من الحجاب إلى النقاب

 نصر حامد أبو زيد  

أثيرت في مصر مشكلة “الحجاب” في سياق قرار الجمهورية الفرنسية بإصدار قانون يحرّم ارتداء الرموز الدينية في المدارس. وهذا يؤكّد مرّة أخرى علاقة الخارج والداخل في عالم زالت فيه الحدود وارتفعت العوائق، لا أعني الحدود السياسية والجغرافية، ولا العوائق القانونية، بقدر ما أعنى عوائق الاتصال. أراد شيخ الأزهر السابق – الشيخ الطنطاوي رحمه الله- أن يرضي حكومة فرنسا فقرّر أن من واجب المسلمين أن يطيعوا وليّ الأمر في بلاد المهجر، وهكذا ظنّ أنّه سهّل الأمر. لكنّه استدار إلى المرأة التي تعيش في بلد مسلم – يقصد أغلبيته مسلمة – فقرّر في حسم أنّ الحجاب بالنسبة لهذه المرأة “فرض دينيّ” تحاسب عليه إن فرّطت فيه. هكذا في نزعة ردّ فعل غير مسئولة صار الحجاب “فريضة”، وصارت جميع غير المحجّبات – حتى في تركيا التي تمنعه في الجامعة، وفي تونس التي تضع عليه القيود – مُفَرِّطة في فرض دينيّ. ليس من الصعب أن يبني المتشدّدون على أساس هذا التصريح من شيخ المؤسسة الدينية أنّ عدم ارتداء الحجاب يماثل ترك الصلاة وكلاهما والعياذ بالله كفر.

أيّ تعليق على مسألة الحجاب أو مناقشة لمدى حجّية الأدلّة على اعتباره “فرضا” تثير عواصف هوجاء في المجتمع المصري. عبارة قالها وزير الثقافة “فاروق حسني” شغلت مجلس الشعب المصري – مصر التي يتحمّل شعبها أكواما وأحمالا من المشكلات التي يجب أن تشغل أعضاء المجلس الموقّر – أياما من الجدل والنقاش حتى سحب الرجل عبارته وخطَّأ نفسه.

وأثيرت مسألة النقاب مجدّدا، بسبب شيخ الأزهر السابق أيضا حيث كان في زيارة لإحدى مدارس الفتيات التابعة للأزهر، وطلب من إحدى الفتيات المتنقبات أن تنزع النقاب، فاستثير الإسلاميون ضدّ الأزهر وشيخه. فمن قائل إنّ مسألة النقاب مسألة حرية شخصية، ومن ذاهب إلى أنّها “عادة وليست عبادة” – لاحظ التصنيف – ومن قائل إنّها واجب شرعيّ. وصل الأمر إلى القضاء بسبب قرار رؤساء الجامعات بمنع الطالبات المنقبات من دخول المدن الجامعية فأصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها بتمكين الطالبات من الدخول واعتبر قرار رؤساء الجامعات مخالفا لقانون الحريات الشخصية.

ما حدث مع وزير الثقافة بسبب الحجاب نفس الأمر يتكرّر الآن مع المستشار “تهاني الجبالي” – مستشار في المحكمة الدستورية العليا – التي نعت على المصريين التمسّك بالشكليات – ذكرت مسألة تغطية جسد المرأة نموذجا – على حساب الجوهر في الإسلام. رفع عليها أحد المحامين المتشددين دعوى قضائية يطالب بفصلها من موقعها. أغلب الظنّ – وبعض الظنّ إثم لا ضرر منه – أنّ الرجل كان مستاء من مجرد تعيين امرأة في المحكمة الدستورية العليا، وكان يتحيّن الفرصة للنيل منها.

النظر في كلّ المبرّرات الدينية، وغير الدينية، لتغطية المرأة وحجبها عن الوجود في الفضاء الاجتماعي العامّ، يفضي إلى نتيجة يجب أن تزعجنا جميعا: أنّ الهدف الأسمى هو “حماية الرجل” من فتنة المرأة، حمايته من غواية النظر إليها. لا أحد يتحدّث عن حماية المرأة من فتنة الرجل ويطالب الرجال بستر فتنتهم. تبدو غواية الرجل للمرأة – في الوعي العام – أمر مقبولا، إنّه الطبيعي. فتنة المرأة هي غواية الشيطان. هكذا يعود الوعي العامّ إلى أسطورة الخلق التوراتية، حيث أغوت حوّاء أدم؛ فارتكب معصية الأكل من الشجرة المحرّمة، فطُرِد وهي من الجنّة. القصة التوراتية تقول: إنّ المرأة هي مدخل الشيطان إلى الرجل، وهكذا يصبح الرجل هو “الإنسان” والمرأة بعضه الأعوج، الذي يحتاج طول الوقت إلى تقويم. كلّ هذه العناصر التوراتية لا وجود لها في القرآن نصا، وإنما دخلت نطاق الفكر الديني عبر كتب التفسير التي استعانت بهذه التفاصيل لشرح ما لم يذكره القرآن.

وحده محمد عبده في، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الماضي، تنبّه لهذه المشكلات في الفكر الدينيّ. والفكر الديني الآن بتراجعه إلى ما قبل لحظة محمد عبده يسحب المجتمع إلى الوراء. لكن علينا ألا ننسى أنّ المجتمع، في الأصل، هو الذي سحب الفكر الديني إلى الخلف، ثم استسلم له ليقوده. من هنا فإنّ السبيل الوحيد لمقاومة أيّ نهج، أو نمط جديد من التفكير، هو الصياح ورفع يافطة “الثوابت” و”الفكر الغربي”، و”المناهج المستوردة”، كأن ما أنتجه الأسلاف لا يقبل الفحص والنقد والردّ.

  وقضايا المرأة في الفكر الإسلامي بصفة عامة تثار في مصر أوّلا، ثم ينتقل الجدل الصاخب منها إلى المجتمعات العربية؟ في حدود علمي إنّ منظومة القضايا المتعلّقة بوضع المرأة ومكانتها في المجتمع – وقضية الحجاب أو النقاب واحدة من هذه المنظومة – هي “كعب أخيل” في العالم الإسلامي طولا وعرضا. لكن لأنّ المجتمع المصري كان قد تجاوز هذه المشكلات وتخطّاها، منذ بدايات القرن العشرين، فإنّ حالة الارتداد التي يمرّ بها، منذ عقود تلفت الأنظار إليه. ماذا حدث للمصريين؟ تساؤل طرحه المفكّر “جلال احمد أمين” منذ فترة، وما زال يُحْتاج النظرُ فيه. للإجابة على هذا التساؤل ينبغي عدم استبعاد التأثير الخليجي – السعودي الوهّابي بصفة خاصة- على وعي المصريين، الذين تزايد عدد مهاجريهم بحثا عن فرص عمل أفضل، منذ بداية السبعينات من القرن الماضي.

الإسلام الخليجي، هو بشكل أو بآخر، إسلام الجزيرة العربية، وهو أشدّ صيغ الإسلام تشدّدا وتزمّتا. إذا كان الإسلام الأوّل هو إسلام الحجاز، فالإسلام السعودي/الخليجي هو إسلام نجد القرن الثامن عشر. وشتّان بين إسلام الثقافة العالية، في القرن السابع – ثقافة التجّار والمدن – وإسلام بداوة “نجد”، المتمثل في “الوهابية”، التي لم تتطوّر في مقولاتها الأساسية خطوة واحدة منذ مؤسّسها “محمد بن عبد الوهاب”. بل إنّ المعارضة السياسية/الدينية للنظام السعودي تكفَّر حكام السعودية، لانحرافهم عن الدين الحقّ، الذي أسّسه ابن عبد الوهاب. هذا هو الإسلام الذي غزا، بقوة المال، وعي أبناء المجتمعات الأخرى، وعلى رأسها مغتربي المجتمع المصري.

بالإضافة إلى هذا العامل، ثمّة عاملان جوهريّان مكّنا هذا العامل من أن يلاقي أرضا خصبة: أحدهما التحوّل السياسي الاجتماعي، الذي أحدثه الرئيس السادات في بنية الدولة، منذ تولّيه سلطة الحكم في أكتوبر 1970، أعني الانتقال من نظام “رأسمالية الدولة” إلى نظام “الاقتصاد الحرّ”، بشكل عشوائيّ. هذا الانتقال العشوائيّ – الذي أطلق عليه أحد الإعلاميين النابهين، الراحل “أحمد بهاء الدين” : الانفتاح السداح المداح – كان له، وما يزال، تأثيره الفادح على الطبقات العاملة المصرية؛ فاختفت الطبقة الوسطى تدريجيا لحساب انقسام طبقيّ حادّ بين أغنياء سفهاء وفقراء معدمين. صار المجتمع المصري، الذي كان مجتمع التكافل الاجتماعي، تحت مظلة الدولة الاشتراكية، مجتمعَ الصدقة والبرّ والإحسان، تحت رحمة رجال الأعمال. من المهمّ هنا أن نؤكّد أنّ هذا الوضع أدّى إلى تحالف بين طبقة رجال الأعمال من جهة، وبين رجال الحكم وفصيل من المثقفين والأدباء والفنانين من جهة أخري. فضيحة “شركات توظيف الأموال” في الثمانينات كشفت انضمام المؤسسة الدينية الرسمية إلى هذا التحالف، الذي ضمّ أيضا “الإخوان المسلمين”، أكبر المدافعين عن رأسمالية السوق الحرّة. هذا التحوّل في الخطاب الديني المصريّ تعاملت معه تحليلا ونقدا في “نقد الخطاب الديني”. انتهي هذا التحالف إلى أن أصبح زواجا كاثوليكيا بين المال والسياسة والفكر فصار رجال الحكم هم أنفسهم رجال الأعمال.

أما العامل الثاني – الذي أثّر على وضع المرأة في المجتمع المصري بشكل فادح – وهو الأثر الأكبر للعامل الأول، فيتعلّق بأزمة سوق العمل، وتزايد معدلات البطالة في مصر، خاصة بعد أن تزايد اعتماد سوق العمل في الخليج على العمالة الآسيوية الأرخص. غنيّ عن البيان أنّ هذا الانفتاح الاقتصادي – الانفتاح الاستهلاكي بامتياز – عمّق من مأساة أزمة البطالة، بكلّ ما صاحبه من مظاهر الترف المبالغ فيه. لعلّ مثال حفل زفاف إحدى بنات الرئيس السادات لأحد أنجال أكبر رجل أعمال في مصر يكفي للتدليل على هذه الظاهرة، حيث تمّ بثّ الحفل من خلال قناة التليفزيون الحكومية ورأى المصريون جنيهات الذهب ترشّ على العروسين بدلا من حبوب الأرزّ أو القمح – أو الورود – التي تعود المصريون رشها رمزا لأمنيات الزواج الخصب السعيد.

في نقاشات في مجلس الشعب المصري حول البطالة كان الاقتراح هو إعطاء النساء العاملات إجازة بنصف أجر للتفرّغ لتربية الأطفال ورعاية الأسرة، أهم الأدوار المنوطة بالمرأة، حسب الخطاب الديني. بعبارة أخرى، لم تناقش الأزمة بوصفها أزمة اقتصاد استهلاكيّ يحتاج إلى ترشيد وإعادة هيكلة ليتحوّل إلى اقتصاد إنتاجيّ، بل صارت الأزمة هي عمل المرأة الذي يقلّل من فرص عمل الرجال. هكذا بدأ تحويل كلّ المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى قضايا تحلّها العودة إلى قيم الدين وعلى رأسها عودة المرأة إلى البيت. من هنا بدأ الانحدار وتدريجيا تطوّر الخطاب، المعادي للمرأة، من الدعوة إلى عودتها إلى البيت – الذي يعني استبعادها من الوجود في الفضاء العامّ – إلى الدعوة إلى تغطية شعرها، ثمّ تغطية جسدها كله، إذا كان ولا بدّ من وجودها في الفضاء العامّ للضرورة. كان هذا البعد هو موضوع التحليل في كتاب “المرأة في خطاب الأزمة”، الذي نشر في بداية التسعينات في مصر، ثم صدرت منه طبعة مزيدة منقّحة بعنوان “دوائر الخوف: قراءة في خطاب الأزمة” عن المركز الثقافي العربي (بيروت والدار البيضاء). وخطاب الأزمة موضوع التحليل يتضمّن الخطاب الدينيّ وغيره من الخطابات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعزف نفس نغمته ولكن بآلات أخرى.

نصر حامد أبو زيد(مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

مسألة الخوف على “الثوابت” و”القطعيات”

 نصر حامد أبو زيد  

الثابت والقطعيّ والراسخ في مجال المعنى الدينيّ، هو الاستثناء لا القاعدة. وأيّ دراسة لتاريخ الفقه، أو لتاريخ علم العقائد، أو لتاريخ الفلسفة، فضلا عن التصوّف، تؤكّد هذا. ثمّة مغالطات في مسألة القطعيات والثوابت تحتاج لتحليل. الخطاب الدينيّ الكلاسيكي يميّز بين أمرين: الثبوت والدلالة.

  1- الثبوت مصطلح يحيل إلى الطريقة التي نحكم بها على نص ما، أو حكم فقهيّ ما، بأنّه وصل إلينا بطريقة موثوق فيها، أي أنّه مصطلح يرتبط بمصطلح آخر في “علم الحديث” هو مصطلح “الرواية”. وقد يكون الثبوت “قطعيا”، أي لا شكّ فيه، وقد يكون “ظنّيا” أي محلّ شكّ. من هنا يتمّ التمييز بين “قطعية الثبوت” و”ظنية الثبوت”. كون الحكم أو النص قطعيّ الثبوت لا يعني أنّه ميكانيكيا قطعيّ الدلالة؛ فالدلالة هي الجانب الأهمّ في الحكم أو النص. القرآن مثلا قطعيّ الثبوت في الطريقة التي وصل بها إلينا، لكنه ليس قطعيّ الدلالة؛ إذ تتفاوت دلالة أجزائه – آياته وفقراته – بين الوضوح التامّ “القطعيّ”، وهو الأقلّ، وبين الغموض التامّ – المتشابه – الذي يحتاج للتأويل.
  2- الدلالة – من جهة أخرى – مصطلح يشير إلى إشكالية الفهم والمعنى، أي أنّه بلغة “علم الحديث” يتعلّق بمصطلح “الدراية”. بين طرفي “قطعيّ الدلالة” و”المتشابه” يوجد “المجمل” الذي يحتاج للتفصيل والتخصيص، و”المحتمل” الذي تتردّد دلالته بين الحقيقة والمجاز وهو إلى الحقيقة أقرب، و”المؤوّل” الذي هو إلى المجاز أقرب.

وهذا التقسيم يكشف عن بعض “تزويرات” الخطاب الدينيّ حين يقرن “قطعية الثبوت” و”قطعية الدلالة” في عبارة واحدة كلّما كان الحديث عن “القرآن”، الذي هو من منظور الفكر الكلاسيكي “قطعيّ الثبوت”، وليس أبدا “قطعيّ الدلالة” إلا اسثناء. لو ضربنا المثل بأوضح المفاهيم الدينية – التوحيد، أنّ الله واحد لا شريك له – وحلّلنا النقاش الذي دار، وما زال يدور، حول ماهية التوحيد: هل كثرة الأسماء والصفات الإلهية الواردة في القرآن تؤدّي إلى كثرة في الذات الإلهية؟ وهل الصفات الإلهية هي نفسها الذات الإلهية، أم هي غيرها وزائدة عليها؟ ومن داخل هذه الإشكالية – التي لا يصحّ التقليل من أهمّيتها بدعوى وقف التفكير لأنّه يؤدّي إلى الشكّ والكفر – تتفرّع إشكاليات “القضاء والقدر”، و”الفعل الإنساني”، و”المسئولية الإنسانية” … الخ، وهي إشكاليات يطرح القرآن إجابات مختلفة لها إلى حدّ التناقض.

سيادة العقائد الأشعرية – التي مُنِحَت، لأسباب سياسية واجتماعية وتاريخية، صفة “عقائد أهل السنّة والجماعة” – لا يعني أن يهمل المفكّر التعامل مع العقائد التي تمّ تصنيفها في خانة “البدع”. إذا ظلّ الفكر الدينيّ واقفا، أو سائرا ونظره إلى الخلف، فهذا هو “الجمود” الذي يتمّ تدليله بمنحه اسم “الثوابت”.

مسألة الفزع من المناهج الحديثة:

ثمّة منطق غريب يجب الحذر منه، بل وتفكيكه، أعني منطق وجوب التعامل مع النصّ الدينيّ من داخل المنظومة المعرفية الكلاسيكية، واتّهام المناهج الحديثة بأنّها تنطلق من “مفاهيم فلسفية غربية”. يعتمد هذا المنطق على حجّة براغماتية هي “حالة الاحتقان السياسيّ والانغلاق على الذات”، التي يجب وفقا لهذه المنطق أن تمثّل محظورا لا يسمح لنا باختراقه. والحقيقة أنّ هذه المحظورات بالذات يجب أن تكون دافعا لمحاولة الاختراق وإلا يفقد الفكر دوره الرياديّ في إحداث التغيير الفكريّ المطلوب لتطوّر المجتمعات. التسليم بمنطق الحذر والحظر يعني أن يؤبِّد الفكر حالة التخلّف والانغلاق بدل أن يواجهها نقديا. من جهة أخرى، يبطن المنطق في جوفه مفهوم “نحن وهم”، و”ثقافتنا وثقافتهم”، “مناهجنا ومناهجهم” الخ. وهو منطق مغاير تمام المغايرة لسيرورة الفكر الإسلامي في تطوّره التاريخيّ، هذا التطوّر الذي كان مستحيلا حدوثه لو لم ينفتح المفكّرون المسلمون على ثقافات العالم، في كلّ مجالات المعرفة.

إذا كانت المعارف اللغوية، ونطريات تحليل النصوص وتأويلها، قد تطوّرت في “الغرب”، فمن العار أن نتصوّر أنّ نصوصنا الدينية لا تقبل، أو تتأبّى على التعاطي مع هذه التطوّرات، بدعوى أنها قد تفقد قداستها. والحال أنّ هذا التأثّر بثقافات العالم حدث في تاريخ التفسير والتأويل، ولم تفقد النصوص شيئا من ذلك، لسبب بسيط وبديهيّ، أنّ القداسة صفة يمنحها المجتمع المؤمن لنصوصه الدينية. طبعا يمكن الاعتراض بالقول: إنّ إيمان المجتمع يحتاج إلى حماية من التفكّك، وهذا اعتراض يفترض إيمانا مريضا وليس الحلّ في “الحماية” وإنّما في تطوير مستوى الوعي.

مسألة الأساطير والمعجزات والخوف على “الإعجاز”:

القرآن نصّ سرديّ بامتياز – وهذه قضية لم تنل حقّها بعد من الشرح والتحليل والتفصيل – يحكي قصصا كان المعاصرون يعرفونها، وهو يخاطب معاصريه على قدر تصوّراتهم التي تتمثّل العالم عجائبيا وغرائبيا، مليئا بالملائكة والجنّ والقوى المسخّرة، إمّا لمساعدة الإنسان أو لتعويقه. هذا عالم القرآن، المليء بحكايات المعجزات وقصصها، التي كانت جزءا من الواقع الثقافيّ. وحين نتحدّث عن الواقع الثقافيّ يكون الحديث عن المفاهيم والتصوّرات القارّة في وعي الجماعات التي توجه لها القرآن في القرن السابع ومخيالها. عن هذا يقول الشيخ محمد عبده: إنّ هذا القصص، بما يتضمّنه من معجزات وأفعال خارقة، لا يقصد به التأريخ، وإنما يقصد به التنبية والاعتبار. إنّها في نظر عبده “تمثيلات” تخييلية. بل إنّ عبده يذهب إلى تبنّي رأي بعض المعتزلة في مسألة نزول الملائكة للحرب إلى جانب المسلمين في موقعة “بدر”، بأنّ هذا لم يحدث حرفيا، فالمؤرّخون حدّدوا على وجه التقريب عدد القتلى من الجانبين، ومن قتل من .. الخ. القرآن ينصّ على أنّ الوعد بتنزيل الملائكة للقتال مع المؤمنين – هكذا يؤكّد عبده متابعا بعض المعتزلة – كان لمجرّد البشارة وتقوية العزيمة “وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم”.

إذا كان القرآن يحكي قصص الأوّلين أو أساطيرهم – أسطورة تعني قصة أو حكاية من التاريخ القديم – المليئة بالمعجزات، فإنّ نبيّ الإسلام لم يقترف معجزة بهذه المعنى، لذلك حرص المسلمون على إثبات كون المعجزة المحمّدية هي القرآن نفسه، أي أنّها معجزة غير مفارقة للخطاب النبويّ، معجزة في اللغة، وليست في كسر قوانين الطبيعة.

كلّ هذه التخوّفات على قداسة النص محتملة، طالما أنّ الإيمان ينبني على التصوّرات الكلاسيكية. وتلك هي المشكلة الحقيقية. هل القرآن معجز لأنّه كتاب لقراءة الماضي والحاضر والمستقبل؟ قراءة الماضي من منظور تاريخ الخلاص، أي تاريخ الرسل والملوك والأمم الغابرة بهدف العظة والعبرة، نعم. أمّا قراءة الماضي بالمعنى العلميذ للتاريخ فلا. قراءة المستقبل، أيّ مستقبل! وفي كثير من العبارات على ألسنة الرسل، وعلى لسان محمّد، أنّه لا يعلم الغيب إلا الله. المستقبل جزء من هذا الغيب “إنّ الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت”. ومع ذلك فالخطاب الدينيّ هو الذي يضطرب بسبب تطوّر المعرفة العلمية، وإمكانية توقّع هطول الأمطار، وإمكانية معرفة نوع الجنين في الرحم .. الخ.

يبقى أمر الإعجاز البيانيّ، وتطوّر نظرية الإعجاز البيانيّ يكشف عن أصولها فيما يسمّى “آيات التحدّي” في القرآن، وهي نسق من الخطاب السجاليّ بين العرب ومحمّد، حلّلته تحليلا مستفيضا في أماكن كثيرة من كتاباتي.

بدأت نظرية الإعجاز بالقول بالصِّرفة، أي أنّ الله تدخّل فصرف العرب – أي أعجزهم – عن الإتيان بمثله. ولولا هذا التدخّل لأتى العرب بمثل القرآن أو بأحسن منه بيانيّا. هذا قول المعتزليّ “إبراهيم بن سيار النظّام” أستاذ “الجاحظ”، وهو قول معناه أنّ المعجزة ليست في القرآن ذاته، بل في “تعجيز” العرب بالتدخّل الإلهيّ. تمّ رفض هذا التفسير، وتطوّرت محاولات إثبات الإعجاز، حتى بلغت نضجها في نظرية “النظم” عند عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري. وجوهر هذه النظرية أنّ القرآن نصّ لغويّ أدبيّ ممتاز، ومصدر امتيازه أنّه نصّ استثمر قوانين اللغة – النّظم – في أقصى وأعلى مستوياتها. لكن تظلّ هذه القوانين في الأساس هي قوانين الكلام البليغ.

من هنا دفاع الشيخ عبد القاهر عن “علم الشعر” و”علوم اللغة” لدرجة أنّه اعتبر أنّ من يهوّنون من شأن دراسة اللغة ودراسة الشعر تحت، أي شعار دينيّ، إنّما يسدّون المنافذ الوحيدة التي من خلالها يثبت الإعجاز، فهم بذلك يرتكبون جرما دينيا باسم الدين. فحوى ما يؤكّده الشيخ الجليل – الذي لم يكن منغلقا عن الإفادة من المعارف التي كانت متاحة في عصره – أنّ القرآن نصّ لغويّ أدبيّ بامتياز، وأنّ المنهج الناجز لمقاربته هو منهج التحليل اللغويّ الأدبيّ، في أرقى تجلياته بحسب تطوّر المعارف اللّغوية الأدبية.

كان اكتشاف عبد القاهر في العصر الحديث، بفضل محمّد عبده، له الأثر الأكبر في التواصل مع التراث اللغويّ والبلاغيّ، وتطويره على يد أمين الخولي، رائد منهج التحليل الأدبيّ للقرآن. أن يُحارب هذا المنهج، بهذه الضراوة، أمر يكشف عن جرثومة الخلل في الفكر الإسلاميّ، لا في علاقته بالعالم وتطوّر المعرفة فحسب، بل في علاقته الرفضة لتراثه الحيويّ القابل للانفتاح، وتمسّكه بالتراث المغلق الذي كان مسجونا في أفق وعيه الزمني.

نصر حامد أبو زيد(مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

لماذا يزداد تخلفنا

كامل النجار

الطفل يؤلد وعقله صفحة بيضاء خالية من الحروف والأفكار. والداه ثم مجتمعه يسطرون السطور الأولى في تلك الصفحة البيضاء، فيتعلم الطفل الكلام ثن المعتقد ثم، في الغالب، الحرفة التي يعمل بها أبوه. وتستمر حياته بنفس منوال حياة أبيه، إلا إذا كان محظوظاً وعاش في بيئة تتيح له الدراسة في مدارس نظامية.
العرب، طوال تاريخهم المعروف، اعتمدوا على نقل خبراتهم شفهياً، ولم يهتموا بتعلم الكتابة إطلاقاً، رغم أن جيرانهم في سومر وفي فارس وبيزنطة وفي ممالك اليمن قبل الميلاد، تعلموا الكتابة وأرخوا لملوكهم وحروبهم ومعتقداتهم. وعندما جاء الإسلام كان حامل رايته أمياً، كما زعم هو بنفسه في القرآن، وكان عدد الذين يكتبون لا يتعدى أصابع اليدين والرجلين (وكان بعض اليهود قد علم كتابة العربية وكان يعلم الصبيان بالمدينة في الزمن الأول فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون‏، وهم سعد بن عبادة بن دليم والمنذر بن عمرو وأبي بن كعب وزيد بن ثابت فكان يكتب العربية والعبرانية ورافع بن مالك وأسيد بن حضير وسعد بن الربيع وأوس ابن خولى وعبد الله بن أبي المنافق‏.)‏ ( فتوح البلدان، البلاذري ص 535). والبقية أميون
واستمر تناقل الدين الجديد شفهياً حتى منتصف القرن الثاني الهجري لدرجة أن الإمام مالك بن أنس لم يكتب حرفاً واحداً من “المدونة الكبرى” وإنما اعتمد على الدروس الشفهية فقط، وكتب تلميذه عبد الرحمن بن القاسم المدونة ونقلها عنه الإمام سحنون بن سعيد التنوخي. فحتى كبار فقهاء الإسلام ربما لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة وإنما اعتمدوا على السماع من شيوخهم.
مثل هؤلاء الشيوخ هم الذين قادوا أمة الإسلام التي يتفاخر قرآنهم بأن الله (أرسل في الأميين رسولاً) أمياً مثلهم. وما زالت الأمية في خير أمة أخرجت للناس تتعدي الأربعين في المئة في الرجال، والسبعين بالمئة في النساء. وماذا عن قادتنا السياسيين والدينيين حتى اليوم؟ القادة الدينيون، أي الشيوخ، أصبحوا من حملة الألقاب الأكاديمية مثل “دكتور” و “بروفسور” في الشريعة (تشبهاً بالكفار الذين منعهم دينهم عن التشبه بهم). ولكن هؤلاء الدكاترة والبروفسورات لم يدرسوا شيئاً خارج نطاق القرآن والسنة والفقه. فهم أميون بالنسبة للعلوم الطبيعية والفلسفة، وبذلك ما زال فهمهم للكون ولنظرية التطور فهماً طفولياً أمياً جعل كبير علماء المملكة العربية السعودية الأسبق، الشيخ عبد العزيز بن باز يجزم “أن من يقول بأن الأرض كروية وتدور حول الشمس فقد افترى على الله الكذب، فالله يقول إن الشمس تجري لمستقر لها، وبذلك أصبح ناكراً لما هو معروف من الدين بالضرورة، ويجب توبته، وإن لم يتب، يجب قتله.” فإذا كان الأعمى يقود فاقد البصر، ماذا نتوقع من خط سيرهما معاً؟
فإذا كان بن باز يؤكد في القرن العشرين إن الأرض مسطحة والشمس تدور حولها، نجد في أوربا في القرن الثامن عشر، رجال دين مسيحيين برعوا في الهندسة والرياضيات وعلم الفلك والجلوجيا والفيزياء، وكان لطروحاتهم في تلك العلوم أثرٌ كبير في ظهور النظريات العلمية التي قدمت العلم خطوات عملاقة، رغم تصلب الكنيسة الكاثوليكية في محاربة العلم. والفضل يرجع لرجال الدين هؤلاء في تعايش العلم مع الدين في القرن الثامن عشر، ثم ترجيح كفة العلم في القرن التاسع عشر وما بعده، وتقدم أوربا خطوات جبارة في ظرف زمني وجيز، في حين نجد رجال الدين الإسلامي مستمرين في تجهيل العامة ومنعهم من اقتناء العلوم الحقيقية، وبيعهم بدلاً عنها سراب الجهل والغيب والحور العين. والحكمة الأزلية تقول “فاقد الشيء لا يعطيه”. فليس هناك رجل دين إسلامي واحد برع في الفيزياء أو الرياضيات أو الكيمياء، وهي الأساس لفهم الكون والإنسان.
من رجال الدين المسيحي الذين أفادوا العلوم الطبيعية حتى قبل القرن الثامن عشر، نجد:
– روبرت كروسيستي
 Robert Grosseteste (1175-1253)
. ولد هذا الرجل في أسرة فقيرة ودرس علوم اللاهوت، وأصبح فيما بعد أسقف مدينة لنكولن، ومحاضراً في جامعة أكسفورد. ولكن كل منجزاته الدينية تضمحل أمام سمعته كأحد أكثر الرجال علماً في زمانه، فقد حاز على الماجستير في الرياضيات والبصريات والعلوم الطبيعية
science
 لدرجة أنه غطى على منجزات تلميذه المشهور روجر بيكون، ويقول مؤرخو العلوم الطبيعية أن روبرت هذا كان رائد الحركة العلمية في أكسفورد، التي ما زالت تميز جامعة أكسفورد على الجامعات البريطانية الأخرى. من منجزات روبرت هذا: “تعليقات على فيزياء أرسطو” و “نقد التقويم الروماني القديم
Julian Calendar
 مما أدى إلى تغيير ذلك التقويم بالتقويم الحالي تحت البابا جريجوري الثالث عشر. وقدم كذلك دراسات في البصريات، والموسيقى والرياضيات.
– الأسقف إجنازيو دانتي (1536-1586). ولد هذا الرجل في إيطاليا، في مدينة بيروجيا
Perugia
 ودرس اللاهوت في جامعتها، وانضم إلى المجموعة الدينية
The Dominicans
 في عام 1555. وكانت له هوايات عديدة منها علم الفلك، الرياضيات، البصريات، الهندسة المعمارية، الهندسة المدنية، علم السوائل
 Hydraulics
، وعلم الخرائط. في عام 1574 أثبت أن الأيكونوكس
 Equinox
أي اليوم الذي يتساوى فيه طول الليل مع طول النهار، يجب أن يكون أحد عشر يوماً قبل موعده في التقويم الجريجوري. وأشتهر أكثر بالخرائط التي رسمها للمدن الإيطالية، وقد كلفه البابا بايوس الخامس
Pius V
 و البابا جريجوري الثالث عشر برسم خرائط أهم المدن الإيطالية.
– القس مارين مورسينى
Marin Mersenne (1588-1648)
. صديق وزميل ديكارت في الدراسة. عُين قساً عام 1612. واشتهر شهرة واسعة في دوائر علماء الرياضيات، وسموا الأعداد التي لا تقبل القسمة إلا على نفسها أو الرقم 1
Prime numbers
باسمه. وجادل بحماس عن قوة عقل الإنسان
 Human reasoning.
 وكان يراسل ديكارت وتوماس هوبس وباسكال. وكان يعقد اجتماعات دورية لأغلب العلماء الأوربيين. وتبرع بجسده للبحوث العلمية.
– جين فيلكس بكارد
Jean-Felix Picard
. حاز على لقب مؤسس علم الفلك في فرنسا. أصبح هذا القس أول شخص في أوربا يقيس حجم كوكب الأرض في عام 1669. وقد حسب أن قطر الأرض هو 6326 كيلومترات، وقد أثبتت الآلات الحديثة أن مقاساته تختلف عن المقاسات الحقيقية بنسبة 0.44%. وقد استفاد إسحق نيوتن من مقاساته في حساب الجاذبية الأرضية. وكان من مؤسسي الأكاديمية الفرنسية. وقد سموا أحد الأودية في القمر باسمه، وكذلك المسلسل التلفزيوني
 Star Trek.
– جريجور مانديل
Gregor Mendel (1822-1884)
. هذا القس النمساوي هو أبو علم الجينات بدون منازع، وقد أجرى تجاربه على نبات البسلة Pea pods. وقد عرف وقتها أن بعض الجينات الوراثية مهيمنة
 Dominant
 وبعضها متنحي
recessive.
 وقد تعرفنا على كل الأمراض الوراثية واحتمالات إصابة المواليد بها من دراسات القس مانديل.
– القس آرمند ديفيد (1826-1900). هذا القس بدأ حياته العملية مبشراً في الصين، وكان مغرماً بعلم الحيوان
zoology
و علم النباتات
Botany
 وعلم الجلوجيا. وقد اشتهر لدرحة أن الحكومة الفرنسية طلبت منه إرسال عينات من النباتات التي درسها إلى باريس. وعند رجوعه إلى باريس في عام 1888 قدم محاضرة في المؤتمر العالمي للعلماء الكاثوليك.
– القس يوليوس نيولاند
Julius Nieuwland (1878-1936).
 القس نيولاد ولد بأمريكا من أبوين من بلجيكا، ودرس علم الكيمياء بجامعة نوتردام، وعُين قساً عام 1903. وحصل على دراسات عليا في علم النبات وفي الكيمياء. وعُين أستاذاً في علم النبات بجامعة نوتردام. وقد كان أول من أخترع المطاط
الصناعي
 neoprene.
 يُستعمل هذا المطاط في تغليف أسلاك الكهرباء وأسلاك التلفونات، وفي سقوف بعض المنازل. وقد حاز على عدة جوائز علمية
– القس جورج لاميتى
Georges Lemaitre (1894-1966).
 هذا القس البلجيكي كان عالماً في الرياضيات وعلم الفيزياء. وبعد أن عُين قساً انضم إلى جامعة كمبردح بإنكلترا ودرس العلوم الطبيعية، وتخصص في علم الفلك، وفي نظرية النسبية لآنشتاين. وتأكد له أن العالم متحرك وفي حركة اتساع، وأن كل المادة والطاقة كانت متركزة في نقطة واحدة. وهزأ العلماء وقتها بنظريته وسموها
Big Bang
كنوع من السخرية بها.وعندما قدم محاضرته عن بداية العالم صفق له أنيشتاين الذي كان حاضراً بالاجتماع. والآن أصبحت بج بانج هي النظرية المقبولة عالمياً.
– القس ستانلي جاكي
Stanley Jaki
 ولد في المجر عام 1924 وما زال حياً. عينه البابا جون بول الثاني في عام 1990 في الأكاديمية البابوية. نال درجة الدكتوراة في
Nuclear Physics.
 ويجيد خمس لغات، وألف ثلاثين كتاباً. وقال “إن العلم لا ينمو إلا في محيط مسيحي”.
هذه مجرد نبذة عن بعض رجال الدين المسيحي في أوربا منذ القرن الثامن عشر الميلادي وما قبله، وبهم تقدم العلم خطوات حثيثة. فماذا يقابلهم في “علماء” خير أمةٍ أُخرجت للناس؟
“علماء” الأزهر شغلوا أنفسهم بفقه الولاء والبراء والحيض والنفاس حتى سماهم الخميني ” علماء الحيض والمرحاض”. والقليل منهم الذي حاز على درجة علمية مثل د. زغلول النجار، استعمل درجته العلمية للكذب على العامة بما أسماه “الإعجاز العلمي في القرآن”. وقد كون الأزهر “مجمع البحوث العلمية” الذي تخصص في مصادرة الكتب التي تنتقد الإسلام أو الصحابة، بدل أن يبحث في العلوم. وأفتى أن الفلسفة تنكر ما هو معروف من الدين بالضرورة، ومنعوا تدريس الفلسفة بالمعاهد الأزهرية. وأفتوا كذلك أن الصليب يسيء إلى مشاعر المسلمين. واعترضوا على توحيد الأذان في مصر لأن ذلك يختلف عن السنة النبوية الشريفة. ولم نقرأ أي بحث علمي لهذا المجمع البحثي الشهير، بل قرأنا الكثير عن محاربته للعلم وسعيه لتكيم الأفواه، فقد طالب شيخ الأزهر السابق طنطاوي بجلد الصحفيين الذين ينتقدون الأزهر أو الرئيس مبارك . وفي نفس الوقت أجازوا رسالة دكتوراة لطالب أزهري عنوانها “رسالة الكفران” كفّر صاحبها مجلة روز اليوسف والسيدة التي أنشأتها، فاطمة اليوسف. وقال الدكتور فرحات المنجي لمحرري روز اليوسف: ” أعيب عليكم الحرية الزائدة عن اللازم التى تصطدم بثوابت العقيدة فأنتم المجلة الوحيدة التى أخذت موقفا ضد الدين!! وأضاف: لا حرية فى ثوابت الدين”. وقد أفاق مجلس البحوث الأزهري الموقر من نومه عندما علم باستيراد غشاء البكارة الصناعي الذي أنتجته الصين إلى مصر، فأصدر بيانا يؤيد (مطالبة الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية بتطبيق حد الحرابة (القتل) علي من يقوم باستيراده باعتباره يمثل مفسدة في الأرض ويبيح الرذيلة.) أما الدكتورة آمنة نصير الأستاذ بجامعة الأزهر، فقد قالت: ” أنا لا أدري إلي أي مرحلة وصلت قيم المجتمع، وأعني أثمن قيمة التي ترتبط بالفتاة وعفافها وحياتها النظيفة التي تربت داخل أسرة تحوطها بالقيم والثقافة المعتدلة حتي تصل إلي بيت زوجها وهذا هو المضمون. أما وأن يحدث في مسألة عفافها تلاعب فهذا هو الغش والخداع، وهي كارثة أن يفقد الرجال الثقة في البنات”.) (إيلاف 4 أكتوبر 2009).
وفي نيجيريا هناك جماعة دينية سياسية إرهابية اسمها جماعة «بوكو حرام»، التي تعني باللغة السواحلية «التعليم الغربي حرام»، واشتبكوا مع السلطات الحكومية عدة مرات مما أدى ألى قتل العشرات من أنصارها بينهم نائب قائدهم. وبدأت الاشتباكات في ولاية بوتشي بعد اعتقال أعضاء في الجماعة، وامتدت إلى ثلاث ولايات أخرى، وأُحرقت الجماعة مراكز شرطة وكنائس وسجون (الشرق الأوسط 1 أغسطس 2009).
وفي ماليزيا، الدولة التي بعتد بها الإسلاميون لتقدمها الاقتصادي وديمقراطيتها، رغم قولهم إن الحاكمية لله فقط، ففي هذه الدولة التي يكون المسلمون فيها ستين بالمئة، أصر “علماؤها” على منع غير المسلمين من استعمال كلمة “الله” لانها تخص إله الإسلام فقط، ونسوا أن الكلمة هي “إله” معرفة بالألف واللام، وكان العرب يستعملونها في شعرهم قبل ظهور الإسلام بعشرات السنين. وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة.
وفي باكستان وأفغانستان يصر “علماء” المسلمين على تحريم تعليم البنات لأن رسول الإسلام قال “لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن القراءة والكتابة”. فالمرأة ناقصة عقل ودين، وإن أردنا أن نعلمها لنزيد في رجاحة عقلها، يحرق الفقهاء مدارس البنات حتى لا تتعلم.
أما في مملكة الوهابية، ومهبط الوحي الجبريلي، فإن العلوم الحديثة لا تدخل في قاموس “العلماء” من دكاترة وبروفسيرات. فمثلاً عندما ادعى شاهدان من البدو أنهم رءوا هلال رمضان، وقال أهل الفلك أن الهلال لا يمكن أن يكون قد ظهر تلك الليلة، أجابهم مفتي المملكة بأن سوًغ (قبول شهادة الشاهدين اللذين شهدا برؤية هلال ذي الحجة سنة 1425هـ بأنهم “ليسوا أطفالا وأنهم لا يخفى عليهم حال القمر لأنهم أهل رعي وإبل”). فشهادة اثنين من البدو أقسموا على المصحف، تفوق شهادة علماء الفلك، لأن البدو أهل أبل ورعي. وقد صدق عمر بن الخطاب حينما قال “لا يصلح للعرب إلا ما يصلح لإبلهم”.
وأما المفتي الحالي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فقد نصح الذين يقولون أن الخسوف والكسوف ظواهر كونية، بأن يتوبوا إلى الله، فقد (ردّ سماحة مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ على من يقولون ان كسوف الشمس وخسوف القمر ،ظواهر كونية ولا علاقة لها بالذنوب والخطايا ، وقال: إنها تنعقد سببا للعذاب،وأنها تكسف على المسلم والكافر ،وأنهم يعلمون موعد الكسوف والخسوف بدقة.. واكد سماحته ان هذه أخطاء يقع فيها هؤلاء المتقوّلون بذلك لان الكسوف والخسوف آيتان من ايات الله يخوّف بهما عباده ، وقال سماحة المفتي العام : إن من يقولون بان الكسوف والخسوف ظواهر كونية مخالفون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطالب من يقولون ذلك ويكتبون باقلامهم هذه الاراء والافكار ان يتوبوا الى الله عز وجل ، ويتبعوا سنة رسول الله.)
سُئل الشيخ السعودي أبن العثيمين: مر الرسول بحلقتين من الناس، واحد حلقة ذكر، والأخرى حلقة علم، فجلس مع حلقة العلم، فهل يجوز الجلوس في حلقات الذكر؟ فكان رده: (هذا الحديث لا أعلم صحته ولا أظنه يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الاجتماع على العلم لاشك أنه من أفضل الأعمال لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله فإن الدين إنما قام بالعلم والبيان والقتال لمن نابذه وعارضه ولم يخضع لأحكامه وأما الذكر فإن الاجتماع أيضاً على الذكر لا بأس به ولكنه ليس الاجتماع الذي يفعله بعض الصوفية يجتمعون جميعاً ويذكرون الله تعالى بصوت واحد أو ما أشبه ذلك إنما لو يجتمعوا على قراءة القرآن أو ما أشبه هذا مثل أن يقرأ أحد والآخرون ينصتون له ثم يديرون القراءة بينهم فهذا ليس فيه بأس ولا حرج فيه.) (فتاوى الشيخ ابن العثيمين). فالدين قام بالعلم الشرعي وقتال من نابذه ولم يخضع لأحكامه، وتُعتبر العلوم الدينية جهاد في سبيل الله.
وقد أفتى الشيخ السعودي الكبير محسن العبيكان بجواز التداوي بالسحر، ولما هاجمه بعض شيوخهم، رد بالآتي: ( أن عددا من الأئمة والفقهاء أباحوا حل السحر من قبل ساحر منهم سعيد بن المسيب والحسن البصري والإمام احمد وابن الجوزي والإمام البخاري ونص عليه عدد من فقهاء الحنابلة في كتبهم المعتمدة التي يفتي بها ويحكم بها القضاة في السعودية.( (شفاف الشرق، 8 يوليو 2006).
أما “علماء” باكستان وبنغلاديش والسودان والصومال، فحدث عنهم ولا حرج. فهل بعد هذا نستغرب لماذا يزداد تخلفنا كلما ازدادت الأمم تقدماً؟ وما أصدق مقولة القس ستانلي جاكي عندما قال إن العلوم لا تنمو إلا في محيط مسيحي. وأنا لا أحاول بهذا المقال الدفاع عن المسيحية، فأنا رجلٌ لا ديني، ولكن إحقاق الحق واجب علينا. فالمجتمعات العربية برمجها رجال الدين الجهلاء بأن تجتر ماضيها وتتغذى عليه كما يجتر البعير طعامه من معدته وقت الحاجة. وقانون نيوتن للحركة يقول إن كل جسم يتحرك في خط مستقيم إلى أن تتدخل قوة أخرى لتوقفه أو تغير اتجاه مساره. ونحن للأسف يقودنا رجال دين ليس بمقدورهم تغيير مسارنا لأنهم لا يملكون المقومات العلمية لذلك.
وقبل أن يرد علينا الإسلاميون بأمجاد العلوم الإسلامية في الدولة العباسية، نقول لهؤلاء إن الذين برعوا في العلوم الطبيعية لم يكونوا من رجالات الدين، والقليل من رجالات الدين الذين حاولوا الخوض في الفلسفة أو ماهية الوجود، كفّرهم شيوخ الدين من أمثال حجة الإسلام الغزالي ورموهم بالإلحاد وحرقوا كتبهم، حتى عباس بن فرناس الذي حاول الطيران بأجنحة من صوف الطير، ودق عنقه ومات، لم يسلم من تكفيرهم. وأغلب الذين نجحوا في العلوم الطبيعية فعلوا ذلك لأنهم ينحدرون من حضارات غنية بالعلم مثل فارس وبيزنطة، ولم ينجحوا لأنهم كانوا مسلمين، بل لأن ترجمة التراث اليوناني إلى العربية أتاحت لهم الفرصة ليبحثوا في العلوم الطبيعية.

بعض هذه المعلومات منقولة بتصرف من المصادر الآتية:
Catholic Answers
http://en.wikipedia.org.wiki/George_Lema
– Bill Bryson: A Short History of Nearly Everything

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

هل علينا نقد الدين نقداً علمياً؟

كامل النجار

لا يختلف اثنان، حتى بين رجال الدين الإسلامي أنفسهم، في أن الأمة الإسلامية أي خير أمة أُخرجت للناس، تحتل المرتبة الدنيا في سلم الحضارة والرقي، وعداوتها للمرأة تكاد أن تفوق عداوتها لليهود والنصارى. حتى في دول إفريقيا الجنوبية سادت الديمقراطية وانتخبت جمهورية ليبريا السيدة الين جونسون سيرليف رئيسة لفترتين متتاليتين، ونحن مازلنا نمنع المرأة من قيادة السيارة وكشف وجهها. أفلا يجب علينا محاولة معرفة السبب في هذا التخلف، وإذا عرفناه، ألا يحق لنا نقده ومحاولة تقويمه؟
أعتقد أن الغالبية العظمى من القراء تعزو هذا التخلف إلى الإسلام وشيوخه المتاجرين به على حساب كرامة الإنسان المسلم. وهذا هو اعتقادي الذي لا يخامرني أي شك به. وقد قارنت مراراً بين الشعوب الهندية والباكستانية وشعب بنغلاديش. فجميعهم من اثنية واحدة، وكانوا يعيشون في الهند الكبيرة حتى عام 1948 عندما طالب السيد محمد علي جناح بإقامة وطن منفصل للمسلمين، فقامت باكستان الكبرى التي انفصلت فيما بعد إلى باكستان وبنغلاديش. وليقارن أي شخص الآن بين المستوى الذي وصلت إليه الهند وبين باكستان أو بنغلاديش. فالعامل الوحيد في تخلف الأخيرتين هو الإسلام
وعندما ننتقد الإسلام يرد بعض الكتاب بأن نقد الإسلام يجب أن يكون علمياً، ولا أدري ماذا يقصدون. هل الإسلام علم حتى ننقده نقداً علمياً. فهل إذا انتقدت قصيدة لامريء القيس مثلاً، يتحتم عليّ أن يكون نقدي علمياً أم أدبياً؟ ناقد الشعر ينتقد النظم وقواعد القصيدة والتزامها البحور المتعارف عليها، ثم يتحدث عن محتواها وربما يقارنها بقائد شعراء آخرين. والقرآن ما هو إلا سجع يحتوي على أخطاء عديدة في اللغة وفي المحتوى. فهل يجب أن يختلف نقده عن نقد الشعر، مثلاً؟ وربما يقول بعض المعلقين أن نقدنا طائفي لأننا لم ننتقد اليهودية والمسيحية. ولكن الإشكال هنا أن كل القراء يعرفون أن الديانات “السماوية” الثلاث تتشابه في تعاليمها الجزرية لأن أصلها واحد وهو الوصايا الموسوية. وإذا انتقدنا رب الإسلام، وهو أحدث الأديان الثلاثة، يصبح نقده نقداً لكل الأديان لأن القرآن نفسه يكرر علينا في آيات عديدة أن رب اليهود ورب المسيحيين (النصارى) هو نفس الإله (إلهنا وإلهكم واحد). فإذا انتقدت رب الإسلام لا يتحتم عليّ أن انتقد يهوه أو إلوهم أو ابن الإنسان، فكلهم يرمزون إلى نفس الكيان الغيبي الاسطوري الذي نعتقد أنه في السماء.
نحن الآن في نفس الوضع الذي كانت فيه أوربا في القرون الوسطى قبل مرحلة التنوير. خرجت أوربا من مرحلة الظلام التي تربعت على عرشها الكنيسة الكاثوليكية بمجهود فلاسفة التنوير. فماذا فعل أو كتب هؤلاء الفلاسفة حتى تسنى لهم الخروج بأوربا من محنتها؟ هؤلاء الفلاسفة كتبوا عن الوجود وهل له خالق أم لا، ثم انتقدوا تعاليم الكنيسة وإلهها الذي صورته لهم على أنه مرسل الزلازل والبراكين ليعاقب بها الخارجين على الكنيسة. ولم ينتقد أي منهم الإسلام أو حتى يذكره. هدفهم كان إخراج أوربا من الظلمات إلى النور.
فترة التنوير بدأت في القرن السابع عشر واستمرت في القرن الثامن عشر، ولكن قبل ذلك سبقتها إرهاصات من القلائل المتنورين والذين أغضبوا الكنيسة. منهم الفونس ملك كاستيل بإسبانيا (توفي عام 1284) عندما قال: لو كنت مستشار الله يوم الخلق لخلق عالماً ليس به نواقص كما نراها الآن. فغضبت الكنيسة عليه وأطلقوا الإشاعات عنه. وحدث أن الفونس اتهم زوجته بالعقر وأرسل إلى الدنمارك يطلب أميرة يتزوجها لتنجب له. وبينما كانت الأميرة في طريقها إليه حبلت زوجته. فأشاعت الكنيسة أنه ارتكب إثماً عظيماً لأنه لم ينتظر مشيئة الله في الإنجاب، وأن الله سوف يعاقبه علي ذلك في هذه الحياة. وفي ليلة من الليالي هطلت أمطار غزيرة معها برق ورعد شديدان، فما كان من الكنيسة إلا أن أشاعت أن البرق عذاب أرسله الله ليحرق قصر الفونس. بمثل هذه الخرافات حاربت الكنيسة كل من تجرأ وتحدث عن الدين أو عن الله.
ثم جاء الفلاسفة العظام وكان أولهم ديكارت (1596-1650) الذي كان خائفاً من الكنيسة في باديء الأمر فبدأ بالدفاع عن الله. وتدريجياً بدأ ديكارت بتجريد الله من بعض سلطانه، فقال بفصل الله عن الفلسفة (إن الله لا شأن له بالفلسفة إطلاقاً). ثم قال أن الكون لا نظام فيه، بل هو كون يعج بالفوضى ولا ينم عن مصمم ذكي. وأخيراً قال إن الله رحيم كريم ولكنا لا نحتاجه. وأكمل بمقولته المشهورة “أنا أفكر فإذاً أنا موجود”. وبهذه المقولة ارتقى بالعقل فوق تعاليم الكنيسة ومنحه حرية التفكير والنقد.
ثم جاء سبنوزا (1632-1677) وبدأ بنقد التعاليم اليهودية فطرده الحاخامات وصبوا على رأسه اللعنات ومنعوا العامة من الحديث معه أو حتى السلام عليه. وأخيراً تجرأ سبنوزا بعد أن زال عنه الخوف من رجال الدين فقال إن قوانين الطبيعة هي الله ولا إله غيرها. ثم جاء أليكساندر بوب (1688-1744) وحاول الدفاع عن الله وحاول صرف الفلاسفة عن الكلام عن الله، فقال إن الدراسات البشرية يجب أن تكون دراسة الإنسان. أي ما معناه: اتركوا الله في شأنه
ثم جاء جانجاك روسو (1712-1778) وحاول كذلك في البداية الدفاع عن الله وقال إن الشر من أنفسنا والخير من الله. ولكنه بالتدريج بدأ نقد الأديان وحتى نقد الله بطريقة غير مباشرة، وألف كتابه (اميل) Emile الذي اعتبرته الكنيسة هرطقة وتعدي على الإله، فأحرقوا كتابه وهموا بحرقه لولا أن أخبره أحد الأمراء ليهرب ليلاً من باريس، ففعل.
وبالتدريج زادت جرأة الفلاسفة في نقد الكنيسة والإله، فجاء إمانيويل كانط (1724-1804) الذي بدأ بالدفاع عن الله ثم حدث زلزال لشبونة في عام 1755 الذي دمر معظم المدينة وقتل الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، وكان لهذا الزلزال أثرٌ عظيم في نفس كانط، فألف كتاب Critique of pure reason (تقييم الفكر النقي) الذي قال فيه إن التنوير هو خروج الإنسان من عبوديته التي فرضها على نفسه باعتماده على قوة خارجية. و حث على صرف النظر عن كل الطقوس الدينية من تعصب وسلطان الكنيسة والصلاة وكل الطقوس التي منعت الإنسان من الاعتماد على نفسه ودعته للاتكال على قوة خارجية. ثم هاجم الدين وقال إن الذي يقول إن الألم والمصائب اختبار من الله، يقدم عذراً لا برهان عليه، وتكذّبه تجاربنا الشخصية اليومية. ومن يعتمد على هذا القول يشتري العزاء بحقيقة الألم الواقع لدرجة أنه يفقد المواساة للمصابين.
ثم جاء هيجل (1770-1831) فزادت الجرأة معه وانتقد الله في البداية، ثم قال إن الله قد مات. وأخيراً جاء نيتشه (1844-1900) وأكد موت الله. فنرى هنا أن كل فيلسوف بنى على الذي سبقه وزادت جرأته على نقد الكنيسة وربها حتى قال آخرهم بموته. فالناقد العربي لا يتحتم عليه أن يبدأ من الصفر ويجامل رجال الدين في البدء خوفاً منهم، ثم يزيد نقده عنفاً.
ويمكن تلخيص حركة التنوير الأوربية في الآتي:
1-الفكر هو أسمى ملكات الإنسان
2-الفكر أو العقل هو ما يمكن الإنسان من التحرر من الاعتقاد البدائي المتعصب الذي يحبس الإنسان في إمعاء الجهل والتخلف
3-معرفة القوة الكامنة في العقل تمكن الإنسان ليس فقط من التفكير السليم، بل تعلمه السلوك القويم
4-عن طريق العلم وتقدمه يستطيع العقل أن يقود البشرية إلى حالةالإبداع الدنيوي
5-العقل يجعل كل الناس متساوين، وبالتالي يستحقون حرية متساوية ومعاملة واحدة تحت طائلة القانون
6-قبول أي معتقد يجب أن يتم عن طريق العقل وليس بسلطة الكنيسة ورجال الدين
هذا النقد المتدرج للدين، مع ملاحظة أن هؤلاء الفلاسفة جميعهم انتقدوا الكنيسة وممارساتها، ثم وجود الله، ولم يتطرق أحدهم إلى الأديان الأخرى، أدى في النهاية إلى سقوط عباءة الدين وارتقاء العقل حتى بين العامة. ولم يقل أحد من الفلاسفة أو العامة إن نقد هؤلاء الفلاسفة للدين أو لله، لم يكن نقداً علمياً وناتجاً عن أبحاث.
فهل يجب علينا إعادة اختراع العجلة، أم علينا أن نتعلم من نقد هؤلاء الفلاسفة التنوريين وبذا ننتقد الإسلام ورجاله وحتى إلهه دون أن ننتقد بالضرورة اليهودية والمسيحية؟ وهل يجب أن يكون نقدنا للإسلام نقداً علمياً حتى يرضى عنا الذين يقولون إن كتاباتنا لا تفيد ولا تستحق النشر وأنها تضر بالعلمانية لأنها تنفّر العامة منها، وهم يعلمون أن العامة أغلبهم لا يقرؤون، وإن قرأوا لا يستوعبون؟
أنا أعتقد أن نقد الإسلام وتعاليمه الفاشية مهمة يجب علينا الاطلاع بها في محاولة لتخليص شعوبنا من براثن الجهل وجشع تجار الدين ومن المهوسين الانتحاريين الذين يكرهون الحياة. وفي المقام الأول يجب علينا تحرير المرأة من تلك القيود التي أدمنت عليها وأصبحت جزءاً من شخصيتها التي تقودها لانتخاب جلاديها. ولا يهمني أن يعتبر البعض أن نقدي للإسلام ليس نقداً علمياً

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

من أين تأتي ثقة بشار الأسد بنفسه

طلال عبدالله الخوري 13\10\2012

على ضوء تصريحات صالحي لدير شبيغل: لم يبدو الاسد منفصلا (عن الواقع) لكنه واثق من نفسه ومستعد للقتال

Posted in ربيع سوريا, فكر حر, كاريكاتور | Leave a comment

هكذا قرأتُ القرآن ٩ سورة الليل

رياض الحبيّب 

قرأت الليلة الماضية سورة الليل وترتيب تنزيلها ٩ خلافاً لتسلسلها ٩٢ في مصحف الإمام. ولا يزال الليل سواء بأنوار القمر وسائر النجوم وبعتمته من عناصر الإلهام لدى الشعراء كما كان في الماضي، إذ وصلتنا صوَر جميلة عن الليل وأحداثه ولا سيّما هواجس عشاقه- من الجنسَين- بآلامهم وآمالهم ومغامراتهم؛ هنا بضعة أمثلة راودت مخيّلتي خلال الليلة المذكورة- منها ما لاٌمرئ القيس الكندي في معلّقته الشهيرة:
وليْلٍ كمَوْجِ البَحْرِ أرْخى سُدُولهُ *** عَليَّ بأنوَاعِ الهُمُومِ لِيَبتلِي
فقلتُ لهُ لمَّا تمَطَّى بصُلْبهِ *** وأرْدَفَ أعْجَازاً وناءَ بكلكلِ
ألا أيُّهَا الليْلُ الطَّويْلُ ألاَ اٌنْجَلِ *** بصُبْحٍ ومَا الإصْبَاحُ منِكَ بأمْثلِ
فيَا لكَ مِنْ ليْلٍ كأنَّ نُجُومَهُ *** بكلّ مُغار الفتل شُدّتْ بيَذبُلِ
ومنها ما للنابغة الذبياني: فإنّكَ كالليلِ الذي هو مُدْرِكي *** وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنتأى عنكَ واسِعُ
ومنها ما لعنترة بن شدّاد العَبْسي: سيذكُرُني قومي إذا الخيْلُ أقبلتْ *** وفي الليلة الظلماءِ يُفتقـَدُ البدرُ

وإني حريص على الإتيان بأبيات شعر الحقبة ما قبل الإسلام، لسبَبَين أولهما كي لا يُقال أنّ الشاعر الفلاني من العصر الفلاني اقتبس من القرآن أو الحديث شيئاً ما. وثانيهما لأرى ما اقتبس مؤلّف القرآن صوراً شعريّة ممّن سبقوه إذ عاش في البيئة عينها وكان يحبّ الإصغاء إلى الشعْر كشعْر امرئ القيس وأميّة ابن أبي الصّلت وعنترة بن شدّاد. وفي ويكيبيديا- ممّا أضيف على سيرة عنترة- أنّ محمّداً قال: «ما وُصِف لي أعرابيّ قطّ فأحببتُ أنْ أراه إلا عنترة» فماذا أراد مؤلّف القرآن بسورة الليل وهل لموضوع السّورة علاقة ما باٌسمها؟ علماً أني قرأت في كتاب “الشخصيّة المحمّدية” للرصافي حول أسماء السّوَر ما يأتي: {أما أسماء السور فاضطربت أقوال الرواة في كونها توقيفية أي سُمِّيت بتوقيف من النبي، فيكون هو الذي سماها بأسمائها، والذي تطمئن إليه النفس أنها ليست كلها توقيفية، إذ يجوز أن يكون النبي قد ذكر بعضها اتفاقاً لا بقصد التسمية، أو بقصد توقيف الناس على اسمها فسمّاها باسم أخذه منها، فصار الناس يذكرونها بذلك الاسم، كما يجوز أن يكون الناس قد سمّوا بعضها بأسماء أخذوها إمّا من كلمة مذكورة في أولها كسورة الحمد للفاتحة، وسور الفجر والضحى والليل والكوثر والمُزّمِّل، لأنّ هذه الكلمات مذكورة في أوّل السورة، وإمّا أنهم جعلوا لها اسماً مما اشتملت عليه من القصص والأخبار ومن أسماء الأنبياء المذكورين فيها، فقالوا سورة البقرة لما ذكر فيها من قصة البقرة، وسورة آل عمران لأنها ذكر فيها آل عمران، وسورة المائدة لما ذكر فيها من خبر المائدة. وتسمية السورة أمر مباح غير محظور في الدين ولا مخالف لشيء من القرآن ولا من السنة، وإلّا فلو أراد النبي أن يسميها ويذكر للناس أسماءها توقيفاً لهم عليها لما اختار لها هذه الأسماء الدالة على بساطة في النظر وسذاجة في المعرفة…} انتهى. ولقراءة المزيد في كتاب الرصافي والذي أصبح تنزيله مُيَسّراً من “مكتبة التمدن” في هذا الموقع، أنظر الباب “سور القرآن وكم هي” ص 570 أو اقرأ في هذا الباب عبر الرابط التالي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=107832

هنا نصّ سورة الليل كاملاً:
{والليْلِ إذا يَغْشى ١ والنَّهَارِ إذا تجَلّى ٢ ومَا خلـَقَ الذّكَرَ والأُنثى ٣ إنَّ سَعْيَكُمْ لشتَّى ٤ فأمَّا مَن أعْطى واتَّقى ٥ وصَدَّق بالحُسْنى ٦ فسَنُيَسِّرُهُ لِليُسْرى ٧ وأمَّا مَن بَخِلَ واسْتغْنى ٨ وكذَّبَ بالحُسْنى ٩ فسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسْرى ١٠ ومَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إذا ترَدَّى ١١ إنَّ عليْنا للهُدَى ١٢ وإنَّ لنا للآَخِرَة والأُولى ١٣ فأنْذرْتُكُمْ نارًا تلظَّى ١٤ لا يَصْلاها إلَّا الأشقى ١٥ الَّذِي كذَّبَ وتوَلَّى ١٦ وسَيُجَنَّبُها الأتقى ١٧ الَّذِي يُؤتِي مَالـَهُ يَتزكَّى ١٨ ومَا لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ١٩ إلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى ٢٠ ولسوْفَ يَرْضَى ٢١} انتهت

وقد اعتدت على الرجوع إلى تفاسير المُفسّرين المعتمَدين إسلاميّاً إذ لا يحقّ لأحد تفسير المقدّسات على مزاجه، علماً أني أركّز على جوانب قد يركّز قارئ غيري على جوانب غيرها! فإنّ لكلّ قارئ أسلوباً في القراءة وفي الكتابة أيضاً- هنا أوّلاً تفسير الإمام الطبري (1) للجملة الأولى: {يقول تعالى ذِكْرُهُ مُقسِماً بالليل إذا غشـّى النهار بظلمته، فأذهَبَ ضوءه، وجاءت ظلمته: «والليل إذا يغشى» النهارَ} انتهى

تعليقي: سبق لي التنويه بأنّ الخالق [العظيم] لا يمكن أن يُقسِم بالمخلوق [الأقل عظمة] فهو جلّ وعلا لا يحتاج إلى قسَم بل إلى الدليل العقلاني، لأنّ القسَم قد يبدو وسيلة من وسائل الكذب فإمّا أريد بها الإقناع بحجّة ما فتُعَدّ ساذجة. فالقسَم بقوله (والليل) هو بلا ريب قولُ محمّد- وليس قوله تعالى- وهذا النوع من القسَم غير مألوف لي في أدب الحقبة المسمّاة بالجاهليّة؛ في المثال التالي أقسم النابغة الذبياني بعمره، لاحظ جملة القسم “لـَعَمْري” في قول النابغة الذبياني:
لعَمْري وما عمري عليَّ بهَيِّنٍ *** لقد نطَقتْ بُطْلاً على الأقارِعُ
وجملة القسم في قول طرَفة بن العبد: لـَعَمْرُك مَا أمْرِي عَليَّ بغُمَّةٍ *** نهَارِي ولا ليْلِي عَليَّ بسَرْمَدِ
وفي معلّقة عنترة: عُلِّقْتُها عَرَضاً وَأقتُلُ قومَها *** زَعماً لعَمْرُ أَبيكَ ليسَ بمَزْعَمِ
أمّا امرؤ القيس فهكذا أقسم:
سَمَوتُ إليها بَعْدَما نامَ أهلُها *** سُموَّ حَباب الماءِ حالاً عَلى حالِ
فقالت سَباكَ اللهُ إنَّكَ فاضِحي *** ألستَ تَرى السُمّارَ والناسَ أحوالي
فقُلتُ يَمينَ اللهِ أبرَحُ قاعِداً *** وَلو قطَعوا رَأسي لدَيكِ وأوصالي
حَلفتُ لها باللهِ حِلفةَ فاجـِرٍ *** لناموا فما إنْ مِنْ حَديثٍ ولا صالِ

وهنا تفسير القرطبي (2): {أي يُغطّي. ولم يذكر معه مفعولاً للعِلم به. وقيل: يغشى النهارَ. وقيل: الأرض. وقيل: الخلائق. وقيل: يغشى كلّ شيء بظلمته. وروى سعيد عن قتادة قال: أوّل ما خلق الله النور والظلمة، ثم ميّز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، والنور نهاراً مُضيئاً مُبصِراً} انتهى

تعليقي: ١ نلاحظ بسهولة اختلافاً في تأويل قوله “يغشى” والمطلوب من الكتاب الديني أن يكون واضحاً لمن يقرأ فماذا كان المقصود؛ هل يغشى الليلُ النهارَ أم يغشى الأرضَ (وهذا مستحيل علميّاً لأنّ الأرض كرويّة تقريباً) أم الخلائق؟ أم كلّ شيء؟ أم ماذا؟ ٢ من أين أتى قتادة بقوله إنْ صحّ ما رُويَ عنه؟ أمّا الجواب فمن التوراة وتحديداً سِفرها الأوّل (التكوين) بل الفصل الأوّل وابتداءً بالآية الأولى حتى الخامسة: {في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروحُ الله يرفّ على وجه المياه. وقال الله: ((ليكن نور)) فكان نور. ورأى الله النورَ أنّهُ حَسَن. وفصَلَ الله بين النور والظلمة. ودعا الله النورَ نهاراً والظلمة دعاها ليلاً. وكان مساءٌ وكان صباحٌ يوماً واحداً} – ترجمة فاندايك

أمّا اللافت (بل غير المقبول دينيّاً) فالإختلاف على النصّ الأصلي من القرآن وتحديداً الليل: ٣ “ومَا خلـَقَ الذّكَرَ والأُنثى” وهذا ممّا ورد في تفسير ابن كثير (3): {قال الإمام أحمد حدثنا… عن عَلقمَة أنهُ قدِمَ الشام فدخل مسجد دمشق فصلّى فيه ركعتين وقال: اللهُمَّ اٌرزقني جليساً صالحاً. قال فجلس إلى أبي الدَّرْدَاء فقال له أبو الدَّرْدَاء ممّن أنت؟ قال من أهل الكوفة، قال كيف سمعت اِبْن أُمّ عَبْد يقرأ “والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى” قال علقمة “والذكر والأنثى” فقال أبو الدّرداء لقد سمعتها من رسول الله ص فما زال هؤلاء حتى شكّكوني، ثم قال: ألمْ يكن فيكم صاحب السواد وصاحب السرّ الذي لا يَعْلمه أحدٌ غيره والذي أجير من الشيطان على لسان محمد ص وقد رواه البخاري ههنا ومُسْلم من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: قدِمَ أصحاب عبد الله على أبي الدّرداء فطلبهم فوجدهم فقال أيّكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قالوا كلّنا قال أيّكم أحفـَظ؟ فأشاروا إلى عَلقمَة فقال: كيف سمعته يقرأ “والليل إذا يغشى” قال “والذكر والأنثى” قال أشهد أني سمِعْتُ رسول الله ص يقرأ هكذا وهؤلاء يريدون أن أقرأ “وما خلق الذكر والأنثى” والله لا أتابعُهُم هذا لفظ البخاري} انتهى

تعليقي: كيف أصبح النصّ مقدّساً وقد ثبت وجود اختلاف على قراءته؟ فهل نصّ الجملة في سورة الليل: ٣ هو “وما خلقَ الذكرَ والأنثى” – مصحف عثمان- أم كما سمِع عَلقمَة وأبو الدَّرْدَاء من لسان محمّد وهو يقرأ: “والذكر والأنثى”؟ أفما تكفي شهادة رجُلين في الإسلام؟
ولقد ذهبتُ إلى معرض تفسير ابن كثير لقوله “وما خلق الذكر والأنثى” فوجدتُ شاهداً ثالثاً على القراءة المختلفة هو ابن مسعود: {وهكذا قرأ ذلك ابن مسعود وأبو الدرداء ورفعه أبو الدرداء وأمّا الجمهور فقرءوا ذلك كما هو المثبت في المُصْحَف الإمَام العُثمَانِيّ في سائر الآفاق “وما خلق الذكر والأنثى”} انتهى.
علماً أنّ الرواية وردت في تفسير الطبري بتفصيل، كذلك في تفسير القرطبي والذي أردف بقولين مختلفين:
{وفي المراد بالذكر والأنثى قولان؛ أحدهما: آدم وحوّاء قاله اِبْن عَبَّاس والحَسَن والكَلْبيّ. الثاني: يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم؛ لأن الله تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم. وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميّين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته} انتهى

أمّا بعد فقد حاولت تقصّي الحقائق حول بعض الأقوال- فمن تفسير الطبري للجملة “وصَدَّق بالحُسْنى” ما يأتي: {وذُكِرَ أنّ هذه الآية نزلتْ في أبي بكر الصدّيق- رض. ذكر الخبر بذلك: 29011 – حَدّثني… عَن عَامِر بْن عَبْد الله بْن الزُّبَيْر، قال: كان أبو بكر الصديق يُعْتِق على الإسلام بمَكّة، فكان يُعْتِق عجائز ونساءً إذا أسْلمْن، فقال له أبوه: أي بُنيّ، أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك أعتقت رجالاً جُلْداً يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك، فقال: أي أبَتِ، إنما أريد “أظنه قال”: ما عند الله، قال: فحدّثني بعضُ أهل بيتي، أنّ هذه الآية أنزلت فيه: “فأمّا من أعطى واتقى وصدّق بالحُسنى فسنيَسِّرُه لليُسرى”} انتهى

تعليقي: ١. أيّد القرطبي نزول السورة في أبي بكر بقوله في معرض تفسير الليل: ٢١ (ولسَوْفَ يَرْضَى) ما يأتي: والأكثرُ [احتمالاً] أنَّ السُّورَة نزلتْ فِي أبي بَكْر- رَض- ورُوِيَ ذلِك عَنْ اِبْن مَسْعُود وابْن عَبَّاس وعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وغيْرهِمْ؛ علماً أنّ القرطبي قد أورد رواية أخرى منسوبة أيضاً لاٌبن عبّاس: {إنّ السُّورة نزلتْ في أبي الدَّحْدَاح في النخلة التي اشتراها بحائط له، فيما ذكر الثعلبي عن عطّاء. وقال القُشَيْرِيّ عن ابن عباس: بأربعين نخلة ولمْ يُسَمِّ الرجل} انتهت ٢. كان أبو بكر يُحَرّر العجائز والنساء بمكّة إذا أسْلمْن وذلك “ما عند الله” أمّا تحرير الرّجال- بحسب ما رُويَ عن أبي بكر- فليس ممّا عند الله، حتى لو أسلموا! والتساؤل المشروع ليس عن سبب قيام أبي بكر بتحرير العجائز والنساء دون الرجال، إنّما هو: لماذا حصلتْ جرائم السّبْي والإستعباد أساساً؟ فأؤكد ما كتبت من قبل: إنّ حُريّة المعتقد مكفولة للجميع ما لمْ تتسبّب في إيذاء الآخرين.

أمّا من تفسير القرطبي لقوله “لا يَصْلاها إلّا الأشقى” – أي الليل: ١٥ فاقتطفت:
{١ وروى الضحّاك عن ابن عبّاس قال: “لا يَصْلاها إلّا الأشقى” أُمَيَّة بْن خـلف ونظراؤه الذين كذّبوا محمّداً- ص- وقال قتادة: كذّب بكتاب الله، وتولّى عن طاعة الله. وقال الفرَّاء: لمْ يَكُنْ كذَّبَ برَدٍّ ظاهِر، ولكِنَّهُ قصَرَ عَمَّا أُمِرَ به من الطاعة فجُعِل تكذيباً.
٢ الزَّمَخْشَرِيّ: الآية واردة في الموازنة بين حَالتـَيْ عظيم من المُشركين وعظيم من المؤمنين، فأ ُريد أنْ يُبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وَجُعِلَ مُختصًّا بالصَّلْي، كأنّ النارَ لم تُخلق إلّا له وقيل: الأتقى، وجُعِل مُختصّاً بالجنة، كأن الجنة لم تخلق إلّا له وقيل: هُمَا أبو جهل أو أميّة بن خلف. وأبو بكر- رض} انتهى

تعليقي: فموضوع المؤمن برمّته- بحَسَب فهْمي- ليس ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ- أو ربِّها- الأعلى ولا ولاية الله وطاعته- ممّا تقدّم في تفسير الطبري- فهكذا فعل أهلُ الكتاب والحنفاء وسائر الموحّدين، إنّما الموضوع هو ولاية محمّد وطاعته؛ من شهد له فله التيسير باليُسرى، أمّا من كذّبه فله “التيسير” بالعُسرى! وسآتي بأمثلة على اقتران طاعة الله بطاعة الرسول في خضمّ قراءاتي القادمة.

واللافت في قوله أخيراً (ولسوْفَ يَرْضَى) – الليل: ٢١ هو ما ورد في معرض تفسير القرطبي- فبعدما فسّر الجملة بقوله {أي سوف يُعطيه في الجنّة ما يُرضي وذلك أنه يُعطيه أضعاف ما أنفق} ذكر التالي: {قال عَطّاء: كان لرجل من الأنصار نخلة، يسقط من بلحِها في دار جارٍ له، فيتناوله صبيانه، فشكا ذلك إلى النبي ص فقال النبي ص (تبيعها بنخلة في الجنة)؟ فأبى فخرج فلقِيَه أبو الدّحداح فقال: هل لك أن تبيعَنيها بـ “حُسْنى”: حائط له. فقال: هي لك. فأتى أبو الدحداح إلى النبي- ص- وقال: يا رسول الله، اشترِها مني بنخلة في الجنة. قال: (نعم، والذي نفسي بيده) فقال: هي لك يا رسول الله، فدعا النبي- ص- جارَ الأنصاريّ، فقال: (خذها) فنزلت “والليل إذا يغشى” – الليل: ١ إلى آخر السورة في بستان أبي الدحداح وصاحب النخلة. “فأمّا من أعطى واتقى” يعني أبا الدحداح “وصَدَّق بالحُسنى” أي بالثواب “فسنيسّره لليسرى” يعني الجنة “وأمّا مَن بخل واٌستغنى” يعني الأنصاريّ “وكذب بالحسنى” أي بالثواب “فسنيسره للعسرى” يعني جهنم “وما يغني عنه ماله إذا تردى” أي مات. إلى قوله: “لا يصلاها إلا الأشقى” يعني بذلك الخزرجي وكان منافقاً فمات على نفاقه “وسيجنَّبها الأتقى” يعني أبا الدحداح. “الذي يؤتي ماله يتزكى” في ثمن تلك النخلة “ما لأحد عنده من نعمة تجزى” يكافئه عليها يعني أبا الدحداح “ولسوف يرضى” إذا أدخله الله الجنة} انتهى

تعليقي: ١ هل نزلت السّورة في أبي بكر أم في أبي الدَّحْدَاح؟ فقد رُويَ عن ابن عبّاس أنّ سورة الليل نزلتْ في أبي بكر ورُويَ عنه [نفسه] أنها نزلت في أبي الدَّحْدَاح فأيّة الروايتين صائبة؟ فوا عَجَبا!
٢ قوله {فشكا ذلك إلى النبي ص فقال النبي ص (تبيعها بنخلة في الجنة)؟ فأبى… إلخ} وقوله “فسنيسّره لليسرى” وقوله “فسنيسره للعسرى” يدلّ في نظري على اثنين: الأوّل- إنّ محمّداً ظنّ أنّ ربّه قد خوّله حقّ التصرّف بالجَنّة وبجَهَنّم. الثاني: إنّ صاحب النخلة آثر نخلته على النخلة المحمّديّة- أي نخلة الجنّة، إذ رفضَ عرضَ محمّدٍ ما لم يكنْ صاحب النخلة مُعتبـِراً العرضَ المُحمّدي غريباً.
٣ أمّا على قوله “ولسوف يرضى” فهلْ للمرء خيار أمام الله [سواءٌ أرضيَ أم أبى] أم أنّ محمّداً هو الذي سيُرضيه؟
٤ روى القرطبي في معرض شرح “فسنيسّره للعُسرى” ما يأتي: {قال الفرّاء: يقول القائل: كيف قال: “فسنيسّره للعُسرى”؟ وهل في العُسرى تيسير؟ فيُقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله عزّ وجلّ: “فبشِّرهم بعذاب أليم” – آل عمران : ٢١ والبـِشارة في الأصل على المُفرح والسّارّ، فإذا جُمِعَ في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما. وكذلك التيسير في الأصل على المُفرح، فإذا جُمِعَ في كلامين هذا خير وهذا شرّ، جاء التيسير فيهما جميعاً. قال الفرّاء: وقوله تعالى “فسَنُيَسِّرُه”: سنهيِّئُه. والعرب تقول: قد يَسَّرَت الغنم: إذا وَلدَتْ أو تهَيَّأتْ لِلولادة} انتهى. وفي رأيي- مع احترامي لتفسير الإمام القرطبي- إنّ هذا التبرير بقوله (جاء التيسير فيهما جميعاً) محاولة منه للتغطية على إشكاليّة تعبيريّة لا تصبّ في مصلحة القرآن من جهة البلاغة. والمثال الوارد في سورة آل عمران: ٢١ “فبشِّرهم بعذاب أليم” يُشبه ذاك الذي في النساء: ١٣٨ “بَشِّرِ المُنافِقِين بأنَّ لهُمْ عَذاباً ألِيماً” ولقد عرف اللغويّون أنّ البشرى (أو البـِشارة) إنما تكون بالخبر المُفرح والسّارّ أمّا النِّذارة فبالخبر المُحزن والعذاب وليس من البلاغة الخلط بين البشارة والنذارة— ويا ليت شعري: هل يوجد عذاب أليم وآخر غير أليم؟
______________

في الحلقة القادمة قراءة في سورة الفجْر
____________________________

(1) الطبري ت سنة 310 هـ: عاش خلال القرن الثالث الهجري، ولد بطبرستان واٌستقرّ في أواخر أمره ببغداد. مُؤرّخ ومُفسِّر وفقيه مُسْلم، صاحب أكبر كتابين في التفسير والتاريخ. يُعتبَرُ أكبر علماء الإسلام تأليفًا وتصنيفًا – ويكيبيديا
(2) القرطبي ت سنة 671 هـ: عاش خلال القرن السابع الهجري، ولد بقرطبة وتوفّي بمصر. توسّع بدراسة الفقه والقراءات والبلاغة وعلوم القرآن وغيرها كما تعلّم الشعر أيضاً. يُعتبر من كبار المفسِّرين وكان فقيهًا ومحدثًا ورعاً وزاهداً متعبداً. له “الجامع لأحكام القرآن” وهو كتاب جمع تفسير القرآن كاملاً – ويكيبيديا
(3) إبن كثير ت سنة 774 هـ: عاش في القرن الثامن الهجري، عالم من دمشق مؤلّف كتاب “البداية والنهاية” و”تفسير ابن كثير” – ويكيبيديا

رياض الحبيّب

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

هكذا قرأتُ القرآن ٨ سورة الأعلى

رياض الحبيّب

قرأت اليوم سورة الأعلى هي الثامنة في ترتيب “التنزيل” بينما ورد ترتيبها ٨٧ في مصحف عُثمان بن عفـّان. وممّا لاحظتُ أنّ مؤلّف القرآن كان ملتزماً بوحدة القافية في هذه الأسجوعة لم يغيّرها لأنها؛ أوّلاً- منتهية بقافية ذات حرف رويّ سهل جدّاً هو الألف، سواء المقصورة بقوله “الأعْلى” والممدودة بقوله “يَحْيَا” علماً أنّهما مختلفتان كتابة لا لفظاً، يجوز استعمال كلتيهما في قصيدة الشعْر المُقفّى. ثانياً- لأنّ الأسجوعة قصيرة نسبيّاً. وسوف نرى التزاماً بالقافية في أساجيع قِصار أخرى كما في سُوَر الليل والشمس والفيل. فماذا أراد المؤلّف بسورة الأعلى؟ هنا النصّ كاملاً:
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ١ الذي خلق فسَوَّى ٢ والذي قدَّرَ فهَدَى ٣ والذي أخْرَجَ المَرْعَى ٤ فجَعَلهُ غُثاءً أحْوَى ٥ سَنُقرِئُكَ فلَا تنْسَى ٦ إلَّا مَا شاء اللهُ إنَّهُ يَعْلمُ الجَهْرَ ومَا يَخْفى ٧ ونُيَسِّرُك لِليُسْرَى ٨ فذكِّرْ إنْ نَفعَتِ الذكرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ١٠ ويَتجَنَّبُها الأشْقى ١١ الذي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يَحْيَا ١٣ قدْ أفْلَحَ مَن تزَكَّى ١٤ وذكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فصَلَّى ١٥ بَلْ تُؤْثِرُون الحَيَاة الدُّنيا ١٦ والآخِرَة خيْرٌ وَأبْقى ١٧ إنَّ هذا لفِي الصُّحُفِ الأُولى ١٨ صُحُفِ إبراهِيمَ ومُوسَى ١٩} انتهى

رأيت بعد قراءة النصّ إنّ التسبيح (أي الصلاة والدعاء والتنزيه والتمجيد) وتبيان عمل الخالق والثواب والعقاب شؤون جاءت بها الشريعة الموسويّة قبل محمد بأزيد من ألفي عام. أمّا التأويلات في كتب المفسّرين فكثيرة، لذا اقتطفت منها ما تيسّر ابتداءً بما ورد في تفسير الطبري للجملة الأولى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) فذكر اختلاف أهل التأويل مُورداً ستّة اختلافات قبلما أدلى بقناعته الشخصيّة قائلاً: {وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول مَنْ قال: معناه: نزِّه اسم ربّك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرْتَ من الأخبار، عن رسول الله ص وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرءوا ذلك قالوا: سُبحان ربّي الأعلى، فبيّن بذلك أنّ معناه كان عندهم معلوماً: عظِّم اٌسْمَ ربّك ونزِّهْهُ} انتهى

وقرأت في تفسير القرطبي تأويلاً عن ابن عُمَر، قال: {لا تقُلْ عَلَا اِسْمُ الله فإنَّ اِسْم الله هُوَ الأعْلى} انتهى. وتعليقي: أما كان حَريّاً بابن عُمَر لو كان مطّلعاً على شرائع أهل الكتاب أن يقول لمحمّد- مثالاً: إنّ الله معروف قبل الإسلام وأنّ اسم الله هو الأعلى فلمْ تأتِ الناسَ يا محمّد بجديد؟ لكنّ المشكلة تكمن في قناعة ابن عمر وأمثاله بأنّ ما أوحِيَ إلى محمّد مُنزّل من فوق وأنّ الدعوة إلى قتل المعارضين مشروعة على أنها مرسلة من ذلك الإله! فلماذا بخس محمّد وأتباعه ممارسة المعترضين حقوق رفض الدين الجديد بما فيه من نسب أساجيع محمد إلى الله؟ وكأنّ المطلوب إليهم هو السكوت أمام كلّ مدّعٍ بأنّ رسالته من مُقرّرات الله ووساطة جبريل وتدخله شخصيّاً فلا يحق لهم الإعتراض على حامل الرسالة- حتّى لو أوحِيَ إليه بإبادتهم- لأنّ اعتراضهم سيُعتبَر موجّهاً إلى الله وعلى أمر الله! ولكنّ محمّداً نفسه قد اعترض على دعوة مسلمة بن حبيب فسمّاه مُسَيلمة الكذاب فلماذا لا يحقّ للمعترضين اعتبار محمد كذاباً أو دجّالاً ولماذا اعتبرهم المسلمون كفاراً؟ لماذا الكيل بمكيالين؟ إذاً من حقّ المسيحي أيضاً أن يعتبر محمّداً كافراً بالكتاب المقدّس أو من الهراطقة أو مشركاً، لأنّ تعاليم القرآن (أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم… التوبة: 5 وقاتلوا الذين لا يؤمنون… التوبة: 29) تناقض تعاليم الإنجيل (أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعِنيكم، أحسنوا إلى المُسيئين إليكم، طوبى لكم إذا عيّروكم واضطهدوكم…إلخ) علماً أنّ فضل معرفة الله يعود لأهل الكتاب لا لغيرهم. ومن شاء فليراجع حتى الشعر الذي سبق الدعوة المحمّدية سواء لشعراء من أهل الكتاب قبل الإسلام ولشعراء من الحنفاء وغيرهم. ولأوردنّ من الأمثلة قولاً لأحد شعراء المعلّقات- زهير بن أبي سلمى- الذي ذكر عنه التبريزي أنه نظم معلّقته في ظروف حرب البَسُوس أي قبل الإسلام:
فمن مُبلِغ الأحلاف عَنِّي رِسَالة ً *** وذبْيَان هَلْ أقسَمْتمُ كُلَّ مقسَمِ
فلا تكتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفوسِكُم *** لِيَخفى وَمَهْمَا يُكتـَمِ اللهُ يَعْلمِ

وقول شاعر “جاهلي” آخر- عبيد بن الأبرص- قد اعتبر التبريزي قصيدته من المعلّقات العَشر:
مَن يَسأَلِ الناسَ يَحرِموهُ *** وسائِلُ اللَهِ لا يَخيبُ
علماً أنّ مطلع قصيدته: أقفرَ مِن أهلِهِ مَلحوبُ *** فالقُطَبيّاتُ فالذنوبُ

ولا بأس عندي- أنا الكتابي- في أنّ يتخذ الإنسان ربّاً من دون الله وهو وربّه يحترمان خيارات الآخرين ومقدّساتهم ولايُسيئان إليهم في الحاضر والمستقبل. ولا بأس في قيام المؤمن بالتبشير داخل حدود الأخلاق المتعارف عليها بدون إكراه ولا إزعاج. فلو كان القرآن كلّه من قبيل هذه السورة أي بدون المساس بخصوصيّات الآخرين ولا سيّما مقدّساتهم غير المؤذية لاحترم الناسُ المؤلّفَ ولأعطوه الحقّ في التعبير عن مشاعره وعن إيمانه ولربّما اعتبروا القرآن كتاباً أدبيّاً من جهة ولاعتبروه من جهة أخرى كتاباً من كتب التديّن، لكنّ مؤلّف القرآن جعل من جميع مخالفي دينه أعداءً فشرّع ضدّهم ماشرّع وفرض الجزية على أهل الكتاب يدفعونها وهم صاغرون- أي أذلّاء. فبسبب تلكم التشريعات ولما تحفل به السيرة المحمّدية من ثقافة منحرفة يتعرّض القرآن وأخلاق مؤلِّفه للنقد والسّخرية والإستهجان في كلّ زمان ومكان.

وقرأت في تفسير القرطبي- إضافة إلى ما تقدّم- روايتين قد يظنّ بعض القرّاء الكرام أنهما من الغرائب، لكنّ المطّلع على وقائع التراث الإسلامي لا يستغرب شيئاً؛ مُختصَر الأولى: {وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه قال: إنّ لله تعالى مَلـَكاً يُقال له حِزقائـِيل، له ثمانية عشر ألف جناح… [إلى قوله] فأوحى الله إليه أيها المَلك، لو طِرْتَ إلى نفخ الصُّوَر مع أجنحتك وقوّتك لم تبلغ ساق عرشي. فقال الملك: سُبحان ربّي الأعلى فأنزل الله تعالى: “سبِّح اسم ربّك الأعلى” فقال النبي- ص: «اجعلوها في سجودكم» – ذكره الثعلبي في (كتاب العرائس) له} انتهت

أمّا الرواية الثانية: {وقيل: إنّ أول من قال “سبحان ربّي الأعلى” ميكائيل عليه السلام. وقال النبي- ص- لجبريل: «يا جبريل أخبـِرْني بثواب من قال: سبحان ربّي الأعلى في صلاته أو في غير صلاته» فقال: (يا محمد، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده، إلّا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا، ويقول الله تعالى: صَدَقَ عبدي، أنا فوق كل شيء، وليس فوقي شيء، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له، وأدخلته الجنة فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم، فإذا كان يوم القيامة حَمَله على جناحه، فأوقفه بين يَدَي الله تعالى، فيقول: يا ربّ شفـِّعني فيه، فيقول قد شَفَّعْتُك فيه، فاٌذهبْ به إلى الجنة)} انتهت

وتعليقي: يكفي لدى المُوحِّدين كفراً قوله (يقول الله تعالى: اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له) فهل يبطل غفران الله ما لم يشهد الملائكة؟ كذلك قوله (إلّا كانتْ له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي) فهذه مبالغة قد تجوز في حضرة مَلِكٍ أو حضرة صنم مقدّس لكنها لا تجوز في حضرة الله إذ لا شيء يسمو على الله ولا صفة تتفوّق على ما لله.

أعود إلى الأسجوعة لألقي بعض الضوء على قوله (سَنُقرِئُكَ فلَا تنْسَى ٦ إلَّا مَا شاء اللهُ إنَّهُ يَعْلمُ الجَهْرَ ومَا يَخْفى ٧) فاقتطفت من تفسير الطبري ما يأتي- باختصار: {والقول الذي هو أولى بالصواب عندي، قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلّا أنْ نشاء نحن أنْ نُنسيكهُ بنسْخه ورفعه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك أظهَر معانيه. وقوله “إنّهُ يعلم الجَهْر وما يخفى” يقول تعالى ذكره: إن الله يعلم الجهر يا محمّد من عملك، ما أظهرته وأعلنته “وما يخفى” يقول: وما يخفى منه فلم تظهره، ممّا كتمته، يقول: هو يعلم جميع أعمالك، سِرّها وعلانيتها؛ يقول: فاحذره أن يطلع عليك وأنت عامل في حال من أحوالك بغير الذي أذِن لك به} انتهى

واقتطفت من تفسير القرطبي النقاط التالية:
1 “سنُقرئُك” أي القرآن يا محمد فنُعَلِّمُكَهُ “فلا تنسى” أي فتحفظ- رواه ابن وهب عن مالك. وهذه بشرى من الله تعالى بشَّره بأن أعطاه آية بيِّنة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أمّي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه. وعن مجاهد، قال: كان يتذكر مخافة أنْ ينسى، فقيل: كـَفـَيْتُكـَهُ. قال مجاهد والكلبي: كان النبيّ- ص- إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبي- ص- بأوّلها، مخافة أن ينساها فنزلتْ: “سنقرئك فلا تنسى” بعد ذلك شيئاً، فقد كفيتكه.
2 عن ابن عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات “إلا ما شاء الله”
3 وقد رُوي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحَسِبَ أُبَيّ أنَّهَا نُسِختْ، فسأله فقال: “إنّي نسِيتُها”
4 ثم قيل: هذا بمعنى النسخ أي إلّا ما شاء الله أن ينسخه. والاستثناء نوع من النسخ. وقيل: النسيان بمعنى الترك أي يعصمك من أن تترك العمل به إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه إياه. فهذا في نسخ العمل، والأول في نسخ القراءة.
5 وقوله “فلا” للنفي لا للنهي. وقيل: للنهي وإنما أثبتت الياء؛ لأن رءوس الآي على ذلك.
6 وقِيلَ: الجَهْر مَا حَفِظْته مِن القرآن فِي صَدْرك “ومَا يَخْفى” هُوَ مَا نُسِخ مِنْ صَدْرك.

تعليقي: أوّلاً- على قوله ( وهو أمّي لا يكتب ولا يقرأ) هو أنّ في كتب التراث أدلّة على خلاف ذلك؛
١ كان من مُعلّميه ومستشاريه القس ورقة بن نوفل والسيدة خديجة بنت خويلد (ابنة عمّ ورقة) وبحيرى الراهب ٢ عمله بالتجارة مع السيدة خديجة ما يلزم معرفة بالقراءة والكتابة- وفي أقلّ تقدير أنه تعلّمَهما منذ بداية عمله مع السيدة خديجة حتى بدء التخطيط لدعوته وهو في سنّ الأربعين ٣ توقيعه على معاهدة صلح الحُدَيبيّة ٤ طلبه أن يكتب- وهو على فراش الموت- كتاباً (لا تضلّ الأمّة من بعده) لكنّ طلبه جُوبه بالرفض بداعي الهذيان.
ثانياً- على قول ابن عبّاس: (فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات “إلا ما شاء الله”) فيه مُداراة على حال محمد من تناقض في مواقفه وقراراته. وقد اختلق محمد من الحجج النسيان والنسخ ليبرّر تغيير رأيه وتقلّب مزاجه، لكنّ اللافت في هاتين الحجّتين هو أنّ محمّداً نسبَهُما إلى مشيئة الله ضمانة له لكي لا يُلقي أحد المعترضين باللائمة عليه فيذعن لأوامر ربّ القرآن ويخضع، أي أنّ الله هو المسؤول عمّا يُنسي محمّداً فينسَخ ليأتي بالأفضل! وفي هذا الموضوع تساؤل مشروع: لماذا يُقرئُ الله (أو جبريل) محمّداً جملة ثمّ يُنسيه ليأتي بخير منها أو مثلها؟ فمعلوم أنّ الله حكيم وعليم بالغيب وقدير، لا نقص في أعماله وترتيباته ولا ريب ولا عيب فهذه متوقعة من خصال الإنسان ما لا يجوز الخلط بينها وبين الإمتيازات الإلهيّة- الكاملة بكلّ شيء والمنزَّهة. لذا فالحجج المُحمّديّة بالنسيان أو النسخ مكشوفة ولا أدري ما كانت في يد “الرسول” حيلة أخرى ليستكمل بها مشاريع الدعوة.

———————

في الحلقة القادمة قراءة في سورة الليل
____________________________

شكراً جزيلاً لكلّ من تفضّل-ت بالتعليق على مقالتي السابقة ولكلّ من تفضّل-ت بالتصويت

رياض الحبيّب

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

من البدايات إلى تحليل الخطاب

 نصر حامد أبو زيد  

البدايات:

كان حلم الأب أن أواصل تعليمي في الأزهر، بعد أن حفظت القرآن في كُتِّاب القرية. تبيّن للأب أنّ المسار طويل والعمر قصير فتحوّلتُ إلى التعليم المدني. ازدادت وطأة المرض على الأب وأنا على أبواب امتحان الإعدادية، فقرّر أن ألتحق بالتعليم الفنّي وحسنا فعل، فقد وافته المنيّة في 24 أكتوبر 1957، أي في بداية العام الدراسي. هذا مكّنني من الانخراط في المسئولية التي وضعتني فيها الظروف – مسئولية الإبن الأكبر – بعد الحصول على الدبلوم والعمل فنيا لاسلكيا. كانت القراءة متعتي الوحيدة ونافذة التواصل مع العالم لكسر وحدة “اليُتْم”. كتبت الشعر وحاولت كتابة القصة، لكنّ نهم القراءة ظلّ هو الحاكم.

تجربة “اليتم” تمثّل مستوى ما من الاغتراب، خاصّة في المجتمعات التي تخلو من نظام للرعاية الاجتماعية للمواطن. لكنّ هذه الغربة كان يخفّف منها الحياة في مجتمع يحاول النهوض. كانت ثورة 1952 تمثّل هذا الحلم بالنهوض، لكنّ ملابسات الصّدام، الذي حدث بين قادة الثورة وبين القوى الوطنية المختلفة، بسبب مسألة “الديمقراطية”، ألقت بظلالها على وعيي منذ منتصف الخمسينات. وهذا مستوى آخر للاغتراب، أسميته بداية “الحزن السياسي”، لأنّه لم يصل أبدا إلى حدّ التقاطع مع حلم النهوض. هزيمة 67 عمّقت هذا الاغتراب، وحوّلت الحلم إلى كابوس. كان انقلاب 1970 بمثابة النهاية، وتحوّل الاغتراب إلى جرح عميق، أعتقد أنه ما يزال ينزف.

 في الجامعة:

لم يفارقني حلم الأب، لكنه صار حلما من نوع آخر، انتهي بي إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكان هدفي قسم الفلسفة. كانت محاضرة الفلسفة في السنة الأولى مخيّبة لكلّ آمالي فقرّرت قسم اللغة العربية. أربع سنوات لليسانس (1968- 1972)، خمس سنوات للماجستير بعد السنة التمهيدية (1973-1977) ثم أربع سنوات للدكتوراه (1977-1981). كانت خطواتي متأنّية سعيا للإجادة. كثيرون من أقراني سبقوني كثيرا في الإنجاز، حتى صاروا رؤسائي الإداريين. لم أكن متعجلا. السنوات المشحونة، اجتماعيا وفكريا وسياسيا، تُبطِّئ من إنجازاتك، بحكم الانشغال بالهمّ العامّ. فقط هؤلاء الذين لا يعنيهم الشأن العام يخطون بسرعة.

قراءتي في الفكر الديني، قبل الجامعة، كانت لا بأس بها بتأثير فكر “الإخوان المسلمين”، الذي تأثّرت به في صباي الأوّل، خاصّة كتابات سيّد قطب ومحمد قطب. كنت مفتونا بكتابات القطبين عن القرآن والفنّ، وتفسير سيّد قطب “في ظلال القرآن” كان مدهشا ومذهلا بالنسبة لي. إلى جانب فكر الإخوان كنت قارئا نهما للعقاد وطه حسين ونجيب محفوظ. كان ببالي أن أدرس شيئا عن “النظرية الجمالية الإسلامية”، متأثّرا بكلّ هذه القراءات. تصادف أن قرأت عن أزمة “محمد أحمد خلف الله” في دراسته للفنّ القصصيّ في القرآن الكريم بإشراف الشيخ أمين الخولي، وكيف انتهت بفصله من الجامعة، وبحرمان أستاذه من الإشراف على رسائل في القرآن.

طبعا كنت على وعي بالأزمات التي أحدثتها بعض الكتب الجسورة، مثل كتاب علي عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم”، وكتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي”، بل وعاصرت أزمة “خالد محمد خالد” في كتابه “من هنا نبدأ”، كما عاصرت أزمة كتاب “لويس عوض” “في فقه اللغة العربية”. كلّ هذا غير توجّهاتي فقرّرت أن أكون “ناقدا أدبيا”.

ما لا يعرفه الناس، أنّ مجلس قسم اللغة العربية هو الذي أعادني إلى الاتّجاه الأوّل: أعني دراسة القرآن من مدخل الأدب، حيث قرّر مجلس القسم أنّني يجب أن ألبّي حاجة القسم إلى متخصّص في الدراسات الإسلامية، وإلا عليَّ أن أبحث لنفسي عن عمل آخر، غير أن أكون معيدا. شرحت لمجلس القسم مخاوفي من الدراسات الإسلامية، فلقيت نوعين من ردّ الفعل: تطمينات بأنّ ما حدث في الماضي كان سببه خلافات شخصية بين الأساتذة. طبعا هذا كلام لا يقنع أحدا، فطرحت التساؤل: ما الذي يضمن عدم تكرار هذه الخلافات في المستقبل؟ وهنا لقيت ردّ الفعل الساخر: أتظنّ أنك ستأتي بما لم يأت به الأوائل؟ كان ردّي: أليس هذا هو ما يجب أن أفعل، أليس هذا معنى البحث العلميّ!

مسارات البحث عن المنهج:

انتهي الأمر باقتراح موضوع “قضيّة المجاز في القرآن عند المعتزلة”، جامعا بين ولعي بالفلسفة والأدب من جهة، وبين احتياج قسم اللغة العربية لمتخصّص في الدراسات الإسلامية من جانب آخر. لم أكن أعرف بعد منهج تحليل الخطاب، أو غيره من المناهج، إنّما حاولت معالجة موضوع البحث بجدّية وأناة، بالإفادة من كلّ الأساتذة إلى جانب المشرف، وعدم الانغلاق في مسمّى “التخصّص”. كلّ ذلك قادني إلى مسألة المنهج. وفي هذا الكتاب الأوّل، الذي نشر بعنوان “الاتّجاه العقلي في التفسير” (المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، عدّة طبعات) جنوح أكثر نحو منهج التحليل التاريخيّ الاجتماعيّ، باعتبار الأفكار ثمرة العلاقة الجدلية بين حركة الواقع وموقف هذا المفكّر أو ذاك من هذا الواقع. إلى حدّ كبير، كنت متأثّرا بهذه العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع، لا على أساس الانعكاس الآليّ للبنية التحتية في بنية فوقية. كنت أسخر من هذا التصوّر الآليّ للعلاقة بين الفكر والواقع. كانت هذه بداياتي مع “المنهج” ومشكلاته.

القاعدة التي وضعها المعتزلة – قاعدة التأويل المجازيّ لكلّ ما يتناقض مع العقل في منطوق القرآن – ما تزال قاعدة راسخة، أفاد منها الفكر الإسلاميّ على طول تاريخه. الأشاعرة يؤوّلون كلّ آيات الصفات، ويختلفون مع المعتزلة في تأويل ما يتّصل بخلق الأفعال وحرية الإنسان، أي يختلفون مع المعتزلة حول مسائل تختصّ بالإنسان. المتشدّدون الحنابلة وحدهم هم الذين يرفضون التأويل المجازي، بدعوى أنّ المجاز قرين الكذب، وأنّ القرآن منزّه عنه. إنّ إنكار وجود المجاز في القرآن يُخلّ إخلالا بالغا بقضية الإعجاز، التي تعتمد أساسا على التفوّق الأسلوبيّ والبلاغيّ للغة القرآن.

هذا الأساس العقليّ للتأويل المجازيّ – الذي وضعه المعتزلة – بدأ مسيرة في تاريخ التفسير، لم ولن تتوقّف. سيظلّ الخلاف قائما حول التطبيق، وليس حول القاعدة. في العصر الحديث، وبفضل إسهامات محمد عبده، ثمّ أمين الخولي، إلى سيّد قطب، تطوّر مفهوم “المجاز” إلى مفهوم “التصوير”. ولسيّد قطب كتابات عن “التصوير الفنّي” و”مشاهد القيامة” في القرآن. المشكلة الآن هي محاولات تقويض المشروع العقلاني واستبعاده من أفق الخطاب الديني الراهن. وهو الموضوع الذي ستثيره المقالة التالية.

النتائج التي توصلت إليها في هذه الدراسة الأولي أثارت أسئلة من قبيل: إلى أيّ حدّ يمكن القول إنّ منهج تأويل النص الدينيّ يعتمد على مقاربة موضوعية؟ ولماذا اتّفق المتجادلون، حول معنى القرآن، على تقسيمه إلى “محكم ومتشابه”، ثم تشعّبت بهم الطرق، واختلفوا حول تحديد “المحكم” وتمييزه عن “المتشابه”؟ لماذا صار “محكم” المعتزلة “متشابها” عند خصومهم، والعكس صحيح؟ وهل الخلاف حول “بؤرة المعنى” في القرآن مجرّد خلاف لاهوتيّ؟ أم أنّ هذا الخلاف اللاهوتيّ يعكس اختلافا في مواقف الجماعات المختلفة من الواقع الاجتماعيّ السّياسيّ الثّقافيّ؟

تأكّدت هذه الافتراضات، التي انطلق منها البحث، من خلال الكشف عن حقيقة أنّ الاختلاف حول الواقع السياسيّ، منذ مقتل الخليفة الثالث – عثمان بن عفان – وما تلاه من حروب، مثل “الجمل”، و”صفين”، كان هو الباعث الأوّل للنقاش اللاهوتي.

هذه النتائج، التي توصّل إليها الباحث في بحثه الأوّل، وجّهته إلى محاولة اكتشاف منهج التأويل في فضاء آخر، هو فضاء الفكر الصوفيّ، مفترضا أنّ الفضاء الصوفيّ فضاء روحيّ خالص. من هنا قمت بدراسة “تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي”. لكنّ النتائج لم تختلف كثيرا، أعني من حيث تأثير مشكلات الواقع في وعي المفسّر أو لاوعيه. الاستجابة الصوفية مختلفة، بحكم اختلاف المنحى الفكريّ من جهة، وبحكم اختلاف الواقع السياسيّ الاجتماعيّ من جهة أخرى، حيث أثّر مناخ الأندلس التعدّدي من جهة، وظروف حروب “الاسترداد” من جهة أخرى، في تشكيل طبيعة الوعي الصوفيّ وفي صياغة المعنى الدينيّ عند ابن عربي.

 مفهوم النصّ:

كما ذكرت من قبل، كنت واعيا للمخاطر الماثلة في التعامل مع مشكلات التفسير والتأويل من منظور نقديّ، لكنّني كنت في نفس الوقت مدركا لضرورة التعامل مع أسئلة من نوع “طبيعة” النص الديني، حدود قابليته للتأويل، وضوابط هذا التأويل.

انبثقت هذه الضرورة من حقيقتين: أوّلا، من النتائج التي توصّلت إليها في أبحاثي عن تاريخ الـتأويل في بعديه اللاهوتيّ والصوفيّ، وهي نتائج كشفت عمليات التلاعب الدلاليّ في إنتاج المعنى. الحقيقة الثانية: أنّ المعنى الدينيّ في الواقع المصريّ العربيّ، الذي عشته في عقدي الستّينات والسّبعينات من القرن الماضي، كان موضوعا لتأويلات شتّى من الاشتراكية والقومية إلى الحاكمية والإسلاموية.

كان السؤال الجوهريّ الذي انبثق في الدراسة الثالثة – “مفهوم النصّ” – هو “ماهية القرآن” ومنهجية مقاربته. في تصوّري أنّ التلاعب الدلاليّ ممكن في حالة عدم تحديد ماهية النصّ تحديدا يعتمد على الحقائق التاريخية والثقافية التي تولّدت في رحمها النصوص. حين أقول “تولّدت في رحمها” أفترض أنّ القارئ يفهم أنّني لا أنكر إلهية المصدر؛ مفهوم “البذرة” أو “البذور” التي تتولّد في رحم التاريخ والثقافة يحيل إلى الجدل الإلهي/الإنساني في عملية الوحي وفي صياغة المعنى.

السؤال صعب، والأمر عويص. لكنّ البحث فيه ليس مستحيلا في ضوء إرهاصات تراثية لاهوتية/فلسفية/صوفية تسمح للباحث المعاصر بالتواصل مع إنجازات الفكر الإنساني في أرقى تعبيراته. ولا ننس أنّ ثمّة محاولات بذلت في الفكر الإسلامي النهضوي الحديث، في إيران والهند والعالم العربي، لطرح بعض هذه الأسئلة عن طبيعة النصّ الدينيّ، وضرورة إنجاز منهج للتأويل يفتح معنى النص للإجابة عن أسئلة معاصرة. منطلقا من الإنجازات التراثية والنهضوية، متواصلا مع الفكر الإنساني، لم أتخيّل أنّني أرتكب أمرا محظورا. ما أزال متيّقنا أنّ تحقيق إصلاح فكريّ جوهريّ في الفضاء العربيّ الإسلاميّ غير ممكن دون الدخول في هذه المناطق. إنها محظورة لأنها تهدّد عروشا سياسية واجتماعية وثقافية كثيرة، لكنها ضرورية لتحقيق نهضة مستدامة.

 من النصّ إلى الخطاب:

ولعلّ القارئ لا يعرف أنّني، وإن انطلقت في كتاب “مفهوم النصّ” من اعتبار القرآن “نصّا” يمكن تأويله وفق إجراءات منهج تحليل النص، باعتبار النصّ أساسا “بناءً لغويّا” ثقافيا/تاريخيا، فإنّني قد طوّرت هذا المفهوم في السنوات الأخيرة، خاصّة بعد إدراكي أنّ مفهوم النص يتضمّن مفهوم “المؤلّف”، كما يتضمّن مفهوم “الوحدة” القائمة على التناسق البنيويّ للأجزاء، هذا فضلا عن مفهوم “القصد”.

هذا المفهوم الكلّيّ – مفهوم النص – بما يتضمّنه من مفاهيم جزئيّة، انبثق منذ اللحظة التاريخية الأولى، التي تمّ فيها تدوين القرآن في “المصحف”، بترتيبه الحالي، وتقسيمه إلى سور، يتضمّن كلّ منها نصوصا تنتمي إلى مناسبات تاريخية مختلفة. وبسبب هذا التحوّل الشكليّ من “قرآن” إلى “مصحف”، قام علم التفسير على محاولات تأكيد التناسق بين الأجزاء، بافتراضات لعلّ أهمّها ثنائيتا: “المحكم والمتشابه”، و”الناسخ والمنسوخ”، وهي افتراضات عمَّقت الاختلاف ولم تحقّق هدف “الانسجام” بين الأجزاء.

لاحظت أيضا أنّ المفسّرين المحدثين يختلفون فيما بينهم في تحديد “بؤرة الدلالة” القرآنية بصفة عامّة، حيث يصرّ بعضهم على تحديدها في الأبعاد الروحية والأخلاقية، بينما يصرّ آخرون على تحديد البؤرة الدلالية في الأحكام والتشريعات. كلّ هذا دفعني إلى مراجعة مفهوم النصّ، بالمعنى المشروح أعلاه، بالعودة إلى الطبيعة التداولية الأولى للقرآن، أي بالعودة إلى الظاهرة القرآنية قبل أن تتّخذ شكل “كتاب” أو “مصحف”.

تكشف هذه الطبيعة التداولية أنّ القرآن مجموعة من “الخطابات”، التي تمّ جمعها وترتيبها بشكل لم تكتشف أسسه بعد، نتيجة التسليم بأنّ هذا الترتيب “توقيفيّ”، أي أنّه ترتيب إلهيّ. لكنّ هذا التسليم “الإيمانيّ” لا يعني أنّ البحث عن “علّته” يناقض الإيمان، فالبحث عن العلّة هو محاولة لاكتشاف “الحكمة الإلهية” وهذا من صميم الإيمان.

 تحليل الخطاب:

العودة إلى الطبيعة التداولية للكشف عن مستويات المعنى، وحدود الدلالة، يستلزم منهج “تحليل الخطاب”، بما يتضمّنه المنهج من الكشف عن الأصوات البارزة والمضمرة في كلّ خطاب على حدة، والكشف عن “دليل الخطاب” و”فحوى الخطاب” و”نمط الخطاب”. منهج تحليل الخطاب يعني أنّ كلّ خطاب هو في النهاية “نصّ” لغويّ، ومن هنا “تركيبية المنهج” المطلوب. وليس معنى هذا المنهج التحليلي تجزيئ الظاهرة القرآنية، ولكنه يعنى أنّ الكشف عن “الكلانية” لا يتمّ إلا بتحليل الأجزاء. وهذا مخالف للمنهج الكلاسيكيّ الذي يفترض “الكليانية” ثمّ يفرضها على كلّ الأجزاء دون تمييز. المنهج الكلاسيكي افترض الكليانية على أساس لاهوتيّ، وليس على أساس تحليليّ، ومنهج “تحليل الخطاب” يحاول الاقتراب من الظاهرة القرآنية قبل الصياغات اللاهوتية والتشريعية، أو الفلسفية والأخلاقية، الـ”بعد قرآنية”. بل يزعم منهج “تحليل الخطاب” أنّه قادر على تحليل تلك الصياغات “البعد قرآنية” تحليلا نقديا.

المنهج – تحليل الخطاب – يوظّف التحليل اللّغويّ للنصوص، ولا يكتفي به؛ فاللغة في الخطاب تتجاوز دلاليا حدود العلامة اللغوية حين تحوّلها إلى علامة سميوطيقة فيما يعرف بالسمطقة. من هنا توظيف السميوطيقا. هدف “التأويل” هو تحقيق الفهم العميق للظاهرة، لكنّ هذا الفهم لا يجب أن يزعم لنفسه الهيمنة بادّعاء الحقيقة النهائية، أو الصحّة المطلقة. تعلّمنا الهرمنيوطيقا الدرس الذي يجب ألا ننساه: كلّ تأويل مشروع طالما ينطلق من التواضع وعدم ادّعاء الموضوعية المطلقة، التي لا وجود لها: ليست الحقيقة – أقصد المعنى – قارّة في النصوص الظواهر، وليست في عقل المفسّر ووعيه، بل هي ناتج هذا التفاعل الجدليّ بين المفسر – لا الفرد بالمعنى الفرويدي بل الفاعل الاجتماعي – وبين الظاهرة/النصّ.

نصر حامد أبو زيد(مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

إشكالية العقل والوحي (النقل)

 نصر حامد أبو زيد 

العقلانية البرجماتية:

يختلط الأمر في ثقافتنا الشائعة الراهنة بين “التفكيك”، بمعنى التحليل النقدي، وبين “التفكيك”، بمعنى الهدم، حيث يتصوّر الناس أنّ الفهم النقديّ يعني “النقض” بالضاد. وترتبط كل هذه الالتباسات والتشوّشات في الوعي السائد بمفهوم “العقلانية”، الذي يتصوّره عامّة الناس نقيضا للوحي والإيمان. ومع ذلك فلا بدّ من تأسيس “العقلانية” وترسيخها في الوعي العامّ إذا كان لهذه الشعوب، التي ننتمي إليها، أن تكون جزءا من العالم المعاصر، جزءا منتجا مساهما في صنع الحضارة، لا مجرّد مستهلك لأدواتها. تأسيس العقلانية مهمّة صعبة، وليست مستحيلة؛ ذلك أنّ الفكر الخرافيّ يمرح في مناطق بعينها في ثقافتنا، بينما يمرح في مناطق أخرى فكر يبدو عقلانيا، ولكنّها العقلانية البرجماتية التي لا تستغني عنها الحياة.

بعبارة أخرى، من المستحيل في العالم المعاصر أن تخلو الحياة اليومية من سلوكيات ذات طبيعة منتظمة: يحتاج الإنسان للخروج إلى العمل، وللوصول إلى مكان العمل، ولتدبير شئون حياته اليومية، وكلّ ذلك لا يتمّ بغير درجة من درجات التعقّل. تسيطر هذه العقلانية البراجماتية في مجال البيزينس مثلا – فكر رجال الأعمال – حيث الحاجة ملحّة إلى نمط من الفكر الليبراليّ، الذى ينتمي لمجال العقلانية. لكن علينا أن نؤكد أن هذه اليبرالية الاقتصادية تمّ تقبّلها في عالمنا بحكم الضغوط الكوكبية، أي أنّها ليبرالية مقيدة بحدود “آليات السوق”. إنّها ليبرالية براجماتية، منزوعة الصلة بالليبرالية الفكرية، التي تأسّست عليها الليبرالية الاقتصادية في أوروبا.

في الفكر السياسي تمّ قبول “الديمقراطية” أداة للحراك السياسي، لكنها ديموقراطية إجراءات وانتخابات، يسهل تزييفها بسبب انتفاء أهم شروطها، الحريات الفردية والفكرية. كل هذه العقلانية البرجماتية، التي لا غنى عنها لسير الحياة، تتبدّد أشلاء حين يقترب أيّ مفكّر من مجال الظواهر الدينية؛ ذلك أنّ “العقلانية” – في الوعي السائد – ضدّ الدين، تأسيسا على وهم أنّ التفكير يفضي إلى اهتزاز الإيمان، وربّما ينتهي إلى الكفر والإلحاد. هكذا يتعلّم أطفالنا في المدارس، وهكذا تضخّ الفضائيات سمومها ضدّ العقل والتفكير. ومع ذلك فلا خلاص لنا إلا بفضّ هذا التنازع والعداء بين العقل والدين (الوحي). يقول المشايخ هذا ما قاد أوروبا إلى الإلحاد، وهؤلاء العقلانيون لا ينتمون لثقافتنا التي هي ثقافة “الوحي”.

الوحي والشعر:

صحيح أن الثقافة العربية – تاريخيا – هي ثقافة الوحي، بمعنى أنّ “الوحي” يمثّل فيها معطى أوليا – أشبه بالبداهة – خاصة بعد أن استقرّت سلطته بإزاحة الشعر عن مكانته في القرن السابع. كان الشعر “ديوان العرب”، وكان “علم قوم لم يكن عندهم علم غيرهم”، كما يقول النقاد الكلاسيكيون. حلّ “الوحي” الإلهي محلّ الشعر بإزاحته إلى فضاء “الوحي الشيطانيّ”: يهدف الوحي الإلهيّ إلى “الهداية”، بينما يفضي الشعر إلى “الغواية” (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كلّ واد يهيمون، وأنهّم يقولون ما لا يفعلون؟).

جدلية الوحي والعقل عند المسلمين:

يجب الحذر كذلك من وضع العلاقة بين العقل والوحي في صيغ دوغمائية ثنائية حادّة، مثل ثنائية “الظلاميّ” و”التنويريّ”. الأمور أكثر تعقيدا من هذه التبسيطات. ففي تاريخ الثقافة الإسلامية لم تكن إشكالية العقل والنقل تنبني على أساس إمّا هذا وإمّا ذاك، بل كان السؤال هو سؤال تحديد طبيعة العلاقة بين الطرفين – العقل والوحي – دون إلغاء أحدهما.

لم ينكر أحد من أنصار “النقل” أهمية العقل، إذ بدون حكم العقل لا يثبت صدق الوحي، من هنا تحدّد دور العقل عندهم – بعد إثبات صدق الوحي – في استنباط الأحكام والتشريعات من الوحي. أنصار “النقل” يؤكّدون أنّ الوحي لم يترك صغيرة ولا كبيرة في شئون الحياة – في الحاضر والمستقبل – إلا أحصاها وبيَّنَها إمّا بشكل مباشر وصريح، أو دلّ على طريق بيانها بنصب الدلائل المفضية إلى استنباطها.

دور العقل عند هؤلاء هو إثبات الوحي، ثمّ تنحصر مهمّته بعد ذلك في البحث عن الحلول فيه. يمكن القول إنّ هذا موقف الفقهاء، وعلماء أصول الفقه بصفة عامّة، مع وجود بعض الفروق التفصيلية في هذا المذهب أو ذاك، وبين هذا الفقيه أو ذاك. إنها باختصار الرؤية التشريعية للإسلام، حيث “الواجب والمُحَّرم والمندوب والمكروه” هي الجهات الأربع التي تحيط بالمباح في عالم الإنسان “المُكَلَّف”، الذي يتحدّد مصيره الأخرويّ في مدى الطاعة – أو العصيان – داخل هذه الحدود.

أنصار العقل، من جهة أخرى، لا ينكرون مرجعية الوحي، بل ينكرون شمولية الوحي في تقديم حلول لكل النوازل في الحاضر والمستقبل. هناك الكثير من الأمور المتروكة لمرجعية العقل، ومنها أو على رأسها تأويل “الوحي” طبقا لمرجعية العقل، وذلك في حالة وجود تعارض “ظاهري” – هكذا يؤكّدون جميعا أنّ أيّ تعارض هو تعارض ظاهريّ فقط – بين العقل ومعنى الوحي. العقل قادر وحده – يؤكد أنصار العقل – على الوصول للمعارف الكلية الأساسية فيما يتصل ببنية الكون (الفيزيقا)، وما وراء الكون (الميتافيزيقا). العقل قادر وحده كذلك على معرفة الخير والشرّ، والحسن والقبح في الأفعال والسلوك الإنسانيّ؛ فالعقل في النهاية هو شارة الإنسانية، تمييزا للإنسان عن الحيوان. لكنّ هذا العقل يحتاج للوحي ليساعده في معرفة التفاصيل الكمية والكيفية التي من خلالها يمكن للإنسان آداء ما وصل إليه العقل من “تكليف” بوجوب شكر المنعم الواهب للعقل وللوحي معا.

بين الموقفين موقف ثالث هو موقف الصوفية – أهل الله – حيث العقل على أهميته وحيويته ليس كافيا، وحيث الشريعة وسيلة وليست غاية. للعقل حدّ يقف عنده، فالعقل لا يُمَكِّن الإنسانَ من معانقة الحقيقة، وإن كان يعرِّفه بها تعريفا تجريديا. بالعقل يعرف الإنسان ما يجب وما لا يجب أن يُنْسَب إلى الله من صفات وأسماء، ولكنّه لا يقرِّب الإنسان من الله، الذي هو بنصّ القرآن “أقرب إليه من حبل الوريد”. الشريعة من جهة أخرى مجرّد طريق – وهذا هو المعنى اللغويّ الأصليّ لكلمة شريعة – يجب أن يكون له غاية يفضي إليها. الشريعة إذا لم تؤدّ إلى غايتها – وهي الحقيقة المُعايَنة المُشاهَدَة – تصبح ممارسات شكلية لا جدوى منها، مثلها مثل المعرفة التجريدية، التي يؤدّي إليها العقل. هكذا أسّس الفكر الصوفي مفهوم “التجرية الروحية”، لا كبديل للعقل والشريعة، بل كطريق لتعميقهما، وتجاوز التعصب لأحدهما على حساب الآخر.

جدلية الداخل والخارج:

لا يمكن الفصل بين “الداخل” و”الخارج” في مناقشة إشكالية العقل والوحي، لا في تجلّياتها وتعبيرتها التاريخية، ولا في السياق الذي تثار فيه الآن. يكفي أن نذكر محاضرة بابا الفاتيكان، التي أثار فيها لاعقلانية الفكر الإسلامي، استنادا إلى قول أمبراطور بيزنطة في القرن الثاني عشر. المواقف الثلاثة، التي ذكرناها في الفقرة السابقة، لم تتحدّد في سياق التاريخ الثقافي الإسلامي بمعزل عن التواصل مع العالم الخارجي. العرب المسلمون، الذين حملوا الإسلام خارج الجزيرة العربية ليقيموا إمبراطوريتهم، حملوه كشتلة – فسيلة – قابلة للنموّ والنماء؛ فنمت في سياقات ثقافية وحضارية متباينة، وارتوت من عصير تلك الثقافات والحضارات؛ فنشأ علم الكلام تاليا للفقه أو موازيا له، وتطوّر علم الكلام إلى الفلسفة بدءا من الكندي. وانقسمت الفلسفة إلى مدارس واتجاهات إشراقية ومشائية. ونشأ التصوّف من الزهد وتطوّر إلى نظرية “الحبّ” عند رابعة العدوية، ثمّ العرفان عند “ذي النون المصري”، حتي وصل إلى البناء الفلسفي الشامخ عند “ابن عربي”. هذا فضلا عن نشأة علم التاريخ والجغرافيا والرياضات والطب، وتطور الشعر وانبثاق أشكال جديدة للقصيدة، وتطور فنّ العمارة، وازدهار الغناء والموسيقى.

كل ذلك لم يكن يمكن أن يتحقق لو بقي العرب والإسلام داخل حدود الجزيرة العربية، ولو لم تساهم كل تلك الشعوب بتراثها وثقافتها وحضارتها في تخصيب شتلة الإسلام التي حملها العرب. المشكلة في العصر الحديث أن العالم الإسلامي بعد أن استيقظ – من فترة سبات، طالت قرونا عديدة، تجمد فيها النقاش – على وقع أقدام الغرب المتطور، المتقدم، تطأ أرضه غازية مستعمرة، وقع في تناقض لم يخرج منه حتى الآن: لا تقدم إلا بالتعلم من نفس هذا العدو، الذي يجب في نفس الوقت أن أحاربه. هذا التناقض لم يحل، حتى الآن، بالتمييز مثلا بين الأطماع الاقتصادية السياسية للغرب، وبين التقدم العقلي والعلمي والتقني، الذي أحرزه. لكن علينا أيضا ألا ننسى أو نقلل من شأن الخطاب الاستعماري المتعالي – بل والعنصري أحيانا – لهذا الغرب في نظرته للشعوب التي استعمرها. ارتبطت النظرة المتعالية بادعاء تنويري لإنقاذ الشعوب المتخلفة من تخلفها.

الموقف الداخلي في العالم الإسلامي عموما، والعالم العربي على وجه الخصوص، اتسم بالتوتر نتيجة هذه العلاقة الملتبسة بالغرب. هذه قصة طويلة يمكن اختصارها في الحلول التي اقترحت، وما تزال مطروحة، مع تفاوت قوة الأصوات المعبرة عن كل منها آنذاك والآن:

الصوت الأول الذي كان له الحضور في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين – وهو الصوت المستمر إلى الآن وإن بنغمة سلفية تقليدية – هو صوت “الإصلاح”: التعلم من الغرب بالقدر الكافي الذي يؤهل العقول لتجديد الفكر الإسلامي، وبعث الحيوية التي كانت فيه في عصور الازدهار والقوة. الصوت الثاني الأضعف آنذاك صوت أصحاب وجوب اتباع خطى الغرب حذوك النعل بالنعل: هذه هو سبيل التقدم ولا سبيل سواه. لكن هذا الصوت الأضعف لم يكن – كما يشاع الآن – معاديا للدين، بل كان يرى الدين أمرا شخصيا بين الفرد وربه.

تأزم الموقف وتباين الأصوات:

وفي حين ركز الصوت الأول – صوت الإصلاح – وما يزال على الهوية الإسلامية، باعتبارها الهوية الحضارية لكل شعوب المنطقة مسلمهم وغير مسلمهم، ركز الصوت الثاني على هوية “المواطنة” بعيدا عن الدين. كان السجال بين الصوتين سلميا، في مناخ شبه ليبرالي، حتى كان إلغاء الخلافة، وإعلان تركيا جمهورية علمانية. كان ذلك بداية التأزم والاحتقان في سؤال الهوية: فشلت محاولات إقامة خلافة جديدة، بسبب ادعاء كل حاكم أنه الأولى بالمنصب الشاغر. وحوكم “علي عبد الرازق” محاكمة دينية على كتابه في مصر التي كانت ما تزال شبه ليبرالية. كشفت هذه المحاكمة، وما قبلها وما بعدها، عن بنية هشة لدولة ونظام سياسي يسير بساق ليبرالية وبأخرى ثيوقراطية.

تصاعدت في الهند نغمة تأكيد الهوية الإسلامية، ضدّا للهوية للوطنية، في خطاب أهمّ فلاسفة الهند في القرن العشرين، “محمد إقبال” الأب الأكبر الداعي لإنشاء دولة للمسلمين، فلم يمض 17 عاما على خطابه ختى تم إنشاء دولة “باكستان”، التي لم يشهد هو مولدها.

بعد الحرب العالمية الثانية، تم إنشاء وطن لليهود في فلسطين بمساعدة أوروبا العلمانية، في نفس عام إنشاء باكستان. مع فارق مذهل بين الحالتين؛ حيث قام الوطن القومي لليهود على طرد شعب آخر من أرضه وتحويل أغلبه إلى لاجئين.

أزداد الاحتقان في سؤال الهوية، وما زال يتزايد، حتى تم اختصارالهوية تدريجيا في إسلام “الشريعة”، أو الرؤية التشريعية للإسلام. صارت “الشريعة” هي الممثل الوحيد للإسلام، بديلا عن الرؤي المتعددة التي كانت بدورها تمنح الرؤية التشريعية في الماضي خصوبة تفتقدها الآن. في غياب الرؤى الأخرى فقدت الرؤية التشريعية ديناميتها، وصارت نداءات فجة وعقيمة لتغطية المرأة وإخراجها من حيز الفضاء الاجتماعي. وأخيرا تحولت “الشريعة” إلى سلاح لمطاردة المفكرين والمثقفين والمبدعين، ومحاكمة أي خروج على ثوابت وضعية، وضعها بشر ليسوا هم الأذكى ولا الأعلم ولا الأكثر حكمة، بل هم حلفاء كلّ السلطات العسكرية العشائرية المشيخية الديكتاتورية التي تستريح لوهم أنها تمثل الإسلام وتدافع عنه. المشكلة في الأساس هنا في الداخل، وليست هناك في الخارج، مع تأكيد أن الفصل بين الهنا والهناك، بين الداخل والخارج، في هذا العصر نوع من الهذيان.

أعداء العقلانية وسلطة النصوص:

لأن العقلانية ضد الاستبداد، وضد الشمولية، ناهيك عن عدائها للعنصرية، والعصبية للدين أو المذهب أو الجنس أو العرق، فإن عليها أن تواجه العداء من كل هذه الأقطار. كل هذا القيم المضادة للعقلانية قيم ترسخت في الثقافة السياسية والدينية والاجتماعية، وإن تجملت باتخاذ أسماء أخرى: مثل تقاليدنا الراسخة، قيمنا الدينية والأخلاقية العريقة، احترام الكبير وتوقير أولي الأمر. إنه “الثبات”، ضنمنا المقدس، و”الثوابت” أبقارنا المقدسة. يتنفس أطفالنا هذه القيم من لحظة الميلاد، يتلقنونها في المدرسة، تُضخُّ في أسماعهم من أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية ليل نهار. وحين ينضجون ويبدأون رحلة التعليم الجامعي يجدون المحرمات والممنوعات أكثر من المباحات والمسموحات. إنها الدائرة الجهنمية التي تعيشها مجتمعات “التكفير”، باسم حماية الدين، وحماية العقائد والمقدسات، والحرص على الثوابت. باختصار إنها المجتمعات التي تجرِّم التفكير لتفسح للفساد أن يمرح فيها. هذا كله يعني الحاجة الملحة لحرث التربة حرثا كاملا.

لا يمكن تأسيس العقلانية دون الدعوة للتحرر من سلطة النصوص، سلطة الماضي الطاغية التي تحتمي بها الديكتاتورية والطغيان والاستبداد، ويزدهر تحت مظلتها الفساد. التحرر من سلطة النصوص ليس إلغاء للنصوص أو دعوة للتخلص منها، بل دعوة لتسليط ضوء العقل عليها، وقراءتها قراءة سياقية في ضوء تاريخها وتاريخ الفاعلين الاجتماعيين الذين أنتجوها. النصوص الدينية – القرآن والأحاديث النبوية – لها سياق لا يصح تجاهله أيضا، وهذه النصوص الدينية تكتسب سلطتها لا بذاتها. هي في ذاتها لا سلطة لها، إنما منحها البشر، الذين يؤمنون بها هذه السلطة. بعبارة أخرى، إنها السلطة الإنسانية، النابعة من الإيمان، هي التي تُضْفَى على النوص.

لكن “الإيمان”، وحده، لا يحول النصوص إلى سلطة. تتحول النصوص إلى “سلطة” حين يتأسس الإيمان في شكل مؤسسات، ويتم تقنينه لاهوتيا. وهذا يحدث في سياقات تاريخية، ترتبط غالبا بالخلافات السياسية والاجتماعية داخل مجتمع “الإيمان”، أو بين مجتمع “الإيمان” وبين مجتمعات “إيمان” أخرى. داخل مجتمع الإيمان، يراد التمييز بين التصورات والشروحات والممارسات المتعددة؛ فتقوم السلطة السياسية بفرض “عقائدها”، واعتبار العقائد والممارسات الأخرى بِدَع أو هرطقات. وقد رأينا، في تاريخ الدولة العباسية مثلا كيف كانت عقيدة المعتزلة، في “خلق القرآن”، عقيدة الدولة، ثم استحالت “هرطقة” ترقى إلى درجة الكفر، بعد أقل من ثلاثة عقود ليس إلا.

هذا التميز السلطوي بين التصورات والشروحات المتعددة، باحتكار واحد منها بوصفه “الحقيقة”، التي لا حقيقة سواها، يتم في سياق أكبر وأوسع، هو الصراع مع المجتمعات غير المسلمة، سواء داخل المجتمع أو مع مجتمعات خارجه، الإمبراطورية البيزنطية على سبيل المثال. هذا يفضي إلى النتيجة التي فحواها أن التحرر من سلطة النصوص هو التحرر من السلطات التي احتمت وتحتمي بتأويلاتها، زاعمة أن هذه التأويلات هي “النصوص” بلا زيادة ولا نقصان. الدكتور حسن حنفي له عبارة طريفة ولكنها دالة – وهو مشهور بصياغة أمثال هذه العبارات الطريفة الدالة – “احتمينا بالنصوص فدخل اللصوص”.

من هنا، يجب أن تفهم هذه الدعوة للتحرر من سلطة النصوص، بالتركيز على كلمة “سلطة”، لا بالتركيز على كلمة “نصوص”. السلطة قيمة مضافة بفعل الفكر الإنساني، أبوية النصوص هي أبوية السلطات التي تدعيها، وحضن النصوص هو حضن السلطات التي تستتر وراءها. كل ذلك يحتاج لتفكيك. يبقى “الإيمان” الحر هو الحماية الحقيقة، أعني الإيمان الذي هو “العقد” – من هنا كلمة عقيدة – بين الفرد أو الجماعة وبين نصوصها المقدسة، دون وساطة أي سلطة، بما فيها سلطة المثقف أو المؤول.

نصر حامد أبو زيد(مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 3 Comments

العبودية في الإسلام 13

سردار أحمد 

العبودية في الإسلام  الحلقة الثالثة عشر:
أمثلة عن سلوك سادة الإسلام ورموزه وطريقة تعاملهم مع العبيد ج2:
أكتب هذه الحلقة استكمالاً للحلقة السابقة المتعلقة بأخلاق وسلوكيات المسلمين وطريقة تعاملهم مع الجواري والعبيد، وكنت قد كتبت في الحلقة الماضية عن النبي محمد والخليفة عمر بن الخطاب، واليوم استكمل الحديث عن من بقي من الخلفاء الراشدين، وعن بعض الشخصيات الأخرى من التاريخ الإسلامي بشكل مختصر.
أبو بكر الصديق:
في الحلقة الماضية كتبت عن عمر بن الخطاب ولم أراعي التسلسل بِذكر أبو بكر قبله، كون عمر كان أكثر عنصرية وهمجية في التعامل مع العبيد والجواري، وحكمه دام سنوات أطول بخلاف أبو بكر الذي دامت خلافته سنتان وثلاثة أشهر ونصف الشهر.
وأبو بكر كغيره من البدو المسلمين لم يكن مع قتل المرأة في حالات الغزو والسبي والأرتداد عن الدين الإسلامي، وذلك ليس بسبب كونها ضعيفة كما يدعون، بل لكي يغتصبوها ويستمتعوا بجسدها ولتكون سلعة مادية قيمة في أسواق النخاسة.
قيل عن المرتدين في شرح النووي على مسلم- الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إلاه إلا الله ص91: “هؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارا ولذلك رأى أبو بكر رضي الله عنه سبي ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة.”
وقيل نحوه في المبسوط- كتاب السيرة، جنى المرتد جناية ج12 ص246: ” إن بني حنيفة لما ارتدوا استرق أبو بكر رضي الله عنه نساءهم، وأصاب علي رضي الله عنه جارية من ذلك السبي فولدت له محمد بن حنفية رحمهما الله تعالى، وذكر عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس رضي الله عنهما في النساء إذا ارتددن يسبين ولا يقتلن.”
وفي عون المعبود- العتق – ج8 ص478: ” أخرج عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج أنبأنا عبد الرحمن بن الوليد أن أبا إسحاق الهمداني أخبره أن أبا بكر الصديق كان يبيع أمهات الأولاد في إمارته وعمر في نصف إمارته.”
وفي مصنف عبد الرزاق- ج7 ص134: “عبد الرزاق عن سعيد بن عبد العزيز عن غيلان بن أنس قال: ابتاع أبو بكر جارية أعجمية من رجل قد كان أصابها، فحملت له، فأراد أبو بكر أن يطأها، فحاملت عليه، وأخبرته أنها كانت حاملا، فرفع ذلك إلى النبي (ص)، فقال: إنها حفظت فحفظ الله لها، إن أحدكم إذا انتجع بذلك المنتجع فليس بالخيار على الله، قال: فردها النبي (ص)، إلى صاحبها.”
وذُكِرَ في ربيع الأبرار- باب الوفاء وحسن العهد ورعاية الذمم- ص480: ” مر أبو بكر رضي الله عنه بجارية سوداء تطحن لمولاتها، فقالت مولاتها: يا أبا بكر اشترها فإنها على دينك. فلما علم أنها مسلمة حكم مولاتها، فاشتراها على المكان ودفع ثمنها، وقال: قومي يا جارية. فقالت: يا أبا بكر، إن لها علي حقا بقديم ملكها، فأئذن لي أن استتم طحينها. ففعل.”
وفي اعتلال القلوب للخرائطي- ج2 ص48:” حدثنا علي بن الأعرابي قال: حدثنا أبو غسان النهدي قال: مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته بطريق من طرق المدينة فإذا جارية تطحن برجلها وهي تقول: وهويته من قبل قطع تمائمي فتماشينا مثل القضيب الناعم وكأن نور البدر سنة وجهه ينمي ويصعد في ذؤابة هاشم فدق عليها الباب فخرجت إليه فقال: ويلك، أحرة أم مملوكة ؟ قالت: مملوكة يا خليفة رسول الله قال: فمن هويت ؟ قال: فبكت ثم قالت: يا خليفة رسول الله، بحق القبر إلا انصرفت عني قال: وحقه لا أديم أو تعلميني قالت: وأنا التي لعب الغرام بقلبها فبكت لحب محمد بن القاسم فقال لها: ويلك، إياي أردت قالت: ومتى صرت هاشميا قال: صدقت والله. فصار إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبى طالب…”

عثمان بن عفان:
وهو ثالث أفضل رجال الأمة الإسلامية بعد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ومن المبشرين بالجنة، وجامع القرآن.
ذُكِر في الرياض النضرة في مناقب العشرة- ص217: ” عن محمد بن سيرين قال: كثر المال في زمن عثمان فبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم، ونخلة بألف درهم. وعن الحسن قال: كانت الأرزاق في زمن عثمان دارة والخير كثير.”
وفي المحلى- ج8 ص137: ” عن قتادة عن خلاس أن أمة أتت طيئا فزعمت انها حرة فتزوجها رجل منهم فولدت له أولادا ثم ان سيدها ظهر عليها فقضى بها عثمان بن عفان أنها وأولادها لسيدها وان لزوجها ما أدرك من متاعه”
و” أخبرنا عبيد الله بن السمين بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: وأعطى رسول الله (ص) عثمان بن عفان زينب بنت خناس يعني من سبي هوازن وقال ابن إسحاق: فحدثني أبو وجزة: أن عثمان كان قد أصاب جارية يعني من سبي هوازن فحطت إلى ابن عم لها كان زوجها وكان ساقطا، فلما ردت السبايا فقدم بها المدينة في زمان عمر أو زمان عثمان، فلقيها عثمان وأعطاها شيئا بما كان أصاب منها فلما رأى عثمان زوجها قال: ويحك! أهذا كان أحب إليك مني؟ قالت: نعم. زوجي وابن عمي.” (أسد الغابة- ج3 ص359)، والمعلوم أن تلك الجارية لكرهت عثمان لما وطئها…. ” أعطى (أي النبي محمد) عثمان بن عفان جارية يقال لها: زينب بنت حيان بن عمرو، فوطئها عثمان فكرهته…”( مغازي الواقدي- ص944)
وقيل في باب النهي عن أن يطأ الرجل وليدة ولها زوج ” حدثني يحيى عن مالك عن بن شهاب: أن عبد الله بن عامر أهدى لعثمان بن عفان جارية ولها زوج ابتاعها بالبصرة فقال عثمان لا أقربها حتى يفارقها زوجها فأرضى بن عامر زوجها ففارقها.( تنوير الحوالك- شرح موطأ مالك -ج2- ص 388) وكذلك ( المنتقى- شرح الموطأ- ج3 ص368)
شرف عثمان ومبادئه الإسلامية المحمدية لم يسمحا له بمضاجعة تلك الجارية إلا بعد أن أخذ له عامر موافقة زوجها وأقنعه بأن يتركها لخليفة المسلمين، كيف أقنعه يا ترى؟! ربما شرح له عن الإنسانية والشرف والقيم في الإسلام، ومن قيم الإسلام أنه إذا أعجب صحابي بزوجة مسلم فعلى ذلك المسلم ترك زوجته له!!! و كما ذُكِر سابقاً عثمان بن عفان لما مات ترك خلفه ألف مملوك (المصادر:الطبقات الكبرى لأبن سعد- والسيرة الحلبية- ومروج الذهب)

علي بن أبي طالب:
علي كرم الله وجهه، هو الذي امتازت سنوات حكمه (كما قالوا) بالرجوع لينابيع الإسلام الأصلية، كما أمر بها الله ورسوله، وهو الشخصية المتفق عليها بين الشيعة والسنة.
عن” عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الشعبي أن شراحيل ابن مرة بعث إلى علي بجارية، فقال لها علي: أفارغة أنت أم مشغولة؟ فقالت: بل مشغولة، {لها زوج}، فردها، فاشترى شراحيل بضعها بألف وخمس مئة درهم، فبعث بها إلى علي، فقبلها.” (مصنف عبد الرزاق- ج7 ص281)
وفي المحلي- ج10 ص37: ” من طريق عبد الرزاق نا معمر عن منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة ان امرأة باعت هي وابن لها جارية لزوجها فولدت الجارية للذي ابتاعها ثم جاء زوجها فخاصم إلى على بن أبى طالب وقال: لم أبع ولم أهب فقال له على: قد باع ابنك وامرأتك فقال: إن كنت ترى لي حقا فأعطني قال على: فخذ جاريتك وابنها ثم سجن المرأة وابنها حتى تخلصا له…”
وذُكِر في نهاية الأرب في فنون الأدب- الكتابة وأصناف الكتب ج2 ص334: “أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه… وطئ من السبي الذي سبي في خلافة أبي بكر، واستولد منه محمد بن الحنفية…”
” وفي رواية أحمد أمر عليهم {أي النبي محمد} علي بن أبي طالب (فمضى في السرية) هي طائفة من جيش أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وجمعها السرايا (فأصاب جارية) أي وقع عليها وجامعها. واستشكل وقوع علي على الجارية بغير استبراء وأجيب بأنه محمول على أنها كانت بكرا غير بالغ ورأى أن مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة، ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له ثم طهرت بعد يوم وليلة ثم وقع عليها وليس في السياق ما يدفعه (فأنكروا عليه) أي على علي، ووجه إنكارهم أنهم رأوا أنه أخذ من المغنم فظنوا أنه غل، وفي حديث بريدة عند البخاري قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد ليقبض الخمس وكنت أبغض عليا وقد اغتسل فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: ” يا بريدة : أتبغض عليا ” ؟ فقلت نعم. قال: ” لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك” (تحفة الأحوذي- ج9 ص125)
وقالوا عن: عمر ورقية فإنهما من سبيئة من تغلب يقال لها الصهباء سبيت في خلافة أبي بكر وإمارة خالد بن الوليد بعين التمر، وأعطيت لعلي فقبل بها، وقالوا على نحو آخر: قد اشترى علي بن أبي طالب من هذا السبي جارية من العرب، وهي ابنة ربيعة بن بجير التغلبي، فاستولدها عمر ورقية.

عبد الله بن عمر:
تقول السيدة عائشة أم (المسلمين) رضي الله عنها وحفظ الله سرها، بل حفظ كل أسرارها، واصفةَ عبد الله بن عمر بن الخطاب: “ما كان أحد يتبع آثار النبي (ص) في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر”، وكان عبد الله بن عمر معروفاً بخبرته في فحص الجواري عند البيع والشراء.
” عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى جارية كشف عن ساقها ووضع يده بين ثدييها وعلى عجزها وكأنه كان يضعها عليها من وراء الثياب. (نافع مولى ابن عمر- الألباني – إرواء الغليل ص 1792)، “
وفي مصنف عبد الرزاق- ج7 ص286: “… عن ابن عمر، كان إذا أراد أن يشتري جارية، فراضاهم على ثمن، وضع يده على عجزها، وينظر إلى ساقيها، وقبلها أي بطنها {تفسير قبلها إي بطنها هو تفسير غريب ولا يمت لحقيقة الكلمة}…عن مجاهد قال: مر ابن عمر على قوم يبتاعون جارية فلما رأوه وهم يقلبونها أمسكوا عن ذلك فجاءهم ابن عمر فكشف عن ساقها ثم دفع في صدرها وقال: اشتروا قال معمر: وأخبرني ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وضع ابن عمر يده بين ثدييها ثم هزها… عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وضع ابن عمر يده بين ثدييها ثم هزها… عن نافع أن ابن عمر كان يكشف عن ظهرها وبطنها وساقها ويضع يده على عجزها.”
وعن “الرجل يريد أن يشتري الجارية فيمسها- حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر أمشي في السوق فإذا نحن بناس من النخاسين قد اجتمعوا على جارية يقلبونها فلما رأوا ابن عمر تنحوا وقالوا: ابن عمر قد جاء فدنا منها ابن عمر فلمس شيئا من جسدها وقال: أين أصحاب هذه الجارية إنما هي سلعة. عن علي بن مسهر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يشتري الجارية وضع يده على أليتيها وبين فخذها وربما كشف عن ساقيها…حدثنا وكيع عن عبد الله بن حبيب عن أبي جعفر أنه ساوم بجارية فوضع يده على ثدييها وصدرها…حدثنا أزهر السمان عن ابن عون قال: كان محمد إذا بعث إليه بالجارية ينظر إليها كشف بين ساقيها وذراعيها.” (مصنف ابن أبي شيبة- ج5 ص32/33)

شخصيات أخرى من تاريخ الإسلام والمسلمين:
” المأمون وجارية أبيه:… كانت لهارون الرشيد جارية غلامية، تصب على يده، وتقف على رأسه، وكان المأمون يعجب بها، وهو أمرد، فبينا هي تصب على هارون من إبريق معها، والمأمون مع هارون قد قابل بوجهه وجه الجارية، إذ أشار إليها بقبلة، فزبرته، بحاجبها وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك، فنظر إليها هارون فقال: ما هذا؟ فتلكأت عليه، فقال: ضعي ما معك! علي كذا إن لم تخبريني لأقتلنك. فقالت: أشار إلي عبد الله بقبلة. فالتفت إليه، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه، فاعتنقه، وقال: أتحبها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: قم فاخل بها في تلك القبة، فقام فعل.” (مصارع العشاق- السوداء وحبيبها عمر، ص79)
وقيل في: نشوار المحاضرة- عشق، فعف، فكتم، فمات- ج5 ص273/274: “…أهديت إلى الرشيد، جارية في غاية الجمال، والكمال، فخلا بها أياما، وأخرج كل قينة من داره، واصطبح يوما، فكان من حضره من جواريه للغناء وغيره، زهاء ألفي جارية، في أحسن زي، من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر… وقال: لم أر كاليوم قط. ثم قال: يا مسرور، لا تبقين في بيت المال شيئا إلا نثرته، فكان مبلغ ما نثر يومئذ، ستة آلاف ألف درهم.”
ذُكِر في كتاب حريم محمد ” هارون الرشيد أشهر الخلفاء العباسيين كان يملك ألفين من الجواري منهن 300 جارية للغناء والطرب في احد المرات طرب هارون الرشيد من عذوبة صوت المغني فألقى على الحاضرين 6 ملايين درهم وفي مرة أخرى أعجب هارون بصوت المغني فعينه واليا على مصر. الخليفة العباسي المتوكل يملك أربعة آلاف جارية ضاجع الخليفة كل هذه الجواري؟!! والخليفة العباسي الأمين من شدة إعجابه بغناء احد المطربين قبل رأسه وقال المطرب تعطيني 20 مليون درهم فكان جواب الخليفة ما هذه إلا ضريبة ضيعة من الأقاليم التي احكمها!! ” وحتى أن زبيدة امرأة هارون الرشيد أرادت أن تشغله عن الجارية دنانير فأهدت له عشر جوارٍ منهن ماريه أم المعتصم ومراجل أم المأمون وفاردة أم صالح.
وفي اعتلال القلوب للخرائطي- ج2 ص303: ” عن أبي مصعب الزهري قال: هوي رجل من ولد سعيد بن العاص جارية طريفة مغنية بالمدينة… فبلغ عمر بن عبد العزيز، وهو أمير على المدينة، فابتاعها بمال كثير فأهداها إليه…”
“حدثنا عباد بن العوام، عن عمرو بن ميمون، أن أبا قيصر، مولى عبد الملك اشترى جارية فوطئها، ثم وجد فيها بخرة، فأراد ردها، فقال عمر بن عبد العزيز: يا أبا قيصر إنما التلوم قبل الغشيان” (القضاء لسريح بن يوسف البغدادي- باب الأمة تشترى فيطأها المشتري ثم يجد بها عيب، ص103)
و”عن ابن سيرين قال تزوج الحسن بن على امرأة قال فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.” (مجمع الزوائد- ج4 ص284) وذكر نحوه في (مصنف أبن أبي شيبة- ج3 ص320)
وقيل في التذكرة الحمدونية- ج1ص185: “ومن الحمية المنكرة ما فعله عبد العزيز بن أبي دلف- كان له جارية يرى الدنيا بعينها فضرب عنقها وقال: خفت أن أموت من حبها فتنام هي بعدي تحت غيري. وقد ذكر أن عضد الدولة قتل جارية أحبها لأنها ألهته عن النظر في أمور المملكة ”
وفي صحيح مسلم “أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله (ص) وأبى أن يرد عليهم.”
و”كان أسلم مولى عمر بن الخطاب فقيهاً معروفاً، وكان عكرمة الفقية المشهور، مولى ابن عباس، ولما مات ابن عباس باع ابنه عكرمة لخالد بن يزيد بأربعة آلاف دينار، وكان ابن سيرين الفقيه البصري عبداً لأنس بن مالك..” (المغني، باب الجراح)
” قال ابن الأثير:…هرب جوسلين ودخل نور الدين مدينة الرها ونهبها وسبى أهلها. وفي هذه الدفعة نهبت وخربت وخلط من أهلها، ولم يبق منهم بها إلا القليل… قال: ومن عجيب ما جرى أن نور الدين أرسل من غنائمها إلى الأمراء، وأرسل إلى زيد الدين عل جملة من الجواري، فحملن إلى داره ودخل لينظر إليهن، فخرج وقد اغتسل وهو يضحك، فسئل عن ذلك فقال: لما فتحنا الرها مع الشهيد كان في جملة ما غنمت جارية مالت نفس إليها، فعزمت على أن أبيت معها، فسمعت منادي الشهيد وهو يأمر بإعادة السبي والغنائم، وكان مهيبا مخوفا، فلم أجسر على إتيانها وأطلقتها. فلما كان الآن أرسل إلى نور الدين سهمي من الغنيمة وفيه تلك الجارية، فوطئتها خوفا من العود.” (الروضتين في أخبار النورية والصلاحية- ج1 ص58)
و في مصنف أبن أبي شيبة- ج1 ص120: ” حدثنا جرير عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير قال كان ابن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله (ص) فيهم عمار بن ياسر فكانوا يقدمون يصلي بهم لقرابته من رسول الله (ص) بهم ذات يوم ثم التفت إليهم فضحك فأخبرهم أنه أصاب من جارية له رومية وصلى بهم وهو جنب فتيمم.”
” وقد روى أبو مخنف، عن فروة بن لقيط: أن يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سلمان بن ربيعة إذ بعث به الوليد بن عقبة على أمر عثمان بن عفان إياه بذلك مددا لأهل الشام إلى أرض الروم، فلما قفل المسلمون أقيم السبي للبيع، فرأى يزيد بن نعيم جارية حمراء، لا شهلاء، ولا زرقاء، طويلة جميلة، تأخذها العين، فابتاعها وذلك سنة خمس وعشرين أول السنة، فلما أدخلها الكوفة قال: أسلمي، فأبت فضربها فلم تزدد إلا عصيانا، فأمر بها فأصلحت له، ثم أدخلت عليه، فلما تغشاها حملت فولدت له شبيبا…” (المنتظم- ج2 ص274)
وفي أخبار عبيدة الطنبورية- ج6 ص9: “كانت محبوبة أهديت إلى المتوكل أهداها إليه عبد الله بن طاهر في جملة أربعمائة جارية”، وفي مقاتل الطالبين- زيد بن علي- ج1 ص36: “اشترى المختار بن أبي عبيدة جارية بثلاثين ألفا، فقال لها: أدبري، ثم قال لها: أقبلي. فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحدا أحق بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه، وهي أم زيد بن علي”
” حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم أنه سأل عنه الشعبي فقال: قد زعموا أن رجلا اشترى جارية فخشيت امرأته أن يتخذها فأمرت ابنا لها غلاما أن يضطجع عليها ليحرمها على زوجها.” (مصنف أبن أبي شيبة- ج3 ص303)، ماذا قالت المرأة لولدها يا ترى؟! فهي لم تكن عروساً له، ولا داعرة، بل هي جارية للمسلمين، يتسابقون لنكاحها.
قيل في البداية والنهاية- ج8 ص149: ” روى ابن عساكر في ترجمة خديج الخصي مولى معاوية قال: اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها – يعني فرجها – ويقول: هذا المتاع لو كان لي متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا ! ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي – وكان فقيها – فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد (أي أبنه)، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين ! فإنها لا تصلح له، فقال: نعم ما رأيت، قال: ثم وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله (ص)، وكان أسود فقال له: بيض بها ولدك، وهذا من فقه معاوية ونحريه، حيث كان نظر إليها بشهوة، ولكنه استضعف نفسه عنها، فتحرج أن يهبها من ولده يزيد.”
وفي مصنف أبن أبي شيبة- ج3 ص66: ” حدثنا أبو بكر قال نا أبو خالد الاحمر عن حجاج عن أبي إسحاق عن مصعب ابن سعد أن سعدا اشترى جارية لها زوج فلم يقربها حتى اشترى بضعها من زوجها بخمسمائة… حدثنا أبو بكر قال نا وكيع قال نا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن مصعب ابن سعد أن سعدا زوج جارية له مملوكا له فتبعتها نفسه قال: فجعل لغلامه حقا على أن يطلقها… حدثنا أبو بكر قال نا علي بن هشام عن ابن أبي ليلى عن الشعبي قال: أهدى رجل من همدان لعلي جارية فلما أتته سألها علي: أفارغة أم مشغولة؟ فقالت: مشغولة يا أمير المؤمنين ! قال: فاعتزلها وأرسل إلى زوجها فاشترى بضعها منه بعشرين وأربعمائة…”
” قال خليفة المسلمين عبد الملك بن مروان: من أراد أن يتخذ جاريه للتلذذ، فليتخذها بربريه، ومن أراد أن يتخذها للولد، فليتخذها فارسيه، ومن أراد أن يتخذها للخدمة، فليتخذها روميه.” (كتاب الأغاني للأصفهانى، وأخبار النساء لابن القيم، وطوق الحمامة لابن حزم، والإمتاع و المؤآنسه لأبى الحيان التوحيدى).

تقول سوسن السوداني في قصيدتها ” ممنوع “
البسطاء الطيبون……..المذبوحون
“تنازلوا عن عقولكم
نحن نفكر بدلا عنكم
نحن نضاجع نساءكم
………. ليلدن أسيادا مثلنا
لك الكرامة يا هذا
………. لقد وطئ سيد أنثاك
نساؤكم أموالكم
حرث لكم (أنى) شئتم
نحن نباركهن لكم
منطق الأسياد المقدس
………. على رقاب المسوخ

يــــتــــبــــع 

سردار أحمد

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment