الديني لها- ضمن منظومة مشتقة من اسمها “العروبة” مطمئنين إلى أنها تعني وحدة في الرؤية، وأنها تصف حالة من التناغم والتقارب الفكري والثقافي تسمح ببناء وحدة على أساسها.

هذا خطأ كبير، لا أقول علينا التخلص من مفهوم العروبة، ولكن أقول علينا إعادة تعبئته بما يتضمنه بالفعل من معان حتى يمكن التفكير بعد ذلك أين يجب علينا أن نتحرك به وفي ضوئه.
كاتب من مصر

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

فى مثل هذا اليوم 23ديسمبر 245م.. ميلاد زنوبيا، ملكة مملكة تدمر…

زنوبيا كانت ملكة تدمر ، قادت مع زوجها أذينة عصياناً على الإمبراطورية الرومانية تمكنا خلاله من السيطرة على معظم سوريا. بعد وفاة زوجها قادت الإمبراطورية التدمرية إلى غزو مصر و آسيا الصغرى لفترة وجيزة قبل أن يتمكن الإمبراطور أوريليان من هزمها وأسرها إلى روما حيث سرعان ما توفيت لأسباب غامضة.
اسم زنوبيا الأصلي بالآرامية كان بات زباي أي بنت زباي. كما عرفت باللاتينية باسم يوليا أوريليا زنوبيا وباليونانية سبتيما زنوبيا، كما عرفها العرب باسم زينب. زعمت زنوبيا أنها ذات أصل بطلمي، مشبهة نفسها بكليوبترا. ومن المؤكد أنها اعتنقت اليهودية في وقت ما من حياتها كما مالت إلى تعاليم بولس الشميشطي المسيحية. بينما زعم الطبري أنها كانت من عماليق العرب.
اسم زنوبيا الحقيقي “بت زباي”، واسمها الأول أطلقه الرومان ويعني قوة المشتري، وكانت أمها ترجع بنسب إلى كليوباترا في مصر، ولدت زنوبيا في تدمر وتأدبت في الإسكندرية فدرست تاريخ الإغريق والرومان وتخلقت بأخلاق كليوباترا وبطموحها، وكانت امرأة هاجسها المجد والسلطان. ورأت في أذينة فرصتها لتحقيق هذا الطموح. وكانت تشهد معه مجالس القوم وجلسات مجلس الشيوخ، وهكذا نشأت معه على أهداف واحدة وكان تاج الملك يرفرف فوق رأسيهما في أحلام اليقظة، حتى إذا وصلت إلى المُلك اختطفت يد الغدر زوجها، وبعد أن قُضي على غريمه، اعتلت العرش نيابة عن ولدها “وهب اللات” وقادت الحكم والشيوخ والحروب، كما قادت أعمال الإعمار والبناء، وأكثر الآثار القائمة حتى اليوم في تدمر، يعود الفضل في تشييدها إلى هذه الملكة التي حكمت تدمر منذ اللحظة الأولى التي اعتلى فيها زوجها العرش على تدمر. فلقد كانت بذكائها وقوة شخصيتها قادرة على توجيه الحكم إلى حيث ما ترسم من مجد لتدمر ولسلطتها. وعندما اعتلت العرش كانت لا تخفي رغبتها أن تصبح يوماً إمبراطورة على روما ذاتها، ولم يكن الأمر صعباً، إذ أن أكثر أباطرة روما كانوا قد وصلوا إلى العرش عن طريق نفوذهم العسكري أو السياسي في مناطقهم النائية. وكانت زنوبيا تعد أولادها وهب اللات وتيم الله وحيران لاعتلاء العرش، وذلك بتعليمهم لغة روما وآدابها وتاريخها. واتخذت مظاهر القياصرة فكانت تركب مركبة ملكية تضاهي مركبة القياصرة، رصعتها بالذهب والفضة والأحجار الكريمة.
كان قيصر روما قد اعترف بوهب اللات ملكاً وبزنوبيا وصية عليه، فقامت أولاً بتوطيد حكمها في تدمر والبادية، وبإقامة الثغور،مثل حلبية وزلبية، وما زالت آثار الثغرين قائمة حتى اليوم على ضفتي الفرات. وتمت لها السيادة على آسيا الصغرى ومصر.
ولقد عثر على آثار لها في الشاطئ السوري وفي الإسكندرية وبعلبك وقرب دمشق. وكانت زنوبيا تشرف بنفسها على عمليات التوسع والإنشاء. وتنتقل على ظهر فرسها تلبس لباس الرجال، تسوس دولتها بعين لا تنام ولا تغفل، وبعزيمة ترهب الرجال، وعلى الرغم من حجم إنجازاتها الحضارية ومن تحركاتها المجهدة، فإنها لم تنس يوماً حلمها بالتوسع في آسيا ومصر وروما، فلقد وصلت جيوشها إلى بيزنطة في العصر الروماني وقتلت هيراكليون قائد القصر. ثم فتحت الإسكندرية، وكانت روما قلقة جداً من توسعاتها الظافرة، حتى إذا اعتلى العرش في روما “أورليان” سنة 270، وكان قاسياً بطاشاً، مارس أولاً ليناً إزاء زنوبيا فاعترف لها بالنفوذ على الإسكندرية، ثم لم يلبث أن نقض اعترافه واسترجع نفوذه على الإسكندرية بعد عام واحد، في وقت كانت فيه زنوبيا مسلوبة القوى حزناً على وفاة ابنها وهب اللات.وكان “أورليان” يتابع انتصاراته في آسيا، حتى هدد تدمر، فكان عليه أن يقضي على تلك المرأة المناوئة لعرشه في روما، وقبل أن يغادر أنطاكية، كانت جيوش زنوبيا تجابه زحفه إلى تدمر، لقد كانت الحرب سجالاً، ولكن خصومها القابعين في حمص خذلوا جيوشها، فعادت إلى تدمر لكي يلاحقها “أورليان” ويحاصرها.
فحاولت الاستنجاد بالفرس، وذهبت متخفية لملاقاة “هرمز” ملك الفرس. وقبل أن تعبر الفرات، كانت جيوش الرومان ترصدها، فقبضوا عليها وأعادوها إلى خيمة “أورليان” الذي عاد بها إلى روما أسيرة مكبلة بأصفاد من الذهب، ولعلها أكملت حياتها في ضاحية روما تيفولي هذه قصة العصر الذهبي الذي وصلت إليه تدمر في عصر زنوبيا. وما زالت آثار هذا العصر ماثلة في شوارع تدمر وأبوابها، وفي معابدها وفي مسرحها والأغورا.
مازالت حياة زنوبيا ملكة تدمر ، صفحة هامة من تاريخ سورية. فلقد كاد الطموح أن يصل بهذه المرأة العربية إلى سدة الحكم إمبراطورة على روما كلها هي زوجة أذينة الذي خلف والده وجعل من واحة تدمر أمارة عربية ذات حكم ذاتي موالية مبدئياً للرومان. وكانت أسرة اذينة تسمى حيران تحكم العشائر في البادية وتدمر. وتنتقل الإمارة إلى اذينة بعد أبيه ليصبح في عام 258م حاكماً لولاية سورية الفينيقية واتخذ لقب ملك الملوك واقترب من لقب الإمبراطور. وبعد مقتله في حمص 268م يصبح ولده من زنوبيا وهب اللات ملكاً وكان دون سن الرشد، فاستلمت أمه الحكم وصية أولاً، ثم ملكة واستطاعت أن تقود قومها إلى نهضة شاملة وقوة عسكرية طامحة، لقد كانت شجاعة بعيدة المطامح. لعبت دوراً كبيرا في الشرق وفي روما ذاتها، وكانت عالية الثقافة تتكلم اللغة التدمرية وهي لغة آرامية، كما تتكلم اليونانية والمصرية ، وقربت منها الفلاسفة من أمثال لونجين وكانت مولعة بالتاريخ.
ونستطيع رسم صورتها من خلال نقد نقش على رأسها جانبياً وهي ترتدي خوذة معدنية. ويصفها مؤرخو الرومان أنها كانت في ذروة الجمال سمراء سوداء العينين أسنانها كاللآلئ صوتها رنان. وكانت تساير الجنود وتركب العربة الحربية أو الجواد كأحسن الفرسان. لقد كانت أنبل النساء وأكثرهن جمالاً، بل كان جمالها يضاهي جمال كليوباترا التي ترتبط معها برباط القرابة وتنتهي قصة هذه الملكة الأسطورة على يد الإمبراطور أورليان وذكر هومو أحد المؤرخين في عصر أورليان، إن الإمبراطور عندما جرح في حربه مع زنوبيا قال: إن الشعب الروماني يتحدث بسخرية عن حرب أشنها ضد امرأة، ولكنه لا يعرف مدى قوة شخصية هذه الامرأة ومدى بسالتها.
حكمها لتدمر:
اغتيال أذينه:
أثناء انشغال أذينه الثاني ملك تدمر بإنشاء مجلس السيناتورات تمهيدا للانفصال عن روما سرا ومتظاهرا بالولاء جهرا فإن القيصر وعن طريق العيون يعلم بالأمر فيقرر اغتياله عن طريق أمراء آخرين يكنون الولاء لروما ويرغبون بتسلم حكم تدمر. كان على رأسهم موينيوس ابن اخت الملك أذينه (معن احتمالياً). في حفلة صاخبه يسقي أذينه وابنه حران الخمره ويدخل معاونيه ليقتلهما عام 267م. كونها صاحبة الحضانه فإن زنوبيا تتسلم الحكم الانتقالي باسم وهب اللات وتأسر موينيوس ومن ساعده ولكونها صاحبة أعلى سلطه تحكم عليهم بالإعدام وينفذ. كانت زنوبيا تصف معن بالبذئ وتسيطر زنوبيا بقوتها وتفرض هيبتها لتحكم تدمر.
تولي زنوبيا للسلطة:
تولت المُلك وعمرها 14 عاماً باسم ابنها وهب اللات، وأصبحت زنوبيا ملكة الملكات وتولت عرش المملكة وازدهرت تدمر في عهدها وامتد نفوذها على جزء كبير من الشرق. مع وجود ألقاب أخرى مثل “الملكة المحاربة” تعتمر زنوبيا خوذة أبوللو حين تحارب مع جيشها التدمري الذي فرض سيطرته جنوبأ وشرقأ وغربأ وتلبس الملكة زنوبيا العمامة الكسروية حينما تقابل الوفود في ديوانها الملكي وقد كانت من ربات الفروسية والشجاعة.
الإمبراطوريات المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط عام 271 م
الإمبراطورية الشرقية مملكة تدمر تحت حكم زنوبيا تظهر باللون الأصفر
توسعت مملكتها حتى شملت باقي مناطق سوريا وامتدت من شواطئ البسفور حتى النيل، وأطلقت عليها الإمبراطورية الشرقية مملكة تدمر وأصبحت أهم الممالك وأقواها في الشرق على الإطلاق، مما دعى الإمبراطور الروماني أورليانوس للتفاوض مع الملكة زنوبيا لتأمين حدود امبراطوريته. ولوقف زحف جيوش تدمر مقابل الاعتراف بألقاب ابنها وامتيازاته الملكية
أصدرت الملكة زنوبيا العملة الخاصة ب تدمر وصكت النقود في إنطاكية وطبعت عليها صورة وهب اللات على وجه وعلى الوجه الثاني صورة الإمبراطور أورليانوس، وأزالت من النقود صورة الإمبراطور مميزة النقود السورية التدمرية عن نقود روما، ووسعت مملكتها وضمت الكثير من البلاد، لكن الإمبراطور الروماني صمم على التصدي ل المملكة التدمرية القوية التي سيطرت على العديد من المناطق.
في سنة 271 أرسل جيش قوي مجهز إلى أطراف المملكة وجيشاً آخر بقيادة الإمبراطور أورليانوس نفسه توجه به إلى سوريا وآسيا الصغرى ليلتقي الجيشان وتدور معركة كبيرة بين مملكة تدمر والامبراطورية الرومانية، احتل بروبوس أجزاء من جنوب المملكة في أفريقيا وبلغ أورليانوس أنطاكية في سوريا، وتواجه مع زنوبيا بتجهيزات كبيرة وهزمها هناك(معركة أنطاكية)، مما جعلها تنسحب لتدمر وكان أورليانوس قد بلغ مدينة حمص، فدارت بينهما معارك شرسة قدمت فيها زنوبيا الكثير ودفع اورليانوس بالمزيد من القوات في مواجهة جيش زنوبيا، تراجع جيشها إلى تدمر، فتقدم أورليانوس إلى تدمر وحاصر أسوارها المنيعة حصاراً محكما، وكانت زنوبيا قد حصنت المدينة ووضعت على كل برج من أبراج السور إثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف بالحجارة المهاجمين لأسوارها وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، والتي كانت تعرف بالنار الإغريقية، وقاومت الغزاة بشجاعة معلنة القتال حتي الموت دفاعا عن مملكتها. عرض أورليانوس عليها التسليم وخروجها سالمة من المدينة الني لن تمس، لكنها رفضت ووضعت خطة وحاولت إعادة الالتفاف على جيش اورليانس فتحصنت بالقرب من نهر الفرات إلا أنها وبعد معارك ضارية وقعت في الأسر ولاقاها أورليانوس وهو في ميدان القتال فأحسن معاملتها وكان ذلك سنة 272م، ثم اصطحبها معه إلى روما ولم يقتلها بل قتل بعض كبار قادتها ومستشاريها بعد محاكمة أجريت لهم في مدينة حمص. توفيت زنوبيا في روما سنة 274 في ظروف غامضة…!!

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

مابدي قلب عليكم المواجع

Syrian art treasures , كنوز الفنون السورية

مابدي قلب عليكم المواجع بس هي النشرة صادرة بالعام 1954 وقت كان السوري يستطيع شراء بيت بأرقى أحياء دمشق بمبلغ لايتجاوز 25000 ل.س

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

الإغتراب شجون وطرائف وعجائب

رغم الصعوبات الجمة التي يواجهها الإنسان المغترب ممن دفعته ظروف قاسية لهجرة بلده الأصل والتوجه الى بلد آخر يختلف كليا عن بلده من النواحي كافة، الا أن هناك بعض الطرف التي تحصل هنا وهناك فتزيل بعض الهوامش من شجون الإغتراب، والأدب العربي زاخر بالشعر والنثر الذي يحض بعضه على الإغتراب ويحذر البعض الآخر منه، وكل أديب ينظر للإغتراب من زاوية تعد هي الأكثر أهمية بالنسبة له مثلا قول الشاعر:

لست ممن يقول مسقطُ رأسي وبلادي وطارفي وتلادي
كلُّ قومٍ أرى ليَ العزّ فيهـــم فهمُ أسرتي وأهل بلادي
(المنتحل).
ويناقضه آخر:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منــــزل
وقال ابن أبي السرح: قرأت على حائط بيتي شعر، وهما:
إن الغريب ولو يكون ببلــــــدة يجبى إليه خراجها لغريب
وأقل ما يلقى الغريب من الأذى إن يستذل وإن يقال كذوب
(المحاسن والأضداد/119)
وتعد قصيدة ابن زريق البغدادي اليتيمة (لا توجد للشاعر غيرها) أجمل ما قيل في شعر الإغتراب، فقد رحل من بغداد الى الأندلس وفارق إبنة عمه الحبيية التي نصحته مرارا وتكرارا أن لا يغترب، وتشبثت به، لكنها لم تتمكن من تغيير قناعاته في السفر، لعله يجد عملا ويوفر بعض المال، ويمدح الأمير أبا الخيبر عبد الرحمن الأندلسي، فيجزل له العطاء ويعود لإبنة عمه لينزوجا ويعيشا حياة أفضل، لكنه فشل في الغربة وفي مدح الأمير معا، فلم يجزل له العطاء، وكان مكان غربته قبره، فقد وجدوه ميتا في الخان الذي كان يسكنه، ومعه رقعة كتب هذه القصيدة الرائعة التي تُعد من عيون الشعر العربي، والتي يناجي فيها حبيبته، ومطلعها:
لا تعذليه فإن العــذل يولعـــــه قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حدا أضر به من حيث قدرت ان اللوم ينفعه
فإستعملي الرفق في تأنيبه بدلا من عذله فهو مضنى القلب موجعه
الى أن يقول:
إستودع الله في بغــــداد لي قمرا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبــــودي لـــــو يٌوَدعنـي صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه
القصيدة طويلة ويمكن الرجوع اليها بسهوله في العديد من المواقع.
في الغربة شهدنا الكثير من المواقف البعض منها إتسم بالطرافة، ففي شمال السويد (مدينة يورن) قدم أحد العراقيين مع إبنه الذي لا يتجاوز الرابعة عشر من العمر في إنتظار منحهم اللجوء، بعد مرور اسبوعين باغتنا بالقول: لقد وجدت ضالتي! ولما سألناه عن المقصود بضالته، اجاب: انها الباسطرمة التي أعشقها عشقا أبديا، سألناه هل تقصد المقانق (الصوصج)؟ فقال: كلا إنها الباسطرمة لكنها تختلف عن الموجودة في العراق وهي على أنواع، ربما تختلف بسبب كثرة الثوم والمطيبات التي يستخدمها العراقيون، ولأن السوق قريب من مكان حديثنا، سألناه ان يعرفنا عن الباسطرمة التي اكتشفها وغابت عنا شهورا ولم نتعرف اليها. فكانت المفاجأة!
كان في (سوبر ماركت) أنواع كثيرة من السجق (مقانق) تشبة الباسطرمة العراقية إلا أنها أقل سمكا وعرضا منها، وهي بأشكال وألوان مختلفة. قلنا له حسنا لنقرأ مكوناتها. وكانت عبارة عن دماء خنزير مخثرة مع شحومه، مضاف اليها قليلا من مسحوق الذرة وبعض المطيبات وهي معبأة بـ
( Tarmen )
الذي هو عبارة عن أمعاء الخنزير بعد تجفيفها وتمليحها، فوقف مدهوشا وقال: يا للفضيحة، دم، وشحوم خنزير، لقد جمعت هذه اللعينة معظم المحرمات!
تفاجأ البعض عندما أخبرناهم إن الأوربيين إستمدوا هذه المقانق من الإعراب في البادية، وذلك عندما يحل الجفاف والقحط، فيصعب فيه الحصول على المحاصيل الزراعية، ويُسمى هذا عندهم الفصيد. وسأوضح للقاريء الفاضل هذه النقطة، كما وردت في كتب الأقدمين.
قال ابن منظور” وَقَوْلُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:إِن اللَّهَ قَدْ أَراحكم مِنَ الشَّجَّة والبَجَّة ؛ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: البَجَّةُ الفَصِيد الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تأْكُلُهُ فِي الأَزْمَةِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا، لأَن الفاصدَ يَشُقُّ العِرْقَ؛ وَفَسَّرَهُ ابْنُ الأَثير فَقَالَ: البَجُّ الطَّعْنُ غير النافذ، كانوا يَفْصِدُونَ عِرق الْبَعِيرِ ويأْخذون الدَّمَ، يتبلَّغون بِهِ فِي السَّنَةِ الْمُجْدِبَةِ، وَيُسَمُّونَهُ الْفَصِيدُ”. (لسان العرب2/210). وقال ابن سيده” الفَصِيد – دمٌ كَانَ يُوضَع فِي الجاهِليَّة فِي مَعَى ويُشْوَى”. (المخصص1/420).
كما ذكر ابن منظور” الفَصِيدُ: دَمٌ كَانَ يُوضَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي مِعًى مِنْ فَصْدِ عِرْقِ الْبَعِيرِ ويُشْوى، وَكَانَ أَهل الْجَاهِلِيَّةِ يأْكلونه وَيُطْعِمُونَهُ الضَّيْفَ فِي الأَزْمة. ابن كُبْوَةَ: الفَصيدَة تمرٌ يُعْجَنُ ويُشابُ بِشَيْءٍ مِنْ دَمٍ وَهُوَ دَوَاءٌ يُداوَى بِهِ الصِّبْيَانُ، قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِمْ: مَا حُرِمَ مَنْ فُصْد لَهُ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي رَجَاءٍ العُطاردي أَنه قَالَ: لَمَّا بَلَغَنَا أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَخذ فِي الْقَتْلِ هرَبْنا فاسْتَثَرْنا شِلْوَ أَرنبٍ دَفيناً وفَصَدْنا عَلَيْهَا فَلَا أَنسى تِلْكَ الأُكْلَةَ
قَوْلُهُ: فَصَدْنا عَلَيْهَا يَعْنِي الإِبل وَكَانُوا يَفْصِدونها ويعالِجون ذَلِكَ الدمَ ويأْكلونه عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَي فَصَدْنَا عَلَى شِلْوِ الأَرنب بَعِيرًا وأَسلنا عَلَيْهِ دَمَهُ وَطَبَخْنَاهُ وأَكلنا”. (لسان العرب3/336). وقال جمال الدين إبن نباتة : حكى ابن الاعرابي” أسر حاتم في عنزة، فقالت له امرأة يوما: قم فأفصد لنا هذه الناقة! وكان الفصد عندهم أن يقطع عرق من عروق الناقة يجمع الدم فيشوى ويؤكل، فقام حاتم الى الناقة فعقرها، فلطمته المرأة، فقال: لو غير ذات سوار لطمتني! فذهبت مثلا. ثم قال له النسوة: إنما قلنا لك افصدها، قال: هذا فزيدي أنه، يعني فصدي أنا، وهي لغة طي”. (سرح العيون/116). وقد رواها النهرواني بطريقة أخرى” حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحَارِث قَالَ، قَالَ أَبُو عبد الله ابْن الْأَعرَابِي: كَانَ حَاتِم الطَّائِي أَسِيرًا فِي عنزة فَقَالَت لَهُ امْرَأَة مِنْهُم يَوْمًا: قُم فافصد لنا هَذِه النَّاقة، وَكَانَ الفصد عِنْدهم أَن يقطع عرق من عروق النَّاقة ثُمَّ يجمع الدَّم فيشوى، فَقَامَ حَاتِم إِلَى النَّاقة فنحرها فلطمته الْمَرْأَة، فَقَالَ حَاتِم: لَو غير ذَات سوارٍ لطمتني. فَذهب قَوْله مثلا. وَقَالَت لَهُ النسْوَة: إِنَّمَا قُلْنَا لَهُ افصدها، فَقَالَ: هَكَذَا فصدي أَنه. قَالَ أَبُو بكر: يُرِيد أَنا وَهِي لُغَة طَيء”. (الجليس الصالح/431). وقَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فِيمَا ذكر يشوون الدَّم مخلوطًا بالوبر ويأكلونه ويسمونه العلهز.
ومن الأمثال القديمة (لَمْ يُحْرَمْ مَنْ فُصْدَ لَهُ)، فسره اللغويون” مِنْ أَمثالهم فِي الَّذِي يُقْضَى لَهُ بعضُ حَاجَتِهِ دُونَ تَمَامِهَا: لَمْ يُحْرَمْ مَنْ فُصْدَ لَهُ، بإِسكان الصَّادِ، مأْخوذ مِنَ الفَصيدِ الَّذِي كَانَ يُصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ويؤْكل”. (لسان العرب3/336).
الحقيقة أن هناك الكثير من المأكولات التي ترجع إصولها الى العرب، وعندما كنت أتحدث الى بعض الأجانب مبينا لهم أن أصل المقانق عربي تنتابهم الدهشة والحيرة لأنهم لم يسمعوا ذلك من قبل، لكنها سرعان ما تزول الدهشة عندما نبين لهم أن الكثير من العرب أنفسهم لا يعرفون هذه الحقيقة.
ويخبرنا التوحيدي بأن الأعراب إستعملوا المطيبات من التوابل مع النقانق بقوله” وطردين ونقانق وضفاير وشرائح وكباب رشيدي وحبوب مبزرة”. (أي مطيبة بالتوابل)”. (الرسالة البغدادية/159). وكانوا يأكلون المقانق مع الخردل قال أبو سعد الآبي” َاشْترى جحا يَوْمًا نفانق فانقض عَلَيْهِ عقابٌ، وانتسفَ بعض النفانِق فَطَار بِهِ فنظَر إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا شقيُّ. وَمن أَيْن لَك خَردَلٌ تأكلُه بِهِ؟”. (نثر الدر في المحاضرات5/211).
وهذا ما يقال عن الكباب المشوي، وكذلك ما يسمى بكباب الساطور الذي يضاف له البصل والكرفس.
ذكر الراغب الأصبهاني” قصد رجل الحجّاج فأنشده:
أبا هشام ببابك قد شمّ ريح كبابك
فقال: ويحك لم نصبت أبا هشام؟ فقال: الكنية كنيتي إن شئت رفعتها وإن شئت نصبتها”. (محاضرات الأدباء1/87) وأضاف الراغب الاصفهاني” كان لبعضهم مملوك يتشطر وكان إذا قال له صاحبه: هات الدواة، قال: مرحبا بجعفر البرمكي. وإذا قال: ناولني ثوبي. قال: قيصر يلبس وإذا قال: اغسل ثيابي. قال: يونس النبي كان خيرا منك. لبس القرع، وآدم عليه السلام لبس ورق التين، وأنت لا تلبس ثوبا وسخا. وإذا قال: اذهب إلى السوق. قال: خذلني الله إن ذهبت حتى آكل كبابا، وأتناول شرابا”. (محاضرات الأدباء).
وبين الغزولي” الكباب: بفتح الكاف وهو اللحم المشروح وأجوده ما شرح اللحم شريحاً خفيفاً ونثر عليه الملح ونصب له مقلى على النار بلا دسم وطرح عليه وقلب من جنب إلى جنب حتى ينضج ويحمر هذا هو الكباب الخالص بعينه وهو الذي كان يعمل ليحيى بن خالد ولولده وفيه يقول أبو الفتح البستى:
عليك إذا أنجاب الدجى بكباب وعقبه مرتاحاً بكأس شراب
فلم يفتح الأقوام بابا إلى المنى كباب شراب أو كباب كباب
(مطالع البدور ومنازل السرور).
كما قال ابن الحجاج:
تفعل فِي لَحْمه الْمهرِي مَا يفعل الْجَمْر بالكباب
(يتيمة الدهر3/92).
وأنشد الفياض الهروي:
يومنا يوم شراب وسَماع وكبابِ
وقيان وقنــــان وأغاني وتَصابي
(طرائف الطرف/55).
ولنا أحاديث أخرى عما لا يعرفه الكثير عن تراثهم الرائع.. بعون الله.
علي الكاش

Posted in الأدب والفن | Leave a comment