ملف جرائم الابادة الجماعية التركية بحق الاقليات 1

ملف جرائم الابادة الجماعية التركية بحق الاقليات(1) بقلم: عضيد جواد الخميسي

رغم أنّ التأريخ هو منهج ينصبّ على دراسة الماضي إلاّ أنّه دائماً يتوجّه إلى الإنسان في الحاضر . يستجلي المؤرّخ الغموض والالتباس والاختلاط الذي قد أحاط بالأحداث التاريخية حتى يوفر لنا ، في الحاضر ، صورة جليّة واضحة متحرّرة من الأوهام التي علقت بأذهان الناس . بمعنى آخر ، إنّ مهمّة المؤرّخ الرئيسية لا تنحصر في أن يضعنا في اتصال علمي مع الماضي لكي نفهم كيفية تكوينه ومقوّماته واتجاهاته وحسب ، بل تمتدّ إلى تبيان مدى استمرار مؤثّرات ذلك الماضي في حاضرنا وأثره في حياتنا الآن . حين تتوافر لدينا نظرة إلى التاريخ علمية نقدية نكون بذلك قد اطّلعنا على الماضي بتجرّد وموضوعية، وتوافـرت لنا الجرأة في نقد الماضي ، والتحرّر من عقدة النقص والتبجّح ، وانفتاحنا على نحوٍ خلاّق على إمكانات الحاضر والمستقبل.

بعض نتائج هذه النظرة العلمية للتاريخ تمّ تطبيقه ، إلى حدّ ما، على مذابح العام 1915 التي أودت بحياة أكثر من مليون أرمني وزهاء ربع مليون سرياني مابين كلداني واشوري ، واخرون من قوميات وديانات مثل اليهود والزرادشت . قد يجد القارئ والقارئة فيضاً من المعلومات عن القضيّة الأرمنية كتبتها أقلام غربية أو باحثون أرمن. وحين يتناول الباحثون الأرمن موضوع مذابح عام 1915 ، لا يأتي أحد على ذكر المجازر التي تعرض لها السريان والاقليات الاخرى رغم تزامن المذبحتين وتلاحمها، وكأنّ المذابح صارت حكراً لجماعة معيّنة دون أخرى . إنّ هـذه الدراسة ، على أهمّيتها تبقى محاولة متواضعة همّها تعريف القارئ والقارئة بالخلفيّات السياسية والقومية والثقافية التي تبلورت في بداية القرن العشرين ومهّدت تدريجياً للمذبحة . أمّا غـاية هذه الدراسة الرئيسية فهي تعميق الوعي العلمي للتاريخ الذي رافق مذبحة العام 1915 وتأصيله.

يقول بعض المؤرّخين إنّ السبب في الإبادة الجماعية للأرمن جاء نتيجة الاستفزاز الأرمني ، ويقول البعض الآخر أنّ السبب قد يكون موجودا في محرّك العلاقات الأرمنية ــــ التركية ، أي في ” لجنة الاتحاد والترقّي ” ، أو قد يكون بسبب الكارثة السياسية والعسكرية للدولة العثمانية بين العامين 1908 و1915 التي عزلت الأرمن وأبرزت القومية التركية . والحقيقة أنّ التجربة الجديدة للقومية لم تغيرّ الهوية التركية وحسب بل غيرّت النظرة إلى الشخصية الأرمنية وشدّت الانتباه إلى خطورة الأقلّيات المسيحية وغير المسيحية ، لقد غيرّتها من المخلص والموالي إلى المهدّد والغريب . من هذا المنطلق نقول أنّ الكارثة السياسية التي منيت بها الإمبراطورية العثمانية والأيديولوجية الجديدة لحركة ” تركيا الفتاة ” كانتا سبباً في تفريق الأرمن والسريان والاقلّيات الأخرى عن الأتراك وبالتالي التهيئة لإبادتهم.

إنّ العديد من المثقّفين والمهتمّين بالعهد التركي الحديث يجمعون على أنّ لجنة الاتحاد والترقّي التي قادت الثورة سنة 1908 ضدّ السلطان عبد الحميد والتي حكمت تركيا بين العامين 1908 و 1918 كانت بمنزلة كارثة على الأقليات وهي المسؤولة عن الترحيل ( السوقيات ) الذي أدّى إلى الإبادة الجماعية سنة 1915.

دأبت الحكومة الاتحادية في مطلع عام 1915 على ان تنفذ خطة الابادة الارمنية باتباع مرحلتين تمهيديتين من شأنهما اطلاق يدها بحرية كاملة في ازالة أرمينيا من الوجود ( ففي المرحلة الاولى من الضروري جعل كل الجنود الارمن في حال عجز تام , وفي المرحلة الثانية يجب تجريد كل الأرمن من اسلحتهم في كل مدينة كبيرة أو صغيرة . فقبل ذبح أرمينيا يجب أن تبقى من دون حماية ). ولما فرغت من هاتين المرحلتين تسنى لها ان تبدأ المرحلة الاساسية الثانية لتصل بعدها الى المرحلة الاخيرة , وذلك بملاحقة كبار المفكرين والمسؤولين الارمن الذين قد يكونون مصدرا للمتاعب .

لقد بدا المصير الأرمني والسرياني وباقي الاقليات على نحوٍ عامّ واضحاً في شباط سنة 1915 حين قام الجيش التركي بتجريد الجنود من غير المسلمين لسلاحهم ورتبهم العسكرية ووسائل نقلهم وكوّن منهم طوابير الخدمة العمّالية ( فرق السخرة ) التي أجبرت على تعبيد الطرق وبناء الجسور ومدّ الخطوط الحديدية ، ثمّ نفّذ الجيش أوامر حكومته بقتل جميع أفرادها . وبدأت الحكومة بتجريد المدنيين من الأسلحة بحجّة طلب عـدد معينّ من الأسلحة من كل جالية ، وأُلقي القبض على الكثير بتهمة إخفاء السلاح أو بالتآمر على سلامة الدولة . وفي 24 نيسان سنة 1915 اعتقلت الحكومة قادة الشعب والإكليروس والمفكّرين والسياسيين الارمن وتمّ نفيهم إلى داخل الأناضول ومن هناك تمت تصفيتهم.
وحين غابت القوّة السياسية والإدارية والفكرية المسيحية الفاعلة وأصبحت الاقليات بلا حماية بدأت الخطـوة الثانية في تنفيذ خطة الإبادة الجماعية وهي,, الترحيل ,, . هذه الخطوة نسّقت ما بين طلعت باشا وزير الداخلية التركية والمسؤول عن المدنيين ، وبين أنور باشا وزير الدفاع التركي والمسؤول عن طوابير السخرة .
في أيّار سنة 1915 قرّر طلعت باشا ترحيل الأرمن الذين (لا يؤتمن جانبهم ) من مناطقهم وإعادة إسكانهم في منطقة الصحراء السورية وبلاد ما بين النهرين (مدينتي ديرالزور ورأس العين مركزين من مراكز القتل ) ، متناسياً أنّ أغلبيّة السريان الأرثوذكس هي في ألوية ما بين النهرين مثل ديار بكر وماردين وأورفه وخربوط ، وأنّه قد يلاحقهم الأذى من جرّاء ذلك ، ولقد وعد أنّ جميع ممتلكاتهم وأمتعتهم ستصان وتحفظ حتى عودتهم . ولعلّ أفضل المصادر التي تشرح ما حدث هو المؤرّخ المشهور ( ارنولد تونيبي ) حيث يقول:
” كان الرجال يهرعون إلى مبنى الحكومة حال سماعهم المنادي ينادي بوجوب تقديم أنفسهم شخصياً إلى دار الحكومة ، وهناك وبدون إعطاء أيّ سبب يلقون في السجن لعدّة أيام ، ثمّ يؤخذون خارج المدينة حفّاة مقيّدين بعضهم إلى بعض بالحبال . وعند أوّل فرصة سانحة في مسيرتهم الطويلة ينفرد الجنود بالرجال ويذبحونهم ، ثمّ يخطفون الأطفال والنساء ويشنعون بهم ويستحوذون على ما لديهم ” ..

وفي ما عدا مدن أو محافظات بدليس وموشى وساسون التي تمّت إبادة جميع من فيها تمّ ترحيل الأطفال والنساء الباقين على قيد الحياة في قوافل تمشي من مدينة إلى أخرى حيث كان أفرادها فريسة عصـابات خاصة أشرفت على تنظيمها السلطات الرسمية التابعة للوزارة الداخلية التركية ( الجيش الخمسيني أو “ المليس “ ) أو كانوا عرضة لمهاجمة الفلاحين الأكراد والأتراك.

كان القصد من هذه المجازر إذلال الأرمن ، وإبقاء نسبة 10% منهم فقط على قيد الحياة ، والعمل على إبـعاد هذه النسبة الضئيلة عن الإمبراطورية العثمانية نهائياً . وبالطبع ، نالت المجاعة والأمراض قسطها من الضحايا لتزيد من عظَمة المأساة . ونتيجة هذا قضي على أكثر من مليون أرمني ، وذلك حسب إحصائيات جمعية حقوق الإنسان في هيئة الأمم ، وعلى أكثر من ربع مليون سرياني ( 272,000نسمة ) منهم 96 ألف ضحية في قضاء ماردين فقط.

في حالات المجازر والإبادات الجماعية يتفاوت تقدير عدد الضحايا فثمّة من يقلّل من العدد وثمّة من يزيد منه . والحقيقة أنّه ليست هناك إمكانيّة لتحديده تماماً فإذا أخذنا تقديرات هيئة الأمم وأضفنا إليها أكثر من الربع مليون من السريان وبقيّة الأقليّات ممّن قتلوا أو قضي عليهم بالجوع أو العطش أو التعب أو المرض نستطيع أن ندرك مدى فظاعة النكبة التي بلي بها هذه ا الحموع من البشر. لقد كتب( آرام أندويان) التالي
” ذهب العديد من الضحايا الأرمن من رجال ونساء وأطفال في المجازر الثلاث التي حصلت سنة 1916 . كانت الأولى في رأس العين” حيث قتل أكثر من 70 ألف شخص ، والثانية في “أنتيللي” قضي على أكثر من 50 ألف نسمة كانوا يعملون في” حفر نفق بغداد ، والثالثة التي كانـت أشدّ رهبة وبشاعة وقد وقعت في مدينة ديـر الزور حيث قتل (زيّـا بك) اكثر من 200 ألف نسمة . لقد اقتيد من بقي على قيد الحياة ، من مناطق كيليكيا ومحطات أخر ، إلى الصحراء السورية حيث التقوا أناساً من المناطق الأرمنية الستّ ومن مدن شواطئ البحر الأسود.. لقد كان اللقاء بين النساء والأطفال دون السابعة فقط . فلقد تمّ إعدام كل شخص تجاوز هذه السنّ “.

لقد استبدلت حكومة ” تركيا الفتاة ” الأرمن والسريان بالأكراد والأتراك ، وبدّلت كلّ الآثار الحضارية وأسماء الكنائس والأديرة . أما السريان فلقد أودت الحرب بحياة حوالي ربع مليون سرياني في مختلف الأبرشيات وتركت وراءها عددً كبيراً من الأيتام والأرامل وضعضعت معظم الأبرشيات السريانية المهمّة ، لا بل قضت على بعضها بسبب هجرة أبنائها . ودمّرت كنائس كثيرة وأديرة تاريخية في بلاد ما بين النهرين لعبت دوراً مهماً في سالف الأزمان في نشر الحضارة والمدنية ، وتبعثرت المخطوطات السريانية الثمينة والذخـائر النفيسة والمكتبات الشهيرة ، وخلقت جوّاً كئيباً في حياة السريان أينما كـانوا ، وخسر السريان كمجموعة وكأفراد ممتلكاتهم من أموال منقولة وغير منقولة . وبالتالي تفـكّكت وحدة الطائفة الجغـرافية بالتقسيمات السياسية التي جاءت كتحصيل حاصل لمـخططات وأجندات خاصة . وصحيح أنّ نهضة جديدة قامت في ربـوع سورية ولبنان بإعادة تشكيل أبرشيات سريانية في كـل منهما ، ولكنها كانت على حساب أبرشيات أخرى سريانية زالـت من الوجود.

نادى المؤتمر الطوراني التركي العامّ ( بتوحيد الفروع الشرقيّة والغربيّة للجنس التركي ) ، وفيه وضِعت خطة إزالة أرمينيا من الوجود عن طريق إفراغها من أبنائها وربط تركيا بأذربيجان وسائر الدول ذات الأصل التركي من منغوليا حتى القوقاز.
يقول طلعت باشا وزير الداخلية التركية في إحدى برقيّاته إلى الوالي العثماني في حلب ما يلي:
-( بالرغم من أنّ قراراً قد صدر منذ أمد غير بعيد بإبادة العنصر الأرمني ، فإنّ الظروف لم تكن سانحة لتحقيق هذا المشروع المقدّس . أمّا الآن وبعد زوال كلّ العقبات فإنّ الوقت قد حان . إنّنا نهيب بكم أن تتجرّدوا من أيّ إحساس بالشفقة والرحمة إزاء حالاتهم المفجعة . كما نطلب إليكم أن تعملوا جاهدين للقضاء عليهم ومحو الاسم الأرمني بالذات ) .
ولكنّ الحكومة العثمانية ، حينذاك ، لم تعطِ أيّ تبرير أو سبب دفعها لقتل السريان ، حتى ليبدوا أنّ لجنة الاتحاد والترقّي كانت جاهزة لمحو أيّ أثر أو ذكر لوجودهم والأرمن معاً . وكأنّه عمل مقصود . وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل… لماذا؟
هذا هو ما كرّره “برنارد لويس” مذكراً بالانتفاضة الأرمنية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث يقول:
” لقد مثّل الأرمن أخطاراً كبيرة تجاه الحكومة . فإن قبل الأتراك الانسحاب من بلاد العرب والبلغار وألبانيا واليونان ، والاستقرار ضمن حدودهم الجغرافية ، إلاّ أنّهم لن يسمحوا بقيـام دولة أرمنية على حدودهم . فإنّ استقلال الأرمن يعني تمزيق الدولة التركية ، فهم منتشرون في جميع أنحـاء تركيا الآسيوية ، من بلاد القوقاز حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، أي في قلب الأرض التركية “.

بالنسبة إلى “برنارد لويس” كان الأرمن عبارة عن أقليّة مسيحية تعيش في
تركيا ، ولسوء حظّها كانت موزّعة شعباً وأرضاً على طرفي الحدود الروسية ــــ التركية حيث وجدت فيها شعوب أخرى لها منطلقاتها القومية وتطلّعاتها لإنشاء دولٍ مستقلّة . لقد تميّز القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بأن النزعات القومية وفكرة الاستقلال كانت مركز اهتمام جميع الأقلّيات من أكراد وأرمن ويونان وعرب وبلغار .. وغيرهم.
غير أنّ الأرمن عرفوا ولا شكّ أنّ قيام دولة أرمنية مستقلّة ستكون ضربة للدولة العثمانية من جهة وضربة أخرى للأرمن المقيمين في الأراضي التركية من جهة أخرى ، وأنّ هذا سيعطي انطباعاً بأنهّم مسلّحون كالأتراك وبأنهّم يتمتعون بالقوّة والنفوذ .
والحقيقة أنّ الأرمن لم يكونوا موحّدين تحت راية حـزب واحد ، وبالتأكيد لم تكن لديهم القوّة العسكرية سواء لغزو الأتراك أو للدفاع عن أنفسهم . كان الشعور القومي الأرمني مطابقاً للشعور القومي التركي ، ولم تكن القومية التركية قد صيغت بعد بتعاليم مصطفى كمال ، ولكنّها كانت موجودة في تعاليم ( زيّا كوكالب )، الذي يعتبر أبا القومية التركية ، ومتقلّبة نوعاً ما بين الإسلام والعثمانية.

ما هي المقوّمات والحدود التي أعطاها الأرمن لقوميتهم حتى تختلف عن باقي القوميات وتكوّن الخطر المميت لحكومة ” تركيا الفتاة ” ؟
لقد اعتبرت تركيا أنّ قيام دولة أرمنية مستقلّة ستكون رادعاً في تحقيق وحدة الشعوب التي تتكلّم اللغة التركية ، وبالتالي عقبة رئيسية في تحقيق الحلم الأكبر للأتراك وهو ربط آسيا الصغرى مع آسيا الوسطى في دولة واحدة . ولكنّ السؤال يبقى ” هل بدأ خـوف الأتراك من الأرمن من خلال تحرّكات الأرمن ومقدرتهم ” ؟ أم من مصادر أخرى من ضمنها وضعهم اليائس وتعلقهم بالقومية التركية الجديدة ؟

حين قامت ثورة 1908 ضدّ السلطان عبد الحميد كان الحزبان الأرمنيان ” الهانشاق ” و” الطاشناق” على علاقة جيدة بالنظام الجديد . فلقد ابتهج الأرمن بانتصار الجيش ، لأنّ انهيار حكم السلطان عبد الحميد ، الذي قام بمجازر سنة 1894 – 1896 ، وإصلاح الدستور كانا غاية ما يتمنّونه وخاصّة حزب الطاشناق ، فالقول بأن الأرمن يشكلون الخطر المميت على الإمبراطورية العثمانية حينذاك قولٌ لا صحّة له . فما الذي جرى ليجعلهم يبدون كتهديد قاتل أو كخطر مميت؟
لقد حدثت أمور عديدة أدّت إلى قطع العلاقات بين العهد التركي الجديد والأرمن بعد توتّرها ، لقد لام الأرمن الحكومة العثمانية على مجزرة أضنة سنة 1909، حيث قتل ما يقارب ثلاثين ألف نسمة ، وفقدوا الشعور بالأمان نتيجة استيطان الأكراد في أراضيهم . فالمهاجرون الأكراد قاموا بالاستيلاء على أراضي الأرمن الذين قتلوا في مجـازر 1895 أو هربوا ، ولمّا عاد الأرمن وطالبوا الأكراد بإعادة الأرض لأصحابها رفض الأكراد ، وبدأت الخلافات التي وصفها نائب القنصل الفرنسي في ” فان ” بأنهّا حرب حقيقية ما بين الشعبين . أضف إلى ذلك مشاكل عديدة عالجتها الحكومة التركية بقسوة وخشونة .
كان الردّ الأرمني هو الطلب من الحكومة العثمانية السماح لهم بتدخّل أكبر في القرارات الداخلية والعمل على حمايتهم من الاستيطان الكردي . ولمّا لم تعرْ الحكومة لهذه المطالب اهتـماماً استغلّت القيادات الأرمنية الخلافات الروسية ــ التركية وشجعت روسيا ، العدوّ التقليدي للإمبراطورية العثمانية ، على فتح ملفّ ” المشكلة الأرمنية ” . وتحت إغراء التوسّع النفوذي والاتفاقية البريطانية ــــ الروسية سنة 1907 بإنهاء الاستيطان الشرقي تدخّلت روسيا بسبب ذلك.
وفي شباط سنة 1912 توصّلت الأطراف جميعها الى تنصيب مفتّش أوربـي لتنظيم العلاقات والاتصالات . ولا يستطيع المرء أن يتخيل مـدى الذلّ والغضب الذي أبداه القوميون الأتـراك تجاه هذا العرض التدخّلي . والمدهش أنّه حين بدأ التصويت على الخيار بين الانفصال عن تركيا والاحتلال الروسي لم يصوّت قادة حزب الطاشناق على الانفصال وفي هذا كتب “دافيسون” :
( كانت المشكلة نابعة من الأصل التكويني للإمبراطورية العثمانية. لم يؤمن الأرمن بأنّ روسيا ستمنحهم المزيد من الحرية ، بل على العكس كانوا يؤمنون بأن الانسلاخ الكامل عن تركيا هو مستحيل قبلياً وجغرافياً) .

تأزّمت العلاقات بين الحكومة التركية والأرمن بين العامين 1908 و 1915 حين لم يعدْ الحكم التركي قادراً على احتمال أيّة هزيمة عسكرية أو القبول باستقلال أيّ من الأقلّيات . إنّ خسارة تركيا للمقاطعات الأوروبية ورجوع الأتراك إلى الأناضول لم يعزل الأقلّيات وحسب بل أدّى إلى القضاء على التعدّدية الوطنية الدينية في الإمبراطورية العثمانية وبزوغ القومية التركية.
وازداد شعور العثمانيين بالتهديد الأرمني حين بادرت قوميّات أخرى تطالب باستقلالها عن الدولة العثمانية . ففي أوائل كانون الأول سنة 1908 ، أي بعد ثـلاثة أشهر فقط من انتفاضة العهد الجديد ، أعلنت بلغاريا استقلالها التام ، وفي 6 كانون الأول من السنة نفسها ضمّت النمسا مقاطعات البوسنة والهرسك ، وفي سنة 1911 احتلّت إيطاليا ليبيا ، وفي العام التالي عزلت حكومة البلقان تركيا عن أوربا رسميا . من مجموع ما يقارب 1,855,580 كم مربع من مساحة الدولة العثمانية ومن أصـل 24 مليون نسمة خسرت تركيا اكثر من 682,364 كم مربع، وقـرابة خمسة ملايين نسمة . وفي مطلـع سنة 1913 خسرت تركيا جميع المناطق الأوروبية ما عدا مساحة صغيرة لحماية مضيق استنبول .

كان نجاح البلقان واليونان المسيحيين في الانفصال عن الدولة العثمانية قد ترك الأرمن آخر أقلّية مسيحية ما زالت تحت الحكم العثماني . ولقد حقّقت هذه الأقلية خلال القرن التاسع عشر تقدماً على جميع الأصعدة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية . وفي عصر أطلق عليه ” عصر النهضة الأرمنية ” كانت تركيا تتكلّم اللغة التركية ولكنّها تفكّر بالأرمنية . لقد لاحظ بعضهم أنّ هذا التحرّك الحضاري كان أحد العوامل التي ساهمت في مذابح 1894-1896 تحت ظلّ نظام السلطان عبد الحميد . لقد وافق السلطان عبد الحميد على المجزرة ليس لإبادة الأرمن والمسيحيين ، بل لتلقينهم درساً ، ولإبقائهم في أماكنهم المختارة لهم في ” نظام الملّه “، وذلك لإخماد حماسهم ، وخصوصاً الأرمن ، ولتجديد النظام القديم وترميمه .

استغلّ الأرمن قدوم حركة ” تركيا الفتاة ” وتركيزها علـى التجديد ومجاراة العصر واعتبروها فرصة جديدة لتوظيف قواهم في السلطة الجديدة . ولكنّ الدولة التركية اعتبرت قابليّة الأرمن نحو التقدميّة واستعدادهم للانفتاح والمساواة تهديداً لنظام ” تركيا الفتاة ” ، كما أنهّا اعتبرت استمرارية الأرمن في نهضتهم الاجتماعية تحدياً للسيطرة التركية والإسلامية . أضف إلى ذلك أنّ خسارة الأقاليم والسكّان التي نكبت بها الحكومة التركية عزلت الأرمن وكشفت للعيان نيتهم السياسية والقومية.

لقد لاحظ “برنارد لويس” أنّ الحكومة التركية كانت تهيّئ لإجراء تغيير جذري متطرّف في الهويّة القومية والأيديولوجية لإيجاد قوميّة تركيّة تحلّ محل العثمانية ، وهنا يقول لويس:
” الأتراك شعب يتكلّم اللغة التركية ويعيش في تركيا . للوهلة الأولى لا تؤخذ الفكرة كمضمون ثوري مبتكر ، ومع هذا فإنّ تقديم هذه الفكرة في تركيا وقبولها من الشعب التركي لإيجاد هويته ووطنه من الأسباب الرئيسية في ثورات العصر الحديث المتضمّنة التغيير في النواحي الاجتماعية والثقافية والسياسية التقليدية في الماضي “.

ويظهر أنّ إبادة الأرمن والسريان والاقليات الاخرى وترحيلهم من تركيا كانت من نتائج الثورة الوطنية التركية ومرحلة من مراحل تطوّر قوميّتها…

(( يتبع ــــ الجزء الثاني ))

المصادر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
احمد فيروز ـــ تركيا الفتاة ــ كلارندن ـــ اكسفورد ـــ 1969 .
آرام اندويان ـــ مذكرات نعيم بك ــــ لندن ــ 1920.
مايكل ـــ جي ـــ آرلين ــ الممر الى آرارات ـــ نيويورك ـــ 1975 .
اللجنة الوطنية الارمينية ـــ الابادة الجماعية الارمنية 1915ــــ1923 ــــ كالفورنيا ـــ 1988.
رودريك دافيسون ــــ تركيا انجلوود المنحدرات ـــ نيوجرسي ـــ 1968.
أوريل هيد ـــ اسس القومية التركية ـــ لندن ـــ 1950.
ريتشارد هوفاننيسيان ـــ الاصلاح في الدولة العثمانية 1856ــ 1876 ـــ بيرنستون ـــ نيوجرسي ــ 1963.
برنارد لويس ـــ ظهور تركيا الحديثة ـــ لندن ـــ مطبعة جامعة اكسفورد ــ 1961.
روبرت ميلسون ـــ الاستفزاز او القومية في الابادة الجماعية للارمن ـــ نيوجرسي ــ 1986.
جان هنري مورغانثوـــ قصة السفير مورغانثوــــ غاردن ستي ـــ نيويورك ــ 1918.
هاروت ساسونيان ـــ الابادة الجماعية للارمن ، وثائق واعلانات ــ 1915ـــ 1995 ـــ لوس انجلس ــ 1996.
آرنولد توينبي ـــ معاملة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية ـــ لندن ــ 1916.

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.