الانهيار المالي العالمي.. سوريا.. أم حرب عالمية!

شبكة البصرة 

سليمان يوحنا

تعقيبا لما نشرته في البحوث السابقة فيما يخص الازمة المالية/الاقتصادية المتسارعة عالميا، لايسعني في بداية هذا البحث إلا التنويه الى الخطورة غير المسبوقة في هذا الشأن نتيجة تسارع هذا الانهيار والمعايير الحكومية التي بدأ تطبيقها في قبرص منذ “آذار” الماضي واعلان البنوك المركزية في الغرب بأن نموذج قبرص سيطبق في الدول الغربية في حال فشل المصارف مستقبلا… مضمون النموذج اعلاه سيفاجأ ويصدّم الجميع! لأنه ولأول مرة في التاريخ الحديث يتم تجميد وسرقة ودائع ومدخرات المواطنين في محاولة لإنقاذ نظامهم المالي المفلس..!.

نحن بصدد متغيرات متسارعة على مدار الساعة واسابيع حُبلى بمفاجئات كبرى على مختلف المحاور، ومفترق طرق… ولكن الاخطر في هذه الحقبة التاريخية ليس الانهيار المالي بل خطر إندلاع حرب شاملة بدأ بسوريا تتورط فيها دول اقليمية مما سيجر اليها روسيا وحلفائها في مواجهة محور مجموعة “لندن 11” نحو حرب عالمية. 

بالفعل أن ما يُثير الدهشة والعجب هو كون البعض مستمرا في تصديق التلفيق والنفاق السياسي والمخابراتي والاعلامي المستمر منذ التسعينيات في شن الحروب هنا وهناك بحجج واهية وخدّاعة مثل حماية حقوق الانسان…. فرض الديمقراطية..!، الدوافع الحقيقية في تاريخ وقوع الحروب الكبرى في التاريخ تعود اسبابها بالدرجة الاولى الى تلك الحالة التي تسمى بنقطة اللاعودة

 “Boundary Condition”

 في انهيار النظم المالية لطبقة “النخبة المالية”.. التي تسيطر على النظم السياسية والايديولوجية والاعلامية دوليا.. حينها تبدأ شرارة الحرب عادة بحادث نوعي “ارهابي مصطنع” او تلفيق مفبرك من الدرجة الاولى “سياسيا او عسكريا” لخلق الصدمة النفسية…. في الوقت الذي تكون فيه ماكنة الاخطبوط السياسي والاعلامي وادواتها في الحرب النفسية تعمل دون كلل…. وتهيئة الارضية الخصبة في تعبئة وشحن الانفس وغسل الادمغة والترهيب النفسي للشعوب وحكوماتها.. وصولا الى حالة العمى المنطقي والتجرد من الطبع الانساني والسير مع التيار السائد… حينها لا جدوى من الشكوى والتذمر، هذا ما يحصل دوما عندما يفشل الانسان في تسنّم دوره الحقيقي في الحياة.. والوقوف بوجه الشذوذ الفكري والايديولوجي الذي يصاحب البشرية منذ البدء..!

لا يسعني الا ان اعبر عن الرهبة والفجع للاحداث القادمة في حال وقوعها.. لأن ما يلفت النظر هي تلك الحقيقة التي تغطيها ستارات مصطنعة تشير الى اننا ولأول مرة في التاريخ من حيث الضخامة امام مسألة حياة او موت… من مفارقات القدر هو ما جرى في العقود الخمس الاخيرة من تكبّيل النظام السياسي والاعلامي الغربي بقيود تناقض ادبياتها وقيمها ودساتيرها والسيطرة على تلك الامم من قبل قلة قليلة “طبقة النخبة المالية العالمية”..!، وبذا اصبح الغرب الذي هو على وشك السقوط.. ليس إلا أداة لترهيب الامم تحت لافتات تبدو براقّة للعقول السطحية للحد الذي يبدو عالمنا اليوم متجها نحو نقطة التصادم بين القوى العالمية ومذبحة قد لا ننجو منها..! 

من أجل إعطاء الموضوع حقه لا بد من ذكر حقيقة تاريخية راسخة لكي لا نقع ضحية القوى التي تهيمن وتوجه ما يطفوا على السطح من أحداث تقع امام الأعين لصرف الانظار نحو اعداء وهميين ليسوا الا ادوات للعقل المدبر والعدو الحقيقي للانسانية القابع في عليائه متلذذا بالدماء البشرية منذ قرون…!، أرجوا الاطلاع على رابط للبحث الذي نشرته سابقا في اسفل الصفحة حول دور المؤسسة البريطانية التي هي في منتهى الحذق والمهارة في خلق الازمات الاستراتيجية والتكتيكية واستخدام مواطن الضعف في الثقافات والاديان لخلق بقع ساخنة وقنابل موقوتة ومن ثم فرض الحلول التي تخدم أجندتهم للامد الطويل “فرق تسد”…. هذه المؤسسة وبعد الحرب الكونية الثانية وقرب زوال زمن الاستعمار المباشر “المستعمرات”، مباشرة بعد الوفاة المفاجئة للرئيس الامريكي فرنكلين روزفلت الذي قال لتشرشل في مؤتمر يالطا عام 1944 “تشرشل، بعد انتهاء هذه الحرب، لن يكون هناك مكان للامبراطوريات”، حينها، انتقلت وببراعة للهيمنة على النظام المالي العالمي بفرض نظامها النقدي

“Monetary System”

 بديلا للنظام الائتماني الامريكي

“Credit System”.

ما يسمى بالازمة السورية؟:

برأي، ما يجري في سوريا وما أُطلق عليه بالربيع العربي..! يعتبر من الخدع التاريخية الكبرى.. الانجح إطلاقا للمؤسسة البريطانية العالمية ضمن لعبة “الجيو – سياسي” في التحطيم الذاتي لكيان دول وشعوب تمتد تأثيراتها لعدة أجيال…. ونجاحهم في خلق واجهة عدو جديدة بعد انهيار “الشيوعية” والحرب الباردة..، “الاخوان المسلمين” والاسلام السياسي هم ثمار تسعون عاما من التخطيط المتأني وجهود مضنية تعود الى العشرينات من القرن الماضي، عندما قام “حسن البنا” رسميا بتأسيسها في عام 1928 ولكن جذورها تعود الى الماسوني والعميل البريطاني “جمال الدين الافغاني” في الربع الاخير من القرن التاسع عشر… هؤلاء يعتبرون بعد انهيار “الشيوعية” هبة من السماء للمخطط البريطاني لأنهم امام ايديولوجية تُسيل اللعاب في خلق الازمات “الخلافة الاسلامية”، الغريب أن يكون ما يُدعى بالغرب “المسيحي”! عرّاب الربيع الاخواني ضد الانظمة العلمانية.! مولود انتظرته بريطانيا بشوق خوفا من العقم بعد انتهاء الحرب الباردة… من هنا الاحتفال البهيج بهذا المولود وتقديمه للواجهة العالمية في دعمهم لتركيا وتونس وليبيا ومصر والمعارضة السورية وسيأتي الدور للاجهاز على الاردن والسعودية ودول الخليج…. 

أن الاحداث والتطورات في سوريا منذ عام 2011 تعبر عن نفسها لكل متفحص وحيادي وباحث، لأنها كشفت الكثير من المستور المخابراتي والاستراتيجي والازدواجية السياسية والاعلامية وسقوط الاقنعة حيال القاعدة والاخوان المسلمين ودور الامير بندر بن سلطان وما يدعيه الغرب بمحاربة الارهاب!.. قد يتسأل البعض عن السبب الحقيقي للموقف الصلب لروسيا والصين في دعمهما لسوريا واستخدام الفيتو في اروقة مجلس الامن لأكثر من مرة لأي تدخل عسكري… قبل سنتين اصدر الاقتصادي الفيزيائي “ليندون لاروش” تحذيرا فحواه ان الهدف الحقيقي مما يجري من عملية “بلقنة” الشرق الاوسط هو “آسيا” وبالذات روسيا والصين كذريعة لاطلاق شرارة حرب عالمية كما فعلوا في أزمة البلقان الاولى قبل الحرب الكونية الاولى…. هذا ما صرحت به روسيا حول الهدف من نصب منظومة صواريخ “باتريوت” في تركيا والاردن بإعتباره مكملا لتلك المنظومة المثيرة للجدل في شرق اوربا “نظام الدرع الصاروخي الاوربي

” Anti – Ballistic Missile – ABM “

 “وهدفه ليس دفاعي كما يدعي الغرب بل لتحويط اسيا وشل قدرتها في الرد مما يعتبر اخلال لمبدأ التوازن الاستراتيجي في حال اندلاع اي صراع نووي. 

النخبة المالية العالمية المتمركزة في لندن وربيبتها “وول ستريت” تدرك جيدا بان الظروف قد أينعت وعلى وشك الخروج سريعا عن نطاق السيطرة وفقدان هيمنتها وسطوتها المالية الممتدة لأكثر من 320 عام!، وهذا مرده الى الزخم المتصاعد في الولايات المتحدة نحو إحتمال تمرير وتطبيق قانون نظام فصل المصارف “كلاس ستيكل

Glass Steagall”

، لذا ليس مستغربا البتة زخم المناورات والتصريحات النارية وتلفيق وفبركة الاتهامات والهروب الى الامام لبعض القادة في محاولة التحصن بأزمة الخارج، هربا من الازمات والمستحقات الداخلية كما هو الحال مع اوباما الذي يواجه ضمن ما يواجهه تهمة خرق الدستورالامريكي بإعطائه الاوامر للقوات الامريكية لمهاجمة ليبيا من دون الرجوع الى الكونغرس وكذلك “محمد مرسي” الذي تخنقه الازمات الداخلية…. وآن الاوان لتحريك الدُمى الاقليمية ورفع سقف الخطاب الديني والسياسي وكأن سوريا هي عدو الانسانية، في الوقت الذي نحن فيه على وشك انعقاد مؤتمر “جنيف 2”! الذي سيضع الحل السياسي والاحتكام للمنطق عوضا عن جرّ العالم للتورط بحرب عالمية، علما أن أغلب الحروب الكبيرة تبدأ عادة بصورة غير متوقعة او عقلانية الا بعد فوات الآوان. 

يقينا، ستكون من سخريات القدر الكبرى، وتراجيديا لن تتكرر، إن وقع العالم في مطبّ المحور الخماسي المخادع “اوباما، ديفد كامرون، الامير بندر بن سلطان، اردوغان، فرانسوا هولاند” المسيّر من قبل المؤسسة البريطانية..،لأن مجرد التفكير باطلاق شرارة حرب جديدة هو شر مطلق يعجز عنه حتى ابليس.. إننا امام حرب إن اندلعت ستكون الاولى والاخيرة في التاريخ “حرارية- نووية –

Thermo-Nuclear”

!، السؤال الذي يفرض نفسه: إذن لما هذا الجنوح نحو الجنون السياسي والتلفيق المخابراتي من قبل الدول التي تدور في الفلك البريطاني، لإشعال فتيل الحرب العالمية… تارة باستخدام الزناد الاسرائيلي والتركي.. وتارة منظومة الدفاع الجوي الروسية “اس 300”.. وتارة التلميح بأنهم على وشك تزويد المعارضة السورية بالسلاح! بينما تلك العملية مستمرة من قبل دول الخليج والسعودية والغرب منذ سنتين انطلاقا من ليبيا وعبر تركيا والاردن ولبنان… ثم العودة مجددا الى تلك المعزوفة العقيمة التي استخدمت كذريعة لتدمير العراق “أسلحة الدمار الشامل”، بالرغم ان مبعوثة الامم المتحدة “كارلا دي بونتي” اكدت في تقريرها المقدم الى الامم المتحدة قبل اسابيع بأن السلاح الكيمياوي الذي استخدم في عدة مواقع سورية مصدره المعارضة التي تدعمها الغرب وليس الجيش السوري..! إذن ما هو الهدف من التلفيق والتصعيد حول الاسلحة الكيمياوية من قبل دعاة الحرب والتنسيق لنسف كل مبادرات الحل السلمي ومنها زيارة الامير بندر وعبدالله لفرنسا والملك الاردني لبريطانيا وامريكا للدفع نحو الخيار العسكري.. هذا ما يجري على قدم وساق من سرعة التحضيرات الخفية في الاردن ” 3″ الاف عسكري امريكي بدعوى التدريب او لتشغيل الباتريوت! وتهيئة قاعدة ” انجرليك” التركية والاعداد لفرض حظر جوي فوق سوريا الذي بحد ذاته يعتبر إعلان حرب.. بينما الدبلوماسية الروسية تعمل بقصوى لمنع خروج الامور عن نطاق السيطرة في اي لحظة… المثير للخوف هو اللامبالاة الغريبة لمجموعة “لندن 11” للتحذيرات الصادرة عن المؤسسات العسكرية والامنية الغربية ومنها الاسرائيلية ايضا لأي مغامرة في التدخل المباشر والمتمثلة برئيس هيئة الاركان الامريكية الجنرال “مارتن ديمبسي” الذي لولاه، لكان اوباما قد ورّط امريكا في تدخل عسكري مباشر عقب الانتهاء من تدمير ليبيا.. حسب المصدر الاعلامي الامريكي “بلومبيرغ” رفض الجنرال “ديمبسي” قبل ايام طلب “جون كيري” لقصف مواقع عسكرية اثناء الاجتماع الذي نوقش فيه عملية تزويد المعارضة السورية باسلحة نوعية… ولكن معارضة العسكر لها حدود، لأنه بمجرد إطلاق الشرارة لن يكون امام العسكري المحترف الا القيام بواجبه الوظيفي.

أدناه بعض الامثلة لما كان يخطط له في فترة الاسابيع الاخيرة للضغط على زناد الحرب بسبب الانتصار الاستراتيجي في معركة “القصير” وانقلاب الموازين والتهيئة لمعركة حلب التي تؤكد الاحداث بأنها ستكون المعركة الفاصلة ونهاية اللعبة السورية والربيع العربي وزمن الاستحقاقات السياسية والقانونية للمتورطين بها:

اولا: عودة اوباما في الايام الاخيرة الى التصريح والجزم بأنه يملك أدلة على استخدام الجيش السوري للاسلحة الكيمياوية.. بالرغم من تفنيد الامم المتحدة وأجهزة المخابرات لهذه الادعاءات…. لان المطلوب سياسيا هو سبب وجيه لتجاوز معارضة المؤسسة العسكرية الامريكية لاي تدخل عسكري مباشر… تجاوز خط اوباما “الاحمر” في استخدام الكيمياوي هو السبب الذي سيفرض على الجيش الامريكي للانصياع لاوامر القائد العام.

ثانيا: قبل ثلاث اسابيع كان ملاك الحرب على وشك التمكن من اطلاق شرارة الحرب على احد المحورين: دفع اسرائيل لتنفيذ ضربة جوية على اهداف سورية مزعومة لمنظومة الصواريخ الروسية “اس-300” للدفاع الجوي المتطورة التي قامت عدة وكالات انباء عالمية بتلفيق خبر وصولها على لسان الرئيس السوري في المقابلة التلفزيونية مع تلفزيون المنار اللبناني، وتبين بعدها بعدم صحة الخبر والتأكيد الروسي بذلك… الغاية كان دفع اسرائيل لشن ضربات جوية والرد السوري الذي جاء على لسان الرئيس السورري بأنه في حال تعرضنا لأي ضربة اسرائيلية إضافية فأن صلاحية الرد قد منحت للمؤسسة العسكرية من دون الرجوع للقيادة السياسية لإتخاذ ما يلزم.

اما المحورالاخر ما كان يخطط وفي طور التنفيذ من قبل “جبهة النصرة” المرتبطة بالمخابرات الاقليمية “وبلاك ووترز” لاستخدام الاسلحة الكيمياوية “غاز السارين” في احدى المدن التركية وتوجيه اصابع الاتهام فورا لسوريا وقيام تركيا بالرد الفوري… مما يُلزم حلف الناتو بالتدخل للدفاع عن تركيا العضو، لكن الاقدار تدخلت في اللحظات الحاسمة وتمكنت الاجهزة الامنية التركية من القاء القبض على مجموعة مكونة من سبعة عناصر بحوزتهم كيلوغرامان من غاز السارين القاتل في مدينة أضنة التركية. 

ثالثا: محاولة المحور الثلاثي “اوباما، كاميرون، هولاند” في مؤتمر الدول الثمان

“G 8”

 المنعقد في ارلندا قبل ايام لإقناع الرئيس الروسي بتغير موقفه تجاه سورية وتدويل الازمة السورية تمهيدا للتدخل العسكري كما حصل مع ليبيا…. هذه المحاولة باءت بالفشل كما رأينا في مضمون البيان الختامي للمؤتمر بعدم التطرق الى شخص الرئيس السوري كشرط للحل.. كان حريّ بهذا الثلاثي إدراك ان محاولة لوي ذراع “بوتين” محال… حين صرّح بوتين في عشية انعقاد ذلك المؤتمر للصحفيين بأن الغرب يسّلح “آكلي لحوم البشر” بينما روسيا تتعامل بحسب القوانين الدولية والسيادية مع سوريا… إذن وكما يبدو بأن بريطانيا أمام موقف صعب في محاولة تنفيذ أجندتها…والبديل هو تجيش ودفع الدول العربية الدائرة في فلك بريطانيا والغرب نحو التصعيد وليس مستبعدا لتلك الدول عن إعلان الحرب على سوريا وحزب الله واللعب على وتر الطائفية لجر دول مجموعة “لندن 11” للتدخل عسكريا…. وبالتزامن مع ما يجري من مؤشرات لجهود غربية من سياسة المهادنة والدبلوماسية وبعث الاشارات المشجعة في محاولة عزل ايران عن سوريا بعد الانتخابات الايرانية الاخيرة.

الازمة المالية/الاقتصادية: 

أدناه نبذة مختصرة عما يجري… لست أبالغ إن قلت بأننا في مستهل عاصفة من الانهيارات المتسارعة جارية على قدم وساق وعلى وشك خروجها عن نطاق السيطرة… هذا الانهيار دخل منذ اسابيع طور مرحلة تعتبر الاخطر، حيث الانهيار المفاجىء لسوق السندات التجارية

Corporate Bond Market “

 الذي تسبب انهياره في عام 2008 بخلق ما دعى بألازمة المالية العالمية

 – Global Financial Crisis- GFC”

 نتيجة نضوب الائتمانات “عدم الاقراض” بين المصارف وتوقف الحركة التجارية وهروب الاموال مما وضع سوق “المشتقات-

Dirivatives”

 على المحك مهددا المصارف الكبرى بالافلاس لولا تدخل البنوك المركزية بضخ السيولة بصورة غير مسبوقة… العامل الوحيد الذي ابقى المصارف مفتوحة هو الضخ الحكومي للسيولة واستخدام اموال دافعي الضرائب “التكفل الحكومي للمصارف”

“Bail Out

 في الاعوام الخمس الاخيرة للحد الذي ادى بدول الى الاعلان عن العجز في ايفاء ديونها مثلما الحال مع اليونان، البرتغال، اسبانيا… الخ، والمثير للانتباه التحذير الذي أطلقه رئيس بنك الاحتياط الامريكي

” Ben Bernanki”

 في كانون الثاني للكونغرس بأن الولايات المتحدة ستعجز عن ايفاء دفع ديونها ما لم يتم رقع سقف الدين العام “ضخ” المزيد من السيولة، ولكن حقيقة الامر هي ان الاستمرار بضخ السيولة النقدية يعني لا محال من حصول التضخم النقدي الشديد

“Hyperinflation”

 وفقدان العملة لقيمتها.. وان تم وقف الضخ حينها ستنهار المصارف! لذا فأن مضمون السياسة الجديدة منذ آذار الماضي

“Bail – In”

 هو : شئت أم أبيت فأننا سنسرق مدخرات الناس والاستثمارات لغرض إنقاذ نظامهم ولو أدى هذا الى انهيار الدول والشعوب والفوضى. 

البعض من القراء يتذكر تحذيرات مؤسسة لاروش العالمية منذ عام 1994 حول حتمية إنهيار “العولمة الاقتصادية “، وبدت تلك التحذيرات غريبة ومبالغ فيها! ولكنها بدت تتوضح تدريجيا منذ عام 2000 وصولا للازمة التي سميت بالازمة المالية العالمية

”Global Financial Crisis –GFC

 عام 2009، ولكن ما جرى لقبرص “ضمن دول الاتحاد الاوربي” دليل على منحى خطير يمسُّ من ليس له ناقة ولا جمل مباشرة.. في خطوة مفاجئة من آذار الماضي، اعلنت قبرص تجميد كافة المصارف والحسابات ولمدة عشرة ايام

“Bank holiday “

، حاول البنك المركزي الاوربي اثنائها ضمن شروطه لمنح قبرص قرض مقداره سبع مليار دولار ” كحزمة” إنقاذ للبنوك في فرض سياسة استقطاع عامة بنسب معينة على كافة الحسابات! ولكن معارضة السياسيين القبارصة لتلك الاجراءات خوفا على حياتهم من ردة الفعل الشعبية تم تخفيف تلك الشروط ضمن مقاييس جديدة نصّت على فرض سياسة غير مسبوقة وضوابط مصرفية على ودائع الناس، وتم تبني القانون الجديد في البرلمان القبرصي تحت الضغط من الاتحاد الاوربي الذي أعلن ان هذه المعايير ستطبق ضمن كافة دول الاتحاد في حال فشل المصارف.. وجرى سريان إجراءات القانون الجديد فورا على اي حساب مصرفي يتجاوز ال “100” الف يورو، وكما يلي: 37% يتم تحويلها قسرا الى اسهم مصرفية و 22% تلغى تماما، و 40% تجمّد، ولكن حتى مبلغ ال 100 الف يورو المكفول من قبل الدولة؟ لا يحق لصاحبه سحب اكثر من 300 يورو في اليوم.. مما يعني إن كنت صاحب مصلحة تجارية او تدفع اجورا حينها لا مفر من الافلاس؟ هذا ما جرى لقبرص وسيشمل قريبا كافة الدول الغربية في حال فشل اي مصرف! القانون اعلاه يسمى في الولايات المتحدة ب

“Dodd – FRANK BILL”

التي صادق عليه اوباما في عام 2010، وتم تمريره بشبه سرية وخديعة في كندا ضمن ميزانية الدولة للعام الماضي وفي نيوزلند وبريطانيا وهم بصدد ذلك في استراليا.

السياسة أعلاه يتم فرضها على الدول من قبل بنك التسويات الدولي

– Bank of International Settlement – BIS الذي هو بمثابة البنك المركزي للبنوك المركزية العالمية ومقره في سويسرا. 

في بث علني على الانترنيت

” Web Cast “

، بتاريخ 25 تموزعام 2009، حذر ليندون لاروش الحكومات الغربية بأن نظام “كلاس – ستيكل” لا بديل عنه في الوضع الحالي، وبأن كل الاجراءات المتخذة حينها من قبل تلك الحكومات من سياسة ضخ السيولة والتقشف الصارمة والتلاعب بالارقام لن تنقذ النظام المالي المفلس، والدليل هو ما جرى بعد اربع أعوام من ذلك التحذير! وما هم بصدده اليوم لن ينقذ هذا النظام بصيغته الحالية حتى وإن تم سرقة الفلس الاخير من ودائع الناس…. هل يعقل أن يتم إنقاذ نظام مالي يئنّ تحت وطأة ديون من المضاربات “سوق المشتقات” تتجاوز “الالف واربعمائة” ترليون من الدولارات! بينما مجموع الناتج الاقتصادي العالمي لا يتجاوز ال “2” ترليون دولار، الاغبياء فقط سيصدقون ذلك. 

الحلول : هناك تحرك وجهود جدية تتبلور ويقودها بعض الاعضاء من كلا الحزبين في الكونغرس الامريكي نحو تحيّيد “اوباما” او الدفع نحو محاكمته بتهمة خرق الدستور وتجاوز صلاحياته،… هذا التحرك لم يأتي إعتباطا، بل نتيجة جهود حثيثة لبعض المؤسسات الامريكية من الذين يتعاونون مع مؤسسة لاروش في امريكا ولإدراكهم للخطورة التي تمثلها شخصية أوباما وكما جاء بتحذير لاروش في عام 2009 بأننا أمام شخصية “نرجسية –

Narcissist”

 وخطيرة ويجب تحييده أو عزله لمنع استخدامه من قبل بريطانيا!، نأمل أن يتم هذا التحرك بسرعة وإيجابية وقبل فوات الآوان…. لأن بريطانيا لا تملك المقدرة في شن حرب عالمية من دون القدرة الامريكية.

أما الحلول المالية والاقتصادية فأنها متوفرة ولخّصها “ليندون لاروش” بثلاث نقاط اساسية “كلاس ستيكل، النظام الائتماني والعودة الى الاقتصاد الفعلي الانتاجي”… المشكلة الرئيسية تتمحور في عدم وجود النية الصادقة للمؤسسة الحاكمة في تطبيق تلك الحلول ووضع النفع العام للشعوب فوق المصالح الخاصة للنخبة المالية!،… يبدو إن ما نواجهه اليوم وبالذات في الغرب هو مرحلة لا تختلف عما جرى في الربيع والصيف من عام 1932 في صعود الانظمة الفاشية المدفوعة من قبل المؤسسات المالية في اوربا وما تبع ذلك من نتائج مدمرة… أنظروا الى المعلومات التي سربها عميل المخابرات الامريكية ” ادوارد سنودن” من وثائق كشفت تورط الاجهزة الامنية الامريكية والبريطانية في برنامج تجسسي يسميه “أكبر برنامج مراقبة في تاريخ البشرية”… ما نعرفه للآن من هذه الوثائق هو التجسس على أكثر من ملياري إنسان من ضمنهم 200 مليون مواطن امريكي من خلال التنصت على الهواتف والانترنيت والبريد الالكتروني والفيس بوك.. هل هذا لتعقب الارهابيين الذين تدعمهم تلك الدول في سوريا وليبيا! أم هو صعود فاشية البنوك وتطبيق ذات السياسة التي طبقت في الفترة النازية في المانيا..!.

ختاما: أتأمل ان يقوم كل من يقرأ هذه المعلومات عمل المستطاع وبقدر الامكان في الاتصال بالمؤسسات ذات العلاقة والبرلمانيين والمطالبة في التحرك لوقف ما يخطط له قبل استفحال الامور!.

الحياة هي أمانة ونحن وكلاء عليها وللأجيال القادمة، إن سمحنا للفشل، حينها أي حساب سنعطيه لخالق الكون؟ وبما سنتحجج، وكيف نبرر فشلنا؟ البرهان سيمر امام كياننا كشريط يوخز طبعنا البشري الخلاق الذي وهبّ لنا في هذه البسيطة، ايها الانسان كيف فشلت وماذا أنجزت! إعطي حساب وكالتك، وحينها لن يفيد البكاء وصرير الاسنان!

لمن يرغب بالمراسلة ولاستفسار، يرجى مراسلتي على البريد الالكتروني ادناه واليكم بعض الروابط الالكترونية لمن يرغب معرفة المزيد عن خلفية الموضوع:

وتقبلوا مني كل المحبة والاحترام.

20 أيار 2013

sy@cecaust.com.au

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

مغلق للصلاة

المصري اليوم

 هذه صورة يومية من مصير أمة يتحكم بها رجال الجهل.

ينادى المؤذن للصلاة فيغلق البلد إغلاقا شبه كامل. كل الأماكن مقفلة. حتى أكثر المراكز حيوية وحساسية. الصيدليات. الأسواق التجارية. البقالات. المخابز. المطاعم… الجميع يرفع يافطة مكتوبا عليها/مغلق للصلاة. يبادر موظفو الجهات الحكومية والخاصة وأقسام الشرطة بترك مكاتبهم وتعطيل أعمال مراجعيهم عند دخول الصلاة، وقد يتوقف كثير من طلبة المدرسة عن متابعة جدولهم اليومى ريثما تؤدى الفريضة. أى جهة تخطر ببالكم مغلقة لحين انتهاء الصلاة. يتكرر تطبيق هذا النظام خمس مرات فى اليوم والليلة. حالة جادة من انتهاك الخصوصيات والحريات. وتعطيل كامل للمصالح والاقتصاد والحياة.

قانون يبعث على الكسل ويشارك بتردى الحالة المادية المتهالكة فى دولة بترولية ضخمة. حتى اليوم ليس هناك أى مبرر وجيه يفسر إيقاف الحياة وقت الصلاة، غير أنه رضوخ مطلق لمؤسسة دينية تبتعد كثيرا عن الدين الحقيقى. ثم يصادفك رجال جهل يطوفون فى الشوارع والأسواق، منادين بأنه قد آن أوان الصلاة فأغلقوا كل شىء وارموا ما بأيديكم وتوجهوا صوب القبلة، أما من يخالف الحظر فعقوبته وخيمة. إجبار على ممارسة الشعائر لا تقبله أى سماء.

فى أحلك اللحظات الطارئة تتوقف على عجالة لتعبئة سيارتك فتفاجأ بأن وقت صلاة الظهر قد دخل وعليك انتظار قرابة ثلاثة أرباع الساعة حتى تفتح محطة البنزين. وأياً كانت الضرورة الملحة التى استدعت وقوفك هناك فلن يتزحزح النظام.

كأن الرابط مع الله يتطلب إشرافا ورقابة وعقوبة سلفية، وكأن من شروط الجنة تعطيل الحياة.

الطريف أن العدد الضخم من القوى العاملة الموجودة ينتمى لديانات مختلفة غير الديانة الإسلامية. وهؤلاء لا يجدون حلا غير التسكع حتى نهاية حالة الطوارئ المعتادة.

الصلاة تحولت لعادة، تحولت لقانون، لنظام. والروحانيات روتين جماعى يومياً.

هناك جموع صابرة وصامتة. وهناك قطعان سعيدة وراضية.

مصير محبط تتجه له بقية الشعوب لأن امتدادات الجهل تحكم المنطقة. حتى فى أكثر أماكنها انفتاحا وحرية. رجل بلحية كثيفة مقرفة تصل لخاصرته يظهر على الشاشة وبيده سلاح يحارب به المجهول، معرفتك بتاريخ أولئك الهمج تدفعك للاعتقاد بأنه حين يتحدث سيتكلم الأفغانية أو لهجة عربية من اللهجات التى تسود تنظيم القاعدة فتفاجئك لهجته اللبنانية. من خطر بباله أن يأتى يوم يظهر به ذلك المحارب الطالبانى فى لبنان. من خطر بباله أن يوضع النقاب والحجاب فى لبنان. 

الثوار يريدون إحياء عهد السلف، الثوار يطمحون بحياة طالبانية جديدة. لكن فكرة طالبان تتنافى مع فكرة أى ثورة. كان على الجميع أخذ الحيطة. فمنذ متى يؤمن الإسلامى بالثورة غير تلك التى يضمن بها الحكم لا صالح الوطن؟ منذ متى يؤمن الجاهل بأحقية الخروج على طاعة ولى الأمر؟

كلنا نترقب ما سيحدث بمصر يوم 30 يونيو كى نعرف مصير الربيع، وكى يتضح مسمى محدد للثورات. فإما أن يعنونها التاريخ بثورة إرهابية مدمرة وإما ثورة حرية كبرى.

كلنا ننتظر ما سيحدث بمصر «وانتظر إنا منتظرون»

Posted in ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

بائع المطر..؟

سأحتال على عمري ، كما احتالت شهرزاد.

وأحلم بيوم آخر، لا ليل فيه

سوى صوت الريح ، وأسراب السنونو.

وهي تطلق اسمك في الفضاء.

أأنت خالقة المعجزات ، وضوء الصبح؟

أم أنت أعماق المحيط والحمض النووي الأزلي..؟

سأحتال على عمري ،

وسأقامر بما تبقى في جعبة الزمن من لحظات شاردة.

لكي أعزف لك في الليلة الأخيرة

على وتر هارب، لحناً أسميته ” دمشق”.

ترقص فيه نقاط التعجب مع علامات الاستفهام،

كيف حدث هذا …

وأقص لك حكاية ” بعل ” وكيف سرقوا منه التاريخ حين غفي.

وأقسم في حضور اسمك المقدس ، أنني لم أعشق ابنة الجيران يوماً

فقد كنت أجري خلف وهم المستقبل.

وما بين الماضي والراهن أضعت مفتاح بيتي.

وسقطت في السماء دفعة واحدة.

على أنغام ” الإله مانيروس ” رب الموسيقى

وهو يعزف مسرحية ” خلق الكون ” .

وفي خشوع تلوت أسمك داخلا محراب قلبي

بأقدم لغة معروفة. واختلطت الأسماء

هلولويا … هلولويا …

أأنت بيسان ، ويافا وحيفا وصيدون ودمشق وما بين النهرين وطيبة.؟

أم أنت جنين ونور العين ودالية الكر مل ورطب الشفتين، وأربيل…؟

آه …ثم ..آه .. يا شهرزاد

ما زالت أسراب السنونو ترحل.

تودع مدناً .

والقبور تزحف.

ونحن نعشق الورد والصباح والحب

ننتظر بائعا المطر الذي تأخر كثيراً.

أثينا / 23 / 6 /013

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

المخدرات الثقافيه

 يتجلى المشهد الثقافي في حياة المجتمع من خلال الأنساق الثقافية التي تظهر في مفاهيم التخاطب، وأساليب التعامل بين أفراد المجتمع، في جميع مؤسساته الحكومية والأهلية، في المدن والأرياف، وفي أساليب ومفاهيم إنتاجه الثقافي والاقتصادي والحضاري. وهذه الثقافة تتكون من منظومات فكرية ذهنية، من أساليب الفهم والتفكير والتعبير. ومنظومات عاطفية انفعالية مثل الخوف والخجل والحياء والحماقة… الخ. وأساليب وعادات سلوكية سلبية وايجابية، وإبداعات حضارية وتعبيرية فنية وأدبية وعلمية وفلسفية… والمنظومات الفكرية الذهنية والعاطفية الانفعالية هي المتحكمة بالمكونات الأخرى للثقافة الحضارية، وهي التي تعيد إنتاجها. فإذا كانت ثقافة مجتمع ما ثقافة راكدة عاجزة عن النمو والتطور، تكون هذه الثقافة مخدرة ومعاقة، تنتج خطابات ثقافية مخدرة ومعيقة تخدر العقل وتعيقه عن المعرفة الطبيعية الحقيقية. وتعيقه عن الفهم والتفكير الصحيحين. فالإنسان لا يستطيع أن يتكيف إلا مع الأشياء والأفكار التي يستطيع خياله وعقله أن يجاريها ويستوعبها ويقبل بها. أما تلك التي يعجز عن تفسيرها وفهمها فانه يرفضها ولا يقبل بها. وغالبا ما يكون جاهلا وعقله مكبلا بإيمانه بالمفاهيم التراثية المتداولة، التي عوده المجتمع عليها وأقنعه بأن الحق ثابت فيها وما عليه إلا التكيف معها والتفكير من خلالها، وحجب عقله عن التفكير الطبيعي الحر بالأمور الدنيوية.

ومما لاشك فيه أن الثقافة السائدة في المجتمعات العربية ثقافة اتكاليه راكدة. فتعود الإنسان العربي على أن يكون تفكيره اتكاليا على الخطابات التراثية المتداولة في المجتمع وقد أنتجت هذه الثقافة على مدى التاريخ شرائح من الإماء والعبيد أخفقت بالتمتع بحريتها بعد تحريرها.

فبعد صدور قرار تحرير العبيد في المملكة العربية السعودية وفي موريتانيا تجول الصحفيون في أحياء الإماء والعبيد المحررين، فوجدوهم يتحسرون على أيام العبودية، أيام الطعام الساخن الذي كان متوفرا لدى الأسياد، بدلا من أن يفرحوا ويحتفلوا بأعياد الحرية. وهذا لأنهم جاهلون وقد تعودوا على عدم التفكير وعدم القدرة على الاختيار. فقد كانوا يقومون بتنفيذ أوامر أسيادهم والابتعاد عن ما ينهونهم عنه. وقد فضل الكثير منهم العودة لخدمة أسيادهم.

وما زالت الثقافة السائدة بخطاباتها الثقافية تعيد إنتاج المخدرات والمعيقات والقيود الثقافية. فالخطاب الثقافي التربوي في الأسرة يقوم على وأد حب المعرفة لدى الأطفال بقمع عقولهم بمنعهم عن التساؤل والسؤال الذي هو أساس البحث عن المعرفة والتفكير وترويضهم على العادات والتقاليد الاجتماعية الرجعية والمحافظة، وطاعة أولي الأمر. وتخويفهم من الخروج عن المألوف. وتعويدهم على قبول المعلومات التي يتم تلقينها لهم دون اعتراض. وكذلك التربية والتعليم في المدارس والمعاهد والجامعات تعمل على تربية وتعليم وتثقيف الأجيال الناشئة بالقمع والتلقين والترهيب والتخويف. مما يخدر العقل ويكبله ويعيقه عن التساؤل والقراءة والتفكير وحب البحث عن المعرفة الطبيعية الدنيوية. وعن التجريب والتحليل والتفكير النقدي والعلمي.

والمؤسسات الاجتماعية الأخرى السياسية والحزبية والفئوية والطائفية والمذهبية. بأجهزتها وأنظمتها الذكورية الدكتاتورية الرجعية والمحافظة، تشارك بخطاباتها الثقافية في عملية تدجين المجتمع أفرادا وجماعات. فيشعرون بالخوف والعجز، ويصبح هذا الشعور عادات ذهنية وانفعالية وسلوكية، تستجيب بصورة مستمرة للخطابات الثقافية الآمرة والناهية المدجنة للشرائح الاجتماعية الجاهلة والشرائح التي تشعر بالدونية، فيعم الفساد والعقم الثقافي. مما يسهل بصورة دائمة لخطابات ثقافة الخرافة و الشائعة والتعصب والاستبداد أن تفعل فعلها المستمر في تخدير وإعاقة عقل وإرادة الفرد والمجتمع عن حرية التفكير وحرية اختيار العمل الدنيوي الفعال. وتكريس ثقافة النفاق والتواكل والإيمان المطلق بالقضاء والقدر. فنشأت التكتلات الطائفية والقبلية والمذهبية والفئوية بخطاباتها الحماسية المخدرة والمعيقة بأناشيدها وشعاراتها السرابية المخادعة. تمتص قلقهم، وتخدر معنوياتهم الدونية، ضمن قطعانهم البشرية التي ينتمون إليها، ويذوب شعورهم بالقهر مع تماهي الفرد في جماعته، وتحليق خياله وعقله في المفاهيم والخيالات والشعارات الطوباوية، البعيدة عن ارض الواقع. فغابت الحريات الفردية، حرية الاعتقاد، و حرية التفكير والتعبير، واحترام الرأي والرأي الآخر، والقدرة على الحوار الموضوعي العقلاني .

والمشهد الإعلامي في فلسطين والبلاد العربية من الصحف والمجلات ومحطات الراديو والتلفزيون والفضائيات يغلب على مواضيعها وبرامجها وحواراتها ومسلسلاتها البلادة والتقريرية التلقينية التي تكرس تدجين العقل والنفس، وخطاب التهريج المسطح للوعي، والترويج لسلع مادية ومعنوية استهلاكية تشل تفكير الفرد عن التفكير في الإنتاج، وتسوق ثقافة الاستهلاك و الإتكالية والتعصب والاستبداد، وتحرض على محاربة التحديث والتجديد وإقصاء الرأي الآخر.

ومن الأمثلة على ذلك كثرة الخطابات الإعلامية المختلفة والمتضاربة: خطاب إعلامي تجاري براق، وخطاب إعلامي متردد مابين الفكر المحافظ وفكر التحديث. وخطاب مذهبي متقوقع على نفسه، وخطاب ديني سلفي أو ديني متعصب أو سياسي مستبد.

وقد اصدر مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان ، في مطلع العام الحالي 2008م كتاب ” الإعلام الألعوبة والخطاب الدموي في فلسطين” للكاتبين زياد عثمان وغازي بني عودة، حول الخطاب الإعلامي الذي ساد في فلسطين بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية التي جرت في كانون ثاني 2006 م، يبين تلاعب المؤسسات الإعلامية لكل من فتح وحماس بالخطاب الإعلامي السياسي والثقافي وتغييب الحقائق الموضوعية عن المجتمع الفلسطيني بالكذب والتضليل وقلب الحقائق، والحرب الإعلامية بينهما، وتسخير إعلام كل منهما التلفيقي لمصلحته الفئوية والطائفية، مما أدى إلى تمزيق الوحدة الوطنية، لعدم وجود القدرة العقلانية والإرادة الوطنية للحوار الوطني البناء، ضمن خطاب وطني فلسطيني موحد يعتمد مصلحة الشعب الفلسطيني أولاً و آخراً ضمن الممكن والمعقول للتحرر من الاحتلال.

ومن المخدرات والمعيقات الثقافية التي تنتجها الثقافة السائدة:

1. تقديس أولياء الله الصالحين من قبل عامة الناس وزيارة قبورهم للتبرك بها والدعاء عندها بتحسين أحوالهم بكلمات وأدعية مثل مدد يا رسول الله، مدد يا شيخ الحضرة، مدد الشائعة عند الشعب المصري كظاهرة من ظواهر المخدرات والمعيقات الثقافية.

2. عبادة الزعيم البطل كمخلص من الهزائم مثل عبادة الزعيم جمال عبد الناصر والزعيم صدام حسين، وعبادة الأنظمة الشمولية وقادتها مثل عبادة الاتحاد السوفيتي السابق وقادته، وعبادة فتح وقادتها وعبادة حماس وقادتها، فقد تنازل من يعبدونهم عن عقولهم ومسؤولياتهم وحملوها لهؤلاء الزعماء وايدولوجياتهم وتنظيماتهم وقعدوا مخدرين ومعاقين ينتظرون الخلاص.

3. الإدمان من قبل الأفراد والجماعات على هواية وحيدة دون سواها، مثل هواية كرة القدم ومتابعتها، أو العاب الكمبيوتر، أو لعب الورق في المقاهي، تخدر العقل والإرادة وتبعدها عن التفكير الجاد في القضايا الدنيوية، وتقعد أصحابها عن التطور والتحديث.

4. تعويد العاطفة الفنية لدى الأفراد والجماعات والاستماع لمطرب خطابي كأم كلثوم أو غوغائي كأحمد عدويه، أو مشاهدة فيديو كليب كأمثال هيفاء وهبي، يخدر العقل ويعيقه عن التفكير الطبيعي ويجعله يعمل على المؤثر والاستجابة، ويكون من أصحاب الوعي السطحي الغوغائي.

5. متابعة المطالعة بموضوع معين دون سواه، سواء كان ديني أو فلسفي أو سياسي أو علمي، لا يزود العقل بالمعرفة المتعددة المواضيع والرؤى والمفاهيم الضرورية لتغذية المعرفة الشمولية المتكاملة. مما يخدر العقل ويعيقه عن التفكير الدنيوي، وربما يدفع صاحبه للتعصب.

6. الإصغاء لكلام الناس، في مجتمع يسوده الجهل والخرافات والشائعات، وتصديقه لها يشوه العقل ويعيقه عن التفكير الدنيوي الطبيعي. فالشائع لدى الناس تبسيط الأمور الجادة وتسطيحها بالشعارات والكلمات العاطفية الرنانة المسكنة، مثل بسيطة يا شيخ مشكلتك محلولة أو حلك عندي، أنا بمون على فلان وبمون حتى على الوزير. مما يزيد في تخدير العقل ويعيقه عن التفكير الجاد لإيجاد الحلول، وهذه الظاهرة أنتجت الشخصية الفهلوية في المجتمع بنسبة كبيرة، وهي شخصية استهلاكية تميل إلى الخمول و الإتكالية.

بالإضافة إلى هذه الظواهر الثقافية المخدرة للعقل والإرادة في المجتمع. هناك ظواهر ثقافية خطيرة أخرى لدى المتعلمين والمثقفين والسياسيين تكرسها الثقافة السائدة. منها ظاهرة فساد تفكيرهم العقلي في الشؤون الدنيوية من اختلاط تفكيرهم الفيزيائي بتفكيرهم الميتافيزيائي. وظاهرة الخوف من المنجزات الثقافية والحضارية للشعوب المتقدمة، وظاهرة الحيرة والتردد بين الأخذ بالتراث أو الأخذ بالمعاصرة، وعدم القدرة على اختيار ما هو صالح فيهما لتنمية قدرات المجتمع. والنخب الثقافية والسياسية على اختلاف الايدولوجيات التي تعتنقها تعاني من آثار الخصام مع ثقافة العالم وحضارة العصر، أو سوء الفهم لها. ويسود الانكماش والخوف والانقسام والتوجس سائر فئاتها.فالقوميون الذين قادوا مشروع الدولة الوطنية في الحقبة الماضية، يقفون حائرين مترددين أمام الغرب السياسي الذي اثبت عدوانية واستخفافا بها. بحيث صار يستحيل معه الفصل أو التمييز بين السياسي العدواني والثقافي الحضاري فيه. ولذا يلجئون لترقيع القومية الانعزالية بشعارات الإسلاميين التي تنجي من ” الغزو الثقافي” وتحفظ الثقافة الأصيلة. والإسلاميون يعرضون عن الغرب الجاهلي ( حسب رؤيتهم) ثقافة وسياسة ويعنفون في إدانة كل الموجود لديه، سعيا وراء طهورية يحسبونها العدة الباقية للاستشهاد والنجاة من هول هذا العالم الغريب المفزع الذي يريدون التخلص منه ولو بعملية انتحارية.

وتشيع بين القوميين والإسلاميين مقولة ” الغزو الثقافي” ومقولة ” “المؤامرة الهائلة على العروبة والإسلام”، وهما فكرتان متناقضتان. فالغزو عملية واضحة وصريحة والمؤامرة خفية وسرية. لكن الفكرتين فيهما فساد وخطأ كبيرا، فلا يخاف الغزو إلا الضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ومن المؤكد أن لا غزو في الثقافة، بل انك تستطيع في الثقافة وحوار الثقافات تمييز الصحيح من الفاسد والمفيد من المضر، إذا كان عقلك حرا وفعالا وغير مخدرا أو معاقا ثقافيا، فلا يبقى هناك غزوا ولا ثأرا. أما فكرة المؤامرة فتعني جهلا مطبقا بالثقافة المعاصرة المفتوحة الآفاق والتي لا أسرار فيها ولا مؤامرات، بل احتمالات وخيارات ومصالح. فكلتا الفكرتين تعني انعزالا وانكماشا وخوفا من الآخر وتخديرا للعقل وإعاقته عن التفكير الطبيعي الصحيح.

وهذا ما يكشف عن التناقض لدى النخب الثقافية والسياسية في موقفها من الثقافة والحضارة الغربية. فهم يأخذون المنجزات الحضارية منها للاستهلاك. ويرفضون المبدأ العقلي العلماني الدنيوي الديمقراطي الذي أبدعها. فالحداثة الحقيقية هي في الإبداع وليس في المنجزات بذاتها

فهم إذن يرفضون الحداثة الحقيقية. أي يرفضون التفكير الطبيعي في الظواهر الطبيعية القائم على الشك والتجريب والنقد وحرية البحث المنهجي العلمي والثقافة العلمية.

لقد عانت عدة مجتمعات إسلامية وغير إسلامية من مثل هذه الأحوال الثقافية المتخلفة التي ما زالت تحياها المجتمعات العربية. ولم تستطع الخروج منها إلا بتحرير التفكير العقلي الفردي والجمعي من هيمنة التفكير الميتافيزيائي على التفكير الفيزيائي في الشؤون الدنيوية وفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية. ليكون نظام الحكم قائم على دستور دنيوي أسسه مستمده من الجانب الايجابي المنفتح في ثقافة المجتمع. والاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى في تطور أنظمتها السياسية. مما سمح لغالبية أفراد المجتمع المشاركة الفعالة في صناعة القرارات السياسية والقانونية والقيام بالأنشطة الفعالة في تعزيز عملية التنمية ومضاعفتها. وقد عملت هذه المجتمعات على تحرير العقل والنفس والسلوك من المخدرات والإعاقات الثقافية. واعتمدت منهج التفكير العلمي والثقافة العلمية في عملية التنمية، مثل اليابان واندونيسيا وماليزيا والصين.

ولم يحدث هذا الانتقال إلا بفضل تحالف السلطة السياسية المدنية الديمقراطية مع تيارات وأحزاب المثقفين العلمانيين الديمقراطيين في المجتمع، ووضع البرامج والخطط اللازمة لتحقيق ذلك. ومن هذه البرامج، برنامج التنمية الاقتصادية وإيجاد فرص العمل ما أمكن لغالبية القادرين والقادرات على العمل من أفراد المجتمع. ومن البرامج الاجتماعية مساواة المرأة والرجل بالحقوق والواجبات ومن البرامج السياسية، حماية حرية الاعتقاد وحرية التعبير و حرية الاختيار، وضرورة المشاركة بالعمل السياسي، وضمان التداول السلمي الديمقراطي للسلطة السياسية.

إن هذه القراءة لواقع المجتمعات العربية حاولت إلى حد ما بيان الأسباب الحقيقية الفردية والجماعية لتخلفها الثقافي والحضاري. فهل يستطيع كل فرد من المتعلمين والمثقفين والسياسيين في المجتمع اكتشاف المخدرات والإعاقات الثقافية التي يعاني منها؟ وهل يستطيع التخلص منها ولو شيئا فشيئا؟ وهل يستطيعون مجتمعين إيجاد نظام تربوي وتعليمي يربي الأطفال والشباب ويعلمهم على تنمية القدرة العقلية لديهم في التساؤل والسؤال وحب المعرفة والتفكير؟ وهل يجرؤون على تكوين تيار علماني( دنيوي) ديمقراطي فعال في المجتمع؟

يخاطب الفرد والجماعة بخطاب الثقافة العلمانية لمكافحة الجهل والخرافة و الإتكالية فكل خطاب ثقافي لا يعمل على التوعية العلمانية الديمقراطية، خطاب لا يعول عليه في التنمية لأنه يعيد إنتاج العقلية الإتكالية وخطاب التخلف. ومن اجل التخلص من العقلية الإتكالية والخروج من دوامة التخلف، لابد من وجود سلطة مدنية ديمقراطية تملك القدرة على التحالف والعمل مع التيار العلماني الديمقراطي الموحد الفعال في المجتمع لتحريك عملية التنمية والتغير والتطور والتحديث.

Posted in فكر حر | Leave a comment

عراقي عصبي ايخرب ضحك

Posted in كاريكاتور, يوتيوب | Leave a comment

تنحي شيخ قطر والضراط على البلاط

يبدو ان فكرة تداول السلطة بشكل ديمقراطي, يقرره الشعب عبر صناديق الاقتراع, هو أعلى من قدرة العقل العربي الاستبدادي على الاستيعاب, مع العلم بأن الديمقراطية قد وصلت الى ابعد مجاهل افريقيا واصبحت تعمل بها الشعوب التي كانت قبل بضعة عقود تعيش حياة بدائية وتقفز على الاشجار لتحصل على غذائها وتشير بيديها وتصدر اصوات للتفاهم فيما بينها لانه لم يكن لديها حتى  لغة تتحدث بها.  

عندما يكون الشعب هو الحاكم تصبح الدولة قوية لا تحتاج عندها للتذلل للولايات المتحدة الاميركية لكي تحميها وتحمي سلطتها, كما هو حال معظم البلدان العربية ومنها قطر والسعودية والكويت والاردن, أو للتذلل لإيران وروسيا لكي تساعدها على البقاء  كما هو الحال مع عائلة الأسد المجرمة وسلطة حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.  

عندما يكون الشعب هو الحاكم يزدهر البلد وتحصل المعجزات الاقتصادية كما هو الحال في كوريا الجنوبية واليابان وسينغافورة, ولا تحتاج عندها للتذلل للمساعادات الاميركية والغربية التي لن تعط قط مجانا, كما هو الحال في مصر والاردن, أو للتذلل للمساعدات الايرانية والروسية كما هو الحال مع المجرم بشار الاسد الذي يدمر سوريا. 

لقد فهم هذه الامور البسيطة كل ملوك اوروبا والعالم منذ مئات السنين, وسلموا السلطة للشعب عن طريق الحكم الملكي الدستوري واصبح الملك يملك ولا يحكم, ولكن لسوء الحظ عجز الطغاة العرب عن حتى ادراك مثل هذه البديهيات, وذلك ربما يعود للتركيبة الوراثية لدماغهم الاستبدادية, والتي تربت وروضت على فقه الواحد الاحد الذي لا شريك له.  

تقوم قناة الجزيرة القطرية بتضخيم موضوع تنحى شيخ قطر حمد بن خليقة آل ثاني لصالح ابنه من زوجته موزة, تميم بن حمد وكأنه فتح مبين, أو انه سابقة فوق العادة لم تحصل من قبل بالعالم, مع انه شيئا لم يتغير ولن يتغير اي شئ,…  فنظام الحكم الشمولي باق كما هو, والسياسة الاقتصادية ستستمر كما هي, والتي تعتمد على بيع النفط والغاز واطعام الشعب وترفيهه ونغنغته, اما السياسة الامنية فأيضا بقيت كما هي, وتعتمد على تعهد اميركا بحماية العرش مقابل اعطائها قواعد عسكرية, فكما هو معروف أن قاعدة العديد هي اكبر قاعدة عسكرية اميركية بالخليج في اصغر دولة بالعالم. 

ولكن هناك سببان لكل هذا التضخيم والتطبيل: 

الأول: أن العرب بشكل عام وحكامهم بشكل خاص لم يفعلوا اي شئ مفيد للحضارة الانسانية وهم يعيشون عالة على جهود الغير ولذلك هم يضخمون انجازاتهم الصفرية واللاشيئية لكي تبدو وكأنها شيئا منجزاً.  

ثانيا: شيخ قطر حمد والذي يكره اباه, وقد استولى على الحكم عنوة من ابيه, يريد ان يقول للشعب القطري بشكل خاص والعالم بشكل عام بأن انقلابه على والده كان محقاً, وان والده هو المخطئ لانه لم يسلمه السلطة آنذاك, ولذلك قام هو بهذه الخطوة لكي يقنع العالم بان ما قام به ضد والده كان صواباً وأن والده هو المخظئ فعلاً بعدم تنحيه له طواعية.

الحكم بالدول المتحضرة هو للشعب عن طريق انتخابات حرة شفافة ولذلك وصلت مثل هذه البلدان الى اعلى مستوى من الرفاهية الاقصادية وحقوق الانسان, اما مواصفات الحالكم في البلدان العربية فهي كما يلي: 

اولا : ان يستخدم الحاكم الدين الاسلامي من اجل السيطرة على الشعب. 

ثاينا: ان يدعي النضال بفلسطين ومساندة المقاومة علناً ويتعاهد مع اسرائيل سراً من اجل استمرار حكمه. 

ثالثا: ان يدعي البناء علنا ويقوم سراً بهدم المؤسسات التعليمية لابقاء الشعب جاهلا تسهل قيادته. 

رابعا: تسهيل انتشار الفساد في الحكم لكي يضمن ان الفاسدين لن يثورا عليه.

وفي الختام نقول بأنه اذا ذهب مبارك وبن علي والقذافي واذا اتى الاخوان المسلمون او تغير حاكم السعودية او قطر فلن يتغير شئ وكما يقول المثل الفلاحي السوري مثل الضراط على البلاط ليس له اي اثر.

مواضيع ذات صلة:

هل سيكون أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح اول المحترمين العرب منذ 1400 سنة

رسالة الى خادم الحرمين الشريفين

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

إذا كانت إيران هي المشكلة، لماذا التركيز على سوريا؟

مايكل روبين – كومنتري-( ترجمة كلنا شركاء)

وأحد من الأسباب الرئيسية الذي يدفع بعض المنظرين الإستراتيجيين الأميركيين لدعم الثوار في سورية هو الخوف مع امتداد وسيطرة النفوذ الايراني في المنطقة. سورية حليف استراتيجي لإيران منذ الثورة الاسلامية عام ١٩٧٩، وعليه فقد تم تشكيل المحور السوري الإيراني راعي الإرهاب في المنطقة، وكان له تأثيرعالمي. في حرب حزب الله مع إسرائيل عام ٢٠٠٦، ظهر بشكل جلي أن سورية هي شريان الحياة لحزب الله. أضف الى ذلك تدخل وسيطرة-حافظ الأسد والد بشار على لبنان الذي كان له تبعات وخيمة على لبنان، ففقدت بيروت موقعها كـ “باريس الشرق الأوسط”، وأصبح مصير لبنان بيد سورية دونما منازع.

يتعامل العالم مع ايران في جميع الازمات التي هي طرف بها كتعاملهم مع الفيل الموجود في الغرفة والذي لا يراه أحد اثناء النقاش، ويبقى الشغل الشاغل للدول الكبرى غرب أفغانستان وغيرها من الدول التي لا تشكل لب المشكلة في الشرق الأوسط. فدور إيران يتزايد يوما بعد يوم حتى اصبح العائق الاكبر أمام محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلة. كذلك الامر في السودان فإيران اليوم اصبحت تهدد المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.

للأسف فإن الإستراتيجيين الأميركيين يدعون لإطفاء الحريق بدلا من معالجة اسباب الحريق المتعمد. بالتأكيد، هناك مصلحة استراتيجية لأمريكا بعدم السماح لإيران أن تفرض نفوذها في سوريا، على الرغم من أنه من المشكوك فيه ما إذا كانت المعارضة كما هي عليه الآن-لن تشكل تهديدا ايضا للمصالح الامريكية. وببساطة، فإن العقبة الرئيسية في وجه السلام والاستقرار في الشرق الأوسط هي إيران، وانها منذ زمن طويل على الولايات المتحدة أن تدرك أنه لن يكون هناك أي انفراج بشأن أي مسألة تهم الأمن القومي للولايات المتحدة بدون زوال الجمهورية الإسلامية. وعلى الولايات المتحدة الإسراع في ذلك قبل فوات الأوان.

أرجو الانتباه الى ان السعي إلى تغيير النظام في ايران لا يعني السماح بقصف إيران أو اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يضع أي قوات أجنبية في ذلك البلد. ليس فقط لأن الاقتصاد الأمريكي لا يستطيع تحمل ذلك، ولكن لأن أي تدخل عسكري يؤدي لتقوية النظام الإيراني. و لدينا مثال على ذلك فأفضل فرصة كانت لآية الله الخميني لدعم الثورة الإسلامية وحشد الشعب الإيراني تحت رايته قيام صدام حسين بالعدوان على ايران. ذلك العدوان كان إنقاذاً للخميني فقد كان الايرانيون يتململون و ينفضون عنه فلم يتقبلوا قسوته والفكر الأيديولوجي الذي جاء به. لكن الحرب مع صدام حسين سمحت للخميني بحشد الشعب الايراني تحت رايته وبدون بذل أي مجهود.

لقد عارضت دائما ضربات عسكرية لإيران لسبب بسيط: الضربات العسكرية قد تؤخر طموح آية الله لمدة سنتين أو ثلاث سنوات، ولكن ما لم يكن لدى الولايات المتحدة سياسة مدروسة للاستفادة من هذا التأخير، فإن واشنطن تفرط برجالنا ونسائنا في القوات المسلحة بدون اي نتيجة ايجابية من هذا العدوان. وهذا التدخل العسكري لن يشكل فقط تكلفة هائلة من الدم والمال لأمريكا وكذلك لإيران، وسيكون أيضا إساءة لاستخدام الجيش الأميركي. عندما يتحدث الناس عن ضربات عسكرية على ايران “كملاذ أخير” لا يفكرون باستراتيجية بعيدة المدى. فهي ليست الحل.

ومع ذلك، هناك استراتيجيات أخرى كثيرة يمكن أن تعزز تمكين المواطن الايراني بشكل مباشر لعزل نظامه. فالفساد في إيران والحالة المذرية لحقوق الإنسان كفيلان بالاطاحة بهذا النظام. لذلك فدعم منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان يجعل المجتمع الايراني يتخلص من دكتاتورية نظامه.

بعض المحللين ينظرون إلى انتخاب حسن روحاني كحدث ايجابي بالنسبة لواشنطن لبدء المصالحة مع طهران، و لكنهم مخطئون. ليس فقط لأن روحاني ليس معتدل كما يفترض البعض، ولكن يجب أن نلاحظ أنه لم يتم السماح لاي شخص أكثر ليبرالية من روحانى لم يقدم الطاعة والولاء للمرشد الأعلى بالترشح للانتخابات، لو ان اي مرشح مستقل عن هذه السلطة استطاع دخول الانتخابات فسيفوز بأغلبية ساحقة.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

قصص قصيرة جدا

الشيخ والسيف

دخل شخص الى جامع وستَل سيفه وقال من يحب الله فقفز شاب صغير وقال انا … 

فقال له تعال معي يا اخي العزيز وخرج سوية وعاد مرة اخرى الشخص “ابو سيف” والدم يقطر منه وقال من منكم يحب الله فلم يرد احدا ولكن شخص جالس قرب الشيخ قال هذا الشيخ يحب الله فرد الشيخ ومن قال لك ذلك ؟

2- قصة حقيقة في بغداد سنة 2000 كنت مع امي استقل السيارة وعند الاشارة الضوئية اوقفنا بائع متجول واخرج لنا سبح وقرائن للبيع واشترينا منه المعروض .

وتكررت هذه الحادثة عدة مرات كوننا نسلك نفس الطريق وفي يوم قال لنا اشكركم لمساعدتي بالشراء دوما وانا اعتاش على ذلك .. 

فقلت له نحن نشتري منك للمساعدة فقط والحقيقة نحن مسيحيين فقال جيد جدا واخرج لنا الأنجيل والصليب من الكيس يحتفظ به وقال انها بسعر جيد هل تشتريها فابتسمنا له واشترينا الصليب والانجيل

فضحك وقال الحمدالله كلنا عراقيين .

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

جايكوفسكي‎

د. ميسون البياتي

ولد بيتر جايكوفسكي في مدينة ” فوتكنسك ” الروسيه عام 1840 . بدأ إهتمامه بالموسيقى منذ كان في 4 من العمر , ذات يوم إشترى والده جهاز ” أوركستريون ” وهو آله موسيقيه ضخمة جداً ولها عدة أجزاء إضافيه تنتج مختلف أنواع الموسيقى حتى لتبدو وكأنها فرقة أوركسترا قائمه بذاتها . أحد أجزاء هذا الأوركستريون كان يعزف سمفونيه للمؤلف النمساوي موزارت الذي عاش في القرن الثامن عشر أي قبل حوالي 100 عام على ولادة جايكوفسكي الطفل الذي أحب سمفونية موزارت وبدأ يحاول تعلم عزفها على بيانو البيت

أثناء ما بدأ بيتر يكبر كان حساساً للغايه , الأمور التي ما كانت تزعج بقية الأطفال كانت بالنسبة له من أسوأ الأشياء , كل كلمه أو إشاره أو لفته أو لمحه يأخذ تفسيرها على نفسه ويتصور أنه هو المقصود بها , ولهذا كان كثير الإبتعاد عن الناس , يتأمل في الطبيعة والأصوات وهذا ما ساعده على كتابة موسيقى جميله

عندما أصبح شابا ً لم يفكر بأن يصبح مؤلفاً محترفاً لأن الموسيقى كانت بالنسبة له هواية ولم يكن في باله أن يجعلها حرفته على الإطلاق , كما أن والداه كانا يخططان له أن يصبح محاميا ً , ولهذا فمنذ كان في 10 من عمره أرسلاه الى مدارس مختلفه في سان بطرسبرغ , والآن هو في 21 من العمر ويحمل شهادة في القانون ويعمل بوظيفة حكوميه

الناس في روسيا في ذلك الحين حين يتحدثون عن الموسيقى الكلاسيكيه فهم يفضلون سماع مؤلفات إيطاليه وفرنسيه ونمساويه وألمانيه ولم يكونوا يعيرون إهتماماً للمؤلفات الروسيه , لكنهم منذ منتصف القرن التاسع عشر إعتقدوا أن روسيا عليها إنتاج موسيقاها الكلاسيكيه هي أيضا ً ولذلك تم إفتتاح مدرسة للموسيقى في سان بطرسبرغ . بعد إفتتاحها مباشرة ترك بيترالمحاماة وغادر وظيفته الحكومية المريحه وسجّـل نفسه في هذه المدرسة طالبا ً للموسيقى

الموسيقي الشهير أنطوان روبنشتاين كان واحداً من مدرسي بيتر الذي أدرك بفطنته أن هذا الطالب سيصبح ذات يوم موسيقيا ً له شأنه ولذلك إعتنى بتدريسه عناية كبيره , وبعد تخرج بيتر من الدراسه قام نيكولاي روبنشتاين شقيق أنطوان بتعيين بيتر كمدرس في مدرسة جديده للموسيقى تم إفتتاحها في موسكو , وهكذا بدأ بيتر يكسب المال من الموسيقى مع إستمراره بالتلمذة على يد نيكولاي روبنشتاين هذه المره

كل من أنطوان ونيكولاي كانا شديدين على بيتر , كانا ينتقدان عمله دوماً بأسلوب قاسي , ومع طبيعته الشديدة الحساسيه وإنفعاله من أشياء يتخيل أنه مقصود بها إضافة الى النقد القاسي كانت الأوقات تمر بينهم صعبه للغايه , رغم أن الثلاثه فيما بعد أصبحوا من أخلص الأصدقاء

ذات يوم طلبا من بيتر أن يقود الأوركسترا لتقديم أحد مؤلفاته الى الناس في عرض عام . بسبب حساسيته الشديده , كان متوترا ً جداً , وشعر كما لو أنه سيغمى عليه , وبدأ يشد شعر لحيته من حدة إحساسه بالحرج . حين إنتهى العزف … لم يتمكن بيتر من الإحساس بالثقة بالنفس لكي يقود الاوركسترا إلا بعد مرور 10 سنوات على تلك الحفله

كان مخلصا ً لعمله الموسيقي الى الحد الذي كان يمرضه في بعض الأحيان . عند تأليفه سمفونيته الأولى كان يعمل الليل مع النهار ليضعها بالشكل الذي في خياله . تلك السمفونيه كانت بعنوان : أحلام الشتاء

حين تستمع إليها يأتيك إحساس كأنك تمتطي حصاناً وتسافر به عبر حقل روسي مغطى بثلوج الشتاء

أحب جايكوفسكي إقتباس نماذج من الموسيقى الشعبيه الروسيه في أعماله ولهذا كان يستمع الى الأصوات في بيئته بكل عنايه ويقتبس منها في سمفونياته وأوبراته وعروض الباليه

https://www.youtube.com/watch?v=4y7l-9i3Quc

العديد من المؤلفين في الفتره الرومانتيكيه التي عاشها جايكوفسكي كانوا يستمدون أفكارهم من الألحان الشعبيه في بلدانهم من أمثال : لسزت , شوبان , غريغ , كورساكوف . جميعهم أضافوا الى مؤلفاتهم شيئا ً من موسيقى بلادهم للتعبير عن الإعتزاز بالبلاد ولوصف تاريخها

تسمية ” الفتره الرومانتيكيه ” لا تعني أن ألحان تلك الفتره تتحدث بالضروره عن العشق وحالة الوقوع في الحب , لكنها تعني أن المؤلفين ألفوا فيها متحدثين عن عالم أحلامهم ومشاعرهم العميقه . وكانوا يؤلفون ألحانهم لتتماشى مع قصة أو قصيدة معروفه . جايكوفسكي مثلاً ألف ثلاثة من أشهر أعماله في الباليه معتمداً على قصص معروفه هي : بحيرة البجع

الجمال النائم


وكسارة البندق


حين بلغ جايكوفسكي 37 من العمر كان قد ألّف 3 أوبرات و3 سمفونيات و باليه واحد , والكثير من المقطوعات الموسيقيه . بعض أعماله كانت تنجح نجاحاً كبيرا ً وأخرى لا يلتفت إليها أحد , ولهذا فهو لم يكسب الكثير من المال

حين بدأ يقلق على مستقبله بسبب قلة المال حدث شيء لا يصدق : أرملة ثريه تدعى ” مدام نادزدا ” كانت معجبه بموسيقاه قررت مساعدته فكتبت له تقول بأنها ستخصص مبلغاً سنويا ً من ثروتها يتسلمه طيلة حياته , عندها أصبحا يتراسلان وأصبحا صديقين بالمراسله رغم أنهما لم يلتقيا أبداً لكن جايكوفسكي أهدى لها سمفونيته الشهيره رقم 4


أحب جايكوفسكي السفر دائماً , حين أصبح بيده المال ذهب في رحلة طاف بها أرجاء اوربا , وأحيانا كان يعزف في بعض المدن التي يزورها , كما أن السفر زوده بفكرة عما وصلت اليه الموسيقى في بلاد أخرى . في باريس عثر على آلة موسيقية جديده تدعى ” سيليستا ” تشبه البيانو الصغير وتصدر أصوات تشبه الأجراس فقام بشراءها ثم إستعملها في باليه كسارة البندق في هذا المقطع

https://www.youtube.com/watch?v=Wz_f9B4pPtg

ولم يكتف جايكوفسكي بإستعمال السيليستا في مؤلفاته لكنه إستخدم حتى أجراس الكنيسة نفسها وأصوات المدافع حين ألّف واحده من مقطوعاته الشهيره التي تتحدث عن الإجتياح الفرنسي لروسيا : إفتتاح 1812


على الرغم من أن بيتر جايكوفسكي أصبح مشهورا ً في جميع أنحاء العالم إلا أنه وبسبب حساسيته المفرطه لم يشعر بالسعادة أبداً , وبسبب تلك الحساسيه لم يتمكن من إقامة علاقة عاطفية دائمة مع إمرأه , ولهذا كان يشعر دائما ً بإفتقاد الحب وقد إستعرض إنفعالاته هذه في سمفونيته السادسه التي تطلق عليها تسمية : المثير للشفقه

في سعيه من أجل الحصول على الحب كان يؤلف موسيقى عن الحب كما حصل في باليه الجمال النائم أو أوركسترا روميو وجولييت


توفي جايكوفسكي عن عمر 53 سنه ولم يكن في عالمه شيء غير الموسيقى

ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

ثمن الولاء في سوريا

روبرت وورث

علياء

ترجمة ياسر نديم سعيد : مركز الجمهورية

24 حزيران 2013

المزة 86 منطقة محلية من دمشق، مكتظة بالبيوت المهملة وتقع في تلة ضيقة. هذه المنطقة مزيّنة ببوسترات تحمل وجه الرئيس السوري بشار الأسد. يقع القصر الرئاسي في الجوار حيث يتجول ببطء حراس وجنود مسلحون. يكاد يكون مستحيلاً أن تدخل منطقة المزة 86 ما لم يصطحبك ضابط نظامي أو أحد السكان المحليين المعروفين جيداً. جميع السكان تقريباً ينتمون لطائفة الأسد العلوية.

ذهبت هناك بالسيارة في صباح يوم جمعة هادئ من شهر أيار. تم توقيفنا عدة مرات في نقاط تفتيش من قبل جنود شبان، فحصوا وثائقنا بعناية قبل أن يلوّحوا لنا بأيديهم كي نمرّ. عندما وصلنا هدفنا في كراج سيارات صغير محاط بأعمدة من البلوكات الإسمنتية خرجتُ من السيارة إلى حيث رأيت عدة رجال في منتصف العمر يلبسون ثياباً عسكرية موحدة ويقومون بأعمال مدنية. كانوا يحدقون بنا بغضب وريبة. قال لي أحد الرجال الذين اصطحبتهم «لا يتوقعون هنا وجود غرباء»، ثم قال لي أحد أولئك الرجال «يحاول المتمردون دائماً ضرب هذا المكان لأنهم يعرفون من يعيش هنا»، وأشار إلى سقف متهدم قريب، ثم قال «قبل أيام قليلة سقطت قذيفة هاون قريباً جداً من هنا، فقتلت سيدة فوقنا تماماً، وسيدة أخرى تحتنا تماماً».

المزة 86 مكان مرعب بالنسبة لكثير من السوريين. مكان آمن ومحصّن لجنود النظام وللميليشيا غير النظامية، التي لا تعرف الرحمة والمؤلفة من الرجال المسلحين المعروفين بالشبيحة أو «الأشباح». هؤلاء هم الرجال المتّهمون في تنفيذ عمليات التعذيب والقتل التي أوقعت أكثر من 90000 قتيلاً، منذ بداية الانتفاضة السورية قبل سنتين. بعض الرجال الأكبر سناً هنا هم من المتقاعدين من سرايا الدفاع سيئة السمعة، والتي ساعدت في ارتكاب مجزرة عام 1982 في حماه حين قتل 10000-30000 إنساناً في أقل من شهر. ومع ذلك ينشأ الآن في المزة 86 شعور جمعي كضحية مضطهدة. الشوارع مغطاة ببورتريهات ملونة لجنود موتى. كل عائلة تدّعي وجود قتيل أو جريح أو مفقود منها.

ذهبت هناك كي ألتقي امرأة تدعى ابتسام علي عبود، امرأة هربت من منزلها بعد أن قتل زوجها (ضابط علوي متقاعد اسمه محسن) في شهر شباط بواسطة المتمردين. ابتسام عمرها 50 سنة ولكنها تبدو أكبر من عمرها بعشرين سنة. وجهها شاحب ذو ملامح قاسية قلقة، عدا عن الرداء الأسود الطويل الذي ترتديه حداداً على زوجها. كان ابنها جعفر (17 سنة) معها، يبدو خجولاً. تحادثنا في غرفة غير نظيفة ذات أثاث قليل مبعثر. توجد صورة معلقة على الحائط لشيخ علوي ملتحٍ وجليل. قالت ابتسام: «لم نعتد أبداً على الشعور بوجود أي فرق بين الناس من طوائف مختلفة»، وأضافت «الآن هم مستعدون لذبحنا». قاتلُ زوجِها ميكانيكي سيارات يدعى أيهم، وكان يأكل من طاولتهم، وقد استدان من زوجها مالاً بالصدفة قبل عشرة أيام فقط ووعد بإعادته سريعاً.

كان أحدهم يدسّ لهم من تحت الباب قُصاصات ورقية مكتوب فيها «الموت للعلويين القذرين. اخرجوا من هنا يا عصابات النظام». قالت ابتسام أن القتل والخطف على أساس طائفي صار أكثر شيوعاً، وحتى محسن كان بالكاد قد نجا من محاولة أسره من قبل رجال مسلحين، ولكنه رفض أن يستمع لتحذيرات زوجته عندما أخبرته أن أيهم يعمل مع رجال سنّة مسلحين. قال لها: «أيهم صديقي. هذه سوريا وليست العراق». وفي إحدى الليالي خرج محسن لفترة قصيرة من أجل عمل له ولم يعد أبداً للمنزل. وجدوا جثته في اليوم التالي في سيارة العائلة مع ثقب رصاصة في رأسه. تم إحراق ورشة إصلاح السيارات الصغيرة التي يملكونها حتى تهدمت كلياً بعد عدة أيام من مقتله.

قال جعفر لي أن خمسة رجال أحاطوا به في طريق عودته من الورشة إلى المنزل، قالوا له: «سنمزّقك إرباً إذا لم ترحل»، وأضافوا: «ستلحق بوالدك إلى القبر». هربت هذه العائلة من منزلها في أحد ضواحي دمشق إلى المزة 86 حيث يحيط بهم الآن علويون آخرون.

قالت ابتسام «نحن المستهدفون الآن. زوجي لم يفعل شيئاً. كان ضابطاً متقاعداً ومتطوعاً للعمل في مستشفى. الآن أنا بالكاد أستطيع تدبر استئجار غرفتين صغيرتين مع أولادي الأربعة». ثم اهتزت فناجين القهوة، حيث كنا نجلس، إثر سماع صوت انفجار قذيفة مدفعية كتيم.

بدأ الرجال الذين اصطحبتهم (علويون أيضاً) بالتكلم باستطراد عن قصصهم الخاصة، عن أصدقاء وأقرباء لهم قُتلوا، أو عن جيران لهم خطفوا من قبل المتمردين. أحدهم قال لي: «ستجد قصصاً مثل هذه القصة في كل منزل عن أناس قتلوا أو خطفوا، وكل ذلك بسبب طائفتهم». ثم قال: «هم يعتقدون أن كل العلويين أغنياء لأننا من نفس طائفة بشار الأسد. هم يظنون أننا نستطيع التكلم مع الرئيس حين نشاء، ولكن انظر كيف نعيش!».

لم يكن أحد في الغرفة يرغب بقولها، ولكن كان هناك شعور غير مفصَح عنه بأنهم هم أيضاً من ضحايا النظام. بعد عامين من الثورة المسلحة الدموية، بقي مجتمع العلويين الصغير في سوريا بطل الحرب الغامض. تتشكل في هذا المجتمع نواة من الموالين المقيّدين بقدَرهم مع نظام الأسد بصورة لا عودة منها.

عندما اندلعت أولى الاحتجاجات في آذار 2011، قاد الضباط العلويون الوحدات العسكرية الخاصة المدربة والمجهزة، وقد قامت هذه الوحدات بحبس وتعذيب وقتل المتظاهرين، مما وضع سوريا في طريق مختلف عن الانتفاضات العربية الأخرى. فعل جهاز المخابرات الأسدي كل شيء حتى لا تنطفئ النيران الطائفية، وحتى يطمسوا رسائل المحتجين عن التغيير السلمي، ومع ذلك فقد أظهر العامان المنصرمان أن تلك المخاوف لها أساس واقعي، ولم تستدع إثارتها العمل الكثير.

كان السنيون والعلويون في صراع لمئات السنيين، وقد أحيت الحرب الأهلية أسوأ ما في ذلك التاريخ. علناً ينادي الجهاديون المتطرفون من بين المتمردين بالقضاء على الأقليات الدينية السورية أو تهجيرها.

معظم المراقبين الغرباء متفقون على أن الأسد تلاعب بطريقة سينيكية بطائفته من أجل نجاته سياسياً، ولكن قلة من هؤلاء تتساءل (أو كانت لديها الفرصة للسؤال) عن كيفية شعور العلويين أنفسهم بالنسبة للأسد؟ وما هي طبيعة المستقبل الذي يتخيلونه الآن حين يعلن العالم العربي السنّي الحرب عليهم بطريقة فعالة؟

قال لي رجل دين بارز في دمشق، اسمه سيد عبد الله نظام: «ما هو مرعب أن كل شخص الآن يحمي وجوده، وبالنسبة لكل الأقليات يبدو الأمر وكأنهم دخلوا في نفق طويل دون ضوء».

في اليوم الذي وصلت فيه إلى سوريا، في أواخر نيسان، ذهلت بالمظهر الطبيعي للعاصمة. كانت هناك فاكهة طازجة في أكشاك السوق، وحشود من المتسوقين في المدينة القديمة. كانت رائحة دخان المعسّل بطعم التفاح تخرج من المقاهي. ولكن نقاط التفتيش كانت في كل مكان ولم أستطع المشي أكثر من 10 ياردات دون أن يوقفني أحد أعضاء جيش الدفاع الوطني الجديد بلباسه المدني (لباس الشرطي المتخفي) كي يطلب بطاقة هويتي الشخصية. خلف الأصوات الحية المريحة للنشاط اليومي في الشوارع، يمكن سماع صوت القذائف الثقيلة الكتيم نهاراً وليلاً مثل رعد متقطع. لا أحد يعلّق على ذلك، وكان من الصعب في ضوء الشمس الربيعية تخيل وجود أناس يقاتلون ويموتون على بعد أميال قليلة فقط.

لم أر الحرب إلا بعد أن اتخذت طريقي في السيارة في الطريق السريع شمال دمشق. المنازل مهدمة إلى أجزاء ومحترقة بحيث لم يعد يمكن تمييزها، وبوسترات تحمل وجوه الأسد وأعوانه تمزقت بفعل الرصاص. عندما كنا في السيارة نعبر ضاحية حرستا، حيث اندلعت أحد أشد الحروب سوءاً في الأشهر المنصرمة، كان عمود ضخم من الدخان الأسود ينطلق من مجموعة أبنية متلاصقة على بعد مئات قليلة من الياردات. السائق الشاب الصغير أحمد ذو الشعر والهندام غير المرتبين كان ينظر بسرعة للأمام والخلف. مؤشر السرعة في السيارة قفز إلى أكثر من 90 ميل بالساعة وكنت أتعجب كيف ستصمد سيارتنا المتهالكة من نوع هيونداي. قال أحمد: «هذه منطقة خطرة جداً. يجب أن نسرع».

بعد الضواحي التفّ الطريق السريع حول مدينة حمص (حيث المعارك) واتجهنا للغرب تجاه منطقة العلويين الجبلية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط. هذا هو طريق بشار ومواليه الذي سيسلكونه عندما تُثار في مخيلتهم فكرة أنهم أصبحوا محاصرين من قبل أعدائهم. عندها سيتخلّون عن العاصمة، ويحاولون اختراع دولتهم الخلفية في أرض أسلافهم.

المنظر الطبيعي على طول الطريق السريع يزداد خضرة كلما تقدمنا باتجاه الشمال، وتتلاشى ببطء مظاهر الحرب. تنهض جبال رائعة مكللة بالثلوج إلى الغرب. ولاحقاً كان بإمكاننا رؤية السطح الأزرق المتلألئ للبحر. التلال كانت تبدو منقّطة بأشجار الزيتون والفاكهة. كانت رائحة أشجار الكينا تختلط مع نسيم البحر.

lattakia

مدينة اللاذقية عاصمة منطقة العلويين. مدينة بحرية هادئة ذات سحر رثّ. التلال حولها أمّنت لمدة طويلة ملجأ للأقليات السورية، وكانت يوماً ولفترة قصيرة جزءاً من دولة العلويين تحت حماية فرنسية بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة. أعطى هذا الأمر للناس هنا وجهة نظر مختلفة للبلد وتاريخه، بحيث لم يُتح لصحافي غربي أن يراه كثيراً. كان ذلك في اللاذقية حيث التقيت داعمة مكرّسة للنظام اسمها علياء علي، وعمرها 27 عاماً، وهي ابنة ضابط علوي متقاعد ومدرّسة لغة فرنسية. علياء ذات وجه عريض وجميل مع حاجبين متشابكين يضفيان عليها العزم والمشاكسة. ذكية وواعية تماماً، فهي تعرف كيف ينظر الغرب للصراع بفضل السَنة التي قضتها في دراستها في إنكلترا.

كانت علياء، بصورة غير مشابهة للعديد من الموالين، مستعدة للاعتراف بالأعمال الوحشية التي قام بها من تواليهم، وأحياناً كانت تبدو مرتبكة من الدولة السورية البوليسية. قالت علياء لي: «كنت مؤيدة للثورة في البداية. كان هناك الكثير مما نحتاج تغييره هنا. كنت أعرف ذلك ولكن الحقيقة أن الأمر انقلب إلى صراع طائفي وعنيف بأسرع مما كان الناس يفكرون به».

أخبرتني علياء أنه في وقت مبكر من شهر نيسان عام 2011، وعندما كانت في الطريق الساحلي المزدحم، سمعت أصوات انفجارات وإطلاق نار مرتفعة، واستمر ذلك عدة دقائق، وفقط لدى عودتها إلى المنزل في جبلة –حيث تسكن– علمت أن 9 جنود سوريين وقعوا في كمين وقتلوا في مكان قريب. التقارير الأولية وصفتهم كجنود حاولوا الانشقاق وقتلوا بواسطة قادتهم العسكريين، ولكن لا يوجد دليل على هذا الادعاء، كما أن شريط فيديو لهاوٍ أظهر مشهداً يوحي بأن القتلة كانوا من المتمردين الذين يحملون السلاح. كان ذلك مناسباً لعلياء وأصدقائها كرواية نمطية: الإعلام الغربي يرفض الاعتراف بعنف الانتفاضة، ويتجاهل ضحايا الحكومة.

في ذلك الربيع، وبالرغم من إصرار المحتجين على الحركة الشاملة من أجل كل السوريين، بدأ الخطاب الطائفي بالتسلل. أحد الشعارات كان: «لا إيران ولا حزب الله، بدنا واحد يخاف الله». قد يبدو ذلك غير مؤذ للغرباء، ولكن في سوريا كان واضحاً بأنه نداء للسنّة كي يتحدوا ضد أعدائهم.

خلال صيف عام 2011 سرت إشاعة غريبة بأنه إذا قام المتمردون بقرع الأشياء المعدنية بعد منتصف الليل وأطلقوا صلواتهم الصحيحة خلال شهر رمضان المبارك فسيختفي العلويون! عندما زرت منزل علياء، قادتني إلى البلكون وأرتني التراس في البناء المجاور، وقالت: «هل ترى التراس؟ كانوا يقرعون منه على الأشياء المعدنية في منتصف الليل. نهض أبي من سريره وصاح عليهم: اخرسوا! نحن لن نختفي!». لاحقاً عندما كنا ننزل درج البناء أشارت علياء إلى دائرة مرسومة على الحائط وفي داخلها إشارة X، وقالت: «كان هذا رمزاً للمعارضة استخدموه كي يظهروا أهدافهم. الشخص الذي يسكن هنا أخو مسؤول كبير في الدولة».

وصف لي الأخ الأصغر لعلياء، عبد الحميد، صدمته الطائفية الخاصة به. كان ملاكماً هاوياً عمره 23 سنة، وكان يدرس في مصر في شهر تشرين الثاني المنصرم ويعيش مع خمسة سوريين في منزل بالإسكندرية. في إحدى الليالي قرع باب منزلهم شابّ ذو لكنة عراقية، وسأله إذا كان سورياً. عبد الحميد أجاب بنعم، ومشى العراقي مبتعداً. في آخر تلك الليلة حاولت مجموعة من الرجال كسر الباب الخارجي مع صيحات طائفية منتهكة. تعارك عبد الحميد وأصدقاؤه مع المهاجمين وأبعدوهم عن المنزل. ثم قال لي عبد الحميد: «ولكن الجزء الأسوأ أتى لاحقاً، فبعد عدة أيام كان هناك بوست في الفيسبوك يظهر عنواننا ومكتوب فيه: هؤلاء الشبان سوريون تمولهم إيران وحزب الله لينشروا التشيع في مصر، ويجب عليكم قتلهم». ثلاثة من السوريين تخلوا عن دراستهم وعادوا إلى بلدهم.

علياء وأصدقاؤها لم يظهروا لي أنهم حتى شهود غير منحازين على الانتفاضة. لقد أغلقوا أعينهم عن معظم ما حدث في بلدهم بعد أن بدأت المظاهرات: الاعتقالات الجماعية والسجون والتعذيب والقتل لمئات ثم لآلاف المتظاهرين السلميين غير المستفزين. في أحاديثهم معي سخروا من كلمة «شبيحة»، وقالوا إنها أسطورة، وأظهروا أنهم غير مستعدين لأن يصدقوا بأن النظام كان مسؤولاً عن الشائعات الطائفية التي صاحبت الاحتجاجات الأولى. كانت ما تزال الحقيقة عاطفية في قلب قضيتهم، فلقد شعروا بوجود غضب محبوس تجاههم كعلويين، وظهر أن التنفيس عن ذلك الغضب كان كاشفاً كعلامة على أنهم كانوا يعيشون كذبة.

aliaaالصديقة المفضلة لعلياء –أو من كانت يوماً أفضل صديقة لها– كانت سنّية، اسمها نورا. كان يفصل منزليهما بناء واحد، وكانتا تذهبان للمدرسة معاً وتساعدان بعضهما البعض في تربية إخوتهم الصغار. قالت لي علياء: «لم تكن الطائفة المختلفة تعني شيئاً لنا». معظم أصدقاء علياء كانوا من السنّة. أخبرتها نورا يوماً أنها ستسمّي أول ابنة لها علياء، وأنها ستحضر الياسمين إلى منزلها بعد ولادتها. أرتني علياء صورة تظهر نورا بوجهها الممتلئ الطفولي، وغطاء الرأس الفضفاض، وكانت علياء تقف بجانبها وتلفّ ساعدها حول كتفها، ثم قالت علياء: «في عام 2010 خطب نورا رجل متدين جداً، وطلب منها أن تتوقف عن الذهاب للسينما وارتداء الثياب القصيرة، ولم يكن يتحمل وجود صديقات غير سنّيّات لها. أخبرتني علياء أن نورا أتت إلى منزلها مباشرة، وأخبرتها بما قيل لها واستلقت الاثنتان على السرير، وهما تتحدثان عما يمكن فعله. فسخت نورا خطبتها سريعاً كما أخبرتني علياء، وقالت لها «أنا لا أستطيع العيش مع رجل يفكر بأن العلويين محظورون علي».

بعد اندلاع الاحتجاجات الأولى مباشرة، أخبرت علياء نورا عن بعض الأنشودات الطائفية التي سمعتها من المحتجين. رفضت نورا تصديق ذلك. في الشهر التالي، عندما اتخذ الجيش إجراءات قاسية في جبلة، كانت نورا يائسة، وقالت إن المحتجين الأبرياء قتلوا. علياء أخبرت نورا أنه «ليس منطقياً أن تقتل الحكومة شعبها»، ثم انسحبت نورا من النقاش. قالت لي علياء: «قد نكون سمعنا قصصاً مختلفة». بانتقال نورا وعائلتها إلى عمق معسكر المعارضة، بدأت الصداقة بين نورا وعلياء بالتآكل. مرة، بعدما كانوا في رحلة بالسيارة على كورنيش البحر، قالت نورا فجأة «إذا هاجمكِ السنّة سأحميكِ، وستفعلين ذلك من أجلي إذا حدث العكس». ضحكتا. قالت علياء: «في ذلك الوقت بدا الأمر مثل مزحة. لم نستطع في الواقع تخيل حدوث ذلك».

سافرت علياء إلى إنكلترا في نهاية الصيف، وبعد ذلك بفترة قصيرة اعتُقلت والدة نورا، وتوقفت الصديقتان عن الحديث المتبادل. أخبرتني علياء أنه في شهر تشرين الأول كانت نصف نائمة في إحدى الليالي عندما سمعت صوت اللابتوب: كانت نورا تطلب محادثتها بالفيديو، وكانت الساعة الرابعة فجراً، ولكنهما استمرتا في الحديث مدة ساعة مع الضحك وكأن شيئاً لم يتغير. قالت علياء: «عندما انتهت المكالمة انفجرت دموعي، وشعرت بالسعادة أننا مازلنا صديقتين، وأن المختلف بيننا لم يكن يعني لنا شيئاً».

بعد ذلك بقليل غادرت نورا وعائلتها إلى تركيا. في شهر كانون الأول، ألغت نورا صداقتها لعلياء في الفيسبوك، ولكن علياء استمرت في تفقّد صفحة نورا بالفيسبوك كل يوم. كانت بوستاتها مضادة للأسد بشكل عاطفي، وتتضمن قدحاً طائفياً بالعلويين. تزوجت نورا من رجل سني من جبلة، ويظهر في صورته في الفيسبوك وقد وضع العصبة السوداء التي تستخدمها القاعدة. في منتصف شهر أيار كتبت نورا بوستاً طويلاً في مدح صدام حسين وأتبعته بهذه الجملة: «كم لايك يستحق قاهر الشيعة والكفار الآخرين؟». أرتني علياء صفحة أخي نورا المراهق في الفيسبوك، مع صورته وهو يحمل الكلاشينكوف، ثم قالت: «اعتدت أن أحمله على كتفي وأطعمه المكسرات».

تسكن نورا الآن في تركيا. تمكنت من محادثتها بالهاتف من مدرسة سورية تديرها عمتها قرب الحدود. اعترفت نورا لي بصداقتها مع علياء، ولكن حماسها الديني ظهر واضحاً بسرعة حين قالت لي أن زوجها لا يسمح لها بالحديث بالهاتف مع صحافيين أجانب. تحدثت بعدها مع عمّتها مها مديرة المدرسة، والتي أكدت لي وصف علياء لصداقتها مع نورا وللانتفاضة في جبلة. ارتفع صوت مها إلى درجة الصياح حين أخبرتني أن النظام فقط كان طائفياً، ثم قالت: «قبل الانتفاضة كنا نعيش سوية دون مشاكل. شعروا بالاطمئنان تجاهنا لأنه منذ حوادث حماه أحسوا بأننا لن نثور عليهم، ولكن حالما اخترنا طريق الثورة شعروا بأنها موجهة ضدهم وليس تجاه الأسد. لقد أخبرناهم بأننا نريد الحرية فقط ولكنهم أغلقوا الأبواب في وجوهنا ورفضوا التحدث معنا». صدمتني مها كامرأة منطقية كانت تأسف لتمزّق العلاقة بقدر أسف علياء، ولكن حين سألتها عن الديانة العلوية، تفاجأت بجوابها: «علياء فتاة لطيفة، ولكن ليس للعلويين دين. هم طائفة خائنة تعاونوا مع الصليبيين، وخلال الاحتلال الفرنسي وقفوا إلى جانب الفرنسيين».

لهذه الاتهامات المألوفة بالنسبة للعلويين لذعة التلقيب العنصري. لقد تطور إيمان العلويين خلال ألف سنة مضت كشكل غريب ومزيج أسطوري من الأفلاطونية المحدثة والمسيحية والإسلام والزرادشتية. تتضمن هذه الديانة الاعتقاد بالتناسخ وتأليه علي ابن عمّ وصهر النبي محمد. قادت هذه المعتقدات «غير الأرثوذوكسية» الصليبيين إلى تفضيل العلويين، والنظر إليهم كحلفاء محتملين ضد المسلمين. اللاهوتي ابن تيمية (سلف الإسلاميين المتشددين هذه الأيام) أعلن في العقد الأول من القرن الرابع عشر الميلادي أن العلويين «أكثر كفراً من اليهود والنصاري، بل وأكفر من كثير من المشركين»، وقد حض المسلمين المخلصين على ذبحهم وسرقتهم. وجد العلويون ملجأهم في الجبال، ونادراً ما تجرؤوا على القدوم حتى إلى مدينة اللاذقية. الكثير منهم ذبحتهم الجيوش العثمانية، وأجزاء من مجتمعهم كادت تفنى في بعض المحطات من تاريخهم. وطبقاً للمؤرخ جوشوا لانديز فقد جرى في سبعينيات القرن التاسع عشر خوزقة قطاع طرق علويين مفترضين، وتركوا على خوازيقهم مكشوفين للناس في مفارق الطرق كنوع من التحذير. عاش العلويون في فقر بائس على هوامش الاقتصاد الإقطاعي السوري، وكثيراً ما أرسلوا بناتهم في عقود عمل كخادمات عند العائلات السنية الثرية.

عندما رغب الفرنسيون عام 1936 من أجل حفظ توازناتهم في دمج الدولة العلوية الساحلية المتشكلة حديثاً في الجمهورية السورية الأكبر، أرسل ستة من أعيان العلويين التماساً للفرنسيين يرجونهم أن يعيدوا التفكير، فـ«روح الكراهية والتعصب الكامنة في قلوب العرب المسلمين ضد أي شيء غير مسلم كانت دائماً تتغذى من الدين الإسلامي. لا يوجد أمل بأن هذا الوضع سيتغير يوماً، لذلك فإن إلغاء الانتداب سيعرّض الأقليات في سوريا إلى مخاطر الموت والفناء، بالإضافة إلى حقيقة أن مثل ذاك الإلغاء للانتداب سينهي حرية الاعتقاد والإيمان». كان أحد موقّعي الالتماس سليمان الأسد، جدّ الرئيس الحالي لسوريا. فيما بعد، وبعد أن تخلى الفرنسيون عنهم، سارع العلويون لتبني القضية الوطنية السورية، وقطعوا أشواطاً طويلة لجعل بقية البلاد تنسى طموحاتهم الانفصالية.

فكرت بذلك الالتماس عندما دخلت منزل عائلة علياء في جبلة، حيث يوجد بورتريه بالأبيض والأسود لجدها معلّق بإطار رسمي على جدار غرفة المعيشة. قالت علياء بذكاء: «درس جدي في فرنسا في الثلاثينيات من القرن المنصرم»، ثم أضافت بسرعة «لاحقاً كان له إسهامه في الصراع من أجل الاستقلال على ما أعتقد».

سألت علياء كيف تفكر بالعلويين الذين انضموا للمعارضة، مثل الروائية سمر يزبك التي هي أيضاً من جبلة. أصبحت علياء حذرة عند ذكر اسم يزبك، وقالت: «التقيت بها مرة وأخبرتني أن مستقبلاً مشرقاً ينتظرني، ولكنني لا أريد مستقبلاً يشبهها. أظن أن العلويين الذين انضموا للمعارضة لا يدركون أنهم استُخدموا كأدوات، أو أنهم يفكرون بأن بإمكانهم تحويل حرب الجهاديين إلى ثورة ديمقراطية ولكنهم لن ينجحوا أبداً».

كانت يزبك في سوريا أيضاً خلال الأشهر الأولى من الثورة. في مذكراتها عن الثورة خلال الأشهر الأربع الأولى، والتي نشرت لاحقاً باللغة الإنكليزية تحت عنوان «امرأة في مرمى النيران»، وصفت يزبك الحملة الغاضبة التي شُنّت ضدها بعد أن أعلنت للملأ مساندتها للثورة. أجبرت عائلتها على التنكر لها، ووُزّعت قصاصات ورقية في جبلة تشجبها. في جزء من مذكراتها تصف يزبك مواجهة مرعبة مع أجهزة النظام التي ساقتها من منزلها إلى مركز التحقيق، حيث وجدت نفسها مع ضابط غاضب رماها أرضاً وبصق عليها وهدد بقتلها، ثم قادها الحرس بعد عصب عينيها أسفل الدرج إلى أحد أقبية تعذيب النظام، حيث أجبرت على رؤية المحتجين نصف ميتين بدمائهم، وهم معلقون من السقف. أخبرها الضابط في وقت لاحق أنها مخدوعة من قبل «الجهاديين الإسلاميين»، وأنها يجب أن تعود إلى حظيرة الطائفة أو أنها ستموت، ثم قال لها: «نحن لسنا مثلكم أيها الخونة. أنتم علامة سوداء بالنسبة لكل العلويين». عندما تحدثتُ مع يزبك –التي تعيش الآن في باريس– أخبرتني أنها تعتقد أن المجتمع العلوي هو أول ضحية لطائفية الأسد، وأنه جرى استخدام العلويين كدروع بشرية كي يحتفظ النظام بقوته. وقالت: «يعتقد العلويون بخطاب النظام بأن المجازر سترتكب بحقهم إذا سقط الأسد، ولكن هذا ليس صحيحاً. إنهم خائفون جداً ومشوشون». أثار بعض العلويين داخل سوريا نفس الموضوع بالرغم أن ذلك كان أكثر خطراً عليهم، ولكن الذين تحدثت معهم جادلوا أيضاً بأنه لم يعد مهماً فيما إذا كان العلويون قد تم خداعهم أم لا لأن مخاوفهم الطائفية تحققت بالفعل.

قابلت في اللاذقية رسام كاريكاتور علوياً اسمه عصام حسن. أخبرني الرسام أن الكثير من العلويين الذين تعاطفوا مع المعارضة انتقلوا إلى الجانب الآخر، وقال: «عرفت الحكومة أنها لا تستطيع محاربة المحتجين السلميين لذلك دفعتهم للعنف، ولكن العنف الذي رأيناه الآن من جانب المتمردين أخاف الجميع، ثم انظر إلى وسائل الإعلام: الجزيرة والتلفزيون الحكومي السوري. لقد اتخذا جانبين مختلفين ولكن كلاهما دفع باتجاه النهاية نفسها. لقد شجعا على الكراهية».

في ليلة خميس دافئة في دمشق، التقيت صديقاً قديماً في نادٍ يدعى «بار 808»، وهو أحد آخر الأماكن المتمردة من أجل شبان المدينة الحداثيين، وهو مكان مشهور من بين الأمكنة المعروفة بتعاطفها الهادئ مع المعارضة. شققت طريقي عبر الزحام ودخلت غرفة صاخبة حميمة حيث يرقص الشبان السوريون ويشربون الكحول ويتبادلون الحب. حضنني صديقي خالد في البار بقوة، واشترى لي بيرة.

خالد روائي وبوهيمي، له رأس كبير يعلوه شعر مفتول رمادي أشيب، وذو ضحكة صاخبة، ولكن آخر سنتين جعلتاه يبدو أكبر سناً. تحدثنا عن الأصدقاء المشتركين. معظمهم تفرق الآن في بيروت وأوربا. قال خالد: «لا أستطيع التخلي عن الثورة. لا أرغب في مغادرة دمشق». وضع ساعده حول امرأة شابة، وقدمها لي باسم ريتا. قالت لي ريتا: «خالد هو المتفائل الوحيد الذي بقي في دمشق»، وعندما سألتها عن المعارضة قالت: «أنا خجلة من قول هذا، ولكن المعارضة فقدت معناها. الآن لا يوجد سوى القتل. لاشيء سوى القتل. الجهاديون يتحدثون عن الخليفة، والمسيحيون خائفون فعلاً».

توقفنا عن الكلام فترة قصيرة، كانت مليئة بموسيقا البوب العربية الصاخبة، ثم قالت ريتا: «انتظرت حياتي كلها حتى أرى هذه الثورة، ولكنني أعتقد الآن أنه ربما كان يجب أن لا تندلع الثورة. على الأقل ليس بهذه الطريقة».

إذا كانت المعارضة قد فقدت معناها فكذلك حدث مع النظام. جماعة الأسد طالما عرّفت سوريا خاصّتها بأنها: «القلب النابض للعروبة»، و«حصن القضية الفلسطينية». كان معروفاً أن حزب البعث يحمل هذه الروح، وكانت الأقليات في سوريا متحمسة لإثبات ولائها كعرب في مجتمع ذي أكثرية مسلمة. كان ذلك هو الصمغ الذي جمع المجتمعات المشاكسة في البلد. ولكن سوريا الآن طُردت من جامعة الدول العربية، المؤسسة العربية للحكام العرب، واتضح أن الأيدلوجيات القديمة الموحِّدة (التي قدمت خدمة كلامية فقط إلى حين بدأت الأزمة) لم تكن حقيقية.

في شارع جانبي هادئ في أحد أغنى أحياء دمشق، دعاني محامٍ بارز للانضمام إليه وإلى أصدقائه في مكتب فخم معدّ للضيوف المميزين. كانت هناك أرائك جلدية ناعمة وشوكولا أوربية على طاولة القهوة، وشاشة بإطار من قياس 16 تظهر كل مكان في المنزل. أحد الضيوف كان رجل دين محترم يدعى جبرائيل داوود، وهو رجل دين سرياني أرثوذكسي. كان يتمدّد باسترخاء في أريكته بردائه الأسود. أثير موضوع الأقليات في سوريا. كان وجه الأب داوود يعبر عن غضبه حين قال: «الأقليات تعبير مزيّف. يجب أن نهتم بنوعية البشر وليس بكميتهم. تعبير الأقليات يعطيك فكرة أنها صغيرة وضعيفة، ولكننا نحن السكان الأصليون لهذا البلد». ابتسم الأب داوود بتكلف عندما تحدث عن المحتجين ومطالبهم بالحرية، وقال: «إنهم لا يريدون الحريات بل يريدون الحوريات: العذراوات ذوات العيون السوداء اللواتي وُعد بهنّ مفجرو القنابل الانتحاريون في الحياة الآخرة». تحدث داوود بمرارة عن خطف مطرانين مسيحيين لم يعرف مصيرهما بعد، ثم قال: «المتمردون قد يكونون سوريي الجنسية ولكن عقليتهم ليست سورية. نحن فخورون بعلمانيتنا. لا نستطيع العيش مع هؤلاء البرابرة».

عندما أثرت موضوع القومية العربية، جفل أحد الضيوف في الغرفة، وقال: «نحن من بلاد النهرين ولسنا عرباً. لا نريد أن نكون عرباً».

لقد سمعت هذا النوع من الحديث في كل مكان زرته في سوريا. تحدثت عن الانتفاضة امرأة علوية شابة في اللاذقية، كانت قد قضت وقتاً في الولايات المتحدة، بمصطلحات عنصرية بارزة: «بدأت الاحتجاجات بشكل جيد، ولكن بعد فترة أصبح الناس المشاركون من غير المتعلمين. هم يشبهون مثيري الشغب عندكم في ديترويت عام 1967. أناس فاشلون وليسوا صالحين، يشبهون السود في الولايات المتحدة. هؤلاء البرابرة الذين نتحدث عنهم هم فقراء الريف والضواحي وغالبيتهم العظمى من السنّة وهم العمود الفقري للمعارضة، ومن المحتمل أنهم يشكلون نصف عدد سكان سوريا».

ربما تتكسّر الأساطير الوطنية السورية، ولكن من الصعب أن ترى كيف يمكن إعادة تصور الخريطة السورية بطريقة مستقرة. هناك بعض التخمينات بأن الأسد قد ينسحب إلى الجبال الساحلية، إذا انقلبت الحرب ضده، الأمر الذي لم يحدث بعد. تلك المنطقة هادئة وساكنة مقارنة بدمشق ومكتفية بذاتها نسبياً، ولكن يقال أن سكانها تضاعفوا منذ بداية الحرب بفضل تدفق المهاجرين من أجزاء أخرى من سوريا. بعض المهاجرين هم من العلويين الذين عادوا إلى قراهم الأصلية، ولكن عشرات الآلاف من السنّة استقروا هناك أيضاً باحثين عن ملجأ لهم في الساحل وقادمين من حلب والمناطق الأخرى التي مزقتها الحرب. فنادق المدينة مكتظة بأناس من الطبقة المتوسطة يحملون معهم حقائبهم الثقيلة، أما الأكثر فقراً من المهاجرين فقد تجمعوا في مخيمات في مركز رياضي ضخم، حيث يعيشون في خيم مزدحمة تفوح منها رائحة بول كريهة. حذرني موظف محلي يعمل في وزارة الإعلام بفظاظة قائلاً: «كن حذراً، فالعديد منهم مؤيدون للجيش السوري الحر. هم لا يقولون ذلك الآن ولكننا نعرف ذلك». إذا تشكلت يوماً ما دولة العلويين فستكون مخترقة بمتمردين محتملين. نشأ حافظ والد بشار الأسد في منزل مكون من غرفتين حجريتين في الجبال، وساعد في أعمال ترميم المنزل. عندما كان رئيساً كان يحب أن يذكّر الناس بأصوله. تكلم في الثمانينيات من القرن المنصرم –عندما كان الاقتصاد الاشتراكي السوري في الحضيض– في إحدى خطبه قائلاً: «أيها الرفاق الفلاحون: لن تكون يد بعد هذا اليوم فوق يدكم. أنتم المنتجون. أنتم السلطة». نشأ أولاد حافظ في القصر ولم يعوا أبداً أو يهتموا كثيراً بفقراء سوريا. أحضرت إصلاحات بشار الاقتصادية مبكراً في العقد الأول من القرن الحالي معها المطاعم والنوادي الليلية الحديثة في دمشق، ولكن الريف كان يغرق أكثر في الفقر. في أواخر عام 2010 قدت سيارتي عبر الحزام الزراعي في سوريا، وقد أدهشني حجم الضرر الذي سببته السنوات الخمس من الجفاف وإهمال الحكومة. تخلى الكثير من الفلاحين عن مزارعهم المتجففة وانتقلوا للعيش في الأحياء المكتظة الفقيرة في أطراف المدن حيث أصبحوا مادة مثالية قابلة للاشتعال بسهولة في الثورة.

ولكن كان هناك سبب آخر للوجه غير الصافي للمتمردين السوريين، سبب أشدّ وحشية. قابلت في إحدى الليالي في دمشق مبرمج كومبيوتر عمره 33 سنة اسمه أمير، وقد شارك في حركة الاحتجاج اللاعنفية منذ البداية. قال لي أمير: «لقد بدأنا الاحتجاجات بثلاثة مبادئ: لا للعنف ولا للتدخل الأجنبي ولا للطائفية»، هكذا تكلم معي أمير باللغة الإنكليزية عندما كنا نتمشى في هواء الليل البارد المنعش. «النظام استهدف المحتجّين حتى أجبرهم على التخلي عن المبادئ الثلاثة جميعها».

سألته إذا كان مازال ناشطاً في الثورة فقال: «لقد وضعوني في السجن مدة يومين. لم يتم تعذيبي، ولم يوجه لي أحد كلمة سيئة، ولكن بالنسبة لي.. (تعثرت كلماته ثم استدار تجاهي وقال:) هل تعرف كيف ذهب دانتي إلى الجحيم وسمح له بالعودة؟ تلك الزنزانة كانت مساحتها 10 أمتار مربعة، وحشر فيها 152 شخصاً تحت الأرض بطابقين. لم يكن هناك هواء. تشعر دائماً أنك ستختنق. كان لديهم نظام غير معلن: الأسبوع الأول يجب أن تبقى واقفاً نهاراً وليلاً ثم يسمح لك بالاستناد إلى الحائط عدة أيام ثم يسمح لك بالجلوس. عندما تكون واقفاً تخاف أن يأخذك النوم لأنه وقتها لن تستيقظ أبداً. البعض هناك كان قد أمضى ساعات والبعض الآخر أياماً أو أسابيع. البعض جرى تعذبيه بطرق لا يمكنني تخيلها. بالنسبة للطعام تحصل على قطعة خبز وبعض الماء، ولكن لم يكن ذلك مهماً. تقضي في الحمام حوالي 30 ثانية مرة واحدة في اليوم، ولكن صدقني لم يكن ذلك مقلقاً لأن هناك أناس في الزنزانة كانوا يطلبون الموت حرفياً». توقف عن الكلام، وبعد برهة سألته لماذا تم توقيفه، فأجاب: «لأنني أشعلت شمعة في ليلة الجنازة».

هل كان يجب أن يحدث ذلك بتلك الطريقة؟ العديد ممن يقاتلون حكومتهم الآن كانوا يرون بشار الأسد خلال عقد مضى كنوع من مخلّص. شخص لطيف سيقودهم بعيداً عن الوحشية. لم يكن بشار معنياً بالرئاسة، فأخوه الأكبر باسل كان الوريث الظاهر، وفقط بعد موت باسل في حادث سيارة عام 1994 جرى سحب بشار –ذي العنق الطويلة، الهادئ الأخرق– من مدرسة طب العيون في لندن وتم تنصيبه. كان شخصاً غامضاً منذ أول يوم له في الرئاسة عام 2000، حين بدا كرجل يريد قيادة سوريا في مسار مختلف، ولكنه لم يفعل ذلك أبداً.

قابلت مناف طلاس (أحد أقدم أصدقاء بشار) في شهر نيسان، وطلبت منه أن يحكي لي عن طبيعة الصراع من وجهة نظر بشار. طلاس، الذي كان أبوه وزيراً للدفاع مدة ثلاثة عقود، كان جنرالاً في الحرس الجمهوري في سوريا حتى انشقاقه في شهر تموز المنصرم. عرف مناف بشاراً في طفولته، وكان أحد أعضاء الحلقة الداخلية له لسنوات عديدة. التقينا في مقهى بباريس في عصر يوم دافئ. كان طلاس يبدو أحياناً ساخراً بازدراء كشخص متأنق غندور. كان يلبس وقتها قميصاً حريرياً أزرق مفتوح الأزرار وسط صدره، ويضع نظارات شمسية مما يلبسه الطيارون. قال طلاس: «في اليوم الذي اندلعت فيه الأزمة في منتصف آذار من عام 2011 في مدينة درعا، أثناء الشغب الذي اندلع إثر أمر ابنة خالة الأسد مدير الأمن المحلي بحبس وتعذيب مجموعة من الصبيان الذين كتبوا الجرافيتي ضد النظام على الجدران، حثثت الأسد على زيارة درعا بنفسه، وعلى أن يصدر أمراً باعتقال مدير الأمن المحلي». آخرون أيضاً، بما فيهم رئيس تركيا وأمير قطر، أسدَوا له النصيحة نفسها. قال طلاس أنه استمر في حث الأسد على معالجة الأزمة عبر المفاوضات أكثر من استخدام القوة، وبموافقة الأسد بدأ طلاس بلقاء مجموعات أهلية في المدن التي اندلع فيها الشغب وأحياناً كان يلتقي بـ 300 شخصاً. استمع طلاس إلى شكاواهم، وكتب قوائم بالحلول الممكنة لفساد الشرطة المحلية ونقص المياه والكهرباء ومشكلات أخرى. كان قادراً على تعيين هوية القادة المحليين الذين يمكن الوثوق بهم، وقدم قائمة بالقضايا المثارة والأسماء لأتباع بشار، وفي كل مرة كان سرعان ما يتم اعتقال القادة. أخبرني طلاس أنه في النهاية واجه أفراداً من عائلة مخلوف أولاد خال الأسد الذين هم الآن أقرب ناصحيه. «كان هناك خلاف كبير، فقد كانوا يريدون التعامل مع المشكلة بواسطة المخابرات بالطريقة القديمة». قرر طلاس التكلم مباشرة مع الأسد، ولكن صديقه القديم جعله ينتظر أسبوعين، وعندما التقيا أخيراً أظهر الأسد أنه لم يعد مهتماً بنصيحة طلاس. «عرف بشار منذ البداية أن هذه أزمة كبيرة، وقرر أن يلعب على غرائز البشر».

في إحدى الصباحات المبكرة من شهر أيار، قدت سيارتي مع علياء علي وأخيها عبد الحميد إلى بلدة أسلافهم دريكيش، في جبال العلويين الخلفية. تسلقنا الطريق الصاعد من الساحل على طول المنعطفات الحادة، حيث المناظر الطبيعية الخلابة من تلال ذات مصاطب وبساتين وفيرة. توقفنا فترة قصيرة للنظر إلى نصب تذكاري حديث لموتى الحرب من أهل البلدة. لوحة رخامية مهيبة (25 قدماً) حفر عليها مئات الأسماء. ركنّا السيارة أسفل شارع التلة الضيق والمسمى باسم جدّ علياء ومشينا صاعدين إلى منزل العائلة، وهو بناء حجري عمره 100 سنة، وله آجرّ من السيراميك الذي بدأ بالاهتراء… وقف عمّ علياء عامر بانتظارنا. عامر رجل عمره خمسون سنة، ويبدو قوياً مع شعر شائب قصير جداً. قادنا إلى أعلى الدرج إلى غرفة كبيرة ذات سقف مرتفع حيث ضوء الشمس يتناثر عبر جدارين مفتوحين. كان بانتظارنا في الداخل الكثير من الناس.

جمع عامر علي هؤلاء الناس كي يخبروني عن قصص أقربائهم وأزواجهم الذين قضوا في الحرب. استمعت لهم واحداً واحداً. كانوا من الطبقة العاملة: جنود وعمال بناء وشرطيون. كلهم علويون بقدرِ ما عرفت. ومن المحتمل أن بعضهم كان من الشبيحة بالرغم من أحداً منهم لم يستخدم هذه الكلمة. أحدهم، وهو عامل بناء في منتصف العمر اسمه أديب سليمان، سحب جواله وأظهر لي رسالة تلقاها بعد أن خطف المتمردون ابنه يامن: «لقد نفذنا إرادة الله وقتلنا ابنك. إذا كنت ما تزال تقاتل مع بشار فسنأتي إلى بيوتكم ونمزقكم إرباً. لا تقاتلوا أبداً ضدنا».

أخبرني شاب عمره 20 سنة، أصيب مرتين بطلق ناري في الرأس وفقد بعضاً من ذاكرته ونصف سمعه، بأنه سيعود للجبهة حالما تشفى جراحه. حدق والده بي، وقال: «سأكون فخوراً لو أن ابني أصبح شهيداً. أنا الآن في خمسينيات العمر ومستعد للتضحية بحياتي أيضاً. هم يعتقدون بأننا أصبحنا ضعفاء في هذه الأزمة، ولكننا أقوياء».

بعد تناول وجبة الغذاء أراني عم علياء المنزل. كان يعلق على الحائط سيف علي –وهو رمز مهم للعلويين– مع أشعار نقشت على نصله. كانت هناك أدوات زراعية قديمة وعصا لالتقاط الأفاعي وسكاكين للصيد وبندقية قصيرة عمرها 100 عام (نوع من التاريخ البصري للعلويين). كانت هناك قوارير فينيقية وصورة مؤطرة لحسن نصر الله قائد حزب الله. فيما بعد، قادني عامر إلى السطح، حيث حدقنا في البلدة التي عاشت عائلته فيها مئات السنين. كانت التلال تبدو جميلة في ضوء الشمس الذهبي عصر ذلك اليوم. يمكنك رؤية الينبوع القديم جداً مع القوس الحجري فوقه والمسجد الذي بناه أحد الأسلاف قبل 240 سنة. وقفت علياء جانبي في التراس تنظر للبلدة بتعبير منتشٍ وفخور. سألتها كيف تشعر عندما تعرف أن مجموعات حقوق الإنسان الغربية وثّقت فظاعات ارتكبها النظام السوري، وبعضها ربما قام بها أناس مثل الذين تحدثنا معهم الآن؟ نظرت علياء للأسفل بسرعة وقالت: «نعم كان هناك فظاعات ولا يمكنك أبداً نفي حدوثها، ولكن عليك سؤال نفسك: ماذا سيحدث إذا سقط بشار؟ لذلك أنا أؤمن بأن النصر هو الخيار الوحيد. إذا سقط بشار ستسقط سوريا، وحينها سنصبح كلنا هنا نرتدي النقاب، أو نموت».

قبل أن ننزل ثانيةً عائدين، أراني عمّ علياء منصباً ثلاثيّ القوائم أبيض صدئاً، موضوعاً على السطح في المنتصف وتظلّله خيمة مفتوحة الجوانب، وقال: «إنه من أجل التلسكوب للنظر إلى النجوم». نظر عالياً إلى السماء الخالية من الغيوم ذلك المساء، ثم نظر إلى أسفل الجبال حيث تفسح التلال المكان للسهل السوري الفسيح ثم قال: «ولكن يمكننا استخدامه لوضع بندقية قنّاص والدفاع عن أنفسنا هنا».

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment