على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة

bookarabicسليمان جبران في كتابه:
على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة

بقلم: نبيل عودة

الكتاب: على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة
المؤلف: بروفسور سليمان جبران
اصدار: مجمع الللغة العربية – حيفا

يجري حول اللغة العربية حوار صاخب أحياناً، بين العديد من المثقفين واللغويين ومختلف أصحاب الرأي. ويبدو ان هذا الحوار يميز الناطقين بلغة الضاد فقط، إلا أن ذلك لا يشير الى أهمية غير عادية للغة الضاد، بقدر ما يشير الى أزمة عميقة باتت تقلق المتعاملين مع اللغة، وتتمثل في قصورها الفاضح في المجالات المختلفة، وبالأساس المجالات العلمية والتقنية، وأيضا في مجال الاستعمال الأدبي الإبداعي. وتبرز الأزمة بوزنها الكبير، في هرب أصحاب اللغة من لغتهم الى لغات أجنبية للتعبير، وإشكاليات استيعاب الطلاب العرب للغتهم، بل ونفورهم من أساليب تعليمها ومن التناقضات الكبيرة بين اللغة المحكية واللغة التي تسمى فصحى، لدرجة أن تعريف الفصحى بات يشكل موضوعاً للخلاف، نتيجة دخول أساليب تعبيرية واصطلاحات وجمل متعارف عليها، لا يمكن ان تخترق أسوار الحواجز النحوية التي وضعها سيبويه قبل مئات السنين، في مناخ ثقافي ولغوي مختلف، وبات غريباُ عن مفرداتنا وعن صياغاتنا وعن متطلباتنا اللغوية في هذا العصر الذي يشهد نقلة نوعية عاصفة في العلوم والتقنيات، وفي اللغات واستعمالاتها.. الا لغتنا العربية مسجونة داخل كهف يقف على أبوابه حراس اللغة، ظناً منهم انهم يخدمون لغتهم، ولا يستوعبون ان حراستهم تقود لغتنا الجميلة الى الموت السريري، أو تحولها الى لغة لا يتجاوز عدد المتحدثين فيها عدد المتحدثين اليوم باللغة الآرامية في العالم!!
هذا الموضوع شغلني منذ سنوات ليس كلغوي، بل كمثقف وكاتب يعيش نبض اللغة التي تشكل سلاحه التعبيري، وأداته الهامة للتواصل، الأمر الذي وضعني بمواجهة إشكاليات لغوية تعبيرية في الحديث او الكتابة عن مواضيع تكنلوجية وعلمية وفلسفية، لم أجد لها صيغة عربية، ووجدت في اللغة العبرية التي أتقنها بشكل جيد، لا يرقى الى مستوى إتقاني للعربية بالطبع، تعابير واصطلاحات سهلة واضحة ميسرة مفهومة، وقابلة للاستعمال، بدون تعقيدات نحوية.
شغلني أيضا سؤال ما زال مطروحاً: بأي لغة عربية نكتب؟
الفصحى القديمة أضحت لغة لا مجال لاستعمالها وفهمها من الأكثرية المطلقة لمن يعرّفون أنفسهم كعرب. الفصحى الجديدة السهلة، او لغة الصحافة كما يسميها البعض، أيضا غير ميسرة لأوساط واسعة جداً من العرب.. بسبب انتشار الأمية الهائل الذي لا يقلق حراس اللغة بقدر قلقهم على مواصلة السجن القسري للغة في زنزانة نحو وضع لمناخ لغوي لم نعد نعيشه، ومن المستحيل ان نعود اليه.
في كتاباتي دائماً اتلقى نقداً لغوياً حول استعمالاتي للغة. ومحاولات تصحيح لغتي، وانا على قناعة تامة ان تمكني من التعبير بلغتي العربية، متطور جداً، ليس بسبب دراستي للغة، بل نتيجة ممارستي وتجربتي الغنية قراءة وكتابة، وأعترفت مرات عديدة اني لا أعرف قواعد اللغة، ولا أريد ان أعرف أكثر مما أعرفه اليوم، واذا كان لا بد من إصلاح فلغتي هي لغة معيارية حديثة، متطورة في تعابيرها، وسهلة الفهم لأوساط واسعة، وتحمل من جماليات التعبير والصياغة أكثر من كل نصوص المتقعرين، الذين لا أستطيع ان افهم نصوصهم أو أهضم ثقل دم لغتهم!!
ربما أطلت في مقدمتي، ولكني اندفعت اليها بحماس إثر قراءتي لكتاب شدني بلغته الجميلة وشروحه المنفتحة الراقية، حول إشكاليات لغتنا العربية صادر عن مجمع اللغة العربية في حيفا، للبروفسور سليمان جبران، الذي كان رئيساً لقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب، قبل اعتزاله العمل هناك. يحمل الكتاب عنواناً دالاً: “على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة”، وافتتح سليمان جبران كتابه ببيتين من الشعر عن “الغيورين” على اللغة:
جاروا عليهــا زاعمين صلاحها في نبذ طارقهــا وفي تقييـدهـا
لم يفقهوا ان اللغــات حياتهــا في بعث تالدها وفي… تجديــدها

وهناك مقدمة للدكتور عادل مصطفى (باحث مصري في اللغة والعلوم والفلسفة) يقول فيها: “العربية في أزمة، يجفوها أهلها، ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها. ان العربية على فراش المرض، تعاني من تضخم في القواعد والأصول، وفقر في المصطلح، وعجز عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر. الداء واضح للعيان، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه. فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار المشكلة.”

مقدمة الدكتور عادل مصطفى تستعرض إشكاليات اللغة، التي يعالجها البروفسور سليمان جبران في كتابه، وتتطابق أفكاره تماماً مع طروحات وشروح سليمان جبران، بحيث بدا لي متحمساً للكتاب وطرحه الذي يثبت ليس فقط معرفة سليمان جبران الكاملة بأصول اللغة ونحوها، انما معرفة موسوعية نادرة بكل ما مرت به اللغة العربية من تحولات وتطوير في القرن التاسع عشر، خاصة منذ بدأ اللبناني فارس الشدياق: “رجل النهضة الأدبية الحديثة الأول” – كما وصفه مارون عبود، وسائر النهضويين الرواد العرب أمثال المصري رافع الطهطاوي، جهودهم العظيمة في إحياء اللغة العربية التي قتلها التتريك والتخلف السائد في الأقطار العربية والذي كان لا بد ان ينعكس سلباً على واقع اللغة العربية. وللأسف، يبدو كأن الزمن توقف، وما زلنا نحاور من نفس المنطلقات، وما زلنا نلوك نفس الحجج..
قلت اني لست لغويا، ومع ذلك قرأت بحث سليمان جبران اللغوي بشوق كبير، أولاً بسبب لغته الجميلة وأسلوبه التعبيري الواضع، وقدرته على التعامل مع الإشكاليات اللغوية المختلفة بتحليل وتفسير واستنتاج، مبني على المعرفة الموسوعية، وهو أمر سحرني به سليمان جبران، لأني وجدت به أجوبة عن القضايا المطروحة أمام تطور مجتمعاتنا المدنية، فمن يظن انه بنحو لغة قديمة خاضع للمرحلة التي نشط فيها سيبويه، يمكن بناء مجتمع مدني علمي تقني حديث هو واهم. اللغة أداة للتواصل لابد منها للعلوم والتقنيات والثقافة والفلسفة والمجتمع، وليس للقداسة فقط.
من المواضيع التي يطرحها الكتاب: “لغتنا العربية: لا هي عاجزة ولا معجزة، متى نؤلف نحواً حديثاً للغتنا العربية؟، دور الشدياق في تطوير اللغة العربية، العامية والفصحى مرة أخرى، الترادف غنى أم ثرثرة؟، تصحيح الصحيح، تجليات التجديد والتقييد”.
تتميز لغة الكتاب بالاقتصاد في التعبير والابتعاد عن الفضفضة، التي نواجهها في الكثير من النصوص. وكأني به الى جانب بحثه القيم يعطينا درساًً ونموذجا في الصياغة الحديثة بدون فضفضة وترهل لا يضيف للمعنى شيئاً، وقناعته تقول اننا في عصر السرعة ولا يمكن الا ان نقتصد في الكلمات لنؤدي نفس المعنى.
ترددت في إيراد النماذج، لاني شعرت بأني سأنقل كل الكتاب للقارئ، وهذا غير ممكن.
وأعتقد ان انتباه معلمي اللغة العربية لهذا الكتاب، في كل مستويات التعليم، خاصة الثانوي والجامعي، واستعمال المداخلات والنماذج التي يطرحها سليمان جبران، سيحدث ردة فعل إيجابية تقرب اللغة العربية لأبناء هذه اللغة، وتفتح أمامهم آفاقاً لغوية جمالية تنعكس بشكل إيجابي على تقريب اللغة للطلاب العرب، وتقريب الطلاب العرب من لغتهم وقدراتها التعبيرية والجمالية، مدركين ان الإشكاليات التي يهربون منها، هي وليدة واقع مريض، وليس نتيجة لغة عاجزة ومعقدة.

صدر للبروفسور سليمان جبران:

1- المبنى واللغة في شعر عبد الوهاب البياتي، دار الأسوار، عكا، 1998.
2- كتاب الفارياق: مبناه وأسلوبه وسخريته، جامعة تل- أبيب، 1991. طبعة ثانية: دار قضايا فكرية، القاهرة، 1993.
3- صلّ الفلا، دراسة في سيرة الجواهري وشعره، جامعة حيفا، 1994. طبعة ثانية: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان وبيروت، 2003.
4- نقدات أدبية، جامعة تل أبيب، 2006. طبعة ثانية: دار الفكر، عمان، 2007.
5- نظرة جديدة على الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، جامعة حيفا، 2006. طبعة ثانية: مكتبة مدبولي، القاهرة، 2007.
6- صغار لكن…، مجموعة قصائد للصغار، حيفا، 1996.
7 – “اوراق ملونة” نصوص بين السياسة والثقافة
8- مقالات ودراسات أخرى كثيرة في النقد الأدبي واللغة.

nabiloudeh@gmail.com

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

نهنىء بعضنا البعض بسلامة مؤخراتنا

gaydemoالشكولاته المثليية
في احتفالات المثليين وعيدهم هنا بالسويد كانت هنالك اكشاش بالشوارع و استندات بالفنادق وحتى بالمستشفيات يوزعون من خلالها اعلام و ميداليات تحمل شعار المثليين واقلام فاخرة عليها شعارهم ذو الالوان الستة بالاضافه الى تقديم انواع من الشيكولاته اللذيذة و الفاخرة , المهم انا و بعض الاصدقاء توقفنا امام احد الاستندات في احد المستشفيات وبدأنا ناكل الشيكولاته و نتذوق الاصناف المختلفه والمتنوعه منها احد الاصدقاء قال نحن عما ناكل شيكولاته و لسنا مثليين قلت له نحن متل يلي بياكل المازة و بيضحك على السكرانيين قال صديق اخر ربما يكون بالشيكولاته شيء ما يجعلنا نتحول الى مثليين او نتعاطف معهم …توقفنا جميعا و وقفت الشيكولاته في حلوقنا و شعرنا ان اصواتنا اصبحت ناعمة جدا والبعض اصبح يتمايل واخر يصفف شعره ويمسده ,,,,, نظرنا في وجوه بعضنا البعض انفجرنا مرة واحدة ضاحكين و حملنا معنا المزيد من قطع الشيكولانه ونحن نغادر المكان نهنىء بعضنا البعض بسلامة مؤخراتنا من التمثيل و المثلية

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

ارهابيّ ناعم

انتشر هذا الفيديو (شاهده بالاسفل) منذ يوم ووصلني اربع مرّات فقط خلال اقل من يوم .. ان ّ هذا المعتوه ارهابيّ ناعم ، لكن ارهابه معنوي سلوكيّ، اي بمعنى انّه ما فعل هذه القذارة الاّ لعقدة نقص وشعوّر انّه سيتفوّق عليهم دينيّا من باب ( وانتم الأعلون ) فهو يعتبر ما فعله استعلاء على الكفّار وانتصاراً بعقر دارهم بسبب الإنهزام النفسي والإيماني الذي يُعانيه المحمديّ هذا اليوم .. فقد رفع الأذان امام الكفّار واستبدل الموسيقى بالأذان لسبب عقدة النقص وكرهه للموسيقى ونوع من سلب حريّة الآخر…هو مسكين لا يملك شيئاً سوى الخرافات التي يتلوها ..ليشعر انّه يُقدّم شيئاً مهمّاً للعالم .كما انّك ستجد مقاطع مشابهه مثل مسلم يرقع الأذان عند تمثال المسيح .. تتضح عقدة النقص كما قلنا وتتضح الرغبة بالإستفزاز وهو نوع من انواع الحرب التي يشنّها المسلم على الآخر.حرب ناعمة تنتظر اليوم الموعود الذي يرَ فيه التماثيل والصلبان حُطّمت وراية التوحيد رُفعت.(المتعمق للجهاد في الإسلام والقاريء للغزوات المحمديّة سيعرف ما اقوله جيّداً.)
هذا الشعور سببه تعاليم دينيّة التي تعلّمهم ان اوروبا كلّها للإسلام وسيتم فتح روما ورفع الأذان من اعلى كنائسها كما تقول احاديث محمد وتحرّض هؤلاء لذلك ..هو نوع من انواع التهديد الإرهابيّ.
انّ هذا الإسلاميّ يرفض الآخر المختلف دينياً عنه، بل انّه يلعن هؤلاء الذين بجانبه بكل صلاة ويبغضهم دينيّاً ،ويفرح بأخبار مداهمة البيوت التي يتم فيه اجتماع للصلاة المسيحيّة..
في مصر قام مجموعة من الأقباط بالصلاة امام مسجد فهاجمهم الإرهابيين .والإرهابيين هنا ليسوا جماعات ارهابيّة منظّمة بل مواطنين عاديين لكن المسلم بكافة مستوياته الإيمانية يغضب لأتفه سبب ديني، وليت الأمر يقف عند الغضب بل الإعتداء الذي يصل للسحل والقتل .

انّ ما فعله هذا لهو دليل على حريّة المسلم (رغم انّنا لا نحتاج لأي دليل ) بينما يقوم امثاله بتأييد سجن وجلد شخص قال رأيه بالدّين.وهو من يُردد احاديث من بدّل دينه فقلتوه.
هؤلاء اعتبرهم خطر على المجتمعات هذه وان لم يظهر منهم فعل ارهابيّ، لكن مُجرد ان يتلو احدهم آية محرّضة للكراهية،او للعنف،او العنصريّة الدينيّة فسيُعتبر خطر على هذه المجتمعات وقنبله موقوته تنتظر الإنفجار بأيّ وقت.

khlaftiyh

Posted in فكر حر, يوتيوب | Leave a comment

الثورة … وهدم الهيكل

syrev1M-Nabih Al-Sayed Ali
إنطلقت ثورة الكرامة السورية المباركة في 18 آذار 2011 .. وأشعر أن مستوى الوعي والنضج بين صفوف الثوار الأحرار في تحسن … وما نشهده على أرض الواقع في الداخل والخارج وينعكس اليوم على صفحات التواصل الإجتماعي وغيرها من الأدوات بخصوص الموقف من رئيس إئتلاف الضرار أمر مشجع ويدعو إلى التفاؤل … ولكن يجب التذكير بالخطأ الذي يقع فيه الأخوة الأحرار … والتي عملت بداية صفحة الثورة السورية على تكريسه بدعم من القنوات الفضائية المضللة … والمتمثل في إختزال ثورة الكرامة ومعركة التحرر الوطني السوري العظيمة بهدف صغير جدا تافه … والمتمثل في إسقاط شخص بشار الأسد رأس نظام العصابة الغاصبة المستبدة المحتلة المجرمة …

المشكلة لا تختزل في شخص رئيس الإئتلاف فحسب بل بالجسم المصطنع كله وما نتج عنه وإستنسخ منه … كما أن المشكلة لم تكن مع شخص رأس عصابة النظام المجرم وبعض أركانه فحسب ولكن مع النظام الغاصب المحتل المستبد ومنظومته من رأسه حتى أخمص قدميه … ولذلك فإن المطلوب هو إسقاط ومحاسبة ومسائلة ومحاكمة والقصاص من هذا الجسم الخبيث الذي بني على باطل وفرض وصيا على الثورة … وليس إستبدال بعض أشخاصه … لا يصلح العطار ما أفسده الدهر فما بالنا بما هو فاسد أصلا …!!!

المؤكد أن هناك متربصون وصوليون قمامون إنتهازيون يصطادون في الماء العكر وسيقومون بإستغلال الحملة على إئتلاف الضرار وإختزالها في شخص رئيسه ويجيرونها لصالح عصابتهم وتحزباتهم وشللهم ليحققوا مطامح ومآرب شخصية ومكاسب دنيئة داخل الإئتلاف مع المحافظة عليه … و يجب أخذ الحيطة والحذر والحرص على عدم إتاحة الفرصة لهؤلاء وتمكينهم من ما تسول لهم أنفسهم المريضة … وذلك بإسقاط الإئتلاف جملة وتفصيلا وليس رئيسه فحسب … !!!

ان أصل البلاء والفساد هو في هذا الجسم الذي أفرز مثل الجربا … ومن سبقه … وقادر على إنتاج المزيد من الوجوه ومن قبله ما يسمى المجلس الوطني … فالجربا مجرد عارض من عوارض المرض الخبيث الواجب إستئصاله وإجتثاثه من جسم الثورة … والمتمثل في إئتلاف الضرار ذاته .. الذي تسلط على الثورة وعين وصيا حصريا عليها لوأدها وحرفها عن مسارها الصحيح وتفريغها من محتواها ومضمونها وتضليلها وتقزيم أهدافها لتطال القشور فقط .

لا يجب أن يتوقف أحرار ثورة الكرامة السورية عند إسقاط إئتلاف الضرار المصطنع المأجور العميل فقط … ولكن يتوجب إسقاط كافة المكونات من كتل وتيارات وجماعات وأحزاب وشخصيات ساهمت في تشكيله وبنائه ويجب عزلها وحظرها وقائيا والعمل على محاسبتها ومسائلتها ومحاكمتها والقصاص منها … إبتداءا بالإخوان المتأسلمين … وإنتهاءا بالعلمانيين والديموقراطيين واليساريين وجميع المتحزبين في الثورة وأصحاب الأجندات الخاصة …!!!

إن أكثر ما يخشاه ” أصدقاء سورية ” – أعداء الثورة والوطن – ويرعبهم ويؤرق مضجعهم هو أن ينفرط عقد إئتلاف الضرار المصطنع المأجور العميل … وتتحول الفوضى في سورية من فوضى خلاقة منضبطة متحكم بها يمسكون بمقاليدها ويوجهونها كما يشاؤون إلى فوضى غير خلاقة منفلتة عشوائية خارج السيطرة والتحكم … فلا تسألوا عن البديل لأنه سيولد عند ذلك …!!!؟

مجرد شعور الدول التي إصطنعت إئتلاف الضرار لمعارضة التحاصص والتقسيم والتسوية مع نظام العصابة و وأد الثورة … أن هناك خطرا يتهدد صنائها وعملائها … سيؤدي إلى تغيير سلوكها تجاه الثورة …!!!

إن مشكلة بني إسرائيل لم تكن بالخوار الذي كان يصدر عن الهيكل … ولكن بالهيكل ذاته الذي بناه السامري وعبدوه … ومشكلة السوريين ليست في المجرم بشار الأسد ولا المأجور أحمد الجربا … الثورة قامت من أجل هدم الهيكل الأول المتمثل في نظام العصابة المجرم … ولن تنتصر مالم تهدم في طريقها الهيكل الثاني المتمثل في إئتلاف الضرار المأجور …!!!

إسقاط الأقنعة وتبديلها لا يكفي … يجب هدم الهياكل التي تنتجها وتحملها .

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

معان محتملة لتكرار بعض التعابير في موسوعة حلب المقارنة

adibelshaarمعان محتملة لتكرار بعض التعابير في موسوعة حلب المقارنة
الدكتور أحمد أديب شعار
ندوة التراث اللامادي الحلبي-خطوة نحو الأمام
جامعة حلب-جمعية العاديات-حلب
24-5-2011

1-مقدمة
بعد إنجاز عملية تحويل موسوعة حلب المقارنة للعلامة محمد خير الدين الأسدي والتي تعتبر من أضخم وأمتع ما وثق عن التراث اللامادي في حلب، شعرنا بضرورة أن ننجز خطوة أخرى نحو الأمام. يأتي هذا التحرك في سياق مساعي القطر، وبتشجيع من اليونيسكو، الهادفة إلى توثيق التراث اللامادي. كما يمكن اعتبارها رداُ مسبقاً على من قد يعيّرنا قائلاُ: تعيّش مثقفو حلب على أعمال الأسدي ولم يستطيعوا أن يقدموا أية إسهامات حقيقية في هذا المجال.

نعتقد أن هنالك محوران للتقدم:
• تحليل لمحتويات الموسوعة والذي أصبح سهلاً بعد إتاحة البحث السهل في الموسوعة الرقمية.
• توثيق إضافات لم تلحظها الموسوعة.

يأتي العمل في هذه الورقة متطابقاً مع المحور الأول، حيث سأقدم تعليلاً ممكناً لظاهرة تكرار بعض العبارات واللوحات في الموسوعة.

سأوصف في المقطع الثاني نماذج من تلك المكررات على شكل جدول يوضح عدد التكرارات. أقدم في المقطع الثالث تحليلاً أولياً لتلك التكرارات. وختاماً أقدم في المقطع الرابع الخلاصة والمقترحات.

2-التعابير واللوحات المكررة
اخترت بعض التعابير واللوحات التي أذكر، أثناء قراءتي للنسخة الورقية، أنها كررت. أحصيت عديد تكرارها بمساعدة محرك البحث المقرون بالنسخة الرقمية للموسوعة. يوضح الجدول-1 أدناه نتائج بحثي في الموسوعة، من منظور البحث عن التعابير واللوحات التي اقترنت بالتكرار من خلال قراءاتي المتعددة للموسوعة (حيث يذكر على كل سطرالتعبير أواللوحة يليه عديد تكرارها):

راس توم وفي بستاني شكيتو 14
جحّاش جبانة السنابلة 4
فلان بحسد الميت على كفنو 3
قالوا للجحاش بكرة لما بتموتو بكفنوكن..ردوا: ألله يخللي جلدنا علينا 7
قصة الملك والوزير والرد بظرف 3 أيام (أشد الأشد وألذ الألذ) 2
الجنبظة 2
أسرني بمعروفو 1
حلب جورة الهم 2
الأقربون أولى بالمعروف 1
كافاه على معروفو 1
شكرت معروفو 1
المعروف بتمامو 1
نكر المعروف 1
قصة كل حال يزول 3
القاق ونشل الصابونة 7
دعاء يالله الغيث يالله الغيث…نحن زغار وبدنا خبيز 4
مقولة أكل الهدية وكسر الزبدية 4
صحن اللي بياكل فيه ببزق (أتقل) فيه 2
جحا لما صار سلطان أول ما شنق شنق أهل حارتو 4
فلان متل خبز الشعير مأكول مذموم 4
إذا تاجرنا بالأكفان بتبطل الناس تموت 3
عزموا الجحش (البغل) عل عرس..قاللن: يا للحطب يا للمي. 6
دراع شاش ودقن ببلاش 5
دراهم درهمتني وعملتلي قيمة ومقدار 2
فلان وفلانة متل قواديس الدولاب..بصبو على أعقاب (أتقل) بعضهم 2
فلان بلزق إدن الجرة وين ما بدو 2
ابن الزنا مو اللي أمو زنت فيه…ابن الزنا اللي بضيع الجميل فيه 4
عامله بالجميل 1
بادله الجميل 1
نكران الجميل 1
ناكر الجميل 2

الجدول-1 نتائج بحثي في الموسوعة، من منظور البحث عن التعابير واللوحات التي اقترنت بالتكرار من خلال قراءاتي المتكررة للموسوعة

كما كان هنالك العديد من الإشارات للألم الذي نتج عن الظلم، الذي وقع في الستينات من القرن الماضي، والذي أحاق بأصحاب الأسهم في الشركات المؤممة. وردت تلك الإشارات باسمه (أسهم شركة الكهرباء) وبأسماء عدة أشخاص آخرين. ومن أجمل لوحاته، في هذا المجال، ما أورده في الموسوعة على الشكل التالي:
من لوحاتهم، بل من لوحاتي:
أنا صار لي خمسين سنة بكار التعليم، وجمعت للي كم مصرية لكبرتي، لمرضي، لوقعتي، لعازتي، واشتريت فيّن كم سهم، والاّ يا أبو الشباب.. أمّمتن الحكومة، وإيمت؟ في الوقت اللي قبل تلت أياۤم اشتريت قسم كبير منّن ودفعت حقّن، وبقي علي ٨۰۰ ليرة كتبت فيّا كمبيالة على اسمي، وبعدا أدّيتا.
المختصر، اصحابي اللي منن انفلج، ومنن جن، ومنن مات وطلعت أنا بجنازتو، وشفت بعيني أنو الزعل ما معو لعبة، قمت كبّرت عقلي وقلبتا ضحك ومَزح، أش بدّي أساوي خيّو. ووقفت وحدي قدام المراۤية في بيتي وصحت لحالي:
-وينَك يأ خير الدين
وأجا خير الدين عحسبتي جنبي
– يا خير الدين..إٕلك خبر، امبارحة أمموا كل أسهمك، وأصبحت ما بتملك على عقبي (؟).. كل اللي جمعتو بخمسين سنة كلو طار.
– إىۤ إلي خبر
– وما زعلت؟
– خسا عمّو… أنا بزعل؟ أنا ترباۤيتك
– دۤي غنِّي لي لأشوف.
وغنى لي الغنّية: لعند هون وبس… شبّعتونا رص …شافنا الدكتور وقال: منضاين يومين وبس
قمت بستو وباسني (بس عالمراية) ومن يوما ما بعرف أشو الزعل.
شلون شفتا؟

وكي لا أتهم بالانتقائية أقدم المقاربة التالية حيث أورد في الجدول-2 أدناه كل ما ورد في الموسوعة عن جحا (حيث يذكر على كل سطرالتعبير أواللوحة يليه عديد تكرارها).

قالوا لجحا منين تعلمت الأدب؟ قل لن: من قليل الأدب 4
قالوا لجحا أبوك مات وما خلفلك شي قال لن: وأنا بكيت عليه بكا خرج لحيتو 6
قالوا لجحا إبنك بدو عرقية قال لن: ليش ضاربني العمى؟ 7
جحا راح عالجامع شافو مسكر قالو انته مسكر وأنا مستقيل الهم 6
قالوا لجحا بتموت إلا ….؟ قال لن: الحي أبقى من الميت 5
جحا جابو جحا أكلو 3
لولاك يا كمي ما أكل تمي (أصله راح جحا ..) 3
جحا وأهل بيتو عرس 3
جحا أولا بلحم تورو 3
جحا باع الحوش وما باع المزراب 4
قالوا لجحا عد أمواج البحر قال لن: الجايات أكتر من الرايحات 5
قالوا لجحا أنته منين؟ قال لن من بلد أهل مرتي 3
لو كان جحا بنّا كان بنى لحالو بيت 3
قالوا لجحا منين تعلمت الكرم، قال لن: بحسب الشي ما كان 4
قالوا لجحا ليش لفتك عوجه؟ قال لن: من كلمة الحق 7
قالوا لجحا ليش حماتك بتحبك؟ قال لن: كني عدمت عقلا 5
طول عمرو جحا بلا لفة؟؟؟؟ 4
وقت إللي صار جحا سلطان، أول ما شنق.. شنق أهل حارتو 6
هدول بركبو لجحا لما صار لجحا سرايا؟؟؟؟ 2
قالوا لجحا مرت أبوك بتحبك قال لن: كني عدمت عقلا 1
ويحكون أن أحدهم طلب من جحا أن يعيره حماره، فاعتذر وقال: هوة في الطاحون. وهنا نهق الحمار. قال الرجل: أشّو هاد؟ رد جحا -بتگدبني وبتصدّق الحمار؟ 1
جحا كذب صدقوه إجا يزدق كزبوه 1
سأل تيمورلنك جحا: خواجه نصر الدين:إش بتسميني أنته بعد ما بلغك أنّو ملوك بغداد سمّوا حالن المتوكل على الله والمستنصر بالله و… ؟ بسميك أعوذ بالله. 1
قالوا لجحا أقصود باب الله، راح وبرك عباب الفرن 1
عدى جحا على جبانة وقال: هدول كلن كانوا خدامين أبوي 2
صارقتالة جنب بيت جحا والدنيا برد، قالت لو مرتو: اطلاع وشوف أش صاير.
– ولك يامرا الدنى زنطاري.
– زنطاري! إي حط عليك الحاف، ليش مافي مروّة؟
طلع وهوّه عم بخلّص نتشوا منّو اللحاف. رجع وقال لمرتو: تيري اللعبة كلاّ عاللحاف. 1
جحا أكبر من أبوه 1

الجدول-2 نتائج بحثي في الموسوعة، من منظور البحث عن جميع التعابير واللوحات التي اقترنت بجحا في الموسوعة.

3-تحليل أولي للمكررات
نتيجة قراءة متمعنة في الجدولين السابقين نلاحظ أنه يمكن تفسير المكررات عند الأسدي، سواءً كانت بوعي أو من دون وعي، كما يلي:
1. يتمتع الأسدي بذوق جمالي راق جداً حيث أنه يكرر اللوحات الفائقة الجمال.
2. كان الأسدي محبطاً نتيجة قلة وفاء المحيطين به.
3. كان الأسدي غير راض عن سلوكيات أبناء مدينته.
4. كان يميل نحو اللوحات الساخرة الناقدة، وهذا ما هو واضح من لوحات جحا التي اختارها من مجموعة لوحات جحا الواسعة، حيث نادراً ما أورد لوحات النكات الخالية من النقد.
5. هنالك اختلاف بسيط بين كلمات بعض المكررات. وهذا ما يرجح احتمال التكرار دون وعي. كما يقدم رسالة للمتشددين في صياغة التراث مفادها الأقوال التراثية ليست مقدسة الصيغة.
6. كان هنالك في حالات قليلة عدة شروحات، في أماكن مختلفة، لمقولة واحدة. فعلى سبيل المثال قدم شرحين مختلفين قليلاُ لمقولة: فلان بلزق إدن الجرة وين ما بدو. أعتقد أن الشرح الثاني أجمل بكثير وأكثر قرباً من السلامة.
7. كان هنالك تعبير واضح عن ظاهرة فشل المثقفين والمفكرين في الأعمال التجارية.
8. كان هنالك تعبير واضح عن ظاهرة نمو الحجم الاجتماعي للميسورين مادياً على حساب أصحاب الفكر.
9. كان هنالك تعبير واضح عن ظاهرة تعاون الفاسدين.
10. يمكن القول أنه إذا حذفت التكرارات من الموسوعة، ولجأنا عند الضرورة إلى الوصلات الفائقة، يهبط حجم الموسوعة إلى ثلثي حجمها الحالي. وهذا لا يقلل أبداً من أهمية عمل الأسدي. لا بل أكرر قولي السابق: كتّر الله خيرو.
11. كان عنده عتب خفيف على بعض رجال الدين آنذاك بسبب عدم تطابق بعض أقوالهم مع أفعالهم.
12. كان هنالك عتب على التخبط الذي وقعت فيه الدولة أثناء تطبيق سياسة تأميم المصانع والشركات. تسبب ذلك في إحاقة الظلم بمساهمين غير أغنياء.
13. لابد من التعريج قليلاً على التحليل النفسي للكاتب كي نستطيع فهم النص بشكل أدق. وبما أني لست مختصاً، أترك ذلك لأحد الحضور الكرام أو لدراسة منفصلة تلقى فيما بعد.

4-الخلاصة والمقترحات
الخلاصة:
نتيجة التحليل السابق يمكننا أن نصل إلى الخلاصات التالية:
1. تقمص الأسدي شخصية الناقد الساخر وبالتالي كانت لوحاته تميل إلى النصف الفارغ من الكوب بيد أنه لاشك أنه كان يعاني من درجة معينة من الإحباط. أعتقد أن هذا كان حال معظم المفكرين آنذاك؟
2. مما لاشك فيه أن الأسدي مثال ساطع على إبداع الهواة (غير المؤهلين أكاديمياً في مجال إبداعهم).
3. قد يكون عديد بعض التكرارات في الموسوعة أكثر قليلاً مما ورد في الجدول أعلاه بسبب فشل محرك البحث في حالات قليلة في إيجاد بعض الكلمات نتيجة وجود التشكيل الحلبي.
المقترحات:
في نهاية هذه الورقة يمكننا أن نقدم المقترحات التالية تطويراً لهذا المحور البحثي:
1. إصدار تحريرة جديدة من الموسوعة يتم فيها حذف التكرارات من الموسوعة، واللجوء عند الضرورة إلى الوصلات الفائقة.
2. إتمام توثيق التراث اللامادي الحلبي وعدم الركون إلى الإنجاز العظيم المتمثل في الموسوعة وأعمال بقية الباحثين الحلبيين أمثال: الأب يوسف فوشقجي، الأديب سمير طحان.
3. أعتقد أن ما قدمته في هذا المجال يحتمل دراسة مشابهة من قبل باحث آخر لتأكيد النتائج والخلاصات.

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

هدد جحا شحادة وجحا قنديل و جحا وهاب و جحا العبود بأن جحا الاسد سيكون رده صاعقا

assadlaghingجحا الاســـــد
جحا تلك الاسطورة التي ظهرت في قصص التراث الشعبي للشعوب العربية و الاسلامية بالشرق تلونت بالوان عدة فكان لكل بلد جحا خاص بها , كان هنالك جحا المصري و جحا المغربي و جحا الشامي و جحا الفارسي و جحا التركماني
كلهم انتهوا مع بداية عصور النهضة و اصبحوا كتبا” على الرف في الادب الساخر يتكلم عن حقبة السلاطين في عصر التخلف و الانحطاط
لم يتخيل احد منا انه من الوارد ان يعود جحا مرة اخرى للظهور وان يكون واليا او حاكما او حتى رئيس جمهورية حتى تولى بشار مقاليد الحكم في سوريا
من نوادر جحا انه عندما قالوا له ان العدو يحاصر البلاد و على وشك ان يدخلها قال : طالما مدينتي بخير فأنتم بخير
وعندما قالوا له ان العدو دخل المدينة قال لهم طالما ان الحي بخير فأنتم بخير
وعندما قالوا له ان العدو دخل الحي قال طالما منزلي بخير فأنتم بخير
وعندما قالوا له العدو دخل منزلك قال لهم طالما مؤخرتي بخير فأنتم بخير
انحصرت السيادة بمفهوم جحا للوطن بمؤخرته فأن سلمت مؤخرته سلم الوطن
جحا السوري لا يختلف عن جحا الاسطورة فالسيادة عنده تتقلص شئيا فشئيا فمن اختراق طيران التحالف للسيادة الى اختراق الطيران التركي اليوم الى عبور المدرعات التركية الحدود الى كومندوز امريكي يقوم بانزال بالقرب من الرقه يختطف مجموعه من مسلحي داعش وجحا سيادته الوطنية في منأى عن الاختراق
هدد جحا شحادة وجحا قنديل و جحا وهاب و جحا العبود بأن جحا الاسد سيكون رده صاعقا لو اخترقت تركيا السيادة ولكن جميعهم لم يعرفوا الى اليوم حدود السيادة عند جحا الاسد اين تبدأ واين تنتهي

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

ج 6 / العَزِلْ والإنتقاء والبقاء ! قراءة في كتاب سحر الواقع

dawkinsrichardج 6 / العَزِلْ والإنتقاء والبقاء !

قراءة في كتاب سحر الواقع The Magic of Reality
عالم البايولوجي البريطاني / د. ريتشارد داوكنز

مقدمة :
كبشرٍ عاديين نتعامل يوميّاً مع عملية التطوّر والإنتقاء الطبيعي .نرى تأثيرها وإنتاجها الذي نستعمله في الطعام والدواء (وحتى الأخشاب) !
أغلب المنتجات الزراعية (فاكهة,خضراوات,حبوب) ,كذلك الحيوانية (لحوم,أسماك,بيض) التي نشاهدها في الأسواق ونستعملها في طعامنا المُعتاد ,هي نتاج عمليّات التطوّر (الصناعي) التي أجراها المزارعون على مرّ العصور ,وطوّرها العلماء في عصرنا الراهن للوصول الى الغلّة والنوعيّة الأفضل من جميع المناحي !
الآن أستمر معكم في قراءة وتلخيص هذا الكتاب العِلمي المفيد .ويتناول هذا الجزء قضيّة إنتقال أنواع من الاحياء الى مناطق جديدة ,وعزلها عن قريناتها المشابهه .وما سوف يحدث لها من تطوّر بإتجاه مُغاير لمثلاتها في المنطقة الأصليّة !

رعد الحافظ

رعد الحافظ

***
صورة خوخ غالاكسي المُطوّر في السنوات الأخيرة !

***
(ملخص ص 66 الى ص 74) ــ الجُزُر والعَزل : قوّة الإنفصال !

عموماً أيّ نوع من العَزل الطبيعي بين الأحياء ,ينجم أصلاً عن تكوّن حاجز جغرافي ,كالنهر أو البحر الذي يتكوّن نتيجة زلزال أو فالق كبير
وهذا العزل يؤّدي لاحقاً الى تفرّع تطوّري للأنواع !
فالأحياء التي كانت مُتشابهة وتعيش معاً ,يحدث لها تطوّر بإتجاهات مختلفة عندما تنعزل في جُزّر منفصلة تكوّنت بسبب زلزال مثلاً !
ذلك التطوّر يتأثر بالكثير من العوامل / نوع الطعام ,حرارة الجو ,نوع وطبيعة التربة ,الظروف السائدة ,قوّة وشراسة الأعداء المُحتملين ..الخ !
ولفهم كيفيّة حدوث عملية الفصل الأخيرة بين جنسنا البشري والشمبانزي (الأقرب لجنسنا) ,يتعيّن علينا العودة بالزمن 6 ملايين عام لنقابل الجدّ الأعلى الأحدث الذي يتشارك فيه جميع البشر والشمبانزي !
تتيح لنا حداثة هذا التوقيت ان نُخمّن الحاجز الجغرافي (المُحتمل) والذي ربّما كان السبب في عملية الفصل الأصليّة .
ذلك الحاجز (غالباً) كان وادي الصدع الكبير
Great Rift Vally
في أفريقيا ,حيث حدث تطوّر الإنسان على الجانب الشرقي ,وللشمبانزي على الجانب الغربي !
فيما بعد ذلك التأريخ تفرّع خط أسلاف الشمبانزي
Chimp
الى نوع الشمبانزي الشائع وشمبانزي بجمي
Pygmy
أو البابونات .
ومن المقترح في هذا الحالة أنّ الحاجز كان (نهر الكونغو) !
وكما رأينا سابقاً أنّ الجدّ الأعلى المشترك لجميع الثدييات الحيّة ,كان يوجد منذ 185 مليون عام .ومنذ ذلك الحين تفرّعت ذريّاته نتيجة العزل والإنفصال الطبيعي .ثمّ إستمرّت فروعها بالتفرّع ,لتتمخّض عن جميع هذه الآلاف من أنواع الثدييات التي نعرفها اليوم !
التي تضّم 231 نوع من اللواحم (كلاب,سنوريّات,دُببة..الخ),2000 نوع من الحيوانات القارضة , 88 نوع من الحيتان والدلافين,196 نوع من الحيوانات مشقوقة المخالب (أبقار,أغنام ,خنازير,وعول,ظباء ..الخ) ,
كذلك 16 نوع من عائلة الحصان (حيول,زبرا,تابير,وحيد القرن,..الخ)
و 87 نوع من الأرانب البريّة وغير البريّة ,و977 نوع من الخفافيش ,
و 68 نوع من الكنغر ,و18 نوع من القرَدة (تشمل الإنسان) !
إضافةً الى الكثير الكثير من الأنواع المنقرضة على طول المسار (تشمل عدداً قليلاً من البشر المُنقرضين المعروفين فقط من الحفريّات) !
***
ص 74 / الخلط ,الإنتقاء والبقاء !
سوف أستكمل هذا الفصل بسرد القصة مرّة أخرى لكن بلغة مختلفة قليلاَ !
ذكرتُ بإختصار موضوع (إنسياب الجين) ,حيث يتحدّث العلماء عن شيء إسمه مستودع الجين (خزّان أو بُركة)
Gene pool !
الآن أريد ان أتكلّم أكثر عمّا يعنيه هذا .
بطبيعة الحال لايمكن واقعيّاً وجود مستودع للجينات ,فكلمة مستودع أو بُركة Pool تفترض وجود سائل ,قد تتحرّك فيه الجينات وتختلط .
لكن الجينات لاتوجد إلاّ في خلايا الاجسام الحيّة ,فماذا يعني الحديث عن مستودع الجينات ؟
في كلّ جيل يُنظّر الى التوالد الجنسي على أنّ الجينات قد إختلطت !
فأنتَ مولود بخليط من جينات اُمّكَ وأبيك ,ما يعني إختلاط جينات جدودك الأربعة .الأمر نفسه ينطبق على كلّ فرد من الناس وذلك على مدى زمن بالغ الطول من وقت التطوّر ,يُعّد بملايين السنين !
خلال تلك الفترة تنظر هذه العمليّة من الخَلط الجنسي الى الجينات داخل جميع الناس بأنّها مختلطة بدّقة بالغة.بحيث تتحرّك وتتمازج في الواقع بما يجعل الأمر معقولاً لو تحدثنا عن (بُركة) دوّاميّة هائلة من الجينات أو “مستودع جيني” !
***
ص 75 / التطوّر والمستودع الجيني !
قلنا عند تعريفنا (للنوع) بأنّهُ جماعة من الحيوانات أو النباتات تستطيع أن تتكاثر مع بعضها بعضاً .والآن نستطيع أن نرى قيمة ذلك التعريف .
فإذا كان حيوانان عضوين من نفس النوع في نفس الجماعة ,فإنّ ذلك يعني أنّ جيناتهم تختلط وتمتزج في نفس المستودع الجيني !
أمّا الحيوانان المنتميان الى نوعين مختلفين ,فلا يمكن لهم الإشتراك في نفس المستودع الجيني .لأنّ ال
DNA
الخاص بهم لايمكنه أن يمتزج في تكاثر جنسي ,حتى لو عاشوا وإلتقوا في نفس المنطقة !

أمّا لو إنفصلت جماعات (من نفس النوع) جغرافيّاً ,فسوف تُتاح الفرصة أمام مستودعاتهم الجينيّة للتفرّع .إنّما لو حدث وأن إلتقوا مرّةً أخرى (بعد فترة معيّنة) لكان في مقدورهم التناسل معاً !
لكن لو تعذّرَ على مستودعاتهم الجينيّة الأمتزاج معاً ,فمعنى ذلك أنّهم أصبحوا أنواعاً مختلفة !
ويزداد ذلك الإختلاف خلال ملايين السنين ,ليصل ما يماثل الإختلاف بين البشر والصراصير !
معناها التطوّر أحدث تغيّراً في المستودع الجيني !
هذا التغيّر في المستودع الجيني يعني أنّ بعض الجينات صارت أكثر عدداً بينما بعضها أصبحت أقلّ عدداً .
الجينات التي إعتادت على الشيوع صارت نادرة أو إختفت تماماً .
بينما الجينات النادرة قد أصبحت شائعة .
النتيجة ستظهر بحدوث تغيير في الشكل أوالحجم أواللون أوالسلوك ,
للأفراد النمطيين لهذا النوع !
إذاً يحدث التطوّر بسبب تغيير أعداد الجينات في المستودع الجيني ,ذلك هو معنى التطوّر !
لماذا بتعيّن أن تتغيّر أعداد الجينات المُختلفة مع إستمرار تغيّر الأجيال ؟
لنقارن ذلك بالطريقة التي تتغيّر بها اللغة على مدى قرون !
***
ص 76 / الإنتقاء الطبيعي !
(في هذا الفصل) لسنا بحاجة للمضي أكثر في فكرة أنّ مستودعات الجين في الجماعات المُنفصلة يمكنها الإنعزال شأنها شأن اللغات .لكن من الناحيّة الفعلية (في حالة الأنواع) هناك ما هو أكثر بكثير من الإنعزال .
هذا (الأكثر بكثير) هو “الإنتقاء الطبيعي” ,تلك العملية الأكثر أهميّة في إكتشافات (تشارلس داروين) !
حتى من دون الإنتقاء الطبيعي ,يتوجب علينا توّقع حدوث الإنعزال للمستودعات الجينيّة المُنفصلة .لكنّها قد تنعزل بطريقة غير هادفة على نحوٍ ما .فالإنتقاء الطبيعي يدفع التطوّر الى إتجاهٍ معيّن ,مثلاً إتجاه البقاء على قيد الحياة !
الجينات التي تبقى حيّة في مستودع جيني هي التي تتميّز بالجودة أثناء الحياة ! وما الذي يجعل جيناً ما جيّداً في حياته ؟
إنّه يساعد الجينات الأخرى على بناء أجسام تكون جيّدة ومناسبة بما يكفي للحياة والتكاثر .أجسام تحيا بما يكفي لتمرير الجينات التي ساعدتهم في البقاء أحياء !
السؤال الآن على وجه التحديد,كيف يحدث التغيّر من نوع الى نوع آخر؟
تبقى الجينات حيّة في أجسام الطيور أو الخفافيش بالمساعدة في بناء أجنحة .تبقى الجينات حيّة في أجسام حيوان الخُلد بالمساعدة في بناء بنيتها القويّة ويديها اللتان تشبهان الجاروف .
وتبقى الجينات حيّة في أجسام الإسود بالمساعدة في بناء سيقان سريعة الجري ,ومخالب وأسنان حادّة .
تبقى الجينات حيّة في أجسام الظِباء بالمساعدة في بناء سيقان سريعة وسمع وبصر حادّين .
وتبقى الجينات حيّة في أجسام حشرات أوراق النباتات عندما تكسب الحشرات ألواناً لا تُميّزها عن اوراق الشجر !
ومع إختلاف التفاصيل في جميع الأنواع يكون إسم اللعبة هو بقاء الجين حيّاً في مستودَع الجينات !
في المرّة المقبلة عندما ترى أيّ حيوان أو نبات إنظُر إليه وقُل لنفسكَ ,إنّ ما أنظُر إليه هو ماكينة مُتقنة الصُنع لتمرير الجينات التي صنعتها .
إنّني أنظُر الى ماكينة جينات باقية على قيد الحياة !
وفي المرّة التالية التي تنظر فيها الى المرآة ,عليكَ أن تُفكّر ذلك هو أنتَ أيضاً !!!
(إنتهى الجزء السادس من قراءة في هذا الكتاب العِلمي الرائع) !
***
الخلاصة :
أرفقتُ (أعلاه) صورة لفاكهة الخوخ المطوّر المُسمى (غالاكسي).وهو مُسطّح الشكل,حلو المذاق,ذو نواة صغيرة,أنتجته هيئة خدمات البحوث الزراعيّة الأمريكية بعد تجارب دامت عشر سنوات,إستعملت فيه جميع أنواع الخوخ في العالم وتدّخلت في نوعية الجينات للوصول لهذه الثمرة !
العَجيبة لازالت هناك نسبة كبيرة من البشر (خصوصاً في بلادنا البائسة) لاتعترف بتلك العملية التطوّريّة ,لا تتقبّلها ,لا تُحاول فهمها أصلاً !
أيّ رجل دين أو إنسان عادي أو حتى (طبيب عربي مُسلم مثلاً) يرفض
التصديق بنظرية التطوّر والإنتقاء الطبيعي ,معناها يُنكر ما حصل له شخصياً بإستخدام الأدوية المتنوّعة (خصوصاً المُضادات الحيويّة أو الأنتي بايوتكس مثل البنسلين والأرثرومايسين وشبيهاتها) التي تنفع في بداية علاج المريض,لكنّها بمرور الزمن تفقد قدراتها العلاجية تلك.
حيث تكون البكتريا (المقصود القضاء عليها) قد طوّرت نفسها لتصبح أكثر مقاومة للدواء ! لذلك توّقف في السنوات الأخيرة (إلاّ في حالات خاصة) إستعمال تلك المُضادات الحيويّة في أغلب دول العالم ,كونها تُجابه دائماً بتطوير البكتريا المقصودة لذاتها !
أوضح من ذلك أنّ أيّ مُبيد حشري ,نجده يعمل في بداية إكتشافة ويفتك بالحشرات لكن بعد بضعة أعوام (أحياناً في العام التالي) نجد أنّ الحشرات بالكاد تتأثر بذلك المُبيد ,ثم يختفي تأثيره عليها نهائياً ,حيث تكون تلك الحشرات قد طوّرت قدرتها للمقاومة !
عندما أتسوّق شخصيّاً حاجتي الإسبوعيّة من الخضراوات والفاكهة ,يخطر ببالي شكلها وحجمها في السابق قبل 30 عام مثلاً .
لا توجد واحدة منها بقت على حالها .حتى أنّي لم أعد أصادف رقّي (بطيخ) أبيض,أو خيار أو لوز مُرّ , أو أنواع من الفاكهة لاطعمَ لها !
كلّ شيء في حياتنا خاضع للتطوّر ,فهو سرّ الحياة !
هل لأحدٍ منكم أن يدّلني على طريقة مناسبة أشكر فيها العُلماء الذين إبتكروا لنا طرقاً مناسبة في الصحة والسعادة والجمال ؟
فعندي أنّ كلّ كلمات الإعجاب والثناء في القاموس ,ستبقى عاجزة عن ردّ جميلهم .أظنّ لو سألتُ أيّ عالم حقيقي ,كيف لي أن أشكره سيجيبني:
علّم ماتفهمه من علمنا وجهودنا للناس ,لعلّك تنفعهم ولو قليلاً !

تحياتي لكم
رعد الحافظ
1 أغسطس 2015

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

سيد قطب وظلاله!

سيد قطب

سيد قطب

قبل أعوام قليلة شاهدت المفكر السعودي “محمد سعيد طيب” علي قناة
LBC
يتحدث إلي “أحمد عدنان” مؤلف كتاب “السجين 32، أحلام محمد سعيد طيب وهزائمه”، حتي ذلك الوقت لم أكن أتصور أن في السعودية ليبراليين إلي هذا الحد؛ ولا أن ناصرياً يحمل كل ذلك التبجيل للشيخ “سيد قطب”، قال:

– عندما قرأت في السجن كتاب “في ظلال القرآن” كدتُ أن أقع في شراك “سيد قطب”!

ما زلت أتذكر اعترافه علي نحو واضح لأنه أثار في ذاكرتي ركناً مهجورًا، أنا أيضًا مررت بالاختبار نفسه عند قراءة الظلال تحديدًا، ولولا يقيني الذي كان آنذاك قد اكتمل بأن القيم الكبري ستواصل الزحف علي القيم الصغري حتي ابتلاعها كاملة لسقطتُ في الشراك نفسها!

وأثناء عام “د. مرسي” وقبله وحتي الآن يضغط إعلام العسكر بقسوة علي عباراتٍ بعينها وردت في الظلال، مثل:

(ما الوطن إلا حفنة تراب عفنة)

(الوطن وأهله مجرد كلأ ومرعى وقطيع وسياج)

ولقد وقف “قطب” علي جذور قناعته هذه وثبَّتها في “معالم في الطريق”، وبصرف النظر عن صخب العوام، هي قناعة سابقة لأوانها بالقدر الذي يكفي للحكم عليه كأحد المفردات الإنسانية الشرقية التي ساهمت في التأسيس لفكر عالمي جديد علي أنقاض محاولات الأولين المزدحمة بشوائب المدرسية وعبادة الآباء!

غير أنه لم يكن رائد هذا الكلام، فلقد لمس قبله هذا المعني فلاسفة كثر، ورهبان الزن اليابانيون، أشد المفكرين بساطة علي الإطلاق، وأشهر ما قالوا في هذا المعني:

(خلعتُ ثوب الأنا وأصبحت العالم الفسيح)

لقد هيَّجوا بلغتهم الخاصة قضية كبري، حتي عندما وضعوا تعريفا لـ “بوذا” وصفوه بـ ” السروة في حوش الدار”، فهو موجود في كل مكان كشجرة السرو في حوش الدار..

ولمسه العرب أيضاً في أشعارهم:

شَرِّق وغرِّبْ تجدْ عن مُعْرِضٍ بدلاً / فالأرضُ من تربةٍ .. والناس من رجل

وأنت برأيك، لماذا يقدس الإنسان سجناً لأنه فقط ولد فيه بالصدفة؟!

هل الحياة طويلة إلي هذا الحد ليقدس الإنسان الحياة في أوصال أرض ينفق عمره فيها عبداً لإقطاعيين يسرقون حقوقه وحريته في وضح النهار؟!

إن الوطن محله الحذاء الذي يقف علي أرض للجميع بالتساوي، فكر، ليس العقل وحمة أو مجرد زائدة لحمية لتعطيله والسماح للمنتفعين بالتجول فيه بأحذيتهم القذرة، نعم، ما الوطن إلا حفنة تراب عفنة، يا لها من ومضة فكرية بالنظر إلي الزمان الذي ولدت فيه وإلي المكان تحرض الدهشة علي الإشعاع، لا يمكن أن تصدر إلا عن مثقف بلغ من وضوح الرؤية مرتفعات شاهقة لا يطالها حتي الفلاسفة، لذلك، اتهم “عبد الرحمن بدوي” رابعة العدوية” بالشطح الصوفي لأنها وصفت الكعبة بـ “الصنم المعبود في الأرض، وإنه ما ولجه الله ولا خلا منه”، غير أنه اعترف بأن معاني كلامها لم تتكشف بوضوح إلا ابتداءًا من “الحلاج”!

الغريب أن الإمام “أحمد بن تيمية” في واحدة من المرات القليلة التي تحلي فيها بسعة الصدر هو من نزه “رابعة” عن نسبة هذا التصريح إليها كما فهم من ظاهره، وبرره بأن المسلمين لا يعبدون الكعبة، وإنما يعبدون الله بالطواف حولها!

ولسنا بحاجة إلي كلام “ابن تيمية” لندرك أن كلام “رابعة” يحتاج فقط إلي نظرة إسكاتولوجية لإدراك مراميه، فهي بالتأكيد لم تقصد ما فهم العوام من كلامها، ولا “الحلاج” عندما قال: “ما في الجبة إلا الله” كان يقصد ما فهم أصحاب الحد الأدني، ولا “ابن عربي” كان يقصد ما فهم المتلقون من أبياته:

لقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة ٍ/ فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ

وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة ُ طائفٍ / وألواحُ توراة ٍ ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ / رَكائِبُهُ .. فالحُبُّ ديني وإيماني

فما من شك أن القلائل جدًا بلغوا المطلق عقب رياضة عسيرة للنفس، “سيد قطب” أحدهم، لكن الفرق بين مطلق “رابعة” و “الحلاج” و” بن عربي” وبين مطلق “سيد قطب” هو طريقة التحليق في المطلق، ذلك أن مطلق “رابعة” ومن يشبهونها شديد السلبية يدعو إلي الانسحاب من الحياة، بوحدة الشهود، والفناء في ذات الحبيب، بينما مطلق “سيد قطب” مطلق إيجابي يحرض علي الاشتباك مع الحياة بخشونة في سبيل الحبيب والحياة معًا!

معروف أن “قطب” كان واحداً من شعراء “أبوللو” المطبوعين تعيسي الحظ في الوقت نفسه، معروف أيضًا أنه كان من أوائل من انتبهوا للوعد الذي يحمله قلم “نجيب محفوظ”، لذلك، هو عندما انتسب إلي الجماعة لم يكن محتاجًا إلي مطلق يتحرك من خلاله، فهو قادم إليها من مطلق الشاعر، لذلك، من المنطقيِّ أن يستوعب فكرة “حسن البنا” أكثر من “حسن البنا” نفسه!

الأسرة هي الحجر الذي بني عليه “البنا” فكرته، ونظرة عابرة، من الخارج حتي، تكفي للحكم عليها بأنها فكرة صالحة للتحقق، ولقد تحققت فعلاً، وفي أكثر من مجتمع، لأسباب عدة، أهمها هو أن الجماعة هي البديل الوحيد للكابوس العسكري المزمن الذي يلتحق كالأفكار السوداء بنوم المصريين والتونسيين والليبيين ومن قبلهم الأتراك، لكن الوصول إلي سدة الحكم شئ والحفاظ عليه، لا أقول الزحف إلي الأمام، شئ آخر، فالعالم كريه بشكل أعمق مما كان يتصور “البنا”، لذلك، لا يمكن لفكرته أن تتمدد ما لم يكن لها عضلات صلبة تحميها، كالفكرة الإيرانية، كما أن هناك عوائق دقيقة تناستِ الفكرة وضع حلول للقفز فوقها، أقلها خطرًا أن “البنا” لم يتوقع “صفوت الخرباوي” مثلا، شخص ينتمي لبعض الوقت إلي الجماعة ثم عند أول فرصة يتخذ من رجمها “سبوبة”، إن للخسة عادةً أخلاقا!

الأخطر أن الفكرة رحمٌ صالحٌ لولادة “الجيتو”، “جيتو” ذهني علي كل حال، وضَّحتُ هذا في كلام قديم تحت عنوان “السيسي.. والرقص في درجة الغليان”، وأزعم أن ثقافة “الجيتو” هي خاصرة الجماعة الرخوة، كما أزعم أن الإخوان لو أدركوا أن خارج الجماعة أيضًا أنقياء لبلغوا الدرب، لو احترموا قوس قزح، لو صدقوا أن تجسيد شخصية “ياسر برهامي” لا يحتاج أكثر من قول الشاعر:

شمِّرْ قميصَكَ إنْ أردتَ ولايةً / واحْككْ جبينَكَ للقضاءِ بثوم

مع ذلك، لقد انتهت صلاحية الفكرة مؤقتاً، وأصبح الحديث الآن عن الخلافة حديثاً ضارَّاً، وإن موجة من الشك تضرب الآن عقلي في أن الهدف من ثورات الربيع كان ضرب الظاهرة الإسلامية في الصميم لا تحرير الشعوب، كل ما حدث بعد ذلك يرجح هذا الشك، لا يمكن أن يكون الغرب يكترث لآلامنا المزمنة إلي هذا الحد، وعليه، يجب أن ينسحب الحديث عن الخلافة إلي أطراف لهجة الإسلاميين، مؤقتاً علي الأقل، وأن ينتقل الحديث عن الحريات إلي المركز..

الغريب أن الإخوان لا يفهمون الحدوث العميقة لفكرة “البنا”، وما زالوا يرددون أن الجماعة دعوية وهذا خطأ، فالجماعة ثورية لسبب بسيط، ذلك أن الدعوة تنتهي بقول الداعية: “اللهم بلغت.. اللهم فاشهد”، لا يحدق الداعية النظر إلي الأمام، فما معني “أستاذية العالم” إذاً؟

وبمناسبة “أستاذية العالم”، ضغطت جوقة العسكر علي ماسونية المصطلح، ولا أنفي ذلك بل أؤكده، لكن، هل يعني هذا أن الجماعة ماسونية؟

يقول “حافظ إبراهيم”:

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى / شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

لقد كان مصطلحاً شائعًا تجده بسهولة في كل ما ترك كتاب تلك الفترة، كتابات الذين اقتربوا من “جمال الدين الأفغاني” خاصة، وهذا التأثير والتأثر شائع جداً في كل مكان، علي سبيل المثال:

في التسعينيات كان هناك برنامج يومي يقدمه المذيع “أحمد مختار” لا أتذكر أن حلقة من حلقات البرنامج خلت من ضيف يردد جملة:

(الكومبيوتر لغة العصر)

عمومًا ينفي هذه التهمة عن الجماعة إخلاصها في قتال اليهود الذين لم تعمل الماسونية يومًا إلا علي تجذيرهم في فلسطين!

يتحرك الإخوان بلا منطق، لذلك، وبعد عامين من اندلاع المعركة ما زالوا مجرد رد فعل، مكاسبهم ناجمة عن الصراع بين أجنحة الانقلاب، وهي مكاسب ضحلة، خدوش سطحية في المكونات الصلبة للنظام يكفي لالتئامها كذبة ككذبة (قناة السويس)، وماكينة أكاذيب النظام وتر مشدود لصناعة المزيد من الأكاذيب المؤجلة، وانتظروا عما قليل من فقدان كذبة القناة بريقها صناعة كذبة “محطة الضبعة” ودخول مصر النادي النووي!

وأقسم، لو أن لمديري معركة الجماعة قدرًا من الذكاء يوازي عُشْر تضحيات قواعدهم لما صمد الانقلاب أكثر من ثلاثة أشهر، لقد كانوا يوم 25 يناير الماضي علي مشارف مشهد جديد لولا الجزر غير المبرر لأسباب غامضة، عندما اعتبرهم العالم لأول مرة طرفاً، هل كانوا يظنون أن ثمة حرية بدون تضحيات كبيرة؟

لا يمكن أن نتجاوز هنا دور مرتزقة الثورة، فمن الخطأ اختزال مفردة “المرتزقة” علي الذين يؤجرون أنفسهم لمن يدفع في الحروب، إنهم حولنا في كل مكان، في السياسة وفي الطب وفي الثقافة وفي كل مهنة عرفها الإنسان!

مفردات بشرية وفدوا مباشرة من الظل دون تجارب سياسية إلي المقدمة، وجدوا أنفسهم فجأة أرقامًا صعبة، تحت طائلة الأضواء المبهرة، كل ما يلزم أحدهم للبقاء في قبضة الضوء تصريح عقب كل هزيمة تلحق بقواعدهم، أو رهائنهم عند العسكر علي وجه الدقة، ويبدو أنهم استراحوا لهذا الوضع!

وسدًا لثغرة من الممكن أن ينفذ منها قائل:

– لماذا يطالب الإخوان وحدهم باستعادة الحرية؟

لأنهم، ببساطة، قلب المعركة وأصحاب الحق وأولياء الدم الذي سال مجاناً وصارت أطرافه نعيق البوم، ومما لا شك فيه أن الآخرين، عند اتزان المعركة، أو انتصافها، سوف يتسللون من حوافها إلي القلب، ليس العنف بالضرورة، يكفي أن يكسروا حاجز الخوف فقط!

ويجب أولا أن يستوعب الإخوان المسلمون أن لا أحد غير المصريين بإمكانه أن يعيد الأمور إلي نصابها، لا السعودية ولا قطر ولا تركيا ولا الغرب، وأن الغرب يدرك تمامًا أن حكم العسكر صار “إكسباير” وهو عاكفٌ الآن علي تصميم سيناريو ما بعد العسكر بمعاييره الخاصة، لكن السؤال المتطلب هو:

– متي يتدخل الغرب؟

والإجابة صادمة وملتبسة، وهي:

– عندما يتفضل “نادر بكار” بإنهاء منحته الدراسية في “هارفارد”، أو ينتهي من مراقبة بعض أيقونات الثورة هناك والتلصص علي مخططات الجامعة لوجه مصر القادم!

حتي يجئ ذلك الوقت، تري كم من الأحلام سوف تحترق؟

الأحداث العظيمة لا تولد من تلقائها، ولا تولد في الألفة، و “هارفارد” رحم صالح لولادة حدث عظيم، لماذا “هارفارد”؟ الجواب في عهدة هذه المعلومة التاريخية:

عند تأسيس “هارفارد” عام 1636 كانت اللغة العبرية هي اللغة الرسمية للدراسة، كما حملت أول رسالة دكتوراة نوقشت في الجامعة عنوان:

“اللغة العبرية هي اللغة الأم”!

كان “طلحة بن عبيد الله” أحد الستة الذين اقترحهم “عمر” لخلافته غائبًا عندما تمت البيعة لـ “عثمان”، وعندما عاد إلى المدينة قال علي عهدة صاحب العقد الفريد:

– أعلى مثلى يُفتات؟!

بالمصرية:

– أنا ينطبخ فوق راسي الطبيخ؟!

وهذا تمامًا حال الإخوان المسلمين، مع ذلك، ما زال أمامهم متسع من الوقت لكبح المخطط، ويستطيعون!

محمد رفعت الدومي


مواضيع ذات ضلة: افكار وآراء سيد قطب في الدين والمجتمع – دراسة ونقد

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

حتى نجدد مشروعنا الثقافي!!

nabilaudehنبيل عودة
تابعت الحركة الثقافية من ابداع أدبي ومسرحي وفني في البلاد منذ بداية وعيي ..ونشرت تقارير صحفية، مقابلات ومراجعات نقدية للنشاط المسرحي والموسيقي والغنائي خلال فترة طويلة جدا بدأت مع بداية العام (1964). أقول بأسف شديد اليوم، ان عدم وجود مؤسسات عربية محلية قادرة على استيعاب الدور الحضاري المؤثر للحركة الثقافية وسائر الفنون الثقافية والفنية، أسفر عن ضياع جهود الطلائعيين الذين قدموا تضحيات شخصية في إرساء القاعدة للتطور الثقافي متعدد الجوانب في أصعب مرحلة من تاريخنا.. لكنهم أهملوا وأفشلوا مع كسر الحصار السياسي والثقافي وصعود القوى التي كنا نحلم ان تعطي قفزة كبيرة للثقافة والفنون.
بعض الموهوبين المسرحيين أصيبوا بحالة يأس واعتزلوا النشاط المسرحي الخلاق الذي بدأوا به مسيرة حياتهم .. وكانوا قد كرسوا أحلامهم لرؤية تطور مسرح محترف وجماهيري ، منهم مثلا المخرج والممثل الموهوب صبحي داموني من الناصرة ، الذي قدم حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي مجموعة كبيرة من الأعمال المسرحية إخراجا وتمثيلا، شكلت في وقته هبة ثقافية مسرحية غير مسبوقة، بعض المسرحيات عرضت عشرات المرات ليشاهدها آلاف المشاهدين من الناصرة والوسط العربي كله. أقول بمسئولية وثقة ان صبحي استطاع ان يرفع دور المسرح الاجتماعي والثقافي الى مرحلة متقدمة ومؤثرة!!
المفارقة المستهجنة ان صعود اليسار والقوى الوطنية لقيادة السلطات المحلية العربية داخل اسرائيل وتحريرها من سيطرة السلطة، وخاصة في الناصرة، لم يقد ، كما هو متوقع ومنطقي، الى تطوير النشاط المسرحي والثقافي، بل إلى شلله وتقزيمه في محاوله لجعله بوقا دعائيا يخدم تنظيمات سياسية. هذا ما دفع ثقافتنا إلى أوهام ثقافية، فردية وجماعية، لم نخرج منها حتى اليوم.
اسس صبحي داموني مثلا، مع مجموعة فنانين طلائعيين متعددي المواهب الفنية والثقافية “المسرح الحديث” في الناصرة قبل ان يقع ضحية للفكر الحزبي الذي حاول تأطيره وتحويله الى مجرد داعية يقدم “طقطوقات” تخدم نهجا. فأغلق مسرحه يائسا من واقعنا الثقافي، الذي تراجع بدل ان يتقدم، كما كان حلمه وحلمنا وترك وطنه ليستقر في باريس.
لعبت الصحافة كذلك دورا هاما لا أراه اليوم ، نقدا واستعراضا وتغطية صحفية. كان الإقبال على المسرح والأدب إقبالا جماهيريا منقطع النظير، نوع من التحدي السياسي أيضا في مفهوم ما. كانت الندوات الشعرية والثقافية تعقد أسبوعيا وفي مختلف البلدات العربية وبحضور متفاعل ونشيط من المئات، كانت المحاكم الشعبية لمختلف القضايا الوطنية أو الثقافية تقليدا يشد آلاف الحضور.. كانت الندوات الشعرية يحضرها الآلاف وتتحول إلى مهرجانات شعرية – سياسية. للأسف (وأقول هذا مستهجنا) صعود قوى يسارية لإدارة مؤسساتنا الرسمية انعكس سلبا ودمارا على الثقافة. بدأت ثقافتنا تترهل وتتهاوى، بدل ان يجد جيل المثقفين الطلائعيين، الأدباء، رجال المسرح وسائر الفنون الدعم والرعاية.. وجدوا الصد ومحاولات تقزيمهم وإخضاعهم سياسيا، فاعتزل من اعتزل وأبرزهم بالطبع صبحي داموني. نفس الحال جرت في الأدب والندوات الثقافية، اليوم نحتاج إلى محفزات وتأثير شخصي لإنجاح ندوة أدبية.
بالطبع الحياة لن تتوقف ، رغم الكبوة الطويلة التي طالت ثقافتنا .. بدأنا الانطلاق من جديد، لكننا خسرنا تجربة عظيمة وقاعدة شعبية هامة، لا اعرف اذا كنا قادرين على تجديدها بنفس قوة التضحية والاندفاع.
الدرس الهام الذي تعلمته، هو ان تحويل الثقافة والفن الى التزام سياسي هو غباء كبير ومدمر. الأدب هو أدب، هو معيار إنساني ، أي محاولة لجعله خطابا سياسيا أو قوميا أو انتخابيا هي عملية تدمير للمضمون الإنساني للثقافة.
اعترف اني كنت كاتبا مجندا لفكر سياسي، أقول بوضوح اليوم ان كل التسميات لهذا التيار، مثل “الواقعية الاشتراكية” هي تسميات غبية. حتى تروتسكي (من قادة ثورة اكتوبر ومؤسس الجيش الأحمر) اثبت في كتابه العبقري عن “الأدب والثورة” بطلان هذا الوهم عن خلق أدب واقعي اشتراكي. اليوم عبر تجربتي الكتابية التي بدأت مع أول قصة نشرتها عام (1963) اعرف أني أضعت سنوات هامة من عمري في أوهام الأدب الملتزم، رغم ان حسي الثقافي أنقذني بحالات كثيرة من القيود الدوغماتية التي وضعت نفسي داخلها.
لا بد أن اشير الى ان الأديب المفكر والناقد ، المحاضر الجامعي المتقاعد من السوربون، الدكتور افنان القاسم، ساعدني بشكل كبير في التخلص من الكثير من أوهامي عبر عشرات الملاحظات وبعض المراجعات النقدية لقصصي.
الأمر الذي يقلقني حقا اليوم هو غياب التخطيط الثقافي من مؤسساتنا الوطنية الشعبية والرسمية، وغياب الفهم العميق لأهمية هذا التخطيط وانعكاساته على مجتمعنا .
الثقافة هي معيار صحيح لقياس تطور المجتمع .. وغني عن القول ، ان المسرح يعتبر من أهم الأدوات ، وأكثرها فاعلية في إثراء الحياة الثقافية الاجتماعية ، والتأثير عليها .
شاهدت في السنوات الأخيرة مجموعة من المعارض الفنية، من الكونسرتات الموسيقية الغربية، ومن العروض الموسيقية والغنائية الشرقية .. أما المسرح فهو الغائب الكبير، ولا بد ان أسجل ان الأكثرية المطلقة من تلك البرامج كانت تخطيطا وتنفيذا لمبادرات طلائعيين وليس لمؤسسات قيادية غائبة عن الهم الثقافي والفني ، واتهمها أنها عاجزة عن فهم الدور العظيم الذي باستطاعة الثقافة والفنون ان تنجزه لشعبنا. حتى مسرح مناسب لهذه النشاطات لم يبنى في الناصرة وقدمت معظم النشاطات الهامة على مسارح البلدات اليهودية القريبة من الناصرة (الآن تعمل بلدية الناصرة على بناء قاعة ثقافية ومسرح عصري).
صحيح ان تلك النشاطات هي إثراء هام لحياتنا الثقافية والفنية. بالمقابل لا أرى تنامي الوعي (والرغبة في المكان الأول) لدى مؤسساتنا، واعني المؤسسات السياسية والسلطات المحلية وبعض مؤسسات الثقافة التي تحصل على تمويلات من مصادر عديدة، لتبني دورا في تنشيط الحياة الثقافية والفنية، إلا إذا اعتبرنا ان بنود برامجها التي تشمل الثقافة هي مجمل ما تستطيع تقديمه!!.
ان للثقافة والفن دورا تربويا حاسما في تنشئة الأجيال الجديدة ، التي نريدها ان تنشأ منتصبة القامة، صلبة العود، فخورة بانتمائها الوطني والحضاري ، وأن ترى بالثقافة والفنون والعلوم مقياسا لحضارة مجتمعنا. وليس بتمجيد أفراد – أصنام لدرجة العبادة في زمن سقوط الأصنام والأوهام حولها.
اني ارى الترابط العضوي الكامل بين الحديث عن الإبداع الثقافي، وطرح قضايا وإشكاليات هذا الإبداع والقصور الذاتي في توفير وسائل الدعم .
ان غياب اي برنامج ملموس في برامج الهيئات الرسمية ، للموضوع الثقافي (واذا وجد يبقى حبرا على ورق)، هو إشارة حمراء للواقع المتهاوي ثقافيا الذي نندفع اليه بدون وعي.
استطعنا ان نطور ثقافة إبداعية بهرت العالم العربي .. ووصلت الى العالمية ..في فترة سيادة أبشع أشكال الحكم العسكري وقيوده على حقنا بالعمل والحياة الكريمة والتواصل مع تراثنا وثقافتنا العربية خاصة وعالمنا العربي عامة وفرض الحصار الثقافي والاضطهاد القومي بأبشع وأقذر صورة والذي استمر الى أواسط السبعينات من القرن الماضي.
ان مجتمعا لا ثقافيا هو مجتمع من السهل هزيمته، تفسيخه .. وعزله عن محيطه الطبيعي .. وجعله مجتمعا يعيش في محميات طبيعية، أشبه بمحميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية . هل نستطيع ان ننسى ما تفوه به لوبراني مستشار رئيس حكومة إسرائيل الأول ، دافيد بن غوريون للشؤون العربية ، عن رؤيته ، وعمليا رؤية السلطة الاسرائيلية .. بان المخطط تحويل الأقلية العربية الباقية في وطنها الى ” حطابين وسقاة ماء” ؟!
يومها كان الاتحاد السوفييتي قد اطلق رائد الفضاء الأول يوري غغارين الى الفضاء الكوني ليدور حول الأرض، فخرجنا بهتاف :”يا لوبراني حطابين بمطارق غغارين”!!
اليوم ارى اننا أصبحنا حطابين بمطارق الطائفية..!!
فقط عبر الرؤية النهضوية الفكرية والثقافية، استطعنا ان نهزم سياسة التجهيل، وأن ننطلق في أجواء المعرفة والثقافة والعلوم، لنتحول الى أقلية عربية متماسكة .. اليوم نتراجع، التهريج صار أهم من الفكر النهضوي. الغيبيات تحتل الساحة وتشل العقل. كل هذا ينعكس سلبا عن تطور ثقافتنا. ليس بالصدفة اني كتبت قبل سنوات انه لدينا الكثير جدا من الشعراء ولكن قلة في الشعر..
الظن ان معركتنا انتهت .. هو خداع للنفس. نحن في صراع دائم ومتواصل .. للأسف واقعنا أيضا يتغير للأسوأ.. ربما بسبب المساحة الديمقراطية الواسعة التي بتنا نتمتع بها، بدل ان نستغلها لتعميق الانتماء والإبداع أضحت تخلصا من الانتماء واستهتارا بالإبداع والانضواء تحت فكر طائفي فئوي. تنمية الانتماءات الطائفية اأفرزتنا الى مجموعة جماهير نفتقد للكثير من الروابط بيننا.. خاصة الانتماء القومي، هذا ينعكس أيضا على تطوير مفهوم متقدم لأهمية الفعل الثقافي !!
الثقافة ليست الإبداع الأدبي والفني فقط ، إنما الإبداع المادي أيضا بإنتاج ضروريات استهلاكية للإنسان وهذا ما نفتقده بالمستوى اللائق والكميات الكافية .
عندما نتحدث عن “حضارتنا العربية” نغرق في نوسطالجيا الماضي الصحراوي متوهمين انه كان ذروة التقدم، محاولين الاستعاضة به عن واقعنا “غير الحضاري” اليوم ، بذلك نلغي مستقبلنا أيضا.
ماذا ينفعنا تاريخنا إذا كنا غير قادرين على استئناف ما توقفنا عنده ؟!
من هنا رؤيتي ان للثقافة والتنوير أهمية عظمى في إحداث انطلاقة ثقافية حضارية. ومن هنا اقف ضد أبقاء العقل العربي خاملا مخدرا بأننا نملك العلوم ، وما هي الا “زغلول نجار” آخر ونصبح مصدري علوم وتكنولوجيات برائحة النفط!!
كفى ثرثرة حول إعجازات وهمية ندعي اننا سبقنا بها الغرب . متجاهلين أن علومنا ” المخبأة” (ومن أبرزها أن الأرض مسطحة وليست كروية) فات عهد صلاحيتها ، ولم تعد تنفع للتسويق ، في الوقت الذي تحولت العلوم الى قاطرة تنطلق بالمجتمعات الغربية، وتتركنا مترهلى العقل والجسد ، نجتر الماضي ونختلف في تأويله !!
nabiloudeh@gmail.com

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

رجال حملوا السلّم بالعرض !

بقلم: بروفسور سليمان جبرانsoleymanjoubran

في الحياة، وفي الأدب والفنّ طبعا، سهلٌ أن تسير في الطريق المعبّدة. لكن صعب، صعب جدا حتّى، أن تثور على القائم المألوف: أن”تحمل السلّم بالعرض”، وتشقّ طريقا جديدة، لم يعرفها السابقون، ولا المعاصرون من حولك أيضا.
شقّ الطريق الجديدة مردّه ثقة بالنفس والطريق لا تتزعزع، واحتمال الوحدة والعزلة، والنبذ أحيانا. كثيرون بدءوا الطريق هذه وحدهم، مسلّحين بثقة بالنفس والطريق، ثمّ غدوا بعد شقّ الطريق والمعاناة، أعلاما يسير وراءهم كثيرون ممّن يؤْثرون السلامة وسلوك الطريق المعبّد الآمن. لكن ما فضل هؤلاء إذا ساروا في الطريق، وقد شقّه أمامهم الآخرون ؟!
جبران خليل جبران، مثلا، كان من الأفذاذ المذكورين. لم يأبه جبران بالمعارضة الضارية، والشتائم والتهم الباطلة التي رماه بها كثيرون من معاصريه المحافظين. كان جبران وقلائل من رفاقه حوله، واثقين بأنفسهم وطريقهم. لذا انتصروا ليأتي آخرون بعدهم فيخرجوا على طريقهم، ويشقّوا لهم طريقا جديدا، لا يلغي إسهامات سابقيهم، بل يبني عليها، ويتقدّم منها إلى طريق آخر جديد. لا ينقض بل يكمّل.
بل هناك أحيانا من “يسبقون عصرهم” حتى. في السياسة، وفي الأدب، وفي الفن. هؤلاء لا يذكرونهم، فيعرفون مكانتهم، إلا بعد رحيلهم غالبا. العبقريّ فان جوخ، مثلا، لم يعرف معاصروه قدره، ولم يعترفوا بموهبته إلا بعد أن قضى فقيرا بائسا ! هؤلاء لا ينالون المجد والشهرة إلا بعد أن يواروا في القبور، و”تصير عظامهم مكاحل” ! من هؤلاء في الأدب، مثلا، أحمد فارس الشدياق “جبّار القرن التاسع عشر” (1801-1887). كتبنا الكثير عن هذا المفكّر الفذّ ومواقفه في الحياة، والأدب خاصّة، ولا نرى هنا حاجة إلى المزيد.
بيرم التونسي أيضا هو من هؤلاء الأفذاذ الذين سبقوا عصرهم. كتبنا عن التونسي مقالة سابقة للتعريف بشاعر المحكيّة المصريّة الرائد، فلا ضرورة إلى الإعادة هنا. مع ذلك وجدتني أعود مرّة أخرى إلى هذه العبقريّة الشعريّة، أتناول فيها قصيدة رائدة ما زالت في أوراقي، لأنّها لم تجد مكانها في الحيّز الضيّق الذي أفردناه في المقالة تلك للنماذج المشرقة الكثيرة من شعره.
ما زالت في البال مقالة رائعة للدكتور محمّد النويهي بعنوان: ” أيّها الرومانسيون: كفاكم اجترارا” من كتابه الرائد “قضيّة الشعر الجديد”. المقالة المذكورة دأبتُ على تدريسها سنة بعد أخرى، لما فيها من أصالة ودعوة إلى التجديد. إلا أنّ التونسي سبق النويهي في ذمّ الاجترار والمجترّين. فللتونسي قصيدة قصيرة عنوانها “يا اهل المغنى”، يورد فيها ما قاله النويهي في المقالة المذكورة جادّا، بأسلوب طافح بالسخرية والتهكّم ! في القصيدة المذكورة تعريض جارح واضح، بالموسيقار محمّد عبد الوهّاب وشاعره أحمد رامي، والأجواء الرومانسية الحالمة هناك. لكن لماذا مقدّمتي وتفسيراتي، والقصيدة صريحة نافذة، لا يعوزها الشرح ولا التفسير !

بيرم التونسي: ياهل المغنى

يا اهل المغنى دماغنا وجعنا / دقيقه سكوت للّه
داحنا شبعنا كلام ما له معنى / يا ليل ويا عين ويا آه

طلعت موضه غصون وبلابل / شابط فيها حزين
شاكي وباكي وقال مش عارف / يشكي ويبكي لمين
واللي جابت له الداء والكافيه / طرشه ما هش سامعاه
يا اهل المغنى دماغنا وجعنا / دقيقه سكوت للّه

ردّي عليه يا طيور بينادي / وارمي له الجناحين
وانت كمان يا وابور الوادي / قل له رايح على فين
قل له اياك يرتاح يا بابوره / ويريّحنا معاه
يا اهل المغنى دماغنا وجعنا / دقيقه سكوت للّه

كلّ جدع فرحان بشبابه / يقول في عنيه دموع
يا اللي جلبتِ شقاه وعذابه / حلّي لنا الموضوع
طالع نازل يلقى عوازل / واقفه بتستنّاه
يا اهل المغنى دماغنا وجعنا / دقيقه سكوت للّه

حافضين عشره اتناشر كلمه / نقل من الجرنال
شوق وحنين وأمل وأماني / وصدّ وتيه ودلال
واللي اتعاد ينزاد يا اخوانّا / وليل ونها ر هوّاه
يا اهل المغنى دماغنا وجعنا / دقيقه سكوت للّه
************
بروفسور سليمان جبران: الرئيس السابق لكرسي اللغة العربية في جامعة تل ابيب، ناقد وباحث له العديد من المؤلفات الهامة، من أبرزها: الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب والتجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة.

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment