موزارت‎

ولد موزارت عام 1756 في مدينة سالزبورغ النمساويه في وادي تحيط به الجبال , وحالما تشرق الشمس كانت المدينة تمتليء بالأصوات , أجراس الكنائس ومطارق الحدادين وعجلات العربات وصفارات الشرطه .. تشارك كل هذه الأصوات على خلفية من أصوات الأغنام والماعز والطيور .

خلال أمسيات الشتاء كان موزارت الطفل يفضل اللعب مع أصدقائه وجروه الصغير , غير أن أخته ( نانرل ) كانت تفضل التمرين على عزف البيانو . ذات يوم سألته إن كان يحب مشاركتها , فقام وجلس بجانبها وأعاد كل مقطع عزفته دون خطأ , وأفضل مما عزفت هي .

كان طفلاً موهبا ً في الموسيقى الى الحد الذي تمت فيه دعوته وهو في السابعة من العمر ليعزف أمام الإمبراطور النمساوي نفسه , عندها طرق الصغير باب قصر الإمبراطور الذي أمر أن يعزف موزارت دون نوتة .. بل وحتى دون النظر الى مفاتيح البيانو الذي أمامه , ولكي يكون الإمبراطور متأكداً من أن الصغير لا يختلس النظر الى المفاتيح أمامه فقد تم وضع مفرش فوق البيانو بحيث يغطي طرفه يد موزارت ومفاتيح البيانو … لكن الصغير عزف ببراعة جعلت الإمبراطور يصفق له ثم يمنحه ساعة ذهبيه مكافأة له على عزفه .

لشدة فرح والد موزارت بموهبة ولده الصغير أخذه لزيارة فرنسا وحين وصلا الى قصر فرساي أثناء إحتفالات الكريسماس كان ملك فرنسا كريماً حيث طلب من موزارت الصغير أن يكون ضيفه ولكن بشرط أن يعزف له بعد العشاء .

بعد العشاء أجاد موزارت العزف الى الحد الذي جعل الملك يصفق له ويقول : لقد أجدت الإحتفال بالكريسماس يا موزارت .. لك طول العمر يا موزارت .

بقي فترة في فرنسا ومن هناك كانت الرحلة التاليه الى إنكلترا .. حيث إستمعت له ( الملكه شارلوت ) وكانت ذات صوت جميل في الغناء فطلبت منه مصاحبة غنائها بعزفه على البيانو .. عند نهاية الأغنيه كانت الملكه سعيده الى الحد الذي جعلها تطبع قبلة كبيرة على خد هذا الطفل الموهوب الذي لم ينس تلك القبله الى نهاية حياته .

ومن إنكلترا سافر موزارت الى إيطاليا وعند وصوله الى ال ( سيستين تشابل ) في روما حيث المقر الرسمي للبابا كان المكان رائعاً بعمرانيته وباللوحات المرسومه على الجدران والسقوف وزجاج النوافذ , والموسيقى الكنسيه تصدح من كل مكان الى الحد الذي جعل موزارت يقرر منذ تلك اللحظه أن يؤلف الموسيقى الكنسيه ذات يوم من حياته .

حين أصبح عمر موزارت 17 عام قرر بأن الوقت قد حان للعوده الى سالزبورغ … عندها شاهد جمال مدينته من جديد .. وعند إستقراره فيها بدأ يتأمل في مشاهداته في سفراته والأحداث والشخصيات التي إلتقى بها ويصور كل ذلك من خلال المعزوفات التي بدأ يؤلفها .

ألف موزارت الموسيقى لمجاميع صغيره من العازفين , وهذا النوع من الموسيقى يسمى ب ( موسيقى الحجره ) لأنها تعزف في غرفه وليس في قاعة كبيره , أما الآلات الموسيقيه المستخدمه فلو أنها تحولت الى أشخاص فإن الموسيقى الناتجة عنها ستكون مثل حديث بين هؤلاء الأشخاص .. في بعض الأحيان يتحدث البيانو وحده كما في معزوفه ( المسيره التركيه ) .

وفي بعض الأحيان يتجادل البيانو مع الكمان والتشيللو .. ببساطه عندما تكون في المعزوفه آلتان فهي معزوفه ( دويتو ) أما اذا كانوا 3 آلات فالمعزوفه هي ( تريو ) وحين تكون 4 آلات تعزف معاً فهي ( كوارتيت ) أما 5 آلات فتعني أن المعزوفه هي ( كوانتيت ) .. وهكذا …

كذلك ألف موزارت الموسيقى لمجاميع كبيره من الآلات يصل عددها أحياناً الى 40 آله وهذه المؤلفات تسمى واحدتها أما ( سمفونيه ) او ( كونشيرت ) .

في السمفونيه تشترك جميع أنواع الآلات : آلات النفخ , آلات النحاس , السلاسل , وآلات القرع , كما في سمفونية جوبيتر .

بينما في الكونشيرت تشترك آله واحده منفرده ( صولو ) بالحوار مع الأوركسترا كما في كونشيرت الناي مع الأوركسترا .

كان موزارت مغرماً بالأوبرا , وما كان يدهشه فيها هو الأزياء والغناء المصاحب للموسيقى فيها فهي إن صح التعبير ( عرض مسرحي مموسق ) ترجم فيها موزارت مشاعر الحب والغضب والمرح والحزن الى ألحان , على سبيل المثال في أوبرا ( الناي المسحور ) التي كانت آخر أوبرا ألفها موزارت , نستطيع أن نستمع الى ( ملكة أغنية الليل ) وهي تصرخ بغضب حقيقي .

في سن 26 تزوج موزارت من خطيبته ( كونستانز) ولهذا بدأ موزارت بتأليف ( القداس ) للإحتفال بزواجهما . والقداس هو تراتيل تتردد لتمجيد الخالق .

حقيقة , في القرن الثامن عشر وقبل إكتشاف البنسلين وبقية الأدويه المضاده كانت الحياة صعبة للغايه لأن أمراضاً تعد بسيطة في وقتنا الحالي كانت قابله لأن تفتك بالبشر في ذلك الوقت . حياة موزارت الصحيه وطيلة حياته كانت صعبة للغايه , فقد عانى من الأمراض التاليه : الجدري , إلتهاب اللوزتين المزمن , إلتهاب الشعب الهوائيه , الإلتهاب الرئوي الحاد , التيفوئيد , الروماتيزم وأمراض اللثه . أما مرضه الذي مات به فقد أصيب به عندما كان في زياره الى براغ للإشراف على تدريبات ( كونشيرت الكلارنيت ) قبل تقديمه هناك .

وعند عودته الى فيينا ساءت حالته كثيراً , وربما أدرك أن الموت مقبل عليه ولهذا سارع في تأليف ( قداس الموت ) موته هو .. فقد لازم فراشه منذ 20 تشرين الثاني 1791 وكان متورماً ويتقيأ ويشعر بآلام شديده حتى ظن بعض أصدقائه أنه ربما تعرض الى التسميم من قبل أحد حسّاد نجاحه الكبير.. وعلى هذا الحال بقي واعياً حتى آخر ساعتين قبل موته .. وأخيراً مات يوم 5 كانون الأول عام 1791 وهو بعمر 35 سنه حيث ترك لنا آخر ألحانه .. قداس الموت , مدوناً على دفتر نوتته الموسيقيه عبارة : وأنا أكتب قداس الموت هذا .. أخشى أني أكتب به قداس موتي .ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

شوبرت‎

عام 1797 ولد فرانز بيتر شوبرت في فيينا بيت عائلته يحمل إسماً مضحكاً وهو ( قرصة السرطان البحري الأحمر ) , والده فرانز تيودور كان مدرساً ومثل جميع أهل فيينا كان عاشقاً للموسيقى .

الموسيقى في فيينا تعزف في كل مكان , عند التلال , في الشوارع , في المقاهي والحدائق والدكاكين , وفي جميع أنواع الحفلات .

عندما أصبح شوبرت في الرابعة من العمر إنتقلت عائلته من ( قرصة السرطان البحري الأحمر ) الى بيتهم الجديد ( الحصان الأسود ) .

بدأ شوبرت بدراسة الموسيقى وهو بعمر 7 سنوات , علمه والده عزف الكمان كما علم أخواه الأكبر منه , وبعد أشهر قليله كان شوبرت قد بدأ يعزف أفضل من والده , عندها أجّر له والده معلما ًمحترفاً للموسيقى يدعى ( ميشيل هولزر ) الذي اعترف بأنه لم يدرس من قبل طالبا ً للموسيقى بمثل هذه الموهبه .

عندما أصبح عمر شوبرت 11 عاماً كان يغني في كورس الكنيسه ويعزف الكمان .. ويؤلف بعض المقطوعات القصيره للرباعيات والبيانو .

أصبح والده فخورا ً به وقدم له على منحه دراسيه من إدارة كورس الكنيسه الإمبراطوريه النمساويه , وحين تقدم الولد الى الإختبار ببدلته الزرقاء الغامقه , كان متفوقاً جداً على بقية أقرانه المتقدمين , فهنأته لجنة التحكيم على كفاءته ومنحته مقعداً في أفضل كليات فيننا التي تدرّس الموسيقى .

منذ هذه اللحظه تغيرت حياة شوبرت فقد ترك بيت العائله وأصبح طالباً في القسم الداخلي ولم يكن مستوى الحياة جيدا ً في هذا المكان , فقد كان القسم الداخلي يقع في منطقة تضم بيوتاً كثيرة للدعاره , والأكل الذي كان يقدمه القسم الداخلي لم يكن جيداً .. والوضع بشكل عام كان أسوأ مما توقعه شوبرت قبل قدومه الى هذا المكان .

رغم هذا فالأهم الذي شغل بال شوبرت كان الموسيقى , كذلك عرف الصداقة فكان يمضي الساعات الطوال يتحدث الى صديقه جوزيف عن كيفية ترجمته للمشاعر والأفكار الى موسيقى .

أثناء العطلات كان يعود الى البيت , وكان مع عائلته يشكلون رباعياً للعزف , والده كان يعزف التشيللو , أخوه فرديناد كان يعزف الكمان الأول , وأخوه أغناز كان يعزف الكمان الثاني , أما هو فقد كان يعزف الفيولا وحين كان والده يعزف نشازاً في جملة موسيقية ما , كان شوبرت ينبهه بلطف الى ذلك .

حين أصبح شوبرت في 14 من العمر ألّف شوبرت الكثير من الرباعيات المعروفة الى يومنا هذا بإسم : رباعيات شوبرت

بعمر 15 سنه لم يكن شوبرت يفكر بغير التأليف الموسيقي , كان يكتب مقطوعات البيانو , والرباعيات , والأغاني , والسمفونيات , كان يكتب كثيراً الى الحد الذي يجعله يستهلك كل مالديه من ورق نوته موسيقيه , ولم يكن معه الكثير من المال لشراء المزيد .. ولهذا كان يرسم خطوط النوته بيده على الورق العادي ليتمكن من كتابة النوتات عليه , وكان ذلك يستغرق كل وقته خارج الدراسه لذلك كان والده قلقاً عليه بشده من هذا الإنهماك في تعلم الموسيقى .

بعمر 17 سنه وبينما كان شوبرت يقوم ببروفه على أحد الأعمال الموسيقيه التي يصاحبها الغناء , شعر فجأة انه وقع في غرام فتاة صغيره كانت ( سوبرانو ) العمل الذي يتدربون عليه فكتب عن ذلك يقول (( لقد ذهبت بعقلي , وأشعر أني غير قادر على حمل قلبي )) لكن الفتى كان يدرك أن لا حظ له مع السعاده .. لأنه يحمل مرض السفلس الوراثي , ولهذا إنهمك بالعمل متناسيا ً أي شيء سواه .

بعمر 25 تردت حالته الصحيه لأن مرض السفلس بدأ يتطور لديه لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن العمل , واستمر في الحياة حتى عمر 31 سنه حيث مات عام 1827 وكان تقرير وفاته يذكر أن الوفاة حدثت لثلاث أسباب مجتمعه : سفلس من الدرجة الثالثه , وتركز كميات عاليه من الزئبق في جسمه نتيجة تعاطي مركباته في علاج السفلس , وحمى التفوئيد .

الأغنيه هي تركيبه بسيطه يصاحب فيها الصوت البشري آلة البيانو وكانت تشكل جزءا ً كبيرا ً من موسيقى شوبرت , لأنه كتب ما يزيد على 600 أغنيه يصاحب فيها الشعر الموسيقى . أغنيه ( كريتشن وبكرة الغزل ) قصيده تتحدث عن فتاة هجرها حبيبها فجنت من الألم .

بينما في أغنية ( سمكة السلمون المرقطه ) نكون عند حافة الماء حيث النهر يلتمع تحت أشعة الشمس فنرى بوضوح سمكة السلمون المرقطه تسبح في الماء .

ألف شوبرت الموسيقى لأهله وأصدقائه الذين كانوا يعزفون ويغنون أغنياته , ويعزفون رباعياته داخل بيوتهم , وكانت متعتهم في التجمع والشرب والعزف والرقص والغناء في أمسيات كان أصدقاؤه يسمونها ( أمسيات شوبرتيه ) .

بعض الموسيقيين كان لا يهتم باللحن بأكمله قدر إهتمامه بنغمات منفرده تأتي ضمنه , أو إيقاع ذلك اللحن أو مقدار الإنسجام فيه . لكن شوبرت كان يهتم باللحن أساسا ً مثلما يهتم ببقية تفاصيله .

الأربجيون آله موسيقيه بحجم التشيللو لكن شكلها يشبه الكيتار وهي نادره هذه الأيام ولهذا فغالباً ما تعزف ( سوناتا الأربجيون ) لشوبرت هذه الأيام بالإستعاضه عن الأربجيون بالتشيللو أو الفيولا .

كتب شوبرت الكثير من معزوفات البيانو لأن البيانو كان آلته المفضله فكانت له الكثير من الرقصات منها الرقصه الجرمانيه ( البولينيزيه ) .

والرقصه الإسكتلنديه ( الدويتشه ) .

والرقصه البولونيه ( الغالوب ) .

وبعض المقطوعات التي دعيت ( باللحظات الموسيقيه ) وكانت بحق لحظات موسيقيه رائعه .

كان شوبرت في 19 من العمر حين ألّف سمفونيته الخامسه , وفي سنوات لاحقه من عمره القصير كتب السمفونيه الثامنه التي تدعى ( السمفونيه غير الكامله ) والتي عكست ولعه الشديد بالموسيقى .. قال عنها لأصدقائه (( أنا سأعبر عن الحب بشكل واضح ودون ألم )) تتلمس في سمفونيته الحب والمتعه والحزن والإحساس المرير بالوحده في نفس الوقت . فهل كان ذلك دون ألم حقا ً؟

لا أحد يدري !!!ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى 2\16

أولاً: حكومة السعدون تفشل في إقرار معاهدة عام 1922 الاسترقاقية

كان على حكومة عبد المحسن السعدون تنفيذ المهام الموكلة لها بانتخاب المجلس التأسيسي، وإقرار المعاهدة، وإقرار القانون الأساسي، وقانون الانتخاب، ومن أجل تنفيذ هذه المهام فقد كان على الحكومة أن تهيئ الأجواء التي تمكنها من تنفيذ هذه المهام بعد تلك الموجة العارمة التي اجتاحت العراق احتجاجاً على بنود المعاهدة التي وقعتها حكومة النقيب مع المندوب السامي البريطاني [بيرسي كوكس ] وذلك عن طريق توجيه ضربة قاصمة للقادة الوطنيين المعارضين للمعاهدة، ولرجال الدين في النجف وكربلاء الذين وقفوا بصلابة ضدها .

فقد قبضت السلطات الحكومية على الشيخ [مهدي الخالصي ] وولديه في 27 حزيران 1923، ونفتهم خارج العراق، كما نفت قريبيه الشيخين[علي تقي] و[سلمان الصفواني] وعطلت الحكومة عدد من الصحف المعارضة للمعاهدة، وقامت بحملة إرهاب للمواطنين لحملهم على المشاركة في الانتخابات المزمع أجراءها، والتي كان المندوب السامي يلح على إجرائها بأسرع وقت لغرض إقرار المعاهدة .(1)

أثار عملية إبعاد الشيخ الخالصي وولديه وقريبيه موجة احتجاجات عارمة من قبل رجال الدين في النجف وكربلاء الذين هاجموا إجراءات الحكومة، وطالبوا بعودتهم إلى العراق .

غير أن الحكومة بدلاً من أن تستجيب لمطالبهم واحتجاجاتهم أقدمت على إبعاد ما يزيد على 30 رجل دين أخر منهم إلى إيران، ووضعت تحت مراقبة الشرطة أكثر من 50 آخرين، وأشاعت جواً من الإرهاب في جميع أنحاء البلاد مما سبب في هيجان الشارع العراقي حيث خرجت الجماهير الشعبية تعلن رفضها للمعاهدة وتستنكر إجراءات الحكومة.

وبسبب تلك المعارضة الشعبية الواسعة، وبسبب الضغوط التي مارسها المندوب السامي على حكومة السيد [ عبد المحسن السعدون ] لإقرار المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1922، وعلى الرغم من الإجراءات القمعية التي اتخذتها ضد المعارضة الشعبية الواسعة وقادتها الوطنيين فإن السعدون فشل في تحقيق رغبة المندوب السامي بإقرارها بسبب بنودها المجحفة بحق العراق واستقلاله، حيث أعطت تلك البنود بريطانيا الهيمنة المطلقة على مقدرات العراق، وقد حاول المندوب السامي [برسي كوكس] فرضها مستخدماً كافة وسائل الضغط على الملك والحكومة معاً، مما اضطر السعدون إلى تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 15 تشرين الأول 1923، حيث تم قبول الاستقالة على الفور، وعهد الملك تأليف الوزارة الجديدة إلى السيد جعفر العسكري الذي اختار بدوره صهره نوري السعيد وزيراً للدفاع، لكي تأخذ هذه الحكومة على عاتقها إقرار المعاهدة، وتم تشكيل الوزارة في 22 تشرين الثاني 1923.

ثانياً : كيف تم إقرار المعاهدة ؟

في 2 نيسان 1924 قدم رئيس الوزراء[جعفر العسكري] المعاهدة العراقية البريطانية مع البروتوكول المرفق بها، والاتفاقيات المتفرعة عنها إلى المجلس التأسيسي طالباً منه إقرارها.

وحاول رئيس الوزراء تبرير ضرورة إقرار المعاهدة بصورة مستعجلة بحجة تمكين بريطانيا من إدخال العراق إلى عصبة الأمم، وتأمين الاستقلال الوطني، وحسم مسألة الحدود العراقية التركية، وقضية ولاية الموصل التي سعت تركيا بكل جهودها لضمها إليها، واستخدمت بريطانيا هذه المشكلة وسيلة ضغط على الحكومة العراقية لقبول المعاهدة المفروضة على العراق، وهذا ما أعلن عنه بصراحة أمام أعضاء المجلس [عبد المحسن السعدون ]،رئيس المجلس رداً على اعتراضات النواب الوطنيين حيث قال:

{ أيها السادة: إن الإنكليز مصرون على ربط قضية الموصل بتوقيع المعاهدة، فإما المعاهدة، وإما خسارة ولاية الموصل }. (2)

حاول رئيس الوزراء جعفر العسكري تمرير المعاهدة بأسرع ما يمكن بسبب إلحاح المندوب السامي البريطاني، لكن المعارضة طلبت توزيع لائحة المعاهدة على أعضاء المجلس لدراستها ومناقشتها، ولكي تعلن للشعب تفاصيلها، وجاء ذلك الاقتراح على لسان السيد[ ناجي السويدي] حيث جرى التصويت عليه وقبل الاقتراح وتم توزيع نسخ من المعاهدة، وطلب السيد ناجي السويدي تشكيل لجنة لتدقيق المعاهدة على أن تضم عضواً عن كل لواء، وبالفعل تم تشكيل اللجنة التي تألفت من النواب التالية أسماؤهم :

1 ـ ياسين الهاشمي 2 ـ عمر علوان

3 ـ زامل المناع 4 ـ حبيب الخيزران

5 ـ أصف أغا 6 ـ داؤد الجلبي

7 ـ فالح الصيهود 8 ـ محمد زكي

9 ـ عداي الجريان 10 ـ فهد الهذال

11ـ شريف أغا 12 ـ حبيب الطالباني

13 ـ المرزا فرج 14 ـ عبد الواحد سكر

15 ـ صالح شكارة .

باشرت اللجنة اجتماعاتها لمناقشة بنود المعاهدة حيث عقدت 29 جلسة نهارية، و20 جلسة مسائية، ودرست خلالها بنود المعاهدة، والمراسلات والوثائق المتعلقة بها، ووضعت تقريرها الذي ضم 65 صفحة.

في الوقت الذي كان المجلس التأسيسي يناقش بنود المعاهدة، كان الشارع العراق في حالة من الغليان الشديد، وكان العلماء والمحامون والمثقفون والأساتذة والطلاب ينظمون الاجتماعات والمظاهرات المطالبة بتعديل بنود المعاهدة بما يتفق وأماني الشعب في الحرية، والاستقلال الحقيقي، وكان لتلك المظاهرات والاحتجاجات أثرها الكبير على العديد من أعضاء المجلس الذين غيروا رأيهم، وطالبوا بتعديل بنود المعاهدة، وقد سبب هذا الموقف قلقاً شديداً للملك فيصل وللمندوب السامي البريطاني على حد سواء، وخاصة بعد إطلاق النار على أثنين من أعضاء المجلس المعروفين بولائهم للإنكليز وهما [ عداي الجريان ] و[سلمان البراك] مما خلق جواً من الرعب والقلق، ودفع عدد من أعضاء المجلس إلى تقديم استقالتهم، فيما امتنع البعض الآخر عن حضور جلسات المجلس بحجج مختلفة.

لقد سرتْ إشاعات في بغداد تقول أن إطلاق النار كان مدبراً من قبل الحكومة لاتخاذه مبرراً للتنكيل بالمعارضة وقمعها، واعتقال العناصر النشطة المعارضة للمعاهدة، وقيل أن الذي أطلق النار على عضوي المجلس هو أحد أزلام نوري السعيد [شاكر القره غولي]،وبالتعاون مع [عبد الله سرية].(3)

ولم تكتفِ الحكومة بكل ذلك بل لجأت إلى إغلاق العديد من صحف المعارضة كان من بينها[ الشعب] و[الاستقلال ] و[الناشئة] بغية كمّ الأصوات الوطنية المطالبة بتعديل بنود المعاهدة بما يتفق ومصالح الشعب والوطن .

لكن إصرار المعارضة الشعبية على مواصلة الكفاح ضد المعاهدة وضد سياسة الحكومة، وتصاعد الأزمة التي نشأت عن محاولة فرض المعاهدة التي كانت تنذر بتطورات خطيرة أجبرت الحكومة على تقديم استقالتها .

إلا أن الملك فيصل والمندوب السامي ضغطا على جعفر العسكري لكي يبقى في الحكم لحين إقرار المعاهدة .

كان المندوب السامي يراقب عن كثب مناقشات المجلس التأسيسي لبنود المعاهدة، وخطب الموالين والمعارضين، كما كان يراقب ما تنشره الصحف المعارضة، وتملكه شعور بالغضب لإصرار عدد كبير من أعضاء المجلس على تعديل بنود المعاهدة، وعلى تأخر إبرامها، فبعث إلى الملك فيصل بمذكرة خطيرة تنم عن التهديد، في 26 نيسان 1924،وجاء في المذكرة :

{حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم، دام ملكه:

يا صاحب الجلالة:

كثيراً ما اقُترح في أثناء المباحثات بخصوص معاهدة التحالف بين بريطانيا العظمى والعراق،والاتفاقيات المتفرعة،أن يُطلب من الحكومة البريطانية أن توافق على تعديلات في بعض الأمور التي يداخل المجلس شك بخصوصها. فلي الشرف أن أبلغ جلالتكم أن الحكومة البريطانية لا يسعها الموافقة على أي تعديلات، لا في المعاهدة ولا في البروتوكولات، ولا في الاتفاقيات، والأمر متروك للمجلس التأسيسي في أن يقبلها [ أي المعاهدة والبروتوكولات والاتفاقيات ] أو يرفضها برمتها،على نحو ما يراه الأفضل لمصلحة العراق.

إن السبب في قرار الحكومة البريطانية هذا هو أن إجراء التعديلات في المعاهدة والاتفاقيات بين توقيعها وإبرامها مخالف كل المخالفة للتعامل الدولي المقرر من أزمنة بعيدة في التاريخ، ويؤدي إلى جعل إتمام المعاهدات إتماماً نهائياً من المستحيلات تقريباً}. (4)

كانت مذكرة المندوب السامي هذه بمثابة إنذار للملك فيصل، بضرورة إقرار المعاهدة دون تغير أو تأخير.

وفي 16 أيار 1924 بعث المندوب السامي بمذكرة أخرى للملك فيصل،جاء فيها :

{يا صاحب الجلالة: لقد قمت بإيقاف حكومة صاحب الجلالة البريطانية تمام الوقوف على ما قد بدا حديثاً في العراق من الآراء والرغائب فيما يتعلق بمعاهدة التحالف بين بريطانيا العظمى والعراق والاتفاقيات المتفرعة عنها، وقد فوضتني الآن حكومة صاحب الجلالة البريطانية،بأن أبلغ جلالتكم رسمياً ما يلي :

{ إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية لا يسعها أن تقبل قبل الإبرام أي تعديلات ما في المعاهدة والاتفاقيات التي سبق توقيعها بالنيابة عن الحكومتين، ولكن ستكون بعد الإبرام مستعدة لأن تبحث بروح الاعتدال، في كل ما قد يُرغب فيه من تعديلات في الاتفاقية المالية، هذا ولاشك في أن جلالتكم ستتخذون الوسائل لنشر هذا الكتاب}. (5)

صديق جلالتكم هنري. دوبس

ثالثاً:الشعب يتحدى والحكومة تطلق النار على المتظاهرين:

في الوقت الذي أشتد فيه ضغط المندوب السامي وحكومته على الملك فيصل والحكومة والمجلس التأسيسي من أجل الإسراع بإقرار المعاهدة العراقية البريطانية دون تأخير، ودون إجراء أي تعديل أو تغير عليها، صعّد الشعب العراقي كفاحه ضد المعاهدة، وسير المظاهرات الصاخبة المطالبة بتعديل بنودها بما يحقق السيادة الحقيقية، والاستقلال التام للعراق .

لقد أراد الشعب وقواه السياسية الوطنية تقديم الدعم الأقصى للنواب الوطنيين في المجلس التأسيسي ليكون موقفهم قوياً أثناء مناقشة بنود المعاهدة.

ولما بلغ أسماع أبناء الشعب أن المعاهدة ستناقش يوم 29 أيار 1924 خرجت مظاهرة صاخبة تندد بالمعاهدة، وتطالب بتعديلها، وتوجهت المظاهرة إلى مقر المجلس التأسيسي وأحاطت به، وكانت أصوات الغضب المنبعثة من حناجر المتظاهرين قد أجبرت رئيس الوزراء للخروج والتحدث إلى قادة المظاهرة طالباً منهم التفرق، والاعتماد على المندوبين، واعداً إياهم بعدم التفريط بحقوق الشعب وحرية العراق واستقلاله.

لكن حديثه لم ينجح في إقناع المتظاهرين، وحاولت الشرطة تفريقهم بالقوة، ولكنها فشلت في ذلك، ووقعت صِدامات عنيفة بينهم وبين المتظاهرين، مما دفع وزير الدفاع [نوري السعيد ] إلى استدعاء قوات الجيش لقمع حركة الاحتجاجات الشعبية، حيث جرت مصادمات عنيفة بين عناصر الجيش والمتظاهرين بعد أن استخدم الجيش الرصاص لتفريق المظاهرة، ووقوع إصابات عديدة في صفوف المتظاهرين العزل من السلاح، واستطاع الجيش تفريق المظاهرة. (6)

سارعت الحكومة إلى إصدار بيان رسمي في محاولة منها لتبرير استدعاء الجيش، واستخدام السلاح ضد أبناء الشعب المطالب بحريته واستقلال وطنه، كما أصدر رئيس المجلس التأسيسي في 29 أيار 1924 بياناً لتطمين أبناء الشعب معلناً أن المجلس سوف لن يفرط بحقوق الشعب مهما كانت الأحوال، وطالباً من أبناء الشعب انتظار قرار المجلس بكل اطمئنان .

وعلى اثر تلك الأحداث الدامية قرر المجلس تأجيل مناقشة المعاهدة إلى يوم السبت 3 أيار، لكن عدداً من المندوبين تغيبوا عن الحضور في ذلك اليوم، وكانت آثار الخوف والقلق بادية على وجوه الحاضرين منهم حتى أن الكثيرين منهم رفض الدخول إلى القاعة، مما اضطر رئيس المجلس إلى تأجيل الاجتماع إلى يوم 2 حزيران. وفيما بدأ الحاضرون في مغادرة بناية المجلس، حضر المندوب السامي [ هنري دوبس ] وبصحبته مستشار وزارة الداخلية المستر [كرونواليس ]، واضطر أعضاء المجلس إلى العودة إلى القاعة ليستمعوا إلى المندوب السامي.

تحدث المندوب السامي أمام الأعضاء الحاضرين بلهجة تنم عن التهديد والوعيد قائلاً:

{ بلغني أن بعض النواب قدموا تقريراً يقولون فيه أن المجلس لا يقبل إبرام المعاهدة ما لم تعطي بريطانيا ضماناً بالتعديل على أساس تقرير اللجنة التي شكلها المجلس لدراسة بنود المعاهدة، وهذا يعني في حقيقة الأمر تعديل المعاهدة، وهذا ما تعتبره حكومتي رفضاً للمعاهدة، وعلى المجلس أن يلاحظ تأثير ذلك على سير المفاوضات مع تركيا حول ولاية الموصل، فقد أخذنا معلومات بأن السير[بيرسي كوكس ] عند وصوله إلى الاستانة شاهد تسهيلات في المعاملة لإبقاء ولاية الموصل للعراق.

ولكن عند ما بلغ الأتراك سير أعمال المجلس التأسيسي العراقي تغيروا وصاروا يطلبون ولاية الموصل، وإنهم يرفضون إحالة الأمر إلى مجلس عصبة الأمم }. (7)

كانت كلمة المندوب السامي أمام الحاضرين من أعضاء المجلس التأسيسي بمثابة إنذار لهم، فإما إقرار المعاهدة وإما سلخ ولاية الموصل من العراق، مستخدماً قضية الموصل ورقة ضغط كبرى لغرض إقرار المعاهدة. وقبل أن يغادر القاعة طلب إقرار المعاهدة بشكلها الحالي واعداً أعضاء المجلس بأجراء مفاوضات لتعديل ما طالبت به اللجنة في تقريرها شرط أن يكون ذلك بعد إقرار المعاهدة .

وفي 2 حزيران 1924 أجتمع المجلس التأسيسي من جديد، وحضر الاجتماع 63 عضواً من مجموع 100، وبدأ المجلس بمناقشة بنود المعاهدة، وأثناء المناقشة حدثت مشادات عنيفة بين الأعضاء المؤيدين للحكومة والمعارضين لها، واسُتخدمت فيها أقسى العبارات.

في تلك الساعات الحرجة كان الملك فيصل يشعر نفسه واقعاً بين نارين، نار المندوب السامي البريطاني وضغطه المتواصل لإبرام المعاهدة، بما فيها من مسٍ خطيرٍ بحقوق العراق ومستقبله، ونار المعارضة الشعبية العارمة والرافضة لتلك المعاهدة، وبقي في حيرة من أمره لا يدري ماذا يفعل، وكيف يرضي المندوب السامي، ويرضي الشعب العراقي في الوقت نفسه .

وحاول الملك من خلال اللقاء الذي دعا إليه أعضاء المجلس التأسيسي يوم 9 حزيران 1924 الوصول إلى حل ما لهذه الأزمة حيث تحدث مع أعضاء المجلس قائلاً : {أنا لا أقول لكم أقبلوا المعاهدة أو ارفضوها، وإنما أقول لكم اعملوا ما ترونه الأنفع لمصلحة بلادكم فان أردتم رفضها فلا تتركوا فيصلاً معلقاً بين السماء والأرض، بل أوجدوا لنا طريقاً غير المعاهدة، فلا تضيعوا ما في أيديكم من وسيلة للمحافظة على كيانكم، وتحينوا الفرصة لتحصلوا على ما هو أكثر مما في أيديكم}. (8)

وفي 10 حزيران 1924 عقد المجلس التأسيسي جلسته الثالثة والعشرين، وأعلن رئيس المجلس أن هناك اقتراحاً من عدد من أعضاء المجلس بتأجيل البت في المعاهدة إلى حين الانتهاء من مشكلة ولاية الموصل، ثم طلب رئيس الوزراء [جعفر العسكري ] الحديث طالباً من المجلس عدم تأجيل البت في المعاهدة بسبب أمور سياسية خارجية استوجبت ذلك، وكان رئيس الوزراء يشير بذلك إلى التهديدات البريطانية المتصاعدة للملك والحكومة لإقرار المعاهدة .

لكن المجلس صوت على تأجيل الجلسة إلى اليوم التالي، وقد أثار قرار التأجيل المندوب السامي، الذي صمم على فرض المعاهدة فرضاً.

فقد تحدث المندوب السامي مع الملك فيصل بالهاتف، وأعلمه بأنه سوف يكون عنده عصر ذلك اليوم لأمرٍ هام، فيما كان قد أعد مذكرة خطيرة يطلب فيها إصدار قانون بحل المجلس التأسيسي، وإصدار أمر باحتلال بناية المجلس .

وعند وصول المندوب السامي إلى البلاط عصر ذلك اليوم سلم الملك فيصل المذكرة التالية : {لا تستطيع حكومة صاحب الجلالة البريطانية في مثل هذه الظروف أن تسمح باستمرار الحالة الراهنة التي ينشأ عنها خطر عظيم يهدد سلامة العراق الداخلية والخارجية، فأن المذاكرات الأخيرة للمجلس التأسيسي التي جرت في هذا اليوم لم تظهر أي اقتراب من الاتفاق، ولا أي أمل في اتخاذ المجلس قراراً صريحاً وسريعاً، لذا طُلب إليّ أن أوجه أنظار جلالتكم كشرط لاستمرار تأييد حكومة صاحب الجلالة البريطانية أن تصدروا فوراً بعد استشارة مجلس وزارتكم وبواسطته تعديلاً لقانون المجلس التأسيسي يخولكم حق فض المجلس في أي وقت شئتم خلال الأربعة أشهر من تاريخ افتتاح جلساته، وأن تأمروا بموجب هذا التعديل حل المجلس اعتباراً من الساعة الثانية عشرة من ليلة 10 على 11 حزيران.

وأرى من واجبي أن اطلب من جلالتكم أن تبلغوا الأمر رسمياً، بواسطة رئيس وزرائكم إلى رئيس المجلس التأسيسي قبل الساعة السابعة من صباح اليوم الحادي عشر من حزيران، وأن تصدروا التعليمات بواسطة وزير الداخلية لغلق بناية المجلس فوراً، وإحاطتها وما يجاورها بقوة من الشرطة تكفي لتنفيذ هذا الأمر}. (9)

حاول الملك فيصل وبحضور رئيس الوزراء [جعفر العسكري] وزعيم المعارضة [ياسين الهاشمي] إيجاد حل لهذه الأزمة مع المندوب السامي، وجرى بحث مستفيض حول السبل الممكنة لذلك، وقد طلب المندوب السامي أن يدعى المجلس التأسيسي إلى عقد جلسة له فوق العادة، وقبل منتصف الليل من هذا اليوم ويبرم المعاهدة كحل أخير ونهائي، وإلا يجب أن يحل المجلس.

وعلى الفور أمر الملك باستدعاء رئيس المجلس إلى الحضور، وطلب إليه الملك والمندوب السامي أن يجمع أعضاء المجلس هذه الليلة ويقرّ المعاهدة دون تأخير.

خرج رئيس المجلس وبصحبته رئيس الوزراء، واحد مرافقي الملك، وبقي المندوب السامي في البلاط ليواصل الضغط على الملك لإقرار المعاهدة قبل الساعة الثانية عشرة ليلاً، وصار مدير الشرطة يرافقه مرافق الملك وعدد من أفراد الشرطة يدورون على أعضاء المجلس ويرغمونهم على حضور الجلسة لأجل إقرار المعاهدة في تلك الليلة، فقد ذكر الحاج ناجي،أحد أعضاء المجلس أن الشرطة انتزعته من سريره وحشرته في السيارة وهو لا يعرف إن كانوا سيأخذونه إلى المشنقة أم إلى السجن، فقد كان من معارضي المعاهدة. (10)

رابعاً:المجلس يجتمع ليلاً،ويقر المعاهدة تحت التهديد:

استطاع مدير الشرطة ورجاله جمع 68 نائباً في ليلة 10 / 11 حزيران 1924 قبل منتصف الليل، وأعلن رئيس المجلس [ عبد المحسن السعدون ] عن افتتاح الجلسة، حيث تحدث إلى الحاضرين من أعضائه قائلاً:{كان مجلسكم العالي قد أجل جلسته إلى يوم الغد (الأربعاء) غير أن جلالة الملك أبلغني بأن فخامة المندوب السامي قد أبلغ جلالته بأنه لا يمكن تأجيل المذاكرات إلى الغد، لأنه يعد ذلك رفضاً للمعاهدة، وعليه فقد دعوتكم إلى الاجتماع، ومن وظيفتي أن أبلغكم ذلك}. (11)

لم يكن أمام المجلس إلا إقرار المعاهدة في تلك الليلة، حيث جرى التصويت عليها على عجل، وتحت التهديد بحل المجلس، وقد وافق عليها 37 نائباً وعارضها 24، وامتنع عن التصويت 8 أعضاء، وبذلك أقرت المعاهدة من قبل المجلس التأسيسي .

ُسرّ المندوب السامي لإقرار المعاهدة، وهرع إلى البلاط الملكي حيث اجتمع إلى الملك فيصل وأبلغه أن الحكومة البريطانية تعتبر تصويت المجلس على المعاهدة وذيولها على النحو الذي تم يفي بالشروط المطلوبة في المادة 18 من المعاهدة والتي تنص على أن المعاهدة لا تبرم من قبل الفريقين الساميين المتعاقدين إلا بعد قبولها من المجلس التأسيسي .

ولا بد أن أشير هنا إلى أن الأعضاء الذين وافقوا على المعاهدة قد أضافوا فقرة تقول:{ وتصبح هذه المعاهدة واتفاقياتها لاغية لا حكم لها إذا لم تحافظ الحكومة البريطانية على بقاء ولاية الموصل ضمن العراق }.

وبعد توقيع المعاهدة وحصول الإمبرياليين البريطانيين على الامتيازات النفطية صادقت عصبة الأمم في 16 كانون الأول 1925 على عائدية ولاية الموصل للعراق، وجعل حدود العراق وفقاً لما يسمى [ خط بروكسل ] ودعت عصبة الأمم العراق إلى عقد معاهدة مع بريطانيا تضمن استمرار الانتداب على العراق لمدة 25 سنة، وبالفعل تم إقرار المعاهدة الجديدة في البرلمان في 18 كانون الثاني 1926، رغم معارضة النواب الوطنيين الذين طلبوا إحالتها إلى لجنة برلمانية لدراستها ولكن دون جدوى .

أما تركيا فقد خضعت للضغط البريطاني، ووافقت على بقاء ولاية الموصل ضمن العراق، وذلك بموجب المعاهدة العراقية البريطانية التركية المعقودة في 5 حزيران 1926،على أن تمنح الحكومة البريطانية تركيا نصف مليون ليرة بريطانية تعويضاً عن حصتها في البترول، بعد أن فشلت في إقناع بريطانيا بمنحها ولاية الموصل،لقاء منحها بريطانيا امتياز استخراج النفط واستثماره فيها، لكن الحكومة البريطانية رفضت العرض التركي لأنها وجدت مصلحتها في إعادة الولاية إلى العراق بعد أن ضمنت هيمنتها المطلقة على العراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بموجب المعاهدة التي فرضتها على المجلس التأسيسي فرضاً . وقد وجدت من الضروري أن يطلع عليها القراء لما فيها من إجحاف بحق العراق وفيما يلي نصها:

خامساً: نص المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1922

جلالة ملك بريطانيا جلالة ملك العراق

بما أن جلالة ملك بريطانيا قد أعترف بفيصل أبن الحسين ملكاً دستورياً على العراق، وبما أن جلالة ملك العراق يرى من مصلحة العراق، ومما يؤول إلى تأمين سرعة تقدمه، أن يعقد مع جلالة ملك بريطانيا معاهدة على أسس التحالف.

وبما أن جلالة ملك بريطانيا قد أقتنع بأن العلاقات بينه وبين جلالة ملك العراق يمكن تحديدها الآن بأحسن وجه، وهو عقد معاهدة تحالفيه كهذه، تفضيلاً لها على أي وسيلة أخرى، فبناء على ذلك قد عين المتعاقدان الساميان وكيلين عنهما مفوضين لأجل القيام بهذا الغرض وهما:

من قِبل جلالة ملك المملكة المتحدة بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار إمبراطور الهند السير [بيرسي كوكس ] المعتمد السامي البريطاني في العراق.

ومن قبل جلالة ملك العراق صاحب السماحة والفخامة عبد الرحمن النقيب رئيس الوزارة العراقية، ونقيب أشراف بغداد اللذان بعد أن تبلغ كل منهما أوراق اعتماد الآخر، ووجداها طبقاً للأصول الصحيحة المرعية، قد اتفقا على ما يأتي:

المادة الأولى:

بناء على طلب جلالة ملك العراق يتعهد جلالة ملك بريطانيا بأن يقوم في أثناء مدة هذه المعاهدة، مع التزام نصوصها، ما يقتضي لدولة العراق من المشورة والمساعدة بدون أن يمس ذلك بسيادتها الوطنية، ويمثل جلالة ملك بريطانيا بمعتمد سامٍ، وقنصل جنرال تعاونه حاشية كافية.

المادة الثانية :

يتعهد جلالة ملك العراق بأن لا يعيّن مدة هذه المعاهدة موظفاً ما في العراق من تابعية غير عراقية في الوظائف التي تقتضي إرادة ملكية بدون موافقة جلالة ملك بريطانيا، وستعقد اتفاقية منفردة لضبط عدد الموظفين البريطانيين، وشروط استخدامهم على هذا الوجه في الحكومة العراقية.

المادة الثالثة:

يوافق جلالة ملك العراق على أن ينظم قانوناً أساسياً، ليعرض على المجلس التأسيسي العراقي، ويكفل تنفيذ هذا القانون الذي يجب أن لا يحتوي على ما يخالف نصوص هذه المعاهدة، وأن يأخذ بعين الاعتبار حقوق ورغائب ومصالح جميع السكان القاطنين في العراق، ويكفل للجميع حرية الوجدان التامة، وحرية ممارسة جميع أشكال العبادة بشرط أن لا تكون مخلة بالآداب والنظام العموميين، وكذلك يكفل أن لا يكون أي تمييز بين سكان العراق، بسبب القومية أو الدين أو اللغة، ويؤمن لجميع الطوائف عدم نكران أو مساس حقها بالاحتفاظ بمدارسها لتعليم أعضائها بلغاتها الخاصة،على أن يكون ذلك موافقاً لمقتضيات التعليم العامة التي تفرضها حكومة العراق، ويجب أن يعين هذا القانون الأساسي الأصول الدستورية، تشريعية كانت أم تنفيذية، التي ستتبع في اتخاذ القرارات في الشؤون المهمة المرتبطة بمسائل المالية، والعسكرية.

المادة الرابعة:

يوافق جلالة ملك العراق، وذلك من غير المساس بنصوص المادتين 17و 18 من هذه المعاهدة،على أن يستدل بما يقدمه جلالة ملك بريطانيا من المشورة بواسطة المعتمد السامي جميع الشؤون المهمة التي تمس بتعهدات جلالة ملك بريطانيا الدولية والمالية، وذلك طول مدة هذه المعاهدة، ويستشير جلالة ملك العراق المعتمد السامي الاستشارة التامة فيما يؤدي إلى سياسة مالية ونقدية سليمة، ويؤمن ثبات وحسن نظام مالية الحكومة العراقية مادامت تلك الحكومة مديونة لحكومة صاحب الجلالة البريطانية.

المادة الخامسة:

لجلالة ملك العراق حق التمثيل السياسي في لندن، وغيرها من العواصم

والأماكن الأخرى، مما يتم الاتفاق بين الفريقين الساميين المتعاقدين، وفي الأماكن التي لا ممثل فيها لجلالة ملك العراق، يوافق جلالته على أن يعهد إلى جلالة ملك بريطانيا بحماية الرعايا العراقيين فيها، و جلالة ملك العراق هو الذي يصدر التصديق على أوراق اعتماد ممثلي الدول الأجنبية في العراق بعد موافقة جلالة ملك بريطانيا على تعينهم.

المادة السادسة:

يتعهد جلالة ملك بريطانيا بأن يسعى بإدخال العراق في عضوية عصبة الأمم في أقرب ما يمكن.

المادة السابعة:

يتعهد جلالة ملك بريطانيا بأن يقدم من الإمداد والمساعدة لقوات جلالة ملك العراق المسلحة ما يتفق عليه من وقت لآخر الفريقان المتعاقدان الساميان، وتعقد بينهما اتفاقية منفردة لتعيين مقدار هذا الإمداد، وهذه المساعدة وشروطها، وتبلغ هذه الاتفاقية إلى مجلس جمعية الأمم.

لمادة الثامنة:

لا يتنازل عن أراضى ما في العراق، ولا تؤجر إلى أي دولة أجنبية، ولا توضع تحت سلطتها بأي طريقة كانت. على أن هذا لا يمنع جلالة ملك العراق من أن يتخذ ما يلزم من التدابير لإقامة الممثلين السياسيين، ولآجل

القيام بمقتضيات المادة السابقة.

المادة التاسعة :

يتعهد جلالة ملك العراق بقبول الخطة الملائمة التي يشير بها جلالة ملك بريطانيا، ويكفل تنفيذها في أمور العدلية لتأمين مصالح الأجانب، بسبب عدم تطبيق الامتيازات والصيانات التي كان يتمتع بها هؤلاء بموجب الامتيازات الأجنبية،أو العرف، ويجب أن توضع نصوص هذه الخطة في اتفاقية منفردة، وتبلغ إلى مجلس جمعية الأمم.

المادة العاشرة:

يوافق الفريقان الساميان المتعاقدان، على عقد اتفاقية منفردة، لتأمين تنفيذ المعاهدات أو الاتفاقات ،أو التعهدات، التي قد تعهد جلالة ملك بريطانيا بأن تكون نافذة فيما يتعلق بالعراق، وجلالة ملك العراق متعهد بأن يهيئ المواد

التشريعية اللازمة لتنفيذها، وتبلغ هذه الاتفاقات إلى مجلس جمعية الأمم.

المادة الحادي عشرة :

يجب أن لا يكون ميّزة ما في العراق للرعايا البريطانيين، أو لغيرهم من رعايا الدول الأجنبية الأخرى، على رعايا أية دولة هي عضو في جمعية الأمم، أو رعايا أي دولة مما قد وافق جلالة ملك بريطانيا ،بموجب معاهدة، على أن يضمن لها عين الحقوق التي تتمتع بها فيما لو كانت من أعضاء الجمعية المذكورة، وتشمل كلمة رعايا الدولة الشركات المؤلفة بموجب قوانين تلك الدولة في الأمور المتعلقة بالضرائب، أو التجارة، أو الملاحة، أو ممارسة الصناعة والمهن، أو معاملة السفن التجارية، أو السفن الهوائية الملكية، وكذلك يجب أن لا تكون ميزة ما في العراق لدولة ما من الدول المذكورة على الأخرى فيما يتعلق بمعاملة البضائع الصادرة منها أو المصدرة إليها، ويجب أن تطلق حرية مرور البضائع وسط أراضي العراق بموجب شروط عادلة.

المادة الثانية عشرة : . لا تتخذ وسيلة ما في العراق لمنع أعمال التبشير،أو المداخلة فيها ،أو لتميّز مبشر على غيره بسبب اعتقاده الديني أو جنسيته على أن لا تخل

تلك الأعمال بالنظام العام، وحسن إدارة الحكومة.

المادة الثالثة عشرة :

يتعهد جلالة ملك العراق بأن يساعد بقدر ما تسمح به الأحوال الاجتماعية والدينية وغيرها على تنفيذ كل خطة عامة تتخذها جمعية الأمم لمنع الأمراض ومقاومتها، ويدخل في ذلك أمراض الحيوانات والنباتات.

المادة الرابعة عشرة :

يتعهد جلالة ملك العراق بأن يتخذ الوسائل اللازمة لسن نظام الآثار القديمة في خلال اثنتي عشر شهراً من تاريخ العمل بهذه المعاهدة، ويكفل تنفيذه.

ويكون هذا النظام مؤسساً على القواعد الملحقة بالمادة 421 من معاهدة الصلح الموقع عليها في [سيفر] في 10 آب 1920، فيقوم مقام النظام العثماني السابق للآثار القديمة، ويضمن المساواة في مسائل تحري الآثار القديمة بين رعايا جميع الدول، من أعضاء جمعية الأمم، ورعايا أية دولة مما قد وافق جلالة ملك بريطانيا بموجب معاهدة،على أن يضمن لها عين الحقوق التي تتمتع بها فيما لو كانت من ضمن أعضاء جمعية الأمم.

المادة الخامسة عشرة:

تعقد اتفاقية لتسوية العلاقات المالية بيم الفريقين الساميين ينص فيها من جهة على تسليم حكومة جلالة ملك بريطانيا إلى حكومة العراق ما يتفق عليه من المرافق العمومية، وعلى تقديم حكومة جلالة ملك بريطانيا مساعدة مالية حسبما تقتضيه الحاجة في العراق من وقت إلى آخر، وينص من جهة أخرى على تصفية حكومة العراق تدريجياً جميع الديون المتكبدة في هذا السبيل، وتبلغ هذه الاتفاقية إلى مجلس جمعية الأمم.

المادة السادسة عشرة:

يتعهد جلالة ملك بريطانيا، على قدر ما تسمح به تعهداته الدولية، بان لا يضع عقبة ما في سبيل ارتباط دولة العراق، لمقاصد جمركية وغيرها، مع من يرغب من ذلك من الدول العربية المجاورة.

المادة السابعة عشرة:

في حالة وقوع خلاف بين الفريقين المتعاقدين الساميين فيما يتعلق بتفسير نصوص هذه المعاهدة، يعرض الأمر على محكمة العدل الدولية الدائمة المنصوص عليها في المادة 14 من عهد جمعية الأمم، وإذا وجد في حالة كهذه أن هناك تناقضاً في المعاهدة بين النص الإنكليزي والنص العربي، يعتبر النص الإنكليزي المعول عليه.

المادة الثامنة عشرة:

تصبح هذه المعاهدة نافذة العمل حال ما تُصدّق من قبل الفريقين المتعاقدين الساميين بعد قبولها من المجلس التأسيسي، وتظل معمولا ًبها لمدة عشرين سنة، وعند انتهاء هذه المدة تفحص الحالة، فإذا إرتأ الفريقان الساميان المتعاقدان أنه لم يبقَ حاجة إليها يصار إلى إنهائها ،ويكون أمر الإنهاء عرضة للتثبيت من قبل جمعية الأمم، ما لم تدخل المادة السادسة في حيز التنفيذ قبل ذلك التاريخ، وفي الحالة الأخيرة يجب أن يبلغ إشعار الإنهاء إلى مجلس جمعية الأمم، ولا مانع للفريقين الساميين المتعاقدين من إعادة النظر من وقت لأخر في شروط هذه المعاهدة، وشروط الاتفاقية المنفردة الناشئة عن المواد 7، 15، 17، بقصد إدخال ما يترائى مناسبته من التعديلات، حسبما تقتضيه الظروف الراهنة آنئذٍ، وكل تعديل يتفق عليه الفريقان الساميان المتعاقدان يجب أن يبلغ إلى مجلس جمعية الأمم، ويجب أن تتبادل تواقيع التصديق في بغداد. وقد وضعت هذه المعاهدة بالإنكليزية والعربية، وستبقى صورة منها بكل من اللغتين في خزانة سجلات حكومة صاحب الجلالة البريطانية. وللبيان قد وقع الوكيلان المفاوضان المختصان على هذه المعاهدة وثبتا ختميهما ع، الموافقلت في بغداد عن نسختين اثنتين، في اليوم العاشر من شهر تشرين الأول سنة 1922،الموافق لليوم التاسع عشر من شهر صفر سنة 1341هجرية .

بيرسي كوكس عبد الرحمن النقيب المعتمد السامي لجلالة ملك بريطانيا رئيس وزراء العراق  حامد الحمداني – مفكر حر

توثيق الحلقة الثانية

(1)العراق ـ الكتاب الأول ـ ص 356 ـ حنا بطاطو .

(2) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ ص 38 ـ عبد الرزاق الحسني.

(3) العراق ـ الكتاب الأول ـ ص 369 ـ حنا بطاطو .

(4) المصدر السابق.

(5) نفس المصدر السابق ـ ص370 .

(6) صحيفة العالم العربي ـ العدد 58 ـ في 1 حزيران 1924 .

(7) نفس المصدر ـ العدد 65 ـ في 10 حزيران 1924 .

(8) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ ص 228 ـ عبد الرزاق الحسني.

(9) نفس المصدر السابق .

(10)مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي ، المجلد الأول ـ ص 431 .

(11)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ ص 232 ـ الحسني.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

سوريا ليست قطعة من الجبن!

راجح الخوري:  النهار اللبنانية

كل الطرق المتصلة بالازمة السورية ستقود الآن الى موسكو بعدما رسا “الالتزام” عليها لأن الاهتمام الاميركي يتجه الى جنوب شرق آسيا لترسيخ مواقع ضرورية لمواجهة التسونامي الاقتصادي الصيني، وهكذا ستبدو العاصمة الروسية وكأنها مربط خيل العرب والسوريين!

اقول هذا ليس لأن “المنتدى الروسي – العربي” عاود اجتماعاته بعد توقف سبّبه دعم الكرملين للاسد، ولا لأن موسكو التي ودّعت العاهل الاردني ستستقبل وليد المعلم الاثنين ومعاذ الخطيب من بعده ثم مسعود البارزاني، بل لأن شعار باراك اوباما الذي كان في العامين الماضيين “دعوا الروس يشنقون انفسهم بحبال الاسد” ربما صار الآن “دعوا الروس يحترقون بالنار السورية”!

إذاً على الرفيق سيرغي لافروف ان يضع اللغة الخشبية جانباً ليتحدث كوسيط لا كفريق منحاز الى اعمال القتل التي يمارسها النظام منذ عامين. ولكن أوَليس على موسكو ان توقف شحن السلاح الى الاسد قبل ان يقول لافروف “لا يمكن اياً من الطرفين الرهان على الحل العسكري، وان استمرار النزاع طريق مدمر وقد آن الاوان لوقفه”؟

عملياً لا يمكن لافروف التحرك كوسيط على طريقة محمد مرسي، الذي خصص مقعداً للايرانيين في الحل جعل السعوديين والقطريين يستنكفون، فموسكو تراهن حتماً على دور لطهران في حين يبرز غياب الرياض والدوحة عن المنتدى والحل العتيد. عملياً ايضاً ليس كافياً ايحاء لافروف للعرب انه بدأ يرى بالعينين عندما يحمّل الاسد مسؤولية افشال مساعي كوفي انان والاخضر الابرهيمي [الذي سال لعابه الآن فقرر تمديد مهمته “المستحيلة” ستة اشهر] فيقول: “مهم ان يلقى استعداد المعارضة للحوار تأكيداً من الحكومة على استعدادها ايضاً للحوار، والآن حان وقت تأكيد الاقوال بالافعال”!

ولماذا “الآن” بعدما عملت موسكو منذ عامين على افشال كل الحلول فأقفلت مجلس الامن بـ”الفيتو” وراهنت على الحل العسكري، هل لأن اميركا قررت ان تتراجع الى الظل مرحلياً لتضع “كرة النار” في ايدي الروس، بعدما باتت ترى ان المنطقة كلها ذاهبة الى الاهتراء والصراعات المذهبية، فما المانع من ترك قياصرة الكرملين الجدد يحرقون اصابعهم في الشرق الاوسط والخليج؟!

عندما يتحدث لافروف عن تفاؤله المستجد باستعداد النظام والمعارضة للحوار فانه يراهن على: 1- الضوء الاخضر الاميركي الذي حصلت عليه موسكو شرط ضرب جبهة “النصرة”. 2 – انهاك المعارضة بعدم تسليحها وبتكثيف القصف الجوي. 3 – قدرة موسكو على فرض الحل على الاسد… ولكن كيف يمكن ادارة حوار ناجح فوق كومة من 70 الف قتيل، وفي حضور شريك مضارب هو ايران يريد حصته من الجبنة السورية، وفي غياب الشركاء الاصليين وهم العرب والخليجيون الذين يرفضون تحويل سوريا وثورتها مجرد قطعة من الجبن؟!

Posted in فكر حر | Leave a comment

الأعمى الذي قادَ المُبْصِرينَ

القدس العربي

رمِ نَظَّارَتَيْكَ..ما أَنْتَ أَعْمَى إنَّما نحنُ جَوْقَةُ العُمْيَانِ

بهذا خاطبَ الشَّاعرُ السوريُّ، الراحل، نزار قباني، طه حسين، في حفلٍ تأبينيٍّ، بجامعة الدول العربية، عام 1973. وكانت قصيدة نزار قباني، إشادة بفكر طه حسين، وبجرأته، فهو ‘سارق النار’، كما يصفه، بما تعنيه العبارة من إشارة لبرومثيوس، الذي ضحَّى بنفسه من أجل الآخرين. كما كانت نقداً لا ذعاً، وحارقاً للمثقفين، ممن صاروا بهلوانات في يد ‘السلاطين’، و ‘خِرْفاناً’، في إشارة إلى شجاعة طه حسين، هذا الأديب والمفكر البروميثوسي، الاستثنائي، الذي واجَهَ بفكره، ثقافة التقليد، والجمود والتكرار، وكان مثالاً، للكاتب الذي لم يهدأ، أو يخضع، أو يتراجع عن أفكاره، رغم كل ما تعرَّض له من مضايقات، ومُماحَكاتٍ، ورغم ما تعرض له من تعسُّف، بإقالته من منصبه، أو بنقله من قِبَل وزير المعارف من كلية الآداب، إلى وزارة المعارف العمومية، ليقوم بوظيفة مساعد لمراقبة التعليم الأوَّلي.

تبنَّى طه حسين الفكر الحر، واعتبر العقل هو أداة هذا الفكر. فالعقل عنده ينتقد ويُفكِّر، ويعيد النظر، في كل شيء، فهو كما يهدم ليبني، فهو يبني ليهدم، بما يعنيه الهدم من مراجعة ونقد واختبار. وهذا هو جوهر فكر الإغريق الذين كانوا لا يتردَّدُون في هدم الأساسات، كُلَّما بَدا لَهُم أنَّ البناءَ يحتاج للمراجعة، أي للهدم وإعادة البناء.

هذا النوع من التَّفكير، وهذا الاختيار الفكري والنقدي، في تكوين طه حسين، وفي معرفته، هو ما سيُؤَلِّب عليه جهات وأطراف مختلفة، وما سيضعه في مَهَبِّ النقد، أو الهجوم الذي كان، في أغلبه آتياً من الأرثودكسيين، من رجال الدين، كما سَمَّاهُم، في خطابه الذي كان وَجَّهَه لعلي عبد الرازق، حين تمَّ إخراجُه من الأزهر، ومُحاصرتَه، بسبب كتابه ‘الإسلام وأصول الحكم’.

فإذا كان معروفاً سبب صراع طه حسين مع الأزهر، باعتباره طالباً سابقاً بهذه المؤسسة الدينية التقليدية، وما تعرَّض له من اضطهاد، من بعض الفقهاء، بما كان يطرحه من أسئلة، وما كان يُبديه من اعتراضات وملاحظات وانتقاداتٍ، لم تكن تروق لهؤلاء الفقهاء الذين أَلِفُوا طاعَةَ الطُّلاَّب، واستظهارَهُم لِما يعطونه من دروس وشروحات، فهو، في هذه المواجهة، التي ستبقى قائمةً، في كتاباته، وفي محاضراته وحوارته، وخصوصاً في سيرته ‘الأيام’، كان يُصِرُّ على فِكْرٍ تحديثيٍّ جديد، لم يكن هو فكر الأزهر الذي كان غارقاً في التقليد، وفي مفهوم مغلق للمعرفة، التي ظل يحصرها في تأويلٍ للدين، وفي رؤية، كان طه حسين، وقبله الشيخ محمد عبده، يراها عاجزةً عن النهوض بالأمة، والخروج بها من نَفَق الجهل والتخلُّف اللذين غَرِقَت فيهما.

وفي الوقت الذي كان محمد عبده، هذا السلفيّ الإصلاحيُّ، حريصاً على ‘حرية الفكر’، وعلى ‘التوفيق بين العلم والدين’، رأى، طه حسين، أنَّ حملةَ الخديوي على التجديد والمجددين، كانت، في أساسها،حملةً ضدَّ الشيخ محمد عبده، الذي اضْطُرَّ لإنهاء دروسه بالأزهر.

فما كان يجرى في مصر، آنذااك، من مقاومة للتغيير والتجديد، من قِبَل الأزهر، ومن قِبَل مؤسسات الدولة، التي كانت تابعةً لهذا النظام الفكريّ المغلق، والمتخلف، هو ما كان يُسَمِّيه طه حسين بـ ‘الظلمة الفكرية والوجدانية العظيمة’، كونها كانت تمس الأمة في عقلها، وطريقة فكرها ونظرها، وفي ما كانت تعمل على تثبيته من قيم مُنْتَهِيَة ومُتلاشية تدعو ‘للرثاء’.

يقول طه حسين، في هذا السياق ‘ ولسنا بحاجة إلى أن نكون فلاسفة أو علماء أخلاق لكي نحاول الآن استخلاص بعض النتائج، ولكي نسعى إلى وضوح الرؤية، في هذه الظلمة الفكرية والوجدانية العظيمة التي نتخبَّط فيها على نحو مثير للرثاء’،

عودة طه حسين، لفتح ملف التعليم، ووضعه في واجهة ما خاضه من معارك، كان بين ما وضعه بين أولويات انشغالاته. فهو حين كان مُدَرِّساً بالجامعة، كان يعمل على وضع الطلبة في مواجهة الفكر الحديث، وما كان يُدَرِّسُه من نصوص، سواء في الفكر اليوناني القديم، أو في الثقافة العربية القديمة، من شعر وتاريخ وفلسفة، فهو كان يضع الماضي، في مواجهة الحاضر، أو بالكشف عن نبض الصيرورة والتَّجَدُّد، في هذا الماضي، وقابليته للحياة، ليس باعتباره استعادةً وتكراراً، أو بإزالة ‘الشُّبُهات’ عنه، بل كونه إنتاجاً إنسانياً قابلاً للمُساءلة والمحاكمة، لكن باستعمال العقل، ووفق رؤية منهجية جديدة، ومعرفة مفتوحة على الفكر الإنسانيّ الذي يكون إضافَةً وكشفاً.

فهو لم يكن ضِدَّ، القديم، لأنه قديم، بل لأن في هذا القديم، ما لم يَعُد قابلاً للحياة، أو قديم لا يقبل الصيرورة والتَّجَدُّدَ، أو كما كان يقول طه حسين، في أكثر من مكان، ‘إن القديم لا ينبغي أن يُهْجَر لأنه قديم، وإنما يُهْجَر القديم إذا بَرِئَ من النفع’ و ‘الحضارة الإنسانية الحقَّة، لا تُنْكِر القديم، وإنما تحميه لأنها تقوم على أساسٍ منه متين، ولولا القديم، ما كان الحديث، فليس التجديد في إماتة القديم، بل في إحيائه’.

ففي سياق هذا المشروع التعليميّ الثقافي الكبير، الذي خاضه طه حسين على عاتقه، في دروسه، كان يذهب إلى ضرورة نشر التنوير، بوضع المعرفة، قديمها وحديثها، عربيها وأجنبيِّها، موضع بحث وقراءة ونقد ومساءلة، لِنَخْلِ هذه النصوص، وغربلتها، مما يكون دخلَها من شوائب، عَطَّلَت قدرتها على الكلام، أو وضعتها خارج سياقها التاريخي والمعرفي، ما جعلها تكون نصوصاً، لا تفي بشرط هذا السياق، وتقول أموراً خارجةً، أو بعيدة عنها.

فالطالب الذي سيتمكَّن من مواجهة المعرفة الإنسانية، بعقل يَقِظ، ناقد، ومُتَحَفِّز، هو نفسه المعلم، أو المدرِّس الذي سيأخذ بيد الأجيال القادمة، لِيُخْرِجَها من هذه الظلمة التي كانت تمنع النظر، والمساءلة، وتكتفي بالشر، وشرح الشرح، أو بوضع حواشٍ لهذه الشروح، دون أية فائدة، أو إضافة.

الكُتب والمراجع التي كان يُدَرِّسُها لطلبته، كانت جديدة، وكانت خارجةً عن نظام الخطاب التقليدي. فهو حين شرع في تدريس المسرح اليوناني القديم، مثلاً، كان يرى فيه ‘مسرحَ فكرٍ’، وليس مسرح تسلية فارغة، أو مضيعةً للوقت، كما كان سائداً آنذاك في الوعي العام.

في عام 1939 تعرَّض ‘العميد’ لهجوم من قِبَل عدد من الشبان من خارج الكلية، كانوا يهتفون بسقوط الكلية وحياة الإسلام! على إثر مسرحية ‘جان دارك’ التي كان قرأها على طلبته، وتعرَّض لِلشَّتْم، وكل أنواع السَّبِّ والقدف، ما جعله يعود إلى بيته، ويبعث باستقالته، احتجاجاً على هذا السلوك الذي لا علاقة له بفكر الكلية، ولا بما يمكن أن تؤول إليه أمة تسعى للرُّقِيّ والنهوض.

فالجامعة، كانت هي الأرض التي عليها استنْبَت طه حسين الفكر التحديثي، وكانت مختبر تجربة، فيه عرف طبيعة ما تعانيه الأمة من أمراض، وما ينبغي تصحيحه، وتقويمُه ومعالجتُه، من هذه الأمراض.

حين تولَّى منصب وزير المعارف، كانت ‘مجانية التعليم’، و ‘عموميته’، بين ما اتَّخَذَه من خطوات، للخروج بالبلاد من تعليم النُّخَب، والأعيان، أو اعتبار التعليم امتيازاً لفئة، مقابل أخرى. فكان شعاره الشهير الذي سيكون مقدمة لِما سيجري، في ما بعد، في بقية البلدان العربية، ‘التعليم كالماء والهواء’. فكما لا تُمْكِن الحياة بدون أوكسجين، فالحياة غير ممكنة بدون ماء، بدليل ما جاء في القرآن ‘وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيٍّ’، وهو ما ينطبق على التعليم، الذي هو ماءٌ وهواء، في نفس الوقت، فالأمة التي تفشل في تعليمها، أو تجعله تعليمَ نُخَبٍ، أو كما كان المغاربة يصرخون في مظاهرات سنوات الستينيات ‘هذا تعليم طبقي اولاد الشَّعب في الزناقي’، فهي أمة لا يمكنها أن تخرج من أمراضها الكثيرة التي تأكلها دون هوادة، وأوَّلُها، في ما كان طه حسين يعمل على مواجهته، الفكر الأرثودكسي، الذي يرفض التحديث والتنوير، ويرفض الفكر الناهضَ، بدعوى أنه فكر أجنبي دخيل، وفكر كافرٌ.

من يقرأ كتاب ‘مستقبل الثقافة في مصر’، سيضع يده على المشروع التنويري التحديثي الذي كان طه حسين وهب حياته له. قد نختلف مع طه حسين في كثير مما جاء في الكتاب من أفكار، ومن طُروحات، لكن الكتاب، بَقِيَ علامة على فكر تعليمي تثقيفيّ، كانت المدرسة والجامعة، بالنسبة له، هي المَشْتَلَ الذي يمكن أن يساعد على الخروج من مخلَّفات الاستعمار، وتأكيد الهويات المحلية أو القومية، باعتبارها هويات متحركة، تتحاور وتتجاوب مع ما يعتمل في محيطها من أفكار، وتسعى للتبادُل والحوار، دون نقص أو دِونيةٍ، بل بـ ‘نِدِّيَةٍ’.

فكما كان طه حسين مشغولاً، في مشروعه الفكري، بنشر التعليم، فهو كان يعتبر التعليم خطوةً، في اتجاه التثقيف، الذي هو انتقال إلى مستوى آخر، أعلى وأهم من مجرد التعلٍّم.

ليس المتعلِّم، بالضرورة مثقفاً، والمثقف هو لحظة في المعرفة جد متقدمة. يقول، في التمييز بين الاثنين ‘التعلُّم كلمة إضافية، كما كان يقول أرسطاطاليس، تقبل السَّعَةَ إلى غير حَدٍّ، وتقبل الضَّيْقَ إلى غير حَدٍّ أيضاً’، وهو ما ينطبق على كلمة ‘تعليم’. أما الثقافة فهي ‘أوسع من التعليم، وليس كل متعلِّم مثقَّفاً، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة’. فـ ‘الرجل المثقف هو الذي يتهيَّأ طبعُه وعقله لقبول المعرفة، مهما تختلف فروعها، ومهما تكن مادتُها’. والمثقف لا يكتفي بما عنده من معارف، أو يعيش في انغلاق على ما اكتسبه من معارف، بل إن الثقافة، كما يراها ‘العميد’، هي صيرورة، وإضافة وتجديد، ومواكبة، لا تعرف الانقطاع، ولا تعرف الحدود. ‘فالمعرفة الإنسانية لا تعرف الحدود، وإنما هي متحركة أبداً، ومتحركة دائماً، لا يدركها لركود إلا حين تصيب الحضارة آفةً من الآفات، أو عارض من العوارض، فتمنع العقل من نشاطه، وتكف المعرفة عن المضي إلى الأمام’.

فكرٌ مُتَرَنِّح، يَقِظ، لا يعرف الإقامة، ولا الاستقرار. تَقَصٍّ وبحث، وانتقال دائم. فالتَّجَدُّد هو استمرار، وصيرورة، لا تؤمن بالمكاسب، بل هو نوع من المحنة التي لا تُتيح أي قدر من الهُدْنَة والراحة. بهذا المعنى قادَ هذا ‘الأعمى’، فكر المرحلة، وخاض كل أشكال الصراع، الفكري والسياسي والاجتماعي، لأنه كان يعرف ما يعنيه الظلام، حين يُطْبِق على العقل، أو يُصيب الأمة، في فكرها ووجدانها، وفي عقلها.

فحين خاطبَ طه حسين زوجته سوزان، وهو في لحظات احتضاره، متسائلاً، بنوع من السخرية المُرَّة ‘ أية حماقة؟! هل يمكن أن نجعل من الأعمى قائدَ سفينة؟’، فهو كان يدرك، معنى العَمَى الذي تَحَدَّث عنه، وهو ليس عمى البصر، بل إنه عمى البصيرَة، والبصيرة، هنا، ليست سوى العقل، الذي يتَكَشَّف، اليوم، بما لا يدعو لِلشَّكّ، أنه المقصود، بهذا السُّعار السلفي ، الأرثودوكسي، المتخلف، الذي، لم يكْتَفِ بقتل الفكر المّتَنَوِّر، وتكفير أعلام النهضة والتحديث، بل ذهب إلى تكسير واقتلاع، تماثيل هؤلاء، باعتبارها رموزاً، لهذا العقل الحي، اليَقِظ، الحيوي.

ما لا يدركه هؤلاء، ممن أقْدَمّوا على قطع رأس تمثال أبي العلاء المعري، واقتلاع تمثال طه حسين، أن هذين ‘الأعميين’، أدركا، بعمائهما، فظاعة الظلام، في ما عاشاه، بفقدانهما البصر، في وقت مبكر من حياتهما، فأصرَّا، في ما كتباه، على أن ينتصرا للِضَّوْء، وتحديداً، للفكر والخيال المُبْدِعَيْن، والمُحَرِّرَيْن للإنسان من قيود التقليد والتبعية، ومن هيمنة الخُرافة، واليقين، أخطر أنواع العمى، أو فقدان البصيرة، لا البصر وحده.

 
Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

استرضاء روسيا.. ونفوذها

الشرق الاوسط

في إشارة إلى دفاعية روسيا، التي تقترب من جنون الارتياب، يرى بعض المسؤولين الروس أن الضجة بشأن عمليات استكشاف النفط والغاز والنفط في الصخور الزيتية ليست سوى دعاية أميركية تهدف إلى تقويض نفوذ موسكو كمنتج للطاقة.

تتبنى روسيا في ظل فلاديمير بوتين نهجا عدائيا، هذا مؤكد. فهي تحمل قدرا كبيرا من الغضب يعكس الآمال الضائعة لقوة عظمى سقطت. لكنها لا تزال قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها، فهي في نظر كل حلفائها قادرة على مساعدة أو إعاقة الدبلوماسية الأميركية.

تحاول الإدارة الأميركية استكشاف سبل التعاون مع روسيا منذ بداية الفترة الرئاسية الثانية. ويأتي على رأس أولويات واشنطن القضايا مصدر القلق بالنسبة للإدارة – سوريا وإيران وكوريا الشمالية، إذ يعتقد البيت الأبيض أن بوتين يسعى من جانبه، بعد فترة من جمود العلاقات، إلى إعادة بناء علاقة تعاونية.

ما شجع مسؤولي البيت الأبيض هو أنه حتى في الفترة التي توترت فيها العلاقات، لم يهدد بوتين المصالح الأساسية للولايات المتحدة، مثل «مسار التوزيع الشمالي» لشحن الإمداد إلى القوات الأميركية وقوات الناتو، والعبور في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. ويؤكد مسؤول بارز: «إنهم يريدون العثور على طريق للعودة إلى علاقة مستقرة».

التعاون مع روسيا يعني تبادل الخبرات، في تأكيد لمقولة بايدن المأثور بأن «كل السياسات شخصية». كان بايدن قد تحدث مطولا إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الشهر، فيما يخطط مستشار الأمن القومي توم دونيلون لزيارة موسكو قريبا لمناقشة قضايا السيطرة على السلاح وقضايا أخرى، فيما تحدث جون كيري، وزير الخارجية الجديد مع لافروف يوم الأحد ويخطط للاجتماع معه قريبا، وسوف يلتقي أوباما بالرئيس بوتين في سبتمبر (أيلول) من العام الجاري في روسيا قبل اجتماع مجموعة العشرين.

أوضح لقاء بايدن بلافروف يوم 2 فبراير (شباط) الرغبة الجديدة في التعاون. وفي إشارة إلى تدريب روسيا الفرق العسكرية السورية التي تتعامل مع الأسلحة الكيماوية، اقترح تعاونا روسيا أميركيا في تأمين هذه الأسلحة في حال سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. وكان ذلك اعترافا ضمنيا باهتمام روسيا المستمر بسوريا بعد رحيل الأسد.

ناقش بايدن ولافروف أيضا خطر إمكانية أن تؤدي الحرب في سوريا إلى بلقنتها وتحولها إلى كنتونات عرقية. تدرك روسيا أن مثل هذه النتيجة ستضر بمصالحها.

الإسهام الدبلوماسي الذي يمكن لروسيا القيام به في سوريا اتضح في ميونيخ عندما التقى لافروف الشيخ معاذ الخطيب، الذي يقود تحالف المعارضة السورية. وفي أعقاب اللقاء أثنى لافروف على استعداد الخطيب للقاء ممثلي نظام الأسد ووعد باستمرار الاتصالات الروسية مع المعارضة السورية.

عندما اتصل كيري بلافروف يوم الأحد ناقشا سويا أهمية استخدام الولايات المتحدة وروسيا نفوذهما على الأحزاب دعما لعملية انتقال سياسية قادرة على الاستمرار، بحسب وزارة الخارجية.

وعلى الرغم من كون هذه المناورات الدبلوماسية مشجعة، فإنها لن تجدي في ضوء الدعم الروسي للأسد في حرب حصدت أكثر من 60 ألف سوري. أحد عوامل الإحباط في التعامل مع بوتين هو أن كل شيء بالنسبة له يبدو عملية تجارية. فهناك ثمن لتحقيق السلام في سوريا أو الدعم لتحجيم البرنامج النووي الإيراني، لكن ما هو؟ قد يتمكن أوباما من التوصل إلى اتفاق إذا ما علم ماهية السعر.

يؤكد منتقدو سياسة أوباما أن الحوار مع بوتين سيشجعه على مواصلة سياسته القمعية في الداخل السوري. ويمضي هذا التأكيد بالقول إن بوتين متنمر وترضيته ستثير الانتقاد. فهو يشجع حرب الأسد الوحشية في سوريا لأنه خاض معارك مشابهة ضد متمردي الشيشان. وعندما تتعاون الولايات المتحدة مع بوتين فإنها بذلك تعد متواطئة في قمعه لمعارضيه.

إذن ما الحل للمعضلة الدبلوماسية الخارجية التقليدية هذه، التي تتعارض فيها مصالح وقيم الولايات المتحدة؟ أؤكد أن الفائدة من علاقة أميركية روسية أكثر تعاونا – بشأن سوريا وإيران وكوريا الشمالية والسيطرة على السلاح وقضايا أخرى – ذات أهمية بالغة تستحق تلك التكلفة. لكن ذلك عبء ثقيل خاصة أن من سيتحمله هم نشطاء حقوق الإنسان الروس.

اختارت إدارة أوباما الأميركية خيارا استراتيجيا مماثلا في فترتها الأولى في الإدارة عندما أكدت أن إعادة ضبط العلاقات بشكل إيجابي مع روسيا يشكل أولوية قصوى وجاءت قضايا الدفاع الصاروخي وتوسع الناتو وقضايا أخرى في مرتبة متأخرة في القائمة، ليفتح هذا القرار الطريق أمام الروس لدعم قرارات الأمم المتحدة بشأن إيران.

لن تكون الفترة الرئاسية الثانية سهلة، لكنها تقدم فرصة جديدة لمعرفة ما إذا كانت هناك إمكانية لتوحيد المصالح الروسية والأميركية. وللوصول إلى مبتغاه خلال السنوات الأربع المقبلة ينبغي على أوباما أن يفتح الباب الروسي.

* خدمة «واشنطن بوست»

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

إلى أين يتجه الإسلام؟

الشرق الاوسط

«وجهةُ الإسلام» أو «إلى أين يتجه الإسلام؟»، عنوان كتاب صغير للمستشرق البريطاني المعروف هاملتون غب صدر في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، وترجم إلى العربية عدة مرات بعناوين مختلفة. وكانت الإشكاليتان اللتان تعرض لهما غب تتعلقان بمدى قدرة المسلمين على التلاؤم مع الأزمنة الحديثة لجهتين: لجهة العيش مع الآخرين في مجتمعات ودول تعددية، ولجهة العمل الفكري والفقهي على «تجديد التقليد» أو العمل على «تسويغ» المسايرة للتطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحديثة.

ومنذ كتابات غب عن الإسلام في الهند، فقد كان يساوره تخوفان أو إن شئنا الدقة تخوف ذو شعبتين: كيف يحفظ المسلمون تقليدهم العريق الذي يؤمّن تواصُل «مجتمعات الثقة والعيش»، وفي الوقت نفسه: كيف يخرجون أو هل يستطيعون أن يخرجوا، رغم قسوة ظروف الاستعمار والحداثة معا، إلى مجتمعات مدنية وحديثة؟! وما تغيرت الإشكالية كثيرا في كتابه السالف الذكر؛ لكن المجتمعات الإسلامية الكبرى كانت من وجهة نظره تتخذ منذ الخمسينات من القرن الماضي وجهة انشقاقية إذا صح التعبير: مجتمعات منكفئة على نفسها في الجانب الروحي والثقافي، وفئات عسكرية وثقافية تتشارك في إقامة أنظمة سياسية علمانية ذات توجه رأسمالي أو اشتراكي، فتضبط الداخل للحفاظ على «أهداف الثورة»، وتتحالف مع أحد القطبين لاصطناع توازن في العلاقات الخارجية في الظروف الصعبة والمصيرية.

ومنذ ذلك الحين اعتبر غب أن الضغوط الآيديولوجية والسياسية على المجتمعات، ومن الخارج والداخل، إن استمرت على الوتيرة ذاتها أو تصاعدت تبعا لتصاعد الصراعات في الحرب الباردة؛ فإن ردة الفعل ستكون مزيدا من الانكفاء على الذات والجمود على التقليد الذي يعود للانغلاق، بحيث يتواجه الإسلام ممثلا بالعامة ورجال الدين، مع الأنظمة القائمة، فيُضرب التقليد، وتصعب إقامة أنظمة سياسية منفتحة على المجتمعات، وعلى المعنى العميق للحداثة الثقافية والسياسية.

وبالفعل فإن الصدام وقع، وخلال ستين عاما امتلأت بالاضطرابات والحروب، وقد تحطم التقليد الإسلامي؛ تقليد المذاهب الفقهية والمؤسسات الدينية القائمة عليه. لكن الذين واجهوا الأنظمة والتقاليد معا، ما كانوا من المحافظين أو الليبراليين أو الثوريين أو علماء الدين بالمعاني المعروفة لهذه الفئات؛ بل الصحويون والإحيائيون الإسلاميون، الذين يحظَون اليوم بدعم فئات شعبية واسعة، ويفرضون بدائل جديدة (ذات عناوين عريقة) للسيطرة في المجتمعات والدول.

استندت الصحوية أو الإحيائية الإسلامية إلى نزوعين متلازمين: الخوف على الإسلام، والتَوق لحياة إسلامية كاملة. وللخوف على الإسلام (والمسلمين) تاريخ يعود في الحِقَب الحديثة إلى القرن الثامن عشر عندما توالى إصدار الفتاوى أن الهند ما عادت دار إسلام، وينبغي الجهاد أو الهجرة. وانطرح الأمر نفسه في الجزائر عشية احتلال الفرنسيين، ثم في السودان، والمغرب، وتونس، ووصولا إلى ليبيا التي احتلها الطليان عام 1911. وعندما أُلغيت الخلافة في تركيا عام 1924 ظهر وعي بأن عدو الداخل لا يقل هَوْلا عن عدو الخارج الاستعماري والصليبي. والطريف وذو الدلالة أن الأكثر لوعة على ذهاب الخلافة كانوا من الهنود والمصريين والجاويين، وهي بلدان ما كانت خاضعة وقتها للسيطرة العثمانية. وفي حين ظل النهضويون الساعون للتلاؤم من طريق الاجتهاد و«تجديد التقليد» يعملون على الوتيرة ذاتها من خلال الدول الوطنية الجديدة؛ فإن فئات جديدة من خارج نُخَب التقليد الإصلاحي معا بدأت بالظهور، يحركها القلق على «مصائر الإسلام»، وتريد العمل بأساليب جديدة على مكافحة الحداثة الاستعمارية، واستعادة الحياة الإسلامية الكاملة، بعيدا عن الغرب وثقافته، وعن التقليد المتداعي والمخذول.

وعبر عدة عقود، تطور لهذه الإحيائية وعيها الخاص، وأدبياتها، ودعواتها التي دارت تحت عنوانين: استعادة الخلافة أولا، ثم تطبيق الشريعة بعد ذلك. أما استعادة الخلافة فلكي تعيد السور الحصين الذي انهدم وكان يحمي – في هذا الوعي – الدين والدولة معا. وأما «تطبيق الشريعة» فمن أجل استعادة المشروعية للمجتمعات والدول، التي فارقتها بقيام الدول الوطنية الحديثة. وما استطاع هذا الوعي في عقوده الأولى تحقيق اختراقات كبرى في المجتمعات، لأن «الدولة الوطنية» كانت لا تزال تحقق إنجازات في مصارعة الاستعمار، وفي إقامة السلطات ذات الطابع التمثيلي بهذا القدر أو ذاك.

فلما ظهرت خيبات حكومات الضباط في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، تفاقم هذا الوعي الخصوصي والنضالي، وكسب فئات اجتماعية مهمشة، وأخرى كارهة للغرب وجاهليته، واتجه للتحزُّب مستظلا بوعي الهوية القوي، وراميا في الوقت نفسه لمواجهة الأنظمة والغرب، وتجاوُز التقليد، واستجلاب أو استحضار مرجعيات دينية جديدة.

كان إدوارد سعيد في «الاستشراق» (1978) قد أخذ على هاملتون غب تصوره «الجوهراني» للإسلام، تحت اسم التقليد. وهاملتون غب بروتستانتي وليس كاثوليكيا، وقد كان يعرف أن الإسلام السني – مثل المسيحية البروتستانتية لهذه الناحية – لا يملك مؤسسة دينية مقدسة. فالتقليد Tradition في تصوره هو مجموعة الأعراف الدينية والتاريخية والثقافية التي تشكل رؤية الذات والعالم، وتصون أصول العيش والتعامل، وهي بسبب التعددية والشيوع تملك القدرة على التجدد والتلاؤم إن توافرت لها النخب الدينية والإصلاحية ذات الهمّ الرسالي والنهضوي. بيد أن هذه النخب تعطلت أو اختفت تحت وطأة وعي الهوية الجارف الذي لا يقبل التصالح أو التلاؤم، وتحت وطأة «القيادات التاريخية» من أيوب خان إلى معمر القذافي وسوكارنو وصدام حسين وحافظ الأسد.

ولذا، فقد وجدت المجتمعات نفسَها تدخل في عمليات مزايدات لا تتوقف في اصطناع «الأسلمة» من الكليات وإلى تفاصيل الحياة اليومية. وتكامل في النهاية هذا الثوب الملفَّق والمحكم من مواد معروفة، لكن المظهر العام أو التركيب جديد. والأمر في ذلك كما قال الفقيه الشافعي ابن دقيق العيد عندما أُرغم على حضور مجلس لأحد كبار المتصوفة في العصر المملوكي: «ما زلت أسمع منذ العصر كلاما أعرف مفرداته، لكنني لا أتعقل معانيه!».

أين «المرجعية» الإسلامية العليا الآن، كما يقال؟ ما عادت للإسلام السني مرجعيات مشخَّصة أو مشخصنة في فرد أو أفراد أو مؤسسة أو تقليد. هناك مرجعية «الشريعة»، وهناك تأويلات وتطبيقات الإخوان أو السلفيين أو الجهاديين أو التحريريين لها! بيد أنه في وسط هذه الزوابع والانقسامات أو بسببها، أَوْكل واضعو الدستور المصري الجديد إلى الأزهر «مرجعية» تقرير مقتضيات «الشريعة»، وليس في الدين فقط؛ بل وفي إدارة الشأن العام؛ إذ في الحقبة الحاضرة فإن الدين، وإدارة الشأن العام لا ينفصلان! وهذا تكليف للدين بما لا يُطاق. إنما ما أريد الوصول إليه هنا ليس مناقشة تأثيرات هذا «التشابك» على الدين والدولة؛ بل النظر في إمكان استعادة المؤسسة الدينية قوتها وحياديتها واستقلالها، بحيث لا تقع «المرجعية العليا» هذه أو تظل واقعة في أيدي الحزبيين، ومن ضمن ذلك العبادات والفتوى والتعليم الديني والإرشاد العام.

لا أرى أن الصحويين، أو قادة الإسلام السياسي، يأتون أو سيأتون بشيء يبقى في فهم الشأن العام أو إدارته. إنما همُّنا الآن وقد تحطم التقليد ومرجعيته، ألا تضيع مجتمعاتنا بسبب فقد سكينتها وثقتها من وراء وضع المرجعية الدينية في أيدي المتصارعين على السلطة من الإسلاميين وغيرهم. هذا هو الهمُّ الآن، وهو في نظري الأََولى بالتأمل والاعتبار، سعيا لصَون الدين والدولة معا.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

قوبلاي خان‎

ربما لا يكون معروفاً لدى الكثيرين لكنه الإمبراطور الذي حكم أوسع إمبراطورية في العالم على مر التاريخ . قبل موته عام 1294 كان قد وسّع إمبراطورية جده جنكيزخان لتشمل حكم : كوريا , روسيا , التبت , أجزاء واسعه من الشرق الأوسط هي : باكستان وأفغانستان وايران والعراق وأجزاء واسعه من تركيا .

أثناء الهجوم على بغداد كان قوبلاي خان محاربا ً في الجيش المهاجم ويبلغ 40 من العمر , وبالهجوم المغولي على هنغاريا وبولونيا كان قوبلاي خان قد وصل بحدود ملكه الى وسط أوربا , عدا عن ذلك فقد كان طموحه أن يحتل اليابان وفيتنام وكمبوديا فيما تطلع الى إحتلال مصر في الشرق الأوسط .

منغوليا منطقه سهوب متحدره بين الجبال واقعه في وسط آسيا حارة جداً صيفاً وشديدة البروده شتاءا ً , ولد فيها الطفل قوبلاي عام 1215 ومثل جميع أطفال المغول بدأ وهو بعمر 3 سنوات بركوب الخيل , وبعد فترة قصيرة جداً قام قوبلاي بالبدء بصناعة مجده الشخصي , فرغم أنه طفل إبن 3 سنوات يمتطي حصانه القزم ( السي سي ) إلا أنه طارد أرنبا ًكبيرا ًوجندله برمحه … ثم سحبه مختالاً وألقاه عند قدمي جده جنكيز خان .

قام الجد المسرور بقابلية حفيده بخدش إصبعه ودهن بالدم المتدفق قطعة من اللحم المشوي الموضوع أمامه ثم قدمها الى حفيده ليأكلها ومعنى ذلك وفق العرف المغولي هو منح البركه لقوبلاي وإعتراف رسمي بأهليته في الصيد .

حين يصبح عمر الفتى المغولي 14 عاماً يبدأ تدريبه على القتال ويبقى محاربا ً الى أن يصل الى 60 أو 70 سنة من العمر , يحمل القوس والسهم ويعرف إصابة هدفه بدقة متناهيه وفي جميع الإتجاهات , ولهذا شاعت في العالم أخبار رهيبه عن الجيش المغولي الذي يهاجم المدن بمقاتلين يمتطون خيولهم تسبقهم الطبول الكبيره والأبواق والأجراس التي تقرع للحرب .

في بداية حياة هذا المجتمع المغولي كانت قبائله تحارب بعضها البعض , ولكن النبلاء من كل قبيله وحرصا ً على مصالحهم من أن يهاجمها جياع القبائل الأخرى قد رشحوا الشخص الأقوى من كل قبيله وإنتخبوه قائداً لهم يدعى ( الخان ) .. وهكذا تحول جنكيز الى جنكيزخان . ثم تحول جنكيزخان الى ( خان على جميع الخانات ) أو ( خان الخانات ) عام 1206 فقام بتوحيد جميع قبائل المغول تحت قيادته وإنطلق بهم نحو العالم .

كان المغول بدو رحل يبحثون عن الماء والحشائش لحيواناتهم وما شيتهم ولهذا كانوا يقتنون القليل جداً من الأشياء يحملونها مع خيامهم الدائريه المصنوعه من اللبّاد حيث يضعون لها أبوابا ً خشبيه تتجه نحو القطب الجنوبي لأنهم يعتقدون أن ذلك يجلب الحظ .

خيول المغول هي من الخيول القزمه ( سي سي ) لكنها خيول سريعة جداً وتستطيع الجري مسافات شاسعه دون أن تتعب , إضافة الى أنها مصدر غذاء للمقاتل حين ينعدم زاده فقد كانت تتحمل أن يُحدث راكبُها في جلدها جرحاً صغيرا ً ويبدأ بلعق كمية من دمها قبل أن يمتطيها مرة ثانية وينطلق .

بكل التقديرات كانت والدة قوبلاي إمراة ولا كل النساء , فقد تحملت مسؤولية تعليمه والتأكد من أنه يستطيع القراءه والكتابه , كما علمته التقاليد الصينيه لأن المغول كانوا معجبين بمدن الصين وحقولها المنظمه التي تتوارى خلف سور الصين العظيم الذي صمم خصيصاً ليصد عن الصين هجمات المغول .

بعد وفاة زوجها الخان فضلت والدة قوبلاي أن لا تتزوج لكنها طلبت الحكم في المقاطعة بنفسها . ومنذ تسلمها الحكم أصبح كل همها هو كيفية تحويل أولادها الأربعه الى قادة عظام من بعدها , ولهذا علّمت قوبلاي المراهق وأخوته أهمية حمايتهم وسلامتهم الجسديه , وكانت متسامحة دينيا ً بشده وأورثت تسامحها الديني هذا الى جميع أولادها .

عندما أصبح عمر قوبلاي 21 سنه منحته أمه مقاطعه ليحكمها وبمرور الوقت إكتسب سمعة عالية داخل جميع إمبراطورية المغول , فقد كان يستغرق عاماً في التخطيط لمعركه مقدرا ً كل زاوية تتعلق بما يعد له من قتال . ومثل جده جنكيزخان كان يأمر جنده بدخول المدن دون قتال فإن تعرضوا الى مقاومه فإنهم يذبحون سكان تلك المدينة بالكامل . لكنه كحاكم كان يعد عادلاً بشكل غير عادي .. صحيح أنه يسيطر على المدن بالقوه لكنها حالما تصبح تحت إمرته فإنه يحكمها بضمير ولا يحاول إستغلال خيراتها بما يثريه على حساب شعبها .

بجانب تأثير والدة قبلاي على حياته فقد كان لزوجته الثانيه تأثير كبير عليه . كان قوبلاي متزوجاً من 4 نساء وله عدد لا يحصى من المحضيات لكن ( جابي ) زوجته الثانيه كانت هي الأقوى بينهن , كانت تحلم بأن ترى نفسها إمبراطورة على دولة كبيره , ولهذا فقد كانت مستشارة زوجها ومطلعة على أدق أسراره , مثل حملاته الحربيه وخططه العسكريه وقرارات السياسيه , ولهذا كانت ترتدي الملابس العسكرية طول الوقت كالرجال وهي مدربة تدريباً عالياً على القتال , وكانت حازمة جداً لكنها متسامحة في نفس الوقت , وتتعارك مع زوجها وتنهره اذا هاجم جيشه مدينة ما بطريقة همجيه , ولهذا فمن بين 100 ولد أنجبهم قوبلاي من جميع نسائه إختار إبنها ليصبح ولي عهده .

بوصولنا الى العام 1260 كان قوبلاي قد حاز على ثقة نبلاء المغول ولهذا تم إنتخابه ( خان الخانات ) وكان له من العمر 45 عاما ً . عندها أحاط نفسه بالأذكياء ممن يستحقون الثقه من المعلمين الكونفشيوسيين , والنسّاك البوذيين , وعلماء المسلمين , ولامات التبت , وعلماء الترك . عيّن من جميع هؤلاء مجلسا ً من 40 مستشارا ً وأمرهم أن يكتبوا له 40 إقتراحاً ونصيحه يعمل بها , ثم ترسل هذه الإقتراحات في رسائل مختومه . حين فتح الرسائل فإنه كافأ بسخاء شديد أصحاب الأفكار والنصائح التي أعجبته , لكنه لم يستغن عن خدمة من لم تعجبه آرائهم .

كان متسامحاً دينيا ً مع جميع الأديان دون إستثناء ولهذا لقبه الناس ب ( الخان العظيم ) أما عن ديانته هو فقد إحتفظ لنفسه بها سراً طيلة فترة حكمه ولم يعرف أحد أنه كان وثنيا ً لا يؤمن بشي .

عوضا ً عن إعدام من يخرج على طاعته وإرادته مثلما يفعل جميع الحكّام كان قوبلاي يأمر هؤلاء الخصوم بحلق شعر رأسهم أو ترك البلاد , ولهذا نال لقب الناس له ب ( العادل ) رغم عدم إحترام بعضهم له أو كرههم له كمحتل .

رغم إتساع ملكه لكنه بقي يحلم بحكم جميع الصين , لكن الصينيين كانوا قد بنوا سور الصين العظيم لصد هجمات المغول … فكيف العمل ؟ وضع قوبلاي خطة لمهاجمة سور الصين تتلخص في إختيار مكان نائي من السور حيث يقوم رماة السهام المغول بقتل الحرس الذين يرابطون أعلى السور , فيما تقوم المنجنيقات برمي المقالع الناريه الى داخل السور لمنع إقتراب أية قوة إسناد الى المنطقه .. في نفس الوقت الذي تحمل فرق أخرى من الجيش المغولي المدامك والمعاول لعمل ثغرة في السور والتسلل منها الى داخل المدينه . وهكذا فبوصولنا الى العام 1271 إحتل قوبلاي جميع الصين وأسقط إمبراطورها وأعلن نفسه الإمبراطور الأول على الصين من سلالة ( يوان ) المغوليه .

ومع هذا فقد كانت فرصته في البقاء إمبراطورا ً ضعيفة جداً وهو لا يمتلك أكثر من كم ألف جندي مغولي مقاتل … يحيط بهم 60 مليون عدو صيني , ولهذا فقد كان على قوبلاي أن يتحول الى حاكم من طراز الحكّام الذين يقبلهم الصينيون . عندها خلع الملابس المغوليه وارتدى ثوبا ً بسيطاً أبيض اللون من الحرير الخالص , وبدأ يقرأ الفلسفه الصينيه وعلّم نفسه أن يغير أسلوب حياته الى الأسلوب الصيني تماماً .. وأخيرا ً قرر أن يبني عاصمته في الصين فجند لذلك 2800 معماري .. فكانت عاصمة الصين المعروفه الى حد اليوم : بيجين .

قصره في بيجين يضم 400 غرفه زينت كلها برسومات التنين , وفرشت بالحرير , أما كرسي العرش فقد تم تجنيده بجلد خيول بيضاء , وتم تدريب أسد وترويضه على أنه حالما يدخل الإمبراطور القاعه فالأسد يقوم من مكانه وينتظر حتى يجلس الإمبراطور على كرسي العرش فيتحرك الأسد ويأتي ليجلس عند قدمي الإمبراطور . قاعة إستقبال الضيوف فقد روِّض نمر ليتجول فيها بهدوء بين الحاضرين .

في فصل الصيف كان الإمبراطور ينتقل مع عائلته الى مقر عرشه الصيفي في مدينة ( زنادو ) التي تبعد حوالي 40 كيلومتر عن مقره الشتوي , وفي العرش الصيفي كان الإمبراطور يقضي المزيد من الوقت في حدائق القصر التي كان يربي فيها 500 نسر مدرب على الصيد , ووسط هذه الحديقه تقع ( قبة السعاده ) وهي خيمه دائريه مغوليه ثمينه , يعيش فيها الإمبراطور كما كان يعيش سابقاً كخان مغولي , وكان يحتفظ في هذا المكان بعشرة آلاف مهر أبيض , وكان شرابه المفضل هو ( الكوميس ) وهو خمر مصنوع من الحليب بعد تخميره .

في عيد ميلاد الإمبراطور كان يقيم حفله يدعو اليها 40 ألف مدعو , وكان يحميه أثناء هذه الإحتفالات 12 ألف جندي حمايه , وإضافة الى واجب الحمايه كان كل واحد منهم يحمل إناء خزفي يجمع فيه أية قشه أو ريشه أو أي ما يعكر نظافة السجاد المطعم بالذهب , وكان يمنح لكل واحد من هؤلاء الحرس 13 زي مختلف يلبسها بحسب منهاج موضوع لحفل عيد الميلاد الباذخ الذي تمتد حفلاته حتى تتداخل مع بعضها .

كان محبا ً للفنون ولهذا فقد أمر برسم اللوحات ومنح الحريه الكامله للفنانين للتعبير عن آرائهم بدون أي رقيب .

منذ عهد قوبلاي أصبح الخزف الأبيض المنقوش بالأرزرق معروفاً وهذا الخزف تم تصميمه وتصنيعه وتصديره في عهد قوبلاي .

سنوات عهده تعد سنوات الصين الذهبيه كتبت خلالها مئات المسرحيات التراجيديه لمسرح بلاط الإمبراطور قوبلاي , ومسرحيات كوميديه مليئه بمشاهد الأكروبات والبهلوانات والمهرجين والممثلين والصامتين .

كان يحترم العلماء ولأنه كان يسرف في الطعام والشراب الفاخرين فقد كان يتابع بإهتمام تواجد عدد من أمهر الأطباء حوله , وكان الأطباء يتلقون تعليمهم الطبي في الأكاديميه الإمبراطوريه الصينيه للعلوم الطبيه , ثم يتدرجون بعد تخرجهم وحسب المهاره الى 36 درجه أكاديميه في الطب .

كما قام علماؤه بتدوين كل ما كانوا يعرفونه عن العالم , مثلما إهتم بعلوم الفلك ولهذا تم في عهده وضع تقويم سنوي أكثر دقه .

إهتم بتطوير الزراعه في بلده فأسس مجلسا ً أعلى للإشراف على الأمور الزراعيه وكان هذا المجلس يوفر للفلاحين الآلات والأدوات والمواد التي تساعدهم على تحسين منتجاتهم الزراعيه . مثلما أسس مجلسا ً للضمان الإجتماعي لرعاية الفقراء والأيتام والأرامل وكبار السن .

طوّر نظام البريد بحيث تصل الرسائل بأسرع ما كانت تقدر على فعله وسائل النقل في ذلك الزمان .

إهتم براحة المسافرين فأمن الطرق بالحرس وجهزها بدور الإستراحه , يفصل أحدها عن الآخر مسافة 30 كيلومترا ً .. مجهزه بالطعام والخيول المرتاحه بما يؤمن نقل المسافر مسافة 350 كيلومتر في اليوم الواحد .

تنبه الى أهمية التعليم فسن قانون إلزامية التعليم على جميع الصبيان والبنات , الفقراء منهم والأغنياء فلا يسمح لهم بمغادرة المدرسه حتى ينجحوا في إمتحان القراءة والكتابة والحساب .

جمع كل العملة الذهبيه والفضيه التي كان يتداولها الناس وأصدر عوضا ً عنها ولأول مرة في التاريخ العملة الورقية المطبوعه على البردي ويمكن إستعمالها في جميع أنحاء إمبراطوريته .

قام بحفر قناة تربط عاصمته بيجين بنهر اليانغستي ليسهل على الناس إستعمال وسائط النقل المائيه في الإنتقال من والى بيجين , وكانت عملية الحفر سريعه جداً أجّر لها مليون عامل حفر , وتعتبر القناة الى حد اليوم أطول ممر مائي من صنع البشر في العالم .

شجّع التجاره وكان يطمح الى المزيد من المستوردين من جميع أنحاء العالم يشترون الخزف والتوابل والحرير والورق والسجاد والأدويه والذهب والمجوهرات الصينيه , ولهذا أمّن طريق الحرير البري والبحري لضمان وصول البضاعه الى وسط أوربا , ولأجله شقَّ الطرق عبر الجبال وبنى الجسور فوق الأنهار ووفّر قوافل الحراسات البريه والبحريه المرافقه للقوافل التجاريه .

في بلاطه كان يرحب بالأجانب ويدعوهم الى قص أخبار بلدانهم عليه , وكان يرجوهم أن يكونوا صادقين معه وبلا أدنى خوف منه . واحد من الأوربيين الذين أعجبوا شخصياً بالإمبراطور قوبلاي خان كان الرحّاله الإيطالي ( ماركو بولو ) الذي كان بعمر 21 سنه حين قابل الإمبراطور , فقد كان في رحلة مع والده وعمه الى ( كاثاي ) وهو الإسم القديم الذي كان الأوربيون يسمون به الصين . وبعد رحلة طويله وصلوا الى بلاط الإمبراطور قبلاي عام 1275 .

حيّاهم الإمبراطور بحفاوه وسألهم عن أخبار أوربا وعاداتها وأديانها وحروبها .. ومن جميع عجائب الصين التي شاهدها ماركو بولو في قصر الإمبراطور أو خارجه لم تصبه الدهشه الشديده إلا من شيء واحد هو : العمله الورقيه التي بإمكانها أن تشتري أي شيء .. وبدون مقابل .

لمدة 20 عاما ً كان الإمبراطور قوبلاي خان يتنقل من نجاح الى نجاح أكبر منه .. لكن السعادة لا تدوم , ففي العام 1279 توفيت زوجته المحبوبه ( جابي ) عندها فقد الإمبراطور بوصلته في الحياة , كان كسير القلب ويفتقد نصائحها الثمينه التي أوصلته الى كل هذا المجد .. وبعدها بوقت قصير مات ولده منها , عندها فقد الإمبراطور إهتمامه بالحياة وأصبح خاملاً .

شنَّ على اليابان 3 حملات كبرى فشلت جميعها فشلاً ذريعاً , ومن أجل جمع أكبر عدد من المقاتلين رفع سن الخدمة العسكريه الى عمر 80 سنه , ورغم هذا لم يحقق أي نجاح مع اليابان .

مرض الإمبراطور فجأة .. أظنه أصيب بالنقرس .. فقد بدأت أقدامه بالتورم حتى بات المشي مؤلما ً له بشده , ولهذا لم يعد يرتدي غير الأحذية المصنوعة من جلود الأسماك الطريه وكانت تصنع له في كوريا .

زاد وزنه الى الحد الذي جعله لا يستطيع إمتطاء حصان ولهذا كان عليه أن يراقب عمليات الصيد التي يحبها ممدداً على وسائده في مقصورة خشبيه محمله على ظهر فيل .

مات الإمبراطور عام 1294 وعمره 79 عاما ً فحملت جثته قافلة كبيرة جداً من المشيعين لتعود بها الى منغوليا لدفنها عند الجبال هناك , كان الإمبراطور يدرك أن الصين ليست بلاده ولا يدري ما سيحدث لجثته بعد حين إن هو دفن في الصين , ومكان دفن جثته مجهول حتى اليوم .

سلالة ( يوان ) المنغوليه التي أسسها الإمبراطور قوبلاي خان لتحكم الصين , حكمت بعده 74 سنه عندها أسقطتها سلالة ( منغ ) الصينيه وطردت جميع المغول من الصين وأعادتهم الى بواديهم في منغوليا .

ماركو بولو ألّف فصلاً عن رحلته الى ( كاثاي ) وبدأ به كتاب ( رحلات ماركو بولو ) ونشره عام 1298 فنسخ الكتاب يدويا ً وتوزعت نسخه في جميع أنحاء أوربا .

تعمم الكتاب أكثر حين طبع عام 1477 فكان الكتاب هو الدافع لكريستوف كولومبوس للإبحار الى الصين عام 1492 وهو يحمل كتاب ماركو بولو معه طيلة الرحله .

ونفس كتاب ماركو بولو كان قد الهم الشاعر كوليرج بعد تناوله جرعة كبيرة من الأفيون على كتابة قصيدته الشهيره ( قوبلاي خان ) التي قال فيها :

في زَنادو أصدر قوبلاي خان

قراراً ببناء قبّـةِ ابتهاج فخمـةٍ:

حيث جرى النهر المقدَّس، ألفْ،

خلالَ كهوفٍ لا يستطيع إنسان إدراكَ مداها

أسفلَ إلى بحرٍ لا تطلع عليه شمسٌ

لذا أُحيطتْ عشرةُ أميالٍ

من الأرض الخِصْب بحيطانٍ وأبراجٍ:

ووُجدت هناك حدائقُ زاهرةٌ بجداولَ مُتـعرِّجةٍ

حيث أزهر كثيرٌ من شجر البّخور

وهنا كانت غاباتٌ قديمة كالتِّلال

تحتضن بقعاً خضراءَ مشمسةً

ولكنْ آه ! تلك الفجوة الرومانسية التي انحدرتْ

أسفل التّلّ الأخضر عَبْرَ غابة من شجر الأرز!

مكانٌ موحشٌ قاسٍ ! تحت قمرٍ آخذٍ في المَحاق، كمكان مقدَّس

وفتّان دوماً، مسحور بامرأةٍ نادبةٍ حبيبَها الشيطانَ!

ومن هذه الفجوة، باضطرابٍ عارم دون توقّف

كما لو أنَّ هذه الأرضَ كانتْ تتنفّس بلهاثٍ ثقيل مُتسارع

تفجَّرَتْ بغتةًً نافورةٌ ضخمةٌ:

بين فتراتِ تقطّعها السّريع انفجرتْ

قِطَعٌ ضخمةٌ قافزةٌ كبَرَدٍ وثّاب

أو كهشيم القمح المتناثر تحت ضربات الدرّاسة:

وبين هذه الصّخور الراقصة انبثقَ

النهرُ المقدّسُ فوراً وإلى الأبد

خمسةَ أميالٍ متعرِّجةً بحركة محيِّرةٍ

خلالَ غابةٍ ووادٍ جرى النهر المُقدَّس

وبعدها وصل الكهوف التي لا يدرك إنسان مداها

وغارَ في جَلَبةٍ في بحرٍ لا حياةَ فيه:

ووسط هذه الجَلَبة سمع قبلاي من بعيد أصواتَ

أسلافِه متنبّئةً حرباً !

في منتصف طريقه طفا ظلُّ قُبّةِ الابتهاج على الأمواج

حيث سُمع ما اختلط

من النافورة ومن الكهوف

كان معجزةً لاختراعٍ نادر

قبّةُ ابتهاج مُشْمِسةٌ بكهوف من ثلج

صبيّةً بسُنطور

رأيتُ ذات مرةٍ في الرؤيا

فتاة حبشيّة

وعلى سُنطورها نقرتْ

مغنيّةً جبلَ أبورا

هل أستطيع أن أحْيِِيَ في داخلي

سيمفونيّتَها وأغنيتَها

بمثل هذا الإبتهاج العميق قد تملكني

بذاك، بموسيقى هادرة وطويلة

أريد أن أبني تلك القبّـةَ في الهـواء

تلك القبّة المُشمسة! تلك الكهوف من الثلج !

وكلُّ من سمع يجب أنْ يراها هناك

والكلّ يجب أن يصرخَ، حذارِ! حذارِ

عيناه المتوّهجتان، شعرهُ المُستَرسِل!

اِنسجْ دائرةً حوله ثلاثَ مراتٍ،

وأغمِضْ عينيْك برَهبة مُقَدَّسة

لأنّه تغذّى على المَنِّ

وشرب حليب الفردوس  ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

جنكيز خان‎

حينما يتحدث التاريخ عن الإسكندر الأعظم فإنه يشيد بفتوحاته , بينما حين يتحدث عن جنكيزخان فيصفه بالطاغية , هل كان الإسكندر يستقبل رعايا الدول التي يفتحها بالقبل والأحضان ؟ أم مثل جنكيزخان بالحديد والنار ؟ فلماذا وكلاهما عمل بطشا بالعباد والبلاد , يسمى الإسكندر ( الأعظم ) ويسمى جنكيزخان ( الطاغية ) ؟

مصلحة المؤرخ الذي كتب تاريخ الرجلين هي التي تقرر ذلك , يتبعها الحكم الإجتماعي المبني على ذلك من قبل عامة الناس التي تقتنع بكلام المؤرخ وتتبناه , ولهذا السبب تعمل السياسات الحديثة للدول العظمى وصاحبة المصالح حول العالم الى الكذب وتضليل الرأي العام من أجل الحصول على أحكام إجتماعية مبنية على قواعد مضللة وهكذا يتحول الطغيان الى عدالة , والظلمة الى نور , والسفاحين الى دعاة ديمقراطية حول العالم , في الوقت الذي لاينشرون فيه غير الدمار .

ظلت حياة جنكيزخان سرا من الأسرار لا يعلم أحد عنها شيئا , عاصمته كاراكوروم قطعة أرض محمية بالحجر ومليئة بتماثيل بوذا الضخمة , وخوفا من التعرض الى النبش فإن مكان قبره سار عليه 800 فارس الى أن ساووه مع الأرض تماما , ثم تم قتلهم بعد ذلك جميعا كي لا يستدل من أي واحد منهم على المنطقة التي يوجد بها القبر , وكل شيء يدل على جنكيزخان كان قد تم إتلافه , بضمن ذلك كل ما كتب عنه , كما لم يسمح جنكيزخان في حياته لأحد بأن يرسم له صورة , لذلك ظلت شخصية هذا الرجل طي الكتمان حتى العام 1880 عندما عثر على كتاب [ التاريخ السري للمغول ] في منشوريا الصينية . وقد إستغرق هذا الكتاب 100 عام الى ان تمت ترجمته الى الإنكليزية , ومن هذا الكتاب سأقوم بعرض حياة جنكيزخان منذ لحظة ولادته عام 1162 ميلادية وحتى موته عام 1227 ميلادية .

خلال حياته إحتل جنكيزخان أرضا تمتد على عرض 3000 ميل حكمها كخان أي (قائد) لملايين من البشر , ظلت حياته بينهم تشبه الأسطورة . تملأها حكايات الحروب التي خاضها والمدن التي أحرقها , مستقاة من الكتاب الذي كتب بعد موته وظل أحفاده يحفظونه بسرية تامة .

في العام 1161 قامت عصبة صغيرة من الصيادين بالسفر عبر سهوب وسط آسيا العشبية التي تعرف اليوم بجمهورية منغوليا . وذات يوم كان واحدا من هؤلاء الصيادين الذي يدعى ( ياسوجي ) والذي سيصبح والد جنكيز خان فيما بعد , يحمل نسره ويصطاد على ضفة نهر أونون حين شاهد عربة تحمل شخصين من قبيلة الماركي , قام بمساعدة أخوين له بمهاجمة العربة ففر الرجل للنجاة بحياته فيما ساق ياسوجي المرأة التي تدعى ( هوا لون ) الى بيته معتبرا إياها زوجة له . كانت المرأة مذعورة ولكن في عالم بلا قانون لم يكن لها غير قرار الإذعان .

بعد فترة قصيرة ذهب ياسوجي الى إحدى هجماته على قبائل التتار وحين عاد وجد أن زوجته قد رزقت ولدا , سماه ( تيموجين ) ولم يكن يدري أن تيموجين سيكون المقاتل الأعظم نجاحا في زمانه .

نشأ تيموجين على ضفاف نهر أونون وكان يلعب مع إخوته وأقرانه , بعمر أربع سنوات تعلم ركوب الخيل دون سرج , وإمتطاء الخيل واقفا على ظهرها . وأثناء الشتاء كان الأولاد يلعبون فوق مياه النهر المتجمدة يحمل كل واحد منهم مجموعة من عظام كعوب أرجل الغنم ليلعب بها أو يتعارك بها أو يقرأ بها الطالع ( جعاب كما نسميها باللهجة العراقية ) .

عندما صار تيموجين في التاسعة , قرر والده أن يزوجه , فركبا حصانيهما وذهبا الى بيت الحكيم داي الذي أعجب بتيموجين بشدة وعرض عليه أن يتزوج إبنته , وكانت تكبر تيموجين عاما واحدا . لذلك بقي الولد مع هذه العائلة حتى موعد الزفاف .

بعد عدة أسابيع وصلت أخبار سيئة . الأب وفي طريق عودته الى البيت , توقف للأكل في مكان ما , وحين تم التعرف عليه كعدو , وضع له السم في الأكل وهو مريض جدا بسبب ذلك الآن , حين عاد الولد لرؤية أبيه كان الوالد قد فارق الحياة منذ عدة أيام .

بدون وجود الزوج فأن والدة تيموجين لم يعد لها أي مكان في قبيلة زوجها لذلك حين إرتحلت القبيلة فقد تركوها وحدها مع خمسة أولاد , وحين إلتفت الخادم إليهم وقال إن تركهم بهذا الشكل ظلم , إلتفت إليه رئيس القبيلة وطعنه بحربة وتركه ينزف حتى مات .

إعتنت الأم بعائلتها , كان ثلاثة منهم أولادها وإثنين آخرين أولاد زوجها . توجهوا جميعا للبحث عن الطعام , الفاكهة , وجذورالأشجار التي كانت تطبخها لهم ليأكلوها , الأولاد الكبار صنعوا لها إبرا من عظام السمك والحيوانات لتحيك ملابسهم بها . وكانت العائلة تصيد السمك والكلاب والفئران لتقتات عليها , وتلبس جلودها .

سكنت العائلة في ( يارت ) أي خيمة مغولية تنصبها بقرب بعض بيوت القبائل كي لا تبقى منعزلة وحدها في تلك السهوب . ومن خلال تلك الجيرة تعرف تيموجين على صديق يدعى ( جاموكا ) كانا يصطادان سوية ويلعبان ( الجعاب ) ويتسابقان على ظهور الخيل , وبعمر 11 أو 12 سنة صار تموجين وجاموكا ( إخوة دم ) حيث تعاهدا على الصداقة والإخلاص الكامل , ثم جرحا نفسيهما وقام كل واحد منهما بشرب بعض من دم المقابل . وكما يتمكن تيموجين من تكوين أصدقاء بسهولة فكذلك يتمكن من تكوين الأعداء .

بموت الأب عن هذه الأسرة تنازع أبناؤه قيادة العائلة من بعده , وكان الأكبر فيهم ويدعى ( بختيار) وهو شقيق وليس أخ كامل , سرق من تيموجين طيرا إصطاده , ومرة أخرى سرق منه سمكة , عندها إعترض تيموجين عند والدته التي وبخته بأن على العائلة أن تتحد لأن ليس لهم من يعتمدون عليه . بقي تيموجين متذمرا وقام بإقناع أحد أخوته على قتل شقيقهما بختيار , وهكذا تم إستدراجه الى مكان بعيد , سحب الأخوين سهمين وضعاهما في الأقواس وأطلقاهما على شقيقهما وتركاه ينزف حتى الموت على الحشائش .

عند عودة الولدين الى خيمتهم صرخت الأم بغضب حين عرفت بجريمتهما التي ارتكباها بدم بارد , وقالت بأن أولادها يشبهون كلاب البرية أو الضباع أو الوحوش , وأنه لن يبقى لهم صاحب غير ظلهم . أثبت تيموجين منذ هذه السن الصغيرة انه شخص مخلص لأصدقائه وبلا رحمة مع الأعداء .

بعد القوة التي أبداها تيموجين بعد قتل أخيه بختيار بفترة قصيرة , كان عليه أن يدافع عن سمعة قوته , مجموعة مقاتلين من قبيلة تايجيو , قاموا بأسره وأقفلوا عليه نير خشبي وهو آلة ثقيلة جدا تقفل على الرقبة فلا يعود المرء قادرا على الحركة , وجعلوا خدم العوائل تراقبه بالتناوب ولهذا فكل مساء كانوا ينقلونه الى خيمة مختلفة .

إنتظر تيموجين حتى حل يوم أحد الإحتفالات , وكان حراسه سكارى , فقام بضرب حارسه على رأسه بطرف النير الخشبي ثم هرب من الخيمة , وتوارى خلف الأعشاب الطويلة عند حافة النهر . وحين إنتشر الرجال للبحث عنه عثر عليه رجل عجوز يعمل خادما في أحد بيوت تلك القبيلة لكنه لم يلق القبض عليه , حين حل الليل توجه تيموجين الى بيت ذلك الرجل , فقدموا له الطعام وكسروا نيره , فصار حرا , وتوجه الى خيمة أهله . وكانت تلك أول معركة يدخلها مع قبيلة غريبة عنه وهو لم يزل مراهقا , لكنه تدبر أمره بذكاء وشجاعة , فصار يبدو في أعين الناس وكأنه قائد .

بعمر 16 عاما قرر أن يتزوج , فعاد الى بيت خطيبته ( بورت ) ليبحث عن أمرها , دهشت العائلة لمرأى الصبي الذي خطب إبنتهم قبل 7 سنوات , حيث صار رجلا الآن , وكانوا سعداء أنه حفظ عهده معهم , وافقوا على الزواج وأهدوا تيموجين معطفا مصنوعا من فراء السمور كهدية زواج , فعاد فخورا الى خيمته مع عروسه الجديدة , التي بوجودها لم يعد وحيدا , وصار يسعى الى تكوين حياته المادية بشكل جيد .

تسكن الى الغرب منهم قبيلة ( كيرا ) المسيحية , وكانت من أثرى قبائل المغول لكونها

تتاجر مع الكثير من مدن وسط آسيا الثرية , قائد هذه القبيلة رجل يدعى ( طغرل ) يعيش في ( يارت ) مصنوع من ذهب مغزول , وأهله يأكلون بآنية من ذهب , ولزواج أميرة من هذه القبيلة على المرء أن يقدم 200 خادم كهدية .

لم يكن طغرل غير خيار صعب لابديل عنه بالنسبة لتيموجين وكان عليه أن يثق به رغم أن طغرل كان قد قتل كل أخوته ليتمكن من حكم قبيلة كيرا , وهذه الثقة قادمة من أن والد تيموجين كانت له ( أخوة دم ) مع طغرل .

ترك تيموجين عروسه في البيت ورافق إثنين من إخوته لزيارة طغرل , وقدموا له هدية هي معطف فراء السمور الذي تسلمه تيموجين هدية عرس من أهل زوجته , وقالوا له أنهم يعتبرونه بمثابة والدهم لأنه أخ دم لوالدهم الحقيقي . وقد تقبل طغرل الهدية بسعادة .

بدأ تيموجين يكسب الناس من خلال هذا التحالف مع طغرل , قدم للعيش معه شخص يدعى ( بورجو ) كان قد ساعده قبل سنوات في رد قيمة خيول قاما بسرقتها , كما قدم شخص يدعى ( جيلمو ) إتخذ منه تيموجين خادما . ولكن رغم تعاظم قوة تيموجين إلا أن جماعته بقيت صغيرة ولديها الكثير من الأعداء , وبالتحديد قبيلة الماركي أخواله _ أهل والدته التي خطفها منهم والده ياسوجي عندما كانت مسافرة مع زوجها قبل 17 عام .

صحت الجماعة صباح ذات يوم , واذا قبيلة الماركي تهاجمهم , ففر الرجال الى مناطق بعيدة وتركوا الأم وزوجة تيموجين مع الخدم ليختبئوا في مكان آخر . ولكن حين تم العثور على المرأتين , قام المهاجمون بأخذ بورت زوجة تيموجين أسيرة إنتقاما لما لحقهم من أذى من قبل والده .

حين ذهبوا خرج تيموجين من مخبأه , لكن زوجته كانت قد ذهبت , الآلهة حمته من الموت للمرة الثانية وكان عليه أن يصلي الى الشمس عند جبل يعرف بإسم ( بورخان خلدن ) . وكان عليه أن يتخذ قرارا بالإنسحاب الى غابات نهر أونون ليحمي نفسه من أعدائه قبيلتي التايجيو والماركي , ومنذ اليوم عليه أن يودع حياة الصبا .

وافق طغرل مباشرة على تزويد تيموجين ب 20 الف مقاتل لمهاجمة قبيلة الماركي , كما إنه يستطيع الحصول على 20 الف آخرين من حليف آخر هو جاموكا , أخوه بالدم الذي لم يلتق به منذ عدة سنوات , حيث بعث له رسالة أخبره فيها بخطف زوجته الذي كسر قلبه وانه محتاج الى مساعدته ليعمر قلبه من جديد .

القصة أحزنت جاموكا الذي رد على الفور بتقديم المساعدة المطلوبة لأنه هو أيضا كان يكره قبيلة الماركي . إتحدت القوتان وهاجمتا قبيلة الماركي , وإستعاد تيموجين زوجته التي كان الماركي قد زوجوها للإنتقام الى أخي زوج أم تيموجين الأول .

بعد المعركة دخل تيموجين وجماعته في قبيلة جاموكا وصاروا منهم , وأجري لذلك إحتفال عام , وتبادل هدايا ذهبية وخيول أصيلة . أمضى تيموجين وجاموكا السنة والنصف التالية معا , حيث تنامى عدد أتباعهما , وولدت بورت إبنا , والده الحقيقي من قبيلة الماركي , لكن تيموجين تقبله وعامله على أنه إبنه .

لم يكن وضع جاموكا كقائد لهذه المجموعة موضع تساؤل , بينما بقي تيموجين كتابع حتى سنة 1181 , حيث إنشقت هذه الصداقة , لأن جاموكا توقف عن معاملة تيموجين كند . ذات يوم أمر تيموجين بأن يخيم في منطقة منفصلة عن قبيلته قرب الغنم والماعز , فشعر تيموجين بالإهانة , وذهب يسأل والدته عن نصيحة فقالت له : جاموكا متضايق منا وهذا معناه قد آن وقت الرحيل . عدد كبير من أتباع جاموكا غادروا مع تيموجين . الذي شعر بالإستغراب , فبعد سنوات من الطرد والعزلة .. صارت له قبيلته الخاصة .

وخلال ال25 سنة المقبلة سيصبح جاموكا وتيموجين من أعنف المتنافسين , وقد يسرقان من بعضهما النساء والخيول , وجيشاهما يتقاتلان عند السهوب , ففي النهاية واحد فقط هو الذي يجب ان يبقى ليحكم كل قبائل المغول , فقد كان واضحا أن هناك قائدين قويين في هذه السهوب , غير أن تيموجين وبخطوات بطيئة إستطاع إستحواذ القوة الأكبر , فقد كان يمنح لتابعيه المال والذهب والجياد , لذلك نمت قوته .

في هذا الوقت رجال الدين المغول ( شامان) صاروا يقولون إن الرب يحب تيموجين . كما قدم ( شامان ) يدعى ( كرجي) إدعى أنه شاهد ثورا ناطقا يقول ( السماء والأرض تتفقان على أن تيموجين ينبغي أن يكون كبير هذه الإمبراطورية ) الثور كان يقول ذلك .

شامان آخر إسمه ( تب _ تنجري ) إدعى أن الرب كلمه وقال ( أنا منحت كامل وجه الأرض لتيموجين واولاده ) . لكل ذلك تنامت قوة تيموجين وقرر حلفاؤه منحه لقب ( خان ) وكان في العشرينات من عمره . بايعه الجميع على الطاعة وصاروا يسرقون له الحيوانات , ويقاتلون من أجله , وبعد القتال يجلبون له نساءا جميلات كسبايا , وجياد , كما أنهم منحوه حق معاقبتهم اذا لم يطيعوا أوامره , قالوا له ( إفصلنا عن زوجاتنا ونسائنا وإرم رؤوسنا بعيدا في هذه السهوب الخالية ) . الكلمات كانت مثيرة لغروره , لكنها لم تكن أكثر من كلمات , لأن تيموجين ( خان ) بالإسم فقط .. ومعظم قادة القبائل يدعمون غريمه جاموكا , وكان على تيموجين أن يستعمل كل قوته لجعل كل هؤلاء مناصرين له وحده .

عندما كان تيموجين صغيرا , أكل الجذور وثمار البرية ولحم الفئران , ولم تكن عائلته تملك أكثر من تسعة خيول وكانوا يعيشون في خوف من ضياع ممتلكاتهم أو سرقتها . لكنه اليوم في طليعة الأمة ويصدر الأوامر الى رؤساء قبائلها .

في معظم القبائل تكون المكانة السامية لأفراد عائلة القائد , لكن تيموجين كان يقيم الإخلاص والموهبة على تلك القرابة . لذلك فصديقه بورجو وخادمه جيلمو الذين لم تكن تربطه بهما قرابة .. صارا من أقرب مستشاريه . كما إنه سمى 150 مقاتل لحماية مخيمه ليلا ونهارا ووضع (خاسار) أفضل رامي سهام في المخيم قائدا عليهم , (بيلجوتي) أوكلت له مهمة العناية بالخيل التي حفظت قريبة جدا من المخيم بسبب الضرورة . بعض أكثر أصدقاء تموجين ثقة أصبحوا (طباخين) فبعد كل شيء تيموجين لم ينس أن والده مات مسموما من قبل أعدائه .

حين نظم رجاله , بعث رسالة الى طغرل , لم يكن تيموجين يحلم أن يكون أكبر من طغرل , فرد طغرل بسعادة , لكنه نبه الى أن قوة جاموكا المتعاظمة تشعره بالقلق , وأنه يطمح الى أن قوة تيموجين الكبيرة قادرة على كبح جماح جاموكا .

جاموكا من طرفه لم يكن مرتاحا لسماع أخبار طيبة عن تيموجين , فهناك مثل مغولي قديم يقول (( لا تطمح بوضع دبين في كهف واحد )) فبعد كل شيء .. جاموكا أيضا كان يحلم بأن يكون ( خان ) كل المغول وأن يكون ( الكهف ) له وحده .

الدبان تيموجين وجاموكا أعدا لمعركة , وكل ما كانا يحتاجان .. هو السبب لبدء القتال .

والسبب جاء من عارض عام حصل في تلك السهوب , واحد من رجال جاموكا سرق بعض الجياد من رجل إحدى القبائل الموالية لتيموجين , وأحدهما قتل الآخر … إستعد جاموكا لأخذ الثأر , هيأ جيشا وهاجم به تيموجين , فركض مقاتلون غير معدودين بين الطرفين .

قرر جاموكا العودة الى مخيمه بعد أسر عدد من مقاتلي تيموجين . ونسبة الى إحدى الروايات , فإن جاموكا سلق 70 أسيرا حتى الموت . يقول المغول عن ذلك (( إن سلق الأسير , طريقة غير شريفة لقتل العدو , لأنها تقتل روحه كما تقتل بدنه )) . رواية أخرى تقول إن جاموكا إضافة الى ذلك كان قد قطع رأس أميرين وربطهما الى ذيول خيله وجال بهما أرجاء تلك السهوب .

قد يستغرق تيموجين وقتا للقيام من تلك الهزيمة … لكنه سينهض أقوى مما كان .

أعاد تيموجين تشكيل قبيلته , كما أن عددا من العشائر إنفصلت عن جاموكا وإنضمت الى تيموجين , وفي عام 1195 جاءت الفرصة الى تيموجين من قبيلة ( الجرك ) العريضة الثراء التي تسكن في منطقة من مناطق الصين والتي يعرف قائدها بإسم ( الخان الذهبي ) ويسكن في قصر كبير يقع اليوم في بكين مؤثث بالحرير والذهب والعاج .

التتار كانوا يعملون شرطة عند الجرك , ويسعون الى إضعاف المغول حتى لا يشكلوا إزعاجا للخان الذهبي , لكن واحدا من أمراء التتار خان ثقة الخان الذهبي وثار عليه , فأرسل الخان الذهبي بطلب النجدة من طغرل الذي إستعان بتيموجين ورجاله , وكانت تلك فرصة لتيموجين للإنتقام , بالإنقضاض على التتار الذين سمموا والده , فتم هزم التتار وقتل قائدهم وسرقة أموالهم وممتلكاتهم .

حين عاد تيموجين الى دياره عام 1197 عاهده رؤساء القبائل الحليفة على مساعدته ضد التتار اذا إحتاج ذلك مرة ثانية , لكنهم أخلفوا كلمتهم معه , مما دفعه الى هزمهم وأخذ عدد منهم كأسرى , ثم إستدعى رؤساء القبائل الحليفة الباقية , وقطع لهم رؤوس أسراه أمامهم ونثر أشلاءهم في السهوب دون دفن .

المغول يستخدمون أسراهم كعبيد لكن تيموجين تفاهم مع بعض أسراه أنهم اذا أخلصوا له فسيجعلهم جزءا من قبيلته وسيكونون احرارا , وكانت رسالته تلك واضحة وصريحة فالمخلصين له سيعاملون بعطف أما الخونة فإنهم سيقتلون .

دعى جاموكا أتباعه الى لقاء , منحوه فيه لقب ( غورخان ) أي ( خان كل الخانات ) وكان ذلك اللقب إهانة لتيموجين وطغرل , فشرع الجميع الى الإعداد للحرب . وفي ليلة القتال أمطرت السماء مطرا شديدا فحاصر جيش جاموكا الطين والوحل , تقاتل الجيشان , ومن سوء حظ تيموجين أنه أصيب بسهم في رقبته فغادر أرض المعركة , وكان يخاف أن يكون السهم مسموما لذلك فمستشاره وخادمه جيلمو ظل لعدة ساعات يمص الدم من الجرح لسحب السم خارجا . حين أفاق تيموجين كان عطشانا , حين سقاه جيلمو بعض الحليب , إلتفت إليه وقال ( لن أنسى لك ما حييت كل ما فعلته اليوم من أجلي ) .

أعطى تيموجين مجموعة جديدة من الأوامر الى رؤساء القبائل بأن على المحاربين عدم التوقف عن القتال حتى ينهزم العدو , وأن عليهم جمع الغنائم بطريقة منظمة وإيصالها الى تيموجين ومستشاريه , وهو الذي يقرر الطريقة التي تقسم بها الغنائم فيما بينهم .

عام 1202 تم إختبار الجند إزاء هذه الأوامر عندما دخل تيموجين في حرب جديدة ضد التتار الذين ومنذ قرون يفعلون ما بدا لهم في هذه السهوب , ولهذا تقدم تيموجين بجيشه نحوهم وبدأت السهام تطلق نحوهم بكثافة , وسرعان ما تمت هزيمتهم .

ثلاثة من زعماء القبائل لم ينفذوا تعليمات تيموجين بشأن الغنائم , أبقاهم أحياء لكنه صادر حتى أصغر قطعة غنيمة حصلوا عليها .

كانت لتيموجين الآن مشكلة جديدة , التتار قبيلة مكونة من عدة آلاف من الرجال , هل يأخذ بعضهم كعبيد ويترك البقية ؟ ليتجدد قتاله معهم بعد عدة سنوات ؟ إهتدى الى حل لهذه المشكلة عن طريق تحويل التتار الى مغول . مساعديه نصحوه بقتل كل ذكر تتري يزيد طوله عن العارض الذي يربط الحصان الذي يجر عربته , أما الصغار فيلتحقون بقبائل المغول كجزء منها وقد تم ذلك فعلا , أما من الغنائم فقد أخذ تيموجين تتريتين ضمهما الى حريمه كزوجتين الى جانب زوجته الأولى بورت , وبهذه الطريقة وفي غضون أشهر قليلة فإن التتار كقبيلة كبيرة كان قد تم محوها من الوجود .

سمى تيموجين قادة المجاميع , لم يهتم لرؤساء القبائل , لأنه كان يريد عساكر مخلصين وموهوبين , ولم يكن يهمه منهم إذا كانوا من طبقات دنيا من المجتمع حلاقين أو نجارين , القائد العام لقواته كان إبن حداد . وهكذا حول النظام الجديد قوات تيموجين الى ماكنة قتالية رهيبة , وحيث لم تكن للمغول لغة مكتوبة , لذلك تم إبتداع نظام الرسل الذين ينقلون الرسائل شفاها ويتوزعون على نقاط بنظام البريد .

بعد هزيمة التتار أرسل تيموجين رسالة الى طغرل يخطب فيها إبنة طغرل الى إبنه جوشي , وبالمقابل فهو مستعد لإرسال إحدى بناته لتتزوج واحدا من أبناء طغرل . طغرل هذه الأيام كان قد أصبح رجلا عجوزا , وحين سيموت يجب أن يأخذ مكانه شخص ما , لذلك فإن تيموجين يعد نفسه لهذا الموقع بتلك الزيجات . في البداية رفض طغرل العرض , لكنه عاد ودعا تيموجين الى حفل لتزويج الأولاد , حين ذهب بمصاحبة القليل من قومه , تم نصحه بأن ينتبه الى أن طغرل ربما يعد لقتله مع عائلته . عندها فر تيموجين مع صحبه يلاحقهم جيش طغرل , نفذ طعامهم , فتشتت الأصحاب وضاع قسم منهم . فصحيح أن تيموجين يحكم قبيلة كبيرة , ولكن كونها من عدة أعراق , فهي قبيلة ضعيفة الولاء وقد تتخلى عنه لأي سبب وتمنح ولاءها الى طغرل أو جاموكا .

تجمع 19 قائدا حول تيموجين , يدينون بديانات مختلفة , بعضهم كان نصرانيا وبعضهم بوذي , وبعضهم مثل تيموجين يعبدون إله الطبيعة . أعدوا جميعا للحرب .

أرسل تيموجين رسالة الى طغرل يدعوه فيها الى نسيان الماضي , شعر طغرل بالفرح لذلك وأرسل الموافقة مع رسوله الخاص الى تيموجين , أمسك الرجال الرسول وقتلوه , وتوجهوا ليلا الى قبيلة طغرل وهاجموها وإستمرت المعركة ثلاثة أيام , قتل فيها طغرل أثناء محاولته الفرار وإستسلمت قبيلته , لقد كان طغرل بمثابة والد لتيموجين , لكنه بعد أن خان ثقة إبنه الروحي , كان يجب عليه أن يموت .

خلال سنتين كان تيموجين قد هزم أكبر قبيلتين في المنطقة وهما قبيلة التتار وقبيلة طغرل , لكنه لم يزل غير مرتاح لأن قبائل ( النايمان ) تمتلك رجالا بالآلاف ,, وقد تحالفوا مع جاموكا . خلال عام 1204 كان تيموجين مستعدا تماما لقتالهم , ولكي يوهمهم بكبر حجم قواته , أمر جنوده الذين يسيرون في مقدمة الجيش بأن يحمل كل واحد منهم ليلا وهم يتقدمون , خمس شعل بدلا من شعلة واحدة . وحين بدأ القتال شنوا على النايمان عدة طلعات من الكر والفر ورموهم بالسهام من إتجاهات مختلفة مما جعل النايمان يرتبكون ويتراجعون للإختباء خلف أحد الجبال فإنتهت الحرب .

جاموكا حليف النايمان فر الى الجبال أيضا , بعد أن تخلى عنه أغلب تابعيه , وظل مع قلة من صحبة في البرية سنة كاملة يعتاشون على صيد الحيوانات , حين تعب الرجال من هذه الحياة , خانوا جاموكا , أسروه وذهبوا به الى تيموجين .

تيموجين لم يكره شيئا كالخيانة ,, أخذ جاموكا , وأعدم رفاقه الذين غدروا به أمام عينيه , وصار الآن بمواجهة واجب قاسي , فقد كان على تيموجين أن يتخلص من جاموكا أخوه بالدم .

طبقا لكتاب التاريخ السري للمغول , فإن تيموجين سأل جاموكا لآخر مرة أن يعود حليفا له , لكن جاموكا رد عليه أنه لن يستطيع لأن لا ثقة بينهما بعد اليوم , وعلى تيموجين أن يقتله دون تأخير وأن يدفنه في أرض مرتفعة .

أعطى تيموجين أوامره بقتل جاموكا , ودفنه في أرض مرتفعة , ووضع معه في قبره سهما ذهبيا إكراما له . يومها كان عمر تيموجين 43 سنة , في ذلك اليوم صار القائد الأعلى الوحيد لكل المغول .

يومها تجمع آلاف المحاربين المغول عند أحد روافد نهر أونون , نصبوا خيامهم قرب خيمة تيموجين وربطوا أعلاما الى ذيول خيولهم , ونثروا أطنانا من الزهور فوق سطوح خيماتهم , ووبايعوا تيموجين قائدا أعلى تحت إسم ( جنكيز خان ) . كلمة جنكيز كلمة مغولية معناها ( القوي ) , عبارة جنكيز خان تعني : ( القائد القوي ) .

قام جنكيزخان بتعيين عدد من القادة الكبار , منح رتبا قيادية الى إثنين من أوفى أصدقائه وهما ( بروجو ) و ( جيبي ) كما منح رتب قيادة عامة الى أولاده الأربعة : ( جوشي ) و ( كاجاتاي ) و ( أوجوداي ) و ( طولوي ) . ثم سن قانون الخدمة الإلزامية , كل رجل ما بين 17 _ 50 سنة عليه أن يلتحق بها , وفي فترة الجندية على الجندي طاعة أوامر قائده العسكري فقط , وليس رئيس قبيلته .

سن جنكيز خان بعض القوانين , ولكي تتم كتابتها , فرض على المغول تعلم القراءة والكتابة من قبيلة تركية تدعى ( أويغور ) . وكان أول واجب بعد تعلم الكتابة , هو كتابة كتاب ( الياسة ) أو كتاب القانون العظيم , في كتاب الياسة حاول جنكيز خان فرض النظام داخل الدولة المغولية , منع خطف النساء وجعله جريمة , كما قرر أن السرقة عمل غير قانوني وعقوبة السارق هي الموت . بعض عقوبات الياسة قاسية جدا , لكن جنكيز خان سمح لبعض القبائل بالمحافظة على تقاليدها الخاصة , وأصر على حرية المعتقد الديني , وبإمكان المسلمين والمسيحيين والبوذيين أن يمارسوا شعائرهم كما يحلو لهم وهم مقبولون تحت رعاية مليكهم . اٌقسى القوانين كانت قد سنت للجيش , أثناء الخدمة لا مكان للعصيان أو عدم الطاعة , والموت هو عقوبة الجندي الذي يسلب أثناء القتال ويحتفظ بغنائمه لنفسه , أما الرسل الذين يشربون الخمر أثناء مأمورياتهم فإنهم يعرضون أنفسهم الى الإعدام .

وتحت هذا التنظيم صارت قوة المغول قوة مهابة ولكن .. إلى أين ستمضي هذه القوة ؟؟؟

نظر المغول الى جنكيز خان متطلعين أن يقودهم الى الثراء , ولهذا فجنكيزخان كان محتاجا الى مصادر جديدة للثروة . في العام 1210 مات الخان الذهبي رئيس قبيلة الجرك العريضة الثراء وخلفه إبنه على الحكم . لسنوات طويلة عد الجرك أنفسهم متحضرين بالنسبة الى بقية قبائل المغول البدوية , كما أنهم كانوا حلفاء طغرل الذي حاول قتل جنكيزخان ذات يوم , وفوق هذا بعث حاكمهم الجديد سفيره الى جنكيزخان يطلب طاعة وولاءا مثل ما كان طغرل يفعل معهم من قبل , فأعلن عليهم جنكيز خان الحرب .

بدأت الحرب عام 1211 جهزها المغول ب 65 ألف مقاتل خيًال , و جهزها الجرك ب 85 ألف مقاتل مشاة , لكن عامل تفوق سرعة المقاتل الخيًال على المقاتل المشاة كانت في مصلحة المغول .

ذكر الرحالة ماركو بولو بأن المغول كانوا يرتحلون لمدة عشرة أيام دون التوقف لطبخ الطعام , وأنهم كانوا يصيدون ويسرقون حين تنفذ تجهيزاتهم , أما اذا نفذ لديهم الماء فإنهم يقطعون أوردة الخيل ويشربون دمها .

بسرعة تقدموا عبر منطقة منشوريا الى الشرق , ثم عبروا سور الصين العظيم , هيجوا قبائل ( الخاتان ) الساكنة في هذا الطريق الطويل ضد الجرك , فقبل حوالي 100 سنة كان الجرك قد إحتلوا الخاتان .

عام 1212 أعلن جنكيز خان للخاتانيين أنه قدم لتحريرهم من الجرك , وأنهم اذا إنضموا الى المغول فإنه سيعاملهم معاملة طيبة , فإنضموا الى جانبه وقدموا 100 ألف مقاتل .

كان المغول بلا رحمة مع القبائل التي لم ترض الإشتراك معهم في هذا القتال , دمروا حقولها وأفزعوا أهلها , أصبح أكثر من مليون إنسان بلا مأوى , وشحت المواد الغذائية , فجاعت الناس , أما الجرك الذين صاروا محاصرين في ديارهم فقد بدأوا بأكل لحوم البشر ليعيشوا .

كان كل جندي مغولي يأخذ عشرة أسرى من القبائل التي ترفض المعاونة على القتال , يستخدمهم كعبيد لجلب الماء وجمع الأزبال في خنادق خاصة , ولم تكن حياة هؤلاء الأسرى تعني شيئا , ففي فترات القتال العنيف كانوا يوضعون في المقدمة ويستعملون كدروع بشرية , وعند موتهم يرمون في نفس خنادق جمع الأزبال .

حين وصل المغول الى ديار الجرك , رأى جنكيز خان أن الجرك لا يعيشون مثل المغول , فمدنهم محمية بالأسوار , ولإختراق هذه الأسوار قام المغول ببناء السدود لإغراق هذه المدن , كما قاموا بعمل أسلحة حادة كالتي عند الجرك , وأهم من كل هذا أنهم توصلوا الى صناعة ( المنجنيق ) وهو آلة كبيرة تملأ بالحجارة أو المواد المشتعلة وترشق الى مدن الجرك من فوق السور , كما تعلموا صناعة آلة قاذفة للسهام تعبأ بعشرات السهام وترشق مرة واحدة , وأخيرا تعرف المغول على قاذفة اللهب الصينية وهي قصبة بامبو تملأ بالبارود ويشعل رأسها ثم ترمى على العدو . حين أسر المغول المهندسين الجرك المسؤولين عن تصنيع هذه الآلات عاملوهم بالحسنى على شرط أن يعلموا المغول أسرار عملهم , والناس كانت تعرف معنى رفض طلب للمغول … غير أن هناك بعضا من هؤلاء المهندسين , رفضوا التعامل مع المغول .

خلال ثلاث سنوات كان المغول قد خربوا بلاد الجرك وإحتلوا مدنها , وأخيرا وصل جنكيزخان الى مدينة ( زونغ دو) عاصمة الجرك , فوافق الخان الذهبي على كل شروط المغول , عاهدهم على الوفاء لجنكيزخان , وأعطاهم كل ما يريدون , ووهب إحدى الأميرات الى جنكيز خان ومعها ألف عبد وثلاثة آلاف فرس , ووعد بدفع الجزية كل سنة . وقد قبل جنكيز خان بذلك , فكل ما كان يهمه هو ثروات الجرك وليس أرضهم أو أرواحهم .

حين عاد جنكيز خان الى دياره , نكث الجرك كل وعودهم معه , فأرسل جنكيز خان خيالته لتدمير المدينة وحمل كل ما فيها كغنائم الى مملكته . مئات الآلاف من البشر تم قتلهم , وهناك شهادات تقول أن عظام المقتولين بقيت لسنوات خارج المدينة على شكل تلال بيضاء . عندها عين جنكيز خان واحدا من أخلص قواده حاكما على الجرك ويدعى ( موكالي ) وزوده ب 60 الف جندي لتدعيم حكمه .

في العام 1215 كان جنكيز خان قد وصل الى درجة من النجاح لم يحلم بها أحد , والثروة الجديدة التي هبطت على المغول من أرض الجرك , غيرت شكل حياتهم تماما , تغير شكل بيوتهم وأثاثهم وطريقتهم في الأكل , جلب المغول معهم الحلاقين والنجارين والحدادين والصاغة والكتبة والأطباء , وقد أمضى جنكيز خان سنوات عدة يحاول ضبط نظام المجتمع الجديد , لكنه الآن قد بلغ 57 من العمر , طويل وقوي ونشيط وعينه تلمع مثل عين قط , لكنه صار عجوزا , شعر وجهه صار أبيضا بلون الثلج , والناس في زمانه لم تكن أعمارهم تتجاوز الستين .

إنه الوقت الذي على جنكيزخان العجوز أن يقرر من الذي سيحكم بعده . إستدعى أولاده الأربعة ( جوشي ) و ( كاجاتاي ) و ( أوجوداي ) و ( طولوي ) , جوشي كان الأكبر وقد إختاره جنكيزخان ليقوم من بعده , لكن كاجاتاي الإبن الثاني كان متذمرا من ذلك بشدة , قال لأبيه إن جوشي ليس أكثر من نغل حبلت به أمهم من الرجل الذي عاشرته سبية حين خطفتها قبيلة الماركي . فرد عليه جوشي بغضب , تلاسن الولدان بحضور أبيهما الذي ظل يستمع ساكتا وحين إنتهيا من الحديث نهر جنكيزخان ولده كاجاتاي وقال له ( أنت لم تهن جوشي وحده بكل هذا الكلام , لكنك أهنت أمك , وأنتم تعرفون جيدا كم كان صعبا علي بناء هذه الإمبراطورية , لذلك لا أريد منكم تدميرها بالخلافات العائلية ) .

بعد الإستماع الى كلام الأب كاجاتاي إقترح على أبيه إقتراحا ( أن يصير أوجوداي الخان بعد وفاة أبيه , هو لا يفكر جيدا ويسكر أغلب الوقت لكنه كريم وطيب القلب , وربما هو الخيار الوحيد لأن طولوي ورغم كونه مقاتلا بارعا إلا أنه ومنذ صغر سنه أثبت أنه قاس بما فيه الكفاية , أما جوشي وكاجاتاي , فيحرمان تماما من حمل اللقب , لأن إحتمال أن يكون أحدهما خانا , معنى ذلك الإيذان لحرب أهلية بأن تقع ) .

وافق الجميع على هذا الكلام , فقام جنكيز خان بتعيين ولديه جوشي وكاتاجاي حاكمين لولايتين منفصلتين تفصل بينهما آلاف الأميال .

في هذه الفترة حول جنكيز خان بصره الى الغرب حيث يوجد السلطان الذي يعادي المغول , السلطان محمد الثاني سلطان خوارزم المسلمة , التي تحتل أرضا تمتد من جبال أفغانستان الحالية شرقا الى البحر الأسود غربا ومن بحر الأرال شمالا الى الخليج العربي جنوبا , والمغول متعطشون لخيرات هذا البلد الكبير الواسع الخيرات , والى خبرات الحرفيين المسلمين الذين يعرفون أسرار صناعة الفولاذ الذي يصنعون منع أسحلة تبقى لماعة وحادة على الدوام , كما يعرفون أسرار صناعة الزجاج , ولديهم خياطون يصنعون ملابس جميلة من القطن .

أرسل جنكيز خان رسالة الى السلطان محمد الثاني قال له فيها ( أنا سيد البلاد الشرقية وأنت سيد البلاد الغربية ويجب أن نوقع معاهدة بيننا ليتزاور تجارنا في أمان ) . وافق السلطان محمد في تسامح ظاهر وتشكك باطن , لأنه لم يكن يريد أن يقع لخوارزم ما وقع على الجرك .

عام 1218 أرسل جنكيزخان قافلة تجارية الى ( أوترار ) وهي مدينة خوارزمية في أقصى شرق السلطنة , فقام حاكم المدينة بإرسال خبر بذلك الى السلطان محمد الثاني موضحا أن هذه القافلة أتت للتجسس على البلاد , فتم إعتقال التجار وقتلهم .

مرة أخرى يقوم حليف بخيانة العهد … أرسل جنكيز خان جيشا قوامه 100 الف خيال , حاصروا مدينة أوترار مدة 5 أشهر , وحيت إستسلمت , تم قتل 20 الف من رجالها , وأسر حاكمها ثم تم إعدامه .

جنكيز خان وولده طولوي , توجها بحملة الى مدينة بخارى , فهرب آلاف من مقاتليها حين سمعوا بوصول الخيالة المغول , وإستسلمت المدينة في اليوم التالي . تم قتل جنود خوارزم على الفور , وأخذ البقية أسرى لإستعمالهم كدروع بشرية في معارك مقبلة , أما أصحاب الحرف والخبرات من أطباء ومعلمين ومعدنين وصناع أسلحة , فإن المغول سيعاملونهم معاملة حسنة إذا قبلوا التعاون مع المغول .

بعد شهرين وصل المغول الى سمرقند العاصمة السلطانية وكانت محاطة بأسوار عالية , هاجمها أكثر من 100 الف مغولي , فسقطت خلال عشرة أيام . ثم إتجه المغول الى تيرميز وبقية المدن .

السلطان محمد الثاني هرب الى جزيرة في بحر الخزر ومات هناك سنة 1221 . إبنه جلال الدين هرب عندها الى الهند وظل يقاتل في سبيل مملكته عشر سنوات , لكن سلطنة خوارزم كانت قد أصبحت كليا تحت حكم جنكيز خان الذي قام أتباعه بتدمير العشرات من مدنها , وتغيير مسارات طرق التجارة فيها كليا , وتحويل مزارعها الى أرض بور , أما البشر الذين قتلوا فقد كانوا بالملايين .

جنكيز خان صار الآن وحسب قوله ( يحكم دولة تمتد من مشرق الشمس حتى مغربها ) ولم يتبق أمامه غير شيء واحد هو : البحث عن الخلود .

عام 1222 خيم جنكيزخان في منطقة جبلية تقع اليوم في أفغانستان , ينتظر رجلا صينيا مقدسا إسمه ( جنجون ) قيل أنه أكتشف سر الخلود , ويقال أن عمره الآن 300 سنة . حين وصل جنجون الى مخيم جنكيزخان قال إن عمره الآن هو 75 فقط , وأن كل الحكايات التي قيلت عنه ملفقة فهو لا يمنح الخلود , لكنه فقط يعرف كيف يشفي من المرض .

وبالرغم من خيبة الأمل إلا أن جنكيزخان أحب هذا الرجل بشدة وإلتقاه عدة مرات . نصح جنجون الخان بان يعيش حياة معتدلة وأن يكون رحيما مع الناس وأن يتوقف عن الصيد , لكن جنكيزخان سأل الحكيم ان يصلي من أجله .

عام 1226 تمرد ( التانغوت ) ضد المغول في الجنوب من الإمبراطورية , فقاد جنكيزخان حملة لتأديبهم . لكنه حين مرض إستدعى ولديه أوجوداي وطولوي ليظلا الى جانبه .

بعد ذلك اللقاء على من سيخلف جنكيز خان في الحكم , إنقطعت أخبار جوشي تماما , وهناك شائعات قوية تقول : إن جنكيزخان كان قد قتل ولده .

على فراش الموت , حكى جنكيز خان لولديه حكاية الحية المتعددة الرؤوس التي عند مهاجمتها لا تدري الى أين تذهب , لأن كل واحد من رؤوسها يعطيها أمرا مختلفا , وأمر أولاده أن يكون لهم رأس واحد , لا رؤوس متعددة .

قام الولدان بإرسال رسالة سلام الى ملك التانغوت , لكن رده كان مهينا , بعد عدة أيام من ذلك مات جنكيز خان عن عمر 65 سنة , من شدة الحزن عليه دفع الغضب جنوده الى قتل جميع سكان عاصمة مملكة التانغوت بالكامل , وبعدها وضعوا جثته في عربة وعادوا به الى أرض المغول , كان جنكيزخان قد أمر أن يحفظ خبر موته سرا , ولذلك فكل من شارك في عملية دفنه وإخفاء أثر قبره سيقتل . لحد اليوم لا يعلم أحد بالتحديد أين يقع القبر , لكن أكثر الناس تعتقد أنه ووري الثرى في المكان الذي كان يحبه بشدة : عند جبل بورخان خلدن .  ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي..103

القصة:

كل مدينة و كل ضيعة و كل حارة بسوريا.. و فيني اجزم أنو كل شخص بهالبلد كان ألو نصيب أو حصة من نظام الحقد الأسدي..

لدرجة أنو من كتر قصصهون و تشابهها و تشعبها من حيث الأسباب و النتائج ، صار الحمصي إذا سمع قصة صارت بحلب يعتقد أنو القصة صارت بحارة من حارات حمص..

و اللي بيعتقد أنو اللي صار بمجازر حماة و حلب بالتمانينات أعظم من اللي عم يصير اليوم، فبطلب منو يراجع معلوماتو أكتر..

بس مع كل هالشي..

الكل لازم نتذكر و نحكي باللي صار لنستفيد من تجارب رجال كبار و نتعظ و نتعلم منها..

مجزرة حي المشارقة بحلب، الكل بيتذكرها بس نادرا ما حدا حكي بتفاصيلها..

رح آخدوكون اليوم معي بسفرة صغيرة لحي المشارقة و أرجع فيكون لشهر آب 1980..

بعد ما بديت تظهر بشائر الثورة في سوريا بنهاية السبعنيات مع كل المتحولات الجديدة بالمنطقة، من ثورة الخميني، لحرب لبنان الأهلية التانية، لدخول جيش العار على بيروت، لبداية الحرب الإيرانية العراقية..

منطقة عم اتعج بالمتغيرات.. و من ضمن جملة المتحولات كانت طلائع الثورة السورية الأولى..

حي المشارقة بحلب، حي قريب كتير على وسط المدينة.. حي مسالم، أهلو من طول عمرهون عايشين بهدوء و كافي خيرهون شرهون..

بشهر آب 80 و عند حاجز للقوات الخاصة صوب مركز الامتحانات العامة و القريب من حي المشارقة، شبين بيقتحمو هالحاجز و بيقتلو ست عناصر كانو مدوقين الويل لأهالي المنطقة من الابتزاز للتشليح للاغتصاب..

بيجن جنون النظام، و على عادتو بهيك مناسبات.. و بدون أي دراسة لعواقب أعمالهون بيقرروا الانتقام من الحي كلو، و ترباية حلب و إخضاعها كلها..

باليوم الأول لعيد الأضحى 80 و الناس من كل الحي طالعين بعد صلاة العيد لزيارة أمواتهون بمقبرة هنانو..

كتيبة من القوات الخاصة بقيادة المقدم هاشم معلا و النقيب غدير حسين ، باتطوق الحي و المقبرة و بيبدو حملة المداهمة للبيوت..

بصباح أول يوم من عيد الأضحى، كان كل شباب الحي من عمر 16 لعمر 60 مجموعين على حيط المقبرة، بين أصوات بكاء الامهات و الزوجات و الأطفال، و أصوات الكفر و السباب بكل كلمات قاموس الألفاظ النابية من عناصر جيش العهر..

و للتاريخ، كان في كتير ناس يومها موجودة بالحي و مانهون من أهالي المنطقة، جايين يا إما لزيارة قرايبينهون أو لزيارة أمواتهون بالمقبرة..

بس ضمن هالحفلة، راح المشارقيين مع الشباب و الرجال من ضيوفهون..

85 رجال و شب، مصفوفين على حيط المقبرة ناطرين مصير معلق بقرار لهاشم معلا..

وقف المقدم بأيدو بارودتو، و صرخ بالشباب:

مين فيكن بيعرف هالولاد الشر… اللي هاجمو حاجز الامتحانات؟؟

وحدو الحجي الحوري الله يرحمو ، هالانسان المعروف لأهالي كل الحي بأيمانو و بصدقو و بمحبتو لولاد منطقتو، بيبرم وجهو و بيقلو للمقدم بمحاولة لتخليص شباب حارتو من الإعدام الميداني:

أنا يا سيدي اللي هاجمت الحاجز و قتلت كل عناصرو، حاسبوني و قتلوني إلي و اتركو هالشباب يرجعو لبيوتهون، ما الهون ذنب..

محاولة الحجي ما نفعت بشي، بيصرخ المقدم شحطوه لهالابن الكلب عجنب و بيعطي الأوامر بتصفية ال 84 شب المصفوفين عالحيط..

شباب و رجال مرميين فوق بعضهون أموات و الدم عم يجري من تحتهون على أرض سور المقبرة، و ضحك هاشم معلا و الكلاب اللي معو سمعوه كل أموات تربة هنانو بقبورهون..

وحدو بالمناسبة المخبر ابن الحي، نفد من الموت عالرغم من أنو كان مصفوف مع الشباب على حيط الموت و بعدو لهاللحظة عايش و باتمنى ولادو يحكولو هالقصة بركي باتحرك ضميرو..

أما الحجي الحوري، فشالوه و طالعوه على أعلى بناية بالحي و حطوه على سور السطح و قوصوه مع عيلة دودان المؤلفة من 15 شخص و تركوهون يسقطو متل المطر أموات واحد ورا التاني من على السطح..

خلصت المجزرة من هون، و بلش ربط الجثث بسيارات الجيش من هون، و بديو يجروهون بشوارع حلب ليربو أهل المدينة فيهون و رميهون بعدين على مدخل حلب..

تاني نهار صارت دوريات النجدة اتدور بالمدينة لتشيل جثث الشهداء المرميين بكل زوايا مداخل حلب..

و متل كل مجزرة، لازم مرتكبيها يغطو عليها تحسبا لمحاكماتهون بالمستقبل، فطلع قرار من حافظ الأسد باستملاك الحي بالكامل، و دفعو لأهالي الحي اللي بعدهون طيبين تعويض تعسفي و طالبوهون بإخلاء بيوتهون خلال شهر..

الحكمة:

ركعت سوربا كلها بكلاشينكوف من تلات عقود..

حفيد الحاج حوري ما رح يركع هالمرة حتى لو ضربتو بصوارخ السكود.. زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment