هل الشريعة تدعو إلى الفضيلة؟

بقلم د. توفيق حميد/
حينما نسمع صيحات الإسلاميين فى أماكن عديدة مثل المساجد والقنوات الفضائية وغيرها، نشعر وكأنهم لا شاغل لهم إلا المرأة والجنس، فالمرأة عندهم هي “الفتنة” ومحور الشرور خاصة إن كانت “متبرجة” أو أظهرت مفاتنها.
والمتأمل لخطب هؤلاء الإسلاميين يجد بعض المفردات التي تتكرر بصورة دائمة مثل “الفضيلة” و”الأخلاق” و”الحشمة؟” وغيرها من الكلمات التي تريد أن تضع المرأة في شرنقة لا ترى ولا يراها أحد، كما ورد في كتب التراث أن أفضل شيء للمرأة أن “لا ترى ولا يراها رجل”!
ولم يسلم حتى كتاب مثل نجيب محفوظ – وهو الحائز على جائزة نوبل- من اتهامات لكتاباته بأنها جنسية وفاضحة وتنشر الرذيلة. وأخيرا رأينا في دول مثل مصر هجمات شرسة من محامين وقضاة وأجهزة أمنية ضد مطربات لأن أغانيهن تخدش الحياء!
ولن أنسى وسط هذا السياق حينما كنت عضوا في الجماعة الإسلامية في كلية طب القاهرة في مصر ( 1979- 1980)، حيث لم يكن لنا حديث إلا عن “فجور النساء” والاختلاط بين النساء والرجال في المجتمع، و”التبرج” المتفشي وسط النساء، وعندما كنا نغير الحديث كان معظمه يدور حول مهاجمة من تلبس الشورت أو المايوه البكيني، ومهاجمة الفنانات واتهامهن بإشاعة “الرذيلة” في المجتمع.
وكنا نقتلع النصوص الدينية من سياقها ونستخدمها مثل قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (سورة النور آية 19)، وكنا نلوي معنى الآية لخدمة ودعم مفاهيمنا الدينية المتطرفة، ومفهوم الفاحشة في منظورنا لم يكن الرشوة والظلم والقسوة والعنف بل كانت – وكانت فقط للأسف – هي إظهار المرأة لمفاتنها الجسدية.
وكان الحل السحري عندنا لنشر ما أسميناه بالفضيلة والحشمة في المجتمع هو تطبيق الشريعة الإسلامية، لكى نقهر المرأة بكل الوسائل المتاحة حتى لا تكون “فتنة” لنا!، فكانت دعوتنا إلى الحجاب والنقاب وبقاء المرأة في المنزل نابعة من هذا المنطلق الجنسي الذي لا يرى في المرأة إلا أداة للجنس ليس أكثر من ذلك ولا أقل.
والعجيب في هذه النظرة الدونية للمرأة في المجتمعات الإسلامية، والتي تجعل منها كائنا جنسيا مثيرا يدعونا -إن تركناه بحريته- إلى دخول جهنم، أن هذه النظرة لم تنتج مجتمعات فاضلة، بل على العكس من ذلك تماما فقد أنتجت لنا مجتمعات بها أعلى نسب للتحرش الجنسي بالمرأة، وأعلى نسب مشاهدة الأفلام الإباحية على الإنترنت.
ولنقف هنا للحظات لنتأمل كتب الشريعة الإسلامية، والمعروفة بكتب التراث ولنسأل أنفسنا هل ما يتم ذكره في هذه الكتب هو من باب الحشمة والفضيلة أم يا ترى هو من باب العفة والشرف؟
فهل من الحشمة والفضيلة في الشريعة الإسلامية، أن تقف السبايا والإماء للبيع عاريات الصدور وسط الأسواق – كما كان يحدث أيام دولة الخلافة الإسلامية – كي يعاين الرجال أجسادهن فيتم شراء النساء من أسواق النخاسة الإسلامية واغتصابهن جنسيا كرقيقات؟
ونزيد القارئ علما بهذا “الخلق الرفيع” وتلك “الفضيلة المنشودة” في دولة الخلافة، بأن العلامة العثيمين زاد الأمر إيضاحا فقال في شرحه الممتع على زاد المستقنع : “الأَمَةُ- ولو بالغة – وهي المملوكة، فعورتها من السرة إلى الركبة، فلو صلت الأَمَةُ مكشوفة البدن ما عدا ما بين السرة والركبة، فصلاتها صحيحة، لأنها سترت ما يجب عليها ستره في الصلاة”.
وأما في باب النظر: فقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن عورة الأَمَة أيضا ما بين السرة والركبة”. وأقر جمهور أهل العلم أن عورة الأمَة ما بين السرة والركبة، كعورة الرجل تماما، واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “إِذا زوج أَحدكم خادمه – عبده، أَو أَجيره – فلا ينظر إِلى ما دون السرة، وفوق الركبة”.
وهذا الأمر البشع والذي يمتهن الإنسانية بأن جعل عورة الأمة “من السرة إلى الركبة”، على خلاف عورة الحرة – جاء في كتب الحديث وأقره الفقهاء وكان يتم تنفيذه عمليا في الخلافة الإسلامية، فعلى سبيل المثال جاء في كتب التراث أن عمر ابن الخطاب كان إذا رأى أَمة مختمرة، ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر؟
فعمر ابن الخطاب من شدة دعوته “للفضيلة” كان يريد من هذه الأمة المسكينة التي تغطى جسدها كاملا أن تغطى فقط من سرتها إلى ركبتها، وأن تمشى عارية الصدر في الشوارع والطرقات!، و يا لها من دعوة إلى “الفضيلة” و”الحشمة” و”الشرف” من ثاني الخلفاء “الراشدين”.
وهل من الحشمة والفضيلة أن تقول كتب التراث أن الرسول كان يأمر زوجاته أن يرضعوا رجالا بالغين والمسماة بعملية “إرضاع الكبير”؟. و حديث إرضاع الكبير فى أعلى درجات الصحة وورد فى صحيح البخاري وغيره من كتب تراث أهل السنة!
وهل من الحشمة – كما ذكرت كتب الشريعة – أن تقف السيدة عائشة من وراء ستار شفاف لتستحم أمام الرجال لكى تعلمهم عمليا كيف كان الرسول عليه السلام يغتسل بعد الجنابة؟” روى البخاري في صحيحه (1/68)، عن أبي سلمة قال: “دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة فسألها أخوها عن غسل النبي (ص) فدعت بإناء نحو من صاع فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب”.
وهل من الفضيلة أن تذكر كتب التراث التالي: “عن أبو محمد الدرامى عن أبى أمامة قال: قال رسول الله ( صلعم ): “ما من أحد يدخله الله الجنة الا زوجه الله اثنتين وسبعين زوجة ما منهن واحدة إلا ولها قُبُل شهي وله ذكر (أى عضو ذكري) لا ينثني”.
وهل من الأخلاق الحميدة والعفة والفضيلة والشرف أن نقرأ في كتب الشريعة “الغراء” أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها (رواه أبو داود)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج البخاري في صحيحه كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال الراوي عن أنس قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: “كنا نتحدث أنه أُعطي قوة ثلاثين” وفي رواية الإسماعيلي: قوة أربعين في الجماع.
وهل يا ترى ذكر القصة التالية في كتب التراث: “سألت حفصة بنت عبد الرحمن هو ابن أبي بكر قلت لها إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي أن أسألك عنه، قالت سل يا ابن أخي عما بدا لك، قال أسألك عن إتيان النساء في أدبارهن (قال الترمذي: حديث حسن صحيح) – لا يخدش الحياء العام!.
ويا ترى تفسير ابن عباس للآية التالية { إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } (سورة يس آية 55) بأن “الشغل هو افتضاض الأبكار”- هو دعوة للأخلاق والعفة والفضيلة والخلق الرفيع؟.
فإن كنا سنقيم المقاصل للكتاب والمفكرين والفنانات تحت دعوى خدش الحياء العام، فلنقم هذه المقاصل أولا للشيوخ الذين يروجون لكتب التراث المذكورة أعلاه!
شبكة الشرق الأوسط للإرسال

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

وزير الثقافة المصري يكفر رجال الدين اللذين يرفضون تحديد النسل لانهم يخالفون شرع الله

قال جابر عصفور وزير الثقافة المصري السابق إن الحكومة بحاجة إلى تنفيذ سياسة تنظيم الأسرة لمنع النمو السكاني السريع في بلد يزيد عدد سكانه عن مليوني نسمة. وقال “اريد قرارا بوقف حالات حمل اكثر من ثلاثة اطفال”. ودعا عصفور الذي كان يتحدث على قناة “صدى البلد” التلفزيونية في 15 ديسمبر / كانون الأول إلى إصلاح الخطاب الديني وقال: “عندما تتطلب منك المصالح الوطنية لبلدك وضع حد للانفجار السكاني، وإلا فإنك تنتهك الشريعة “.

Posted in الأدب والفن, يوتيوب | Leave a comment

هجوم كنيسة مار مينا صلب الأقباط قبل الميلاد

المقدمة : 1 . لا بد لنا من البحث في الشخصية الأسلامية ، فهل هي شخصية مستقرة ! ، أو هي شخصية تلد شخصيات أخرى ! . 2 . الأرهاب الأسلامي يودع عام 2017 في مصر بهجوم على كنائس الأقباط / كنيسة مار مينا ، فقد جاء في الميديا وبمواقع متعددة .. التالي : ( حادث كنيسة مارمينا ، هو هجوم مسلح من قبل إرهابي استهدف كنيسة مارمينا بمدينة حلوان / مصر ، في إحدى ضواحي محافظة القاهرة في 29 ديسمبر 2017 . أسفر الهجوم عن مقتل 9 وإصابة 5 آخرين . فيما قبض على منفذي الهجوم – مصابا ، وأعلن تنظيم داعش مسئوليته عن الحادث .. ) .
الموضوع : بعيدا عن كل أيات السيف والدم والقتل ، ومنها :{ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } البقرة191 ، وشرحها وفق تفسير الطبري ” قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مَقاتلهم وأمكنكم قتلهم ، وذلك هو معنى قوله : حيث ثقفتموهم.” / الى أخر شرح الأية .. وبعيدا عن الكم الهائل من احاديث الرسول الذي تحث على الذبح والموت ، ومنها الحديث التالي ” أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ” ، وشرحه وفق موقع أبن باز ” هذا الحديث صحيح ، رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى.. ) ، الحديث وعلى ظاهره ، فإن من أتى بالشهادتين وهو لا يأتي بهما قبل ذلك ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه يعتبر مسلماً حرام الدم والمال إلا بحق الإسلام ، يعني إلا بما يوجبه الإسلام عليه بعد ذلك .. ” . بعيدا عن كل الموروث الأسلامي الموبوء بالحقد والكراهية وألغاء الأخر .. أقدم قراءتي الخاصة للشخصية الأسلامية ، المبنية أساسا كمرتكزات على حادث كنيسة مار مينا في مصر 29.12.2017 ! .
القراءة : نعم الموروث الأسلامي يكفر الأقباط ، ويقف مع هذا التكفير ، معظم رجال أسلام مصر ، من شيوخ وكتاب ودعاة و .. حتى شيوخ الأزهر / ضمنا ، ولكن قراءتي تنصب على تساؤلات خاصة : 1 . لم شخصية الفرد المسلم في صورتها الظاهرية تختلف عن صورتها الحقيقية / الباطنية – الخفية ! ، لم هذا الأنفصام في الشخصية الأنسانية في الحياة المجتمعية اليومية للفرد المسلم / المتطرف خاصة ! ، فقد أن الاوان لهذه الشخصية أن تحدد موقفها ، فأما أن تكون شخصية سوية أو أن تظهر شخصيتها العدوانية الأرهابية بشكلها الحقيقي ، دون التستر وراء شخصيات مختلقة اخرى . 2 . الشخصية الأسلامية لا بد لها أن تترك الصورة الدموية التي تقوم بها على الواقع الحياتي اليومي الفعلي ، وهذا لا يتم بنهج أزدواجية الشخصية التي تمثلها الشخصية الاسلامية ! ، بل يتم بتوحيد الفكر العقائدي مع الواقع الحياتي . 3 . ولكن كيف يتم ألغاء هذا الفكر العقائدي للشخصية الأسلامية ، أذا كان هذا الفكر العقائدي هو الدين بذاته ! ، هو الأسلام بكل موروثه ! . 4 . من جانب أخر .. كل هذا العمق التاريخي للوجود القبطي والأسلامي أرض مصر ، والذي أفقه الماضوي هو مئات السنين ، ولكن لا زالت الشخصية الأسلامية المصرية / تحديدا ، مكفرة للأقباط – وهم أهل مصر الحقيقيين ! ، وهذا المحور يحتاج الى ثورة قبول للمسلمين للأقباط بأنهم مواطنين ، وليس أهل ذمة ! . 5 . الشخصية الدموية الباطنية للمسلم / المتطرف ، ممكن أن تلاحظ بشكل جلي وواضح في مقطع تصرفات الأرهابي في هجومه على كنيسة مار مينا / للأطلاع على الفيديو ، لطفا تابع موقع
www.masrawy.com ،
نلاحظ أن الأرهابي كأنه يعيش في عالم أخر غير الواقع الذي هو فيه حقا ! وهذه أزمة عقلية تغييبية تجهيلية يحياها منفذ الهجوم قبل تنفيذ العملية الارهابية ! وسبب كل هذا هو التعبئة العقلية للأرهابي بفكر قتل الكفار / الأقباط .
خاتمة : الحياة في مصر سوف لا تستمر ، بل سوف لن تقوم لها قائمة ، ألا على مبدأ ” تعايش المصريين ” ، من أقباط ومسلمين / وباقي الأقليات الدينية ، وأن أي مبدأ خلاف ذلك ، هو بمثابة هدم للوحدة الوطنية ، وهدم دولة أسمها مصر ! .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

تصرف واحد أو كلمة واحدة منا قد تفعل فعل السحر سلبا أو ايجابا

حدث ذلك منذ حوالي سبعة عشر عاما…. جاءتني رسالة من صديقة في سوريا ترجوني أن أساعد شابة سورية وصلت لتوها
إلى أمريكا وتعيش وضعا مأساويا. استقبلت صفاء في مطار لوس أنجلوس قادمة من ولاية أخرى، وعاشت في بيتي قرابة ثلاثة اشهر. كانت في بداية الثلاثين من عمرها، لطيفة ولكنها صامتة…. وأنا بطبعي عندما أشعر بان شخصا يملك منطقة محظورة في حياته، أتراجع وأحتفظ بأسئلتي. أقدر خصوصيات الناس ولا أطرح سؤالا واحدا اعرف أنه قد يُحرج صاحبه. لذلك، عاشت صفاء في بيتي كل هذه الفترة دون أن أعرف عنها شيئا، سوى أنها هربت من زوج ظالم وانتهى بها المطاف في أمريكا.
……….
أحد الأيام كنا على مقربة من الأعياد، لاحظت صفاء أنني أتحدث بخشونة مع شخص على الهاتف، ولما سألتني: ما القضية؟
قلت: رجل مختص بتنظيف النوافذ والثريات، كان قد وعدني بأن يأتي اليوم وأخلف! ثم تابعتُ باحباط: لم يعد بامكاني انجاز هذه المهمة قبل الأعياد!!
………
كان سقف المدخل إلى البيت كاتدرائيا عاليا تتوسطه ثريا كبيرة علاها الغبار، وكان يحيط بالمدخل بعض النوافذ التي نطلق عليها في أمريكا
ٍٍSky widows
لأنها عالية وقريبة من السقف. لما رأت صفاء علامات الاحباط على وجهي، قالت: لقد رأيت سلما عاليا في الكاراج، دعيني أجرب أن أنظفها بنفسي! فرمقتها بنظرة حادة، وقلت: هل أنت مجنونة، طبعا لا…. هل تخاطرين بحياتك من أجل تنظيف ثريا؟؟
هذا الرجل مختص ويملك سلالما خاصة ويربط نفسه بعدة احزمة عندما يتسلقها.
………….
أحد الأيام تركت صفاء في البيت وخرجت لمدة حوالي ساعتين، ولما عدت فتحت الباب لأراها متعمشقة في أعلى السقف، وتحاول أن تهبط باتجاه الأرض. صرخت بأعلى صوتي، ورحت أرتجف: ماذا تفعلين أيتها المجنونة؟؟!
فابتسمت وهي تتدلى نحو الاسفل وقالت: انظري لقد نظفتها على أحسن وجه! لم اتوقف عن الصراخ لمدة ساعة، وانا أهز راسي مستنكرة بين الحين والآخر، وأقول: كيف تخاطرين بحياتك من أجل مهمة تافهة كهذه؟ ماذا لو وقعت؟ ماذا لو انكسرتِ؟ ماذا لو ارتطم رأسك بالأرض؟ كنت أصرخ بغضب لا مثيل له، بينما هي تبتسم وتبدو مزهوة وكأنها قائد ربح لتوه حربا ضروسا!
….
تعرفت صفاء على اسرة عربية في بيت أحد صديقاتي، كانت الاسرة تزور صديقتي قادمة من ولاية مشيغن. اُعجب الزوجان بشخصية صفاء اللطيفة، وسُعدا عندما عرفا أنها كانت معلمة في سوريا. أقناعاها بان تسافر معهما، فهما يملكان حضانة للأطفال ووعداها أن يدفعا لها راتبا جيدا، وفي حال لم يعجبها الوضع سيشتريان لها بطاقة طائرة كي تعود إلى كالفورنيا،
فغادرت معهما. بقينا على تواصل لعدة سنوات، وكنت اسمع بين الحين والآخر أن وضعها يتحسن وهي تنتقل من نجاح إلى آخر، وكانت أخبار نجاحاتها تسعدني جدا. لسبب ما، انقطع التواصل بيننا، ولم أعد اسمع سوى بعض الاخبار كان آخرها أنها تملك وظيفة عالية جدا في إحدى الشركات، واشترت بيتا وتنفق على اهلها في سوريا.
….
بعد قرابة سبعة عشر عاما، وحديثا اضطررت إلى زيارة خاطفة إلى ولادية مشيغن، مدتها يوم واحد. عندما انتهيت من اشغالي عدت إلى الفندق، فرايت رسالة على الفيسبوك: (مرحبا وفاء… أنا صفاء… كيف تزورين مشيغن ولا تسألين عني؟ من الضروري جدا جدا أن أراك؟ أياك ان تتركي مشيغن قبل أن نتقابل)
استغربت الرسالة جدا، فكتبت أقول: من صفاء؟ وكيف عرفت أنني في مشيغن؟!! كتبت: (نسيتِ صفاء؟؟؟ السعدان الذي تعمشق على السلم في بيتك ثم مسحتِ الأرض به…هههههه فلان أخبرني أنك هنا أرجوك أتوسل إليك أن نلتقي قبل أن تسافري)
قلت: صفااااااااء، كيفك يا صفاء؟ هل تريدين أن نلتقي كي تردي لي الصاع صاعين؟!!! ضحكت صفاء واتفقنا أن نلتقي على مائدة الفطور في الفندق قبل أن أتوجه إلى المطار.
……
كان لقاءا من أجمل اللقاءات التي صادفتها في حياتي…. عانقتني صفاء وبكت حتى ارتوت. لم اكن أعرف أنني تركت في حياتها ذلك الأثر الذي إبكاها إلى هذا الحد وراحت تروي قصتها:
(عندما دخلت بيتك كنت جسدا بلا روح، بل كنت شبحا لا يبغى من الحياة سوى أن يختفي. ولدتُ لوالديّ بعد أن تقدما بهما العمر… كنت البنت الخامسة، وكان أبي يحلم أن أكون ذكرا، فقتلتُ بمجيئي إلى الدنيا حلمه وحلم أمي. لذلك لم يرحبا بقدومي واعتبرا وجودي عبأا ثقيلا. بدأت مأساتي منذ أن بدأت أعي الحياة، كلما التقى بي أبي في أحد زوايا البيت يركلني برجله وكأنني كلب أجرب. لم تكن أمي أو أي من أخواتي الأربعة اقل لؤما. مرة ـ ياوفاء ـ كنا نتناول طعام الغداء في بيت خالتي في قريتها،
وقررنا نحن الأطفال أن نلعب في الخارج، فقالت خالتي: لاتبتعدوا، الدنيا حر، وأخشى عليكم من الأفاعي فهي كثيرة في الأحراش المحيطة بنا!
فردّ أبي: ليت أفعى تعض صفاء فنرتاح منها! وغرق الجميع في نوبة ضحك.
مرة أخرى رن جرس البيت فركضت أختي وفتحت الباب، ثم قالت ماما أنه شحاد ماذا نعطيه؟
فردت الأم: أعطوه صفاء….
حاولت أخواتي دفشي باتجاه الباب وأنا أصرخ وأتوسل لهن أن لا يضحوا بي تمسح صفاء دمعتها وتتابع: في اليوم الذي طلب فيه والد زوجي يدي من أبي لابنه، قال له. ماهي شروطكم؟
فرد أبي بسخرية: أنت من يحق له أن يضع علينا شروطا!
لقد حسّ زوجي وأهله منذ اليوم الأول لزواجي أنني فردة حذاء بالية تخلصت منها عائلتي ولم يعاملوني إلا بناءا على إحساسهم هذا!!) تغرق صفاء في نوبة بكاء، ثم تفتح عينيها وتتابع: (في اللحظة التي لمحت بها ملامحك وأنا أهبط من أعلى السلم، وسمعت كلماتك يا مجنونة تضحين بحياتك من أجل مهمة تافهة؟؟؟ أحسست أنني ولدت من جديد…. كنت أتوقع أن تفرحي لأنني أنجزت لك مهمة، لكن حياتي كانت عندك أغلى من أية مهمة!! لأول مرة أحسست أن حياتي قيمة، وأن أحدا ما يعتبرها قيمة…. لا استطيع أن أشرح لك تلك اللحظة، إنها لحظة غارقة في لغزيتها… أحسست عندها أنني خلعت قناعا كان يحجبني عن حقيقتي، ثم فجأة تقمصتُ ذاتي العليا ـ على حد وصفك يا وفاء ـ فأنا أتابع كتاباتك منذ زمن طويل…. لقد جردتني معاملة أهلي لي من تلك الذات، فعشتُ حياة غير حياتي وظننتُ نفسي شخصا غير حقيقتي…. لكن في تلك اللحظة ولدت ـ على يديك ـ من جديد, ثم تتابع: أنا مدينة لك بكل نجاحاتي، وأريدك أن تعرفي كم أحبك!
…………………
لقد كان هذا الحدث تصرفا عفويا مني، ولم أكن أدرك أنه سيترك أثرا عميقا في حياة شخص آخر…. هكذا هي معظم تصرفاتنا!!
لا أحد فينا يعرف كم مرة ساهم في بناء أو تدمير شخص آخر، فتصرف واحد أو كلمة واحدة منا قد تفعل فعل السحر سلبا أو ايجابا, لذلك، يجب أن نرفع مستوى وعينا إلى حد نستطيع عنده أن نغربل تصرفاتنا وأقوالناٍ، وخصوصا عندما يتعلق الأمر
بـ (((((( أطفالنا )))))) نعم بأطفالنا! الأذية نفسيّة كانت أو جسديّة تحجب الإنسان عن ذاته العليا وتجرده من روحه، فيعيش في الحياة شبحا ـ على حد تعبير صفاء ـ ويغادرها قبل أن يعرف حقيقته!
……
صفاء اليوم هي الصفاء بعينه، وليس لدي شك أنها تبكي الآن وهي تقرأ قصتها على صفحتي فلقد وصلتني حرارة دموعها،
وبدأت تلامس شغافي وتبعث الدفء بين أضلعي…..
************************************
أعزائي القرّاء: مرة أخرى أعتذر عن طول القصة. حاولت بكل امكانياتي أن أختصرها فلم اُفلح، كي أعطي الموضوع حقه.
محبتي

Posted in الأدب والفن | 1 Comment

صندوق الإسلام 120: مدخل لتاريخ الفتوحات الإسلامية: غزوة مؤتة وعلاقتها بسورة الروم

حامد عبد الصمد ومحمد المسيح يناقشون السرديات الإسلامية والبيزنطية حول الفتوحات الإسلامية: غزوة مؤتة وعلاقتها بسورة الروم

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, يوتيوب | Leave a comment

شاهد خلل أمني يؤثر على جميع مستخدمي الكمبيوترات والهواتف.. كيف تحمي نفسك؟

اكتشف باحثون خللين أمنيين رئيسيين في رقاقات المعالجة، ما يؤثر على جميع مستخدمي الكمبيوترات والكمبيوترات اللوحية والهواتف الذكية تقريباً. الخلل يضرب أجهزة آبل وغوغل وأمازون ومايكروسوفت، حيث تستغل حشرتي “سبيكتر” و “ميلتداون” كيفية تنبؤ وتنفيذ الرقاقات للمهمات، وهذا الخلل يترك بعض المعلومات الحساسة ضعيفة.

Posted in تكنولوجيا, يوتيوب | Leave a comment

شاهد ابن شيخ الأزهر يدعو ماغي خزام الى دين الاسلام ، فكيف ترد ؟

رد الإعلامية ماغي خزام على ابن شيخ الأزهر الذي دعاها للاسلام و ارتداء الحجاب موضحة انها تحب المسلمين و لكنها ترفض فرض الافكار و حشرية البعض و عدم احترامه لباقي الاديان

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | 1 Comment

الموروث الديني في قصيدة “طَعْمُكِ مُفْعَمٌ بِعِطْرِ الآلِهَة”

/ بقلم الناقد عبد المجيد اطميزة
أولا: النص”طَعْمُكِ مُفْعَمٌ بِعِطْرِ الآلِهَة”/ للشاعرة آمال عوّاد رضوان
كُؤُوسُ ذِكْرَاكِ
حَطَّمَتْنِي عَلَى شِفَاهِ فَرَحٍ
لَمْ يَنْسَ طَعْمَكِ الْمُفْعَمَ .. بِعِطْرِ الآلِهَة
وَأَنَا
مَا فَتِئْتُ خَيْطًا مُعَلّقًا .. بِفَضَاءِ عَيْنَيْكِ
مَا نَضُبَتْ عَلاَئِقِي الْوَرْدِيَّةُ مِنْكِ
وَلاَ
مِنْ نُضْرَةِ سَمَاوَاتٍ مُرَصَّعَةٍ بِانْثِيَالاَتِكِ اللاَّزُورْدِيَّة!

حقولُ شَقَاوَتِي .. تَهَالَكَتْ .. عَلَى وَصْلِ غَيْثِكِ
كَمْ تَاقَتْ تَخْضَرُّ .. بَيْنَ ثَرْثَرَةِ أَنَامِلِكِ
وَكَمِ اسْتَغَاثَتْ
أَنِ اجْبِلِيها بِعَصَا خُلُودِكِ .. عَصَافِيرَ نَدِيَّةً
تَرْتَسِمُ دَيْمُومَةَ لَوْعَةٍ .. بِضَوْءِ عُهْدَتِكِ الْعَصِيَّة!
مُهْرَةَ رُوحِي الْحَافِيَة
أَلاَ هُزِّي عَتْمَةَ وَجْهِي الذَّاوِيَة
سَرِّحِيهَا نَوْرانِيَّةَ عَدَالَةٍ .. فِي مَسَامَاتِ جِهَاتِ مَوازينِكِ
عَلَّنِي أَنْغَمِسُ بِكِ خُبْزَ بَرَاءَة!

أَنَا مَنْ جِئْتُكَ مَوْلُودًا .. بِلاَ حُجُبٍ وَلاَ أَقْنِعَة
مَا كُنْتُ لاَهِيًا عَنْ نَقَاءٍ عَبَّدَ الْقُلُوبَ بِطُهْرِكِ
وَنَفَضَ عَنِّي كُلَّ عَرَائِي!
عَلَى أَوْتَارِ “حَيَاتِي”
عَزَفْتُ هَيْكَلَكِ الْمُنِيفِ بِكِ
ضَوْءًا أَزَلِيًّا لاَ يَنْضُبُ
نَصَّبْتُكِ عَلَى عَرْشِ عَتْمَتِي
لِيَسْتَدِلَّ بِخُشُوعِكِ خُشُوعِي!
حُنْجَرَتِي الْمَاسِيَّةُ .. ذَابَتْ مَزَامِيرَ اسْتِغْفَارٍ
عَلَى امْتِدَادِ جَذْوَتِكِ!

كَانَ ابْتِهَالِي أَعْمَقَ عَبَقًا
حِينَ حَضَرَ رُوَاؤُهُ جِرَارًا
يَتَهَجَّى قِرَاءَاتِهِ .. فِي مَحَارِيبِ حَنَانِكِ!
كَانَ صِيَامِي أَنْقَى أَجِيجًا
يَتْلُو عَلَى مَسَامِعِ مَائِكِ عَطَشَهُ!
بَادِلِينِي صَلاَةً
تَعْجَزُ عَنْ قَوْلِهَا لُغَةٌ قَاصِرَة!

هَا طَعْمِي قَدِ اكْتَمَلَ .. فِي حَضْرَةِ نِيرَانِكِ
وَدُنُوُّكِ كَفِيلٌ بِإِعَادَتِي متعبِّدًا
إِلَى نِصَابِ مَعْبَدِكِ!

لاَ تَقْتَلِعِي أَوْتَادَ جَأْشِي
فَأَذُوبُ عَلَى مُنْحَنَى وَهْمٍ فِيهِ مَحْوِي.
جَلْبِبِينِي بِظِلِّكِ الأَخْضَرِ
حِينَ تَخْلَعُ الأَقْمَارُ قِشْرَتَهَا
أرْجُوكِ اقْتَرِبِي مِنِّي
وَانْتَشِلِينِي مِنْ سُدَفِ عَتْمَتِي الْحَدْبَاء!
أَتُرَانِي اسْتَسْقَيْتُ رَمَادَ فُؤَادٍ
تَلَاشَى .. فِي تَقَاسِيمِ قَفَصٍ جَلِيدِيٍّ؟
أتِيحِي لِشِفَاهِ لَيْلِي .. أَنْ تَلْثُمَ مَعْزُوفَاتِكِ
لِتُشْرِقَ شُمُوسُكِ .. مِنْ أقدَاحِي .. مَوَاسِمَ حَصَاد!
مُنْذُكِ
وَبَيَادِرِي مَا اسْتَبَاحَتْهَا .. إِلاَّ تَسَابِيحُ ذِكْرَاكِ!
مُنْذُكِ
وَسَنَابِلِي الْعَتِيقَةُ .. تَدَّخِرُ قَمْحَكِ
بَارِكِي طَوَاحِينَ قَلْبٍ لاَ تَنْبِضُ
إِلاَّ بِأَعَاصِيرِكِ الْيَانِعَة
اِعْصِفِي بِي
عَسْجِدِينِي .. بِرَاحَتَيْكِ الشَّفَّافَتَيْنِ
لَوِّنِينِي .. بِسَطْعِكِ
كَيْ يَنْضُوَ عَنْ رُوحِي .. أَتْرِبَةَ الْغِيَابِ.
نَأْيُكِ آسِنٌ .. يُحَوِّطُنِي بِمَائِكِ الْمُقدّس
أَخْشَاهُ يَسْلِبُنِي نَبْعِيَ الْمُلَوَّن!
تَخَطَّفِينِي مِنْ بَيْنِكِ .. مَلاَئِكَةَ حُرُوفٍ
تُذْكِي هَجِيرَ قَنَادِيلِي بِاشْتِهَاءَاتِ الْكَوَاكِبِ!
وَحْدَكِ
مَنْ رَادَفَ جَرْفُهَا حَرْفَهَا
وَغَدَوْتُ طَمْيًا .. عَلَى ضِفِافِ رَحِيلِكِ!

يَا مَنْ كُنْتِ كَمَائِنَ اقْتِنَاصِي .. بِفِتْنَتِكِ الآسِرَة
أَنَا الْمَسْكُونُ بِدَفْقِ الظَّمَأِ لِتَفَاصِيلِ شُمُوخِكِ
مَتَى تَغْدِينَ شَارَةً عَذْرَاءَ
عَلَى عَوْدَتِي الأَبَدِيَّة؟
أَنَا مَنْ تَكَلَّلْتُ بِمَوَاسِمِ الدُّوَارِ
تُرَاقِصُنِي طُقُوسِي الْمَنْذُورَةُ .. عَلَى إِيقَاعِكِ الضَّبَابِيِّ
عَلَّنِي أَسْتَعِيدُ نَبْضِيَ إِنْ مَكَثْتِ بَيْنِي وَبَيْنِي!

أَلْقِينِي بِحِضْنِ وَقْتٍ يُمْعِنُ فِي عِنَاقِكِ
كَم أَجَادَ التَّفَلُّتَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي
وَنَحَّانِي مُغَرِّدًا وَحْدَتِي
أَتَوَارَى خَلْفَ صُدَاحِكِ
حَيْثُ طَابَ لَهُ الْمُكُوثُ الرَّيَّانُ
عَلَى هَوَامِشِ ضَوْئِكِ.
من ديوان الشاعرة آمال عوّاد رضوان (رحلة إلى عنوان مفقود)
ثانيا: التحليل الأدبي
تقول الشاعرة آمال عوّاد رضوان في المقطع الأول: “طَعْمُكِ مُفْعَمٌ بِعِطْرِ الآلِهَة/ كُؤُوسُ ذِكْرَاكِ/ حَطَّمَتْنِي عَلَى شِفَاهِ فَرَحٍ/ لَمْ يَنْسَ طَعْمَكِ الْمُفْعَمَ بِعِطْرِ الآلِهَة/ وَأَنَا/ مَا فَتِئْتُ خَيْطًا مُعَلّقًا بِفَضَاءِ عَيْنَيْكِ/ ما نَضُبَتْ عَلاَئِقِي الْوَرْدِيَّةُ مِنْكِ/ وَلاَ مِنْ نُضْرَةِ سَمَاوَاتٍ مُرَصَّعَةٍ بِانْثِيَالاَتِكِ اللاَّزُورْدِيَّة!/ حقولُ شَقَاوَتِي .. تَهَالَكَتْ عَلَى وَصْلِ غَيْثِكِ/ كَمْ تَاقَتْ تَخْضَرُّ .. بَيْنَ ثَرْثَرَةِ أَنَامِلِكِ/ وَكَمِ اسْتَغَاثَتْ/ أَنِ اجْبِلِيها بِعَصَا خُلُودِكِ عَصَافِيرَ نَدِيَّةً/ تَرْتَسِمُ دَيْمُومَةَ لَوْعَةٍ .. بِضَوْءِ عُهْدَتِكِ الْعَصِيَّة!”
العنوان: “طَعْمُكِ مُفْعَمٌ بِعِطْرِ الآلِهَة”: يتكوّنُ مِن جُملةٍ اسميّةٍ وجارٍ ومجرور ومُضافٍ ومضاف إليه، والمخاطبُ هنا السيّدة العذراء، وهي فلسطينيّةُ الموْلد في أرض الوطن، فللوطنِ وللدّين قداستُهما عندَ الشاعرة، فهما الهُويّةُ ونبضُ الرّوح، وتصفُ الشاعرةُ طعمَ الوطنِ والسيّدةَ العذراءَ بعطرِ رائحةِ الآلهةِ قداسةً، والشاعرةُ تُجري تبادُلًا وتراسُلًا بينَ مُعطياتِ الحواسّ على طريقةِ الرمزيّين، أمّا المقصودُ بتراسُلِ الحواسّ فهو: أن يُوصِلَ الشاعرُ دلالاتٍ مُبتكَرةً مِن خلالِ تَبادُلِ مُعطياتِ الحواسّ وتَراسُلِها، كأنْ يَستخدِمَ حاسّةَ اللّمسِ لِما يَقتضيهِ السّمع، وهو ما يعني أن يَشمَّ الشّاعرُ مِن خلالِ حاسّةِ السّمع، أو يَتذوّقَ بحاسّةِ البَصر، أو يرى بحاسّةِ اللّمس، وكلّ حاسّةٍ مِنَ الحواسّ الخمس تؤدّي وظيفةً حاسّةً أخرى بدلًا عنها، ويَتحَقّقُ التأثيرُ ذاتُهُ الذي يُمكنُ للمخّ البَشريّ أن يتلقّاهُ مِن أيّةِ حاسّةٍ، وبطبيعةِ الحال؛ فإنّ ذلك لا يَتحقّقُ في عالم الحقيقة، بل في عالم الخيالِ والتصوُّر الفنّيّ؛ فالطّعمُ وهو خاصٌّ بحاسّةِ الذوْق قد أجرته وأخضعته شاعرتنا لحاسّة الشّمّ.
“كُؤُوسُ ذِكْرَاكِ/ حَطَّمَتْنِي عَلَى شِفَاهِ فَرَحٍ/ لَمْ يَنْسَ طَعْمَكِ الْمُفْعَمَ بِعِطْرِ الآلِهَة”: للذّكرى كؤوسٌ تُحطّم، وللفرحِ شفاهٌ تبتسمُ، وكؤوسُ الذكرى لا تُنسى، وللوطنِ طعمٌ. صورٌ شعريّةٌ تتوالى وتتزاحَمُ، وكل السطور كنايةً عن محنةِ الوطن وتأسّي الشاعرة، مُبدِية قداستَهُ عندها.
وَأَنَا/ مَا فَتِئْتُ خَيْطًا مُعَلّقًا بِفَضَاءِ عَيْنَيْكِ/ ما نَضُبَتْ عَلاَئِقِي الْوَرْدِيَّةُ مِنْكِ/ وَلاَ/ مِنْ نُضْرَةِ سَمَاوَاتٍ مُرَصَّعَةٍ.. بِانْثِيَالاَتِكِ اللاَّزُورْدِيَّة!”:
وتستمرُّ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان في سطورِها مُستخدِمةً الأسلوبَ الخبريّ؛ لتأكيدِ الذاتِ وتبيانِ هوْلِ المأساة، والسطورُ هذه كنايةً عن تعلُّقِ الشاعرة بالوطن، وربْطِهِ بالسيّدةِ العذراء وبمَدى عشقِهما لذرّاته، وتُشبّهُ الشاعرة نفسَها بالخيطِ المُعلّقِ بفضاءِ عيني الوطن، أو إن شئت بعيني السيّدة العذراء بنت الوطن، وللوطنِ عيونٌ كما الإنسان، وتُوظّفُ الشاعرةُ الألوانَ، ليكتسيَ النصُّ بدلالاتٍ جميلة، واللونُ في الشعرِ يحتلُّ فضاءً بالغَ الأهمّيّة لِما له مِن بُعدٍ دلاليّ، فالتوظيفُ الفنّيُّ للّونِ قد يَنطلقُ مِن مَرجعيّاتٍ معرفيّةٍ، أو مِنَ اللّاوعي المعرفيّ للشاعرة، فقد استخدمَت الشاعرةُ اللونَ للتّعبيرِ عن الحالةِ النفسيّةِ المُراد إيصالها للمتلقّي، أو لرسم صورة شعريّةٍ بالألوان، فالشعرُ رسمٌ مُعبّرٌ وناطق، فالورد لونُهُ أحمرُ، والأحمرُ رمز، وإذا تحوّلنا إلى اللونِ الأحمرِ، وجدنا الشاعرةَ تستخدمُهُ لتُعبّرَ بهِ عن العواطفِ والحياةِ والحبّ، والشاعرةُ تتغزّلُ بانثيالاتِ السماءِ باللونِ الأزرق- اللازوردي، وفي السطر التالي تَذكُرُ الشاعرةُ الخضرة؛ وذلك لتأثيرِ المكان على الشاعرة، ولخلقِ لوحةٍ فنّيّةٍ مُتناسقة، ولكن هذا الجمالَ أفقدَهُ الواقعُ الاحتلاليُّ بهجتَهُ ونضارتَهُ.
“حقولُ شَقَاوَتِي تَهَالَكَتْ عَلَى وَصْلِ غَيْثِكِ/ كَمْ تَاقَتْ تَخْضَرُّ بَيْنَ ثَرْثَرَةِ أَنَامِلِكِ/ وَكَمِ اسْتَغَاثَتْ/ أَنِ اجْبِلِيها بِعَصَا خُلُودِكِ عَصَافِيرَ نَدِيَّةً/ تَرْتَسِمُ دَيْمُومَةَ لَوْعَةٍ .. بِضَوْءِ عُهْدَتِكِ الْعَصِيَّة!”:
الخطابُ مُوجّهٌ للسيّدةِ العذراء بنتِ الوطن ونبْضِه، وللشّقاوةِ حقولٌ تتهالكُ وتتوقُ للثرثرة، وتستغيثُ وتنطقُ وتتكلّمُ وتتهالكُ أمامَ عيني بنت الوطن، وأمامَ الوطن الذي فقدَ جماليّتَهُ، وتذكرُ الشاعرةُ “العينين” وهما الجزء، وتريد به الوطنَ “الكل” مجاز مُرسل علاقته الجزئيّة، وللوطنِ الأخضرِ الجميلِ أنامل، وقد ذكرت الشاعرة “الأنامل” وأرادت بهِ الكلّ، وهو أيضًا مجازٌ مرسل علاقته الجزئيّة، وهنا تتسلسلُ الشاعرة في هندسةِ بناءِ صورٍ جزئيّة، انتقالًا لخلقِ صورٍ مَشهديّةٍ، وصولًا لابتداع لوحةٍ فنّيّةٍ مُتكاملةٍ في هندستِها وبنائِها الفنّيّ، وتُكرّرُ الشاعرة “كم” الخبريّة التي تعني بها “الكثير” والتكرار تأكيد، ويُعَدُّ مِن الظواهر الأسلوبيّةِ التي تُستخدَمُ لفهم النصّ الأدبيّ، ولا يقومُ فقط على مجرّد تكرار اللفظة في السّياق، وإنّما ما تتركُهُ هذه اللفظة مِن أثرٍ انفعاليٍّ في نفسِ المُتلقّي، ويعكسُ جانبًا مِن الموقفِ النفسيّ والانفعاليّ، ومثلُ هذا الجانب يحملُ في ثناياهُ دلالاتٍ نفسيّةً وانفعاليّة مختلفة تفرضُها طبيعةُ السياق، والتكرارُ يُمثلُ إحدى الأدواتِ الجماليّة التي تساعد على فهم مَشهدٍ، صورةٍ أو موقفٍ ما، كما أنّ له وظيفته الإيقاعيّة، وتستمرُّ الشاعرة في تنوُّعِ مَشاهدِهِ الفنّيّة، فالحقولُ تخضرُّ بين ثرثرةِ أناملِ المحبوب (الوطن)، وتستغيثُ الشاعرة كثيرًا بالسيّدة العذراء، لتُعينَنا على تحريرِهِ ليُجبَلَ ويَزخرَ بعصافيرِ الحرّيّة، فللخلودِ والبقاءِ عصا تُجبلُ بلحنِ الخلودِ والتحرّر.
وتُوظّفُ خاصّيّةَ التناصّ في قوْلها “أَنِ اجْبِلِيها بِعَصَا خُلُودِكِ عَصَافِيرَ نَدِيَّةً”، والعصا هي عصا موسى التي ضربَها في البحر الأحمر، بعدَ خروج اليهود من مصر؛ للعودة إلى أرض كنعان، لكنّهم تاهوا في صحراء سيناء عقابًا لهم من الله، حين ضلّوا عن طريق الإيمان وعبدوا الأوثان، والظاهرةُ التناصيّة ذاتها، نجدُها مُهيمنةً في قصيدة شاعرتنا، فالقصيدةُ اعتمدتْ بُنيةً تراثيّةً مُغرقةً في شِعريّتها التراثيّة، سواء تعلّقت الدفقاتُ بالشخوص، أم بالأماكن أم بالوقائع، وهذا التناص من نوع التناص القرآنيّ، فهو ممتدٌّ بإيحاءاتِهِ وظِلّهِ على النصّ الأدبيّ، لنلمح جزءًا من قصّةٍ قرآنيّة، أو عبارةٍ قرآنيّة أدخلتها الشاعرة في سياق نصّها . “وهذا التناص غير المباشر ينضوي تحته التلميح والتلويح والإيماء، والمجاز والرمز، وهو عمليّة شعوريّة يستنتجُ الأديب من النصّ المتداخل معه أفكارًا معيّنة، يومئ بها ويرمز إليها في نصّه الجديد(1).
فتقول الشاعرة آمال: “مُهْرَةَ رُوحِي الْحَافِيَة/ أَلاَ هُزِّي عَتْمَةَ وَجْهِي الذَّاوِيَة/ سَرِّحِيهَا نَوْرانِيَّةَ عَدَالَةٍ فِي مَسَامَاتِ جِهَاتِ مَوازينِكِ/ عَلَّنِي أَنْغَمِسُ بِكِ خُبْزَ بَرَاءَة.
وفي السطر الأوّلِ انزياحٌ بالحذف، حيث حذفت الشاعرة حرفَ النداء، والتقدير: “يا مُهْرَةَ رُوحِي الْحَافِيَة”: وترمز الشاعرة بمهرة الروح بمدينة بيت لحم، حيث ولد السيد المسيح، ومن خلال سورة مريم تخاطب الشاعرة المدينة، والسيدة مريم العذراء شفيعة ونصيرة المؤمنين.
وتتزاحمُ الصورُ الشعريّةُ وتتوالى الانزياحاتُ المختلفة، فللرّوح مُهرةٌ والمهرةُ حافية، وتهزّ جذعَ النخلة، ولها جهاتٌ وللجهاتِ موازينُ تزنُ بها، وللوجهِ عتمةٌ وللخبز براءة! ولنتوقف قليلا عند التناص الدينيّ المتمثل في قول الشاعرة: “أَلاَ هُزِّي عَتْمَةَ وَجْهِي الذَّاوِيَة”، وهو تناص يتقاطعُ مع قوله تعالى في سورة مريم: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا، فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا، فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّا”. الشاعرة هنا ترمز لولادة الفلسطينيّ الجديدة بعدَ مخاضٍ عسير ، فالمُتتبّعُ لمفردات شاعرتنا آمال وألفاظِها، يجزمُ بأنها تستفيدُ كثيرًا من ألفاظِها القرآنية، حتى لتصلَ بألفاظها حدّ التطابقَ معَ ألفاظِهِ، إنّها تتواصلُ مع قاموسٍ قرآنيّ يقتحمُ بهِ عالمَها الشعريّ، وتنفُذُ من خلاله إلى أعماقِ الحرفِ العربيّ وإيقاعِهِ وبُنيتِهِ اللغويّة، ممّا يدفع إلى الاعتقاد، بأنّ الشاعرةَ كإنسانةٍ مُغرمةٍ بالقرآن، ومُعجبةٍ ببيانِهِ وفصاحتِهِ، حاملة في الوقتِ نفسِهِ هذه الصورة إلى المتلقي لدفعِهِ باتّجاهِها، أو حمله على التوافق معًا، ومِن ثم إلى الانحياز إليها.
إنّها تُذكّرُنا دائمًا بالمفردة القرآنيّة؛ بجِرسِها وإيقاعِها ودلالتِها، وإنّ القارئ لشِعرِها يُبحرُ معها في عالمٍ مِن صُنع القرآن وتأثيرِهِ، وتهتمّ بالتناص المعنويّ، حيث تبدو شاعرتنا منقادةً في رحاب المعنى، بشكلٍ ملحوظ، للقرآن أو إليه، وواقفة تحت تأثيره المباشر، فلا تكادُ تخلو أجزاءُ هذه القصيدة من هذا التناص، وهي في ذلك تكشفُ التزامًا بفكرة الدين، التي تتمثل بالتحريض على التمثل بالقيم والأخلاقيّات والفضائل؛ والتنفير من المقابل السلبيّ لها، والتي بمقتضاها تقيسُ حجمَ الالتزام ومَداه.
“سَرِّحِيهَا نَوْرانِيَّةَ عَدَالَةٍ/ فِي مَسَامَاتِ جِهَاتِ مَوازينِكِ”: كنايةً عن أحلام الشاعرة بالحرّيّة والعدالة في ظلّ عالم ومحيطٍ يعملُ بمكيالين.
“عَلَّنِي أَنْغَمِسُ بِكِ خُبْزَ بَرَاءَة”: ويستمر الخطاب موجه للمدينة المقدسة بيت لحم، و”الخبز” رمز للخبز الذي باركه السيد المسيح، خمسة أرغفة باركها على ضفاف بحيرة طبريا وأطعم منها آلاف التابعين له- وأيضا، وهو رمز أيضا للخبز المغموس بالنبيذ في خدمة القداس والذي يرمز لجسد المسيح المصلوب ولدمه المسفوك. وهذا يدل على الإخوة التي يحتفل بها المؤمنون في عشاء المحبة وكسر الخبز، ومن هنا تكمن أهمّيّة البحث في وقائع النصّ الإنجيليّ وأبعاده. والدلالة الرمزيّة هنا تُذكّرنا بمحنة الفلسطينيّين وتأسّيهم، حيث تربطهم المشاركة الوجدانيّة والفعليّة في السرّاء والضرّاء.
وفي السطر تناص ديني يتقاطع مع النص الإنجيلي: “فرَفَعَ يسوعُ عَينَيه، فرأَى جَمعًا كثيرًا مُقبِلاً إِلَيه فقالَ لِفيلِبُّس: مِن أَينَ نَشتَري خُبزًا لِيأكُلَ هؤلاء؟”: النصّ الإنجيليّ (يوحنا 6: 1-15) إنّ الإبداعَ أو الأصالة “لا تنحصرُ في ابتكار أفكارٍ جديدة، بقدر ما تنحصرُ في التأليف بين أفكارٍ قديمة، أو إدخال بعض التعديلات على ما انحدر إليه من طرز فنيّة قديمة”(2)
وتستمرّ الشاعرة آمال في شدوها: “لاَ تُقْصِينِي أَيَا طُوفَانِيَ الْمُشْتَهَى/ نَوَافِيرُ فَرَارِكِ فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ اللَّيْلَكِيّ/ طَاغِيَةَ الْحُمْرَةِ بَاتَتْ شَهْقَاتُ خَيَالِي الْكَافِرِ/ كَجَذْوَةٍ مُجَمَرَّةٍ غَدَتْ خَفَقَاتِي!”.
“لاَ تُقْصِينِي أَيَا طُوفَانِيَ الْمُشْتَهَى “: وهنا توظف الشاعرة أسطورة الطوفان القديمة والموت، لطوفان آخر يتمثل في طوفان الحياة والولادة الجديدة في فلسطين والعالم العربيّ، فلم يغمر الطوفان فلسطين يومًا كما يغمرُها اليوم، ورغم ذلك، فمن المستحيل إخضاع الناس واستعبادهم، مهما اشتدّ عسف الحاكم وجنونه. ويقول ميخائيل باكونين الثائر الروسي الأشهر، بأنّ البشر، كلّ البشر، في كلّ مكان وزمان، يتمتّعون بغريزةٍ أصيلةٍ هي غريزة الحرّيّة. لا يستطيع أيّ نظام طغيانٍ أن يقضي عليها، حتى لو خنع الناس مضطرّين لفترات طويلة.
لقد توافرت حيثيات الرموز في نتاج الشعراء الحداثيّين ولا سيّما الفلسطينيّين، الذين عادوا إلى الرموز الدينيّة والتراث الشعبيّ، فحمّلوهُ بُعدَهم الوطنيّ السياسيّ، بسبب جذورهم، وشعورهم بأنّ هذا التراث هو تراثهم، ومن هؤلاء شاعرتنا آمال عوّاد رضوان التي غرفت من النصوص الدينيّة والتراث الشعبيّ، واستحضرته في شعرها كرمزٍ يُعبّر عن موقفها من الواقع، وكمُعادلٍ موضوعيّ لِما تشعر به. و”تنبع أهمّيّة توظيف الأسطورة والرموز الأسطوريّة في القصيدة الحديثة، من كون الرمز يُشكّل صورة حسِّية مولّدة للمعنى ومسكونة به. ويكشف استدعاء الأسطورة أو الرمز الأسطوريّ عن قيمة الوظيفة الدلاليّة والجماليّة، التي يُحقّقها الرمز في سياق النصّ الشعريّ، سواءً جاء هذا الاستدعاء في جزء من القصيدة، أو استغرقها كلها، لأنه (عندما يتجاوز الشاعر مستوى مجرّد ذكر الأسطورة أو الرمز الأسطوريّ، إلى مستوى الاستلهام والاستحياء والتوظيف، من خلال خلق سياقٍ خاصّ يُجسّدُ تفاعلَ الأسطورة مع التجربة الشعريّة.) (3)
“نَوَافِيرُ فَرَارِكِ فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ اللَّيْلَكِيّ”: وهنا تتوالى الانزياحات، ففي عبارات السطر ثلاثة انزياحات: “نَوَافِيرُ فَرَارِكِ”، فالسامع عندما يسمع كلمة “نَوَافِيرُ” يتوقع أن تليها كلمة “الماء” مثلا، وفي عبارة “فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ” انزياح ثانٍ، فالسامع عندما يسمع كلمة “تفجرت” يتوقع أن تليها كلمة “الأزمة” مثلا، وعندما يسمع كلمة “ضوئي” يتوقع أن تليها كلمة “المنير” مثلا، لكنه يتفاجأ بسماعه كلمة “اللَّيْلَكِيّ”،وهذه الانزياحات تولد الإثارة في نفس المتلقي.
“طَاغِيَةَ الْحُمْرَةِ بَاتَتْ شَهْقَاتُ خَيَالِي الْكَافِرِ”: والحمرة هنا رمزٌ لتغيّر ملامح الوجه، تأثّرًا لهول ما يحصل في فلسطين والأرض العربيّة مِن فِتنٍ ودمارٍ وخراب، وللخيال شهقاتٌ طاغية كافرة! انزياحاتٌ وصورٌ فنّيّة مُتتابعة. ونستطيع أن نجزم بيقين لا يُخالجه شكّ أو تُخامرُهُ ريبة، أنّ الصورة الشعريّة هي”جوهر الشعر وأداته القادرة على الخلق والابتكار، والتحوير والتعديل لأجزاء الواقع، بل اللغة القادرة على استكناه جوهر التجربة الشعريّة، وتشكيل موقف الشاعر من الواقع، وفق إدراكه الجماليّ الخاصّ. ولعلّ ممّا لا يند عن ذهن أو يغيب عن خاطر، أنّ الصورةَ الشعريّة ليست شيئًا طارئًا، بل وُجدت منذ أن وُجد الشعر على ظهر البسيطة، ولكنّها تختلف وتتفاوت بين شاعر وآخر، كما أنّ ملامحَ الصورة تتنوّع بتنوّع اللغات والمجتمعات، وأصحابُ المَلكات الشعريّة هم الذين لم يتركوا شيئًا إلّا وسدّدوا إليه سهامهم، وأضفَوْا عليه قبَسًا من حمم قريحتهم المُلتهبة، وخلعوا عليه من أحاسيسهم المرهفة وخيالهم الخصب وميضًا يُبدّدُ عتمةَ الحياة، وميضًا يمسحُ الكرى عن الجفون، والقذى عن العيون، ويُبصّرُ أصحابَ الخاطرِ المكدود، الذين يُكابدون غصصَ الحرمان، بمواطن الحُسن ومنازل الجَمال على قلّتها وضآلتها، حتّى يتقلّبوا في أعطافها وينالوا من ألطافها، تلك المواطن التي يمرّ عليها أصحابُ الجفن القريح والجرح الدامي، دون أن ينبسوا ببنت شفة في الإفصاح عنها، فكثيرٌ من الأشياء المألوفة تناولها الشعراء، فصوّروها بأقلامهم تصويرًا يجعلنا نحسّ بجدّة هذه الأشياء كلّما قرأنا صورهم، وكأنّ هذه الأشياء المألوفة نعرفها لأوّل مرّة، الأمر الذي قاد النقاد للقول، بأنّ أكثر الصور إمتاعًا هي التي تكون الصورة الشعريّة فيها حاضرة في أذهان معظم الناس، ورغم أنّ المعاني عامّة لدى جميع الناس ومنهم الشعراء، ولكن العبرة في مدى قدرة الشاعر على صوغ هذه المعاني في ألفاظ، وقدرته على تصويرها.” (4)
“كَجَذْوَةٍ مُجَمَرَّةٍ غَدَتْ خَفَقَاتِي!”: تُشبّهُ تلك الخفقاتِ بموقدةِ نارٍ مُجمّرة لهول المَصاب. وتستمر في قصيدتها قائلة: “ثَنَايَا انْكِسَارَاتِي/ مَا فَتِئَتْ تُؤْنِسُنِي بِصَوْتِكِ الْمُتَهَجِّدِ/ حُضُورُكِ.. مَا انْفَكَّ يُبْهِرُنِي صُدَاحُهُ/ يَجْلِبُ لِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ الْمَطَرَ/ يَجْعَلُنِي أَذْرِفُ كُلَّ عَنَادِلَ لِبْلاَبِي/ مَنْ يُنْجِدُنِي مِنْ سَطْوَةِ صَوْتِكِ/ حِينَ تفْتَحُ لِي غِرْنَاطَةُ السَّمَاء؟/ أَو حِينَ أَنْهَمِرُ غُيُومًا عَلَى كُلِّ مَوْجَةٍ/ تَنْدَاحُ مِنْ شَفَتَيْكِ “حَيَاتِي”؟/ أنَّى تَعْتَلِينَ مَوْجَةَ ذُهُولِي الْخَرْسَاءَ/ فَأَخْلُصُ مِنْ آثَامِي؟”
“ثَنَايَا انْكِسَارَاتِي/ مَا فَتِئَتْ تُؤْنِسُنِي بِصَوْتِكِ الْمُتَهَجِّدِ”: كنايةً عن الانكساراتِ والنكساتِ والتشظّيات والانقسامات التي أصابت الأمّة وعصفت بالوطن، فالشاعرة لم تفقد الأمل بولادته وخلوده والعودة لأحضانه.
“حُضُورُكِ.. مَا انْفَكَّ يُبْهِرُنِي صُدَاحُهُ/ يَجْلِبُ لِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ الْمَطَرَ”: كنايةً عن أنّ للحضور الدينيّ وللعذراء وقعًا مريحًا على قلب الشاعرة، بانزياح الغُمّة واندحار عدوّ الأمّة عن الوطن.
“يَجْعَلُنِي أَذْرِفُ كُلَّ عَنَادِلَ لِبْلاَبِي”: وعنادل جمع عندليب، وغناء العندليب : مثلٌ يُضرَب في الملاحة والطِّيب، والبلابل رمز للجمال.
“مَنْ يُنْجِدُنِي مِنْ سَطْوَةِ صَوْتِكِ/ حِينَ تفْتَحُ لِي غِرْنَاطَةُ السَّمَاء؟”: تنتقل الشاعرة للأسلوب الطلبيّ والاستفهام يفيد الاستنكار؛ أي لا أحد ينقذ روح الشاعرة من شدة الفرح عندما تزول الغمة ويتحرر الوطن، ولا زال الخطاب موجها للسيدة العذراء، وهنا تتناول الشاعرة شكلا مهما من أشكال التناص يتركز حول التناص التاريخي والحضاري، وتراوح بين استدعاء الأحداث التراثية الدينية، أو استدعاء للرمزية التي تمتد لها، شكلت مفاصل عندها في التاريخ الإسلامي. إذ لم يقتصر على القرآن في المحاكاة والاستفادة والتوظيف وإنما أدخلت التاريخ الإسلامي في الأندلس والمعالم الحضارية في شعرها وجعلت لها مكانة مرموزة وموحية، في محاولة منها لإعادة قراءة التاريخ، ومن ثم توظيفه بصورة انتقائية هادفة، غالبا ما ترى فيها تجسيدا لمواقف بطولية ترسم منهجا واضحا لقانون القيم الدينية والأخلاق الموافق منها والمعارض على حد السواء.
“أَو حِينَ أَنْهَمِرُ غُيُومًا عَلَى كُلِّ مَوْجَةٍ”: كناية عن الخير المرافق للانتصارات.
“تَنْدَاحُ مِنْ شَفَتَيْكِ “حَيَاتِي”؟ : الفم بشفتيه وشقيه يرمزان إلى وحدة شطري فلسطين بكاملها الداخل والضفة وتحلم بأن يلتمّ الشمل وتعود الحياة وتسري الأنفاس والدماء في شرايينها. ويذكر الناقد الفرنسي رولان بارت إلى أن الكلام كله: ”سالفه وحاضره، يصبُ في النص، ولكن ليس وفق طريقة متدرجة معلومة، ولا بمحاكاة إرادية، وإنما وفق طريق متشعبة، صورةٌ تمنح النص وضع الإنتاجية، وليس إعادة الإنتاج “(5)
“أنَّى تَعْتَلِينَ مَوْجَةَ ذُهُولِي الْخَرْسَاءَ”: والشاعرة هنا توظف مرة أخرى الأسلوب الطلبي، والاستفهام يفيد التعجب، فالشاعرة كما الخرساء من هول ما أصيبت به فلسطين من نكبات علما بأن الفلسطيني لم يرتكب الآثام والخطايا ليتخلص من الآثام.
“فَأَخْلُصُ مِنْ آثَامِي؟”: توظف الموروث الدينيّ، حيث أتى السيد المسيح ليخلص البشريّة من خطاياها وآثامها، وكأني بها تتساءل: ما هي آثام الفلسطينيّ التي يدفع أثمانها تهجيرا واحتلالا وعذابا؟ متى وكيف يخلص من آثامه؟ هل هو كافر؟ لا بل أنا ما كنت لاهيا…). يرى د. صبري حافظ ”أن التناص هو الذي يَهَبُ النص قيمته ومعناه . ليس فقط؛ لأنه يضع النص ضمن سياق يمكننا من فض مغاليق نظامه الإشاري، ويَهَبُ إشاراته وخريطة علاقاته معناها، ولكن أيضًا؛ لأنه هو الذي يمكننا من طرح مجموعة من التوقعات عندما نواجه نصاً ما، واستجلاب أفق للتلقي نتعامل به معه. وما يلبث هذا النص أن يشبع بعض هذه التوقعات”(6).
وتقول الشاعرة: “أَنَا مَنْ جِئْتُكَ مَوْلُودًا بِلاَ حُجُبٍ وَلاَ أَقْنِعَة/ مَا كُنْتُ لاَهِيًا عَنْ نَقَاءٍ عَبَّدَ الْقُلُوبَ بِطُهْرِكِ/ وَنَفَضَ عَنِّي كُلَّ عَرَائِي!/ تَمَرُّدُ خَفْقَتِي الْمَهْوُوسَةِ لاَ تَلْجُمِيهَا/ لا تُحِيلِينِي وَطَنًا مُثْقَلاً بِالْمَنَاقِيرِ/ أَبَدًا/ مَنَاقِيرِي مَا خَنَعَتْ لِدَسَاتِيرِ هُرَائِهِم!”
تستمر تخاطب السيدة العذراء: “أَنَا مَنْ جِئْتُكَ مَوْلُودًا بِلاَ حُجُبٍ وَلاَ أَقْنِعَة”: كناية عن مولد الشاعرة في موطنها، دون القدوم من الخارج والاستيطان فيه بحجج وأباطيل وزيف وخداع المحتل، والخطاب مُوجّهٌ للوطن المتمثل في المدينة المقدّسة، والسيدة العذراء بنت فلسطين.
“مَا كُنْتُ لاَهِيًا عَنْ نَقَاءٍ عَبَّدَ الْقُلُوبَ بِطُهْرِكِ/ وَنَفَضَ عَنِّي كُلَّ عَرَائِي!: كناية عن اقتناع الشاعرة بطهر ونقاء الوطن المسلوب، ونلحظ الصور الأدبيّة، فشبّهت الشاعرة النقاءَ بعاملٍ يُعَبّد، كما شبّهت القلوبَ بطريق تُعبَّد..استعارتان مكنيّتان في كلّ، ترسمان لصور فنّيّة جزئيّة.
“تَمَرُّدُ خَفْقَتِي الْمَهْوُوسَةِ لاَ تَلْجُمِيهَا”: كنايةً عن تمرّد الفلسطينيّ وتوقهِ للانعتاق والتحرّر.
لا تُحِيلِينِي وَطَنًا مُثْقَلاً بِالْمَنَاقِيرِ/ أَبَدًا/ مَنَاقِيرِي مَا خَنَعَتْ لِدَسَاتِيرِ هُرَائِهِم!”: كنايةً في كلّ عن رفض الشاعرة لكلّ محتلّ تدوسُ قدماه الوطن، ويُلحقُ به الأذى والضيم والاستبداد والسلب.
وتستمرّ الشاعرة مخاطبة الوطن المتمثل في المدينة المقدّسة ومريم العذراء: “عَلَى أَوْتَارِ “حَيَاتِي/ عَزَفْتُ هَيْكَلَكِ الْمُنِيفِ بِكِ ضَوْءًا أَزَلِيًّا لاَ يَنْضُبُ/ نَصَّبْتُكِ عَلَى عَرْشِ عَتْمَتِي/ لِيَسْتَدِلَّ بِخُشُوعِكِ خُشُوعِي/ حُنْجَرَتِي الْمَاسِيَّةُ ذَابَتْ مَزَامِيرَ اسْتِغْفَارٍ/ عَلَى امْتِدَادِ جَذْوَتِكِ!/ كَانَ ابْتِهَالِي أَعْمَقَ عَبَقًا حِينَ حَضَرَ رُوُاؤُهُ جِرَارًا/ يَتَهَجَّى قِرَاءَاتِهِ فِي مَحَارِيبِ حَنَانِكِ!”
فللحياة أوتارٌ تعزفُ عليها الشاعرة نشيدَها، كما يعزف المغني على أوتار عود الطرب، وشبهت الشاعرة نفسَها بعازفٍ، والهيكلَ بمعزوف، والعزفَ ضوءًا أزليّا يُبدّدُ ظلمةَ روح معاناة الشاعرة، بما تُحسّ وترى في الوطن الذبيح، وللعتمة عرشٌ كما للملوك. صورٌ شعريّةٌ ترسمُ لوحةً جميلة متناسقة في هندستها.
“عَزَفْتُ هَيْكَلَكِ الْمُنِيفِ بِكِ.. ضَوْءًا أَزَلِيًّا لاَ يَنْضُبُ”: والهيكلُ المنيفُ رمزٌ لدورِ العبادة والرسالاتِ، وللخارطة الأزليّة والوجدانيّة لفلسطين.
وتقول: “حُنْجَرَتِي الْمَاسِيَّةُ ذَابَتْ مَزَامِيرَ اسْتِغْفَارٍ/ عَلَى امْتِدَادِ جَذْوَتِكِ!/ كَانَ ابْتِهَالِي أَعْمَقَ عَبَقًا حِينَ حَضَرَ رُوُاؤُهُ جِرَارًا/ يَتَهَجَّى قِرَاءَاتِهِ فِي مَحَارِيبِ حَنَانِكِ!”: كنايةً في كلٍّ عن حبّ الشاعرة للدين وللوطن، وتفانيها فيه وتوحُّدها معه، وتتابع الانزياحات والصور الفنية، فحنجرة الشاعرة ماسيّةٌ تذوبُ مزاميرَ عطرٍ حينما يبتهجُ الوطن في جراره، ولحنان الوطن محاريبُ تتبتّلُ فيها الشاعرة خشوعًا وصلاةً في ظلاله.
وتستعمل “كلمة صورة” للدلالة على كلّ ما له صلة بالتعبير الحسّيّ، وتطلق، أحيانًا مرادفة للاستعمال الاستعاريّ للكلمات. والصورة في مجملها تعتبر وسيلة الشاعر والأديب في نقل فكرته وعاطفته معًا إلى قرّائه أو سامعيه، ويُقاس نجاح الصورة في مدى قدرتها على تأدية هذه المهمّة، كما إنّ حكمنا على جمالها أو دقتها يرجع إلى مدى ما استطاعت الصورة أن تُحققه من تَناسُبٍ، بين حالة الفنان الداخليّة وما يُصوّره في الخارج تصويرًا دقيقا خاليًا من الجفوة والتعقيد، فيه روح الأديب وقلبه.” (7)
وفي قولها: “حُنْجَرَتِي الْمَاسِيَّةُ ذَابَتْ مَزَامِيرَ اسْتِغْفَارٍ”: نرى أنّ الشاعرة تغرفُ مِن مَعين الموروث الدينيّ، فتعود إلى قصّة داوود الملك حين ارتكب المعاصي واعتكف وبكى واستغفر، وكتب المزامير (صلوات الاستغفار)، فكأنّي بها تريد أن تقول بأنّ الفلسطينيّ لا يقلّ إيمانًا، فإن كان خاطئا آثمًا فهو مؤمن يستغفر ربه ويصلي ويبتهل، فلا تردي صلاته عليه خائبة قاصرة .
“بَادِلِينِي صَلاَةً تَعْجَزُ عَنْ قَوْلِهَا لُغَةٌ قَاصِرَة!/ هَا طَعْمِي قَدِ اكْتَمَلَ فِي حَضْرَةِ نِيرَانِكِ/ وَدُنُوُّكِ كَفِيلٌ بِإِعَادَتِي متعبِّدًا إِلَى نِصَابِ مَعْبَدِكِ/ لاَ تَقْتَلِعِي أَوْتَادَ جَأْشِي/ فَأَذُوبُ عَلَى مُنْحَنَى وَهْمٍ فِيهِ مَحْوِي”: وهنا تتجسّدُ الشخصيّة الدينيّة مُتّحدة مع المكان المقدّس والوطن الجريح، والخطاب مُوجّهٌ لكلّ، وتوظّف الشاعرة الأسلوبَ الطلبيّ، والأمر يفيد الدعاء أو التمنّي بأن تشارك السيدة العذراء الدعوات والصلوات بنصرة الوطن.
“هَا طَعْمِي قَدِ اكْتَمَلَ فِي حَضْرَةِ نِيرَانِكِ”: كناية عن أنّ الشاعرة تحسّ بالوطن وقداسته متمثلا في السيدة العذراء، وأرض الوطن كاملة غير مجزوءة، فهي تحسُّ بدنوّها واقترابها وبطعمها ورائحتها، حتى في عز الموت والفداء والاستشهاد والعذاب والقتل والحرب.
“وَدُنُوُّكِ كَفِيلٌ بِإِعَادَتِي متعبِّدًا إِلَى نِصَابِ مَعْبَدِكِ/ لاَ تَقْتَلِعِي أَوْتَادَ جَأْشِي/ فَأَذُوبُ عَلَى مُنْحَنَى وَهْمٍ فِيهِ مَحْوِي”: ومازال الخطابُ مُوجّهًا للسيّدة العذراء، فتستهلّه بالأسلوب الخبريّ لتبيان مأساتها والوطن، ثمّ لا تلبث الشاعرة أن تنتقلَ للأسلوب الطلبيّ، والنهي يفيد الدعاء، فالشاعرة تبتهل وتصلي وتدعو العذراء بأن تهبها القوّة والشجاعة، وتدعو بتخليص الوطن من محنته، وبالقبول والرضا والخشوع الرباني.
وتقول: “جَلْبِبِينِي بِظِلِّكِ الأَخْضَرِ حِينَ تَخْلَعُ الأَقْمَارُ قِشْرَتَهَا/ أرْجُوكِ اقْتَرِبِي مِنِّي/ وَانْتَشِلِينِي مِنْ سُدَفِ عَتْمَتِي الْحَدْبَاء!” كناية في كلّ عن حالة الغمّة التي تسيطر على حالة الشاعرة النفسيّة لهول ما ترى في الوطن الجميل الذبيح. وتتوالى أفعال الأمر “جَلْبِبِينِي”، و”وَانْتَشِلِينِي” لتفيد الدعاء في كلّ.
تستمر في أسلوبها الطلبي مرددة: “أ”َتُرَانِي اسْتَسْقَيْتُ رَمَادَ فُؤَادٍ/ تَلَاشَى فِي تَقَاسِيمِ قَفَصٍ جَلِيدِيٍّ؟/ أتِيحِي لِشِفَاهِ لَيْلِي أَنْ تَلْثُمَ مَعْزُوفَاتِكِ”: تتوالى الانزياحات والصور الفنيّة، فللفؤاد رماد يتلاشى كما النار، والرماد يٌستفتى، وللجليد قفص، ولليل الشاعرة شفاه تلثم كما الإنسان! “إنّ الشعر العذب الذي يشنَّف الأسماع، ويُسكر الألباب، ويأخذ بمجامع القلوب، هو الشعر الذي يموج موجًا بالصور الشعريّة الحافلة التي تشكل نواة القصيدة، فالشاعر المتصرّف في فنون الشعر، والذي يتّسم شعره بدقة المعاني، ولطافة التخيّل وملاحة الديباجة، هو الشاعر الذي يدمغ شعره المهفهف في دخائل كل نفس، ويوطّد دعائم أبياته المطهّمة العتاق في مدارج كلّ حس، والأشعار التي تفتقد لهذه الصور البديعة يتخطّفها الموت، ويكتنفها الظلام، ولا يترنّم بها الناس في دروب الحياة ومتعرّجاتها. لأجل ذلك، أضحت الصورة الشعريّة جوهر الشعر وأساس الحكم عليه، ولقد اهتم النقاد بجانب التصوير منذ قديم الأزل، وقدّموا جهودهم في هذا الصدد، وإن اقتصرت جهودهم على حدود الصور البلاغيّة كالتشبيه والمجاز ولم تتعدّاها، لتشمل الصور الذهنيّة، النفسيّة، الرمزيّة والبلاغيّة التي تتبلور وتتناغم في وجدان الشاعر. ولعلّ الحقيقة التي يجب عليّ بسطها هنا، أنّ الصور التي يُعدّها أصحابُ الحسّ المرهف أغلى من أقبية الديباج المخوّص بالذهب ليست قاصرة على الشعر، بل نجدها منثورة في حوايا النثر، والتفاتات أذهان كُتابه.” (8)
وتستمرّ في نشيدها: “لِتُشْرِقَ شُمُوسُكِ مِنْ أقدَاحِي مَوَاسِمَ حَصَاد!/ مُنْذُكِ/ وَبَيَادِرِي مَا اسْتَبَاحَتْهَا إِلاَّ تَسَابِيحُ ذِكْرَاكِ!/ مُنْذُكِ.. وَسَنَابِلِي الْعَتِيقَةُ تَدَّخِرُ قَمْحَكِ/ بَارِكِي طَوَاحِينَ قَلْبٍ لاَ تَنْبِضُ إِلاَّ بِأَعَاصِيرِكِ الْيَانِعَة/ اِعْصِفِي بِي/ عَسْجِدِينِي بِرَاحَتَيْكِ الشَّفَّافَتَيْنِ/ لَوِّنِينِي بِسَطْعِكِ/ كَيْ يَنْضُوَ عَنْ رُوحِي أَتْرِبَةَ الْغِيَابِ.”
ها هي شموس السيدة العذراء تشرق من أقداح الشاعرة مواسمَ خيرٍ وعطاء، وبيادرُ شاعرتنا تُستباح ولا يستبيحها سوى ذكرى العذراء: وسنابلُ الشاعرة العتيقة تدّخر قمحَ وخيرَ العذراء، وتنتقل الشاعرة للأسلوب الطلبيّ، والأمر يتوالى أربع مرات ليفيد الدعاء، فتدعو الشاعرة السيدة العذراء أن تبارك طواحينها، وأن تعصف بها وتشدّها شدّا، وأن تجعلَ من جوهرها الذهب الخالص، وهنا تشتق الشاعرة من اسم العسجد الفعلَ “عسجديني”، كما يُعرف بالنحت، كما تدعو الشاعرة السيدة العذراء أن تبقيها نقيّة ساطعة بطهرها الدينيّ، ونلحظ أن الصورة الشعريّة هنا ليست مجرد زخارف أو ألوان زاهية ترصدها العيون، وتتطلع إليها الأفئدة، أو مجرد صور تلقائيّة من صور التعبير تضجُّ به حركة القصيد، ولكنها العمود الرابط الذي يجمع بين جزئيات مادة الشعر، وينبغي لهذا الرابط أن يتّسم بالرقة والجمال والصدق، لأنّه لبّ العمل الفنّيّ الذي يظلّ حاضرًا في معظم أذهان الناس، إذا توافرت فيه عوامل النجاح، وإذا كان صاحبه ينشد من ورائه أن يحظى بشيء من التقدير والإعجاب.
وتنشد: “نَأْيُكِ آسِنٌ يُحَوِّطُنِي بِمَائِكِ الْمُقدّس/ أَخْشَاهُ يَسْلِبُنِي نَبْعِيَ الْمُلَوَّن!/ تَخَطَّفِينِي مِنْ بَيْنِكِ مَلاَئِكَةَ حُرُوفٍ/ تُذْكِي هَجِيرَ قَنَادِيلِي بِاشْتِهَاءَاتِ الْكَوَاكِبِ!/ وَحْدَكِ مَنْ رَادَفَ جَرْفُهَا حَرْفَهَا/ وَغَدَوْتُ طَمْيًا عَلَى ضِفِافِ رَحِيلِكِ!”.
وتنتقل للأسلوب الخبريّ لتأكيد الذات وتصوير هول المأساة التي تحيق بالشاعرة والوطن، وتتكئ في هذا المقطع على توظيفها لفعل المضارع الذي يفيد استمراريّة المأساة وتصويرها، حيث يتكرّر خمس مرات: “”نَأْيُكِ”، و”يُحَوِّطُنِي”، و”أَخْشَاهُ”، و”يَسْلِبُنِي”، و”تَخَطَّفِينِي”. توظف الشاعرة الرمز فتقول: “نَأْيُكِ آسِنٌ يُحَوِّطُنِي بِمَائِكِ الْمُقدّس”، والماء المقدّس رمز لفلسطين الكاملة غير المجزوءة وبشقيها من النهر للبحر، وعلى ضفاف نهر الأردن اعتمد السيد المسيح، والاعتماد رمز للخلاص من الخطايا ورمز للضفة المحتلة عام 1967، ورمز لبحيرة طبريا والداخل الفلسطيني، حيث الأراضي التي احتلت عام 1948، وهناك نادى وبشّر السيد المسيح بالمحبة والسلام.
وتقول: “وَحْدَكِ مَنْ رَادَفَ جَرْفُهَا حَرْفَهَا”، والجرْف والحرْف يرمزان للكساح الفلسطينيّ والشلل العربيّ الصامت بعيدًا عن نصرة فلسطين، وتجانس الشاعرة بين كل من: “جَرْفُهَا” و:”حَرْفَهَا” لتوليد إيقاع عذب يسري في جسد النص.
“يَا مَنْ كُنْتِ كَمَائِنَ اقْتِنَاصِي بِفِتْنَتِكِ الآسِرَة/ أَنَا الْمَسْكُونُ بِدَفْقِ الظَّمَأِ لِتَفَاصِيلِ شُمُوخِكِ/ مَتَى تَغْدِينَ شَارَةً عَذْرَاءَ عَلَى عَوْدَتِي الأَبَدِيَّة؟/ أَنَا مَنْ تَكَلَّلْتُ بِمَوَاسِمِ الدُّوَارِ/ تُرَاقِصُنِي طُقُوسِي الْمَنْذُورَةُ عَلَى إِيقَاعِكِ الضَّبَابِيِّ/ عَلَّنِي أَسْتَعِيدُ نَبْضِيَ إِنْ مَكَثْتِ بَيْنِي وَبَيْنِي!”
تنتقل الشاعرة للأسلوب الطلبيّ، والنداء يفيد التحسر، ولفتنة العذراء كمائنُ تقتنصُ كما الصياد، والشاعرة كأنّها طائر يُقتنص .
“أَنَا الْمَسْكُونُ بِدَفْقِ الظَّمَأِ لِتَفَاصِيلِ شُمُوخِكِ”: كناية عن تعلق الشاعرة بالإيمان ونصرة العذراء للشاعرة والوطن.
“عَلَّنِي أَسْتَعِيدُ نَبْضِيَ إِنْ مَكَثْتِ بَيْنِي وَبَيْنِي!”:كناية عن التمنّي بتحرير الوطن. والشرط يفيد الإقناع والإتيان بالحجّة والبرهان، وفي كلمة “عَلَّنِي” انزياح بالحذف، والتقدير “لعلني”.
وتختم الشاعرة نصها بقولها: “ألْقيني بِحضْنِ وَقتٍ يُمْعِنُ في عِناقِكِ/ كَم أجادَ التَّفَلُّتَ مِنْ بَينِ أصابِعي/ وَنَحَّاني مُغَرِّدًا وَحْدَتي/ دَعيني أَتَوارى خَلْفَ صُداحِكِ/ حَيْثُ طابَ لَهُ المُكوثُ الرَّيَّانُ/ على هَوامِشِ ضوْئِكِ.”
وتبدأ الشاعرة هذا المقطع بالأسلوب الطلبي والأمر في قولها “ألْقيني” يفيد التمني أو الدعاء بأن تتمكن الشاعرة من معانقاتها للسيدة العذراء، وتتوالى الانزياحات، فللوقت حضن يمعن ويعانق ويجيد التفلّت من بين الأصابع، والأمر في “دَعيني” يفيد الدعاء، والمقطع كناية عن تعلق الشاعرة بأهداب الدين والقيم والإيمان والحق، بعيدا عن ظلم العالم الممعن في شريعة الغاب. فالصورة عند شاعرتنا تتمثل في مناجاة النفس، ومحاورة الضمير، والتأثير في الحواس، وحرصت على أن تصاحب قصيدتها متعة تحبّب إليها الأسماع وألا تكون مجرّد كلمات جوفاء، فهي مترعة بالشحن العاطفية في جزئية من جزئياتها، فالعاطفة هي التي تهب للحدس تماسكه ووحدته، ولا يعتبر الحدس حدسًا، إلا لأنه يمثل عاطفة ملتهبة، كما أنّ نقاد العصر الحديث اجتمعت كلمتهم، على أن جمال الصور ليس دقتها أو مطابقتها للواقع، ولكن بمقدار الانفعال الطاغي الذي يربض هائجًا في داخلها، وإذا كانت الصورة لا قيمة لها بدون عاطفة، فالعاطفة لا معنى لها بدون صورة، فالعاطفة بدون صورة ضريرة عمياء، والصورة بدون عاطفة خالية جوفاء، كما ينبغي أن تكون العاطفة صادقة وليست زائفة ،وأن يكون دافع هذه العاطفة صحيحًا وليس أمرًا مصطنعًا، كما يشترط في العاطفة ثباتها وعدم تقلصها.
ولأنّ العاطفة تعتبر أهمّ ما في الصور الأدبية، فقد حرصت الشاعرة على ينقل تأثيرها في خلد المتلقي بروعتها بلفظ يأسر القلوب، ويفتن الوجدان، لأن اللفظ هو البنية الأساسية لأيّ عمل أدبيّ، وبمقدار ما ينجح الشاعر في تخير اللفظ المناسب الملائم للمعنى، بقدر ما يقدّم فنّا أدبيًّا يسمو به فوق ذرى المجد. وقد توافرت في هذه الصورة الإيحاء، فالصور الإيحائيّة أبعد تأثيرًا في النفس، وأكثر علوقًا في القلب من الصور التقريريّة الوصفيّة، وهي أبعث بالتالي على المتعة والإحساس بالجمال، كما يشترط النقد الحديث ويلحّ في الاشتراط على توفّر الوحدة المهيمنة على جميع الصور التي تبدّت في القصيدة، فصور الشاعرة نراها تتمّ في نطاق وحدة معينة، فهي ليست متنافرة بل متجانسة ومتماسكة.
“إنّ التوجّه إلى التراث الشعبي والاستعانة به في تشكيل معالم النصّ الشعريّ المعاصر، لم يكن وليد الترف الفكريّ أو العبث الفكريّ، إنّما كان لحاجة مُلحّة هي الباعث والمحرّك. فقد وجد الشاعر المعاصر في النصّ الشعبيّ النموذج والمثال، والملجأ والملاذ، يُعبّر بواسطته عن جراح الذات والجماعة وتصدّعات الواقع، كما يُجسّد من خلاله القهر الروحيّ الناجم عن اختلال القيم، والكبت الفكريّ الناتج عن الفساد الاجتماعيّ، ويفضح الاستبداد السياسيّ من خلال ضياع الحقوق وغياب العدل، فيستعين به على الخروج من مستنقعات الواقع الآسن، إلى رحاب آفاق الخيال الواسعة النقيّة، يستمدّ من قواها ويتزوّد بقيمها لمجابهة الحتميّة.” (9)
ووظفت الشاعرة تقنيّة القناع، “فكل متلقٍ* يستقبل الشخصيّة المستدعاة، ويتعامل معها وفق مكوّناته الفكريّة والنفسيّة، ويقوم السياق الذي ترد فيه بدور مهمّ في توجيه التلقي وتحقيق جدواه “.(10)

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

أصوات المحتجين في إيران وصلت لأسماع العالم

بقلم: المحامي عبد المجيد محمد
Abl.majeed.m@gmail.com

بعد مماطلة ووضع عراقيل من قبل الاطراف المعنية ذات المصلحة ونهاية وبناءا على طلب أمريكي عقد مجلس الأمن الدولي في يوم السبت الخامس من كانون الثاني يناير جلسة طارئة، و خطة عمل الجلسة للتحقيق في انتهاكات حقوق المحتجين والمتظاهرين في إيران والتي بدأت في 28 ديسمبر عام 2017 في مدينة مشهد وبعد وقت قصير اتسعت لتشمل اكثر من 120 مدينة في إيران.
في جلسة مجلس الامن، السيدة نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة حذرت النظام الإيراني وقالت إن العالم يراقب تعامل النظام مع المظاهرات المناوئة للحكومة وأكدت أن أمريكا مع الشعب الإيراني في تحديد مستقبله.
وفي ما جاء في كلمتها ” النظام الإيراني قطع الانترنت وحاول قطع الاتصال بين المتظاهرين حتى يخمد صوت الشعب ولا يجوز أن تحدث مثل هذه الأمور. لا يجوز لأعضاء الأمم المتحدة بحجة الحفاظ على السيادة أن يحرموا الشعوب من حقوقهم الأساسية وحقوق الإنسان.
الشعب الإيراني انتفض في اكثر من 79 نقطة وهذا دليل قدرة الشعب الإيراني الشجاع الذي ضاق ذرعا بهذه الحكومة القمعية وأنهم مستعدون لتعريض أنفسهم للخطر في سبيل مواجهتها. ويجب على العالم أن يقدر شجاعتهم ويجب ان يسمع صوتهم. النظام الإيراني يدعم الميليشيات بمليارات الدولارات سنويا بينما يعاني الشعب الإيراني من الفقر. حقوق الإنسان ليست هدية تقدمها الدولة بل هي حق لا يمكن التنازل عنه. الحرية و كرامة الإنسان لا تختلف عن الأمن والسلام وعندما يتم سلبها منهم يحق لهم الاحتجاج. وعندما لا يتم الاستماع لمطالبهم سيكون الأمن والسلام في خطر.”
وقال مندوب بريطانيا: ما ننتظره هو أن تحترم إيران حقوق المحتجين ويحق للشعب الإيراني الاحتجاج بصورة سلمية وفي اطار القانون وبخصوص العلاقة مع إيران نحن قلقون من مواضيع أخرى مثل الاعدامات وحرية المذاهب وبرنامجها الصاروخي وأنشطتها التي تزعزع استقرار المنطقة.
وقال المندوب البولندي: بولندا قلقة كثيرا من انتهاكات حقوق الإنسان في إيران ونتمنى أن يتحقق حق التظاهر وحرية التعبير عن الرأي.
وصرح المندوب الهولندي: نحن نراقب عن كثب الأوضاع الحالية في إيران المظاهرات في إيران بدأت في مدينة مشهد لأسباب اقتصادية ومن ثم اتسعت الى مدن اخرى، حق التظاهر السلمي محفوظ من قبل جميع الدول ومن بينها إيران، و لكن رأينا ان إيران خلقت حواجز للتواصل المباشر وغير المباشر بين مواطنيها ودولة هولندا قلقة من الأوضاع في إيران.
وأكد مندوب السويد أيضا أن دولته تدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع انحاء العالم ونحن نرى أنه يجب أن نسمع صوت الشعب الإيراني.
مندوب الكويت قال أنه يجب احترام حقوق المحتجين في إيران.
أما مندوب إيران في الأمم المتحدة و بطريقة النظام المعروفة للجميع دافع عن تصرفات النظام القمعية وعلى الرغم من التصريحات وكثير من المواضيع الواضحة لمندوبي الدول اعضاء مجلس الأمن في دفاعهم عن حقوق المتظاهرين ووجوب رعايتها، فقد قلب الأمور بشكل سخيف وقال: “هناك أيدي واضحة لعناصر من خارج إيران في الأحداث الأخيرة. التحريض على الفوضى مثل تشجيع الناس على استخدام المولوتوف ومصادرة مستودعات الذخيرة والحراك المسلح.”
ان عبارة ”وجود أيدي لعناصر من خارج إيران“ عرفها الشعب الإيراني سابقا منذ الثورة الشعبية على الشاه الديكتاتور عام 1978 و 1979 وكانت تطبق على الشعب من قبل السافاك وأجهزة حكومة الشاه القمعية. والآن وبعد 40 عاما حيث يسود الفساد وسياسة الملالي القمعية ألا يوجد من يصرخ للقيام باحتجاجات شاملة بسبب الفقر الشديد والبطالة.

هذه هي طبيعة ولاية الفقيه القمعية وعناصر حكومته الفاسدة. وقد أخفوا رؤوسهم في الثلج حتى لا يشاهدوا هذه الحقائق ولا يسمعوا هذه النداءات.
لكن أصحاب الضمائر الحية سمعوا صوت المحتجين في إيران وسوف يسمعونها هم ايضا.
انعقاد هذه الجلسة هو انتصار كبير للمحتجين الإيرانيين والمقاومة الإيرانية وبات صوت المتظاهرين مسموعا في جميع انحاء العالم ونحو الأفضل.
جلسة مجلس الأمن على الرغم من محدوديتها أثبتت أن ضمير الإنسانية الحي مثل مطرقة القضاء تضرب الطاولة حتى تفتح الآذان والعيون المغلقة بسبب المصالح.
يجب أن يروا الحقيقة ويسمعونها لأن الإنسان يتم تقييمه بضميره الحي وعدالته.
لذلك بعد الجلسة الاضطرارية وبعد الاستماع لمندوبي مجلس الأمن المدافعين عن الحقوق والديمقراطية وسماع صوت الشعب الإيراني يبقى على الدول في الأمم المتحدة أن تقف بجانب الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية وأن يقفوا مع مطالب الشعب الإيراني المنتفض والذي مطلبه اسقاط نظام الولي الفقيه الديكتاتوري الفاشي.
وهذه هي الأسس التي يجب ان تبدأ بها الأمم المتحدة لتنجح في رسالتها و بالشكل الصحيح.

Posted in فكر حر | Leave a comment

ما معنى ان تعترف أميركا بفدرالية شرق الفرات؟

حميدي دهام الجربا – شيخ مشايخ قبيلة شمر

طلال عبدالله الخوري 7\1\2018 © مفكر حر

كما قلنا سابقاً, فإن أميركا تنتهج السرية والكتمان والدهاء حول سياستها الخارجية, وتفصح فقط عن اقل جزء ممكن, يمكنها من تنفيذ الأجزاء الحيوية في استراتيجيتها الخارجية, مع اكبر تأخير زمني ممكن لهذا الإفصاح لكي لا تعط الوقت والموارد لأعدائها من الرد وافشال خططها, وقلنا ان هدف أميركا الوحيد في سوريا هو إغراق عدوها التاريخي الروسي بالمستنقع, ومعه حلفائه من ايران والنظام السوري, واستنزافهم اقتصاديا وبشرياً وعسكرياً, وحرمان روسيا من أي ورقة تفاوضية يمكن ان تلعبها في ملفاتها مع الغرب مثل احتلال القرم الاوكراني  والمقاطعة الاقتصادية, وقد نجحت نجاحا باهراً حتى الآن, وها هم الروس وحلفائهم يتخبطون ولا يدرون ما يفعلون, ويصرفون الأموال الطائلة من دون أي مردود.

وآخر ما افصحت عنه أميركا عن سياستها في سوريا, بأن خطوتها المقبلة في منطقة شرق نهر الفرات التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية، التي تبلغ مساحتها نحو 28 ألف كيلومتر مربع، (أي ما يساوي ثلاثة أضعاف مساحة لبنان), هو الاعتراف بها دبلوماسياً, وإعادة تأهيلها وتحويلها الى منارة للشرق الأوسط , وتحويل الرقة بالذات التي كانت عاصمة لداعش, إلى “لاس فيغاس الشرق”, أي مدينة الخطيئة والقمار واللهو, على عكس الفضيلة المزيفة التي كان يدعيها الدواعش.
وأفصحت ايضاً بأنها تشترط على قبول التعاون بين «إقليم شرق الفرات» ودمشق, بتحقيق تسوية سياسية وانتقال سياسي وحكم لا مركزي, حسب وثيقة «مركز أبحاث رند» التي تؤصل لهذا الحكم اللامركزي, والإدارات المحلية في كل منطقة.

بقراءة بسيطة لهذا الإفصاح الأميركي نستنتج ما يلي:

أن اميركا لديها خطة واضحة متكاملة واقعية عملية لسياستها في سوريا, على عكس ما يدعي (المحللون السياسيون بين قوسين طبعاً, خريجي المعاهد الشرعية, على الجزيرة والقنوات العربية), وتنفذها بدقة وحنكة رفيعة المستوى.

أميركا غير مستعجلة, ولديها كل الوقت, ومستعدة ان تنتظر انهيار روسيا وحلفائها غرقاً بالمستنقع السوري عشرات السنين, ولكن السؤال الحيوي هنا, هل يحتمل الاقتصادين الروسي والإيراني المهترئين لأكثر من سنة او سنتين على الأكثر لكي ينهارا؟ وبقائهما في سوريا لإبقاء نظام الأسد الاجرامي قائما يكلفهما حوالي 100 مليون دولار شهرياً, وسيرتفع هذا المبلغ باضطراد؟؟ والأكثر من هذا فأن الشعب الإيراني الجائع بدأ ينتفض بسبب حرمانه من التنمية والصرف على مشاريع عبثية دونكيشوتية, وحتما سيتبعه الشعب الروسي لا محالة.

اذا, الوصول بروسيا وحلفائها الى هذا الوضع المزري, هو ما سعت له واشنطن وحققته بحرفية عالية, وهي تفرض عليهم بأن لا تقترب ايران وحلفائها من المناطق المتحالفة معها في جنوب غرب سوريا وفي شرق الفرات, وهي لا تمانع بأن يتبنوا مناطق النظام ويصرفون عليها…. ولكن حتما بالنهاية ستبدأ تظهر الخلافات بين المصالح الإيرانية والروسية والتركية, وأميركا لا تمانع من ان يحاربوا بعضهم البعض وهذا يصب في مصلحتها  ويسرع من غرق اعدائها…  وهذا ما سنراه قريباً.

 

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 2 Comments