نهاية أحمدي نجاد الباهظة

الشرق الاوسط

أرسل أحمدي نجاد خطابا موجزا بسيطا إلى آية الله خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، لم يتجاوز الثلاثة أسطر، لكنه أثار على نحو ما جدلا مرة أخرى، حيث يتحدث الجميع هذه الأيام عن خطاب أحمدي نجاد. الرسالة الرئيسية التي يحملها الخطاب هي «لا» كبيرة لخامنئي. دعوني أروي بداية قصة غريبة. لقد أذاع أحمدي نجاد مقطعا تم تصويره سرا في إحدى جلسات البرلمان يوم الأحد الموافق 3 فبراير (شباط). وسمي ذلك اليوم بالأحد الأسود في إيران. لقد كان اجتماعا سريا بين فاضل لاريجاني ومرتضوي، لأن لاريجاني طلب من مرتضوي مبلغا كبيرا كرشوة. وكانت هذه نقطة تحول في المناخ السياسي الجديد بإيران، حتى إن رئيس البرلمان، علي لاريجاني، قال «اليوم الأحد الثالث من فبراير يوم مهم جدا».

يحتفل الإيرانيون في الثاني والعشرين من شهر «بهمن» (وفقا للتقويم الإيراني) من كل عام بذكرى الثورة. في ذلك اليوم يمكننا مشاهدة احتفالات قومية في إيران خاصة في طهران والمدن الكبرى. وتستغل الحكومة هذه المناسبة للتأكيد على شعبيتها أمام العالم حتى إنه ليقال إن هذه المناسبة بمثابة استفتاء يجدد الثقة في الحكومة (البيعة). عشية الاحتفالات، كان أحمدي نجاد يخطب أمام البرلمان دفاعا عن وزير العمل، عبد الرضا شيخ الإسلام، الذي يواجه اتهامات بتعيين القاضي مرتضوي، أحد أقوى حلفاء الرئيس أحمدي نجاد، في منصب رئيس إدارة الأمن الاجتماعي. وهاجم أعضاء البرلمان مرتضوي، القاضي السابق ومدعي عام طهران، بسبب تورطه في مقتل ثلاثة متظاهرين على الأقل خلال الاحتجاجات التي اندلعت عقب الانتخابات الرئاسية عام 2009، والتي فاز خلالها أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية. ويقال إن منهم زهرة كاظمي، المصورة الفوتوغرافية والصحافية الإيرانية – الكندية المستقلة التي تم إلقاء القبض عليها وقتلها على أيدي مسؤولين إيرانيين بعد اعتقالها في يوليو (تموز) عام 2003. بإيجاز، يعد مرتضوي رمزا للرقابة وإغلاق الصحف في إيران. وعندما كنت وزيرا للثقافة أغلق أكثر من ثلاثين صحيفة في يوم واحد، وقال آية الله خامنئي إنه ينبغي علينا تقبيل يد هذا القاضي الشاب وشكره. ويطلق عليه الصحافيون الإيرانيون لقب «سفاح الصحافة». وفي جلسة البرلمان المثيرة للجدل المذكورة آنفا، أذاع أحمدي نجاد تسجيلا تم تسجيله بكاميرا مخبأة في مكتب مرتضوي. ويعرض التسجيل اجتماعا بين فاضل لاريجاني، شقيق علي لاريجاني، ومرتضوي. وتبين أن التسجيل فضيحة كبرى لعائلة لاريجاني، وكل هذا حدث في وقت حرج ودقيق للغاية.

قال أحمدي نجاد «هذا تسجيل واضح بالصوت والصورة. إذا لم يكن لدى رئيس البرلمان الموقر مانع، يمكننا تقديم التسجيلات التي تتراوح مدتها بين 24 و25 ساعة». وتم تشغيل بضع دقائق من التسجيل الذي يسمع بالكاد، بينما يستمع ملايين الإيرانيين إلى جلسة برلمان غير عادية مباشرة على الإذاعة الإيرانية التابعة للدولة. ورد لاريجاني قائلا «من الجيد أنك أظهرت هذا حتى يعلم الناس حقيقتك».

بعد هذا الحدث، قال سكوت لوكاس، رئيس تحرير صحيفة «إي إيه وورلد فيو» إنه يعتقد أن أحمدي نجاد قد «انتهى» فعليا. وأوضح أن أحمدي نجاد كان حقا يبعث برسالة إلى أعدائه في الداخل مفادها «أتريدون أن تتخلصوا مني؟.. أنا أود أن أموت إذن». وكانت رسالة أحمدي نجاد موجهة إلى المحافظين والحرس الثوري، حيث أراد من خلالها أن يقول لهم بشكل غير مباشر «إذا أردتم أن تجعلوا اللعبة بصيغة لا غالب ولا مغلوب من دوني، سأحولها إلى لعبة نكون فيها جميعا خاسرين». إن ما فعله أحمدي نجاد كان بمثابة انتحار سياسي له تأويلان.

من الواضح أن أحمدي نجاد يواجه الكثير من المشاكل مع البرلمان والقضاء، وهما مؤسستان على رأسهما الأخوان صادق وعلي لاريجاني. ويعد إذاعة تسجيل سري بمثابة إصابة عصفورين بحجر واحد. لقد استخدم أحمدي نجاد فاضل لاريجاني كحجر لقتل رئيس البرلمان، ورئيس السلطة القضائية.

كانت خطة أحمدي نجاد معقدة جدا، فقد أراد أن يوضح أن السبب الرئيسي وراء تناقض وعدوانية طريقة تعامل الحكومة مع البرلمان والسلطة القضائية هو فسادهما، وأنه يضطلع بدور روبن هود، الذي يحارب الفساد، لهذا هم يعادونه.

أراد أحمدي نجاد منذ بضعة أشهر زيارة علي أكبر جافان فكر، مستشاره الإعلامي والرئيس السابق لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، والمعتقل منذ سبتمبر (أيلول) بعد صدور حكم ضده بالحبس ستة أشهر بسبب إهانة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. ويعد القبض على جافان فكر وإدانته خطوة هدفها تقويض سلطة الرئيس. وما زاد الطين بلة بيان مؤسسة القضاء الذي جاء فيه أنه قيل لأحمدي نجاد إن زيارته ستكون «غير مناسبة» وستشتت الاهتمام بعيدا عن مشكلات إيران الاقتصادية.

استند تبرير السلطة القضائية إلى مقولة خامنئي، نظرا لأنه أكد مرارا وتكرارا على أن الساسة وصناع القرار قاطبة يجب أن يركزوا على الوحدة وأن يعوا خطر مؤامرات العدو المشترك.

ومؤخرا، للمرة الأولى، من خلال انتقاد أحمدي نجاد بمفردات قوية جدا، رسم خامنئي خطا فاصلا بينه وبين الرئيس. قال خامنئي «رئيس إحدى الإدارات الحكومية وجه اتهاما غير مؤكد ضد الإدارتين الحكوميتين الأخريين، وهو إجراء غير ملائم وبمثابة انتهاك لحقوق الإنسان الجوهرية. كان ذلك ضد الشريعة والأخلاقيات وإجراء غير شرعي».

بعث الأخوان لاريجاني بخطابات إلى خامنئي يعتذران فيها عما حدث، ويؤكدان فيها على إذعانهما التام للمرشد الأعلى. وعلى الجانب الآخر، رفض أحمدي نجاد الاعتذار أو إظهار طاعته للقائد في خطابه.

ويرى أحمدي نجاد أن استمرار الهجوم دائما ما يكون الاستراتيجية المثلى، وهذا النزاع من المؤكد أنه سيستمر حتى اليوم الذي يغادر فيه منصبه.

إن خامنئي لا يمكنه ببساطة إقالته قبيل التصويت في يونيو (حزيران) نظرا لأنه أيد عملية إعادة انتخاب أحمدي نجاد المثيرة للجدل قبل أربعة أعوام باعتبارها حكما إلهيا.

كان آية الله خامنئي مثل ساحر فاشل في كل هذا، حول أولا الحبل إلى ثعبان، لكنه الآن لا يستطيع أن يحيل الثعبان مجددا إلى حبل. والآن، يتعقبه الثعبان، مخططا لابتلاع الساحر الفاشل.

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الرفيق تروتسكي‎

(( لا يمكن تبرير الوسيلة بغايتها فقط , لأن الغاية بحد ذاتها تحتاج الى تبرير )) . ليون تروتسكي

منذ إنهيار دولة الإتحاد السوفييتي فإن دهشتي وخيبة أملي لا تختلفان كثيراً عن تلك الدهشه والخيبه التي أصيب بها جميع اليساريين حول العالم في جميع دولهم ومختلف فصائلهم اليساريه . ولهذا بحثت عمن يكون غورباتشوف وكتبت عنه موضوعاً منشورا ُ على الموقع تحت عنوان ( الرفيق غورباتشوف ) وبحثت عن ماركس فكتبت ( الأمريكان والماركسيه ) ثم بحثت عن الشيوعيه في الصين فكتبت ( الأمريكان في الصين ) , بعدها كتبت عن ( الشيوعيه والحرب الكوريه ) و ( الشيوعيه والحرب الفيتناميه ) و ( الشيوعيه في البلقان ) . كتبت عن ( الرفيق كاسترو ) وكان آخر ما نشرته هو ( الشيوعيه الكوبيه والبوليساريو ) .. وفي نيتي الكتابه عن ( الشيوعيه في الكونغو ) و ( الشيوعيه في الصومال ) خلال الفترة المقبله , وهاأنذا أحوم حول جثة الإتحاد السوفييتي مثل ( محقق ) يحوم حول مسرح جريمه لأني أريد فهم الحقيقة ( مثلما هي ) وليست ( مثلما قيلت لنا ) .

السؤال الكبير الذي أبحث الإجابة عنه هو : هل كانت تنظيماتنا اليساريه جميعاً غافلة عن العلاقه الحقيقيه بين الأمريكان والإتحاد السوفييتي وتصدق فعلاً بكذبة الحرب البارده ؟

كتب جالرس ليفنسون كتاب ( فودكا _ كولا ) عام 1977 كتبه باللغة الفرنسيه وتحدث فيه عن العلاقه الخفيه بين الحكومة الأمريكيه وجميع الحكومات الشيوعيه في العالم تلك العلاقه التي يدعوها الأمريكان ب ( الإنفتاح ) بينما دعتها موسكو ب ( التعايش السلمي ) ومختصر هذه الحكاية أن الحكومه الأمريكيه تلتزم بمختلف أنواع الدعم المادي والمعنوي للدول الشيوعيه , لكن هذا التعاون ( الحكومي ) لا يجوز تعميمه الى ( إنفتاح _ تعايش سلمي ) بين المؤسسات والنقابات والمنظمات العامله في كلا النظامين ( الرأسمالي ) و( الإشتراكي ) بل تبقى متناحره فيما بينها بما يجعل العالم أجمعه ( أرضاً محروقه ) أمام أي شكل من أشكال الإستعمار القديم وإمبراطورياته الآيلة للسقوط والزوال .

بقي هذا الكتاب مجهولاً ولم يترجم بأمانه سوى الى اللغتين البرتغاليه والإسبانيه إبان إنهيار الإتحاد السوفييتي … أما ترجمته الى اللغة الإنكليزيه فقد تم التلاعب بها كثيراً .. وأحمد الله كثيراً أن عندي صديقه جزائريه أعانتني على فهم الكتاب .. عند مقارنة فقراته الغامضه بالإنكليزيه بمثيلاتها التي كتبت بالفرنسيه .

جارلس ليفنسون لمن لا يعرفه هو نائب سابق لرئيس ( المكتب المركزي في الإتحاد الأوربي للمعلومات الصناعيه ) بمعنى ( المخابرات الصناعيه ) ولد عام 1920 وتوفي عام 1997 ودفن في المقبرة اليهوديه في جنيف . جميع مؤلفاته خطيرة للغايه وتصب في الحديث عن علاقة التخادم الخفيه بين الولايات المتحدة الأمريكيه والإتحاد السوفييتي ولا أظن أن أيا ً من كتبه قد ترجم الى اللغة العربيه , لأن مثل هذه الترجمه لو حصلت فإنها ستضع أنظمتنا العربية الحاكمه العميلة في ( حيص بيص ) بين شعاراتها المرفوعه , وواقع الحياة الحقيقي .. وهذه الكتب هي :

# رأس المال . التضخم والشركات المتعددة الجنسيات .

# الأكل والشرب . وكلفة نظام مراقبتهما .

# صناعية الثوره الديمقراطيه .

# العمل النقابي في التجارة العالميه .

# القدرة على طلب الغذاء .

# فودكا _ كولا .

# الفاليوم على سبيل المثال _ وشركات صناعة الأدويه المتعددة الجنسيات .

قراءتي لهذه الكتب جعلني أدرك بأن الإتحاد السوفييتي ( كدوله ) ما هو إلا صنيعه أمريكيه , وأن إنقلاب أكتوبر البلشفي 1917 ما هو إلا حركه مضاده للنجاح الذي أحرزه اليساريون في ثورة شباط 1917 وإلتفاف أمريكي على منجزات ثورة شباط من أجل تحقيق الهدف الأسمى الذي أوقعت من أجله الولايات المتحدة الأمريكيه الحرب العالمية الأولى في أوربا رداً على التحالف البريطاني مع روسيا القيصريه لتقوما ( روسيا وبريطانيا ) بتطويق قارة أوربا من الشرق والغرب ومنع تغلغل النفوذ الأمريكي فيها ( أرجو العوده الى موضوعي المنشور على الموقع وعنوانه _ الحرب العالمية الأولى والبلشفيه ) من أجل مزيد من التفاصيل .

منذ ماركس وحتى لينين وصولاً الى ستالين , تبقى في نظري كباحثه تاريخيه متخصصه شخصية الرفيق ليون تروتسكي , هي الشخصيه الأكثر حيوية ووعياً , وفي الوقت الذي يعد الكثير من اليساريين خلافه مع ستالين ( إنشقاقاً ) فأنا أعده ( حركة تصحيحيه ) ولكي نخوض في هذا الموضوع أكتب موضوعي لهذا اليوم عن الرفيق تروتسكي .

ليس من طبعي الكتابة من الأحلام والخيال والفرضيات التي لا تستند على وقائع محدده بتاريخها وأسماء شخصياتها , لذلك ذهبت الى المكتبه وإستعرت جميع هذه الكتب عن تروتسكي لكي أدقق من خلال ما ورد فيها كل معلومة مهما كانت صغيره , عن رجل فذ ينبغي مراجعة تاريخه وإنجازه , بعد مضي ما يزيد على القرن على مولده ومسيرته النضاليه و70 عاماً على وفاته , وهذه الكتب هي :

# حياة وموت تروتسكي . تأليف روبرت باين . لندن , 1978 . 498 صفحه .

# حياتي / محاوله لكتابة سيره ذاتيه . تأليف ليون تروتسكي . نيويورك . مطبعة دوفر , 2007 . 599 صفحه .

# حياتي / صعود وإنهيار ديكتاتور . تأليف ليون تروتسكي . لندن . مطبعة ثورنتون . لا سنه , 512 صفحه .

# النبي المسلح تروتسكي . تأليف إيزاك دويتشر . أوكسفورد . مطبعة جامعة اوكسفورد , 1890 , 540 صفحه .

# النبي المنبوذ تروتسكي . تأليف إيزاك دويتشر . لندن . مطبعة جامعة أوكسفورد , 1983 , 543 صفحه .

# السياسه السوفييتيه ومنتقديها . تأليف جي . آر . كامبل . لندن , مطبعة كولانكز , 1939 , 381 صفحه .

# الإله المنتقم من ستالين ( نفي وقتل تروتسكي ) . تأليف برتراند بتناود . لندن . مطبعة فيبر أند فيبر , 2009 , 340 صفحه .

# تروتسكي . تأليف ديفيد رينتون . لندن . مطبعه هوس , 2004 , 180 صفحه .

# مذكرات تروتسكي . تأليف روبرت سيرفس . لندن . مطبعة ماكميليان , 2009 , 600 صفحه .

# تروتسكي , قدر ثوري . تأليف روبرت ويسترخ . لندن . مطبعة روبسون , 1979 , 235 صفحه .

# تورتسكي للمبتدئين . تأليف الباكستاني طارق علي و فيل إيفانز . كمبريدج . مطبعة أيكون بوكس , 1998 . 164 صفحه .

# الثوري العالمي تروتسكي . تأليف ديمتري فولكوغونوف . ترجمة هارولد شوكمان . لندن . مطبعة هابركولينز , 1996 , 524 صفحه .

# مذكرات تروتسكي في المنفى عام 1935 . تأليف ليون تروتسكي . ترجمة إلينا زارودنايا . لندن , مطبعة فيبر , 1959 , 179 صفحه .

ولد ليون تروتسكي في أوكرانيا 7 نوفمبر 1879 وكان إسمه ( ليف دافيدوفتش برونشتاين ) وكان الطفل الخامس لعائله يهوديه غير متدينه لها 8 أبناء وكانت العائله تتكلم اللغتين الروسيه والأوكرانيه .

تزوجت ( أولغا ) أخته الصغرى من القائد البلشفي ( ليف كامينيف ) الذي سيصبح أول رئيس للدوله السوفييتيه بعد أكتوبر 1917 , أما تروتسكي فحال بلوغه التاسعه من العمر أرسله والده الى مدينة ( أوديسا ) للدراسة في مدارسها , وهي ميناء متطور يلتقي فيه الكثير من البشر وتختلف الحياة فيه عن بقية المدن الروسيه , والحياة في هذه المدينه ساهمت كثيراً في تعميق وتوسيع نظرة تروتسكي الى الحياة .

في أوديسا تعرف على الكثير من التنظيمات والمفاهيم الأناركيه التي تنظر الى الماركسيه على أنها مجرد ( يسار رومانسي ) يلتقي في محصلته مع أقصى غايات اليمين المتطرف لأنها تحول الفرد من ( عبد لفرد يملك رأس المال ) الى ( عبد للدولة التي تملك رأس المال ) .. ولهذا سيرفض تروتسكي الماركسية حين ستعرض عليه فيما بعد للإنضمام الى تنظيماتها . وعلى الرغم من أن تروتسكي يخبرنا في مذكراته ( حياتي ) أنه لم يكن يتحدث غير الروسيه والأوكرانيه .. غير أن الكثير من كتّاب سيرته يقولون أنه كان يتكلم الفرنسية بطلاقة ايضاً , وهذا معناه أنه كان يريد إخفاء شيء ما بإنكاره التحدث بالفرنسيه .

إنخرط تروتسكي في العمل الثوري منذ عام 1896 حين كان في 17 من العمر . وعرضت عليه فكرة الماركسيه لكنه لم يتفق معها , غير أنه أثناء نفيه وتعرضه الى السجن أصبح ماركسيا ً .

منذ قيام ماركس بنقل مقر الأممية من لندن الى نيويورك عام 1872 كان الأمريكان يدعمون التنظيمات الماركسية خارج الولايات المتحدة الأمريكيه بكل ما لديهم من إمكانيه رغم أنهم يناهضون تنظيماتها داخل القارة الأمريكية نفسها .. ولهذا كان التنظيم الماركسي الروسي هو أقوى التنظيمات الشيوعيه الموجودة على الساحة الروسيه أمام تروتسكي .

كان على تروتسكي من أجل إحداث التغيير داخل روسيا الإختيار بين عدة خيارات : أما أن يناضل فرداً وتلك مهمة مستحيله , وأما أن ينضمّ الى تنظيم ضعيف محكوم عليه بالفشل أو الموت وذلك إنتحار لا داعي له , أو أن يختار الخيار الأصعب .. وهو الإنتماء الى تنظيم قوي رغم خلافه العقائدي معه على أمل إحداث التغيير على مراحل .. ولنعد الى مقولته التي توّجنا بها هذا الموضوع (( لا يمكن تبرير الوسيلة بغايتها فقط , لأن الغاية بحد ذاتها تحتاج الى تبرير )) لندرك كم هي رهيبة تلك المحاكمة التي دارت في عقل الفتى السجين تروتسكي .. قبل أن ينطق بالحكم على نفسه بأن يصبح ماركسيا ً , وليكون هذا القرار هو البذرة التي ستنبت منها في المستقبل نظريته الثوريه في ( الثورة الدائمه ) .

عوضاً عن الحصول على شهادته في علم الرياضيات , قام بتنظيم ( إتحاد عمّال جنوب روسيا ) وقد إستخدم في تلك الفتره إسماً حركيا ً هو ( لفوف ) حيث قام بواسطته بكتابة وطباعة وتوزيع المنشورات لتعريف الناس بالأفكار الإشتراكيه خصوصاً في أوساط العمّال والطلبة الثوريين .

في نوفمبر 1898 تم إعتقال ما يزيد على 200 عضو في ( إتحاد عمال جنوب روسيا ) وبضمنهم تروتسكي حيث أمضى عامين في سجن إعتباطي بإنتظار المحاكمه . بعد شهرين من إعتقاله إنعقد ( المؤتمر التأسيسي للحزب الروسي الإشتراكي الديمقراطي العمالي ) فإعتبر تروتسكي نفسه على الفور عضواً في هذا الحزب .

أثناء وجوده في السجن تزوج رفيقته الماركسيه ( الكسندرا سوكولوفسكايا ) وبدأ بدراسة الفلسفه . بعد عامين من الحجز الإعتباطي حكم عليه عام 1900 بالنفي 4 سنوات الى سيبيريا , وفي سيبيريا ولدت إبنتاه ( زينيا فولكوفا ) التي ماتت منتحره حين أصبحت في 32 من العمر . و ( نينا نيفلسون ) التي ماتت بالسل وهي بعمر 26 سنه .

أثناء وجود تروتسكي في سيبيريا بدأ يفكر في إختلاف أفكاره مع الماركسيين , تلك الإختلافات التي تناساها أثناء فترة الأعتقال مدة سنتين بدات عام 1898 . بعض الديمقراطيين الإشتراكيين والذين يعرفون ب ( الإقتصاديين ) كانوا ينادون برفع المستوى المعيشي لطبقة الشغيلة العامله . بعض كوادر الحزب الأخرى كانت ترى بأن الإطاحة بالحكم القيصري أكثر أهمية وأن التنظيم الجيد والإنضباط الثوري أكثر أهمية للحزب . غير أن ليون تروتسكي وجد نفسه يقف في صف الرأي الذي تبنته صحيفة الحزب أسكرا ( الشراره ) التي كانت تصدر من لندن منذ عام 1900 .

هرب تروتسكي من سيبيريا عام 1902 ويقال بأن إسمه ( تروتسكي ) هو في الحقيقة إسم حارس السجن الذي كان معتقلاً فيه .. وهكذا أصبح إسمه الثوري الدائم هو : تروتسكي .

بعد هروبه من سيبيريا وصل الى لندن لينضم الى : فلاديمير لينين , ويوليوس مارتوف , وجورجي بليخانوف ( مؤسس الحركه الإشتراكيه الديمقراطيه الروسيه وأول من أعلن إنتماءه للماركسيه مما عرضه الى الملاحقه ) وبقية المحررين في صحيفة أسكرا ( الشراره ) . إتخذ تروتسكي لنفسه إسماً صحفياً هو ( بيرو ) ومعناه ( ريشة القلم ) باللغة الروسيه وسرعان ما أصبح واحداً من كبار كتّاب الصحيفه .

منذ هذه الفترة المبكره من النضال نستطيع أن نلاحظ أن لينين يحاول بناء مجده الشخصي على حساب روح النضال وطبيعة العلاقه التي تربط الرفاق فيما بينهم , ولهذا فمن دون أن يكون لتروتسكي أي علم بالموضوع . كان المحررون السته العاملون في صحيفة أسكرا ينقسمون الى فرقتين : ( الحرس القديم ) الذين يتبعون بليخانوف وكانت أعمارهم تتراوح بين 40 الى 50 سنه وعاشوا مع بليخانوف فترة 20 عام في المنافي الأوربيه . و ( الحرس الجديد ) الذين حاول لينين ومارتوف قيادتهم وهم شباب بأعمار 30 سنه قادمون حالاً من روسيا .

لينين الذي كان يحاول بناء أغلبية تدعمه مقابل أقليه تدعم بليخانوف داخل هيئة تحرير الصحيفه إقترح ضم تروتسكي الى هيئة التحرير وعدم تركه مجرد محرر عادي , نظراً للجهود التي يقوم بها تروتسكي في العمل الحزبي والصحفي ليصبح عدد المحررين 7 وهو العدد الذي لا يقبل القسمة على 2 وبهذه الطريقه يتم التغلب على مشكلة تعادل الأصوات عند التصويت على قرار ما داخل الهيئه .

بليخانوف لم يكن حديث عهد في علاقته مع لينين ولا غافل عن نواياه ولهذا عارض فكرة ضم تروتسكي الى عضوية الهيئه .. ومع هذا منح لينين الى تروتسكي وظيفة إستشاريه داخل هيئة التحرير أكسبت تروتسكي عداوة بليخانوف .

عام 1902 إلتقى تروتسكي ب ( ناتاليا إفانوفنا سيدوفا ) وتزوجها عام 1903 وعاشت معه حتى يوم مقتله , وأنجبت له ولدين ( ليف سيدوف 1906 ) و ( سيرجي سيدوف 1908 ) . في العام 1917 صرح تروتسكي بأنه ومن أجل أن يحصل ولداه على شهادة الجنسيه الروسيه فقد وافق على أن يحملا إسم عائلة والدتهما . ورغم زواجه الثاني إلا أن تروتسكي بقي على علاقة صداقه وطيده مع زوجته الأولى ( ألكسندرا سوكولوفسكايا ) التي إختفت 3 سنوات منذ العام 1935 في حملة التطهير الكبرى التي شنها ستالين الى أن تم قتلها عام 1938 .

بعد فتره من ملاحقة الشرطه , وبعض الإضطرابات الداخليه التي أعقبت المؤتمر التأسيسي الأول للحزب عام 1898 نجحت صحيفة أسكرا في عقد المؤتمر الثاني للحزب في لندن 1903 . حضر المؤتمر تروتسكي وبقية المحررين في أسكرا وسار المؤتمر كما كان مخططاً له وذلك بهزيمة جماعة ( الإقتصاديين ) أولاً , بعدها ناقش المؤتمر موضوع ( العصبه اليهوديه ) التي شاركت في تأسيس الحزب الروسي الإشتراكي الديمقراطي العمالي عام 1898 لكنها تريد البقاء تياراً منفصلاً بذاته داخل الحزب .

ما يعكس روح الخلاف الحاد داخل تنظيم الحزب , وعدم الثبات على المواقف , هو ما حصل مباشرة بعد نهاية المؤتمر الثاني للحزب إذ إنقسم كادر أسكرا الى قسمين : ( لينين ومناصروه ) الذين يؤمنون بالبلشفيه ( سيطرة الأقليه على قرارات الحزب ) . و ( مارتوف ومناصروه ) الذين يؤمنون بالمنشفيه ( سيطرة الأغلبيه على قرارات الحزب ) . التغير العجيب الذي وقع هو أن تروتسكي وأغلب محرري أسكرا ناصروا مارتوف … ضد لينين والذي ولمزيد من الغرابه ناصره رفيقه اللدود بليخانوف .

خلال عامي 1903 و 1904 قام الكثير من هؤلاء بتغيير مواقفهم وتحالفاتهم . سرعان ما تضارب بليخانوف مع البلشفيه . تروتسكي ترك المنشفيه عام 1904 بسبب إصرارهم على التحالف مع حركة ( الليبراليين الروسيين ) ومعارضتهم إعادة التشاور مع لينين والبلاشفه . ومنذ هذه اللحظه وحتى عام 1917 كان تروتسكي يسمي نفسه : اشتراكي ديمقراطي بلا فئه .

خلال الفتره ما بين 1904 وحتى 1917 حاول التوفيق بين فصائل متعدده للحزب مما أسفر عن صراعات حاده مع لينين وبقية الأعضاء البارزين في الحزب , وخلال هذه الفتره أيضاً كان قد بدأ بتنظيم وتطوير عمله على نظريته في ( الثوره الدائمه ) ولهذا ربطته علاقة عمل قويه من ( ألكسندر بارفوس ) ما بين عامي 1904 و 1907 . الإسم الحقيقي لأكسندر بارفوس هو : ( اسرائيل لازاريفيج جيلفلاند ) وهو ثوري روسي ومنظّر ماركسي وناشط في ( الحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني ) ويعمل وكيل للمخابرات الألمانيه .

بعد حادثة ( الأحد الدامي ) حين فتحت الشرطة القيصرية النار على مظاهرة سلميه حول قصر الشتاء القيصري وقتلت الكثير من المواطنين , عاد تروتسكي سراً الى روسيا عام 1905 وكان يكتب ويطبع المنشورات في مطبعة سريه في كييف , لكنه سرعان ما إنتقل الى العاصمه ( سان بطرسبرغ ) حيث عمل مع بلاشفه من أمثال ( ليونيد كراسين ) وفي نفس الوقت مع جمعيات مانشفيه ذات إتجاهات متطرفه .

السيء في الأمر أن وشايه من مخبر سري كانت قد وصلت الى السلطات عن تروتسكي جعلته يهرب الى فنلندا لفتره وحين عاد الى سان بطرسبرغ عمل مع بارفوس على إصدار صحيفة ( الجريده الروسيه ) بنصف مليون نسخه للعدد الواحد . كما أنه قام وبالتعاون مع بارفوس بإصدار صحيفة ( ناتشالو ) أي ( البدايه ) للرفاق من المانشفيك وكانت صحيفة ناجحة أيضا ً .

من قبل عودة تروتسكي الى العاصمه كان المانشفيك وبشكل طوعي يعدونه ( الثوري المستقل حزبياً ) الذي يمكن أن يمثل الشغيله في ( المجلس السوفييتي الأول ) , وبعودته الى العاصمه أثبت تروتسكي أنه يحوز على رضا ومساندة طبقة العمال أكثر من رئيس مجلس السوفييت الأول ( بيوتر خروستاليوف ) رغم أعتراض بعض البلاشفه .

إرتبط تروتسكي بمجلس السوفييت الأول تحت إسم ( يانوفسكي ) وتم إنتخابه نائباً للرئيس , حيث عمل الكثير من أجل المجلس , وحين تم إعتقال رئيس المجلس , تم صعود تروتسكي تلقائياً الى رئاسة المجلس . وبعد أيام تمت محاصرة المجلس من قبل قوات تابعه الى الحكومه وتم إعتقال الجميع .. وفي العام 1906 وجهت الى تروتسكي وبقية قادة المجلس تهمة دعم العصيان المسلح , وحكم عليهم بالنفي الى سيبيريا .

عام 1907 تمكن تروتسكي من الفرار من سيبيريا والذهاب الى لندن حيث حضر المؤتمر الخامس للحزب الإشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي . بعد ذلك انتقل الى فيينا حيث تولى بعض المهام في الحزب الإشتراكي الديمقراطي النمساوي والحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني لمدة 7 سنوات .

في فيينا توطدت العلاقة بين تروتسكي ورفيقه ( أدولف جوفي ) حيث بدأ معه ومنذ العام 1908 بإصدار صحيفه نصف شهريه باللغة الروسيه موجهه الى طبقة العمال الروس تدعى ( برافدا ) أي ( الحقيقه ) والتي شارك في الكتابة فيها إضافة الى تروتسكي كل من : أدولف جوفي , ماتفي سكوبوليف و فكتور كوبي . وكان يتم تهريب هذه الصحيفه الى داخل روسيا .

إنهارت العلاقه بين البلشفيك والمنشفيك عدة مرات بعد فشل ثورة 1905 – 1907 . على إثر ذلك تدارست كل من روسيا القيصريه مع بريطانيا من أين يأتي الدعم المالي والمعنوي لكل هذه الحركات البلشفيه والمانشفيه لتتحرك في عموم أوربا وداخل روسيا بكل هذه القوة والفاعليه !!؟ وحين تبين أن مصدر هذا الدعم كان أمريكياً .. تم توقيع معاهدة 1907 بين قيصر روسيا وملك بريطانيا في معاهده لتطويق أوربا من الشرق والغرب ضد تغلغل النفوذ الأمريكي فيها … وهذه المعاهده هي التي ستجعل الولايات المتحده الأمريكيه تشعل الحرب العالمية الأولى في أوربا .. وتسدل الستار الحديدي بين شرق أوربا وغربها حتى إنهيار الإتحاد السوفييتي 1991 .

بعد وقوع هذا الحلف الروسي القيصري _ البريطاني , كان على الفصائل الشيوعية البلشفيه والمانشفيه أن تعيد تنظيم أنفسها إستعداداً لمرحلة جديدة من النضال لأنها أصبحت مطارده في عموم أوربا , ولهذا ففي إجتماع اللجنة المركزيه للحزب الإشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي في كانون الثاني 1910 الذي عقد في باريس , أصبحت جريدة برافدا التي يرأس تروتسكي تحريرها ممولة من قبل اللجنة المركزية للحزب , فيما قام تروتسكي بضم ( ليف كامينيف _ زوج أولغا أخت تروتسكى الصغرى , وهو بلشفي ) الى هيئة تحرير صحيفة البرافدا .

لم تستمر محاولة لم الشمل طويلاً , بوصولنا الى آب 1910 إستقال كامينيف من عمله في صحيفة البرافدا وسط سيل من الإتهامات المتبادله بينه وبين صهره , ومع هذه الإستقاله توقف تمويل الحزب للجريده .. لكنها استمرت تعمل بتمويل ذاتي حتى عام 1912 حيث توقفت عن الصدور .

قام البلاشفة بإصدار صحيفة بلشفيه في سان بطرسبرغ عام 1912 تحمل إسم ( برافدا ) أيضا ولهذا كان تروتسكي غاضباً جداً لإنتحال إسم صحيفته ولهذا فقد قام عام 1913 بكتابة رساله الى القائد المانشفي ( نيكولاي جيخايدز ) يذم فيها لينين والبلاشفه بمرارة وقسوه . وعلى الرغم من سرية الرساله إلا أن نسخة منها وصلت الى أرشيف الشرطه وحفظت فيه بأمانه , حين مات لينين عام 1924 إستل ستالين تلك النسخه من الأرشيف وعممها على الملأ للبرهنه على خيانة تروتسكي لأهداف الثوره وعداوته الى لينين منذ زمن بعيد .

التصعيد السياسي بين تروتسكي ورئاسة الحزب عام 1912 أدى الى إثارة قضايا خلافيه كبيره بين البلشفيك والمانشفيك كان أخطرها معارضة تروتسكي والمانشفيك لعمليات السرقه المسلحه التي قام بها لينين والبلشفيك للمصارف والشركات والبنوك بحجة تمويل نشاطهم الحزبي , ورغم المصادقة في المؤتمر الخامس للحزب على تحريم مثل هذه الأفعال .. لكن البلاشفة واصلوا القيام بها دون إهتمام بقرار الحزب .

كانون الثاني 1912 قام لينين والبلاشفه وبعض المانشفيك معهم بعقد مؤتمر في براغ وأعلنوا طرد منافسيهم من الحزب . رداً على ذلك نظّم تروتسكي إجتماعاً موحداً لجميع فصائل الحزب في فيينا عرف ب ( كتلة آب ) حاول فيه توحيد الحزب , لكن محاولته باءت بالفشل .

من فيينا واصل تروتسكي نشر مقالاته في صحف روسيه وأوكرانيه متطرفه مثل ( كييف سكايا ميسل )

تحت أسماء مستعاره كثيره أهمها إسم : أنتيد أوتو . في أيلول 1912 أرسلته هذه الصحيفه ليكون مراسلها الحربي من البلقان . وفي 3 آب 1914 إندلعت الحرب العالمية الأولى , وحيث تروتسكي يحمل الجنسية الروسيه وهي في حرب مع الإمبراطوريه الهنكاريه النمساويه ( دلمسيا ) لهذا أجبر على مغادرة فيينا فذهب الى سويسرا ليتحاشى الإعتقال اذا ما عاد الى روسيا .

إندلاع الحرب أدى الى توحيد موقف الصفوف داخل الحزب الديمقراطي العمالي الروسي , وبقية الأحزاب الإشتراكيه الأوربيه حول قضايا الحرب والسلم والثوره والأمميه . لينين وتروتسكي ومارتوف طالبوا بموقف عالمي مناهض للحرب , بينما بليخانوف وبعض الإشتراكيين الديمقراطيين ( بلاشفه ومناشفه ) كانوا يميلون الى جانب الحكومة الروسية القيصريه .

من سويسرا عمل تروتسكي من خلال الحزب الديمقراطي السويسري للتوصل الى إتفاقية عالميه ضد الحرب , وألّف كتاباً في هذا الموضوع هو ( الحرب العالميه ) ناهض فيه جميع الديمقراطيين الإشتراكيين الأوربيين الذين ناصروا الحرب .. وأولهم الحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني .

إنتقل تروتسكي الى فرنسا عام 1914 حيث عمل كمراسل حربي لصحيفة ( كييف سكايا ميسل ) . وفي باريس تبنى مقولة (( سلام بلا تعويضات أو ضم أرض , سلام بلا فاتحين او مفتوحين )) التي لم يتفق معها لينين الذي كان يطالب بهزيمة روسيا في الحرب وتقطيع أوصالها , وهذا ما أدى الى خراب علاقة لينين بالكامل مع الأممية الثانيه .

عام 1915 شارك تروتسكي في مؤتمر زميروالد الإشتراكي المناهض للحرب , وعا الى موقف وسط بين اشتراكيين مصرين على البقاء مع الأممية الثانيه مهما كان الثمن مثل مارتوف , واشتراكيين مصرين على فرط العقد مع الأمميه الثانيه لتأسيس أمميه ثالثه مثل لينين . وقد تبنى المؤتمر فعلاً هذا الموقف الوسط , وفي النهايه قبل لينين بقرار تروتسكي لتجنب إنشطار الإشتراكيين المناهضين للحرب الى فئات .

آذار 1915 تم ترحيل تروتسكي من فرنسا الى إسبانيا بسبب مناهضته للحرب . السلطات الإسبانيه قامت على الفور بترحيله الى الولايات المتحدة الأمريكية التي وصلها في ديسمبر 1916 . حين وصل الى نيويورك بدأ الكتابه الى صحيفه ( نوفي مير ) الناطقة باللغة الروسيه , والصحيفه اليوميه الناطقه بلغة اليدش ( دير فورفتس ) , كما قام بإلقاء الخطب بين جماعات الروس المهاجرين .

كان تروتسكي يعيش في نيويورك حين وقعت ثورة شباط 1917 في روسيا , حال سماعه الخبر استقل سفينة للعودة الى روسيا للمشاركة في الثوره , لكن البحرية البريطانيه اعترضت السفينه في كندا ( وهي مستعمره بريطانيه ) حيث بقي محتجزاً حتى 29 نيسان .

حين وصل الى روسيا في 4 مايس كان على إتفاق أولي مع البلاشفه , لكنه وجدهم منقسمين الى 6 مجاميع على الأقل وينتظرون الإنعقاد التالي للمجلس الأعلى ليتم القرار كيف سيوحدون أنفسهم من جديد , ولهذا فقد إنضم مؤقتاً الى منظمه ( مزهرايانتسي ) الاشتراكية الديمقراطيه الإقليميه في سان بطرسبيرغ حيث أصبح على الفور واحداً من قادتها , وفي حزيران حين عقد ( المجلس الأول للسوفييت ) تم إنتخابه عضواً في أول ( لجنه مركزيه خاصه لعموم روسيا ) ممثلاً ل ( مزهرايانتسي ) في هذه اللجنه .

بوصولنا الى يوم 18 حزيران كانت روسيا قد تعرضت الى هزيمة كاسحه أمام الإمبراطوريه الهنكاريه النمساويه في واحدة من أكبر معارك الحرب العالمية الأولى أدت الى تصدعات خطيره في الحكومة الروسية الجديده فتم إعتقال تروتسكي يوم 7 آب 1917 ولكن تم إطلاق سراحه بعد 40 يوم للوقوف بوجه مسرحية الإنقلاب الذي قام به كورنيليوف ( أرجو العودة الى موضوعي المنشور على الموقع تحت عنوان : الحرب العالمية الأولى والبلشفيه ) لمزيد من التفاصيل .

أثناء إنقلاب أكتوبر 1917 على ثورة شباط من نفس العام , أصبح تروتسكي في صف لينين ضد ( جورجي زينوفييف) و ( ليف كامنيف ) حين ناقشت اللجنة المركزيه القيام بعمل مسلح للقضاء على الحكومة الإقليميه التي يرأسها ( ألكسندر كيرينسكي ) .

بعد إنقلاب أكتوبر وحين سيطر البلاشفه يدعمهم الأمريكان على الحكم في روسيا أصبح تروتسكي ( المفوض الشعبي للشؤون الخارجيه ) بمعنى ( وزير خارجيه ) وهو الذي قام بنشر المعاهدات السريه بين كل من روسيا وبريطانيا وفرنسا على تقاسم العالم بنهاية الحرب العالمية الأولى و ( معاهدة سايكس بيكو ) كان من ضمن ما قام بنشره .

ترأس تروتسكي الوفد السوفييتي الى محادثات السلام في ( بريست ليفستوك ) من 22 ديسمبر 1917 – 10 شباط 1918 . لينين الذي كان يطمح الى ثورة سوفييتيه في ألمانيا واجزاء اخرى من اوربا وكان يرى بأن الصراع في ألمانيا دون تدخل قوات سوفييتيه قويه سيؤدي الى سقوط الحكومة السوفييتيه في موسكو ولهذا لم يهتم لطول فترة مفاوضات السلام , أما تروتسكي فكان يؤكد على أن الجيش الروسي الذي ورثته الحكومه السوفييتيه عن روسيا القيصريه , والجيش الذي ورثته عن حكومة شباط التي أطيح بها , هما من الضعف بحيث لا يمكن زجهما في مثل هكذا حرب , أما الحرس الأحمر والجيش الأحمر فهما لا يكفيان , ولهذا ينبغي حث الجيش الألماني على العصيان وشن العمليات الإرهابيه داخل ألمانيا لتدمير النظام فيها .

تم توقيع معاهدة بريست ليفستوك يوم 3 آذار وصودق عليها يوم 15 آذار 1918 عندها إنسحبت روسيا من الحرب العالمية الأولى وإستقال تروتسكي من منصبه ك ( مفوض شعبي للشؤون الخارجيه ) يوم 13 آذار فتم تعيينه على الفور بمنصب ( المفوض الشعبي للشؤون العسكريه والبحريه ) وبطرد القائد العام للجيش أصبح تروتسكي يملك كامل السيطره على الجيش الأحمر , وقيادة الحزب وحدها القادره على مساءلته عن أي قرار يتخذه , وكل هذه تدابير للمرحلة التاليه من الحرب .

الحرب العالمية الأولى ما هي إلا مسرحية أمريكيه هابطة المستوى بجميع تفاصيلها الهدف منها هو شق التحالف الروسي البريطاني الذي تم توقيعه عام 1907 من أجل منع تغلغل النفوذ الأمريكي في قارة أوربا . وحالما تمكن الأمريكان من إيصال البلاشفه الى حكم روسيا في إنقلاب أكتوبر 1917 كان على الفصل الأول من هذه المسرحيه أن ينتهي وهكذا إنتهت الحرب العالمية الأولى بهدنه , لكي يأخذ الجمهور فتره راحه قصيره بعدها يبدأ الفصل الثاني من المسرحيه .

الفصل الثاني من المسرحية الأمريكيه ( الحرب العالميه الأولى ) تمت تسميته ب ( الحرب الأهليه الروسيه ) . حالما انسحبت روسيا من الحرب العالمية الأولى ووقعت معاهدة صلح مع ألمانيا . تم توقيع الهدنه مع دول المحور يوم 11 تشرن الثاني 1918 .

بريطانيا وهي ترى نفسها وقد خسرت الحلف مع روسيا القيصريه ولا أمل البته مع البلاشفه الذين لا يتقبلون ولا يتعايشون ولا يتحالفون مع أي شكل من أشكال الرأسماليه , لم يكن بيد بريطانيا غير خيار مقاتلة البلاشفه وهكذا وقعت الحرب الأهلية الروسيه واستمرت 6 سنوات , شاركت في هذه الحرب جيوش من 14 دوله على رأسها الولايات المتحده داعمه للبلاشفه من جهة _ وعلى الجانب الآخر تقف ( بريطانيا وفرنسا , استراليا , كندا , الهند , تشيكوسلوفاكيا , فنلندا , اليونان , ايطاليا , اليابان , بولندا , رومانيا , صربيا ) داعمين لكل ماهو معادي للبلشفيه .

منذ العام 1918 برز الخلاف بين تروتسكي وستالين الى السطح بسبب تعيين أو عزل قائد عسكري . والحرب سببت خسائر ماليه أدت الى تشظي الحزب الى عدة كتل منذ العام 1920 , كتلة لينين , كتلة تروتسكي , وكتلة بوخارين , وكتل أصغر لكنها أكثر تطرفاً مثل الكتلة العماليه المعارضه التي ترأسها ( ألكسندر شلايبنكوف ) , والكتله المركزيه الديمقراطيه التي كانت نشيطة للغايه .

تروتسكي من موقعه كقائد عسكري ومفكر ثوري رأى أن إصلاح الطرق وخطوط السكك الحديد التي تدمرها الحرب هو وسيلة ناجحه لتحسين الوضع الإقتصادي للبلد والقضاء على جزء من الضائقة الماليه , فإنتقده لينين بشدة معتبراً كلامه ( إزعاج بيروقراطي للنقابات العماليه ) وتحريض على فئات من الشعب .. وهكذا الى أن خرج النزاع بينهما عن حدود السيطره الى الحد الذي توزع فيه حتى أعضاء اللجنة المركزية للحزب الى مناصرين أما الى لينين أو الى تروتسكي .

نهاية عام 1921 إشتد المرض على لينين ولهذا كان أغلب الوقت خارج موسكو . أصيب بثلاث سكتات دماغيه ما بين 26 مايس 1922 حتى 10 آذار 1923 سببت له الشلل وفقدان القدره على النطق حتى مات يوم 21 كانون ثاني 1924 .

منذ العام 1922 وبتدهور صحة لينين شكّل كل من ستالين وزينوفييف و ليف كامنيف ( ترويكا ) أي تحالف ثلاثي فيما بينهم على أن لا يحل تروتسكي الرجل الثاني في الدوله , محل لينين عند رحيله عن الحياة , وفيما بعد إنضم الى هذه الترويكا بقية أعضاء اللجنة المركزيه للحزب : رايكوف , تومسكي , بوخارين .

كان تروتسكي في القوقاز حين سمع بخبر وفاة لينين فقرر العودة فوراً الى موسكو , وصلته برقيه من ستالين تعلمه بتواريخ غير صحيحه عن مواعيد تشييع الجنازه من أجل أن يكون غائباً يومها لأنه قائد جماهيري محبوب رغم بعض أخطائه وحضوره الجنازه قد يؤدي الى ما لا تحمد عقباه بالنسبة الى ستالين .

في المؤتمر الثالث عشر للحزب وجه الرفاق جميعاً إنتقاداتهم الى تروتسكي والتي تركزت حول عدة مزاعم هي :

# الزعم بعدم إتفاق تروتسكي مع لينين والبلاشفه وصراعه معهم منذ أكتوبر 1917 .

# الزعم بتشويه تروتسكي لسمعة أحداث أكتوبر 1917 من أجل تسليط الضوء على نفسه وما قام به هو وليس البلاشفه .

# الزعم بعلاقة تروتسكي السيئه مع مرؤوسيه , وبعض أخطائه أثناء فترة الحرب الأهليه الروسيه .

لم يتمكن تروتسكي من الرد بسبب مرضه رغم أن الرفاق دمروا له سمعته العسكريه مما جعله يستقيل من منصبه كمفوض شعبي للجيش والبحريه , ومن منصبه كقائد للمجلس العسكري الثوري .

زينوفييف طالب بإقالة تروتسكي من الحزب أيضاً لكن ستالين رفض ذلك ولعب دور المتسامح , حيث ترك لتروتسكي مقعده في الحزب لكنه وضعه تحت رقابة مشدده . تم تعيينه في 3 وظائف جديده : رئيس لجنة الإمتيازات , رئيس مجلس الكهرباء , ورئيس المجلس العلمي للتقنيات الصناعيه . كتب عن ذلك في كتابه ( حياتي ) يقول : (( أخذت قسطاً من الراحه من العمل السياسي وشغلت نفسي ببرنامج عمل أعلى من أذني , لكن بعض الروايات ترسم لي لي صورة رجل مبعد ومشتت )) .

أخيراً إنفرط العقد بين الرفاق , بوخارين ورايكوف بقوا الى جانب ستالين , بينما كوربسكايا وجورجي سوكولنيكوف أصبحوا الى جانب زينوفييف وكارمينيف وأصبح الصراع بينهم مفتوحاً أثناء إنعقاد مؤتمر اللجنة المركزيه للحزب عام 1925 . زينوفييف وكارمينيف أطلقت عليهما تسمية ( المعارضه الجديده ) في حين إلتزم تروتسكي الصمت ولم يتكلم .

مناصروا زينوفييف وكارمينيف في المعارضة الجديده تقاربوا من مناصري تروتسكي خلال عام 1926 وتم عقد تحالف بينهما اطلقت عليه تسميه ( المعارضه المتحده ) والتي عارضت مواقف ستالين من الثوره في الصين خلال الأعوام 1926 _ 1927 مما دفع ستالين الى استعمال الشرطه السريه لتعقب ومطاردة المعارضين .

أكتوبر 1927 تم طرد تروتسكي وزينوفييف من اللجنة المركزيه ثم طردا من الحزب الشيوعي في الشهر التالي .

إصرار تروتسكي ومؤيدوه على إستمرارهم بالمعارضه جعلت السلطات تنفي تروتسكي الى كازاخستان عام 1928 ثم تبعده الى تركيا عام 1929 مع زوجته ناتاليا سيدوفا وإبنه ليف سيدوف . أما مناصرو تروتسكي الذين بقوا في داخل الإتحاد السوفييتي فقد تم سحقهم بالكامل في حملة التطهير العظمى التي وقعت في عهد ستالين في وقت لاحق .

وصل تروتسكي الى اسطنبول عام 1929 حيث بقي فيها 4 سنوات . وكان فيها الكثير من مناصريه الذين عملوا لديه تطوعاً كأفراد حمايه لأنه كان مستهدفاً من سلطات بلده .

منحته فرنسا اللجوء عام 1933 ولكن تم إعلامه أنه لم يعد مرحباً به في فرنسا عام 1935 فإنتقل الى النرويج وعاش في منطقة قريبة من أوسلو , وبعد عامين وبطلب من الحكومه السوفييتيه تقررت عليه الإقامة الجبريه في بيته في النرويج .

بطلب من الرئيس المكسيكي ( لازارو كرديناس ) تم نقله بكل حفاوه الى المكسيك حيث عاش في نيو مكسيكو في ( البيت الأزرق ) مع الرسّام ( دييغو ريفييرا ) وزوجته , وصديقتهما الرسّامه ( فريدا كاهلو ) التي كانت على علاقة مع تروتسكي . ثم غيّر سكنه الى بيت قريب عام 1939 بعد مشكله حصلت بينه وبين صديقه الرسام صاحب البيت .

خلال هذه الفتره ألّف كتباً عديده من بينها ( تاريخ الثورة الروسيه ) و ( خونة الثوره ) وإنتقد الإتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين و الستالينيه حيث وصفه بأنه أصبح دوله عماليه تسيطر عليها بيروقراطيه غير ديمقراطيه أطاحت بالثورة السياسيه من أجل التحول الى طبقه رأسماليه على حساب العمال .

أثناء تواجده في المكسيك عمل تروتسكي مع : جيمس كانون و وجوزيف هانسن وفاريل دوبس من ( الحزب الإشتراكي العمالي في الولايات المتحده الأمريكيه ) .

في آب 1936 وقعت محاكمه في موسكو الى كل من زينوفييف وكامينيف و14 رفيق آخر إعترفوا أنهم خططوا مع تروتسكي من أجل إغتيال ستالين . وجدتهم المحكمه مذنبين وحكمت عليهم بالإعدام .. أما تروتسكي فقد حكم عليه بالإعدام غيابيا ً . محاكمه ثانيه وقعت في كانون الثاني 1937 الى كل من كارل راديك وجورجي سوكولنيكوف ويوري باياتاكوف و14 آخرين إعترفوا بجرائم كلها ذات علاقه بتروتسكي .

كل هذا من أجل التهيئة لعمل سيقع ضد تروتسكي لأنه ومنذ العام 1933 بدأ يتعارض مع الأممية الثالثه التي وافقت على صعود الحزب النازي الى الحكم في المانيا , والحزب النازي لم يصعد الى السلطه عن كفاءة أو جداره ولكن كلنا نعرف اليوم أن ذلك الصعود تم بدفع من البنوك الأمريكية العاملة في أوربا بعد الحرب العالمية الأولى . ومثلما صنعت المخابرات البريطانيه موسوليني والحزب الفاشي في ايطاليا فإن البنوك الأمريكيه هي التي صنعت هتلر والحزب النازي في ألمانيا .

تعارض تروتسكي مع الأممية الثالثه منذ العام 1933 جعله يعلن عن تأسيس الأممية الرابعه عام 1938 لتكون بديلاً عن الأممية الثالثه التي أسسها لينين وورثها عنه ستالين ليوافق بها على صعود الحزب النازي الى قمة السلطه في ألمانيا والذي يتعارض مع مصالح جميع دول أوربا ولا يخدم غير مصلحة الولايات المتحدة الأمريكيه وبنوكها التي تشفط ثروات اوربا أولاً بأول .

عام 1939 وافق تروتسكي على الذهاب الى الولايات المتحده الأمريكيه للمثول أمام لجنة مارتن دايز للشهاده على إضطهاد وقمع الحزب الشيوعي الأمريكي من قبل الحكومة الأمريكيه , ولكن لأنه قرر قول الحقيقه وهي أن الحكومة الأمريكية تضطهد ليس شيوعييها وحدهم وإنما تضطهده هو وأتباعه ايضا ً .. رفضت اللجنة الإستماع إليه وإتهمته بأنه مدفوع الثمن بأموال أصاحاب شركات النفط الأمريكيين .

خلال هذه الفتره كان تروتسكي مريضاً ويعاني من إرتفاع حاد في ضغط الدم ويخشى من حدوث نزيف في الدماغ أية لحظه ولذلك كان يقول بأنه قد ينهي حياته بالإنتحار في أية لحظه .

وكان يشعر بالألم كل لحظه على زوجته الأولى ورفاقه الذين سحقهم ستالين في حملة التطهير الكبرى عام 1935 . 27 شباط 1940 كتب وثيقة عهد تروتسكي ومن ضمن ما قاله فيها (( لمدة 42 سنه قاتلت تحت الراية الماركسيه , لو كانت لي إمكانية البداية من جديد فإني بالطبع سأتحاشى ذلك الخطأ )) .

يوم 24 مايس 1940 تعرض منزله الى غاره قامت بها مجموعة من الشرطة السريه السوفييتيه تحت قيادة ( إوسيف غريغ وايفتج ) حيث كان تروتسكي برفقة عدد من أصدقائه الفنانين .. وتم إختطاف حارسه الشخصي وقتله فيما بعد .

20 آب 1940 تعرض تروتسكي الى هجوم في منزله بواسطة فأس وقام بالهجوم شرطي سري يدعى ( رامون مركادير ) . ذكر شهود ان تروتسكي حين شعر بمهاجمه بصق عليه وأخذ يقاتله بقوه لكن القائل كان يحمل فأساً ضربه بها ضربه لم تقتله في الحال . حين دخل حارس تروتسكي الغرفه حاول قتل القاتل لكن تروتسكي أمره بتقييده وتسليمه للشرطه لمعرفة من هو ومن أرسله .

أخذ تروتسكي الى المستشفى حيث أجريت له عملية جراحية في الحال عاش بعدها يوماً واحداً ثم مات يوم 21 آب 1940 نتيجة الصدمه والنزيف الحاد وكان عمره ستون عاما ً فقط .

آخر عبارة قالها قبل أن يموت سجلها لنا رفيقه وصديقه جيمس كانون سكرتير الحزب الإشتراكي العمالي في الولايات المتحده الأمريكيه حيث قال : (( أنا لن أنجو من هذا الهجوم . أنجز ستالين أخيراً العملية التي حاول معها كثيراً دون جدوى )) .ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

The Islamic Dilemma – 04 – Backgrounds of the Quran – Ep3


The Dilemma of the Muslims Holy Book) General discussions on the Quran and its role in terms of Sharia Law, Jihad and other Islamic rituals and religious practices

Posted in English, يوتيوب | Leave a comment

حيـن قالـت لـي معلّمتـي: “حافـظ الأسـد كمـا اللـه لا يمـوت”

فرح السيد : موقع ناو

عهدُنا أن نتصدّى للإمبريالية والصهيونية والرجعية وأن نسحق أداتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة.

أمام المرآة رحتُ أُردّد هذه العبارة لأحفظها من دون أن أفكر بفحواها. هكذا طُلب منّا. ردّدتها طويلاً وأنا أقصّ “كنزتي” العسكرية ليبقى منها ياقة أرتديها تحت السترة العسكرية.

في صباح كل يوم كنت ألملم دفاتري السوفييتية التي استُبدِلت فيها صورة ستالين بصورة “قائد مسيرة التصحيح”، وأجمعُ بعض الكتب بما فيها كتاب القومية العربية المشبّعة بأقوال “القائد الرمز” حافظ الأسد، ولاحقاً بأقوال”السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد”، وأتّجه إلى المدرسة.

هكذا نشأنا نحن تحت قبعة “البعث” بإشراف “الأب القائد”، مشاريعَ جنودٍ صغارٍ منذ عمر السنوات السبع. إذ من ذاك العمر كان واجباً علينا الإنتساب لمنظمة “طلائع البعث” مروراً بـ”شبيبة الثورة”، وصولاً إلى الحزب “العملاق”.

الساعة السابعة صباحاً، في طابور المدرسة نصطف جميعنا بانتظام، نرتدي قبعات الزي الرسمي (السيدارة)، تكشف الطالبات المحجّبات عن شعورهن، فلا حجاب مسموحاً داخل المدارس. على خصورنا علّقنا “الحزام الزيتي” كالرجال (المعروف بإسم النطاق)، يتم التأكد من خلو ملامحنا من أي تبرّج عبر إمساك رموشنا وحفّها بين أصابع مدرِّبة “العسكرية”. في بعض الحالات تمسك المدربة برأس إحدانا وتضعه تحت الماء وتفرك الوجه بيديها الغليظتين، حتى تتأكد من أن لا شيء سيعكّر الوجه البعثي في الطابور المقدّس الذي تشرف عليه.

نأخذ الإيعاز، نرفع رؤوسنا باتجاه العلم السوري المرفرف على حافة الحائط الحجري الجاف مستعدّين للأوامر العسكرية، وأمامنا يقف أساتذتنا بزيّهم المدني، ثم يصدح النشيد الوطني.

المناسبات الوطنية، ما أكثرها في ظل انتصارات الأسد العديدة: ميلاد الحزب، ذكرى الحركة التصحيحية المجيدة، وحرب تشرين التي انتصرت فيها إرادة “الجيش السوري على العدو الغاشم”، بحسب أقوال “الرئيس الخالد حافظ الأسد” التي غزت جدران المدرسة كلها والتي تترافق مع رسومات تصور “قواتنا الباسلة”.

وكنا نحن نستعد لهذه المناسبات، كما اعتادت ان تتحضر لها كل الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة، وكان يسبق هذا اليوم المجيد عطلة للتحضير للرقصات والعروض المسرحية والهتافات والأناشيد التي تمجد القائد وتبجّل القائد وتحتفي بالقائد. وكنّا نقف جميعنا “رعايا الأسد” مستعدين، ويبدأ الأطفال مرتدين زيّ الطلائع بالغناء أمام صورة الرئيس: “للبعث يا طلائع، للنصر يا طلائع، أقدامنا حقول، طريقنا مصانع، وتلمع الرايات في مواكب الطلائع، يا راية الحرية يا شعلة القضية….”، وهكذا يتحول الطفل إلى عسكري، ويبدأ بتعلّم أن يكون جزءاً من القطيع، والتبعية الخالصة للقوة الأكبر، ويعتاد على ترداد ما يقال له.

ويهجم “أشبال الأسد” شبيبة الثورة، برقصة عسكرية على وقع أنغام نشيد “تسلم للشعب يا حافظ، أمل الملايين يا حافظ، علّيت الراية يا حافظ …”، فيما يجهِّز رجال “حزب البعث” من طلبة الثانوية عرضهم المسرحي في محاولة لإعادة تمثيل منجزات وانتصارات الحزب بقيادة الأسد. وتختتم الاحتفالات ويشبع النظام غريزته في السلطة برؤية الجيل الجديد خاضعاً له.

أنت كسوري مراهق مُجبَر على الانتساب لشبيبة الثورة ومن ثم حزب البعث، خيارك فيهما أن تنتسب أو أن تنتسب. أما أن تكون مراهقاً كردياً سورياً، فعليك أنت غير العربي أن تقول، على نحو ما حصل مع زميلتي: “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، فهذه مفارقة لا تعنيهم. عليك أن تقول ذلك، حتى لو لم تكن مؤمناً به. قلُه وغادر إلى منزلك ونم.

لأول مرة تشعر بأن لسانك تخدر، وأن أطرافك بدأت ترتجف، وهنا تتعلم الانصياع لأوامر النظام وتشعر بالخوف للمرة الأولى على نفسك وعلى أسرتك، تتعلم الصمت تحت قسم الانتساب وفق الفساد الدستوري للمدرسة والقائمين عليها، فيما يتعلم الطلبة في بلاد أخرى كيفية التعامل مع مرحلة البلوغ.

10 حزيران 2000 مات حافظ الأسد، وكان موته معجزة سماوية، كنّا نظن أن الديكتاتور “الأب” لا يموت، فتمجيده اليومي أثناء تعلّمي للنطق، جعل موته عصياً حتى على الآلهة.

حينما استلم بشار الرئاسة دخلتُ إلى المدرسة بعد عطلة صيفية توزّعت بين الحزن على موت “الخالد”، والتهليل بتعيين الابن، كنا مرتبكين حول ما سنردّده من شعارات، وإذ بها لم تختلف إلا بإضافة كلمة خالد ملازمة لإسمه، بقي قائدنا إلى الأبد الأمين (الخالد) حافظ الأسد، و”استرح”…

دخل الجميع إلى صفوفهم، دفعني فضولي المراهق إلى الركض نحو المديرة. أخذتُ نفساً عميقاً ووضعت رأسي في الأرض (بحسب العادة) وقلت لها: “بما إنو حافظ مات واستلم بشار، ليش ما بنقول قائدنا إلى الأبد الأمين بشار الأسد”، أمسكتني من شعري في حينها وأدخلتني الى مكتبها وأغلقت الباب، وقالت بصوت خافت: “الرئيس حافظ الأسد ما بيموت، متل الله”.

فتحَت الباب، وضعَت يدها الثقيلة على كتفي الصغير، نادت مدربة “العسكرية” وقالت لها: “نزّليها لتحت خلّيها تزحف كل الساحة، وبعدين توقف على رجل وحدة طول النهار”. لم تسألها عن السبب ولم يكن يحق لي الاعتراض آنذاك.

ذاك اليوم أصابني إرهاق قوي بما يريدونني أن أكون، مراهقة تمارس بعثهم بكل استسلام، إلى أن تم تسريحي من المدرسة بعد الثانوية، وبدأتُ مرحلة أخرى أركل فيها كل ما في داخلي من نظامهم، بحذر.. عبر غزة ومصر وليبيا، إلى أن أتت اللحظة لأفجّر كما فعل الكثيرون الخوف من الأب الخالد والابن، ومن نظام المخابرات الذي ألصق نفسه على نضوجي، وكانت الولادة الحقيقية والبلوغ الطبيعي لأجيال عدّة تربّت كالعسكر الخاضع لتخدم الأسد، بأن تلعن روحه وتثور ضده وضد 40 عاماً من تاريخهم معه.

الساعة الواحدة ظهراً في أحد أيام آذار 2012 خرجَت 3 فتيات في وسط دمشق، حملن لافتات الحرية، وتوجّهن نحو المدرسة التي تلقّين فيها تعليمهن. وقفن أمامها، على رغم وجود رجال الشرطة وعناصر الأمن في كل ثقوب الشارع. على مرأى من كل العابرين، رفعن لافتاتهن في وجه 18 عاماً.

لقد نفّذت هؤلاء الفتيات الثلاث ثورتهن الخاصة في وجه النظام وانتقمن لطفولة دمّرها نظام”البعث”.

صحيح أن لكل سببه كي ينخرط في الثورة على النظام، لكن كل السوريين تعرضوا لتشويه واحد في مدارس “البعث” العسكرية.

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

من زياد الصوفي: تشبيح عائلة الاسد

القصة:

أجاني كتير أيميلات عم تسألني: كل القصص اللي عم تحكيها يا زياد من أيام حافظ الأسد، باشارة من المرسلين أنو يا ترى التشبيح وقف بأيام بشار؟؟

التشبيح ما وقف و لا بعمرو رح يوقف مادام هالعيلة النسة موجودة..

حكاية اليوم صارت من شهرين تماما كبرهان لحكيي..

لسبب من الأسباب، و ما رح أدخل بالتفسير، رح أتركلكون الكون التدوير عن الدوافع.. من بداية الثورة حاول النظ…ام يظهر أخواننا المسيحيين باللادقية على أساس أنو هنن مع النظام..

لحتى ما كون منافق، قدر ينجح بالبداية بجذب طبقة معينة من المسيحيين لصفو، الشي اللي أعطى انطباع أنو كل المسيحيين مع النظام..

و هاد انطباع غلط بالمطلق..

بالاشهر الأخيرة، لجأت هالعيلة للضغط على أخوانا المسيحيين لما اكتشفو أنو هنن بالأغلبية ضدهون..

الخطف كان و مازال أهم أسلوب من أساليب شبيحة النظام باللادقية للضغط ماديا و نفسيا على المسيحيين و الأمثلة كتيرة، بيوم تاني منحكي فيها..

حكاية اليوم صارت باللادقية، المشروع الأول من شي شهرين تماما..

المشروع الأول يعتبر من المناطق الراقية بالمدينة، و سكانو خليط من كل الطوائف..

جورج جبور ( أبو زياد )، شب من هالحارة، سحب كم متر من بيت أهلو و عملهون محل لتأجير و بيع الأفلام لحتى يقدر يعيش..

شخص محبوب من محيطو، و قدر بوقت قصير يربي زباين بهالوقت الصعب باللادقية..

سليمان الأسد ابن هلال، اتسلط على هالمحل.. و صار كل يوم يجي ياخود الأفلام و سيديات الموسيقا بدون ما يدفع حقها..

أبو زياد، قال يقلبو معلشي خليه يجي و ياخود هالافلام ببلاش بس يكف بلاه عني و عن هالمحل…

بس سليمان ما اكتفى بهالموضوع …

كل ما دخل عالمحل مع خمسة مسلحين من مرافقتو، يتغالظ عكل الموجودين، و يتزعرن عالبنات الموجودين جوا..

شهر كامل على هالحالة..

جورج بيقرر يحكي مع سليمان بهالموضوع، قلو بكل أدب: يا استاذ سليمان يا ريت لما بتجي لعندي، ما يدخلو الشباب مرافقتك عالمحل، عم يطفشولي الزباين..

كانت ليلة خميس، و المحل مليان عالم، و الحارة معباية شباب و صبايا و أشبال الأسد اللي ما بيعرفو يعملو شي إلا يزاورو الرايح و الجاية..

بيجن جنونو لسليمان أنو كيف أبو جريج بيطلب منو هالطلب..

بنص المحل و قدام كل العالم،بيسحب مسدسو و بيقرطو كف لأبو زياد بيعلو عل.. و بيجبرو ينزل يلحس رجلو..

هالمسكين ما قدر يعمل شي إلا ينبطح عالأرض و بلش يلحسلو بوطو العسكري لابن الأسد..

ضحكة سليمان غطت عكلشي، و ما اكتفى هون قلو: شلاح ولك حيوان بالزلط و لحاس المحل كلو بلسانك..

منظر جورج و هوة عم يمسح المحل بلسانو و هوة بالزلط مللو لسليمان أفندي، فقرر ينهي هالموضوع و يترك المحل..

طلع بسيارتو و ضحكات مرافقتو مغطاية وجوهون القبيحة..

من حيونتو هالولد سليمان ما اكتفى بكلشي عملو جوا المحل، لما طلع بالسيارة نادالو لشب من بيت الساعي كان عم يتفرج على هالذل اللي لحق بجارو جورج، و طلب منو يمد راسو جوا شباك السيارة عاساس بدو يحاكيه شي..

باللحظة اللي مد راسو الساعي جوا السيارة، سكر الشباك على رقبتو و حشرلو راسو جوا..

بينزل من السيارة لحتى يكفي درس الأخلاق العالية اللي بديها مع جورج..

بيشيل عصاية من تحت المقعد و بيصير بيضربو عطيزو و على ضهرو لابن الساعي قدام كل البشر الموجودين و قدام جورج اللي كان بعدو عم يلبس تيابو…

الحكمة:

اللي بيعتقد أنو البلد نضفت من هالقرف..

سليمان ابن هلال، خير خلف لخير سلف..زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

لن يتقدم المسلمون بالإسلام‎

قبل سنوات شاهدت على قناة

MBC

مسلسل مصري إسمه – بنت من الزمن ده -بطلتها شروق. بنت صعيديّة من أحياء مصر القديمة كانت تبيع بعض الورود واشياء أخرى في الشوارع، وفي احد الأيام وبينما كانت تبيع الفل في الشارع وجدها رجل ( أحد ابطال المسلسل )غني وصاحب منصب كبير جداً انتشلها من حالة الفقر والبؤس والحارات العشوائية والحياة البائسه الى حياة الرفاهيّة والتطور والمال و الجاه .في الأشهر الأولى قام هذا الرجل بتعليمها التمدّن والتحضر من طريقة لبس الحذاء الى اسلوب التعامل مع الآخر، وأمسكها كتباً تاريخية وفلسفية وعلمية .لكنها لم تستجيب في البداية وضلّت اسيرة لحياتها السابقه حتى بكلامها الشوارعي وقلة أدبها وعشوائّية لبسها. شروق البنت الصعيدية لم تحاول بيوم من الايام تطوير نفسها والاعتناء بمظهرها ولا تغيير حياتها بل كانت تعيش أسيرة لعادات اجتماعيّة عاشتها منذ طفولتها من الصعب تغييرها بيوم وليله والسبب ان محيطها القريب لا يحرضها على التغيير والتفكير .حالة شروق الصعيدية بتلك الحلقات الأولى من المسلسل هو حال الملايين في مجتمعنا العربي والإسلامي بيئته لا تحث على التغيير ، ولا يقدر من خلاله ان يغيّر من نفسه ويسلك طريق الإستناره والعقل والمنطق والتمدّن.

الخلاصه ان هذه الأسرة الغنيّة التي تكفلّت بشروق لم تعتمد على تطويرها من القرآن والسنة النبويّة!

لم يعلموها كيف تدخل الحمّام بالشمال وتخرج باليمين

لم يعلموها كيف تنظف اسنانها بالمسواك النبوي

لم يعلموها الإتيكيت او فن التعامل مع الآخر من احاديث الرسول التي تقول لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام او اوثق عرى الايمان الحب بالله والبغض بالله

لم يعلموها ان الآخر المختلف عنها لا يجوز ان نقول له يا اخي وان تبني عداوة بينك وبينه وبناء مئات الحواجز

والقائمة تطول من الغثاء الإسلامي

بل اعتمدت اولا ً واخيراً بتثقيفها وتنويرها و تدريسها الفلسفه و الكتب العلمية والتاريخ والحضارات .. الخ.

حالة شروق ( مع فارق التشبية طبعاً ) ليست غريبة عن مجتمعاتنا العربية الاسلامية التي تعيش الجهل وعبادة النصوص الدينيّة

ورجال الدين والإصرار على التخلف الديني – مجتمعنا العربي الاسلامي سبب جهله ههي بيئة الاسلامية التي تهتم بالدين اكثر من العلم والمعرفة ،اوروبا لم تتطور بالمسيحية ، واليابان لم تتطوّر بالبوذية وكذا المسلمين لن يتطوّروا بالإسلام

لن يتغير مجتمعنا بيوم وليله لانهم سيحتاجون لزمن طويل وجرعات مكثفه ، واعتقد نحنُ وغيرنا يجب علينا تكثيف هذه الجرعات التنويريّة لتخترق جدران الظلام لتنيرها بنور العلم والمعرفة والثقافه والحريّة وطلب الديمقراطية بدلاً من تغليفها بسياج الإسلام والجهل والرجعيّات

في المسيحية يقولون ان المسيح هو المخلص والمنقذ – وانا اردد دائماً ان خلاصنا ومنقذنا من الجهل والتخلف الذي نعيشة هو العلم وخلق بيئة من الديمقراطية والحريّة ، وليس الاسلام..فلن تقوم لنا قائمة الا بالعلم والمعرفة والعقل وليس بالدين.فمتى يفهم المسلمين ذلك؟؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 1 Comment

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى 3\16

أولاً : جعفر العسكري يفشل في إقرار المعاهدة:

كان رئيس الوزراء السيد جعفر العسكري قد أخذ على عاتقه إقرار معاهدة 1930، حيث كان قد سافر إلى لندن لوضع مسودة المعاهدة والتوقيع عليها بالأحرف الأولى كي تعرض على البرلمان لإقرارها.

لكن العسكري وجد نفسه في موقف صعب بعد عودته إلى بغداد. فقد استقال كل من وزير الداخلية [رشيد عالي الكيلاني]، ووزير المالية [يسين الهاشمي]،كما وجد البلاد في حالة من الغليان الشديد احتجاجاً على تلك المعاهدة التي لم تختلف في جوهرها عن سابقاتها معاهدة 1922 ومعاهدة 1926.

فلازالت بريطانيا تقيد العراق بقيود ثقيلة في سائر المجالات العسكرية والاقتصادية والمالية، وتتدخل بشؤون العراق صغيرها وكبيرها.

وهكذا وجد رئيس الوزراء أن مواجهة مجلس النواب بهذه المعاهدة قد بات أمراً صعباً للغاية، فلم يجد ُبد من تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 8 كانون الثاني 1928، وقد تم قبول الاستقالة وكلف الملك السيد عبد المحسن السعدون بتأليف وزارته الثالثة في 14 كانون الثاني 1928. (1)

ثانياً:عبد المحسن السعدون يفشل في إقرار المعاهدة وانتحاره

كان في مقدمة المهام الملقاة على عاتق هذه الحكومة بطبيعة الحال هو إقرار المعاهدة الجديدة في مجلس النواب، والشروع في مفاوضات لتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية.

وحيث أن الحكومة الجديدة لا تضمن الأكثرية في المجلس، ولوجود معارضة قوية من قبل العديد من النواب للمعاهدة المذكورة، فقد طلب رئيس الوزراء من الملك فيصل إصدار الإرادة الملكية بحل المجلس وإجراء انتخابات جديدة. وتم للسعد ون ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحل المجلس في 18كانون الثاني1928، وقامت الحكومة بحملة تنقلات واسعة في الجهاز الإداري بين كبار الموظف قبل إجراء الانتخابات العامة لتأمين حصول الحكومة على الأكثرية اللازمة لإقرار المعاهدة.

لكن أحداث خطيرة وقعت في العراق في أول عهد الوزارة، فقد قبضت الحكومة على الشيخ [ضاري الشعلان ] الذي اتهم هو وأولاده بقتل الكولونيل [ لجمان ] بعد قرار السلطات البريطانية بالقبض عليه ومحاكمته أبان ثورة العشرين، واضطر الشيخ ضاري إلى الهرب، لكنه وقع في قبضة الحكومة في 3 تشرين الثاني 1927 نتيجة وشاية، فأحيل إلى المحاكمة وهو في حالة صحية سيئة، وحكم عليه بالإعدام ثم جرى تخفيض الحكم إلى السجن المؤبد، ولم يمضِ على سجن الشيخ ضاري سوى بضعة أيام حتى فارق الحياة في سجنه.

أدى موت الشيخ ضاري إلى هياج الجماهير الشعبية التي خرجت في مظاهرات صاخبة واقتحمت المستشفى، وانتزعت جثة الفقيد، وسارت به في مظاهرة عارمة وهي تندد بالحكومة وبالاستعمار البريطاني، وكان ذلك أول صدمة تلقتها الحكومة السعدونية.(2)

وجاءت زيارة الصهيوني البريطاني المعروف [السير الفرد موند] إلى العراق في 8 شباط 1928، واستقباله من قبل المندوب السامي، وكبار الشخصيات اليهودية المتحمسة للحركة الصهيونية لتزيد في الطين بله، فقد أثار مقدمه إلى العراق موجة من السخط العارم لدى أبناء الشعب الذين هبوا في مظاهرة صاخبة منددين بالصهيونية والاستعمار البريطاني وبالحكومة، واستخدمت الحكومة القوة لتفريق المتظاهرين فوقعت مصادمات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وأصيب خلال المصادمات العديد من المتظاهرين وأفراد الشرطة.(3)

لقد كانت المظاهرة من السعة بحيث ضمت أكثر من عشرين ألفاً سارت نحو محطة قطار الكرخ، حيث كان من المقرر أن يمر من هناك موكب الزائر الصهيوني، واضطرت الحكومة إلى تغير مسار الموكب نحو الكاظمية فالأعظمية، حيث نزل [الفرد موند] عند المندوب السامي البريطاني. وقامت الحكومة بحملة واسعة ضد العناصر الوطنية التي ساهمت في المظاهرة، وأغلقت [نادي التضامن] الذي اتهمت الحكومة المشرفين عليه بالتحريض على التظاهر، وأصدرت أمراً بمنع التجمعات والمظاهرات بدون موافقة السلطة.

كما قررت وزارة المعارف طرد عدد كبير من الطلاب والمدرسين وأحالت قسم منهم إلى المحاكمة، وأعلن وزير المعارف [ توفيق السويدي] أن الحكومة عازمة على منع المظاهرات حتى ولو تطلب الأمر إطلاق الرصاص على الطلاب المتظاهرين المخالفين للقرار.

أما المندوب السامي فقد قدم احتجاجاً للملك على قيام المظاهرات المنددة بالصهيونية وببريطانيا، لكن المظاهرات تجددت يوم 10 شباط حيث انطلقت من جامع [الحيدرخانه ] مظاهرة كبيرة تهتف بسقوط الصهيونية وسقوط وعد [بلفور] والاستعمار البريطاني، وجرى صدام عنيف مع رجال الشرطة التي استطاعت تفريق المظاهرة بعد جهد كبير، واعتقلت عدد من الخطباء وإحالتهم إلى المحاكمة.

ولما كان مجلس النواب قد حُلّ، ولإصرار الحكومة على إعادة الأمن وقمع المظاهرات فقد لجأت إلى إصدار المراسيم العقابية ضد كل من يحاول التظاهر، ونصت تلك المراسيم على جلد المتظاهرين، ووضعهم تحت مراقبة الشرطة، والطرد من المدارس والوظائف، والأبعاد والنفي وغيرها من المراسيم المنافية لروح الدستور، وقد أثارت هذه المراسيم موجة احتجاجات عاتية من قبل الأحزاب السياسية والصحافة التي وصفتها بأنها مراسيم جائرة.

وعلى أثر ذلك استقال وزير العدل [ حكمت سليمان ] من منصبه احتجاجاً على حضور المستشار البريطاني لوزارة العدل جلسة مجلس الوزراء، والتي قرر خلالها المجلس إصدار تلك المراسيم، ودور المستشار البريطاني في إصدارها، ونتيجة لكل تلك الضغوط اضطرت الحكومة إلى إلغاء تلك المراسيم في 17 أيار 1928. (4)

وفي 22 كانون الثاني 1928 شرعت الحكومة في الأعداد للانتخابات

الجديدة لمجلس النواب، وعبأت المعارضة قواها لخوضها، وبدأت الحكومة تمارس ضغوطها للتأثير على سير الانتخابات للخروج بمجلس يؤيد سياستها، ويقر المعاهدة الجديدة مما أثار موجة من الاحتجاجات لدى المعارضة التي أعلنت أن الحكومة تعين النواب في واقع الأمر، وتقوم بتهديد الأهالي للتصويت لمرشحيها.

تم انتخاب المجلس في 9 أيار 1928 بالشكل الذي أرادته الحكومة بعد أن استخدمت كل وسائل التزوير والترهيب، واحتج حزبا [ الاستقلال ] و الحزب [الوطني] على نتائج الانتخاب في مذكرة رفعاها إلى رئيس الوزراء.

تم دعوة المجلس الجديد للاجتماع يوم 13 أيار 1928، حيث ألقى الملك فيصل خطاب العرش، والذي حاول فيه تبرير حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة بالرجوع إلى رغبات الأمة !! في بعض الأمور الخطيرة، وكان الملك يقصد بذلك إقرار المعاهدة الجديدة، والتفاوض على تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية.

ولما رأت بعض الشخصيات الوطنية ما تنوي الحكومة الأقدام عليه قررت تجميع صفوفها، وتأسيس حزب سياسي معارض يقف ضد تلك المعاهدة فكان تأليف [الحزب الوطني ] بقيادة الشخصية الوطنية البارزة [جعفر أبو التمن ]، وضمت قيادة الحزب كل من السادة [محمد مهدي البصير] و[علي محمود الشيخ علي] و[أحمد عزت الأعظمي] و[عبد الغفور البدري] [ومولود مخلص] و[بهجت زينل] و[محمود رامز] . وبعض الشخصيات الوطنية الأخرى.(5)

قررت الحكومة السعدونية بدء المفاوضات مع بريطانيا في 11 تشرين الأول 1928 حول تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وفوضت وزراء الدفاع والمالية والمعارف للتفاوض مع الجانب البريطاني، فيما فوضت بريطانيا من جانبها المندوب السامي ومارشال الجو [ أدور ولنكتون]، والسكرتير المالي لدار الاعتماد، وقد تقدم الوفد البريطاني بمسودة اتفاقيتين جديدتين لكي تحلان محل الاتفاقيتين الملحقتين بمعاهدة 1922.

لكن الوفد العراقي المفاوض وجد أن هاتين المسودتين لا تختلفان في جوهرهما عن سابقتيهما، ولذلك اعترض عليهما، وقدم من جانبه مسودتان جديدتان تضمنتا المطالب التي تحقق طموحات العراق في التحرر من التبعية البريطانية عسكريا ومالياً.

فقد تضمنت مسودة الاتفاقية العسكرية الطلب بأن يكون من مسؤولية الجيش العراقي الحفاظ على أمنه الداخلي والخارجي، مع تحديد عدد الضباط البريطانيين في الجيش، وأن يعهد بإدارة الأحكام العرفية إلى ضابط عراقي بدلاً من البريطاني.

أما مسودة الاتفاقية المالية فقد تضمنت طلب العراق تملك السكك الحديدية التي كانت تحت السيطرة البريطانية، وعدم تحمل الجانب العراقي نفقات المندوبية البريطانية.

أثارت المسودتين المقدمتين من الجانب العراقي غضب المندوب السامي البريطاني الذي أعلن على الفور رفض قبولهما، مما تسبب في وقوع أزمة بين الحكومة العراقية والمندوب السامي، وسارعت الحكومة إلى إرسال مذكرة للمندوب السامي في 27 كانون الأول أوضحت له فيها وجهة نظرها في المفاوضات الجارية وضمنتها المطالب التالية:

1ـ ضرورة تولي الجيش العراقي مسؤولية الدفاع عن الوطن.

2 ـ انتخاب قائد القوات المشتركة [البريطاني] من قبل الملك فيصل.

3 ـ إدارة الأحكام العرفية من قبل ضابط عراقي .

4 ـ رفض سلطة قائد القوة الجوية البريطاني على الجيش العراقي.

5 ـ تقليص عدد الضباط البريطانيين في الجيش العراقي .

6 ـ رفض الفقرة الخاصة بالدفاع البحري عن العراق .

أما ما يخص الاتفاقية المالية فإن الحكومة ترى ما يلي:

1 ـ أن العراق هو المسؤول عن مالية قواته البرية والجوية، وإن ما تقدمه الحكومة البريطانية من مساعدة يذهب إلى رواتب العدد الكبير من الضباط البريطانيين الذين لا ضرورة لبقائهم .

2ـ إن إمكانية الحكومة العراقية لا تسمح بدفع نفقات دار المندوبية البريطانية .

3 ـ يجب تعديل اتفاقية الرسوم الجمركية بما يتفق ومصالح العراق.

4ـ ضرورة تملك العراق للسكك الحديدية، والحكومة العراقية على استعداد لدفع تعويض للحكومة البريطانية.

5 ـ تحديد فترة زمنية لنفاذ الاتفاقية المالية.

و في الختام أبلغت الحكومة المندوب السامي في مذكرتها بأنها سوف لا تقدم المعاهدة الجديدة إلى مجلس الأمة قبل تعديل هاتين الاتفاقيتين المذكورتين. (6)

أما المندوب السامي، وبعد إطلاعه على مذكرة الحكومة العراقية، فقد سارع إلى الرد بعنف على ما جاء في مذكرة الحكومة، وخصوصاً فيما أعلنته حول عدم تقديم المعاهدة الجديدة إلى مجلس النواب قبل تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، ودعا المندوب السامي الحكومة العراقية إلى أن تعلن أن أحكام الاتفاقيتين نافذة طالما لم يتوصل الجانبان لاتفاقيات جديدة.

سارع السعدون بعد تلقي مذكرة المندوب السامي إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء ودعا قادة المعارضة السادة [رشيد عالي الكيلاني] و[جعفر أبو التمن] و[ياسين الهاشمي] لحضور الجلسة، وأطلعهم على مذكرة المندوب السامي، وطلب مشورتهم فيما يمكن عمله، وقد أشاروا عليه بالاستقالة مؤكدين له أن لا أحد سيقدم على تشكيل وزارة جديدة.

وبعد هذا اللقاء جمع السعدون قادة حزبه [ حزب التقدم ] وعرض عليهم الأمر، وقد اتخذ قادة الحزب قراراً بدعم موقف السعدون.

وبناء عليه سارع السعدون إلى إرسال مذكرة جوابية إلى المندوب السامي أعلن فيها أن الشعب العراقي ومجلس الأمة لا يرضيان بأقل من تحقيق المطالب التي تقدمت بها وزارته، وأن الحكومة غير مستعدة لتعلن الاتفاق على استمرار سريان مفعول الاتفاقيتين العسكرية والمالية السابقتين إلى أجل غير مسمى، وأن إقدام الحكومة على خطوة كهذه معناه الرجوع إلى الوراء، وأن ذلك مخل بكرامة الحكومة ومدعاة إلى القول بحقها أقوال شتى، وعليه فلم يعد أمام الوزارة غير تقديم استقالتها، وسوف أقدم استقالتي بداعي الأسباب الصحية، وعدم الإدلاء بأي بيان عن المفاوضات لمجلس الأمة لكي لا يحدث ما لا يحمد عقباه، ويتخذ المجلس قراراً مخالفاً لخطة الوزارة المقبلة.

سارع المندوب السامي إلى إبلاغ وزير المستعمرات البريطاني برقياً في 19 كانون الثاني 1929عن الموقف المتأزم، وعن عزم الحكومة السعدونية على الاستقالة. وحالما قرأ الوزير البريطاني الرسالة كتب إلى السعدون مذكرة مستعجلة رجاه فيها الاستمرار في الحكم رغم فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق بشأن الاتفاقيتين العسكرية والمالية، واعداً إياه بمعاضدة بريطانـيا لــدخول العـراق إلى عصبة الأمم، وإمكانية تحقيق بعض المطالب التي تقدمت بها حكومته.إلا أن السـعدون رد على مـذكرة وزيـر المستعمرات البريطاني بمذكرة أرسلها له في 19 كانون الثاني 1929 معرباً له عن رفضه الاستمرار في تحمل المسؤولية.

قدم السعدون استقالة حكومته إلى الملك في 20 كانون الثاني 1929 واضطر الملك إلى قبول الاستقالة على مضض طالباً منه تسيير أمور الحكم حتى تؤلف وزارة جديدة.

لم يتمكن الملك فيصل من تشكيل وزارة جديدة لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ استقالة وزارة السعدون، بسبب الموقف البريطاني المتعنت من تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، ولما وجد المعتمد السامي أن الأمر قد طال، ولتخوفه من خطورة الأزمة أسرع إلى مقابلة الملك فيصل طالباً منه الإسراع بتأليف الوزارة بأسرع ما يمكن، وقد رد عليه الملك انه لا يستطيع تكليف أحد بتأليف الوزارة طالما بقي الموقف البريطاني على حاله.

وسارع السعدون إلى دعم موقف الملك بغية إحراج المندوب السامي، فبعث إلى الملك برسالة أبلغه فيها بأنه لا يستطيع الاستمرار في تسيير دفة الحكم أكثر من هذه المدة، وطلب من الملك قبول الاستقالة والانسحاب راجياً الملك أن يكلف أحداً بتشكيل الوزارة. (7)

وفي تلك الأيام أنتقل الحكم في بريطانيا من حزب المحافظين إلى حزب العمال، وقررت الحكومة العمالية الجديدة نقل المندوب السامي [ هنري دوبس ] على أثر المشادة الكلامية التي حصلت بينه وبين الملك، وبذلك انتهت خدماته في العراق، وغادر بغداد في 1 شباط 1929، وقررت الحكومة البريطانية تعيين السير[جلبرت كلايتي] خلفاً له، والذي وصل بغداد في 2 آذار 1929.

تأمل الشعب العراقي أن يحصل تغير في السياسة البريطانية تجاه العراق بعد انتقال الحكم إلى حزب العمال وتغير المندوب السامي. فقد وعد المندوب السامي الجديد في خطابه الموجه إلى الملك فيصل أن يعمل على تحقيق ما يصبو إليه العراق !!، ودعاه إلى المحافظة على الثقة والاعتماد المتبادلين.كما سارع المندوب السامي الجديد إلى لقاء رئيس الوزراء المستقيل عبد المحسن السعدون راجياً إياه العدول عن الاستقالة والاستمرار في الحكم.

لكن السعدون أبلغه أنه لا يستطيع الاستمرار في الحكم طالما أصرت بريطانيا على عدم الاستجابة لمطالب العراق الوطنية المشروعة.

وعلى اثر تلك المقابلة سارع المندوب السامي إلى إعلام الحكومة البريطانية بالموقف، ووجدت الحكومة البريطانية أن بقاء التوتر بينها وبين الشعب العراقي ليس في صالح بريطانيا، وأن استمرار التوتر ينذر بأخطار كبيرة، فكتبت إلى مندوبها السامي تعلمه أن الوزارة عازمة على إدخال العراق في عصبة الأمم شرط أن تضمن المصالح البريطانية من خلال تعهدات ترتبط بها حكومة العراق مع بريطانيا، وأنها مستعدة للنظر في مطالب العراق فيما يخص الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وعليه فقد سارع المندوب السامي إلى إبلاغ الملك فيصل بمضمون رسالة وزير المستعمرات البريطانية في 21 نيسان 1929.

حاول الملك فيصل تكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة الجديدة، إلا أن

السعدون أبلغ الملك أن أعضاء حزبه في البرلمان لا يستطيعون منح الثقة لنوري السعيد، ولما لم يجد الملك مفراً من ذلك عهد إلى توفيق السويدي بتأليف الوزارة الجديدة في 28 نيسان 1929 على أمل إنقاذ الموقف، وجرى تأليف الوزارة على عجل. (8)

جاءت الوزارة الجديدة من هيئة الوزارة السعدونية السابقة، ومستندة إلى حزب السعدون الذي يتمتع بالأغلبية في مجلس النواب، لكن الحزب وضع أمام الوزارة شرط إجراء التعديلات المطلوبة على الاتفاقيتين المالية والعسكرية كي تنال ثقة البرلمان.

أثار تشكيل توفيق السويدي للوزارة موجة من الغضب الشعبي، وغضب أحزاب المعارضة على حد سواء، ولذلك فقد كان عمر الوزارة قصيراً، ولم تستطع أن تقدم شيئاً يذكر سوى تصديها للمظاهرات الوطنية التي قامت في بغدد في 30 آب 1929 احتجاجاً على الجرائم التي ارتكبها الصهاينة وقوات الاحتلال البريطاني في فلسطين ضد السكان العرب في ذلك الشهر، حيث تصدت الشرطة للمظاهرات وقمعتها بالقوة، وقامت الحكومة بتعطيل صحيفتي {النهضة } و{الوطن }، وتوجيه إنذار لصحيفة {العالم العربي } بسبب نشر المقالات المنددة بوعد [بلفور] وجرائم الصهاينة في فلسطين، واحتج الحزب الوطني على أساليب الحكومة القمعية، وقمعها للحريات العامة.

وبسبب الموقف الشعبي وموقف أحزاب المعارضة من الحكومة لم يجد توفيق السويدي بُداً من تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 25 آب 1929 ولم يمضِ على تشكيلها سوى أقل من أربعة أشهر كي تعقبها وزارة السعدون الرابعة، حيث كلفه الملك فيصل بتأليف الوزارة الجديدة في 19 أيلول 1929.

وخلال الفترة الزمنية التي تلت استقالة حكومة السويدي وتأليف حكومة عبد المحسن السعدون توفي المندوب السامي [ جلبرت كلايتي] بالسكتة القلبية في بغداد مساء يوم الأربعاء 11 أيلول 1929. شكل عبد المحسن السعدون وزارته الرابعة في 19 أيلول 1929 مبدياً أول ملاحظاته عن الوضع السياسي حيث أشار فيها إلى أن بريطانيا قد وافقت على العمل لإدخال العراق في عصبة الأمم دون قيد أو شرط عام 1932.

كما أعلن عن رغبة بريطانيا في عقد معاهدة جديدة لتنظيم العلاقة بين البلدين، على نفس الأسس التي أقتُرح للاتفاق المصري البريطاني، وأشار إلى أن هذا الموقف يعتبر تراجعاً من بريطانيا عن مواقفها السابقة المتصلبة تجاه المطالب العراقية المشروعة في التحرر والاستقلال الوطني والسيادة الحقيقية، وقد وضع السعدون في مقدمة قائمة المهام لوزارته الأمور التالية:

1 ـ العمل على عقد معاهدة جديدة وتطبيقها لتسريع دخول العراق في عصبة الأم قبل عام 1932، وإزالة أي صبغة للاحتلال البريطاني في صلب المعاهدة الجديدة.

2 ـ إنهاء مسؤولية بريطانيا الدفاعية عن العراق، وإناطتها بالجيش العراقي، وتطبيق قانون التجنيد الإلزامي، لبناء جيش كبير وقوي يستطيع القيام بالمهام المطلوبة منه.

3 ـ تقليص عدد الضباط البريطانيين في الجيش العراقي، وتقليص عدد المفتشين البريطانيين، والموظفين الذين لا تستدعي الحاجة إلى بقائهم، واستبدالهم بموظفين عراقيين.

4ـ إعادة النظر في التعريفة الجمركية، وتشجيع الصناعات الوطنية وصمودها أمام المنافسة الأجنبية.

وبالنظر لوفاة المندوب السامي [ جلبرت كلايتي ] المفاجئة بالسكتة القلبية قررت الحكومة البريطانية تعيين السير [ فرانسيس هيمفريز] ليحل محله كمندوب سامٍ لها في العراق، في 7 تشرين الأول 1929، ووصل بالفعل إلى بغداد لتسلم مهام منصبه في 10 كانون الأول من السنة نفسها، وأعلنت الحكومة البريطانية في الوقت نفسه عن عزمها على ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932.

قررت حكومة السعدون الشروع بإجراء المفاوضات لوضع معاهدة جديدة تلبي طموح الشعب العراقي، وألّفت وفدها المفاوض من السادة وزراء الدفاع والمالية والداخلية، وسارع السعدون إلى طرح برنامج حكومته أمام مجلس النواب في أول لقاء له مع المجلس بعد تأليف وزارته.

لكن المعارضة هاجمته بشدة، واتهمته بالتراجع عن مواقفه السابقة التي أصر فيها على المطالب العراقية المشروعة فيما يخص المعاهدة، وتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية.

وجاء ردّ ه على نواب المعارضة بنفس الدرجة من العنف عندما أنتقد النواب قبوله لتصريح الحكومة البريطانية السالف الذكر، وعما سيحصل إذا تغيرت الحكومة العمالية، وتراجعت بريطانيا عن التصريح حيث قال:

{إذا حصل ذلك فإني اعتقد أن نيل الاستقلال تابع إلى جرأة الأمة، فالأمة التي تريد الاستقلال يجب أن تتهيأ له، ولا يكون ذلك بالكلام والأقوال الفارغة، فالاستقلال يؤخذ بالقوة والتضحية، وهذا ما أحببت أن أقوله}.

انتحار عبد المحسن السعدون:

كان لكلام عبد المحسن السعدون في مجلس النواب دوي كبير لدى الجانب المعارض والجانب الموالي لبريطانيا على حد سواء، ففي الوقت الذي ثمّنَ المعارضون ما قاله من أن الاستقلال يؤخذ بالقوة، ومطالبته الشعب بالتهيؤ له والتضحية في سبيله، فإن الموالين لبريطانيا قد أغضبهم حديثه، وسعى البعض منهم للوشاية به لدى وكيل المندوب السامي البريطاني [ الميجر يانك ] لذي سارع إلى معاتبته، وتقريعه بكلمات خشنة وعنيفة أثارت في نفسه الحزن العميق لدرجة لم يعد يتحملها، ودفعته إلى الانتحار في 13 تشرين الثاني 1929، حيث أطلق على نفسه الرصاص تاركا رفاقه، والملك فيصل، ووكيل المندوب السامي في حالة من الذهول الشديد، والقلق العميق مما يمكن أن يحدثه انتحاره من رد فعل لدى الشعب، وقد ترك وصيته لأبنه [علي ] شرح فيها أسباب أقدامه على الانتحار، وأوصاه بوالدته و أخوته الصغار، وهذه نص الوصية:

{ ولدي وعيني، ومستندي علي: اعفِِ عني لما ارتكبته من جناية، لأني سئمت هذه الحياة التي لم أجد فيها لذةً، وذوقاً، وشرفاً. فالأمة تنتظر مني خدمة، والإنكليز لا يوافقون، وليس لي ظهير. العراقيون طلاب الإستقلال ضعفاء وعاجزون، وبعيدون كثيراً عن الاستقلال، وهم عاجزون عن تقدير أرباب الناموس أمثالي. يظنون أني خائن للوطن، وعبد للإنكليز؟ ما أعظم هذه المصيبة !! أنا الفدائي الأشد إخلاصاً لوطني، قد كابدت أنواع الإحتقارات، وتحملت المذلات مضضاً في سبيل هذه البقعة المباركة التي عاش بها آبائي وأجدادي مرفهين .ولدي نصيحتي الأخيرة لك هي :

1 ـ أن ترحم أخوتك الصغار، الذين سيبقون يتامى، وتحترم والدتك، وتخلص لوطنك.

2 ـ أن تخلص للملك فيصل وذريته إخلاصاً مطلقاً.

أعفِ عني يا ولدي علي} . (10)

التوقيع

عبد المحسن السعدون

سارعت الحكومة إلى إذاعة نبأ الفاجعة، وجرى تشيع مهيب للفقيد إلى المقبرة الكيلانية في باب الشيخ، وسار خلف جنازته جميع الشخصيات السياسية، وجمع غفير جداً من أبناء الشعب، وهم يعبرون عن الأسى والحزن العميق لانتحاره، وانهالت برقيات التعازي من شتى أنحاء العالم. أما وكيل المندوب السامي فقد أحتج على الحكومة بشدة بسبب سماحها بنشر وصية السعدون، معتبراً ذلك العمل تحريضاً على بريطانيا وسياستها تجاه العراق، وتثير هيجاناً لدى الرأي العام العراقي، لكن الملك فيصل والحكومة حاولوا بكل خنوع تبرير نشر الوصية إرضاءً لوكيل المندوب السامي البريطاني. (11)

بعد إتمام مراسيم تشيع الفقيد أصبحت الوزارة في حكم المستقيلة، وتحتم تشكيل وزارة جديدة تحاول تهدئة الغليان الشعبي الذي أحدثه انتحاره، ولاسيما بعد نشر وصيته، واتفق الملك فيصل مع وكيل المندوب السامي على ترشيح السيد [ ناجي السويدي ] ، وصدرت الإرادة الملكية بتكليفه في 18 تشرين الثاني 1929، وتم تشكيل الوزارة، وأعرب رئيس الوزراء بعد تشكيل وزارته في رسالته الموجه إلى الملك فيصل عن عزمه على السير على نفس النهج الذي سارت عليه وزارة الفقيد السعدون، وأكد حرصه على فسح المجال للوزراء لممارسة مهام وزاراتهم بحرية، والعمل على الحد من تدخل المندوب السامي والمستشارين البريطانيين، والعمل على تحقيق أماني الشعب فيما يخص المعاهدة الجديدة، وتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية بما يضمن حقوق العراق وحريته واستقلاله.

وقد أوعز رئيس الوزراء إلى اللجنة التي شكلها السعدون لمفاوضة بريطانيا حول المعاهدة الجديدة، وبُوشر بالمفاوضات مع الوفد البريطاني، برئاسة المندوب السامي.

لكن المفاوضات اصطدمت مرة أخرى برفض المندوب السامي الاستجابة للمطالب الوطنية، وبقيت مواقف الطرفين متباعدة جداً، ولم تستطع المفاوضات تحقيق أي تقدم .

وفي عهد هذه الوزارة بدأ النفوذ الأمريكي بالتغلغل في العراق بشكل رسمي، بعد أن وقعت الحكومة الأمريكية من جهة، والحكومتان البريطانية والعراقية من جهة أخرى في 9 كانون الثاني 1930 على معاهدة تؤمن المصالح الأمريكية في العراق، وقد جعلت هذه المعاهدة تحت الهيمنة البريطانيةـ الأمريكية المشتركة،المتشابكة مصالحهما الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع بعضها البعض، وكان الشيء الإيجابي الوحيد في تلك المعاهدة هو اعتراف الولايات المتحدة باستقلال العراق. (12)

غير أن هذه الوزارة عجزت عن تحقيق أي من الأمور الرئيسية التي كان قد قررها الراحل عبد المحسن السعدون في منهاجه والتي كانت قد وعدت بتنفيذها. فقد حاولت الحكومة تقليص الميزانية المخصصة للموظفين البريطانيين في محاولة منها لتقليص عددهم، وأدى ذلك إلى اصطدام الحكومة بالمندوب السامي الذي استشاط غضباً على خطط الحكومة، وطلب من الملك التخلص منها، واضطرت الحكومة تحت ضغط المندوب السامي إلى تقديم استقالتها إلى الملك فيصل في 9 آذار 1930، وتم قبول الاستقالة، ورحب المندوب السامي بها، ووقف رئيس الوزراء [ ناجي السويدي ] يخطب في مجلس النواب شارحاً أسباب الاستقالة ومتهماً الموظفين البريطانيين بالتحكم في أمور البلاد، ثم تلاه [يسين الهاشمي] وقال مخاطباً أعضاء المجلس أن الإنكليز يحكمون البلاد حكماً كيفياً، وإن الملك فيصل يساير الإنكليز، ولا يستطيع معارضتهم. (13)

أدت استقالة الحكومة، وبيان رئيسها حول سبب الاستقالة إلى هيجان شعبي عارم، وخرجت جماهير الشعب في مظاهرات صاخبة احتجاجاً على السياسة البريطانية تجاه العراق، ومطالبة بالاستقلال الحقيقي الناجز، والتخلص من الهيمنة الإمبريالية، وقد تقاطرت الوفود من كافة أنحاء العراق للمشاركة في مظاهرات الاحتجاج، وانهالت البرقيات على الحكومة والصحافة الوطنية، وأصبح الوضع يهدد بوقوع أحداث خطيرة، وخاصة في 21 آذار،حيث اجتاحت بغداد مظاهرة كبرى أقفلت على أثرها المحال التجارية والأسواق أبوابها، وأصدر المندوب السامي أمراً للموظفين البريطانيين بملازمة مساكنهم، وسارت المظاهرة في شوارع بغداد، وتوجهت إلى الباب الشرقي، ثم إلى دور السفارات والقنصليات، وهم يهتفون الهتافات الوطنية المطالبة بالاستقلال الناجز، ورفض الهيمنة البريطانية، وبالنظر لخطورة الموقف أشار المندوب السامي على الملك فيصل تكليف نوري السعيد بتشكيل حكومة جديدة تأخذ على عاتقها إقرار المعاهدة.

ثالثاً: نوري السعيد يشكل الوزارة، ويتولى إقرار المعاهدة:

هكذا إذاً شكل نوري السعيد وزارته الأولى في 23 آذار 1930، بناء على تكليف الملك بطلب من المندوب السامي البريطاني، وكان ذلك التكليف باكورة هيمنته على سياسة العراق، حيث تولى الحكم أربعة عشر مرة منذُ ذلك التاريخ وحتى سقوط النظام الملكي إثر قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958، ولعب خلال تلك الحقبة دوراً خطيراً في حياة البلاد السياسية، واشتهر بإخلاصه التام للإنكليز، وبحملات القمع التي مارسها ضد أبناء الشعب، والمراسيم الجائرة التي كان يصدرها لكي يسكت أفواه المواطنين وقوى المعارضة العراقية، مستخدماً كل الوسائل والسبل المخالفة للدستور. كما اتخذ له موقفاً معادياً من حركات التحرر العربية إرضاءً لأسياده البريطانيين. وقد جاءت وزارته على الشكل التالي :

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية.

2 ـ جميل المدفعي ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ علي جودت الأيوبي ـ وزيراً للمالية .

4 ـ جمـال بابان ـ وزيراً للعدل .

5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع .

6 ـ جميل الراوي ـ وزيراً للأشغال والإسكان .

7 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف .

وقد أعلن نوري السعيد أن أمام وزارته مهمة التفاوض مع بريطانيا لعقد معاهدة جديدة على أساس الاستقلال، ودخول العراق إلى عصبة الأمم، لكن حقيقة الأمر أن حكومة نوري السعيد جاءت لفرض معاهدة 1930 الجائرة على العراق. (14)

رابعاً: إجراءات السعيد لتأمين فرض معاهدة 1930:

بدأت المفاوضات العراقية البريطانية حول عقد معاهدة جديدة في 31 آذار 1930، وقد ترأس الوفد البريطاني المندوب السامي السير [هيمفريز]، وضم الوفد مساعده [الميجر يونك ] و[المستر ستاجر] ،فيما كان الوفد العراقي برئاسة [الملك فيصل ]، وعضوية [نوري السعيد] و[جعفر العسكري ] و[رستم حيدر ]، وقد لعب الملك دوراً بارزاً في المفاوضات، وكانت الحكومة تصدر كل يوم بياناً مقتضباً حول مجرى المفاوضات دون الدخول في التفاصيل، حتى جاء يوم 8 نيسان 1930 حين صدر بيان عن الحكومة يقول:

لقد تم الاتفاق بين المتفاوضين على ما يلي:

1ـ إن المعاهدة التي تجري المذاكرة حولها الآن ستدخل حيز التنفيذ عند دخول العراق في عصبة الأمم.

2ـ إن وضع العراق كما هو مصرح في المعاهدة سيكون وضع دولة حرة مستقلة.

3ـ عند دخول المعاهدة الجديدة حيز العمل ستنتهي حالاً جميع المعاهدات والاتفاقات الموجودة ما بين العراق وبريطانيا العظمى، والانتداب الذي قبله صاحب الجلالة البريطانية سينتهي بطبيعة الحال.

لعب نوري السعيد دوراً أساسياً في عقد المعاهدة الجديدة بالنظر للثقة الكبيرة التي أولاها البريطانيون له، والاطمئنان إليه، وكذلك ثقة الملك فيصل.

كان الشعب العراقي يدرك أن المفاوضات لن تطول، وهذا ما كان، فقد أعلن بيان رسمي للحكومة في 30 حزيران 1930 عن توقيع معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى تنفذ حال قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وأن المعاهدة ستنشر في بغداد ولندن في وقت واحد يتفق عليه الطرفان.

باشر نوري السعيد المهام التي أنيطت به، وكان جُلّ همه أن ينجح في الامتحان الصعب، وينال ثقة الإنكليز، وقد فعل ذلك ونجح، وأصبح رجل بريطانيا القوي دون منازع، فكانت بريطانيا تنيط به تأليف الوزارة كلما كان لديها مهمة صعبة تنوي تنفيذها كما سنرى فيما بعد، وقد اتخذ نوري السعيد الإجراءات التالية تمهيداً لإقرار المعاهدة.

1ـ حل المجلس النيابي :

بعد أن أتمت الحكومة عقد المعاهدة مع بريطانيا أصبحت أمامها مهمة تصديقها من قبل مجلس النواب، وبالنظر لأن نوري السعيد لم يكن يستطيع ضمان الأغلبية في المجلس القائم آنذاك، فقد أقدم على تعطيل جلسات المجلس، ثم طلب من الملك إصدار الإرادة الملكية بحله، على الرغم أنه لم يمضِ على انتخابه سوى خمسة أشهر، وإجراء انتخابات جديدة يستطيع من خلالها تحقيق أغلبية في المجلس الجديد، وتم له ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحله تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.

أما نوري السعيد فقد غادر إلى لندن لاستكمال المحادثات حول الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وحول تعديل اتفاقية امتياز النفط.

وفي 18 تموز سلم ملاحظ المطبوعات نص المعاهدة الموقعة بالأحرف الأولى إلى الصحفيين، وتم نشرها في اليوم التالي 19 تموز، وأحدث نشرها هيجاناً وغلياناً شعبياً عارماً، وأخذت برقيات الاحتجاج تنهال على الحكومة والصحافة منددة بنوري السعيد وبالمعاهدة وبالإمبريالية البريطانية، فقد جاءت المعاهدة دون إجراء أي تغير جوهري يمس الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق، بل لتكريس هذه الهيمنة لسنين طويلة، وتقييد العراق بقيود جديدة. (15)

2 ـ السعيد يزور الانتخابات لضمان فرض المعاهدة :

بعد أن حلت الحكومة مجلس النواب، أعلنت عن إجراء انتخابات جديدة في 10 تموز 1930، وبدأت الحملة الانتخابية، وشرعت القوى الوطنية تهيئ نفسها لخوضها من أجل إسقاط المعاهدة، ولكن الحكومة أخذت تمارس الضغوط والتزوير والتهديدات لصالح مرشحيها، مما دفع بالقائد الوطني [جعفر أبو التمن ] إلى إصدار بيان بمقاطعة الانتخابات بعد أن أدرك أن نوري السعيد سوف يأتي بالمجلس الذي يريده هو وليس الشعب. وبالفعل فقد جرت الانتخابات في 20 تشرين الأول 1930 في جو مشحون بالإرهاب.

فقد استلم نوري السعيد بنفسه وزارة الداخلية بالوكالة يوم 10 تشرين الأول لكي يشرف بنفسه على الانتخابات، ويمارس ضغوطه وإرهابه وأساليبه القمعية المعروفة لإرهاب المنتخبين الثانويين، وإجبارهم على انتخاب مرشحي الحكومة، كما أجرى قبل الانتخابات، تنقلات واسعة بين رؤساء وكبار الموظفين الإداريين، ولاسيما بعد أن رشح العديد من الشخصيات المعارضة للانتخابات، وأخذت تزاحم مرشحي الحكومة.

لكن نوري السعيد استطاع أن يخرج بمجلس جديد له فيه 70 مقعداً من أصل 88، وبذلك ضمن لنفسه إمكانية تصديق المعاهدة التي وقعها بالأحرف الأولى من قبل مجلس النواب،وجاءت المعاهدة على الوجه التالي. (16)

خامسا: نص معاهدة 30 حزيران 1930: (17)

صاحب الجلالة ملك العراق.

وصاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار وإمبراطور الهند.

لما كانا راغبين في توثيق أواصر الصداقة، والاحتفاظ بصلات التفاهم وإدامتها ما بين بلديهما، ولما كان صاحب الجلالة ملك بريطانيا قد تعهد في معاهدة التحالف الموقع عليها في بغداد في اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية، بأن ينظر نظراً فعلياً في تمتين علاقاتنا في فترات متتالية مدة كل منها أربع سنوات، ولما كانت حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية قد أعلمت الحكومة العراقية في اليوم الرابع عشر من أيلول سنة 1929 أنها مستعدة لعضد ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932 بلا قيد ولا شرط ، وأعلنت لمجلس العصبة في اليوم الرابع عشر من كانون الأول 1929 أن هذه هي نيتها. ولما كانت المسؤوليات الانتدابية التي قبلها صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق ستنتهي من تلقاء نفسها،عند إدخال العراق عصبة الأمم، ولما كان صاحب الجلالة ملك العراق، وصاحب الجلالة البريطانية يريان أن الصلات التي ستقوم بينهما بصفة كونهما مستقلين، وينبغي تحديدها بعقد معاهدة تحالف وصداقة.

فقد اتفقا على عقد معاهدة جديدة لبلوغ هذه الغاية،على قواعد الحرية والمساواة التامتين، والاستقلال التام، وتصبح نافذة عند دخول العراق عصبة الأمم، وقد عينا عنهما مندوبين مفوضين هما:

عن جلالة ملك العراق: نوري باشا السعيد، رئيس الوزراء ووزير الخارجية، حامل وسامي النهضة والاستقلال من الصنف الثاني.

وعن جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار، إمبراطور الهند اللفتنانت كولونيل السر[ هنري هيمفريز]المعتمد السامي لصاحب الجلالة البريطانية في العراق اللذان بعد أن تبادلا وثائق تفويضهما فوجداها صحيحة قد اتفقا على ما يلي :

المادة الأولى: يسود سلم وصداقة دائمين بين صاحب الجلالة ملك العراق وصاحب الجلالة البريطانية، ويؤسس بين الفريقين الساميين المتعاقدين تحالف وثيق، توطيداً لصداقتهما وتفاهمهما الودي، وصلاتهما الحسنة، وتجرى بينهما مشاورة تامة وصريحة في جميع الشؤون السياسية الخارجية، مما قد يكون له مساس مصالحهما المشتركة.

ويتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن لا يقف من البلاد الأجنبية موقفاً لا يتفق ومعاهدة التحالف هذه، أو قد يخلق مصاعب للفريق الآخر. المادة الثانية : يمثل كل من الفريقين الساميين المتعاقدين لدى بلاط الفريق السامي المتعاقد الآخر ممثل سياسي [دبلوماسي] يعتمد وفقاً للأصول المرعية.

المادة الثالثة:إذا أدى نزاع بين العراق ودولة ثالثة إلى حالة يترتب عليها خطر قطع العلاقات بتلك الدولة يوحد عندئذٍ الفريقان الساميان المتعاقدان مساعيهما لتسوية ذلك النزاع بالوسائل السلمية وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم، ووفقاً لأي تعهدات دولية أخرى يمكن تطبيقها على تلك الحالة.

المادة الرابعة:إذا اشتبك أحد الفريقين الساميين المتعاقدين في حرب رغم أحكام المادة الثالثة أعلاه يبادر حينئذٍ الفريق السامي المتعاقد الآخر فوراً إلى معونته بصفة كونه حليفاً، وذلك دائماً وفق أحكام المادة التاسعة أدناه. و في حالة خطر حرب محدق يبادر الفريقان الساميان المتعاقدان فوراُ إلى توحيد المساعي في اتخاذ تدابير الدفاع المقتضية.

إن معونة صاحب الجلالة ملك العراق في حالة حرب، أو خطر حرب محدق تنحصر في أن يقدم إلى صاحب الجلالة البريطاني في الأراضي العراقية جميع ما في وسعه أن يقدمه من التسهيلات والمساعدات، ومن ذلك استخدام السكك الحديدية والأنهر، والموانئ والمطارات، ووسائل المواصلات.

المادة الخامسة: من المفهوم بين الفريقين الساميين المتعاقدين أن مسؤولية حفظ الأمن الداخلي في العراق وأيضاً ـ بشرط مراعاة أحكام المادة الرابعة أعلاه مسؤولية الدفاع عن العراق إزاء الاعتداء الخارجي تنحصران في صاحب الجلالة ملك العراق.

مع ذلك يعترف جلالة ملك العراق بان حفظ وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية بصورة دائمة في جميع الأحوال هما من صالح الفريقين الساميين المتعاقدين المشترك.

فمن أجل ذلك، وتسهيلاً للقيام بتعهدات صاحب الجلالة البريطانية وفقاً للمادة الرابعة أعلاه يتعهد جلالة ملك العراق بأن يمنح صاحب الجلالة البريطانية طيلة مدة التحالف موقعين لقاعدتين جويتين ينتقيهما صاحب الجلالة البريطانية في البصرة، أو في جوارها، وموقعاً واحداً لقاعدة جوية ينتقيها صاحب الجلالة البريطانية في غرب نهر الفرات.

وكذلك يأذن جلالة ملك العراق لصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الأراضي العراقية في الأماكن الأنفة الذكر وفقاً لأحكام ملحق هذه المعاهدة، على أن يكون مفهوماً أن وجود هذه القوات لن يعتبر بأي حال من الأحوال احتلالاً، ولن يمس على الإطلاق سيادة واستقلال العراق.

المادة السادسة: يعتبر ملحق هذه المعاهدة جزء لا يتجزأ منها.

المادة السابعة: تحل هذه المعاهدة محل معاهدتي التحالف الموقع عليهما في بغداد في اليوم العاشر من شهر تشرين الأول سنة 1922 ميلادية، والموافق لليوم التاسع عشر من شهر صفر سنة 1341هجرية، وفي اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني سنة 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية مع الاتفاقات الفرعية الملحقة بها، التي تمسي ملغاة عند دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ، وهذه المعاهدة في نسختين في كل من اللغتين العربية والإنكليزية، ويعتبر النص الأخير المعول عليه.

المادة الثامنة: يعترف الفريقان الساميان المتعاقدان بأنه عند الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة تنتهي من تلقاء نفسها وبصورة نهائية جميع المسؤوليات المترتبة على صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق وفقاً لأحكام وثيقة دولية أخرى، وينبغي أن يترتب على جلالة ملك العراق وحده، وعلى الفريقين الساميين المتعاقدين أن يبادرا فوراً إلى اتخاذ الوسائل المقتضية لتأمين نقل هذه المسؤوليات إلى جلالة ملك العراق.

المادة التاسعة: ليس في هذه المعاهدة ما يرمي بوجه من الوجوه إلى الإخلال أو يخل بالحقوق والتعهدات المترتبة، أو التي قد تترتب لأحد الفريقين الساميين المتعاقدين وفقاً لميثاق عصبة الأمم، أو معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس في اليوم السابع والعشرين من شهر آب سنة 1928 ميلادية.

المادة العاشرة: إذا نشأ خلاف فيما يتعلق بتطبيق هذه المعاهدة أو تفسيرها ولم يوفق الفريقان الساميان المتعاقدان إلى الفصل فيه بالمفاوضة رأساً بينهما يعالج الخلاف حينئذٍ وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم .

المادة الحادية عشرة: تبرم هذه المعاهدة، ويتم تبادل الإبرام بأسرع ما يمكن، ثم يجري تنفيذها عند قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وتظل هذه المعاهدة نافذة لمدة خمس وعشرين سنة ابتداء من تاريخ تنفيذها، وفي أي وقت كان بعد عشرين سنة من تاريخ الشروع بتنفيذها، على الفريقين الساميين المتعاقدين أن يقوما بناء على طلب أحدهما بعقد معاهدة جديدة ينص فيها على الاستمرار على حفظ وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية في جميع الأحوال.

وعند الخلاف في هذا الشأن يعرض الخلاف على مجلس عصبة الأمم .

وإقراراً لما تقدم قد وقع كل من المندوبين المفوضين على هذه المعاهدة وختمها بختمه.

كتب في بغداد في اليوم الثلاثين من شهر حزيران سنة 1930 ميلادي الموافق لليوم الثاني من شهر صفر سنة 1349 هجرية.

هنري هيمفر نوري السعيد

ملحق

فقرة رقم 1

يعين صاحب الجلالة البريطانية من حين لأخر مقدار القوات التي يقيمها جلالته في العراق وفقاً لإحكام المادة الخامسة من هذه المعاهدة، وذلك بعد مشاورة صاحب الجلالة ملك العراق في الأمر،ويقيم صاحب الجلالة البريطانية قوات في [الهنيدي] لمدة خمس سنوات، بعد الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وذلك لكي يتمكن صاحب الجلالة ملك العراق من تنظيم القوات المقتضية للحلول محل تلك القوات، وعند انقضاء تلك المدة تكون قوات صاحب الجلالة البريطانية قد انسحبت من الهنيدي.

ولصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الموصل لمدة حدها الأعظم خمس سنوات تبتدئ من تاريخ الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وبعد ذلك لصاحب الجلالة البريطانية أن يضع قواته في الأماكن المذكورة في المادة الخامسة من هذه المعاهدة، ويؤجر صاحب الجلالة ملك العراق مدة هذا التحالف لصاحب الجلالة البريطانية المواقع المقتضية لإسكان قوات صاحب الجلالة البريطانية في تلك الأماكن.

فقرة رقم 2

بشرط مراعاة أي تعديلات قد يتفق الفريقان الساميان المتعاقدان على إحداثها في المستقبل، تظل الحصانات والامتيازات في شؤون القضاء والعائدات الأميرية، بما في ذلك الإعفاء من الضرائب التي تتمتع بها القوات البريطانية في العراق شاملة القوات المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه، وتشمل أيضاً قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف، وهي القوات التي يحتمل وجودها في العراق عملاً بأحكام هذه المعاهدة وملحقها، أو وفقاً لاتفاق يتم عقده بين الفريقين الساميين المتعاقدين، وأيضاً يواصل العمل بأحكام أي تشريع محلي له مساس بقوات صاحب الجلالة البريطانية المسلحة، وتتخذ الحكومة العراقية التدابير المقتضية للتثبت من كون الشروط المتبدلة لا تجعل موقف القوات البريطانية فيما يتعلق بالحصانات والامتيازات أقل ملائمة من الوجوه من الموقف الذي تتمتع به هذه القوات في تاريخ الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة

فقرة رقم 3

يوافق جلالة ملك العراق على القيام بجميع التسهيلات الممكنة لنقل القوات المذكورة في الفقرة الأولى من هذا الملحق، وتدريبها وأعالتها وعلى منحها عين التسهيلات استعمال التلغراف واللاسلكي، التي تتمتع بها عند الشروع

في تنفيذ هذه المعاهدة.

فقرة رقم 4

يتعهد صاحب الجلالة ملك العراق بأن يقدم بناء على طلب صاحب الجلالة البريطانية، وعلى نفقة صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً للشروط التي يتفق عليها الفريقان الساميان المتعاقدان، حرساً خاصاً من قوات صاحب الجلالة ملك العراق لحماية القواعد الجوية، مما قد تشغله قوات صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً لأحكام هذه المعاهدة، وأن يؤمن سنّ القوانين التشريعية التي قد يقتضيها تنفيذ الشروط الآنفة الذكر .

فقرة رقم 5

يتعهد صاحب الجلالة البريطانية أن يقوم عند كل طلب يطلبه صاحب الجلالة ملك العراق بجميع التسهيلات في الأمور التالية، وذلك على نفقة جلالة ملك العراق، وهي:

1 ـ تعليم الضباط العراقيين الفنون البحرية والعسكرية والجوية في المملكة المتحدة.

2 ـ تقديم الأسلحة والعتاد والتجهيزات والسفن والطائرات من أحدث طراز متيسر إلى قوات جلالة ملك العراق .

3 ـ تقديم ضباط بريطانيين مجربين عسكريين وجويين للخدمة بصفة استشارية في قوات جلالة ملك العراق .

فقرة رقم 6

لما كان من المرغوب فيه توحيد التدريب والأساليب في الجيشين العراقي والبريطاني يتعهد جلالة ملك العراق بأنه إذا رأى ضرورة الالتجاء إلى مدربين عسكريين أجانب فإنهم يختارون من الرعايا البريطانيين.

ويتعهد أيضاً بأن أي أشخاص من قواته، من الذين يوفدون إلى الخارج للتدريب العسكري يرسلون إلى مدارس وكليات ودور تدريب عسكرية في بلاد جلالته البريطانية، بشرط أن لا يمنع ذلك صاحب الجلالة ملك العراق من إرسال الأشخاص الذين لا يمكن قبولهم في المعاهد، ودور التدريب المذكورة في أي قطر آخر.

ويتعهد أيضاً بأن التجهيزات الأساسية لقوات جلالته، وأسلحتها ،لا تختلف في نوعها عن أسلحة قوات صاحب الجلالة البريطانية، وتجهيزاتها.

يوافق جلالة ملك العراق على أن يقوم عند طلب صاحب الجلالة البريطانية ذلك بجميع التسهيلات الممكنة لمرور قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف العسكرية عبر العراق لنقل وخزن جميع المؤن والتجهيزات التي قد تحتاج إليها هذه القوات في أثناء مرورها في العراق، وتتناول هذه التسهيلات استخدام طرق العراق، وسككه الحديدية، وطرقه المائية، وموانئه، ومطاراته، ويؤذن لسفن صاحب الجلالة البريطانية أذناً عاماً في زيارة شط العرب، بشرط إعلام جلالة ملك العراق، قبل القيام بتلك الزيارات للموانئ العراقية. (10)

دار الاعتماد ن. س . ف

بغداد في 30 حزيران 1930

وقبل أن يعرض نوري السعيد معاهدته المشؤومة على مجلس النواب لجأ إلى تأليف حزب سياسي له ضم العناصر التي رشحها في الانتخابات لتكون سنداً له في تصديق المعاهدة فكان [حزب العهد]. وفي 4 تشرين الأول 1930 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على المعاهدة، وتم دعوة مجلس النواب إلى الاجتماع في 16 تشرين الأول، واتخذ نوري السعيد احتياطات أمنية واسعة النطاق حول بناية المجلس الجديد في بناية جامعة[آل البيت]،التي ألغاها عند تشكيله لوزارته، والواقعة في الاعظمية، وأصدر قراراً بضمها إلى حدود أمانة العاصمة، حيث ينص الدستور على أن يكون مقر مجلس النواب في العاصمة. وفي اليوم المقرر لمناقشة المعاهدة من قبل مجلس النواب تقدم نوري السعيد إلى المجلس بالاقتراح التالي :

{لما كانت نصوص المعاهدة مع بريطانيا المنعقدة في 30 حزيران 1930 قد نشرت للرأي العام منذ مدة طويلة، وكانت انتخابات مجلس النواب قد جرت على أساس استفتاء الشعب فيها اقترح على المجلس الموقر أن يوافق على المذاكرة فيها بصورة مستعجلة}.

وقد تمت الموافقة على الاقتراح من قبل رئيس المجلس، و تم طرح المعاهدة بعد نقاش للمعارضة دام 4 ساعات للتصويت عليها، وقد صوت إلى جانب المعاهدة 69، وعارضها 13 عضواً، وتغيب 5 أعضاء عن الحضور، وسط هياج وصياح المعارضة المنددة بالمعاهدة. (18)

لم يبق أي عائق أمام نوري السعيد لتصديق المعاهدة، فالملك فيصل كان يرأس الوفد المفاوض أثناء عقد المعاهدة، ومجلس الأعيان يعيينه الملك، ويعمل بأمره .

أما المعارضة فقد أبرق أقطابها المعروفين السادة[جعفر أبو التمن ] و[ناجي السويدي] و[يسين الهاشمي ] إلى سكرتارية عصبة الأمم يحتجون على بنود المعاهدة التي لا تضمن للعراق استقلالاً حقيقياً، وتفسح المجال لبريطانيا باستغلال البلاد حسب ما تقتضيه أغراضها الاستعمارية.

سادساً: ماذا قال رجال الدولة البارزين عن المعاهدة ؟ (19)

لم يكد نوري السعيد يحقق مهمته الأولى بالتصديق على المعاهدة حتى عمَّ استياء عام وهياج جماهير الشعب احتجاجاً على ربط العراق بعجلة الاستعمار البريطاني، ولم يستطع رجالات السياسة البارزين وأقطاب الحكم إلا أن يوجهوا النقد الشديد للحكومة، بالنظر لكونها قد قيدت العراق لسنوات طويلة، وربطته بعجلة بريطانيا خلافاً لمصالح الشعب والوطن، وأعلنوا رفضهم لها .

فقد قال [ رشيد عالي الكيلاني ] وهو من رؤساء الوزارات المخضرمين:

{ إن أقل ما يقال عن هذه المعاهدة أنها استبدلت الانتداب الوقتي باحتلال دائم وأضافت إلى القيود والأثقال الحالية قيوداً وأثقالاً أشد وطأة }.

وقال [ يسين الهاشمي ] وهو أيضاً من رؤساء الوزارات، والذي شكل العديد من الوزارات ما يلي:

{ لم تضف المعاهدة شيئاً إلى ما كسبه العراق بل زادت في أغلاله، وعزلته عن الأقطار العربية، وباعدت ما بينه وبين جارتيه الشرقيتين وصاغت لنا الاستقلال من مواد الاحتلال، ورجائي من أبناء الشعب أن لا يقبلوها}.

وقال [ حكمت سليمان ] وهو رئيس وزراء سابق ما يلي:

{ المعاهدة الجديدة تضمن الاحتلال الأبدي، ومنحت بريطانيا امتيازات دون عوض أما ذيولها المالية، فإنها تكبد العراق أضراراً جسيمة دون مبرر}.

أما السيد[ محمد رضا الشبيبي ] وهو وزير في وزارات عديدة فقد قال:

{ إنني أرتئي رفض المعاهدة وملحقاتها لأنها حمّلت العراق الكثير من المغارم والتبعات، ولم يكسب مقابل ذلك حقاً جديداً من الحقوق، في حين حصل الجانب الآخر على امتيازات وحقوق جديدة }.

أما السيد [ عبد العزيز القصاب ] وهو وزير في وزارات عدة فقد قال عن تلك المعاهدة ما يلي:

{ إن المعاهدة لا تلبِِ رغبات الشعب، وجاءت هادمة لكل الجهود التي بذلت لتخفيف وطأة المعاهدات السابقة، وأنا ارفضها ويرفضها الشعب}.

وقال [ حمدي الباجه جي ] وهو رئيس وزارة سابق:

{ إن المعاهدة الجديدة تجعل كابوس الاستعمار البريطاني دائماً ومستمراً}.

وقال [ يوسف غنيمة ] وهو وزير سابق:

{إن المعاهدة لا تتفق والاستقلال التام، ورغبات الشعب، وليست في مصلحة البلاد}.

وقال [ كامل الجادرجي ] وهو وزير سابق وزعيم الحزب الوطني الديمقراطي، وأحد أبرز رموز المعارضة العراقية:

{ إن نتيجة هذه المعاهدة وذيولها حمايةٌ بريطانية شديدة الوطأة واحتلال دائم}. (20)

لكن المؤسف أن كل أولئك الساسة، باستثناء الأستاذ كامل الجادرجي، قد تنكروا لأقوالهم، واشتركوا في الوزارات التالية، ونفذوا بنود المعاهدة، وبلعوا تعليقاتهم حولها.

غير أن أكثر الشخصيات الوطنية عنفاً في مقاومة المعاهدة كان القائد الوطني البارز[جعفر أبو التمن] زعيم الحزب الوطني الذي بعث بمذكرة باسم الحزب إلى كل من ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران وتركيا وإلى عصبة الأمم في 1 تشرين الأول 1930 أدان فيها أسلوب تأليف حكومة نوري السعيد، والأساليب غير الدستورية التي أقدم عليها، بتأجيل جلسات المجلس النيابي، ومن ثم حله دون أن يمض عليه خمسة أشهر، وقيامه بتعطيل أكثر من 20 صحيفة سياسية، وإحالة عدد من المحررين الصحفيين إلى المحاكم، ومنع الحكومة للاجتماعات العامة، وكمّ أفواه الشعب، وعقد معاهدة جائرة يرفضها الشعب لأنها تصب في خدمة الأغراض الاستعمارية البريطانية، وإجراء انتخابات مزورة، لفرض المعاهدة التي رفضها الشعب وقواه الوطنية، وإن الحزب الوطني الذي أيدت سياسته أكثرية الشعب العراقي يعتبر أن هذه المعاهدة ملغاة وباطلة}.

كما أحتج عدد من الشخصيات السياسية الكردية على المعاهدة، وأبرقوا إلى سكرتارية عصبة الأمم عدة برقيات في 20، و26 تموز تستنكر عقد المعاهدة.

وقال عدد من أعضاء اللجنة الدائمة للانتدابات من ممثلي الدول في عصبة الأمم :

{ إن قبول العراق لهذه المعاهدة سيجعله بعد تحرره من الانتداب تحت الحماية البريطانية} .

وقال[ المسيو بار] العضو الفرنسي في اللجنة المذكورة :

{ أنا شخصياً لا أحب أن أرى بلادي تدخل في مثل هذا التعهد الذي قبله العراق على نفسه }.

وهكذا أثبت نوري السعيد أنه أكثر إنكليزية من الإنكليز، وانه رجل الإمبريالية البريطانية دون منازع، وهذا ما أهله لكي يكون العمود الفقري الذي تستند عليه السياسة البريطانية في العراق، ومكنته من أن يشكل 14 وزارة، في الفترة الممتدة من منتصف حزيران 1930 وحتى سقوط النظام الملكي حين قامت ثورة 14 تموز 1958.

سابعاً: الإضراب العام والمظاهرات تعم أنحاء العراق:

عندما تأسست الدولة العراقية عام 1921، لم يكن هناك قانون خاص للضرائب والرسوم التي تجبى من الشعب لحساب البلديات، وكانت الحكومة قد اكتفت بالبيان الذي أصدره القائد العام للقوات البريطانية الخاص بالرسوم التي ينبغي أن يدفعها السكان للبلدية. فلما تسلم نوري السعيد مقاليد الحكم أقرت حكومته لائحة قانونية لذلك، وقدمتها إلى مجلس النواب الذي أقرها بدوره في 10 أيار 1931، وصادق عليها الملك.

سبب ذلك القانون هياجاً، وغضباً شديداً لدى الطبقة الكادحة من العمال والحرفيين، واستنكرته الأحزاب السياسية، والصحف الوطنية، فقد حمل القانون أبناء الشعب أعباء جديدة، في وقت كانوا فيه بالأساس يعانون من تدهور أوضاعهم المعيشية. وجاء إقدام نوري السعيد على توقيع المعاهدة العراقية البريطانية، تلك المعاهدة التي جردت الاستقلال من كل معنى، ورهنت مقدرات العراق لمصالح الإمبريالية البريطانية لسنين طويلة لتصب الوقود على النار، و لتشعل الفتيل، وتطلق المارد من قمقمه في حملة احتجاجية عارمة ضد الحكومة، ودعت القوى الوطنية إلى الإضراب العام احتجاجاً على سياسة الحكومة المعادية لمصالح الشعب. وهكذا أضربت بغداد تماماً يوم 5 تموز 1931، وشمل الإضراب كافة المرافق العامة والأسواق والمحلات التجارية، ووسائل النقل، وأغلقت الصيدليات والمطاعم والفنادق ودور السينما أبوابها، ووقعت أزمة غذائية خطيرة في البلاد، حيث لا خبز، ولا لحوم، ولا فاكهة، ولا خضروات، وتوقفت حركة النقل، واضطر الناس إلى الانتقال مشياً على الأقدام، وأستمر الوضع على حاله أسبوعان، وكان هذا الإضراب الأول من نوعه في بغداد، واستمر بالتوسع والامتداد ليشمل الكاظمية، و الاعظمية، ثم ما لبث أن أنتقل إلى مدن الحلة والرمادي وبعقوبة والكوت والناصرية وكربلاء والنجف والبصرة وسوق الشيوخ وخانقين، ثم عم العراق من أقصاه إلى أقصاه.

شكل الإضراب أعظم تحدي للحكومة، ولاسيما بعد أن وقعت مصادمات كبيرة بين قوات الشرطة والمواطنين، وخاصة في مدينة البصرة التي أمتد إليها الإضراب يوم 15 تموز، حيث أضرب السكان عن بكرة أبيهم، وسارت المظاهرات المسلحة المنددة بالحكومة، حيث طوقت مراكز الحكومة، واشتبكت مع الشرطة، وقذفت سيارة المتصرف [المحافظ] بالحجارة، وهرب المتصرف من غضب جماهير الشعب، ولجأ إلى أحد الدور لينجو بحياته. لم تستطع الشرطة مجابهة المتظاهرين، واضطرت الحكومة إلى استدعاء الجيش الذي نزل إلى الشوارع، وبدأ بإطلاق الرصاص الذي دوى بغزارة، كما استنجدت حكومة نوري السعيد بالحكومة البريطانية التي قامت بدورها بإرسال قواتها بالإضافة إلى سفينة حربية كانت راسية في البصرة، واشتبكت مع المتظاهرين، حيث وقع عدد كبير من القتلى والجرحى، واستطاعت الحكومة في نهاية الأمر قمع الاحتجاجات وكسر الإضراب بمساعدة القوات البريطانية. (20)

ثامنا: السعيد يقمع ثورة الشيخ محمود الحفيد

كان الشيخ محمود الحفيد قد وقع اتفاقاً مع الحكومة العراقية والسلطات البريطانية في عام 1927 بعد فشل حركته، وتعهد بموجبه أن يعيش خارج العراق، مع إعادة كافة ممتلكاته إليه، بشرط أن يعين وكيلا عنه لإدارتها، فلما وقّعت حكومة نوري السعيد معاهدة 30 حزيران 1930 شعر الشيخ الحفيد أن بريطانيا قد تنكرت لحقوق الشعب الكردي واستغل الشيخ الحفيد قيام الأكراد في السليمانية بحركة احتجاجات واسعة ومظاهرات ضد المعاهدة، وضد حكومة نوري السعيد ليجمع المسلحين من أتباعه داخل العراق، احتل منطقة [ شهر بازار]، وبعث بمذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يطالبه بإنشاء دولة كردية في منطقة كردستان تمتد من زاخو وحتى خانقين.

أنذرت الحكومة العراقية الشيخ الحفيد بوجوب مغادرة العراق، وسحب عناصره المسلحة، لكن الشيخ الحفيد تجاهل الإنذار، ومضى في توسيع منطقة سيطرته، مما دفع الحكومة إلى تجريد حملة عسكرية كبيرة ضمت رتلين، وتوجه الرتل الأول نحو[جوارته ] فيما توجه الرتل الثاني نحو[بنجوين] ، كما شاركت الطائرات البريطانية في التصدي لحركة الشيخ الحفيد، حيث دارت بين الطرفين معارك دامية استمرت زهاء ستة أشهر تكبد خلالها الطرفان خسائر كبيرة. لكن قوات الحكومة استطاعت في النهاية فرض سيطرتها على مناطق كردستان، وهرب الشيخ محمود الحفيد لفترة من الزمن، ثم اضطر في نهاية الأمر إلى تسليم نفسه للجيش في 13 أيار 1931، وتم نقله إلى مدينة السماوة، ثم نقل إلى مدينة الناصرية، وأخيراً تم نقله إلى قصبة عانه، ثم سمحت له الحكومة بالإقامة في بغداد، وقررت مصادرة كافة أملاكه في محافظة السليمانية. (21)حامد الحمداني – مفكر حر

توثيق الحلقة الثالثة

(1)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 145 ـ عبد الرزاق الحسني.

(2)نفس المصدر ـ ص 153

(3)النشاط الصهيوني في العراق ـ ص 150 ـ حاييم كوهين .

(4)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 157 ـ الحسني.

(5)نفس المصدر ـ ص 176 .

(6)المصدر السابق ـ ص 208.

(7)مذكرات توفيق السويدي ـ ص 135 ـ.

(8)نفس المصدرـ ص 138 .

(9)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 279 .

(10)نفس المصدر ـ ص 284 .

(11) من ذكرياتي ـ ص 283 ـ عبد العزيز القصاب .

(12)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثاني ـ ص 294 .

(13)مذكرات ناجي شوكت ـ سيرة وذكريات ثمانين عاماً ـ ص 147

(14)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 7 .

(15)نفس المصدر ـ ص 17 .

(16)صحيفة صدى الاستقلال ـ العدد الرابع.

(17)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 19 .

(18)محاضر مجلس النواب 1930 ـ ص 57 .

(19)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص50 .

(20)في غمرة النضال ـ ص 178 ـ سلمان الفياض .

(21)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 127 .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

أزمة مستشار لم يستشره أحد

علي سالم

من منا لم يكذب على الناس عندما كان صغيرا ويكذب على نفسه بعد أن أصبح كبيرا، وخاصة عندما وقع في العشق لأول مرة في حياته، عاشقا لأنثى أو لسلطة أو لآيديولوجيا أو لحزب أو لجماعة أو لحزمة أفكار متصلبة مرضية. لست ألوم طفلا يكذب، فهو لم ينضج بعد بما فيه الكفاية ليدرك مدى خسارته مع كل كذبة، وهو أيضا مخلوق ضعيف محاط بكبار كل منهم في حجم النخلة أو الجبل الصغير، وعليه أن يحمي نفسه منهم باختراع أشياء لا وجود لها. في تلك المرحلة من الطفولة كانت هناك جملة واحدة تتردد على أسماعه كثيرا، وهي أن «اللي بيكذب بيروح النار»، وهو أمر يشعره بالرعب غير أن صوتا بداخله يقول له: أنت بالذات لن تدخل النار لأن أكاذيبك بيضاء لا تضر أحدا، ومع مرور الزمن بغير تكوين صحيح للضمير أو ما نسميه (الأنا العليا) لن تختفي حكاية النار هذه، غير أنه سيكتسب مناعة ضد المقولة نفسها، كل من يكذب على يقين من أنه لن يدخل النار لأن نيته عندما مارس الأكاذيب كانت طيبة، أو أنه كفر عن كل ذنوبه، ومنها أكاذيبه بالطرق التي يعترف بها بقية البشر، صادقين وكاذبين.. أبتعد الآن عن أنواع الكذب لأتناول بعض الحقائق.

آخر أزمات السياسة في مصر هذه الأيام، هي أزمة مستشار في رئاسة الجمهورية تمت إقالته لأسباب لم يوضحها أحد بالقدر الكافي، وبعد الإقالة كما يحدث عادة سكت الصمت وتكلمت البطولة تعلن على لسانه في كل البرامج الفضائية والجرائد في مصر وخارجها، حقيقة النظام وهي أنه ليس شفافا وليس وليس وليس وليس، إلى آخر الليسات التي تعرفها وتلك التي لا تعرفها، وبدأت حرب البيانات والبيانات المضادة في حرب بسوسية طاحنة. بيان واحد أثار اهتمامي وهو أن إقالة المستشار ليس لها صلة بعضويته في حزب النور، ولكن لأسباب تتعلق بشخصه. كما فهم المتابعون أيضا أن الرئاسة تتهمه باستغلال نفوذه بما يسيء لسمعة القصر الجمهوري، غير أنها لم توضح طبيعة أو أبعاد هذه التهمة.. هي كما ترى مباراة رائعة في إضاعة الوقت، وقت الرئاسة ووقت الإعلام ووقت الناس، للتغطية على السؤال الوحيد والمهم.. ماذا كانت فعلا وواقعا وحقيقة وظيفة الرجل في القصر الجمهوري؟

اسمح لي أن أجيب بسرعة عن هذا السؤال لكي أتفرغ بعد ذلك لإثبات صحة الإجابة: فعلا وواقعا وعملا وحقا هو لم يكن يمارس عملا من أي نوع في القصر الجمهوري. كان مستشارا مع وقف الاستشارة، لم يستشره أحد ولن يستشيره أحد حتى لو ظل هناك إلى الأبد، والذي قام بتعيينه هناك، عينه لأنه ليس في حاجة إليه، وأكبر دليل على ذلك هو أنه لم يكن يعطيه مرتبا مقابل عمله بمعنى أدق مقابل لا عمله، حتى إن الرجل أوضح أنه لم يكن يحصل على بدل مواصلات.

ومن هذه الإجابة التي تبدو متطرفة ينشأ سؤال: لماذا لم يهتم أحد بسؤاله عن طبيعة عمله في الرئاسة، هو مستشار لشؤون البيئة، ما الاستشارات التي طلبتها منه الرئاسة ومدى قربها أو بعدها عن البيئة، وبماذا أشار عليها، وكيف اكتسب خبرته واهتمامه بشؤون البيئة؟ هل هو مهتم بحزب الخضر في ألمانيا مثلا؟ هل من الممكن أن تعطينا نسخة من استشاراتك وإشاراتك ومشوراتك التي قدمتها للرئاسة لكي ننشرها في عصر الشفافية الذي لا يشف إلا عن خناقات وصدامات فقط؟

لا أحد سأل عن ذلك، لأن الإجابة تتعلق بشيء وحيد لم يعد أحد يهتم به في مصر وهو العمل.. الشغل. لا أحد سأله وماذا كان عملك يا سيدي؟ وفي الثلاثة أشهر التي حاولت فيها عبثا مقابلة رئيس الجمهورية، هل كنت تريد الحديث معه عن أنجح الطرق في القضاء على تلوث مصادر المياه في مصر؟ أم عن طريقة القضاء على السحابة السوداء، أم عن عوادم السيارات العاجزة عن السير في شوارع القاهرة. ليغضب مني أهلي وأرجو أن يغضبوا مني عندما أقول، لا أحد منشغلا بفكرة العمل في مصر، بل بفكرة الوظيفة والفرق بينهما كبير. وهو مرض قديم جدا، فقد حدث مع بداية الانفتاح أن فوجئ أصحاب المصانع بأن العمال يتركونهم ليعملوا بربع المرتب في الحكومة، وهو سلوك طبيعي، لا أحد في مصر يطلب عملا، بل وظيفة حكومية تتيح له أن يتخذ موقعا يبتز به الناس، ويتيح له فرصة الحصول على رزق حرام وفير. وهو الموقف الذي عبر عنه ابن رئيس الجمهورية الشاب بعد أن اعتذر عن قبول وظيفة سمينة وثمينة وذلك عندما تساءل.. ماذا أفعل لكي أحصل على (وظيفة) في بلادي؟ هو كمعظم الشبان في مصر يطلب وظيفة، هو لا يطلب عملا. بغير مواجهة هذه الحقيقة بشجاعة سنعجز عن تحقيق أي شيء في مصر.

تماما كما حدث مع المتحدث الرسمي، خرج من مكانه في القصر الجمهوري بعد أن اكتسب خبرة طويلة في نفي كل شيء، ليحصل على وظيفة حكومية خاصة بالإدارة والمعلومات، هكذا وللمرة الألف بعد الألف نضع إنسانا في مكان لا يعرف عنه شيئا. وكأنه من العار أن يقوم الإنسان بأداء عمله الذي أنفق في تعلمه سنوات عمره.. الرجل طبيب، ما الخطأ في أن يعمل طبيبا في عيادته وبقية مستشفيات مصر؟ ما المؤلم في أن يعمل الطبيب طبيبا والمهندس مهندسا؟

خداع الذات لم يعد يمثل حالات فردية منعزلة، بل أسلوب عمل، كل المستشارين الذين عينوا ثم أقيلوا أو استقالوا لم تكن الرئاسة في حاجة إليهم، كانت كذبة على النفس والناس الهدف منها هو إقناع الجماعات السياسية بأن لها نصيبا في الكعكة.. لكي لا تقولوا إنني أحكم بمفردي وإنني لا أستمع لكم.. تعال يا أخي، هل تفهم في البيئة.. لا.. جميل لقد عينتك مستشارا لشؤون البيئة.. وأنت يا أخي، أنت تحب السمك، لذلك سأعينك مستشارا لشؤون البحار والمحيطات، وأنت يا أختي، لم أفهم شيئا من كتاباتك، لذلك سأقوم بتعيينك مستشارة لشؤون الوضوح والشفافية.. هي كما ترى ليست من أكاذيب الطفولة غير الضارة، ولكنها خداع للذات ومن أكاذيب الكبار التي تورث الخسارة والضياع.

إذا كان هذا المثال يمثل أسلوبا في الإدارة، فمعنى ذلك أنك سترى نائبا عاما ليس نائبا عاما، وقاضيا ليس قاضيا، وضابط شرطة ليس ضابطا للشرطة، ووزيرا ليس وزيرا، وينتهي بك الأمر إلى الوصول إلى بلد ليس بلدا، ودولة ليست دولة، بل بحيرة من الأكاذيب الصاخبة والعنف.

* نقلا عن “الشرق الأوسط” السعودية

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

لَقَد هاجَ لَيلُ البين شجوي وَلا غروا

لَقَد هاجَ لَيلُ البين شجوي وَلا غروا إذا هاجَ لَيلُ البين من مغرمٍ شجوا

مَتى أَيُّها الأثْل الَّذي ظلّ ساكِناً تهبُّ الصَّبا إن الصبا وفدُ من أَهوى

إذا طلعت من خدرها الشمس في غد أَطلت إليها من دجى لَيلَتي الشكوى

يَرى الناس ما بي من جوىً وَصبابةً فَيَرجون لي السَلوى وأَنّى لي السَلوى

وَلا يَعلَم الصب المصارع للهَوى أَيَقوى عليه أَم عَلَيه الهَوى يَقوى

ومن كان فيه غلّةمن صبابة فَقَد يَشرب الماء القراح وَلا يَروى

وددت لَو اَنَّ الحب يَقسم منصفاً فَيسلبني عضواً وَيترك لي عضوا

‎جميل صدقي الزهاوي (مفكر حر)؟‎

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

يا موطناً

يا موطناً قد ذبتُ فيه غراما

أُهدي إليكَ تحيّةً وسلاما

لولاكَ لم أكُ في الوجود ولم أشِمْ

بَلَجَ الصباحِ وأسمعِ الأنغاما

أفديكَ من وطنٍ نشأتُ بأرضهِ

ومرحتُ فيه يافعاً وغلاما

ما كنتَ إلا روضةً مطلولةً

تحوي الورودَ وتفتق الأكماما

غازلتُ منها في الغُدوّ بنفسَجاً

وشممتُ منها في الأصيل خُزامى

وسعدتُ ألعب فوق أرضكَ ناشئاً

وشقيتُ شيخاً لا يطيق قياما

لكَ قد غضبتُ وفي رضاكَ حلمتُ أنْ

تنتابَني نُوَبُ الزمانِ جِساما

وسمعتُ من ناسٍ شريرٍ طبعُهمْ

كَلِماً على نفسي وقعنَ سهاما

لي فيكَ يا وطني الذي قد ملّني

حبٌّ يُواري في الرماد ضِراما

أمّا المنى فقد انتهتْ ومضاتُها

إلا بصيصاً لا يُزيل ظلاما

من ثَقّفتْه الحادثاتُ مُلمّةً

يلقى الخطوبَ بصدره بسّاما

كبر الأُلى من طيب أعراقٍ لهم

كانوا إذا لؤم السفيهُ كراما

بالذلّ لا أرضى وإنْ سلمتْ بهِ

روحي وأرضى بالحِمام زُؤاما

حَيِّ الذين إذا الهوانُ أصابهم

تَخِذوا الإباءَ من الهوان عِصاما

يا حاملَ الصمصامِ لا يحمي بهِ

حقّاً، لماذا تحمل الصمصاما؟

ما في المساواة التي نشدو بها

أن الوهاد تُطاول الآكاما

يا قومَنا لا نفعَ في أحلامكمْ

فخُذوا الحقائقَ وانبذوا الأحلاما

أخشى عليكم في الحياة تدهوراً

فيه الرؤوسُ تُقبِّل الأقداما

جهل الذين على قديمٍ عَوّلوا

إنّ الزمانَ يُغيّر الأحكاما

وأشدُّ خلقِ الله جهلاً أمّةٌ

نقضتْ فظنّتْ نقضَها إبراما

إني لأربأ أنْ أكونَ مِجنّةً

في الحادثات ولا أكون حساما

ولقد يريد الظالمون لنفسهمْ

بالظلم من شرٍّ يلمّ سلاما

وتشذّ آراءٌ، فكم من مجرمٍ

ما أن يرى إجرامَه إجراما

ولقد يُغالي المرءُ في آرائهِ

حتى يُثيرَ عداوةً وخصاما

ولربما أطرى أفاعيلاً لهُ

كانت إذا استقرأتَها آثاما

لا يستطيع بناءَ مجدٍ صادقٍ

من لا يكون لكاذبٍ هدّاما

هل يخرق العاداتِ في ما جاءَهُ

إلا جريءٌ لا يخاف ملاما ؟

أ إذا نجحتَ حمدتَ نفسَكَ مُطرِياً

وإذا فشلتَ تُعاتب الأياما ؟

إن الحياةَ وغىً وقد ينبو بها

سيفُ الشجاعِ ولا يكون كَهاما

ولربَّ حربٍ تختفي أبطالُها

تحت الستارِ ولا تُثير قَتاما

ذُمَّ التعصّبَ في الجدال فإنّهُ

سَقمٌ يجرّ وراءه أسقاما

ما أنتَ إلا ذرّةٌ منسيّةٌ

في بقعةٍ من عالمٍ يترامى

كَوْنٌ تُحرّكه نواميسٌ لهُ

كانت له منذ القديمِ لِزاما

تشكو به الأيّامُ مثلكَ أسرَها

فمن السخافة لومُكَ الأياما

فيه الشموسُ كثيرةٌ، فمن الذي

في البدء أَضرمَ نارَها إضراما؟

من يحسبِ الأوهامَ منه حقائقاً

يجدِ الحقائقَ كلَّها أوهاما

أو كان من داءٍ به يصدى فقد

يَرِدُ الخِضمَّ ولا يبلّ أُواما

لا يُنكر الحقَّ المبين سوى امرئٍ

يَعمى، وشرٌّ منه من يتعامى

ولقد يكون الفوزُ حِلفاً للأُلى

غمدوا السيوفَ وجَرّدوا الأقلاما

كم ريشةٍ في كفّ أروعَ بَدّدتْ

جيشاً تَدجّجَ بالحديد لُهاما

ظنَّ ابنُ آوى أنه أَسَدُ الشَّرى

حتى إذا لقي الهِزبرَ تحامى

لا تسخرنَّ فلابنِ آوى عذرُهُ

أن لا يكونَ القَسْوَرَ الضرغاما

ولقد جعلتُ ليَ الطبيعةَ قدوةً

وتَخِذتُ منها في الحياة إماما

ما أن أرومَ وإنْ زجتْني رغبةٌ

ما ليس يمكن أن يكونَ مراما

السيلُ إمّا عبّ مندفعاً فلا

يدع الوهادَ ويغمر الآكاما

ولقد أقول الشعرَ منفعلاً بهِ

ولقد أُنبّه بالقريض نياما

بسمتْ بناتُ الشعرِ حين شببنَ لي

ففطمتُهنَّ فما أردنَ فِطاما

أسفي على الأدب الذي يبغونَ أَنْ

يكسوه من عصرٍ خلا أهداما

أخذتْ تُنغّص راحتي ضوضاؤهم

من غير أن يلقى الجدالُ نظاما

فوددتُ لو أن الذين تجادلوا

جعلوا الوفاقَ على الصواب ختاما

أنا لا أحبّ سوى مكانٍ هادئٍ

أمّا الزحامُ فلا أريد زِحاما

‎جميل صدقي الزهاوي (مفكر حر)؟‎

Posted in الأدب والفن | Leave a comment