قصة لا إنسانية من واقعنا الُمّر

قصة لا إنسانية من واقعنا الُمّر

مرثا فرنسيس

تزوجا بعد قصة حب قوية ، كانت له حبيبة وصديقة ،بدأت معه من الصفر حيث لم يكن يملك غير عمله البسيط الذي لايكفي الراتب الذي يحصل عليه منه مصروف بيت يعيش به شخصان لنصف الشهر على الأكثر ، بحثت عن عمل ليحملا معاً اعباء الحياة، ونظراً للظروف الإقتصادية قبلت وظيفة بمرتب صغير ، تنزل للعمل صباحاً ، وتعود لتقوم بكل طلبات البيت وكانت تبذل كل الجهد حتى توفر لحبيب العمر جو هادئ رومانسي كيف لا وهو الحبيب والصديق والزوج ، كانت تقوم بكل أعمال المنزل بنفسها لتوفر بعض المصروفات ، ورغم ضيق الوقت والإرهاق الجسدي فكرت( أمينة) في استغلال مهاراتها في عمل أنواع مختلفة من الأكلات والحلويات المتنوعة، فعرضت على زملاء العمل مشروعها البيتي الصغير وكل من يحتاج مأكولات أو حلويات لمناسبة ما ،عليه فقط أن يخبرها قبل الموعد بيوم، وكانت تستيقظ باكراً جداً حتى تتم عمل ماُطلب منها دون ان تزعج زوجها ودون أن تقتطع من وقته أو تقصر في طلباته ، شجعها الكثيرون منهم وصارو ا يطلبون منها الكثير من الأصناف والتورتات في مناسباتهم واعيادهم ، نجح المشروع الصغير واتسعت دائرة الراغبين في وجباتها الشهية المعتدلة الأسعار ، كانت تُشعِر زوجها بأنها أسعد امراة في الكون فيكفيها أن تفتح عيونها صباحاً وتغلقهما مساءً على رؤيته بجانبها ، لم تكن ابداً تشكو تعب جسدها او ضغوط العمل معظم اليوم ، بل انها بحب واتضاع اعلنت له احتياجها لمساندته ليكبر مشروعهما معاً ويزداد دخلهما وتنتعش حياتهما بعض الشئ . وافق على التجربة ، قامت بتأجير محل للمشروع بعد أن باعت آخر ماتملك من قطع ذهبية كانت تحتفظ بها منذ طفولتها بالإضافة الى شبكتها التي كانت تعشقها فقط لأنها هدية حبيبها للزواج ،واهدت المحل له ،كان تصرف أمينة دافعه الوحيد مشاعرها الجياشة تجاه هذا الرجل،وحتى تقطع عنه سكة التفكير انه يعمل في مكان تملكه هي سجلت عقد المحل باسم (عبدالله )زوجها ، ولم تسمح لنفسها بالتفكير الواقعي، فالواقع يقول أن العمل ليس مسألة حياة أو موت، ولو كان الأمر يتعلق بحياته لن تتردد في التضحية من أجله بعمرها، و من المقبول أن تشجعه وتسانده ليبحث هو ويبدأ وهي بجانبه حيث لاينبغي أن يعطى الأمان لأي انسان في هذا الزمان ، تركت كل هذه الأفكار جانبا وفكرت فقط كيف تساعده ، وأخبرها زوجها عن مدى حزنه لبيعها الشبكة فليس لديه أي ضمان أن يأتي لها بأخرى مثلها في هذه الظروف الصعبة، ولكنها لم تظهر أي ضجر بل قالت له أنه اهم وأغلى من حياتها وان لديها استعداد أن تخسر كل شئ ويكون هو معها ، وبادلها نفس الكلمات قائلاً انه ليس لحياته أي طعم او معنى الا بها وبحبها ، نجح المشروع ولكثرة الإقبال قررا توظيف بعض العمال والبنات لمواجهة كثرة العمل ، واصبحت الزوجة المخلصة تشرف على العمال والعاملات ، تعطيهم ارشاداتها ونصائحها وكانوا يلجأون اليها فتعطيهم من خبرتها ونصائحها ماجعلهم يتمنون فقط ارضائها ،لشدة رقتها ومحبتها لهم وبساطتها في التعامل معهم، وبدأت تتنسم الراحة وبعض الرفاهية في حياتها بعد طول عناء ، كانت كلمات الشكر والتقدير من الزوج لزوجته لاتتوقف فهي سبب سعده وهي التي شجعته حتى حققا هذا النجاح واصبح صاحب عمل لم يكن يحلم يوما ان يحقق هذا النجاح بدونها ، انتبه الزوجان انه قد مر على زواجهما اكثر من سبع سنوات ولم ينجبا ، ولم يكن الأمر يشغلهما قبلا بسبب التركيز على تحسين مستوى المعيشة أولا ، مرت الشهور وليس من جديد في هذا الأمر ، قررا زيارة الطبيب للوقوف على السبب وراء عدم انجابهما لطفل كل هذه السنين ، كانت الصدمة رهيبة جعلت الزوجان في حالة لاتصديق ، الزوجة لن تستطيع احتواء طفل في بطنها ابداً لوجود عيب خلقي يمنعها من الإنجاب ،كان كلام الطبيب كالصاعقة ، فالعيب منها هي وهو سليم تماماً ، كيف ؟ كيف بعد ان استقر حالهما المادي واصبحا في وضع يسمح لهما باستقبال حدث سعيد ؟ عادا الى منزلهما والصمت الرهيب مطبق عليهما معا ً ،مرت الأيام ثقيلة حزينة ، وحزنت الزوجة ليس فقط بسبب الخبر والصدمة، رغم أن ا لأمومة الفطرية تملأ كيانها ، لكنها لم تشك لحظة في أن حب حياتها يكفيها لبقية عمرها ، سيكون هو زوجها وابنها وحبيبها ، ولكنها حزنت انها لن تحمل ابداً طفلا من الرجل الذي أحبته بكل كيانها ،ولكن هل من الصعب ان تستمر الحياة بدون طفل ؟ألا يمكن أن يكتفي كل منهما بالآخر ويغدقا مخزون الحب الأبوي وحبها كأم لكل أطفال مجتمعهم الصغير؟ افاقتها من اسئلتها وحيرتها صدمة جديدة لكنها فاقت الصدمة الأولى فكانت رهيبة ومزلزلة، بعد أسبوع واحد فقط أرسل لها عبد الله ورقة طلاقها ، مع طلب بسيط ان تترك منزل الزوجية للزوجة الجديدة التي تزوجها ، فهو يريد طفلا يحمل اسمه ويرثه !! مع عرض سخي قدمه لها أنه مستعد ان يقوم بكل مصاريفها( التي لم يكن من الممكن له الحصول عليها بدونها) وأن يبقيها على ذمته على ان تعيش في منزل والدها ، وفي حالة قبولها هذا العرض سيردها ثانية لذمته ،كاد رأسها ان ينفجر ؛ ليس فقط من هول المفاجآت ولكن من سلطته في طردها من حياته ثم ردها اذا شاء، سقطت أمينة في حالة من الإنهيار العصبي غير مصدقة أن عبد الله حبيب العمر كافأها بهذ الشكل المهين بعد كل ماقدمته له عن طيب خاطر . محطما علاقة السنين الطويلة بورقة .
اما عن عبدالله فقد تزوج، ونسى طعم المشاعر الطيبة ومعنى الحب مع زوجة قاسية القلب مسيطرة ، حتى كره الحياة وكره وجوده بالمنزل وهو الذي كان سابقا يشتاق أن يطير لعشه الجميل حيث توجد فيه امينة، وحملت زوجته الجديدة التي تعلمت مماحدث لضرتها السابقة ، وطالبت عبدالله بأن يكتب المحل والشقة بإسمها تأمينا لها ولمستقبل الطفل ، على أن يظل في ادارته للمحل والتكفل بكافة المصاريف اللازمة لها وللبيت ، استسلم لطلباتها فالطفل في الطريق.
تدهور حال المحل بعد ان تركته من وضعت بصماتها ولمساتها في كل شبر منه ، نظرا لأن عبدالله يدير فقط الحسابات وليس له خبرة في الأمور التكنيكية للعمل ومتابعة العمال . وفلت الأمر من يده! وفشل المشروع
افاقت امينة من الصدمة ومن الإنهيار وقررت عدم الإستسلام ، فإذا كان المحل اصبح ملكاً له فمازالت يداها و ارادتها ملكها وتستطيع ان تنجح ثانية ، وبدأت من جديد .
عادت أمينة لنقطة الصفر لتبدأ من جديد ، فضربة الزوج والحبيب السابق لم تكسرها بل زادت من قوتها وصلابتها ، بدأت وسط زميلاتها وقريباتها بعمل أكلات وأصناف متنوعة من الحلويات والتورتات وهم بدورهم يخبرون اصدقائهم ومعارفهم ، وفي خلال سنة استطاعت شراء محل صغير تشرف عليه بنفسها ، واصبحت تمسك بيدها زمام امورها !
محبتي للجميع
6l9l2010

About مرثا فرنسيس

مرثا فرنسيس كاتبة مسيحية، علمانية، ليبرالية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.