تأليف القرآن- الكشف الوافي بقلم الرصافي- أخيراً

رياض الحبيّب

تناولت في الحلقة السابقة المثال الأوّل الذي ساق الرصافي على ما ليس من البلاغة في القرآن من جهة اللامعقول في عدل الله. وهنا المثال الثاني ممّا ساق الرصافي من جهة اللامعقول في مشيئة الله بقول مؤلّف القرآن: (ولو شاء لجعله ساكناً) أي: ولو شاء الله لجعل الظلّ ساكناً. وهنا نصّ كلام الرصافي في الصفحة 618 من كتابه الموسوم- الشخصية المُحمّديّة:
{وفي سورة الفرقان: 45 قوله (ألم ترَ إلى ربّك كيف مدّ الظلّ ولو شاء لجعله ساكناً) – إنّ المعنى في قوله (ولو شاء لجعله ساكناً) لا يتمشى مع المعقول، وبيان ذلك أنّ الشواخص الماثلة في سطح الأرض تحجب الشمس عمّا دونها من الأمكنة فيكون فيها الظل، فالظل إذن هو عدم نور الشمس لكونه محجوباً بالشخوص الماثلة. وهذا الظل يختلف امتداده باختلاف ارتفاع الشمس في الأفق، فعند الطلوع تأتي أشعة الشمس أفقية وحينئذ يحجبها كل شاخص في سطح الأرض ويكون الظلّ مديداً، وكلما ارتفعت الشمس تقلّص الظل على قدر ارتفاعها حتى إذا كانت الشمس في سمت الرأس كان الظل من كل شاخص قالصاً إلّا قليلاً. فهذا هو امتداد الظل وهذا هو قلوصه وانقباضه بارتفاع الشمس. ومعلوم أن طلوع الشمس وارتفاعها في الأفق ناشئ من حركة الأرض ودورانها على محورها، فليس من المعقول جعل الظل ساكناً غير متقلص ولا منقبض إلا إذا وقفت الأرض عن حركتها المحورية والدَّورية، وذلك مُحال لأنه مخالف لنواميس الطبيعة التي هي سنّة الله و(لنْ تجدَ لِسُنَّةِ اللهِ تبْديلًا) – الأحزاب: 62 والفتح: 23 وعلماء الكلام مُجْمِعون على أنّ قدرة الله لا تتعلق بالمُحال، على أن وقوف الأرض عن حركتها المحورية والدورية لا معنى له سوى زوالها وفنائها، وإذا فنيت الأرض لم يبق ظلّ ساكن ولا متحرك، فماذا يُراد إذن بقوله (ولو شاء لجعله ساكناً)؟!} انتهى

وتعليقاً على سعة اطّلاع الرصافي في مجالـَي الفيزياء والفلك؛ إنها ليست المرّة الوحيدة التي تحدّث فيها الرصافي عن ظواهر فيزياوية، إنما له كلام جميل وتصوّر رائع في موضوع “خلق السماوات والأرض” في الصفحة 650 من كتابه وكيف {كان محمد يعتبر الأرض مركزاً للعالم، جرياً على النظرية القديمة التي كانت شائعة في زمانه} ما يستطيع القرّاء الكرام بسهولة متابعة كلام الرصافي في الصفحة التي ذكرت. وللجواب على تساؤل الرصافي المشروع {فماذا يُراد إذن بقوله (ولو شاء لجعله ساكناً)} ذهبتُ أوّلاً إلى تفسير الطبري:
قوله (ولو شاء لجعله ساكناً) يقول: ولو شاء لجعله دائماً لا يزول، ممدوداً لا تُذهِبهُ الشَّمْس، وَلَا تُنْقِصهُ؛
20035 – عن ابن عباس- قوله (ولو شاء لجعله ساكناً) يقول: دائماً.
تعليقي: كيف يجعل الظلّ دائماً بعد اختفاء الضوء وهوالمُسبّب الوحيد للظلّ؟

20036 – عن مجاهد- قوله (ولو شاء لجعله ساكناً) قال: لا تصيبُهُ الشمس ولا يزول
تعليقي: إنْ كان القصد بقوله (لا تصيبه الشمس) لا تصِلُه أو لا تُدركه فالظلّ ليس مادّة ليقصدها ضوء الشمس، إنما يستحيل نشوء الظل أصلاً بدون توفـّر ضوء. أمّا قوله (لا يزول) أي يستمرّ فيستحيل أيضاً استمرار الظلّ أو دوامه بدون وجود ضوء.

ومن تفسير القرطبي:
{ولو شاءَ لجَعَلهُ سَاكِناً: أي دائماً مستقِرّاً لا تنسَخهُ الشمس. ابن عباس: يريد إلى يوم القيامة، وقيل: المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع} انتهى
تعليقي: يا ليت شِعْري كيف يجعل الظلّ (دائماً مستقِرّاً لا تنسَخهُ الشمس- إلى يوم القيامة) في ليل مُعتِم لا ضوء فيه؟ ولماذا خلق الله الشمس وفي ذهنه أنْ يمنعها الطلوع؟

ومن تفسير الجلالين:
{“ولو شاء” ربّك “لجعله ساكناً” مُقيماً لا يزول بطلوع الشمس} انتهى
تعليقي: من البديهي أنْ ينشأ الظلّ بعد طلوع الشمس ولكنّه يتلاشى تدريجيّاً في خلال وقت انتقالها إلى الجهة الأخرى من الأرض فكيف يجعل الله الظلّ مقيماً و{علماء الكلام مُجْمِعون على أنّ قدرة الله لا تتعلق بالمُحال} كما تقدّم في تحليل الرصافي لمقطع الآية القرآنية المذكورة؟ ولو ورد المقطع المذكور في كتاب غير القرآن لاتّهِم مؤلّفه بالهذيان أو الغباء. أمّا لو كان المعنى في صورة شعريّة أو حبكة ما لمَا اعترض أحد على قبولها ولربما اٌستـُحسِنتْ. ولا تزال العبارة (دام ظلّه أو ظلّك) من عبارات الترحيب والتعظيم ولكنّها في المجاز وليست في الحقيقة. وفي النهاية وفي سياق التعظيم أيضاً قلت: لا ظلّ دائم سوء ظلّ الله عز وجلّ أي ظلّ الحقيقة أو المحبّة أو السلام أو العدل…إلخ وأمّا كلّ ظلّ سواه فذاهبٌ في النهاية وزائل. وفي الإمكان متابعة موضوع منطقتـَي الظلّ
 Shadow
بالإنگليزيّة وشبه الظلّ عبر ويكيبيديا- الموسوعة الحرّة:
http://en.wikipedia.org/wiki/Shadow

أمّا بعْدُ فالسكون في اللغة ضدّ الحركة.
ولشرْح معنى “سكن” في مُعجم “لسان العرب” لابن منظور (الذي اتخذ من القرآن والأحاديث والشّعْر مراجع) أورد المقتطفات التالية:
{سَكَن الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناً إذا ذهبت حركته، وأَسْكَنه هو وسَكَّنه غيره تسْكيناً. وكلّ ما هَدَأ فقد سَكَن كالريح والحَرّ والبرد ونحو ذلك.
وسَكَن بالمكان يَسْكُنُ سُكْنَى وسُكُوناً: أَقام؛ قال كثيِّر عزة:
وإن كان لا سُعْدَى أطالتْ سُكُونـَهُ *** ولا أَهْلُ سُعْدَى آخِرَ الدّهْرِ نازِلُهْ [بحر الطويل]
وفي حديث زيد بن ثابت: كنت إلى جنب رسول الله (ص) فغـَشِيَتْهُ السّكِينة؛ يريد ما كان يَعْرِضُ له من السكون والغـَيْبة عند نزول الوحي} انتهى-
فلم أجد “ساكناً” في هذا المعجم- وغيره- لتعني “دائماً” كما تفضّل أهل التأويل ولم أجد “سكن” بمعنى “دامَ” ولو افترضنا أنّ المقصود بقوله (ولو شاء لجعله ساكناً) في الآية القرآنية يعني “دائماً” فأوّلاً: لم يكن صعباً على مؤلّف القرآن القول به بدلاً من قوله (ساكناً) وثانياً: لا يوجد ظلّ دائمي بدون ديمومة الضوء- كما تقدّم.

أمّا من جهة العلم؛ قد أثبتت الفيزياء الحديثة أنْ لا وجود لسكون مطلق إنما نسبيّ؛ لأنّ جميع الأجسام والجُسيمات في الكون في حالة حركة نسبيّة. حتى ذرّات المواد التي في حالة الجماد كالجليد والحجر والخشب والزجاج والملح… إلخ تتحرّك الذرّات فيها (ودقائق الذرّات) حركات اهتزازية بقدر ما فيها من طاقة. وأمّا حالات السكون التي يدرسها التلاميذ في علم الفيزياء (المُتقدّم) فهي افتراضيّة الهدف منها تبسيط الدراسة.

————–

أخيراً- لقد ساق الرصافي أربعة وعشرين مثالاً- لا حصراً- على ما ليس من البلاغة في القرآن من جهة الإصطدام مع الله والعقل والمعقول ومن جهة الغلط اللغوي في أماكن عدّة ومتفرّقة في القرآن من جهة مؤلّف القرءان نفسه، كذلك في موضوع “المُحْكم والمتشابه في القرآن” الذي حدّد الرصافي ثلاثة مَباحث لافتة للخوض فيه وشيّقة.

————–

وفي نهاية هذه الحلقة- وهي الأخيرة- أجدّد الشكر لأصحاب المنبر الحُرّ في موقع الحوار المتمدن وفائق التقدير.
وأجدّدهما لجميع القرّاء الكرام الذين تفضلوا- وتفضّلن- بالتعليق على حلقات هذه السلسلة والتصويت.

أمّا السيدات والسادة ممّن ساءهم الموضوع فأتمنى عليهم إعادة النظر فيما يقدّسون لعلّهم يعرفون الإله الحقيقي والذي قام مؤلّف القرآن بمحاولات عدّة (في القرآن والحديث) بتشويه صورته وتغيير شرائعه والإفتراء عليها وباختلاق أكاذيب وتصديقها ليردّ عليها وإجبار الآخرين على القبول بها؛ في خطّة استمرّ التخطيط لها مدّة طويلة قبلما حان موعد تنفيذها وهو في سنّ الأربعين- راجع لطفاً كتاب الشخصية المحمدية، باب الخلوة في حراء وبدء الوحي- ص 138 – ثمّ فترة الوحي وصُوَر الوحي.

وتالياً لا أظنّ عاقلاً- بعد تقصّي الحقائق في هذا البحث خصوصاً وفي كتاب “الشخصيّة المحمّديّة” عموماً- يصدّق بقول محمّد على أنّه ”قوله تعالى” فحاشا الله (والإنسان السّويّ) أن ينزل إلى مستوى ما في القرآن من زنا وكراهية وحقد وغضب وقتل متعمَّد (أيّاً كانت المبرّرات) واضطهاد لحقوق الإنسان الآخر (أي المختلف) ولحقوق المرأة المُسْلمَة وغير المُسْلِمَة. أمّا الذي يريد (والتي تريد) أن يعرف الله وعلم الله المعرفة الحقيقية والصادقة فعليه-ا بدراسة الإنجيل. وسيعلم الذين يبحثون عن الحقيقة (واللائي يبحثن) بأنّ القرآن كتاب من تأليف مؤلّفه فحسْبُ ما ليس من عند الله ولا موحىً به من الله.

وها انّي خاطبت القرّاء بصيغتـَي المذكّر والمؤنث ما يدلّ على عجز اللغة العربيّة من مخاطبة الجنسَين بصيغة واحدة مُفرَدَة- كما في اللغات اليونانيّة واللاتينيّة- في إشارة إلى أنّ من غير المعقول أن يختار الله لغة عاجزة ومُقصِّرة كالعربيّة ليوصل بها رسالته إلى العالم. وللإطّلاع على اللغة اليونانية:
http://en.wikipedia.org/wiki/Greek_language

وكذلك اللاتينية:
http://en.wikipedia.org/wiki/Latin

رياض الحبيّب

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

تأليف القرآن- الكشف الوافي بقلم معروف الرصافي 25

رياض الحبيّب

نقرأ في الصفحة 616-617 في كتاب الرصافي- استكمالاً لموضوع البلاغة في القرآن:
لا شكّ أن البلاغة من التبليغ، كما ذكره الجاحظ في “البيان والتبيين” فالمقصود من جميع طرق البلاغة ومناحيها هو الوصول إلى إفهام المعنى للمخاطب على وجه يكون أحسن وقعاً في سمعه وأشدّ تأثيراً في نفسه، فكلّ من استطاع أن يفهم مخاطبة المعنى الذي حاك في صدره وجال في خاطره بأسلوب من أساليب البلاغة فهو بليغ وفي كلامه بلاغة. فالإفهام هو المحور الذي يدور عليه فلك البلاغة، والكلام يبعد عن البلاغة قدر بعده عن فهم المخاطب ويقرب منها قدر قربه منه، ولا يماري في هذا إلا معاند.

تعليقي: صدق الرصافي. إذاً مَنْ يؤمنْ بالله مطلق الكمال في كلّ شيء فلا يجب أن يكون في ريب منْ أنّ كلام الله بليغ أي واضح ومفهوم للعامّة من الناس الذين يُخاطِب فلا يترك سبحانه مجالاً لغموض ولا التباس، إنّه هو العليم والحكيم والقدير.

أردف الرصافي:
إنّ آيات القرآن متفاوتة في بلاغتها، بل فيها مالا يتمشى مع البلاغة، بل فيها ما لا يتمشى بظاهره مع المعقول. فمنها ما هو غير مفهوم، ومنها ما لا يبلغه الفهم إلا بتأويل وتقدير. وليس هذا القول ببدعة، فالقرآن نفسه قائل بذلك ومعترف به. ففي سورة آل عمران: 7 (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات مُحْكمات هُنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات) والمحكمات هي التي أحكِمَتْ عبارتها فلا يتطرّقها الاحتمال فيكون المعنى فيها مفهوماً وصريحاً، والمتشابهات هي الملتبسات في معانيها فلا يكون المعنى فيها صريحاً ولا مفهوماً. والأصل في التشابه هو المشابهة، يقال: تشابه الرجلان إذا أشبَه َ أحدُهُما الآخرَ حتى التبسا، لأنّ شدّة المشابهة تؤدّي إلى الالتباس ولذلك استعمل التشابه بمعنى الالتباس. وسنتكلم عن هذه الآية فيما سيأتي-
[لقد أفرد الرصافي فصلاً كاملاً عن المُحْكم والمتشابه في القرآن- ابتداءً بالصفحة 643 في كتابه- الشخصيّة المحمّديّة]

أضاف الرصافي:
ولا حاجة أن نذكر لك اختلاف أقوال العلماء في المتشابه وما هو المراد به في القرآن، فإنّ القرآن عربي، وقد استعمَل هذه الكلمة بمعناها اللغوي المعلوم، وليس هناك ما يضطرّنا إلى الخروج بها عن معناها العربي المعلوم. وإنْ أردت الوقوف على أقوالهم، فعليك بالإتقان [الإتقان في علوم القرآن- لمؤلّفه جلال الدين السّيوطي] وها نحن نورد لك بعض الآي من القرآن فنتكلم عنه بما يناسب الموضوع لتعلم منه صحة ما نقول:
(1) جاء في سورة الإسراء: 16 قوله (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمَرْنا مُترَفيها ففسقوا فيها فحق عليه القول فدمّرناها تدميراً) –
إنّ ظاهر هذه الآية غير معقول؛
أوّلاً: لأنّ الله أمَرَ المُترَفين بأن يفسقوا ففسقوا وذلك لا يجوز لأن فِعْل القبيح مستحيل على الله! فقد جاء في القرآن قوله في سورة الأعراف: 28 (قلْ إنّ الله لا يأمُر بالفحشاء)
ثانياً: إذا كان هو الذي أمَرَهُمْ أن يفسقوا كان فسقهم طاعة له وامتثالاً لأمره، فكيف يستحقون الإهلاك؟
ثالثاً: إنّ الإهلاك بالتدمير قد شمل أهل القرية كلهم، وإنما المجرمون منهم هم المترفون الذين هم يمثلون الأقلية من الناس في كل زمان ومكان، وليس هذا من العدل والله يأمر بالعدل والإحسان.

تعليقي: لنضرب مثالاً على ما في كتب التفسير ما يؤيّد احتجاج الرصافي. وهنا من تفسير الطبري للآية المذكورة-
{وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ (أمَرْنا مُتْرَفِيهَا) بقصر الألف من أَمَرْنَا وَتخْفِيف المِيم منها، لإجماع الحُجّة من القرّاء على تصويبها دون غيرها. وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة، فأولى التأويلات به تأويل من تَأَوَّلَهُ: أمَرْنا أهلها بالطاعة فعَصَوا وفسقوا فيها، فحقّ عليهم القول: لأن الأغلب من معنى أمَرْنا: الأمر، الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معاني كلام الله جَلّ ثناؤه إلى الأشهَر الأعرَف من معانيه، أوْلى ما وُجـِدَ إليه سبيل من غيره} انتهى. ولقد قمت بتشكيل أمَرْنا حيث الميم مخففة ومفتوحة أيضاً وكان الرصافي على حقّ.

وقد ختم الرّصافي في محاولة منه لإصلاح العبارة القرآنيّة وتصليح معناها:
وإنّ علماء التفسير قد أوّلوا الآية تأويلات بعيدة فقالوا: إنّ الأمر هنا مجاز وإن معنى قوله (أمرنا مترفيها) أي أنعَمْنا عليهم نِعَماً كثيرة فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، فكأنهم مأمورون بذلك. ولو كان هذا الكلام في غير القرآن لمَا تكلّفوا له هذا التأويل البعيد بل رفضوه وما قبلوه. ولو سلّمْنا صحّة هذا التأويل فما ذنبُ غير المُترَفين؟ ولا نطيل عليك بذكر أقوالهم، فعندك كتب التفسير فارجع إليها إن شئت، سوى أننا نقول: إنّ في هذه الآية قراءة أخرى يستقيم بها المعنى من بعض الوجوه. وهي أمّرنا المترفين (بتشديد الميم) من الإمارة أي جعلناهم أمراء، ففي هذه القراءة إصلاح للعبارة وتصليح للمعنى، لأنّ أمراء الناس مسبّبو هلاكهم في كل زمان، والظاهر أنّ الذي حمل هذا القارئ على قراءته هو ما رآه في القراءة الأولى مِنْ أنّ المعنى غير معقول، فقرأ “أمّرنا” -بتشديد الميم- لأنهم كانوا يقرأون القرآن بالمعنى، فكل ما صحّ به المعنى فهو قرآن عندهم. وليس الذي قالوه في القراءات إنها توقيفية بصحيح.

تعليقي أخيراً وتأكيداً على مشروعيّة وجهة نظر الرصافي، ذهبتُ أيضاً إلى مطلع تفسير ابن كثير للآية فوجدتُ قوله:
{اِخْتلفَ القرّاء فِي قِرَاءَة قوْله (أَمَرْنَا) فالمَشهُور قِرَاءَة التخفيف وَاختلفَ المُفسِّرُون في مَعْناها} انتهى. وكما تقدّم فإنّ اختلاف المفسّرين من العلماء والفقهاء على كلمة أو جملة منسوبة إلى السّماء يدلّ على الإفتقار إلى البلاغة.

————–

في الحلقة السادسة والعشرين: ما ليس من البلاغة في القرءان- في نظر الرصافي- سورة الفرقان: 45

رياض الحبيّب

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

أترانا ضعفاء ؟!

 زهير دعيم

“نحن سعداء لتقديم هذا الكتاب الذي هو ثمرة ثمينة للتعاون بين مؤسسة الكتاب المقدّس في إسرائيل وبين مؤمنين من جميع أنحاء العالم الذين يحبّون الكتب المقدسة”.
بهذه الكلمات توجّه السيد فيكتور كاليش المدير العامّ لمؤسسة الكتاب المقدّس في اسرائيل ، في منتصف شهر تموز الفائت الى العديد من أعضاء الكنيست الإسرائيلي والشخصيّات الهامّة في البلاد..
 كلمات جميلة مهذّبة تحمل في طيّاتها كما في داخل  مظروفها المحبّة والخير والفداء المجانيّ من خلال العهد الجديد ( الإنجيل ) ، فما كان من عضو الكنيست اليمينيّ المتطرّف  ميخائيل بن آري الا أن مزّقه أمام كاميرات الصّحافة والإعلام وقذف به في سلّة المهملات !! هكذا بوقاحة وصَلَف.
  ونددنا وتذمرنا بهدوء وقلنا : “عيب” الأجدر بالسيد ابن آري أن يشكر السيد كاليش ،ثمّ أنّه هو حرّ في ان يقبل الهدية أو أن يرفضها  او يردّها الى صاحبها بذوق ،حرٌّ في أن يقرأ الإنجيل او يضعه على الرفّ ،ولكن ان يفعل ما فعل ويجرح مشاعر مئات الملايين من المسيحيين  فهذا عيب ومناف للأخلاق وللإنسانية وللذوق الحسن. 
 ولم تمضِ أيام على هذه الحادثة ،حتى تمّ الاعتداء من قبل مجموعة من اليهود المتطرفين فكتبوا باللغة العبرية  شعارات بذيئة بحقّ ملك الملوك ورب الأرباب على جدران وأبواب دير اللطرون على مشارف مدينة القدس، وبالأمس القريب استفاق رهبان  دير الفرنسيسكان الواقع على جبل الزيتون والمُطلّ على القدس القديمة ؛ استفاقوا على شعارات تُلطّخ أحد مداخل الدير وباللغة العبرية تهاجم الربّ يسوع له المجد وتنعته  بأبشع العبارات..
 وفي كلّ الحالات سمعنا كلامًا، كلامًا فقط ،فقد ندّد واستنكر ذلك رئيس الدولة ورئيس الحكومة وعدد من الوزراء في هذه البلاد.
…تنديدات وامتعاض لا تغطية  حقيقيّة لها.
 أين هم الجُناة ؟ أين هم ؟ ولماذا لم تُلق الشرطة القبض عليهم حتى يلقوا جزاءهم؟…أتراهم يعيشون في المريخ ؟ أترى ان الشرطة الإسرائيلية عاجزة وغير قادرة على كشف هويتهم وتقديمهم للعدالة؟!
 والسؤال الذي يفرض نفسه هو : ماذا كان سيحدث لو أنّ الأمر كان معكوسًا ؟ ماذا كان سيحدث لو أنّ عربيًا مسيحيًا كان او غير مسيحيّ  أذنب وارتكب جناية كتابة شعارات مسيئة لليهودية على أبواب احد الكُنُس ؟.
هل كان الأمر سيمرّ مرّ الكرام بتنديد لا يسمن ولا يغني عن جوع؟ وهل سيفلت الجُناة من أيدي العدالة الاسرائيلية ؟ أم ستقوم الدنيا ولا تقعد وسيقولون : عنصرية..لا ساميّة .و…
نعم في خلال فترة وجيزة لا تتعدّى الثلاثة أشهر حدثت هناك ثلاثة اعتداءات على الربّ وانجيله ، فلم نسمع  من المسيحيين الا استنكارًا وتنديدًا وصلوات تُرفع  الى الربّ الحيّ كيما يفتح ويُكحّل عيون هؤلاء المعتدين بنوره العجيب وأن يغفر لهم ويسامحهم ، فالإله الذي نعبده كان وما زال نموذجًا رائعًا للغفران والمسامحة أضف الى ذلك أنّه إله قويّ لا يحتاج لي ولا  الى غيري حتى نأخذ بثأره، فالنقمة له يقول في كتابه المقدّس.
 أترانا ضعفاء ،  أترانا جبناء إن نحن سامحنا وصلينا ولم نثر ونشتم ونهدم ونخرّب المصالح الخاصّة والعامّة ؟ أترانا ضعفاء ان نحن لم نقتل  أو نهدّد بالقتل؟
أترانا جبناء ان نحن تذمرنا بصمت واستنكرنا بهدوء وصلينا بحرارة ؟!
 لا أظنّ ذلك.

زهير دعيم (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

الربيع الايراني يعانق السوري

حصريا مفكر حر 4\10\2012

الربيع الايراني يعانق نظيره السوري

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

عاش الزعيم عبد الكريم

رياض الحبيّب

يا اٌبـن النجومْ

عِـرق الكُـرُومْ

حُـبّ عظيـم

خيـرٌ عمـيم

قـلبٌ رحـيم

فـوق الهـموم

سـرّ حـكيم

بـين العُـلوم

يـا مستقـيم

أنّـى تـقيم

بـلْ في الصّمـيم

صـوتٌ يـدوم

عـاش الزعـيـم

عـبـد الكـريـم

***

أيـن الغريم

فيـما يلـوم

رأي الحليـم

يُـرضي الخصوم

إلّا اللئيـم

أوِ الذمـيم

يـنوي الهجوم

يـلقي السّمـوم

***

قـول الحكـيم

يـشفي السقـيم

قـلْ للنـديـم

لا لن أصـوم

هـاتِ الغيـوم

جُـرْحي ألـيم

لَا للـوجـوم

صـوتي رخـيم

فـكري يعـوم

حـتى أقـوم

كـما أروم

عـلى جحـيم

لَا عـينِ بُـوم

ولـو يهيـم

نـذير شوم

______________

* وهنا (أسباب النزول) مع محبّـتي
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=185427

رياض الحبيّب

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

طائفة المورمون مقابل جماعة الإخوان المسلمين

طلال عبدالله الخوري 4\10\2012

هناك احتمال كبير بأن يصل مت رومني إلى سدة حكم بلد اكبر قوة عظمى بالعالم, وهي دولة السوبر الوحيدة بالعالم, حيث تمتد مصالحها الاقتصادية والسياسية الى كل بقعة و نقطة بالعالم من دون استثناء, حيث تتعاظم فرص هذا المرشح يوماً بعد يوم, وخاصة بعد الحوار التلفزيوني الأخير حيث بدا مت رومني للشعب الاميركي كرئيس لديه خطة وواثق من نفسه بينما بدا منافسه اوباما كتلميذ مدرسة منهك.

ينتمي مت رومني الى طائفة المورمون الدينية المسيحية, المتطرفة بتطبيق تعاليم السيد المسيح ونبيهم جوزيف سميث مؤسس كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة المعروفة باسم المورمون.

ينحصر تطرف هذه المجموعة الدينية بالافعال التالية:

اولا: بالإكثار من الصلاة, ودعوة الأخرين للدخول بديانتهم, من منطلق محبتهم لهم و حرصهم عليهم, لكي يدخلوا معهم ملكوت الرب حسب معتقدهم, لدرجة بأنني أتعجب كيف يجدون الوقت الكافي لكسب قوتهم وقوت عائلاتهم واطفالهم؟ وأنا أتعجب أيضاً  كيف وجد مت رومني نفسه الوقت الكافي لكي يصبح مليارديرا ويدير شركاته بنجاح ضمن متطلبات السوق التنافسي الحر الهائلة؟
ربما قوة الإيمان تعطيهم طاقة إضافية لتحقيق المعجزات؟ لست أدري؟

ثانيا: هم أيضا متطرفون بالصدق, وأنا اعتبر أن هذه الميزة ستكون أكبر المشاكل بالنسبة لرومني, حيث ان السياسة تتطلب الديناميكية, والتكتم, والتلون, والدبلوماسية وليس كما علم السيد المسيح بالإستقامة حيث قال: “ليكن كلامكم نعم نعم او لا لا”؟

ثالثاُ: هم متطرفون بالتسامح, لدرجة أنهم اذا تعرضوا للإهانة بالطريق يبتسمون للمسئ ويسامحوه مباشرة, ويعتبرون الإساءة لهم بركة ولا يشتكون للسلطات في حدود معينة طبعاً.
وهذه الميزة ستكون مشكلة بالنسبة لرومني, وحتما سيقع بالتناقض بين معتقده الديني وعمله كسياسي؟

هذه هي الولايات المتحدة الأميركية وهذه هي سر عظمتها وسر قوتها الحقيقية, وهي الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة, وليست اساطيلها العسكرية.

من كان يصدق بالعالم قبل خمس سينين من الأن, بأن ابن رجل كيني هاجر الى الولايات المتحدة الاميركية عاري القدمين سيصبح رئيسا لاميركا؟

من كان يصدق قبل عامين من الان بأن متدين من طائفة صغيرة جدا ومنبوذة, يمكن ان يحلم بأن يصبح رئيساُ لأعظم دولة بالعالم؟

طبعا اذا فاز مت رومني سيحكم اميركا بالدستور العلماني, ولن يطلب تغيير الدستور وفرض عقيدته بقوة القانون كما يفعل الاخوان المسلمون؟

بالمقابل وصل الاخوان المسلمون بكل من مصر وتونس الى الحكم بانتخابات ديمقراطية حرة, ولكن للأسف يريدون تقنين معتقداتهم الدينية وفرضها بقوة القانون.

والاسوء من هذا فلديهم مبدأ التقية والمعاريض والإزدواجية بالمعايير من اجل الوصول الى الحكم والاستمرار بالحكم يعتبر عبادة وشرعاً يطلب منهم ممارسته بأوامر الهية؟ وهذا نقيض معتقد مت رومني.

نحن نطرح سؤالاُ هنا: متى ستصبح بلادنا عظيمة مثل الولايات المتحدة بقوة قيم الحرية والديمقراطية والعدل وحقوق الانسان وليس بقوة التقية والمعاريض والازدواجية والتي تؤدي بالبلاد الى الحضيض كما هي بلادنا الأن.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

هل سيتم رجم رشيدة داتي في المغرب؟

هل سيتم رجم الوزيرة الفرنسية من أب مغربي وام جزائرية حسب الشريعة الإسلامية

اعترفت رشيدة داتي بانجابها طفلة ثمرة علاقة زنا 

حصريا مفكر حر

Posted in فكر حر | Leave a comment

أردوغان وبشار الأسد وقرار الضرب بالداخل

طلال عبدالله الخوري 4\10\2012

بشار الأسد مقابل أردوغان وقرار كل منهما بالضرب بداخل سوريا وتركيا

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

إله القرآن يتوه في الجبال

كامل النجار

الجبال من المناظر الجميلة على وجه هذه الأرض التي نسكنها، خاصةً تلك الجبال العالية التي يغطيها الجليد على مدار العام مثل جبال الهملايا، وتلك التي تكون ضمن سلسلة طويلة تمتد على طول القارة، كجبال الانديز في أمريكا الجنوبية. ومن السهل أن يتوه الإنسان في مثل هذه السلسلة من الجبال الوعرة، ولكن أن يتوه الإله، فهذه مسألة أخرى. وأهمية الجبال تكمن في أنها تدفع السحاب إلى الأعلى، فيبرد وتهطل منه الأمطار. والإنسان له فيها مآرب كثيرة منها السكن في الكهوف في العصر الحجري وما قبله، واستخراج المعادن منها، وسحق حجارتها لتصنيع الأسمنت وأشياء أخرى. وفي بعض الأحيان تعترض الجبال طريق المواصلات بين الناس، فيفجر مهندسو الطرق جزءاً منها لفتح الطريق، أو يحفرون في أسفلها قناة كقناة Mont Blanc الشهيرة بين فرنسا وإيطاليا.
وكما يتوه الإنسان في سلسلة الجبال، يبدو أن إله القرآن قد تاه في جبال الدنيا. القرآن طبعاً ليس به أي إعجاز علمي رغم تبجح الزنداني وزغلول النجار، وقد اعتمد محمد في آياته على الظواهر الطبيعية التي عرفها الإنسان منذ الأزل، وزعم أن الله هو الذي خلقها، بدون أي إثبات مادي أو عقلي. ومن الظواهر الطبيعية التي اعتمد عليها محمد، ظاهرة الجبال. وقد جاء ذكر الجبال أو الجبل أو الرواسي في 50 آية في 35 سورة من القرآن. كل السور مكية ماعدا 7 سور مدنية. والسبب في ذلك أن محمداً عندما كان مستضعفاً في مكة حاول أن يقنع الناس عن طريق الإقناع بقدرة الله، وتخلى عن هذه الفكرة عندما كوّن جيشه العرمرم بالمدينة ولم يعد في حاجة إلى الإقناع بالمنطق، فالسيف أكثر إقناعاً من الكُتبِ. ولأن “الوحي” استمر على مدى 23 سنة، وبما أن محمداً بشرٌ مثلنا أصابه داء النسيان كما يصيب الجميع، فاختلط عليه الأمر في بعض آيات الجبال، وجعل ربه يتخبط كالتائه في صحراء أو في سلسلة جبال
كل شيء مهم جعله محمد على قمم الجبال، فقال إن الوحى نزل على موسى في قمة طور سيناء، والوحي المحمدي نزل في جبل حراء، ومحاولة ذبح إبراهيم إبنه إسحق حدثت على قمة جبل لم يسمه لنا المفسرون الإسلاميون، ولكن أهل التوراة يقولون إن المحاولة كانت على جبل جيرزيم Gerizim، وسفينة نوح استقرت على جبل الجودي المحمدي بينما يقول العهد القديم إنها استقرت على جبل عرارات Ararat. وعندما طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، طلب منه أن يذبح طيوراً ثم يقطّعها إلى أشلاء ويضعها على الجبال فترجع له عندما يناديها. منطق لا يستقيم والإقناع. كان الأولى به أن يضعها أمامه بعد تقطيعها ثم يريه الله كيف يحييها. فالطيور التي تأتي من الجبال ربما لا تكون نفس الطيور التي ذبحها. وعندما واعد الله بني إسرائيل جعل موعدهم بجانب الطور (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم بجانب الطور الأيمن) (طه 80). وعندما قضى موسى فترة عمله مع شعيب وترك أرض مدين مع زوجته، رأى نار الله بجانب الجبل (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله أنس في جانب الطور ناراً) (القصص 29).
رب القرآن جعل الجبال الصماء تنطق وتسبح وتسجد له، فقال: (ألم ترَ أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) (الحج 18). (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) (الأحزاب 72). (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين) (الأنبياء 79). (ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير وألنّا له الحديد) (سبأ 10). فالجبال تؤب أي تسبّح مع داود. (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) (ص 18).
ثم بدأ التيه عندما تحدث القرآن عن الكهوف لأن محمداً كان يسافر من مكة إلى الشام ويمر على منطقة تبوك التي كانت بها مساكن ثمود، ورأي بعض الجبال وبها نحت على أبواب الكهوف، وظن أن جماعة ثمود قد نحتوا الجبال وجعلوها مساكن لهم، فقال (تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتا) (الأعراف 74). (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً) (الحجر 82). (وينحتون من الجبال بيوتاً فارهين) (الشعراء 149).
ثم نسي أنه قال تنحتون، فقال (والله جعل لكم مما خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكنانا) (النحل 81). والأكنان هي البيوت. فالله هو الذي جعل لنا كهوفاً أو بيوتاً في الجبال ولم نكن ننحتنا بأنفسنا.
وقال عندما تحدث عن خلق الأرض (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) (النحل 15). وقال كذلك (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) (الحجر 19). وقال (ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا) (النبأ 13-14). فالله الذي هندس الأرض، جعل فيها الجبال أوتاداً تثبتها فلا تميد، أي تنقلب بنا. وبما أن الله أحسن كل شيء خلقا، فلا بد أنه حسب وزن ومكان الأوتاد التي تحتاجها الأرض حتى لا تنقلب بنا. والمهندس البارع لا يخلق أو يصنع أوزاناً أو أوتاداً لا حاجة لها لتثبيت الأرض.
ولكن رب القرآن عندما واعد موسى على الجبل طلب منه موسى أن يراه، فقال (ولما جاء موسى إلى ميقاتنا وكلمه ربه قال ربِ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر في مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) (الأعراف 143). مع ملاحظة أن هذا الجبل الذي دكه الله دكاً هو نفس الجبل الذي واعده عنده وأنزل عليه التوراة فيه. ولا نعلم هل دكه قبل أن ينزل عليه التوراة أم بعد إنزالها، ولكنا نعلم أن جبل سينا ما زال في مكانه. ثم عندما أراد أن يهدد بني إسرائيل، رفع الجبل فوقهم حتى خافوا أن يسقط عليهم (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظُلةٌ وظنوا أنه واقع بهم) (الأعراف 171). فإذاً جبل سيناء دكه الله لإقناع موسى، والجبل الآخر رفعه الله من على الأرض. فالله قد أزال وَتَديْنَ من أوتاد الأرض التي تمنعها من أن تنقلب بنا. فهل انقلبت الأرض، أم أن الوتدين كانا زائدين عن الحاجة، وبالتالي لم يكن مهندس الأوتاد بارعاً في صناعته؟
ثم يأتي التيه الأكبر والتخبط عندما يتحدث القرآن عن مصير الجبال يوم يُنفخ في الصور ويبدأ الحساب، فقال (يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً) (الطور 9-10). (يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن) (المعارج 8-9). (وسيرت الجبال فكانت سرابا) (النبأ 20). (وإذا الجبال سُيرت) (التكوير 3). (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) (القارعة 5). (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) (النمل 88). نفهم من هذه الآيات أن الجبال يوم البعث سوف ترتفع عن مكانها وتسير سير السحاب، وهي مكتملة الشكل حتى نحسبها ثابته، وهي ليست كذلك، أو تصبح كالسراب الذي نراه ولا وجود له في الحقيقة. وقد تنقلب بنا الأرض لأن أوتادها ارتفت ومرت كالسحاب.
ولكن النسيان آفة عظيمة تصيب الإنسان. فهاهو القرآن يقول لنا عن الجبال يوم البعث (إذا رُجت الأرض رحا. وبُست الجبال بسا) (الواقعة 4-5). يقول القرطبي في تفسير كلمة بُست: (يعني فُتت، عن ابن عباس. أما مجاهد يقول كما يُبس الدقيق أي يُلت. والبسيسة: الدقيق يُلت بالسمن). إذاً الجبال سوف تُعجن مع الأرض وتصير دقيقاً، فكيف نراها ثابتة وهو قد عجنها مع الأرض؟ ثم يقول (يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا) (المزمل 14). والكثيب هو التل الصغير كالكثيب من الرمل. فإذاً جبال الهملايا العظيمة سوف تُضغط وتصير كثيبا من الرمال.
ثم تتغير الصورة كلياً ويقول لنا (وحُملت الأرض والجبال فدكتا دكةً واحدة) (الحاقة 14). فالأرض والجبال تُحمل وتدك وتصبح كومة من الأحجار والتراب (ولا ندري كيف يحافظ الناس على وجودهم يوم الحساب وقد دُكت الأرض مع الجبال). ولكنه يقول لنا في آية أخرى (ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة) (الكهف 47). إذاً الجبال ترتفع وتسير والأرض تكون بارزة لنا أي مرتفعة، فلا اختلاط بين تراب الأرض وما تبقى من نسف الجبال، خاصة عندما يخبرنا (وإذا الجبال نُسفت) (المرسلات 10). الجبال فقط هي التي تُنسف نسفاً بالمتفجرات التي ربما يحملها معهم أعضاء مجموعة القاعدة. (ويسألونك عن الجبال قل ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً. لا ترى فيه عوجاً ولا أمتا) (طه 105-107). مرة أخرى يؤكد لنا القرآن أن الجبال وحدها سوف تُنسف والأرض سوف يغيرها الله بأرض أخرى لا تحتاج إلى أوتاد لتثبيتها (يوم تُبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار) (إبراهيم 48). إذاً الأرض التي نعرفها وعليها الجبال لن تُدك وتُمزج مع الجبال التي نُسفت حتى تصبح كالبسيسة المخلوطة بالسمن، فقط يبدلها الله بأرض أخرى جديدة. وقد يسأل المرء هنا: ماذا يحدث للناس الواقفين في طوابير بعد أن خرجوا من قبورهم، في انتظار الحساب، عندما يبدل الله الأرض هذه بأرض أخرى، كيف ينتقل كل هؤلاء البشر والدواب إلى الأرض الجديدة؟
وحتى تكتمل الصورة الكلية لمقدرة إله القرآن، يخبرنا محمد أن في السماء جبالاً من الثلوج ينزلها الله في شكل كرات من البرد يصيب به من يشاء (ألم تر أن الله يُزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من بَرَدٍ فيصيب به من يشاء) (النور 43).
ومن أغرب الآيات في القرآن عن بني إسرائيل أنه قال (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سُجداً) (النساء 154). فبعد أن رفع طور سيناء فوق رؤوسهم، قال لهم ادخلوا الباب سُجداً. أين هو الباب هذا، هل تحت الجبل أم في سور أورشليم القدس؟ وإذا كان في سور القدس، ما العلاقة بينه وبين رفع طور سيناء حتى يأتي بهما في آية واحدة؟ وكيف يدخلون الباب وهم ساجدين؟
وما دام الموضوع كله عن الجبال والنسف والتفجير، نرجو أن يتحفنا الدكتور زغلول النجار، عالم الجولوجيا، بتفسير إعجازي لهذا التخبط فينقذ رب القرآن من هذا التيه في الجبال.

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 1 Comment

أنواع المسلمين وكيف نتعامل معهم

كامل النجار

الإسلام دين انتشر منذ نشأته في صحراء نجد عن طريق الفتوحات (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) (النصر 1-2). وكان الهدف الرئيسي من الفتوحات هو المغانم المادية والسبايا (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا) (الفتح 15). وكذلك (مغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيما) (الفتح 19). وحتى المغانم التي لم يقدروا عليها استولى عليها ربهم (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا) (الفتح 21). وبعد الفتوحات واستيطان المسلمين في عدة بقاع، بدأ التجار المسلمون رحلاتهم إلى شتى البقاع، تماماً كما فعلت قريش في رحلة الشتاء والصيف. استغل التجار أموالهم لتحويل الفقراء في إندونيسيا وبعض دول إفريقيا الغربية إلى الإسلام.
ونتج عن الطرق المختلفة التي اتبعها المسلمون لنشر دينهم عدة أنواع من الإسلام، منها الدموي ومنها الإسلام البسيط الذي لا يعرف معتنقوه غير الشهادة بأن الله واحد ومحمداً رسوله. ومع الزمن أصبح عندنا ما لا يقل عن سبعة أنواع من المسلمين:
النوع الأول: هم مسلمو القرى في البلاد العربية. هؤلاء المسلمون كانوا الأغلبية في جميع البلاد العربية في بداية القرن العشرين قبل بدء النزوح إلى المدن بسبب ازدياد الفقر والمرض في الأرياف، وإهمال حكومات ما بعد الاستعمار تحديث الأرياف والاستثمار في الزراعة والماشية. وقد تربيت في قرية في وطني الأم وزرت عدة قرى مجاورة لقريتي، وعرفت هذا النوع من المسلمين عن كثب. هذا المسلم القروي لا يهمه الإسلام في حياته اليومية إلا في المناسبات الاجتماعية مثل الزواج، وختان الصبيان والبنات، ودفن الموتى، ورمضان والعيد. فهو يصوم ويصلي ويؤمن بالأولياء المحليين أكثر من إيمانه بالله أو بمحمد. وإذا حلف يحلف بالولي أو بالنبي ولا يذكر الله إلا في الملمات. ولا يعرف من الإسلام إلا الآيات التي يصلي بها، لم يسمع عن تاريخ الإسلام أو كيف ابتدأ. وطبعاً لم يكن في ذلك الوقت انتخابات أو تصويت، وكان يحكمهم العمدة أو المختار الذي يرث مكانته من أبيه. هذا المسلم البسيط الذي تشغله ملمات الحياة عن التفكير في الأديان، لا أحد يلومه على جهله المفروض عليه بسبب ندرة فرص التعليم، ولا أحد ينتقد إسلامه الوراثي الذي يعوضه نفسياً عن شظف العيش الذي يعانيه في هذه الحياة ويعده جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وحوراً عيناً في الخيام. هؤلاء قال عنهم عالم الاجتماع العراقي على الوردي إنهم إذا جاعوا، جاعوا جميعاً، وإذا شبعوا، شبعوا جميعاً. إشتراكيتهم هذه لم تنبع من الإسلام وإنما من بيئتهم القاسية. مثل هذا المسلم يستحق الاحترام والمعاملة الكريمة ولا أحد ينتقد معتقده.
النوع الثاني: مسلم المدينة. مع ازدياد نزوح القروي البسيط إلى المدينة المكتظة بالسكان وانشغالهم بالمكاسب المادية لتحسين أوضاعهم الاجتماعية، ووجود الحكومة المركزية في المدينة، ممثلة بعسعسها وسياسييها، وتجارها وسماسرتها، وطبقاتها الاجتماعية المختلفة مع ما نتج عنها من استغلال البسطاء الذي هو من صميم الإسلام (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون) (الزخرف 32). ففي المدينة لا المسلم البسيط المسخر الذي يعيش في أطراف المدينة، ولا المسلم الغني الذي يعيش في القصور والفلل الفاخرة، ولا السياسي يهتم للإسلام في حياته اليومية. سباق الجرذان Rat Race كما يقول عنه الغربيون، لا يترك لهم وقتاً للاهتمام بالإسلام إلا نفاقاً في شهر رمضان حيث تغلق المطاعم أبوابها وتُفرش موائد الإفطار في الطرقات، وفي أيام الجمعة حيث يتسابق المصلون إلى المساجد، إما ليظهروا ولاءهم للحاكم الذي يصلي مثلهم يوم الجمعة فقط، أو لإثبات هويتهم، إذ ليس للمسلم العربي أي هوية وطنية أو فكرية. هويتهم هي الإسلام السطحي. يخرج هذا المسلم من المسجد ليباشر الغش في تجارته أو صناعته، ويكذب وينافق ويدبّر المواعيد مع ما تيسر له من البنات أو الغلمان. ويسكر ويعربد ليلاً. حتى الفقراء الذين يعيشون في أطراف المدينة يشربون الكحول المصنّع محلياً ويزنون ويسرقون. ولكن هذا المسلم الوراثي يثور وتحمر عيناه من الغضب إذا انتقد أحد الناس الإسلام أو رسم كاريكاتيراً لمحمد. هذا المسلم إذا تمكن من اللجوء إلى دولة غربية أوربية تصرف له دخلاً يمنع عنه الجوع والبرد الذي قتل أخاهم أبا ذر، لا يتوانى في الكذب على الدولة المضيفة ليسرق ما أمكنه من مال الضمان الاجتماعي، وفي نفس الوقت يربي أولاده وبناته على القيم الإسلامية التي هرب منها إلى الغرب المتسامح. وهؤلاء هم غالبية المسلمين العرب
النوع الثالث: الجماعات الإسلامية من إخوان مسلمين، وسلفيين، وجهاديين: هؤلاء للأسف هم الطبقة المتعلمة في مجتمعاتنا المنكوبة، وهؤلاء قد تمت أدلجتهم منذ الصغر عن طريق الغش والخداع، وأقنعوهم أن الإسلام دين ودولة، وأن الغرب الكافر يتآمر على الإسلام ليمحوه. وفي الجامعات انضموا إلى جماعة الإخوان المسلمين وسيطروا على اتحاد الطلاب. هذه الطبقة من المسلمين هي أخطر طبقة على المسلمين وعلى الإسلام نفسه. يستغلون البسطاء كما علمّهم الإسلام، ويعاشرون الشيطان من أجل الوصول إلى سدة الحكم ليطبقوا الحدود على الفقراء، وهم أنفسهم يسرقون أموال المغتربين المصريين التي أودعوها في بنوك الاستثمار الإسلامي في مصر، ويتقبلون الأموال من آل سعود ودول الخليج الأخرى ليزيفوا مشيئة الشعوب العربية في الانتخابات وليشتروا بها أصوات البسطاء، رغم أن القرآن يقول لهم (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) (البقرة 188). ورغم قلتهم العددية فإن تأثيرهم على الجموع كبير جداً وسوف يصلون إلى سدة الحكم في أي بلد عربي تُجرى فيه انتخابات. وهم بالطبع ليس لهم أي برامج سياسية ترفع الفقر والجهل عن الذين ينتخبونهم، برامجهم الوحيد هو عزل المرأة وتغطيتها بالخيمة السوداء، وتهميش غير المسلم
النوع الرابع: الصوفية: هذا النوع قليل في البلاد العربية نتيجة عداء فقهاء السنة لهم. ورغم أن الصوفيين الأوائل كانوا يعشقون الله، من أمثال البسطامي ورابعة العدوية، فإن الصوفية الحاليين يعشقون محمداً ولا يحفظون غير مدائح السيد البرعي عن خصائل محمد وبقية الأولياء. ويدقون طبولهم ويرقصون بحماس حتى يدخل أغلبهم في حالة هستيريا جماعية تجعلهم يفقدون إدراكهم بما يحيط بهم. الإسلام بالنسبة لهؤلاء يعني محمداً فقط
النوع الخامس: علماء أو جهلاء الأمة. هؤلاء ازدادت أعداهم أضعاف المرات منذ تدفق النفط السعودي والخليجي، وافتتاح جامعات تضاهي الأزهر في أعداد خريجيها. هذه الطبقة من المسلمين تجهل كل شيء عن العلم الحديث ولا يحفظون إلا الأحاديث وآيات القرآن. وبفضل الأمية التي تعشعش في الدول العربية أصبحت هذه الطبقة من المسلمين طبقة رأسمالية تتفاخر ببناء القصور والظهور على الفضائيات، وبفضل تشجيع الأنظمة الحاكمة لهم أصبحوا قادة البلاد العربية الروحيين. فالمسلم في السعودية أو مصر أو اليمن لا يستطيع حلق ما حول دبره إلا إذا سأل الشيوخ. وهؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر:
إذا كان الغراب دليل قومٍ *** سينزلهم على جيف الكلاب
ولأنهم يختلفون في كل شيء يمت للإسلام حسب موقع الشيخ من الحاكم ورغبته في إرضائه، خدعوا العامة بمقولتهم المشهورة “إختلاف العلماء رحمةٌ للناس”. هذه الطبقة لا يقل خطرها على البلاد العربية عن خطر جماعة الإخوان المسلمين وبقية الجماعات الإسلامية المجاهدة. وهم سلاح الحكام الموجه نحو العامة. يصدرون الفتاوى التي تحرم الخروج على الحاكم حتى إن جلد ظهرك وسرق مالك، ويحرمون المظاهرات والإضرابات العمالية لأنه خروج على الحاكم، وينسون أن محمداً قال لهم (خير الجهاد كلمة حق في وجه سلطانٍ جائر). يخدرون العامة بمقولة إن عمر نام تحت الشجرة وعدل بين الرعية، بينما هم ينامون في أبهى القصور وبعضهم يبيت في أحضان عشيقته أو غلامه المفضل. إنهم السرطان الذي ينخر أحشاء البلاد العربية
النوع السادس: فلاسفة وميكافيلي الإسلام: هذه الفئة لحسن الحظ ما زالت تُعد على أصابع اليدين، من أمثال طارق رمضان، والغنوشي، وطيب أردوغان، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. هذه الطبقة تستعمل الإسلام سلماً لتسلق المناصب العليا، ويظهرون بمظهر المسلم الحضاري الذي يريد تحديث الإسلام، بينما هم إما لا يؤمنون بالإسلام كالأفغاني ومحمد عبده، أو يؤمنون بمباديء الإخوان المسلمين وسيد قطب، من أن الحاكمية لله وتطبيق الحدود أمرٌ واجب. فالأفغاني كان يعتبر الإسلام ديناً يمنع العلم والفلسفة، وكذلك كان تلميذه محمد عبده. فقد ألقى الفيلسوف الفرنسي ارنست رينان محاضرة في السوربون يوم 29 مارس 1883، بعد مناقشة الأديان مع الأفغاني، هاجم فيها الإسلام دون أن يتعرض للمسيحية، فرد عليه الأفغاني بمقال نشره في Journal des debats عندما كان في باريس، قال فيه (الأديان لا شك أثقل نير وضعه الإنسان على عاتقه، ولكنه كان ثمناً يستحق الدفع لخلاصنا من البربرية. كل الأديان لا تعرف التسامح والإسلام حاول خنق العلوم والفلسفة وسجن العقل. أينما حط الإسلام رحاله حاول خنق العلوم وساعده في ذلك الحكام المتسلطون. وليس هناك أي وسيلة لتصالح الأديان المختلفة مع بعضها البعض. الدين يفرض قيوده على العقل بينما الفلسفة تحرر العقول. وعندما دخلت المسيحية، مع تسامحها، إلى أثينا والإسكندرية، وهما كانا مركز العلوم، حاولت الكنيسة خنق العلوم بإغراقها في جدل ثيوقراطي. وفي كل مكان وزمان تعلو فيه راية الدين تنخفض راية العلوم والفلسفة.) وقتها كان محمد عبده في منفاه في لبنان وطلب من الأفغاني أن يرسل له المجلة التي نشرت مقاله. عندما ترجم له رجل دين لبناني المقال، كتب محمد عبده خطاباً إلى الأفغاني بتاريخ 8 شعبان 1300، قال فيه (لقد اطلعنا على المقال بعد أن ترجمه لنا حسن أفندي بيهون، وحمدنا الله أن المجلة لم تكن متوفرة في البلاد العربية قبل وصول خطابكم. وقد أقنعنا صديقنا المترجم ألا ينشر ترجمة المقال ويزعم للناس أن الترجمة العربية سوف تصل من باريس لاحقاً. وبهذا دفعنا المكروه والحمد لله. ونحن الآن على سنتك القويمة ولا نقطع رأس الدين إلا بالدين. لو ترانا الآن ونحن مع المؤمنين نركع ونسجد ونطيع كل ما يأمر به الله. آه.. ما أضيق الحياة بلا أمل) (Afghani and Abduh, Ellie Kedourie, p 45)
أما طارق رمضان، حفيد حسن البنا، والذي يعيش في سويسرا، يؤمن بكل مباديء الإخوان المسلمين التي أرسى قواعدها جده، ولكنه يظهر نفسه للأوربين والأمريكان بأنه إسلامي معتدل يحاول إصلاح الإسلام، كما كان سيف الإسلام القذافي يدعي أنه معتدل ويحاول تحديث الحكم في ليبيا إلى أن ظهرت حقيقته أثناء الثورة الليبية، وبسبب ادعاء طارق رمضان الوسطية ومحاولة تحديث الإسلام، تسابقت الجامعات الأوربية والأمريكية على تعيينه محاضراً في أقسام الدراسات الإسلامية. وعندما يظهر طارق رمضان في مناظرات متلفزة ويسأله مناظروه عن رأيه في تطبيق الحدود الإسلامية، لا يقول بأنها أصبحت خارج نطاق التاريخ، وإنما يقول إنه يدعو إلى تعليقها في الوقت الحاضر حتى تقرر الأمة الإسلامية بشأنها. المهم لديه أنه أصبح محاضراً مشهوراً في الغرب والإسلام ما زال كما هو دون تحديث. هذا النوع من الإسلاميين ينطبق عليهم قول القرآن (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) (الفتح 11).
هؤلاء القلة من فلاسفة التأسلم، مع القلة من منتسبي الإخوان المسلمين والجهاديين، هم الذين يسيطرون الآن على القرارات المهمة التي تخص الإسلام وطريقة إنتشاره في الغرب، وكيف يمكن للمسلمين أسلمة الغرب، وكيف يمكنهم إجهاض ثورات الربيع العربي واستلاب مكاسبها. فهم يملكون وسائل الإعلام في البلاد العربية ويصلون بكل سهولة إلى وسائل الإعلام الغربية، ولديهم المال اللازم لذلك. وكما يقول المثل الإنكليزي: العجلة التي تحدث أعلى الأصوات تحصل على كل الشحم
النوع السابع من المسلمين هو أمة محمد في باكستان، وبنغلاديش، وجنوب الفلبين، ونيجيريا وغرب إفريقيا عموما. هؤلاء لا يتحدثون العربية ولا يفهمون القرآن ويصدقون كل ما يقوله لهم شيوخهم الذين لا يقلون دجلاً عن شيوخ العرب. وللأسف فإن المسلمين من أمة محمد هم الغالبية العظمى ويفوق عددهم عدد المسلمين العرب بثلاثة أو أربعة أضعاف. ولكن المؤسف أنهم أكثر الناس على وجه الأرض تحمساً للإسلام وللجهاد. وعندما نشرت الصحيفة الدنماركية صور الكاريكاتير عن محمد، كانت أغلب المظاهرات والقتل وحرق السفارات والأعلام الغربية من نصيب أمة محمد في باكستان ونيجيريا والصومال. وهم أشد الناس مقاومة للتحديث، مثل جماعة باكو حرام في نيجيريا، وجماعة القاعدة في باكستان وأفغانستان. والأمية تنتشر بينهم أكثر مما هي عليه في البلاد العربية. فالأمل يكاد ينعدم في تغيير عقلية أمة محمد
وهناك نوع ثامن من المسلمين يمثل خمسين بالمئة من المسلمين، وهي المرأة المسلمة التي لا تملك أي قرار يخصها. يفرض المجتمع عليها الحجاب، والزواج والطلاق، والقتل إذا دنست شرف العائلة، وإذا أدلت بصوتها في الانتخابات تختار من يختاره زوجها أو أبوها. هذه المرأة المهمشة هي أكثر الناس دفاعاً عن الإسلام لأنها لا تملك غيره شيئاً، حتى المنزل الذي تسكن فيه مع زوجها تُطرد منه عند الطلاق. ومع هذا نقرأ تعليقات النساء المتعلمات منهن الذي يقول “أنا مسلمة وأفتخر”. لا تملك المسكينة شيئاً آخراً تفتخر به، ولا حتى جسدها إذ أن الجسد ملك الهز ولا يجوز تغيير أي شيء فيه ولو حتى بالنشم، كما يقول شيوخ الإسلام
نرى من هذه الصورة أن الغالبية العظمى من المسلمين لا تقرأ العربية، والذين يتحدثون العربية أغلبهم أميين لا يقرؤون. خريجو الجامعات العربية جزء كبير منهم تخرجوا من جامعات إسلامية أدلجتهم بمفاهيم الإسلام السني وبأنهم خير أمة أخرجت للناس، وخريجو الجامعات غير الإسلامية، خاصة في العقدين أو الثلاثة الماضية سيطر عليهم فكر الإخوان المسلمين، وهؤلاء للأسف هم الذين يقودون الأمة العربية فكرياً ويخدعون العامة بالإعجاز العلمي واللغوي في القرآن، ويدفعون الأموال الطائلة لرشوة بعض العلماء الغربيين ليقولوا إن بعض الآيات بها معلومات علمية لم يكن من الممكن لمحمد أن يعرفها لولا أن أوحاها إليه ربه. فكيف نؤثر على هؤلاء المتعلمين؟ يقول مترجم كتاب “المفكرون الأحرار في الإسلام” لدومنيك أورفوا (لم يعد الإيمان اعتقاداً فحسب بل أصبح ثقة في المقام الأول). ثقة فيما تعلموه في المدارس والجامعات عن الإسلام وأنه خير دين أرسله رب السماء. فكيف نؤثر على هذه الفئة القليلة والمسيطرة والتي تملك ثقة عمياء في تعاليم الإسلام، وتنشر آلاف الكتب الدينية التي تملأ الرفوف كل عام في معارض الكتاب في الدول العربية؟ تقول مجموعة من الكتاب على رأسهم السيد نادر قريط إن نقد الإسلام يجب أن يكون علمياً لنعرف كيف بدأ ومن بدأه، وأن نقد آيات القرآن والأحاديث لا يستحق النشر.
هناك فرق كبير، يجب أن نفطن إليه، بين الدراسة وبين النقد. وبما أن لكل علم الآن أهله المتخصصون به، يدرس المؤرخ، مثلاً، حادثة بعينها قد استهوته. هذه الدراسة التحليلية قد تثبت ما يعرفه الناس مسبقاً عن تلك الحادثة، وقد تُلقي بالشك على بعض جوانبها. وهنا يتعين على المؤرخين الآخرين أن يُجدّوا البحث في تلك الحادثة ويثبتوا ما توصل إليه الباحث الأول أو ينفونه. بينما الناقد يختار مقالاً أو كتاباً أو منظومة قواعد سياسية أو دينية لا يتفق في بعض نقاطها مع كتابها، ويفند تلك النقاط ليثبت خطأها.
فكيف يتوجب علينا أن ننتقد النعاليم الإسلامية، هل نقوم بدراسات عن نشأة الإسلام ونحاول إثبات أن الإسلام لم يأتِ به محمد إنما أتى به محمد بن الحنفية أو عبد الملك بن مروان، وهذا لن يؤثر البتة في ثقة الإسلاميين بصحة تعاليم دينهم، أم نفند آيات القرآن وأحاديث محمد التي بُنى عليها الإسلام، لعل ذلك يزعزع تلك الثقة العمياء عند الذين يقرؤون؟
أعتقد أن نقد الإسلام من داخل تعاليمه هو الصواب، فالذي يرمي إلى زعزعة البناء يكون جهده أكثر ثمراً إذا بدأ هدم البيت من داخله. فمثلاً أبو حامد الغزالي، حُجة الإسلام، عندما أراد نقد الفلسفة التي هددت تعاليم الإسلام، ترك وظيفته في مدرسة الأعظمية وتفرغ لدراسة الفلسفة حتى يستطيع هدمها من داخلها، وقد نجح في وأد الفلسفة العربية في مهدها. أما إذا ركزنا على الدراسات التاريخية لمعرفة كيف ومتى بدأ الإسلام، واستطعنا أن نثبت لهؤلاء المتعلمين الإسلاميين أن بداية الإسلام ورسوله غير الذي يعرفونه، فلن يزعزع ذلك إيمانهم لأنهم يؤمنون بتعاليم المنظومة وتشريعاتها. بينما لو انتقدنا تعاليم دينهم من داخلها ووأثبتنا لهم أنها تعاليم متناقضة وغير جديرة بالاعتناق في العصر الحديث، وأن الإسلام لا يختلف عن الأديان الأخرى في محتواه، فربما نزعزع تلك الثقة العمياء الي تدعم إيمانهم. فالذين يطالبوننا بألا ننتقد القرآن والسنة عليهم أن يخبرونا كيف نؤثر في تغيير فكرة المسلم المتعلم عن الإسلام، وكيف ندخل الشك إلى عقله حتى يبدأ بالتفكير في معتقده.

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment