خرافة العصر الذهبي في صدر الإسلام 3-3

كامل النجار

الزنى: كل الأديان، التي يقال عنها سماوية، والتي يقال عنها فلسفية، قد حرّمت الزنى. والسبب الرئيسي في تحريم الزنى هو سيطرة الرجال على الأديان. فالله مذكر، وكل الرسل والأنبياء ذكور. وقد جاء الإسلام مبالغاً في تحريم الزنى، خاصةً للمرأة. يقول القرآن: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن …) (النور 31). وكذلك: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) (النساء 15). كأنما النساء يفعلن الفاحشة بدون مشاركة الرجال.
ورغم هذ التشديد على الفاحشة، هل كان صدر الإسلام يخلو من الزنى؟ الزنى في المدينة كان مجال الترفيه الوحيد فيها، وكان هذا سبب نزول آية الملاعنة. فقد أكثر الرجال الشكوى إلى محمد من أنهم وجدوا رجالاً آخرين على بطون زوجاتهم، مثل هلال بن أمية الذي اتهم زوجته بالزنى مع شريك بن السحماء، وكذلك عويمر العجلاني اتهم زوجته مع شريك. وقال سعد بن معاذ الذي أهتز له عرش الرحمن يوم مات، والله إن وجدت مع امرأتي رجلاً لأضربنه بالسيف (تفسير القرطبي للآية 4 من سورة النور). وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش، كانا أول من رمى عائشة بالزنى مع صفوان بن المعطل، وصدقهما محمد ولم يكلم عائشة لأكثر من شهر. ولذلك جاء محمد بعدة آيات في سورة النور، وهي آخر سورة أتت في المدينة، حاول فيها إيجاد حل لهذه المشكلة العويصة. أول آية كانت (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأؤلئك هم الفاسقون ) (النور 4). ورغم التهديد بجلد الرجال الذين يتهمون النساء بالزنى، لم تختفِ ادعاءات الرجال ضد زوجاتهم، فجاء محمد بالآيات التالية: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أنّ لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين. والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين) (النور 6-9). وكالمتوقع، فإن هذه الآيات لم تفعل شيئاً بالنسبة لمنع الزنى لأن الآيات تقف على أرضية مائعة جداً. كل المطلوب من الزوج أن يحلف خمسة مرات أنه صادق وتحل لعنة الله عليه إن كان كاذباً. وتفعل المرأة نفس الشيء. وأكيد أن أحدهما كاذب، ولا عقاب لأي منهما غير لعنة الله التي هدد بها كثيراً من قبل بالنسبة للكاذبين، والمنافقين، والمتخلفين عن القتال. ولذلك حلفوا جميعاً ولم يستطع محمد أن يفعل أكثر من أن يفرّق بين الأزواج، والزوج أصلاً بإمكانه أن يطلق المرأة دون اللجو إلى الحلف خمسة مرات. فالآية أصبحت إضافة لا أثر لها في الحياة العملية.
واستمر الزنى في صدر الإسلام، رغم جلد الشهود لتثبيطهم عن الشهادة، كما فعل عمر بن الخطاب في أمر المغيرو بن شعبه، عندما رآه ثلاثة رجال يزني بأم جميل، وراءوا المرود في المكحلة، غير أن أخاهم الرابع قال إنه رآهما عريانين، وراءه يتحرك على أم جميل التي كانت ترفع رجليها فوقه، وسمع أصواتاً، غير إنه لم يرَ المرود في المكحلة، فجلد عمر الشهود الثلاثة وأبرأ ذمة المغيرة (تاريخ الإسلام للذهبي، ج2، ص 229. وكذلك تاريخ الطبري، ج2، ص 493).
(وروي عن عمر أنه كان يوما يتغدى إذ جاءه رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه فجاء حتى جلس مع عمر فجاء الآخرون فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر ما يقولون؟ فقال يا أمير المؤمنين إني ضربت فخذي امرأتي بالسيف، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته. فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال: إن عادوا فعد) (المغني لابن قدامة، ج8، مسألة فيه القود إذا اجتمع عليه الأولياء).
جيء إلى عمر بامرأة حامل ليقيم عليها الحد بعد أن اعترفت أمامه بالفجور، فأمر بها أن تُرجم، فجاء عليّ وأخرجها من الحفرة، وسأل عمر إن كان قد انتهرها، فأجاب بالإيجاب، فقال عليّ: سمعت رسول الله يقول لا حد على معترف بعد بلاء. فأخلى عمر سبيلاها. (صحيفة الراية القطرية، تاريخ 30/11/2003)، قسم الفتاوى). وجيء إلى الخليفة علي بامرأة مع رجل قد فجر بها، فقالت المرأة: لقد استكرهني، فأسقط عليّ عنها الحد (نفس المصدر). والأمثلة أكثر من أن أذكرها في هذه العجالة.
والأسوأ من زني الزوجات أن وطء الصبيان الصغار والبنات، كان معروفاً لدى المسلمين الأوائل. يقول القرطبي في شرحة للآية الرابعة من سورة النور (قال إسحق إذا قذف الرجل غلاماً يُطأ مثله فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت التاسعة مثل ذلك. وقال ابن المنذر: لا يُحد من قذف من لم يبلغ. وفي حديث عليّ بن أبي طالب، أن امرأة جاءته وقالت إن زوجها يأتي جاريتها، فقال لها: إن كنتِ صادقة رجمناه، وإن كنتِ كاذبة جلدناك. فقالت: ردوني إلى أهلي). فهذا الشرح يبين أن المسلمين الأوائل كانوا يرتكبون الفاحشة مع الصبيان الذين لم يبلغوا العاشرة، وكذلك مع البنات الصغيرات، وإلا لما ذكر هذا الشيء فقهاء الإسلام.
وحديث عليّ يثبت أن الزنى كان متفشياً لكن إثباته كان من المستحيلات لعدم توفر أربعة شهداء، ولخوف المشتكي من الجلد، كما حدث للمرأة التي قالت: ردوني إلى أهلي. فالزنى كان منتشراً ولكن التبليغ عنه كان يُحد منه الجلد.
كل هذا الزنى كان يحدث رغم تزايد عدد السبايا في المدينة وغيرها، ويقال إن المغيرة بن شعبة طاف على تسعة من جواريه في ليلة واحدة، وتزوج بسبعين امرأة وطلقهن (تاريخ الإسلام للذهبي، ج2، ص 208). فماذا تفعل السبعون امرأة اللاتي طلقهن المغيرة غير الزنى؟ كيف يشبعن رغباتهن الجنسية بعد أن طلقهن هذا الفحل المغوار؟
ويبدو أن محمداً لم يكن يعتبر الزنى متعارضاً مع تعاليم دينه الجديد، ففي حديث عن أبي ذر، أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، يقول أبو ذر إن محمداً قال: (ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر.)
وفي مرةٍ أتى رجلٌ اسمه ماعز إلى محمد، وقال (إنه أصاب حرةً حراما، وقالها أربع مرات ،كل ذلك يعرض عنه النبي، فأقبل في الخامسة، فقال له النبي “أنكتها”؟ قال نعم. قال حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم. قال هل تدري ما الزنى؟ قال نعم. أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال فما تريد بهذا القول؟ قال اريد أن تطهرني. قال فأمر به فرجم) (المصنف، لعبد الرزلق الصنعاني، ج7، باب هل على المملوكين نفي أو رجم، حديث 13314). هذا الرجل اعترف أربع مرات أنه زنى بامرأة حرة، مسلمة، وتغافل عنه محمد. ولما كررها في الخامسة، استعمل محمد كلمة سوقية حتى يعطي الرجل فرصة لأن يغيّر رأيه وينجو من العقاب. وبعد تأكيد الرجل أنه زنى، سأله محمد: وماذا تريد بهذا الحديث؟ فواضح أن الزنى كان متفشياً عندهم وأن محمد كان يغض الطرف عنه، حتى في حالة الاعتراف، ناهيك عن الذين يفعلون الفاحشة ويستترون، رغم قول القرآن (والزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة).
فمسلمو صدر الإسلام لم يختلفوا عن مسلمي اليوم في ارتكاب الزنى والتستر عليه، اتباعاً للحكمة الإسلامية “إذا بُليتم فاستتروا”. تعاليم الإسلام جعلت من المسلمين نعاما يعرف أن الفواحش ترتكب على نطاق واسع، ولكن يدفن رأسه في الرمال طلباً للستر. وما نراه في دول الخليج من الاتجار بالنساء في سوق الدعارة، ما هو إلا امتدادٌ للعصر الذهبي في صدر الإسلام.
الصدقة: عندما استقر الإسلام في المدينة وكثرت الفتوحات والأموال على المسلمين، فرض محمد عليهم الصدقة، أي الزكاة. ومن ضمن الصدقة المفروضة كانت صدقة التمر. فكان المسلمون يخرجون التمر الصيص الذي لا يصلح للبيع ويعلقونه على الحبال بين الاسطوانتين في المسجد ليأكل منه الفقراء. فأتاهم محمد بآية تقول (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تُغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد) (البقرة 267) (تفسير ابن كثير للآية، وكذلك أسباب النزول للواقدي). وكانوا كذلك يشترون الطعام الرخيص ليتصدقوا به (عن ابن عباس قال: كان اصحاب رسول الله – ص- يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فانزل الله: ” يأيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم) (المقبول لابن عمر الأزهري، ص 147، نقلاً عن خليل عبد الكريم، النص المؤسس). فواضح أن المسلمين الأوائل الذين عاصروا محمداً لم يكونوا مقتنعين بالإسلام عن فهم وطيب خاطر، ولكن فُرض عليهم بالسيف، ولذلك كانوا يتحايلون على الأحكام بشتى الوسائل.
كان المسلمون الأوائل يتزاحمون على بيوت محمد ليحدثهم عن الدين الجديد، وفي نفس الوقت ليأكلوا ما يقدمه لهم من طعام بفضل غزواته الكثيرة التي وفرت له الخمس من كل الغنائم، وعندما كثرت أعدادهم واحتاج محمد إلى زيادة في المال لإطعامهم، أتاهم بآية تقول (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) (المجادلة،11). وبمجرد أن نزلت الآية خلت مجالس محمد من المستمعين لرفضهم تقديم الصدقة، فاضطر محمد للإتيان بآية أخرى تنسخ هذه الآية: (أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون) ( المجادلة،13 ). فألغى محمد الصدقة التي طلب منهم تقديمها له، فازدحمت مجالسه مرة أخرى. فالمسلمون الأوائل والصحابة لم يعيشوا في عصرٍ ذهبي، وكانوا أكثر تشككاً في الإسلام من المسلمين اللاحقين، لكن لكونهم أعراباً أشد نفاقاً من غيرهم، تظاهروا بقبول الإسلام. وأول شيء فعلوه عندما مات محمد هو ارتدادهم عن الإسلام زرافاتٍ ووحدانا، حتى أخضعهم أبو بكر بعد حروب الردة التي شملت أغلب القبائل العربية واستمرت لأكثر من عامٍ كامل. والذي ردهم إلى الإسلام بسيفه كان خالد بن الوليد الذي لم يسلم إلا قبل سنتين من موت محمد.
نفس هؤلاء المسلمين الأوائل الذين عاشوا في العصر الذهبي، كانوا يتحايلون على الزكاة بأن يشتري أحدهم بقراً أو أغناماً ويبيعها بعد عدة أشهر ولكن قبل أن يحول عليها الحول ويشتري بثمنها خرافاً يحتفظ بها تسة أو عشر أشهر ثم يبيعها ويشتري الإبل مرة أخرى، وبهذه الطريقة يتفادى دفع الزكاة. يقول الإمام مالك في المدونة (قال ابن القاسم: قلت لمالك فالغنم تباع بالابل أو البقر والبقر تباع بالغنم (قال) ليس في شئ من هذه زكاة حتى يحول عليها الحول من يوم اشترى الابل والبقر والغنم التى صارت في يديه وانما شراؤه الابل بالغنم وان مضى للغنم عنده ستة أشهر بمنزلة مالو كان عنده ذهب أو ورق فأقامت عنده ستة أشهر ثم اشترى بها ابلا أو بقرا أو غنما فانه يستقبل بالماشية من يوم اشتراها حولا ولا ينظر في هذا إلى اليوم الذى أفاد فيه الدنانير والدراهم وانما ينظر في هذا إلى يوم اشترى الماشية بالدنانير والدراهم فيحسب من ذلك اليوم حولا ثم يزكى) (المدونة، ص 320).
يقول حجة الإسلام الغزالي في مهمة الفقهاء: (وأما الزكاة فالفقيه ينظر إلى ما يقطع به مطالبة السلطان حتى أنه إذا امتنع عن أدائها فأخذها السلطان قهرا حكم بأنه برئت ذمته، وحكى أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ويستوهب مالها {أي تهبه له قبل أن يتم عندها الحول}، إسقاطا للزكاة ،فحُكي ذلك لأبي حنيفة رحمه الله فقال: ذلك من فقهه، وصَدَقَ، فإن ذلك من فقه الدنيا ولكن مضرته في الآخرة أعظم) (إحياء علوم الدين، ربع العبادات، ج1، ص 11). والحيل الشرعية التي أتى بها الفقهاء للتحايل على أحكام القرآن عديدة ولا يمكن ذكرها كلها في مقال بهذا الحجم. وكل هذه الحيل كانت تُمارس في العصر الذهبي للإسلام أيام الإمام مالك وبقية الأئمة الكبار.
التعذيب: أصبحت الدول الإسلامية الآن أشهر دول العالم في تعذيب المعارضين السياسيين واختفائهم قسرياً، لدرجة أن أمريكا أرسلت بعض المعتقلين في في سجن عوانتانيمو بكوبا إلى الأردن والمغرب ومصر وغيرها لاستخلاص الاعترافات منهم تحت التعذيب. فمن أين أتى الحكام العرب بهذه السادية، وهل خلا عصر الإسلام الذهبي من هذه الممارسات؟
التعذيب في الإسلام بدأ بغزوات الرسول، خاصة غزوة خيبر: ( أتى النبي بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق – وكان عنده كنز بني النضير- فسأله فجحد أن يكون له علم بالكنز، فأتى النبي برجل من يهود، فقال الرجل للنبي: إني قد رايت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال النبي لكنانة: أرايت إن وجدناه عندك، آقتلك؟ قال: نعم. فأمر النبي بالخربة فحُفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقي فأبى أن يؤديه، فأمر به رسول الله الزبير بن العوام فقال: ” عذبه حتى تستأصل ما عنده ” فكان الزبير يقدح بالزند في صدره حتى أشرف على الهلاك، ثم دفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه) (تاريخ الطبري، ج2، ص 135).
وتبع ذلك تعذيب أم قرفة (فلما أسرها زيد بن حارثة، أمره النبي أن يقتلها، فقتلها قتلاً عنيفاً، ربط برجليها حبلين ثم ربطهما إلى بعيرين حتى شقها. فأمر النبي بالطواف برأسها في دروب وأزقة المدينة) (النص المؤسس ومجتمعه، خليل عبد الكريم،ص 174. وكذلك إمتاع الأسماع للمقريزي، الطبعة الأولي 1981، ج1، ص 210). ومنذ ذلك الوقت أصبح التعذيب في الإسلام وقطع الرؤوس وسمل الأعين، شيئاً طبيعياً لا يثير لأي تقزز في نفوس المسلمين.
وعندما قتل ابن ملجم الخليفة علي بن أبي طالب (أحضروا ابن ملجم، فاجتمع الناس، وجاءوا بالنفط والبواري، فقال محمد بن الحنفية، والحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: دعونا نشتف منه، فقطع عبد الله يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه، فلم يجزع، وجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمك، وجعل يقرأ: “إقرأ بسم ربك الذي خلق” حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطع، فجزع، فقيل له في ذلك. فقال: ما ذاك بجزع، ولكني أكره أن أبقى في الدنيا فواقاً لا أذكر الله، فقطعوا لسانه، ثم أحرقوه في قوصرة، وكان أسمر حسن الوجه، أفلج، شعره مع شحمة أذنيه، وفي جبهته أثر السجود. ويروى أن علياً رضي الله عنه أمرهم أن يحرقوه بعد القتل.) (تاريخ الإسلام للذهبي، ج2، ص 197). وهؤلاء كانوا أبناء الخليفة علي، الذين رضعوا من ثدي الإسلام الذي كان لتوه قد أنجب الخلفاء الراشدين.
وعندما عزل الخليفة يزيد بن معاوية الوليد بن عقبة عن المدينة، استعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق، فقدمها في رمضان فدخل عليه أهل المدينة، وكان عظيم الكبر واستعمل على شرطته عمر بن الزبير لِمَا كان بينه وبين أخيه عبد الله من البغضاء. فأرسل عمر بن الزبير إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضرباً شديداً لهواهم في أخيه عبد الله، منهم أخوه المنذر بن الزبير، ثم جهز عمرو بن سعيد عمر بن الزبير في جيش نحو الفى رجل إلى أخيه عبد الله بن الزبير فنزل بالأبطح وأرسل إلى أخيه يقول له بر بيمين يزيد، وكان يزيد قد حلف ألا يقبل بيعته إلا أن يؤتى به في جامعة، وقال حتى أجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى. فأرسل إليه أخوه عبد الله جيشاً فرّق جماعته وأصحابه، ثم أقاد عمرا بكل من ضربه ومات عمر تحت السياط. (شذرات الذهب للدمشقي، ج1، ص 66). وهذا ما يحدث بين الإخوان في دين المنصور بالرعب.
فإذا كانت هذه تصرفات نبي الإسلام وأبناء خلفائه الراشدين، فأين كان العصر الذهبي للإسلام؟ هل كان في عصر الحجاج بن يوسف، أم عصر يزيد بن معاوية، أم في عصر هارون الرشيد؟ عصر الإسلام الذهبي لا يوجد إلا في مخيلة السلفيين الذين ينظرون إلى الحياة الدنيا بمنظار داكن يحجب عنهم ضوء العقل، ويزين لهم قباحات ما كان يفعله سلفهم الصالح، فيرونها بلون الزهور، ويحجب عن أنوفهم نتانة الصديد الذي يفوح من تاريخ الإسلام، خاصة العصر الذهبي المزعوم. وكل تفجيرات الإسلاميين التي نراها اليوم في العراق وأفغانستان وباكستان، لا تساوي عُشر الدماء التي أسالتها سيوف من كان قد أمره إلهه بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
خخخ

كامل النجار (مفكر حر)؟

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.